كتاب الأحكام الشرعية الكبرى/كتاب الزهد والورع والتوكل والرقائق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأحكام الشرعية الكبرى كتاب الزهد والورع والتوكل والرقائق
المؤلف:



محتويات

باب ذم الدنيا وجمعها والتنافس فيها وما يحذر من زينتها[عدل]

مسلم : حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، ثنا سليمان - يعني ابن بلال - عن جعفر ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله : " أن رسول الله - ﷺ - مر بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفته ، فمر بجدي أسك ميت ، فتناوله فأخذ بأذنه ، ثم قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : أتحبون أنه لكم ؟ قالوا : والله لو كان حيا كان عيبا فيه ؛ لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ قال : فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم " .

الترمذي : حدثنا قتيبة ، ثنا عبد الحميد بن سليمان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة " . وفي الباب عن أبي هريرة ، قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه .

الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، ثنا قيس بن أبي حازم ، سمعت مستوردا أخا بني فهر قال : قال رسول الله - ﷺ - : " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بماذا يرجع " .

قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح ، وإسماعيل بن أبي خالد يكنى أبا عبد الله ، وأبو حازم والد قيس اسمه عبد عوف ، وهو من الصحابة .

الترمذي : حدثنا محمد بن حاتم المكتب ، ثنا علي بن ثابت ، ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، سمعت عطاء بن قرة قال : سمعت عبد الله بن ضمرة قال : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : " ألا إن الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، وعالم أو متعلم " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

مسلم : حدثنا عمرو بن سواد العامري ، أنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن بكر بن سوادة حدثه ، أن يزيد بن رباح - هو أبو فراس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص - حدثه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال : " إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قال عبد الرحمن بن عوف : نقول كما أمرنا الله . قال رسول الله - ﷺ - : أو غير ذلك ، تتنافسون ، ثم تتحاسدون ، ثم تتدابرون ، ثم تتباغضون - أو نحو ذلك - ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين ، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض " .

مسلم : حدثنا حرملة بن يحيى ، أنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، أن المسور بن مخرمة أخبره ، أن عمرو بن عوف - وهو حليف بني عامر بن لؤي وكان شهد بدرا مع رسول الله - أخبره " أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها ، وكان رسول الله - ﷺ - وهو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله - ﷺ - ، فلما صلى رسول الله - ﷺ - انصرف ، فتعرضوا له ، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآهم ثم قال : أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين ؟ فقالوا : أجل يا رسول الله . قال : فأبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني أخشى علكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم " . رواه صالح ، عن الزهري وقال : " تلهكم كما ألهتهم " ، خرجه مسلم - رحمه الله .

البزار : حدثنا هشام ، ثنا محمد بن عيسى بن شميع ، ثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء قال : " خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نذكر الفقر ونتخوفه ، فقال : الفقر تخافون ؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا ترفع ، وايم الله ، لأتركنكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء " . وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وإسناده حسن .

مسلم : حدثنا أبو كامل ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا التيمي ، عن أبي عثمان ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله - ﷺ - : " قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين ، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار ، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء " .

البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا هشام - هو ابن يوسف - أنا معمر ، عن الزهري ، أخبرتني هند بنت الحارث ، عن أم سلمة قالت : " استيقظ النبي - ﷺ - من الليل وهو يقول : لا إله إلا الله ، ماذا أنزل الليلة من الفتنة ! ماذا أنزل من الخزائن ! من يوقظ صواحب الحجرات ؟ كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة " . قال الزهري : وكانت هند لها إزار في كميها بين أصابعها .

الترمذي : حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن سعيد المقبري ، عن أبي الوليد قال : سمعت خولة بنت قيس - وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب - تقول : سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : " إن هذا المال خضرة حلوة ، من أصابه بحقه بورك له فيه ، ورب متخوض فيما شاءت به نفسه من مال الله ورسوله ، ليس له يوم القيامة إلا النار " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وأبو الوليد اسمه عبيد الله سنوطا .

الترمذي : حدثنا أحمد بن منيع ، ثنا الحسن بن سوار ، ثنا ليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه ، عن أبيه ، عن كعب بن عياض قال : سمعت النبي - ﷺ - يقول : " إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، إنما نعرفه من حديث معاوية بن صالح .

البزار : حدثنا أحمد بن يحيى بن المنذر ، ثنا أبي ، ثنا عبد الله بن الأجلح ، عن الأعمش ، عن يحيى بن وثاب ، عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود " أنه كان يعطي الناس عطاياهم ، فجاء رجل ، فأعطاه ألف درهم ثم قال : خذها ، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم ، وهما مهلكاكم " .

وثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، ثنا يحيى بن المنذر بإسناده نحوه . وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه .

باب ذم الرغبة في المال والحض على الزهد فيه[عدل]

مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد ، قال يحيى : أخبرنا ، وقال الآخران : ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب " .

قال مسلم : وحدثني حرملة بن يحيى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - ﷺ - أنه قال : " لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أن له واديا آخر ، ولن يملأ فاه إلا التراب ، والله يتوب على من تاب " .

قال : وحدثني زهير بن حرب وهارون بن عبد الله قالا : ثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : سمعت عطاء يقول : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : " لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن يكون إليه مثله ، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب ، والله يتوب على من تاب " .

قال : وحدثني سويد بن سعيد ، ثنا علي بن مسهر ، عن داود ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه قال : " بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن ، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة ، فأنسيتها غير أني قد حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال ، لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات ، فأنسيتها غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة " .

مسلم : حدثني أبو الطاهر وحرملة قالا : أنا ابن وهب ، عن أنس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - ﷺ - " قلب الشيخ شاب على حب اثنتين : طول الحياة ، وحب المال " . .

البخاري حدثنا الحسن بن الربيع ، ثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب قال : قال أبو ذر : " كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرة المدينة ، فاستقبلها أحدا فقال : يا أبا ذر . فقلت : لبيك يا رسول الله . قال : ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لديني ، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا . عن يمينه ، وعن وشماله ، ومن خلفه ، ثم قال : إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة ، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا . عن يمينه ، وعن شماله ، ومن خلقه ، وقليل ما هم " . وذكر الحديث .

وروى سفيان بن عيينة في مسنده : عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة " أن ذهبا كانت أتت النبي - ﷺ - فتعار من الليل ، وهي أكثر من الستة وأقل من التسعة ، فلم تصبح حتى قسمها ثم قال : ما ظن محمد بربه لو مات وهي عنده " .

مسلم : حدثنا واصل بن عبد الأعلى وأبو كريب ومحمد بن يزيد الرفاعي - واللفظ لواصل - قالوا : ثنا محمد بن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " تخرج الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة ، فيجيء القاتل فيقول : في هذا قتلت . ويجيء القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي . ويجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي . ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " .

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار والدرهم[عدل]

البخاري : حدثنا يحيى بن يوسف ، ثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " تعس عبد الدينار والدرهم ، والقطيفة والخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض " . لم يرفعه إسرائيل ومحمد بن جحادة عن أبي حصين .

وزاد عمرو - يعني : ابن مرزوق - ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع له " .

باب المكثرون هم المقلون[عدل]

البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا جرير ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر قال : " خرجت ليلة من الليالي ، فإذا رسول الله - ﷺ - يمشي وحده ليس معه إنسان ، قال : فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد ، قال : فجعلت أمشي في ظل القمر ، فالتفت فرآني ، فقال : من هذا ؟ قلت : أبو ذر ، جعلني الله فداك . قال : يا أبا ذر ، تعاله . قال : فمشيت معه ساعة ، فقال : إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه ، وعمل فيه خيرا ... " وذكر باقي الحديث .

باب ما جاء في المال الحرام[عدل]

أبو بكر بن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، ثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد الأحمسي ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يؤمن جاره بوائقه . قال : قلنا : يا رسول الله ، وما بوائقه ؟ قال : غشمه وظلمه . قال : ولا يكسب عبد مالا حراما فيبارك له فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا راده الله إلى النار ، إن الله - تبارك وتعالى - لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .

ذكر البخاري في " تاريخه " صباح بن محمد ببعض هذا الحديث وقال : قال الثوري : عن زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله ولم يرفعه . وزبيد حافظ ، وقال : سمع صباح مرة ، وأبان سمع صباحا . وأبان هذا روى عنه ابن نمير ويعلى ومروان بن معاوية .

البزار : حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، ثنا محمد بن الصلت ، ثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن يحيى بن وثاب ، عن مسروق ، عن عبد الله رفعه قال : " إن الخبيث لا يكفر الخبيث ، ولكن الطيب يكفر الخبيث " .

وحدثناه إبراهيم بن بسطام ، ثنا أبو داود ، ثنا قيس بإسناده . قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد .

باب ما جاء إن العبد يسأل يوم القيامة عن ماله من أين كسبه[عدل]

قاسم بن أصبغ : أخبرنا محمد بن معاوية ، ثنا جعفر بن محمد ، ثنا أبو كريب ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن سعيد بن عبد الله ، عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن علمه ما عمل فيه ، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه " .

رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .

باب فضل المال لمن أخذه بحقه وأنفقه في حقه[عدل]

البخاري : حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ابن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إن أكثر ما يخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض . قيل : ما بركات الأرض ؟ قال : زهرة الدنيا . فقال له رجل : هل يأتي الخير بالشر ؟ فصمت النبي - ﷺ - حتى ظننت أنه ينزل عليه ، ثم جعل يمسح عن جبينه ، فقال : أين السائل ؟ قال : أنا . قال أبو سعيد : لقد حمدناه حين طلع ذلك . قال : لا يأتي الخير إلا بالخير ، إن هذا المال خضرة حلوة ، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها ، استقبلت الشمس فاجترت ، وثلطت ، وبالت ، ثم عادت فأكلت ، وإن هذا المال حلوة فمن أخذه بحقه ، وو ضعه في حقه ، فنعم المعونة هو ، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " .

أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن موسى بن علي ، عن أمه قال : سمعت عمرو بن العاص يقول : قال لي رسول الله - ﷺ - : " اشدد عليك سلاحك وثيابك . ففعلت ثم أتيته ، فوجدته يتوضأ فرفع رأسه ، فصعد في البصر وصوبه ، ثم قال : يا عمرو ، إني أريد أن أبعثك وجها ، فيسلمك الله ويغنمك ، وأزعب لك زعبة من المال صالحة . قال : قلت : يا رسول الله ، إني لم أسلم رغبة في المال ، إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك . قال : يا عمرو ، نعما بالمال الصالح للمرء الصالح " .

باب ما جاء أن الغنى غنى النفس[عدل]

مسلم : حدثنا زهير بن حرب وابن نمير قالا : ثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس " .

باب ما جاء فيمن كانت همته الدنيا[عدل]

أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن عمر بن سليمان ، عن عبد الرحمن ابن أبان ، عن أبيه ، عن زيد بن ثابت قال : سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : " من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له أمره ، وأتته الدنيا وهي راغمة " .

عبد الرحمن بن أبان روى عنه أبو بكر بن عمرو بن حزم وعمر بن سليمان " .

الترمذي : حدثنا علي بن خشرم ، أنا عيسى بن يونس ، عن عمران بن زائدة بن نشيط ، عن أبيه ، عن أبي خالد الوالبي ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " إن الله يقول : يا ابن آدم ، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت يدك شغلا ولم أسد فقرك " . قال : هذا حديث حسن غريب ، وأبو خالد الوالبي اسمه هرمز .

باب التبلغ باليسير من الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها[عدل]

مسلم : حدثنا يحيى بن حبيب ، ثنا المعتمر ، سمعت إسماعيل ، عن قيس ، عند سعد ، وحدثني محمد بن عبد الله بن نمير ، ثنا أبي وابن بشر قالا : ثنا إسماعيل ، عن قيس قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : " والله إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله ، ولقد كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - ، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر ، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ، ثم أصبحت بنوة أسد تعزرني على الدين ، لقد خبت إذا وضل عملي " .

مسلم : حدثنا شيبان بن فروخ ، ثنا سليمان بن المغيرة ، ثنا حميد بن هلال ، عن خالد بن عمير العدوي قال : " خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن الدنيا قد وصلت ، آذنت بصرم وولت حذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصابها صاحبها ، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها ، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا ، والله لتملأن ، أفعجبتم ، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعين سنة ، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام ، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - ﷺ - ما لنا طعام إلا ورق الشجر ، حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار ، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا ، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكا ، فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا " .

الترمذي : حدثنا العباس الدوري ، ثنا عبد الله بن يزيد ، ثنا حيوة بن شريح ، أخبرني أو هانئ الخولاني ، أن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي أخبره ، عن فضالة بن عبيد " أن رسول الله - ﷺ - كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قاماتهم في الصلاة من الخصاصة ، وهم أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب : هؤلاء مجانين أو مجانون ، فإذا صلى رسول الله - ﷺ - انصرف إليهم فقال : لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة . قال فضالة : وأنا يومئذ مع رسول الله - ﷺ - " . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح .

أبو بكر بن أبي شيبة : عن الحسن بن موسى الأشيب ، ثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة ، عن خليد بن عبد الله العصري ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله - ﷺ - : " ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان - إنهما ليسمعان من على الأرض غير الثقلين - : يا أيها الناس ، هلموا إلى ربكم ، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، ولا آبت شمس إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان : اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا " .

الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا حريت بن السائب قال : سمعت الحسن يقول : حدثني حمران ، عن عثمان بن عفان ، أن النبي - ﷺ - قال : " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء " . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح ، وجلف الخبز يعني : ليس معه إدام . حكاه عن النضر بن شميل .

روى هذا الحديث أبو داود الطيالسي ، عن حريث بإسناد أبي عيسى وقال : " والماء العذب " .

الطحاوي : حدثنا إبراهيم بن مرزوق وابن أبي داود قالا : ثنا أبو الوليد الطيالسي ، ثنا حشرج بن نباتة ، ثنا أبو نصيرة ، عن أبي عسيب قال : " خرج رسول الله - ﷺ - ليلا فمر بأبي بكر - رضي الله عنه - فدعاه فخرج إليه ، ثم مر بعمر - رضي الله عنه - فدعاه فخرج ، ثم أنطلق يمشي ونحن معه حتى دخل بعض حوائط الأنصار ، فقال : أطعمنا بسرا . فأتاهم بعذق فأكلوا منه ، وأتاهم بماء فشربوا ، فقال رسول الله - ﷺ - : هذا من النعيم الذي تسألون عنه . فقال عمر : إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال : نعم إلا من ثلاث : كسرة يسد بها الرجل جوعه ، وخرقة يواري بها عورته ، وجحر يدخل فيه من الحر والبرد " .

أبو نصيرة اسمه مسلم بن عبد ، وثقه أحمد بن حنبل ، وقال يحيى بن معين فيه : صالح . وحشرج وثقه ابن معين ، وقال فيه النسائي : ليس به بأس . وأبو عسيب هو مولى لرسول الله - ﷺ - .

مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، عن سعيد بن أبي أيوب ، حدثني شرحبيل - وهو ابن شريك - عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال : " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " .

الترمذي : حدثنا العباس الدوري ، ثنا عبد الله بن يزيد ، أخبرنا حيوة بن شريح ، أخبرني أبو هانئ ، أن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي أخبره ، عن فضالة ابن عبيد أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول : " طوبى لمن هدي للإسلام ، وكان عيشه كفافا وقنع " .

الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عمر بن يونس - هو اليمامي - ثنا عكرمة بن عمار ، ثنا شداد بن عبد الله قال : سمعت أبا أمامة يقول : قال رسول الله - ﷺ - : " يا ابن آدم ، إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف ، وأبدا بمن تعول ، واليد العليا خير من السفلى " . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح وشداد يكنى أبا عمار .

الترمذي : حدثنا عمرو بن مالك ومحمود بن خداش قالا : ثنا مروان بن معاوية ، ثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة الأنصاري ، عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي ، عن أبيه - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله - ﷺ - : " من اصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه - فكأنما حيزت له الدنيا " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث مروان ابن معاوية .

الترمذي : حدثنا سويد بن نصر ، أنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا إسماعيل ابن عياش ، حدثني أبو سلمة الحمصي وحبيب بن صالح ، عن يحيى بن جابر الطائي ، عن مقدام بن معدي كرب قال : سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

البزار : حدثنا أبو كريب ، ثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل ، عن قيس - هو ابن أبي حازم - قال : " دخلنا على خباب وقد اكتوى ، فقال : لولا أن رسول الله - ﷺ - نهانا أن ندعو بالموت ، لدعوت به ، قال : وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول : إن المؤمن يؤجر في كل شيء إلا البناء في هذا التراب " . تفرد برفعه أبو معاوية : عن إسماعيل ، عن قيس .

ورواه الترمذي : عن علي بن حجر ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن خباب ، وقال : حديث حسن صحيح .

أبو بكر بن أبي شيبة : عن الفضل بن دكين ، عن زهير ، عن عثمان بن حكيم ، عن إبراهيم بن محمد بن حاطب ، عن أبي طلحة الأسدي ، عن أنس ، عن النبي - ﷺ - قال : " ألا أن كل بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما - يعني - لا بد منه " .

أبو بكر بن أبي شيبة : عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن يحيى بن جعدة قال : " عاد ناس من أصحاب النبي - ﷺ - خبابا ، فقالوا : أبشر أبا عبد الله ترد على محمد الحوض . فقال : كيف بهذا وهذا أسفل البيت وأعلاه ، وقد قال لنا رسول الله - ﷺ - : إنما يكفي أحدكم من الدنيا كقدر زاد الراكب " .

