كتاب الأم/الدعوى والبينات/باب دعوى الولد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأمالدعوى والبينات

الشافعي


باب دعوى الولد


[قال الشافعي]: رحمه الله: وإذا تداعى الحر والعبد المسلمان، والذمي الحر، والعبد مولودا وجد لقيطا فلا فرق بين أحد منهم كما لا يكون بينهم فرق فيما تداعوا فيه مما يملكون فتراه القافة فإن ألحقوه بأحدهم فهو ابنه ليس له أن ينفيه، ولا للمولود أن ينتفي منه بحال أبدا، وإن ألحقه القافة باثنين فأكثر أو لم تكن قافة أو كانت فلم تعرف لم يكن ابن واحد منهم حتى يبلغ فينتسب إلى أيهم شاء فإذا فعل ذلك انقطعت دعوى الآخرين، ولم يكن للذي انتسب إليه أن ينفيه، وهو حر في كل حالاته بأيهم لحق لأن اللقيط حر، وإنما جعلناه حرا إذا غاب عنا معناه لأن أصل الناس الحرية حتى يعلم أنهم غير أحرار، ولو أن أحدهم قال هو ابني من أمة نكحتها لم يكن بهذا رقيقا لرب الأمة حتى يعلم أن الأمة ولدته، ولا يجعل إقرار غيره لازما له، ويكفي القائف الواحد لأن هذا موضع حكم بعلم لا موضع شهادة، ولو كان إنما حكمه حكم الشهادات ما أجزنا غير اثنين، ولا أجزنا شهادة اثنين يشهدان على ما لم يحضرا، ولم يريا، ولكنه كاجتهاد الحاكم العالم ينفذه كما ينفذ هذا، ولا يحتاج معه إلى ثان، ولا يقبل القائف الواحد حتى يكون أمينا، ولا أكثر منه حتى يكونوا أمناء أو بعضهم فإذا أحضرنا القائف والمتداعيين للولد أو ذوي أرحامهم إن كان المدعون له موتى أو كان بعض المدعين له ميتا فأحضرنا ذوي رحمه أحضرنا احتياطا أقرب الناس نسبا، وشبها في الخلق، والسن، والبلد بالمدعين له ثم فرقنا بين المتداعيين منهم ثم أمرنا القائف يلحقه بأبيه أو أقرب الناس بأبيه إن لم يكن له أب، وإن كانت معه أم أحضرنا لها نسبا في القرب منها كما وصفت ثم بدأنا فأمرنا القائف أن يلحقه بأمه لأن للقائف في الأم معنى، ولكي يستدل به على صوابه في الأب إن أصاب فيها. ويستدل على غيره إن أخطأ فيها فخالفنا بعض الناس في القافة فقال القافة باطل فذكرنا له: (أن النبي ﷺ سمع مجززا المدلجي، ونظر إلى أقدام أسامة، وأبيه زيد، وقد غطيا وجوههما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فحكى ذلك النبي ﷺ لعائشة مسرورا به) فقال ليس في هذا حكم فقلنا إنه وإن لم يكن فيه حكم فإن فيه دلالة على أن النبي ﷺ رضيه، ورآه علما لأنه لو كان مما لا يجوز أن يكون حكما ما سره ما سمع منه إن شاء الله تعالى ولنهاه أن يعود له فقال إنك، وإن أصبت في هذا فقد تخطئ في غيره قال فهل في هذا غيره؟ قلنا نعم أخبرنا ابن علية عن حميد عن أنس أنه شك في ابن له فدعا القافة أخبرنا أنس بن عياض عن هشام عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رجلين تداعيا ولدا فدعا له عمر القافة فقالوا قد اشتركا فيه فقال له عمر وال أيهما شئت أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان عن عمر مثل معناه أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري عن عروة عن عمر بن الخطاب مثل معناه قال فإنا لا نقول بهذا، ونزعم أن عمر قال هو ابنكما ترثانه، ويرثكما، وهو للباقي منكما قلت فقد رويت عن عمر أنه دعا القافة فزعمت أنك لا تدعو القافة فلو لم يكن في هذا حجة عليك في شيء مما وصفنا إلا أنك رويت عن عمر شيئا فخالفته فيه كانت عليك قال قد رويت عنه أنه ابنهما، وهذا خلاف ما رويتم قلنا، وأنت تخالف أيضا هذا قال فكيف لم تصيروا إلى القول به؟ قلنا هو لا يثبت عن عمر لأن إسناد حديث هشام متصل، والمتصل أثبت عندنا، وعندك من المنقطع. وإنما هذا حديث منقطع، وسليمان بن يسار، وعروة أحسن مرسلا عن عمر ممن رويت عنه قال فأنت تخالف عمر فيما قضى به من أن يكون ابن اثنين قلت فإنك زعمت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى به إذ كان في أيديهما قضاء الأموال قال كذلك قلت.