النسائي : أخبرني محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن سمرة بن سهم - رجل من قومه - قال : " نزلت على أبي هاشم بن عتبة وهو طعين ، فأتاه معاوية يعوده ، فبكى أبو هاشم ، قال له معاوية : ما يبكيك يا خالي ؟ أوجع يشئزك أن على الدنيا فقد ذهب صفوها ؟ قال : كل لا ، ولكن رسول الله - ﷺ - عهدا إلي عهدا وددت أني كنت تبعته ، قال : إنك لعلك أن تدرك أموالا تقسم بين أقوام ، فإنما يكفيك من ذلك خادم ومركب في سبيل الله ، فأدركت فجمعت " .

النسائي : أخبرنا أبو داود ، ثنا عفان بن مسلم ، ثنا حماد بن سلمة ، عن سعيد الجريري ، عن أبي نضرة ، عن عبد الله بن مولة ، عن بريدة الأسلمي ، أن النبي - ﷺ - قال : " يكفي أحدكم من الدنيا خادم ومركب " .

أبو داود : حدثنا أبو توبة ، ثنا معاوية - يعني ابن سلام - عن زيد ، أنه سمع أبا سلام ، حدثني عبد الله الهوزني قال : " لقيت بلالا مؤذن رسول الله - ﷺ - بحلب ، فقلت : يا بلال ، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله - ﷺ - ؟ قال : ما كان له شيء ، كنت أنا الذي ألي ذاك منه منذ بعثه الله - عز وجل - حتى توفي ، وكان إذا أتاه الإنسان مسلما يراه عاريا ، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري له البردة ، فأكسوه وأطعمه حتى اعترضني رجل من المشركين فقال : يا بلال ، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني . ففعلت ، فلما أن كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة ، فإن المشرك قد أقبل في عصابة من التجار ، فلما رأني قال : يا حبشي . قلت : يالباه . فتجهمني وقال لي قولا غليظا ، وقال لي : تدري كم بينك وبين الشهر ؟ قال : قلت : قريب . قال : إنما بينك وبينه أربع فآخذك بالذي عليك ، فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك . فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس ، حتى إذا صليت العتمة ، رجع رسول الله - ﷺ - إلى أهله فاستأذنت عليه ، فأذن لي ، قلت : يا رسول الله ، بأبي أنت ، إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا ، وليس عندك ما تقضي عني ، ولا عندي ، وهو فاضحي ، فائذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله ما تقضي عني . فخرجت حتى أتيت منزلي ، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق ، فإذا إنسان يسعى يدعو : يا بلال ، أجب رسول الله - ﷺ - . فانطلقت حتى أتيته ، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن ، فاستأذنت فقال لي رسول الله - ﷺ - : أبشر فقد جاءك الله بقضائك . ثم قال : ألم تر إلى الركائب المناخاة الأربع ؟ فقلت : بلى . فقال : إن لك رقابهن وما عليهن ، فإن عليهن كسوة وطعاما أهداهن إلي عظيم فدك ، فاقبضهن واقض دينك . ففعلت ... " . وذكر الحديث ، قال : " ثم انطلقت إلى المسجد ، فإذا رسول الله - ﷺ - قاعد في المسجد ، فسلمت عليه ، فقال : ما فعل ما قبلك ؟ قلت : قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله - ﷺ - فلم يبق شيء . قال : أفضل شيء ؟ قال : قلت : نعم . قال : انظر أن تريحني منه ، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه . فلما صلى رسول الله - ﷺ - العتمة دعاني فقال : ما فعل الذي قبلك ؟ قال : قلت : هو معي لم يأتنا أحد ، فبات رسول الله - ﷺ - في المسجد ... . " وقص الحديث ، قال : حتى إذا صلى العتمة - يعني : من الغد - دعاني فقال : ما فعل الذي قبلك ؟ قال : قلت : قد أراحك الله منه يا رسول الله . فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك ، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه ، فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته . فهذا الذي سألتني عنه " .

أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا ابن نمير ، ثنا فضيل بن غزوان ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر " أن رسول الله - ﷺ - أتى فاطمة فوجد على بابها سترا ، فلم يدخل ، قال : وقلما كان يدخل إلا بدأ بها ، قال : فجاء علي - رضي الله عنه - فرآها مهتمة ، فقال : ما لك ؟ قالت : جاء النبي - ﷺ - إلي ، فسلم ، فلم يدخل . فأتاه علي فقال : يا رسول الله ، إن فاطمة اشتد عليها أنك جئتها فلم تدخل . قال : ما أنا والدنيا ، وما أنا والرقم . فذهب إلى فاطمة ، فأخبرها بقول رسول الله - ﷺ - فقالت : قل لرسول الله - ﷺ - ما يأمرني به . قال : قل لها فلترسل به إلى بني فلان " .

ثنا : واصل بن عبد الأعلى ، ثنا ابن الفضيل ، عن أبيه بهذا قال : " وكان سترا موشى " .

الترمذي : حدثنا عباس بن محمد الدوري ، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، ثنا سعيد بن أبي أيوب ، عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ، عن أبيه ، أن رسول الله - ﷺ - قال : " من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر ، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخير من أي حلل الإيمان شاء يلبسها " .

البخاري : حدثنا إسماعيل ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال : " مر رجل على رسول الله - ﷺ - فقال لرجل عنده ، جالس : ما رأيك في هذا ؟ فقال : رجل من أشراف الناس ، هذا والله حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع . قال : فسكت النبي - ﷺ - ، ثم مر رجل فقال له رسول الله - ﷺ - : ما رأيك في هذا ؟ فقال : يا رسول الله ، هذا رجل من فقراء المسلمين ، هذا حري إن خطب ألا ينكح ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال ألا يسمع لقوله . فقال رسول الله - ﷺ - : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا " .

البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد وزهير بن محمد قالا : ثنا الربيع بن نافع ، ثنا محمد بن مهاجر ، عن العباس بن سالم ، عن أبي سلام ، عن ثوبان قال : قال : رسول الله - ﷺ - : " حوضي من عدن إلى عمان البلقاء ، ماؤه أحلى من العسل ، وأطيب من المسك ، وأبيض من اللبن ، آنيته أكثر من عدد نجوم السماء ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا . قيل : يا رسول الله ، من أول الناس ورودا عليك أو عليه ؟ فقال : فقراء المهاجرين ، الشعث رءوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم السدود " . وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - بوجه من الوجوه ، ومتصلا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه ، عن ثوبان ، وإسناده حسن .

محمد بن مهاجر ثقة ، والعباس بن سالم لا بأس به ، وأبو سلام مشهور .

رواه أبو عمر بن عبد البر في " التمهيد " : ثنا إبراهيم بن شاكر ، ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ، ثنا سعيد بن عثمان ، ثنا أحمد بن صالح ، ثنا أبو مسهر ، ثنا صدقة بن خالد ، ثنا زيد بن واقد ، ثنا أبو سلام ، عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - ، عن رسول الله - ﷺ - ، وزاد في آخر الحديث : " الذين يعطون الحق الذي عليهم ، ولا يعطون كل الذي لهم " .

باب ما كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما كان عليه من الصبر[عدل]

مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم ، قال إسحاق : أخبرنا ، وقال الآخران : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : " ما شبع رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله " .

مسلم : حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم ، قال إسحاق : أنا ، وقال زهير : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : " ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض " .

مسلم : حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث ، عن الأسود ، عن عائشة أنها قالت : " ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله - ﷺ - " .

البخاري : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، ثنا إسحاق - هو الأزرق - عن مسعر بن كدام ، عن هلال الوزان ، عن عروة ، عن عائشة قالت : " ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر " .

البخاري : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس قال : " ولقد رهن النبي - ﷺ - درعه بشعير ، ومشيت إلى النبي - ﷺ - بخبز شعير وإهالة سنخة ولقد سمعته يقول : ما أصبح لآل محمد إلا صاع ولا أمسى ؛ وإنهم لتسعة أبيات " .

البخاري : حدثنا مسلم ، ثنا وهيب ، ثنا منصور ، عن أمه ، عن عائشة : " توفي النبي - ﷺ - حين شبعنا من الأسودين : التمر والماء " .

مسلم : حدثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد قالا : أنا ابن وهب قال : أخبرني أبو صخر ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : " لقد مات رسول الله - ﷺ - وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين " .

مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، أنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة أنها كانت تقول : " والله يا ابن أختي إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال - ثلاثة أهلة - في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله - ﷺ - نار . قلت : يا خالة ، فما كانت يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله - ﷺ - جيران من الأنصار وكانت لهم منائح ، فكانوا يرسلون إلى رسول الله - ﷺ - من ألبانها فيسقيناه " .

مسلم : حدثني محمد بن مثنى ، ثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن منصور ابن صفية ، عن أمه ، عن عائشة قالت : " توفي رسول الله - ﷺ - وقد شبعنا من الأسودين : الماء والتمر " .

مسلم : وحدثنا أبو كريب ، ثنا الأشجعي ، وثنا نصر بن علي ، ثنا أبو أحمد ، كلاهما عن سفيان بهذا الإسناد ، غير أن في حديثهما عن سفيان : " وما شبعنا من الأسودين " .

البخاري : حدثنا هدبة بن خالد ، ثنا همام بن يحيى ، ثنا قتادة قال : كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم ، قال : كلوا ، فما أعلم النبي - ﷺ - رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله ، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط " .

البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا روح بن عبادة ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة " أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية فدعوه ، فأبى أن يأكل وقال : خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير " .

الترمذي : حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي ، ثنا ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - ﷺ - يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

مسلم : حدثني حرملة بن يحيى التجيبي ، ثنا عبد الله بن وهب ، حدثني أسامة ، أن يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري حدثه ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : " جئت رسول الله - ﷺ - يوما ، فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة - قال أسامة : وأنا أشك على حجر - فقلت لبعض أصحابه : لم عصب رسول الله - ﷺ - بطنه ؟ فقالوا : من الجوع ... " وذكر الحديث .

أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر قال : " مكث النبي - ﷺ - وأصحابه ثلاثا لم يذوقوا طعاما حين حفروا الخندق ، قال جابر : فجاءت مني التفاتة ، فرأيت النبي - ﷺ - قد شد على بطنه حجرا " . أيمن هذا هو الحبشي مولى ابن أبي عمرو روى عن عائشة وجابر وتبيع وهو ثقة ، روى عنه ابنه عبد الواحد وعطاء ومجاهد .

مسلم : حدثنا محمد بن مثنى وابن بشار - واللفظ لابن مثنى - قالا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن سماك بن حرب قال : سمعت النعمان يخطب قال : " ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا ، فقال : لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه " .

مسلم : حدثنا أبو كريب ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : " توفي رسول الله - ﷺ - وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي ، فأكلت منه حتى طال علي ، فكلته ففني " .

أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " قبض رسول الله - ﷺ - وإن درعه مرهونة في ثلاثين صاعا من شعير أخذها رزقا لعياله " .

أبو بكر بن أبي شيبة : عن وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لقد أوذيت في الله ، وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله ، وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثة من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما واراه إبط بلال " .

البزار : حدثنا هدبة بن خالد ، ثنا حماد بن سلمة بإسناد أبي بكر وحديثه وقال : " ثلاثون ليلة " .

ورواه الترمذي : من طريق روح بن أسلم ، عن حماد وقال : " ولقد أتت علي ثلاثون بين يوم وليلة ... " وطريق ابن أبي شيبة أصح وأعلى إسنادا .

وروى الترمذي قال : ثنا عبد بن حميد ، أنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور قال : سمعت ابن عباس يقول : أخبرني عمر بن الخطاب قال : " دخلت على رسول الله - ﷺ - فإذا هو متكئ على رمل حصير ، فرأيت أثره في جنبه " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وفي الحديث قصة طويلة .

البخاري : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا أبو غسان ، حدثني أبو حازم ، أنه سأل سهلا : " هل رأيتم في زمان رسول الله - ﷺ - النقي ؟ قال : لا . قال : فقلت : كنتم تنخلون الشعير ؟ قال : لا ، ولكن كنا ننفخه " .

النسائي : أخبرنا أبو بكر بن نافع ، أنا بهز ، ثنا حماد بن سلمة ، ثنا ثابت ، عن أنس : " أن النبي - ﷺ - أتي بخبز شعير عليه عليه إهالة سنخة ، فجعلوا يأكلون ، فقال النبي - ﷺ - : إن الخير خير الآخرة " .

الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن عمرو ابن علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عبد الله بن الزبير بن العوام ، عن أبيه قال : " لما نزلت : {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير : يا رسول الله ، فأي النعيم نسأل عنه ؟ ! وإنما هو الأسودان التمر والماء . قال : أما إنه سيكون " .

الترمذي : حدثنا عمرو بن علي ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن عباس الجريري قال : سمعت أبا عثمان النهدي يحدث ، عن أبي هريرة " أنه اصابهم جوع ، فأعطاهم رسول الله - ﷺ - تمرة تمرة " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

البزار : حدثنا محمد بن عثمان العقيلي ، ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن طلحة البصري قال : " كان أحدنا إذا قدم المدينة فكان له عريف نزل على عريفة ، وإن لم يكن له عريف نزل الصفة ، فقدمت المدينة ولم يكن لي عريف ، فنزلت الصفة ، فوافقت رجلين ، فكان يجري علينا من رسول الله - ﷺ - كل يوم مد من تمر بين اثنين ، فنادى رجل من أهل الصفة حين انصرف من صلاته : أحرق التمر بطوننا ، وتحرقت عنا الخنف - والخنف برود تشبه اليمانية - فقال رسول الله - ﷺ - : لو أجد لكم الخبز واللحم ، لأطعمتكموه ، ولكن لعلكم تدركون زمانا أو من أدركه منكم تغدو على أحدكم وتروح الجفان ، وتلبسون مثل أستار الكعبة " . طلحة هذا هو ابن عمرو ، ويقال : ابن عبد الله ، سكن البصرة ، لم يرو عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث .

البخاري : حدثنا أحمد بن أبي بكر ، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة " أن الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة ، وإني كنت ألزم رسول الله - ﷺ - لشبع بطني حين لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان ولا فلانة ، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء ، فيشقها فنلعق ما فيها " .

مسلم : حدثنا أبو عامر الأشعري ، ثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : " خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه ، قال : فنقبت أقدامنا ، فنقبت قدماي ، وسقطت أظفاري ، فكنا تلف على أرجلنا الخرق ، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق " . قال أبو بردة : فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذاك ، قال : كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه .

باب ما كان يمتحن به الأنبياء والصالحون من الفقر وغير ذلك[عدل]

البزار : حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن معمر قالا : ثنا أبو عامر عبد الملك ابن عمرو ، ثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري " أنه دخل على رسول الله - ﷺ - فوضع يده عليه وعليه حمى ، فوجد حرها من فوق اللحاف ، فقال : ما أشدها عليك يا رسول الله . قال : إنا كذلك يشدد علينا البلاء ، ويضاعف لنا الأجر . قال : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ، إن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله ، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء " . وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد .

باب سبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة[عدل]

مسلم : حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، أنا ابن وهب ، حدثني أبو هانئ ، سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو ابن العاص وسأله رجل فقال : " ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله بن عمرو : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : فإن لي خادما . قال : فأنت من الملوك " .

قال أبو عبد الرحمن : " وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا عنده ، فقالوا : يا أبا محمد ، والله ما نقدر على شيء لا نفقة ولا دابة ولا متاع . فقال لهم : ما شئتم ، إن شئتم رجعتم إلينا ، فأعطيناكم ما يسر الله لكم ، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان ، وإن شئتم صبرتم ، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا . قالوا : فإنا نصبر لا نسأل شيئا " .

الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان ، ثنا قبيصة ، ثنا سفيان ، عن محمد ابن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة ، نصف يوم " . قال : وهذا حديث حسن صحيح .

الترمذي : حدثنا أبو كريب ، ثنا المحاربي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم ؛ وهو خمسمائة عام " . قال : وهذا حديث صحيح .

باب من سأل الكفاف من الرزق[عدل]

مسلم : حدثنا أبو سعيد ، ثنا أبو أسامة قال : سمعت الأعمش ذكر عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا " .

مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب قالوا : ثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " .

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تنظروا إلى من فوقكم[عدل]

مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا أبو معاوية ووكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " انظروا إلى من أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله " . قال أبو معاوية : " عليكم " .

مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وقتيبة بن سعيد ، قال قتيبة ، ثنا ، وقال يحيى : أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق ، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه " .

باب ما لابن آدم من ماله[عدل]

مسلم : حدثنا هداب بن خالد ، ثنا همام ، ثنا قتادة ، عن مطرف ، عن أبيه قال : " أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ : {ألهاكم التكاثر ... .} ، قال : يقول ابن أدم : مالي مالي . وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " .

مسلم : حدثني سويد بن سعيد ، حدثني حفص بن ميسرة ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - ﷺ - قال : " يقول العبد : مالي مالي . إنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو أعطى فاقتنى ، ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس "

البخاري : حدثنا عمر بن حفص ، ثنا أبي ، ثنا الأعمش ، ثنا إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد ، قال عبد الله : قال النبي - ﷺ - : " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه . قال : فإنه ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر " .

باب يرجع عن الميت أهله وماله ويبقى عمله[عدل]

مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وزهير بن حرب ، كلاهما عن ابن عيينة ، قال يحيى : أنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول الله - ﷺ - : " يتبع الميت ثلاثة ، فيرجع اثنان ويبقى واحد ، يتبعه أهله وماله وعمله ، فيرجع أهله وماله ، ويبقى عمله " .

البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا أبو داود ، حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " ما من عبد إلا وله ثلاثة أخلاء ، فأما خليل فيقول : ما أنفقت فلك ، وما أمسكت فليس لك ، فذلك ماله ، وأما خليل فيقول : أنا معك ، فإذا أتيت باب الملك تركتك ورجعت . فذلك أهله وحشمه ، وخليل يقول : أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت . فذلك عمله ، فيقول : إن كنت لأهون الثلاثة علي " . هذا كلامه أو معناه ، وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا عمران .