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: قلت فقد زعمت أن الحر المسلم، والعبد المسلم، والذمي إذا تداعوا ولدا جعلته للحر المسلم للإسلام ثم زعمت أن العبد المسلم والذمي إذا تداعيا ولدا كان للذمي للحرية فزعمت أنك تجعله مرة للمدعي بالإسلام، والآخر يقضي به على الإسلام، وتجعله على الحرية دون الإسلام، وأنت تزعم أن هؤلاء لو تداعوا مالا جعلته سواء بينهم فإن زعمت أن حكمه حكم الأموال، وأن ذلك موجود في حكم عمر فقد خالفته بما وصفنا [قال]: فإنا إنما قلنا هذا على النظر للمولود. قلنا، وتقول قولا لا قياسا، ولا خبرا ثم تقوله متناقضا أرأيت لو أجازوا لك أن تقوله على أن تنظر للمولود فحيث كان خيرا له ألحقته فتداعاه خليفة أو أشرف الناس نسبا، وأكثرهم مالا، وخيرهم دينا وفعالا، وشر من رأيت بعينك نفسا، ونسبا، وعقلا، ودينا، ومالا [قال]: إذا أجعلهم فيه سواء؟ قلنا فلا نسمع قولك قضيت به على النظر له معنى لأنك لو كنت تثبت على النظر له ألحقته بخيرهما له. [قال]: فقد يصلح هذا، ويكثر ماله، ويفسد هذا، ويقل ماله قلنا، وكذلك يعتق العبد، ويسلم الذمي حتى يكونا خيرا من الذي قضيت له به [قال]: فأين خالفته فيه في سوى هذا الموضع؟ قلت زعمت أن أبا يوسف رحمه الله تعالى قال: أقضي به للاثنين بالأثر، وثلاثة لأن ثلاثة في معنى اثنين فإذا كانوا أربعة فصاعدا لم أقض به لواحد منهم [قال]: فهذا خطأ كله، وقد تركته. قلنا فقل ما شئت: قال فازعم أن الاثنين والثلاثة سواء فأقضي لهم به سواء قلنا كما يقضى بالمال؟ قال: نعم قلنا فما تقول إن مات المولود لمائة قيام؟ قال يرثه كل واحد منهم سهما من مائة سهم من ميراث أب لأن كذلك أبوتهم فيه. قلنا فما تقول إن مات واحد من الآباء؟ قال فيرثه ميراث ابن كامل قلت، وكيف يكمل له ميراث ابن، وإنما له جزء من مائة جزء من أبوته فتورثه بغير الذي يورث منه، وإنما ورث المسلمون الأبناء من الآباء كما ورثوا الآباء. وكيف زعمت أنه إذا مات كان ابن تسعة وتسعين أبا ثم لم ترثه بنات الميت، ولم يكن لهن أخا، ولم يرثه بنو الميت بأنهم أخواته فكيف جعلته أبا إلى مدة، ومنقطع الأبوة بعد مدة؟ هل رأيت هكذا مخلوقا قط؟ قال اتبعت فيه عمر أنه قال هو للباقي منكما. قلنا ليس هو عن عمر بثابت كما وصفت. ولو كان ثابتا كان أولى القولين عندك إذا اختلف فيه عن عمر أولاهما بالقياس والمعقول. والقياس والمعقول عندنا، وعندك على كتاب الله عز وجل، وقول رسول الله ﷺ وأمر المسلمين أنه لا يكون ابن اثنين، ولا يرث اثنين بالأبوة وعمر، ولو قال ما قلت هو للباقي منكما فقطع أبوة الميت لم يورث الابن منه لأن الميراث إنما يجب بالموت. فلما كان الموت يقطع أبوة الميت كانت الأبوة منقطعة، ولا ميراث، ولو ورثه لم يورثه إلا كما كان موروثا الأب من الابن. جزءا من أجزاء لا كاملا، وقلت له، وهكذا كلما مات من المائة واحد حتى يبقى أب واحد قال نعم أفرأيت لو قال هذا من لم ينظر في علم قط فزعم أن مولودا مرة ابن مائة ومرة ابن واحد، وفرق ما بين المائة والواحد أما تقول له ما يحل لك أن تكلم في العلم لأنك لا تدري أي شيء تقول قال ما خفي علينا أن القياس ما قلتم، وأنه أحسن من قولنا، ولكنا تبعنا فيه الأثر، وليس في الأثر إلا الانقياد. قلنا فالأثر كما قلنا لأنك لا تخالفنا في أن الموصول أثبت من المنقطع، وأثرنا فيه موصول. ولو كانا منقطعين معا كان أصل قولك، وقولنا إن الحديثين إذا اختلفا ذهبنا إلى أشبههما بالقياس. وقد خالفت عمر في حديث نفسك من حيث وصفنا مع أنك تخالف عمر لقول نفسك فيما هو ألزم لك أن تتبعه من هذا ثم عددت عليه أشياء يخالف فيها قول عمر لغير قول أحد من أصحاب النبي ﷺ قال فإن لي عليك مسألة فيها قلت قد فرغنا من الذي علينا فأثبتنا لك عن عمر قولنا، وزعمت أنه القياس قال فهل لك حجة غيره؟ قلنا ما ذكرنا فيه كفاية. قال فقد قيل إن من أصحابك من يتأول فيه شيئا من القرآن. قلت: نعم زعم بعض أهل التفسير أن قول الله عز وجل: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام، واستدل بسياق الآية قول الله عز وجل: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} قال فتحتمل هذه الآية معنى غير هذا؟ قلنا نعم زعم بعض أهل التفسير أن معناها غير هذا قال فلك به حجة تثبت قلنا أما حتى نستطيع أن نقول هو هكذا غير شك فلا لأنه محتمل غيره، ولم يقل هذا أحد يلزم قوله. ولكنه إذا كان يحتمل، وكان معنى الإجماع أن الابن إذا ورث ميراث ابن كامل فكذلك يرثه الأب ميراث أب كامل لم يستقم فيه إلا هذا القول فإن قال قائل أرأيت إذا دعوت القافة لولد الأمة يطؤها رجلان بشبهة فإن كانت حرة فوطئت بشبهة أتدعو لها القافة؟ قلت نعم فإن قال، ومن أين؟ قلنا الخبر عن عمر أنه دعا القافة لولد امرأة ليس فيه حرة، وقد تكون في إبل أهلها، وهي حرة لأن الحرائر يرعين على أهلهن، وتكون في إبل أهلها، وهي أمة، ولو كان إنما حكم بالقافة في ابن أمة دل على أنه يحكم به في ابن الحرة فإن قال، وما يدل على ذلك؟ قلنا إذا ميزنا بين النسب والأموال فجعلنا القائف شاهدا أو حاكما أو في معناهما معا جاز أن يشهد على ابن الحرة كما يشهد على ابن الأمة، وأن يكون الحكم في ابن الحرة كهو في ابن الأمة لأنهما لا يختلفان، وكل واحد منهما ابن بوطء الحلال، ووطء الشبهة، ومنفي بوطء الزنا. أفرأيت لو لم ندع القافة لابن الحرة فوطئها رجلان بنكاح فاسد لم يعرف أيهما وطئها أولا أو ليس إن جعلناه ابنهما أو نفيناه عنهما أليس يدخل علينا ما عبناه على غيرنا في القولين معا؟ ولو علمنا أيهما كان، وطئها أولا فجعلناه له أو للآخر من الواطئين دخل علينا أنا نقوله غير قياس، ولا خبر، وإذا كانت حجتهما في شيء واحد فلم تجعله لأحدهما دون الآخر، ولكنا لم نحكم فيه حكم الأموال، ولا حكم الأنساب، وافتعلنا فيها قضاء متناقضا لأنا إنما فرقنا بين حكم الأموال، وحكم الأنساب بالقافة، وإذا أبطلنا القافة في موضع كنا قد خرجنا من أصل مذهبنا في القافة.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا التقط مسلم لقيطا فهو حر مسلم ما لم يعلم لأبويه دين غير دين الإسلام فإذا أقر به نصراني ألحقناه به، وجعلناه مسلما لأن إقراره به ليس بعلم منا أنه كما قال فلا نغير الإسلام إذا لم نعلم الكفر.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ولو أقام النصراني بينة من المسلمين أنه ابنه ولد على فراشه ألحقناه به، وجعلنا دينه دين أبيه حتى يعرب عن نفسه لأن هذا علم منا بأنه مولود على فراشه، وأن التقاط من التقطه إنما هو كالضالة التي يجدها الرجل فإن أقام البينة أبوه عليه بعد عقله الإسلام ووصفه إياه جعلناه ابنه، ومنعناه من أن ينصره حتى يبلغ فيتم على الإسلام فنلحقه بالمسلمين، ونقطع عنه حكم أهل الذمة فإن بلغ فامتنع من الإسلام لم يكن من المرتدين الذين نقتلهم لأنه لم يصف الإسلام بعد البلوغ، وبعد وجوب ما أقر به على نفسه للناس، ولله عز وجل من الحقوق ألا ترى أنه لو كان ابن مسلم فارتد قبل البلوغ لم أقتله حتى يبلغ فيثبت على الردة، ولو زنى قبل البلوغ أو قذف لم أحده، وإنما تجب عليه الحدود والإقرار للناس إذا أقر بعد البلوغ، ولكني أحبسه وأخيفه رجاء رجوعه إلى الإسلام.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا التقط المنبوذ، ومعه مال فينبغي له أن يرفعه إلى القاضي، وينبغي للقاضي إن كان الذي التقطه ثقة لماله أن يوليه إياه، ويأمره ينفق عليه بالمعروف، وإن كان غير ثقة لماله فليدفع ماله لغيره، ويأمر ذلك الذي دفع إليه ماله بالنفقة عليه بالمعروف. وإن لم يكن له مال فينبغي لوالي المسلمين أن ينفق عليه فإن لم يفعل فشاء الذي هو في يديه أن يأمره القاضي بالنفقة عليه، وأن تكون النفقة دينا على المنبوذ إذا بلغ وثاب له مال فعل، وإن لم يفعل الذي التقطه، ولا مال له، وأنفق عليه فهو متطوع بالنفقة، ولا يرجع بشيء منها عليه بعد بلوغ، ويسر، ولا قبله، وسواء وجد المال مع اللقيط أو أفاده بعد التقاطه.