باب الدنيا سجن المؤمن[عدل]

مسلم : حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا عبد العزيز - يعني : الدراوردي - عن العلاء - هو ابن عبد الرحمن - عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر " .

باب كن في الدنيا كأنك غريب[عدل]

البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا محمد بن عبد الرحمن أبو المنذر الطفاوي ، عن الأعمش ، حدثني مجاهد ، عن ابن عمر قال : " أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي وقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك " .

باب الصحة والفراغ[عدل]

البخاري : حدثنا المكي بن إبراهيم ، أنا عبد الله بن سعيد - هو ابن أبي هند - عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال النبي - ﷺ - : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " .

باب من خاف أدلج[عدل]

الترمذي : حدثنا أبو بكر بن النضر بن أبي النضر ، حدثني أبو النضر ، ثنا أبو عقيل الثقفي ، ثنا أبو فروة يزيد بن سنان التميمي ، حدثني بكير ابن فيروز ، سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - ﷺ - : " من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر .

باب مثل الدنيا في الآخرة[عدل]

مسلم : حدثني محمد بن حاتم ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، ثنا قيس قال : سمعت مستوردا أخا بني فهر يقول : قال رسول الله - ﷺ - : " والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليم فلينظر بم يرجع " .

البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه ، عن سهل قال : سمعت النبي - ﷺ - يقول : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " .

باب مثل ابن آدم وأجله وأمله[عدل]

البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، أنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني أبي ، عن منذر ، عن ربيع بن خيثم ، عن عبد الله قال : " خط النبي - ﷺ - خطا مربعا ، وخط خطا في الوسط خارجا منه ، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط ، فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به - أوقد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض ، فإن أخطأ هذه نهشه هذا ، وإن أخطأه هذا نهشه هذا " .

البخاري : حدثنا مسلم ، ثنا همام ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس قال : " خط النبي - ﷺ - خطوطا فقال : هذا الأمل ، وهذا أجله ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب " .

الترمذي : حدثنا أبو هريرة محمد بن فراس البصري ، ثنا أبو قتيبة سلم ابن قتيبة ، ثنا أبو العوام ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن أبيه ، عن النبي - ﷺ - قال : " مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية ، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وأبو العوام هو عمران القطان .

باب في حب العيش وطول الأمل والحرص[عدل]

وقول الله تعالى {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وقال تعالى {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}

وقال علي : ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل

مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد ، كلهم عن أبي عوانة - قال يحيى : أنا أبو عوانة - عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان : الحرص على المال ، والحرص على العمر " .

البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا أبو صفوان عبد الله بن سعيد ، أنا يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله - ﷺ - يقول : " لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين : في حب الدنيا ، وطول الأمل " .

مسلم : حدثنا زهير بن حرب ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة يبلغ به النبي - ﷺ - قال : " قلب الشيخ شاب على حب اثنتين : حب العيش والمال " .

أبو بكر بن أبي شيبة : عن يحيى بن سعيد القطان ، عن سفيان الثوري عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن ربيع بن خيثم ، عن عبد الله قال : " خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا مربعا فقال : هذا الأجل . وخط في وسطه خطا ، فقال : هذا الإنسان . وخط في عرضه خطوطا ، فقال : هذه الأعراض . ثم خط خطا خارجا فقال : هذا الأمل ، فالعروض تنهشه ، وعينه إلى الأمل " .

الترمذي : حدثنا سويد بن نصر ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن حماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - ﷺ - : " هذا ابن آدم ، وهذا أجله . ووضع يده عند قفاه ثم بسطها ، فقال : وثم أمله ، وثم أمله " .

الترمذي : حدثنا سويد بن نصر ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه قال : قال رسول الله - ﷺ - : " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه " .

وقد تقدم في باب قساوة القلب ما روي عنه من قوله - ﷺ - : " أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساء القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا " .

باب قصر الأمل[عدل]

الترمذي : حدثنا هناد بن السري ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي السفر ، عن عبد الله بن عمرو قال : " مر علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نعالج خصا لنا ، فقال : ما هذا ؟ فقلنا قد وهي ، فنحن نصلحه . قال : ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

باب في الصبر وفضله وقول الله تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}[عدل]

مسلم : حدثنا عبيد الله بن سعيد ، ثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، ثنا سعيد ابن جبير ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عبد الله بن قيس ، قال رسول الله - ﷺ - : " ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، أنهم يجعلون له ندا ، ويجعلون له ولدا ، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعيطيهم " .

البخاري : حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي ، أن أبا سعيد الخدري أخبره " أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - ، فلم يسأله أحد منهم إلا أعطاه حتى نفد ما عنده ، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيده : ما يكن عندي من خير لا أدخره عنكم ، وإنه من يستعف يعفه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ولن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر " .

النسائي : أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال ، عن محمد - وهو ابن عيسى بن القاسم بن سميع - ثنا زيد ، عن كثير بن مرة ، أن أبا فاطمة حدثهم ، أنه قال له رسول الله - ﷺ - : " عليك بالهجرة ؛ فإنه لا مثل لها . قال : يا رسول الله ، حدثني بعلم أستقيم عليه وأعلمه . قال : عليك بالصبر ؛ فإنه لا مثل له . قال : يا رسول الله ، حدثني بعلم أستقيم عليه . قال : عليك بالسجود ؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة ، وحط عنك بها خطيئة " .

روى الإمام أبو بكر الخطيب في كتابه المسمى بالفصل للوصل قال : ثنا أبو عبد الله الحسين بن عمر بن برهان الغزال وأبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري قالا : ثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا عباس ابن عبد الله الترقفي ، ثنا أبو عبد الرحمن - يعني : عبد الله بن يزيد المقرئ - ثنا نافع بن يزيد وابن لهيعة وكهمس بن الحسن وهمام بن حمير ، عن قيس بن الحجاج الزرقي ، عن حنش ، عن ابن عباس قال : " كنت رديف رسول الله - ﷺ - فقال لي رسول الله - ﷺ - : يا غلام - أو يا بني - ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ قلت : بلى . فقال : احفظ الله يحفظك ، واحفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فأسال الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، فقد جف القلم بما هو كائن ، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ، واعمل لله بالشكر واليقين ، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا " . همام هو ابن يحيى صحف فيه الترقفي ، وحنش هو ابن عبد الله الصنعاني ، وهذا حديث صحيح .

الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا سفيان ، عن بشير أبي إسماعيل ، عن سيار ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - ﷺ - : " من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

باب التمسك بالدين والصبر عند نزول البلاء والفتن[عدل]

مسلم : حدثنا هداب بن خالد ، ثنا حماد بن سلمة ، ثنا ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب ، أن رسول الله - ﷺ - قال : " كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث لي غلاما أعلمه السحر . فبعث إليه غلاما يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه الساحر ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر : فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة وقد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل . فأخذ جحرا ، فقال : اللهم إن كان أمر الراهب إليك أحب من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس . فرماها فقتلها ومضى الناس ، فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب : أي بني ، أنت اليوم أفضل مني ، وقد بلغ من أمرك ما أرى ، فإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل علي . وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص يداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمع جليس للملك كان قد عمي ، فأتاه بهداياه كثيرة فقال : ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني . فقال : إني لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك . فآمن بالله وشفاه ، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك : من رد عليك بصرك ؟ فقال : ربي . قال : ولك رب غيري ؟ قال : ربي وربك الله . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فجيء بالغلام ، فقال له الملك : أي بني ، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل . فقال : إني لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله . فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب ، فجيء بالراهب ، فقيل له : ارجع عن دينك . فأبى ، فدعا بالمئشار فوضع المئشار في مفرق رأسه ، فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك . فأبى ، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ، ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك . فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه . فذهبوا به فصعدوا به الجبل ، فقال : اللهم اكفينهم بما شئت . فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ قال : كفانيهم الله . فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه . فذهبوا به ، فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت . فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله . فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به . قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : بسم الله رب الغلام . ثم ارمني ، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال : بسم الله رب الغلام . ثم رماه ، فوضع السهم في صدغه ، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات ، فقال الناس : آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام . فأتى الملك فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ، قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس . فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت . وأضرم النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قل له : اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها فتقاعست أن تقع ، فيها فقال لها الغلام : يا أمه ، اصبري فإنك على الحق " .

البخاري : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا يحيى ، عن إسماعيل ، أنا قيس ، عن خباب بن الأرت قال : " شكونا إلى النبي - ﷺ - وهو يتوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تستنصر لنا ، إلا تدعو الله ؟ قال : كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه ، فيجاء بالمئشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين ، وما يصده عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب ، ما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ، لكنكم تستعجلون " .