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: لا يجوز على الولادة ولا شيء مما تجوز فيه شهادة النساء مما يغيب عن الرجال إلا أربع نسوة عدول من قبل أن الله عز وجل حيث أجاز الشهادة انتهى بأقلها إلى شاهدين أو شاهد وامرأتين فأقام الثنتين من النساء مقام رجل حيث أجازهما فإذا أجاز المسلمون شهادة النساء فيما يغيب عن الرجال لم يجز والله أعلم أن يجيزوها إلا على أصل حكم الله عز وجل في الشهادات فيجعلون كل امرأتين يقومان مقام رجل، وإذا فعلوا لم يجز إلا أربع. وهكذا المعنى في كتاب الله عز ذكره، وما أجمع المسلمون عليه أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء أنه قال في شهادة النساء على الشيء من أمر النساء لا يجوز فيه أقل من أربع، وقد قال غيرنا تجوز فيه واحدة لأنه من موضع الأخبار كما تجوز الواحدة في الخبر لا أنه من موضع الشهادة، ولو كان من موضع الشهادات ما جاز عدد من النساء -، وإن كثرن - على شيء فقيل لبعض من قال هذا فبأي شيء احتجت إلى خبر واحدة أبشهادة أو غير شهادة؟ قال بشهادة على معنى الأخبار فقيل له، وكذلك شاهدان، وأكثرهما شاهدان على معنى الأخبار قال، ولا تجوز شهادات النساء منفردات في غير هذا قيل نعم، ولا رجل وامرأتين إلا في خاص، ولا تجوز على الحدود، ولا على القتل فإن كنت أنكرت أن يكن غير توأم إلا في موضع فكذلك يلزمك في رجل، وامرأتين أنهما غير تامين، وكذلك يلزمك في رجلين لأنهما غير تامين في الشهادة على الزنا، وكذلك يلزمك في شهادة أهل الذمة بخبرها أنها غير تامة على مسلم فإذا كانت الشهادة كلها خاصة ما لم تتم الشهود أربعة فكيف إذا كانت الشهادة على ما يغيب عن الرجال خاصة لم نصرفها إلى قياس على حكم الله وإجماع المسلمين، ولا يقبل فيها من العدد إلا أربعا تكون كل ثنتين مكان شاهد؟ قال فإنا روينا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه أجاز شهادة القابلة، وحدها قلت لو ثبت عن علي رضي الله تعالى عنه صرنا إليه إن شاء الله تعالى ولكنه لا يثبت عندكم، ولا عندنا عنه، وهذا لا من جهة ما قلنا من القياس على حكم الله، ولا من جهة قبول خبر المرأة، ولا أعرف له معنى.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا ابتاع الرجل من الرجل بيعا ما كان على أن له الخيار أو للبائع أو لهما معا أو شرط المبتاع أو البائع خيارا لغيره، وقبض المبتاع السلعة فهلكت في يديه قبل رضا الذي له الخيار فهو ضامن لقيمتها ما بلغت قلت أو كثرت من قبل أن البيع لم يتم قط فيها، وأنه كان عليه إذا لم يتم البيع ردها، وكل من كان عليه رد شيء مضمونا عليه فتلف ضمن قيمته فالقيمة تقوم في الفائت مقام البدل، وهذا قول الأكثر ممن لقيت من أهل العلم والقياس والأثر، وقد قال قائل من ابتاع بيعا، وقبضه على أنه بالخيار فتلف في يديه فهو أمين كأنه ذهب إلى أن البائع سلطه على قبضه، وإلى أن الثمن لا يجب عليه إلا بكمال البيع فجعله في موضع الأمانة، وأخرجه من موضع الضمان، وقد روي عنه في الرجل يبتاع البيع الفاسد، ويقبضه ثم يتلف في يديه أنه يضمنه القيمة، وقد سلط البائع المشتري على القبض بأمر لا يوجب له الثمن، ومن حكمه، وحكم المسلمين أن هذا غير ثمن أبدا فإذا زعم أن ما لا يكون ثمنا أبدا يتحول فيصير قيمة إذا فات ما فيه العقد الفاسد فالمبيع يشتريه الرجل شراء حلالا، ويشترط خيار يوم أو ساعة فيتلف أولى أن يكون مضمونا لأن هذا لو مرت عليه ساعة أو اختار المشتري إنفاذه نفذ لأن أصله حلال، والبيع الفاسد لو مرت عليه الآباد أو اختار المشتري والبائع إنفاذه لم يجز فإن قال إن البائع بيعا فاسدا لم يرض أن يسلم سلعته إلى المشتري وديعة فتكون أمانة، وما رضي إلا بأن يسلم له الثمن فكذلك البائع على الخيار ما رضي أن يكون أمانة، وما رضي إلا بأن يسلم له الثمن فكيف كان في البيع الحرام عنده ضامنا للقيمة إذ لم يرض البائع أن يكون عنده أمانة، ولا يكون ضامنا في البيع الحلال، ولم يرض أن يكون أمانة، وقد روى المشرقيون عن عمر بن الخطاب أنه سام بفرس، وأخذها بأمر صاحبها فشار إليه لينظر إلى مشيها فكسرت فحاكم فيها عمر صاحبها إلى رجل فحكم عليه أنها ضامنة عليه حتى يردها كما أخذها سالمة فأعجب ذلك عمر منه، وأنفذ قضاءه، ووافقه عليه، واستقضاه فإذا كان هذا على مساومة، ولا تسمية ثمن إلا أنه من أسباب البيع فرأى عمر، والقاضي عليه أنه ضامن له، فما سمي له ثمن، وجعل فيه الخيار أولى أن يكون مضمونا من هذا، وإن أصاب هذا المضمون المشتري شراء فاسدا نقص عند المشتري رده، وما نقص، وإذا كان الابن فقيرا بالغا لا يجد طولا لحرة، ويخاف العنت فجائز له أن ينكح أمة أبيه كما ينكح أمة غيره إلا أن ولده من أمة أبيه أحرار فلا يكون لأبيه أن يسترقهم لأنهم بنو ولده، وإن كان الأب فقيرا فخاف العنت فأراد أن ينكح أمة ابنه لم يجز ذلك له وجبر ابنه إذا كان واجدا على أن يعفه بإنكاح أو ملك يمين لأن للأب إذا بلغ أن يكون فقيرا غير مغن لنفسه زمنا أن ينفق عليه الابن، وإذا تزوج الرجل المرأة، ودخل بها ثم ملك ابنتها فأصابها حرمت عليه أمها، وحرمت البنت لأن هذه بنت امرأة قد دخل بها، وتلك قد صارت أم امرأة أصابها، وإن ولدت له هذه الجارية كانت أم ولد تعتق بموته، ولا يحل له إصابتها، ويحل له خدمتها، وتكون مملوكة له كملك أم الولد يأخذ أرش الجناية عليها، وما أفادت من مال كما يأخذ مال مماليكه، وإن كانت الأمة لأبيه، والمسألة بحالها، ولم تلد فالأمة لأبيه كما هي، وعليه عقرها لأبيه فإن قال قائل في الأمة التي وطئها الرجل، وولدت، وحرم فرجها عليه بأنه قد وطئ أمها بنكاح أعتقها عليه من قبل أنها لا ترق بعده بحال، ولا يكون له بيعها، وإنما هي أم ولد له فيها المتعة بالجماع فلما حرم الجماع أعتقها عليه قيل له - إن شاء الله تعالى - فما تقول في أم ولد الرجل قبل أن يحرم عليه فرجها أله شيء منها غير الجماع؟ فإن قال نعم قيل فيأخذ ثمنها، ويجنى عليها فيأخذ أرش الجناية عليها، وتفيد مالا من أي وجه ما كان فيأخذ المال، وتخدمه قلت له أسمع له فيها معاني كثيرة غير الجماع فلم أبطلتها، وأعتقتها عليه، وهو لم يعتق، وإنما القضاء أن يعتق على من أعتق أو تعتق أم الولد بعد موت السيد، وهو لم يمت فإذا كان عمر إنما أعتقهن بعد موت ساداتهن فعجلتهن العتق فقد خالفته، وإذا كان القضاء أن لا يعتق إلا من أعتق السيد فأعتقتها فقد خالفته فإن قال أكره أن يخلو بامرأة لا يحل له فرجها قيل وإن كانت ملكه؟ فإن قال نعم قيل له ما تقول فيه إن ملك أمه وبنته وأخته من الرضاع وجارية لها زوج أيحل له أن يخلو بهن؟ فإن قال نعم قيل فقد خليت بينه وبين الخلوة بأربع كلهن حرام الفرج عليه فكيف حرمته بواحدة؟ فإن قال إنما خليت بينه وبين الخلوة برضائعه لأنه محرم لهن قيل فمحرم هو لجاريته التي لها زوج؟ فإن قال لا قيل فقد خليت بينه وبين فرج ممنوع منه، وليس لها محرم فإن قال فلم منعت الابن فرج جاريته إذا أصابها أبوه، ولم تجعل عليه إلا العقر، ولم تقومها على أبيه، وقد فعل فيها فعلا يمنع به الابن من فرجها؟ قيل له إن منع الفرج لا ثمن له، والجناية جنايتان جناية لها ثمن، وأخرى لا ثمن لها فلما كان الحد إذا درئ كان ثمة في الموطوءة عقر أغرمناه الأب، ولم نسقط عنه شيئا فعله له ثمن، ولما كان تحريم الفرج غير معتق للأمة، ولا مخرج لها من ملك الابن لم يكن استهلك شيئا فيغرمه فإن قال فما يشبه هذا؟ قيل ما هو في أكثر من معناه، وهي المرأة ترضع بلبن الرجل جاريته لتحرمها عليه فتحرم الجارية وولدها، وتكون مسيئة آثمة بما صنعت، ولا يكون لما صنعت ثمن نغرمها إياه، وهي لو شجتها أغرمناها أرش شجتها فإذا كان التحريم يكون من المرأة عامدة، ولا تغرم لأنه غير إتلاف، ولا إخراج للمحرمة من الملك، ولا جناية لها أرش فكذلك هي في الأب بل هي في الأب أولى أن يكون قد أخذ منها بدلا لأنه قد أخذ منه عقر، وهذه لم يؤخذ منها قليل ولا كثير.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا ملك الرجل أخته من الرضاعة فأصابها جاهلا فحبلت وولدت فهي أم ولد له تعتق بذلك الولد إذا مات ويحال بينه وبين فرجها بالنهي، وفيه قول آخر أنها لا تكون أم ولده، ولا تعتق بموته لأنه لم يطأها حلالا، وإنما هو وطء بشبهة، وإن كان عالما بأنها محرمة عليه فولدت فكذلك أيضا، وفيها قولان أحدهما أنه إذا أتى ما يعلم أنه محرم عليه أقيم عليه حد الزنا، والثاني لا يقام عليه حد الزنا، وإن أتاه، وهو يعلمه في شيء له فيه علق ملك بحال، ولكنه يوجع عقوبة منكلة، ويحال بينه وبين فرجها بأن ينهى عن وطئها، ولا عقر في واحدة من الحالين عليه لأن العقر الذي يجب بالوطء له، ولا يغرم لنفسه ألا ترى أنه لو قتلها لم يغرم لأنه إنما يضمن لنفسه.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا ملك النصراني المسلمة، ووطئها، وهو جاهل أعلم، ونهي أن يعود أن يملك مسلمة، وبيعت عليه فإن ولدت بذلك الوطء حيل بينه وبينها بأن تعزل عنه، ويؤخذ بنفقتها، وإن أراد أن تعمل له معتزلة عنه ما يعمل مثلها كان ذلك له، وإذا مات فهي حرة، وهكذا أم ولد النصراني تسلم، وإن كان وطئها، وهو يعلمها محرمة عليه فالقول فيها مثل القول في الذي وطئ رضيعته، وهو يعلمها محرمة عليه في أحد القولين حد، وفي الآخر عقوبة، وإن أراد إجارتها من امرأة في عمل تطيقه فذلك له، وله أخذ ما أفادته، وأخذ أرش جناية إن جني عليها، وقد خالفنا بعض الناس في أم ولد النصراني تسلم فقال هي حرة حين أسلمت، وقال علتي في إعتاقها علتان إحداهما أن فرجها قد حرم عليه، والأخرى أن لا أثبت لمشرك على مسلم ملكا فقيل له أما الأولى فما أقرب تركها منك فقال وكيف؟ قلت أرأيت أم ولد لرجل وطئها ابنه قال تحرم عليه قلت أفتعتقها عليه، وقد حرم فرجها بكل حال؟ قال لا قلنا، وكذلك لو كان هو وطئ ابنتها وأمها حرم عليه فرجها بكل حال عندك، ولم تعتقها عليه؟ قال نعم قلنا، وكذلك لو ظهر أنها أخته من الرضاعة؟ قال نعم قلنا فقد تركت الأمر الأول في الأولى أن تعتق من هذه قال وكيف؟ قلنا هؤلاء لا تحل فروجهن عندك بحال، وأم ولد النصراني قد يحل فرجها لو أسلم الساعة قال فدع هذا قلت، والثاني ستدعه قال وكيف؟ قلت أرأيت مدبر النصراني أو مدبرته، ومكاتبته أتعتقهم إذا أسلموا أو تبيعهم؟ قال لا نعتق المدبرين إلا بالموت، ولا المكاتب إلا بالأداء قلنا فهؤلاء قبل أن يعتقوا لمن ملكهم؟ قال النصراني، ولكنه معلق بموته قلنا فكذلك أم الولد ملكها للنصراني معلق بموته فإذا مات عتقت، ولا تباع في دين، ولا تسعى فيه، وأنت تستسعي المدبر في دين النصراني قال فإن قلت فهو حر، ويسعى في قيمته؟ قلت يدخل ذلك عليك في المكاتب قال أما المكاتب فلا أقوله قلت أرأيت عبدا نصرانيا أسلم فوهبه النصراني لمسلم أو ذمي أو أعتقه أو تصدق به؟ قال يجوز ذلك كله قلنا فيجوز إلا، وهو مالك له ثابت الملك عليه؟ قال لا قلت أو رأيت لو أسلم بموضع لا سوق به أتمهله حتى يأتي السوق فيبيعه؟ قال نعم قلنا فلو جنى عليه جان فقتله أو جرحه كان الأرش للنصراني، وكان له أن يعفو كما كان يكون للمالك المسلم؟ قال نعم قلنا فقد زعمت أنه مالك له في حالات قال نعم، ولكني إذا قدرت على إخراجه من ملكه أخرجته قلت بأن تدفع إليه ثمنه مكانه أو بغير شيء؟ قال أدفع إليه ثمنه مكانه قلنا فتصنع ذا بأم الولد؟ قال لا أجد السبيل إلى بيعها فأدفع إليه ثمنها قلت فلما لم تجد السبيل إلى بيعها كان حكمها غير حكمه؟ قال نعم قلنا فمن قال لك أعتقتها بلا عوض يأخذه مكانه؟ قال لا، ولكن عوض عليها قلنا فهي معدمة به أفكنت بائعا عبده من معدم؟ قال لا قلنا فكيف بعتها من نفسها، وهي معدمة؟ قال للحرية قلنا من قبله كانت أو من قبلها؟ فإن قلت من قبله قلنا فهي حرة بلا سعاية قال ما أعتقها فتكون حرة بلا سعاية، ولا أعتق شيئا منها قلت فحرة من قبل نفسها فللمملوك أن يعتق نفسه قال فحرة من قبل الإسلام قلنا فقد أسلم العبد فلم تعتقه، وما دريت من أين أعتقتها، ولا أنت إلا تخرصت عليها، وأنت تعيب الحكم بالتخرص.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا استعار رجل من رجل جارية فوطئها فقال هذه ومسألة الغاصب الذي وطئ في كتاب الحدود في مسألة درء الحدود بالشبهات فخذوا جوابها من هنالك فإن الحجة فيها ثم.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ولو أن رجلا زوج رجلا امرأة، وزعم أنها حرة فدخل عليها الرجل ثم استحق رقبتها رجل، وقد ولدت أولادا فأولادها أحرار، وللمستحق قيمتهم وجاريته والمهر يأخذ من الزوج إن شاء، ويرجع به الزوج كله على الغار لأنه لزم من قبله، وأصل ما رددنا به المغرور على الغار على أشياء منها أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال أيما رجل نكح امرأة بها جنون أو جذام أو برص فأصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، وذلك لزوجها غرم على وليها فرد الزوج على ما استحقت به المرأة عليه من الصداق بالمسيس على الغار، وكان موجودا في قوله إنه إنما رده عليه لأن الغرم في المهر لزمه بغروره، وكذلك كل غار لزم المغرور بسببه غرم رجع به عليه، وسواء كان الولي يعرف من المرأة الجنون أم لم يعرفه لأن كلا غار. فإن قال قائل: قد يخفى ذلك على العبد؟ قيل نعم، وعلى أبيها أرأيت لو كان تحت ثيابها نكتة برص أما كان يمكن أن يخفى ذلك على أبيها، والغار علم أو لم يعلم يضمن للمغرور ثم بين الغار وبين المرأة حكم، وهو مكتوب في كتاب النكاح.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة فاشترى ابن سيده أو أباه أو من يعتق على سيده إذا ملكه ففيها قولان. أحدهما: أنه لا يعتق عليه، وذلك أنه إنما أذن له فيما يجوز للمالك أن يملكه لا ما لا يجوز له ملكه كما يكون الرجل يدفع إلى الرجل مالا فيضاربه فيشتري ابنه فلا يلزمه أن يعتق عليه ويكون المضارب ضامنا للثمن الذي دفعه في ابنه لأنه اشترى بماله ما لا يجوز له ملكه، وهذا مذهب محتمل لمن قاله. والقول الثاني: أنه يعتق عليه من قبل أن الشراء كان حلالا، وأن ما ملك العبد فإنما يملكه لسيده، وإذا ملك السيد ابنه عتق عليه. فإن قال قائل: فما الفرق بين العبد المأذون له والمضارب؟ قيل له: إن في الشراء حقوقا. منها حق للبائع على المشتري الذي لا يجوز إبطاله إذا كان بيعا حلالا فلما كان هذا بيعا حلالا يلزم العبد لم يجز أن يلزم العبد أبدا إلا والسيد مالك فيعتق، والمضارب يلزمه البيع فلا يظلم المشتري، ويكون المضارب مالكا لهذا العبد، وليس ملك المضارب لنفسه مثل ملك صاحب المال، وملك العبد لنفسه مثل ملك صاحب المال، وهذا أصح القولين، وبه نأخذ، والله تعالى أعلم. وسواء كان للعبد دين أذن له في مداينته أو لم يكن عليه دين من قبل أن الغرماء لا يملكون على العبد ماله إلا بالقيام عليه، وبعد ملك العبد له فلما كان تمام ملك العبد واقعا على ابن سيده، والعتق معه لم يجز أن يرق بحال لأنه إذا تم فيه ملكه تمت حريته، ولا يغرم الأب شيئا قل ولا كثر لأن الغرماء إن دخل عليهم نقص من عتقه فالذي دخل على الأب أكثر منه، ولا يكون مصابا بماله، وغارما مثله، وما أتلف شيئا فيكون عليه ما أتلف، ولا أمر بشرائه من مال العبد فيكون منتزعا من العبد شيئا يكون عليه رده إنما أخطأ فيه العبد أو تعدى فلا يرجع به على السيد أرأيت لو استهلك العبد جميع ما في يديه بهبة أو بدرك أو حرقه أو غرقه أيرجع على السيد بشيء؟، ولم يكن للسيد في هذا فعل، ولا أمر إنما يغرم الناس بفعلهم، وأمرهم فأما بغير فعلهم، ولا أمرهم فلا يغرمون إلا في موضع خاص من الديات، وما جاء فيه خبر، وإن كان العبد غير مأذون له فاشترى ابن مولاه فليس ثم شراء، ولا يملكه فيعتق بالملك، وهو على ملك سيده الأول.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا ادعى الأعاجم بولاد الشرك أخوة بعضهم لبعض فإن كانوا جاءونا مسلمين لا ولاء لأحد عليهم بعتق قبلنا دعواهم كما قبلنا دعوى غيرهم من أهل الجاهلية الذين أسلموا، وإن كانوا مسبيين أو عليهم رق أعتقوا فثبت عليهم ولاء لم تقبل دعواهم إلا ببينة على ولاد أو دعوى معروفة كانت قبل السبي، وهكذا من قل منهم أو كثر أهل حصن كانوا أو غيرهم.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا كان الرجلان أخوين فمات أبوهما فأقر أحدهما بوارث معه، وقال هذا أخي ابن أبي، ودفعه الآخر فإن محمد بن الحسن أخبرني أن قول المدنيين الذي لم نزل نعرفه، ويلقوهم به أنه لا يثبت له نسب، ولا يأخذ من يديه شيئا.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وأحسبهم ذهبوا فيه إلى أن الأخ المقر له لم يقر لهذا الأخ بدين على أبيه، ولا وصية، ولا بحق له في يديه، ولا مال أبيه إلا بأن يثبت نسبه فيكون له عليه أن يرثه، وأن يعقل عنه وجميع حق الإخوة فلما كان أصل الإقرار به باطلا لا يثبت به النسب لم يجعلوا له شيئا كما لم يجعلوا عليه.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسن رضي الله تعالى عنه: وكان هذا قولا صحيحا ثم أحدثوا أن لا يلحقوا، وأن يأخذ ثلث ما في يدي أخيه المقر له.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وأحسبهم ذهبوا فيه إلى أنه أقر بأن له شيئا في يديه، وشيئا في يدي أخيه فأجازوا إقراره على نفسه، وأبطلوا إقراره على أخيه، وهذا أصح من قول محمد بن الحسن وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما فإن محمد بن الحسن وأبا حنيفة قالا يقاسم الأخ الذي أقر له بما في يديه نصفين، ولا سبيل له على الآخر، ولا يثبت النسب، وكانت حجته أن قال قد أقر أنه، وهو سواء في مال أبيه.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا كانت المسألة بحالها، ولا ميراث لم يثبت النسب، ولا يثبت نسب أحد نسبه رجل إلى غيره، وذلك أن الأخ إنما يقر على أبيه فإذا كان معه من حقه في أبيه كحقه فدفع النسب لم يثبت، ولا يثبت نسب حتى تجتمع الورثة على الإقرار به معا أو تقوم بينة على دعوى الميت الذي إنما يلحق بنفسه فيكتفى بقوله، ويثبت له النسب. فإن قال قائل: كيف أجزت أن يقر ابن الرجل إذا كان وارثه لا وارث له غيره بالأخ فتلحقه بالأب، وإنما أقر على غيره؟ قيل له إنما أقر بأمر لا يدخل ضرره على ميت إنما يدخل الضرر عليه فيما ينتقص من شركته في ميراث الأب ووجدته إذا كان منفردا بوراثة أبيه القائم بكل حق لأبيه. ألا ترى أنه يعفو دمه فيجوز عفوه كما لو عفا أبوه جرح نفسه جاز عفوه؟ ألا ترى أنه يقوم بالحد على من قذف أباه كما كان أبوه قائما بالحد على من قذفه؟ ألا ترى أن لو كانت لأبيه بينة على رجل بحد أو مال أو قصاص أخذ له بها، وأخذ للابن بها بعد موته، ولو أكذبها الابن بعد موت الأب، والأب مدع لها أبطلناها لأنه لو مات قام مقامه؟ فإن قال قائل فهل في هذا خبر يدل عليه؟ قلنا نعم الخبر الذي الناس كلهم عيال عليه في أن الولد للفراش. فإن قال ما هو؟ قيل: (اختصم عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص إلى النبي ﷺ في ابن أمة زمعة فقال سعد قد كان أخي عتبة عهد إلي أنه ابنه، وأمرني أن أفيضه إلي وقال عبد بن زمعة أخي، وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله ﷺ هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وألحقه رسول الله ﷺ بدعوة الأخ، وأمر سودة أن تحتجب منه لما رأى من شبهه بعتبة) فكان في هذا دليل على أنه لم يدفعه، وأنها قد ادعت منه ما ادعى أخوها فعلى هذا، هذا الباب كله وقياسه.

كتاب الأم - الدعوى والبينات
باب الدعوى في الميراث | باب الشهادة على الشهادة | باب شهادة أهل الذمة في المواريث | باب للدعويين إحداهما في وقت قبل وقت صاحبه | باب الدعوى في الشراء والهبة والصدقة | باب الدعوى في البيوع | باب دعوى الولد | اليمين مع الشاهد | ما يقضى فيه باليمين مع الشاهد | الامتناع من اليمين وكيف اليمين | باب ما لا يقضى فيه باليمين مع الشاهد وما يقضى | الخلاف في اليمين مع الشاهد | المدعي والمدعى عليه | باب اليمين مع الشاهد | الخلاف في اليمين على المنبر | باب رد اليمين | في حكم الحاكم | الخلاف في قضاء القاضي | الحكم بين أهل الكتاب