باب ما جاء في المؤمن تصيبه الضراء[عدل]

مسلم : حدثنا هداب بن خالد وشيبان بن فروخ ، جميعا عن سليمان بن المغيرة - واللفظ لشيبان - ثنا سليمان ، ثنا ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب قال : قال رسول الله - ﷺ - : " عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له " .

باب الابتلاء والاختيار[عدل]

وقول الله تعالى {آلم*أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}

الترمذي : حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سعد بن سنان ، عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله السخط " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .

الترمذي : حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفي البصري ، ثنا روح من أسلم ، ثنا شداد بن أبو طلحة الراسبي ، عن أبي الوازع - اسمه : جابر ابن عمرو - عن عبد الله بن مغفل قال : " قال رجل للنبي - ﷺ - : يا رسول الله ، إني لأحبك . فقال : انظر ما تقول . قال : والله إني لأحبك - ثلاث مرات - قال : إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا ، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه " .

ثنا نصر بن علي ، ثنا أبي ، عن شداد أبي طلحة نحوه معناه . قال : هذا حديث غريب .

مسلم : حدثنا أبو كريب ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة قال : " كنا مع رسول الله - ﷺ - فقال : أحصوا لي كم يلفظ الإسلام ؟ قال : فقلنا : يا رسول الله ، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة ؟ فقال : إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا . قال : فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا " .

البزار : حدثنا أحمد بن عبدة ، ثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد قال : " قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى العبد على حسب دينه ، فإن كان صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر ذلك ، فما تبرح البلايا بالعبد حتى تدعه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة " .

مسلم : حدثنا شيبان بن فروخ ، ثنا همام ، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة ، أن أبا هريرة حدثه ، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول : " إن ثلاثة في بني إسرائيل : أبرص وأقرع وأعمى ، فأراد الله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص ، فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن وجلده حسن ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس . قال : فمسحه ، فذهب عنه قذره ، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل - أو قال البقر ، شك إسحاق ، إلا أن الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل ، وقال الآخر : البقر - فأعطي ناقة عشراء ، فقال : بارك الله لك فيها . فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ فقال : شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس . قال : فمسحه ، فذهب عنه فأعطي شعرا حسنا ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر . فأعطي بقرة حاملا ، قال : بارك الله لك فيها . قال : وأتى الأعمى ، فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس . قال : فمسحه ، فرد الله إليه بصره ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : الغنم . فأعطي شاة والدا ، فأنتج هذان وولد هذا ، فكان لهذا واد من الإبل ، ولهذا واد من البقر ، ولهذا واد من الغنم ، قال : ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته ، فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ إلى اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال - بعيرا أتبلغ عليه في سفري . فقال : الحقوق كثيرة . فقال له : كأني أعرفك ، ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيرا فأعطاك الله . فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر . فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت . قال : وأتى الأقرع في صورته ، فقال له مثل ما قال لهذا ، فرد عليه مثل ما رد على هذا ، فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت فيه . قال : وأتى الأعمى في صورته وهيئته ، فقال : رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري . فقال : قد كنت أعمى ، فرد الله إلي بصري ، فخذ ما شئت ودع ما شئت ، فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله . قال : أمسك عليك مالك ، فإنما ابتليتم فقد رضي عنك ، وسخط على صاحبيك " .

باب العقوبة على الذنب[عدل]

الترمذي : حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سعد ابن سنان ، عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إذا أراد الله بعبده الخير ، عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله به الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة " . قال : هذا حديث حسن غريب .

باب ذهاب الصالحين الأول فالأول[عدل]

البخاري : حدثنا يحيى بن حماد ، ثنا أبو عوانة ، عن بيان ، عن قيس بن أبي حازم ، عن مرداس الأسلمي قال : قال النبي - ﷺ - : " يذهب الصالحون الأول فالأول ، وتبقى حالفة حفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله باله " .

البزار : ثنا يحيى بن المعلى بن منصور ، ثنا جنادة بن محمد الدمشقي ، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ، عن الأوزاعي ، عن الزهري عن سعيد ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لتنتقن كما ينتقى التمر من الحثالة ، وليذهبن بخياركم ، وليبقين شراركم ، فموتوا إن استطعتم " .

وهذا الحديث لا نعلم روي عن أبي هريرة ، عن رسول الله - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وعبد الحميد ليس به بأس . انتهى كلام أبي بكر البزار - رحمه الله . عبد الحميد هذا ثقة ، وثقه أبو زرعة وأحمد بن حنبل .

باب العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم[عدل]

البخاري : حدثنا عبد السلام بن مطهر ، ثنا عمر بن علي ، عن معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة " . تابعه أبو حازم وابن عجلان عن المقبري .

باب فضل طول العمر في طاعة الله عز وجل[عدل]

الترمذي : حدثنا أبو حفص عمرو بن علي ، ثنا خالد بن الحارث ، ثنا شعبة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه " أن رجلا قال : يا رسول الله ، أي الناس خير ؟ قال : من طال عمره ، وحسن عمله . قال : فأي الناس شر ؟ قال : من طال عمره ، وساء عمله " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

أبو داود : حدثنا محمد بن كثير ، أنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن ربيعة ، عن عبيد بن خالد السلمي قال : " آخى رسول الله - ﷺ - بين رجلين ، فقتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوه ، فصلينا عليه ، فقال رسول الله - ﷺ - : ما قلتم ؟ فقلنا : دعونا له وقلنا : اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه . فقال رسول الله - ﷺ - : فأين صلاته بعد صلاته ، وصومه بعد صومه - شك شعبة في صومه - وعمله بعد عمله ، فإن بينهما كما من السماء والأرض " .

باب فضل من شاب شيبة في الإسلام[عدل]

الترمذي : أخبرنا هناد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، أن شرحبيل بن السمط قال : يا كعب بن مرة ، ثنا عن رسول الله - ﷺ - واحذر . قال : سمعت النبي - ﷺ - يقول : " من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة " .

قال أبو عيسى : يقال : كعب بن مرة ، ومرة بن كعب ، والمعروف من أصحاب النبي - ﷺ - مرة بن كعب البهزي ، قد روى عن النبي - ﷺ - أحاديث . قال أبو عيسى : وهو حديث حسن .

باب في التوكل[عدل]

وقول الله تعالى و {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} وقوله عز وجل {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه}

الترمذي : حدثنا علي بن سعيد الكندي ، ثنا ابن المبارك ، عن حيوة بن شريح ، عن بكر بن عمرو ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن أبي تميم الجيشاني ، عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا ، وتروح بطانا " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

البزار : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الجنيد ، ثنا هشام بن خالد ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن إسماعيل بن عبيد الله ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله " .

وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه ، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق ، ولا نعلم رواه عن الوليد إلا هشام بن خالد ولم يكن به بأس ، إلا أنه لم يتابع على هذا الحديث ، وقد احتمله عنه أهل العلم وذكروه عنه ، وإسناده صحيح إلا ما ذكروا من تفرد هشام بن خالد به ، ولا نعلم له علة .

أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن سلام بن شرحبيل ، عن حبة وسواء ابني خالد قالا : " دخلنا على رسول الله - ﷺ - وهو يعالج شيئا ، فأعناه عليه ، فقال : لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما ، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله " . قال البخاري : يقال : سلام بن شرحبيل وسلام أبو شرحبيل ، سمع حبة وسواء ، سمع منه الأعمش .

البزار : حدثنا إبراهيم بن هانئ وعبد الله بن أبي ثمامة الأنصاري ومحمد ابن عمر بن هياج ، ثنا قدامة بن زائدة بن قدامة ، حدثني أبي ، عن عاصم ، عن زر ، عن حذيفة قال : " قام النبي - ﷺ - فدعا الناس فقال : هلموا إلي . فاقبلوا إليه . فجلسوا فقال : هذا رسول رب العالمين جبريل - ﷺ - نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله ، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته " . وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن حذيفة إلا من هذا الوجه .

البخاري : حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي - وهو حليف لبني زهرة ، وكان من أصحاب أبي هريرة - أن أبا هريرة قال : " بعث رسول الله - ﷺ - عشرة رهط سرية . . " فذكر قصة خبيب وقال فيه : " فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد رأيته يوما يأكل من قطف عنب ، وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر . وكانت تقول : إنه لرزق من الله رزقه خبيبا " .

البخاري : حدثني إسحاق ، ثنا روح بن عبادة ، ثنا شعبة ، سمعت حصين ابن عبد الرحمن قال : كنت قاعدا عند سعيد بن جبير ، فقال : عن ابن عباس ، أن رسول الله - ﷺ - قال : " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ، هم الذين لا يسترقون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون " .

الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا أبو داود الطيالسي ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : " كان أخوان على عمد رسول الله - ﷺ - ، فكان أحدهما ، يأتي النبي - ﷺ - والآخر محترف ، فشكا المحترف أخاه إلى النبي - ﷺ - فقال : لعلك ترزق به " .

باب في الورع[عدل]

وقول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}

البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، ثنا سفيان ، عن أبي فروة ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، قال النبي - ﷺ - : " الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهة ، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان ، والمعاصي حمى الله ، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه " .

الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، ثنا أبو نعيم ، ثنا فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " يا أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} وقال : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} قال : وذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ؛ فأنى يستجاب لذلك " . قال : هذا حديث غريب ، إنما نعرفه من حديث فضيل بن مرزوق .

الترمذي : حدثنا عبد الله بن أبي زياد الكوفي ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا غالب أبو بشر ، عن أيوب بن عائذ الطائي ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن كعب بن عجرة قال : قال لي رسول الله - ﷺ - : " أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون بعدي ، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم ، وأعانهم على ظلمهم - فليس مني ولست منه ، ولا يرد علي الحوض ، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم - فهو مني وأنا منه ، وسيرد علي الحوض ، يا كعب بن عجرة ، الصلاة برهان ، والصوم جنة حصينة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، يا كعب بن عجرة ، إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به " .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله ابن موسى ، وأيوب يضعف ، ويقال : كان يرى الإرجاء ، وسألت محمدا عن هذا الحديث ، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله ، واستغربه جدا ، وقال : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله بن موسى ، عن غالب بهذا . انتهى كلام أبي عيسى .

أيوب بن عائذ هذا وثقه النسائي ، وقال يحيى بن معين : أيوب بن عائذ ثقة . وكذلك قال أبو حاتم : أيوب بن عائذ ثقة ، صالح الحديث صدوق .

وقد روى هذا الحديث أبو بكر البزار : وقال : ثنا عمرو بن علي ، ثنا معلى بن أسد ، ثنا وهيب ، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن ابن سابط - يعني : عبد الرحمن - عن جابر قال : قال رسول الله - ﷺ - : " يا كعب بن عجرة ... . " فذكر نحوه .

وروى الترمذي : حدثنا أبو بكر بن أبي النضر ، ثنا أبو النضر ، ثنا أبو عقيل الثقفي ، ثنا عبد الله بن يزيد ، حدثني ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس ، عن عطيه السعدي - وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

الترمذي : حدثنا أبو موسى ، ثنا عبد الله بن إدريس ، ثنا شعبة عن بريد بن أبي مريم ، عن أبي الحوراء السعدي قال : " قلت للحسن بن علي ما حفظت من رسول الله - ﷺ - ؟ قال : حفظت منه : دع ما يربيك إلى ما لا يربيك ؛ فإن الصدق طمأنينة ، وإن الكذب ريبة " .

وفي الحديث قصة ، وأبو الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان ، قال : وهذا حديث حسن صحيح ، ثنا بندار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن بريد فذكر نحوه .

مسلم : حدثني هارون بن سعيد الأيلي ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو ، أن أبا يونس مولى أبي هريرة حدثه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال : " إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي ، ثم أرفعها لآكلها ، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها " .

مسلم : ثنا أبو كريب ، ثنا أبو أسامة ، عن زائد ، عن منصور ، عن طلحة بن مصرف ، ثنا أنس بن مالك " أن رسول الله - ﷺ - مر بتمرة بالطريق فقال : لولا أن تكون صدقة لأكلتها " .

مسلم : حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي ، ثنا الربيع - يعني : ابن مسلم - عن محمد - وهو ابن زياد - عن أبي هريرة " أن النبي - ﷺ - كان إذا أتي بطعام سأل عنه ، فإن قيل هدية أكل منها ، وإن قيل صدقة لم يأكل منها " .

البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " خفف على داود القرآن ، فكان يأمر بدوابه فتسرج ، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يديه " .

البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أنا عيسى - هو ابن يونس - عن ثور ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام ، عن النبي - ﷺ - قال : " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " .

النسائي : أخبرنا يوسف بن عيسى ، أنا الفضل بن موسى ، أنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - ﷺ - : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وولده من كسبه " .

باب من الأمثال والحكم والمواعظ[عدل]

البخاري : حدثنا محمد بن العلاء ، ثنا حماد بن أسامة ، عن بريد ابن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي - ﷺ - قال : " مثل ما بعثني الله - عز وجل - به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير ، أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس ، فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فلذلك مثل من فقه في دين الله - عز وجل - ونفع بما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .

الطحاوي : حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، ثنا الخطاب بن عثمان وحيوة بن شريح ويزيد بن عبد ربه قالوا : ثنا بقية بن الوليد ، عن يحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إن الله - عز وجل - ضرب مثلا صراطا مستقيما ، على كنفي الصراط سوران لهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور ، وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو من فوقه {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فالأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله ، لا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف ستر الله ، والذي يدعو من فوقه واعظ الله - تعالى " . رواه الترمذي : عن علي بن حجر ، عن بقية بهذا الإسناد ، وقال : حديث حسن غريب .

البزار : حدثنا عمرو بن علي ، ثنا أبو عاصم ، ثنا محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال : " مثل ابن آدم وماله وأهله وعمله كرجل له ثلاثة إخوة أو ثلاثة أصحاب ، فقال أحدهم : أنا معك حياتك ، فإذا مت فلست منك ولست مني . وقال الآخر أنا معك ، فإذا بلغت تلك الشجرة فلست منك ولست مني . وقال الآخر : أنا معك حيا وميتا " .

مسلم : حدثنا عبد الله بن براد وأبو كريب - واللفظ لأبي كريب - قالا : ثنا أبو أسامة ، عن بريد عن أبي بريدة ، عن أبي موسى ، عن النبي - ﷺ - قال : " إن مثلي ومثل ما بعثني الله به ، كمثل رجل أتى قومه فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء . فأطاعه طائفة فأدلجوا ، فانطلقوا على مهلتهم ، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق " .

مسلم : حدثنا محمد بن رافع ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن همام قال : وهذا ما حدثنا أبو هريرة ، عن رسول الله - ﷺ - فذكر أحاديث منها : وقال رسول الله - ﷺ - : " مثلي كمثل رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها ، وجعل بحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها . قال : فذلكم مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن النار ، هلم عن النار ، هلم عن النار ، فتغلبوني تقتحمون فيها " .

أبو داود الطيالسي : حدثنا المسعودي ، عن الحسن بن سعد ، عن عبدة النهدي ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ، ألا وإني ممسك بحجزكم أن تهافتوا في النار كما تهافت الذباب " .

الحسن بن سعد مشهور ، روى عنه : الشيباني ، والمسعودي ، وأبو العميس عتبة بن عبد الله ، وكذلك عبدة النهدي روى عنه : مسلم البطين ، وأبو إسحاق الهمداني ، وحصين بن عبد الرحمن ، والحسن بن سعد .

مسلم : حدثني أبو كامل ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا : " لما نزلت : {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال : انطلق النبي - ﷺ - إلى رضمة من جبل فعلى أعلاها حجرا ، ثم قال : يا بني عبد منافاه إني نذير ، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو ، فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه ، فجعل يهتف : يا صباحاه " .

مسلم : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، ثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " لما نزلت هذه الآية {وأنذر عشيرتك الأقربين} ورهطك منهم المخلصين ، خرج رسول الله - ﷺ - حتى صعد الصفا فتهف : يا صباحاه . فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد . فاجتمعوا إليه فقال : يا بني فلان ، يا بني فلان ، يا بني عبد مناف ، يا بني عبد المطلب . فاجتمعوا إليه فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جزبنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . قال : فقال أبو لهب : تبا لك ، أما جمعتنا إلا لهذا ! ثم قال : فنزلت هذه السورة " تبت يدا أبي لهب وقد تب " كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة " .

مسلم : حدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب قالا : ثنا جرير ، عن عبد الملك بن عمير ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي هريرة قال : " لما نزلت هذه الآية : {وأنذر عشيرتك الأقربين} دعا رسول الله - ﷺ - فاجتمعوا فعم وخص ، فقال : يا بني كعب بن لؤي ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة ، أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها " .

لفظ الترمذي في هذا الحديث : " إني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا " قالها عند دعائه كل قبيلة ، رواه من حديث عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الملك بن عمير ، وبينهما اختلاف في اللفظ .

مسلم : حدثني حرملة بن يحيى ، أنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة قال : " قال رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله عليه {وأنذر عشريتك الأقربين} : يا معشر قريش ، اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا ، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا ، يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئا ، يا صفية عمة رسول الله ، لا أغني عنك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت محمد رسول الله ، لا أغني عنك من الله شيئا " .

ولمسلم في بعض طرق هذا الحديث من الزيادة : " سلوني من مالي ما شئتم " .

البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن سماك ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول : " أنذرتكم النار ، أنذرتكم النار " . وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن النعمان ، عن النبي - ﷺ - .

البخاري : حدثنا محمد بن سنان ، ثنا فليح ، ثنا هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - ﷺ - قال : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . قالوا : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى " .

مسلم : حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - ﷺ - : " حفت الجنة بالمكارة ، وحفت النار بالشهوات " .

الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عبد الوهاب الثقفي ، ومحمد بن أبي جعفر وابن أبي عدي ويحيى بن سعيد ، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي ، عن زرارة بن أوفى ، عن عبد الله بن سلام قال : " لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة انجفل الناس قبله ، وقيل : قدم رسول الله ، قدم رسول الله . فجئت في الناس لأنظر إليه فلما استبنت وجه رسول الله - ﷺ - عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء تكلم به أن قال : أيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا والناس نيام ، تدخلون الجنة بسلام " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

الترمذي : حدثنا علي بن حجر ، ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله . فقيل : كيف يستعمله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت " . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح .

مسلم : حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر ، جميعا عن إسماعيل - قال ابن أيوب : ثنا إسماعيل بن جعفر - أخبرني عبد الله بن دينار ، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله - ﷺ - لأصحاب الحجر : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " .

مسلم : حدثني حرملة بن يحيى ، أنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب - وهو يذكر الحجر مساكن ثمود - قال : ثنا سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : " مررنا مع رسول الله - ﷺ - على الحجر ، فقال لنا رسول الله - ﷺ - : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم . ثم زجر فأسرع حتى خلفها .

البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : " لما مر النبي - ﷺ - بالحجر قال : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين . ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي " .

البزار : حدثنا عمرو بن علي ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا سفيان ، عن أبيه ، عن منذر الثوري ، عن الربيع بن خيثم ، عن عبد الله بن مسعود قال : " خط لنا رسول الله - ﷺ - يوما خطا ، وعن يمينه خطا وعن يساره خطا ، ثم قال : هذا سبيل الله . ثم خط خطوطا فقال : هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه . وقرأ : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ... .} .

البخاري : حدثنا سعد بن حفص ، ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن محمد بن إبراهيم القرشي ، أخبرني معاذ بن عبد الرحمن ، أن ابن أبان أخبره ، عن عثمان قال : قال رسول الله - ﷺ - : " لا تغتروا " مختصر .

الترمذي : حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ، ثنا زيد بن حباب ، أخبرني المسعودي ، ثنا عمرو بن مرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : " نام رسول الله - ﷺ - على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله ، لو اتخذنا لك وطاء . فقال : ما لي وما للدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا خلف بن خليفة ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رفعه قال : " إن الله يقول : إن عبدا أصححت له جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة ، يمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم " .

الترمذي : حدثنا صالح بن عبد الله وسويد بن نصر ، قال صالح : ثنا وقال سويد : أنا عبد الله بن المبارك ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - ﷺ - : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

الترمذي : حدثنا أحمد بن منيع ، ثنا أبو أحمد الزبير ، ثنا إسرائيل ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن مجاهد ، عن مورق ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله - ﷺ - : " إني لأرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفراش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، لوددت أني كنت شجرة تعضد " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، ويروى من غير وجه أن أبا ذر قال : " وددت أني كنت شجرة تعضد " .

البخاري : حدثنا سعيد بن عفير ، حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، أن أم العلاء - امرأة من الأنصار بايعت رسول الله - ﷺ - أخبرته " أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة . قالت : فطار لنا عثمان بن مظعون وأنزلناه في أبياتنا ، فوجع وجعه الذي توفي فيه ، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه ، دخل رسول الله - ﷺ - قالت : فقلت : رحمة الله عليك يا أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله . فقال رسول الله - ﷺ - : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ فقلت : بأبي أنت يا رسول الله ، فمن يكرمه الله ؟ فقال رسول الله - ﷺ - : أما هو فوالله لقد جاءه اليقين ، والله إني لأرجو له الخير ، ووالله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي . فقالت : والله لا أزكي بعده أحدا " .

البزار : حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا يونس - يعني ابن يزيد - عن الزهري ، عن محمد بن عروة بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : " توفيت امرأة كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يضحكون منها ويمازحونها ، فقلت : استراحت . فقال النبي - ﷺ - : إنما يستريح من غفر له " . ولا نعلم أسند محمد بن عروة عن أبيه ، عن عائشة إلا هذا الحديث .

الترمذي : حدثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عيسى بن يونس ، عن أبي بكر بن أبي مريم .

وثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، أنا عمرو ، أنا ابن المبارك ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن شداد بن الأوس عن النبي - ﷺ - قال : " الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله " . قال : هذا حديث حسن .

أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن يعلى ، عن حميد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال : " عجبا لغافل لا يغفل عنه ، عجبا لطالب الدنيا والموت يطلبه ، عجبا لضاحك ملء فيه ولا يدري أرضى الله أم أسخطه " . حمدي هذا هو ابن عطاء ، وهو ضعيف .

قال ابن أبي شيبة : ثنا أسود بن عامر ، ثنا جرير بن حازم ، سمعت الحسن يقول : حدثني صعصعة - عم الفرزدق - أنه قال : " قدمت على النبي - ﷺ - فسمعته يقرأ هذه الآية {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} قلت : والله ما أبالي ألا أسمع غيرها ، حبسي حسبي " .

باب في ذكر الموت والقبر[عدل]

الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان ، ثنا الفضل بن موسى ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - : " أكثروا ذكر هادم اللذات . يعني الموت " . قال : وفي الباب عن أبي سعيد . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، ثنا سعيد ، عن أبيه ، أنه سمع أنا سعيد الخدري قال : " كان النبي - ﷺ - يقول : إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني . وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها : يا ويلها أين تذهبون بها . يسمع صوتها كل شيء لا الإنسان ، ولو يسمع الإنسان لصعق " .

الترمذي : حدثنا هناد ، ثنا يحيى بن معين ، ثنا هشام بن يوسف ، حدثني عبد الله بن بحير ، أنه سمع هانئا مولى عثمان قال : " كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار ولا تبكي ، وتبكي من هذا ؟ ! فقال : إن رسول الله - ﷺ - قال : إن القبر أول منازل الآخرة ، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه . قال : وقال رسول الله - ﷺ - : ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه " . قال : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف .

أبو داود : حدثنا محمد بن سليمان الأنباري ، ثنا عبد الوهاب الخفاف أبو نصر ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك : " أن نبي الله - ﷺ - دخل نخلا لبني النجار ، فسمع صوتا ففزع ، فقال : من أصحاب هذه القبور ؟ قالوا : يا رسول الله ، ناس ماتوا في الجاهلية . فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر ، ومن فتنة الدجال . قالوا : ومم ذاك يا رسول الله ؟ قال : إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له : ما كنت تعبد ؟ فإن الله هداه قال : كنت أعبد الله . فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : هو عبد الله ورسوله ، فما يسأل عن شيء غيرهما ، فينطلق به إلى بيت كان له في النار ، فيقال له : هذا بيتك كان في النار ، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك به بيتا في الجنة . فيقول : دعوني حتى أذهب ، فأبشر أهلي . فيقال له : اسكن . وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره ، فيقول له : ما كنت تعبد ؟ فيقول : لا أدري . فيقول له : لا دريت ولا تليت . فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : كنت أقول ما يقول الناس . فيضربونه بمطراق من حديد بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين " .

عبد بن حميد : أخبرنا يزيد بن هارون ، أنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ذكوان ، عن عائشة قالت : " جاءت يهودية ، فاستطعمت على بابي ، فقالت : أطعموني أعاذكم الله من فتنة عذاب القبر ومن فتنة الدجال . فلم أزل أحبسها حتى جاء النبي - ﷺ - ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول هذه اليهودية ؟ قال : وما تقول ؟ قلت : تقول : أعاذكم الله من فتنة عذاب القبر ومن فتنة الدجال . قالت عائشة : فقام رسول الله - ﷺ - فرفع يديه مدا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر . قال : ثم قال : أما فتنة الدجال فإنه لم يكن نبي إلا وقد حذره أمته ، وسأحذركموه تحذيرا لم يحذره نبي أمته ، إنه أعور وإن الله ليس بأعور ، بين عينيه مكتوب كافر يقرؤه كل مؤمن ، وأما فتنة القبر في تفتنون ، وعني تسألون ، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشغوف ، فيقال له : فيم كنت ؟ فيقول : في الإسلام . فيقال : ما هذا الرجل الذي كان فيكم ؟ فيقول : محمد رسول الله ، جاءنا بالبينات من عند الله فآمنا به وصدقناه . قال : فيقال له : فهل رأيت الله ؟ فيقول : ما ينبغي لأحد أن يرى الله . فيفرج له فرجة قبل النار . فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ، فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله . ثم يفرج له فرجة إلى الجنة ، فينظر إلى زهرتها وما فيها ، فيقال له : هذا مقعدك منها . ويقال له : على اليقين كنت ، وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله . وإذا كان الرجل السوء أجلس في قبره مشغوفا ، فيقال له : فيم كنت ؟ فيقول : لا أدري . فيقال له : ما هذا الرجل الذي كان فيكم ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا . فتفرج له فرجة قبل الجنة ، فينظر إلى زهرتها وما فيها ، فيقال له : انظر إلى ما صرف الله عنك . ثم تفرج له فرجة قبل النار ، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ، فيقال له : هذا مقعدك منها ، على الشك كنت ، وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله . ثم يعذب " .

قال ابن أبي ذئب : قال محمد بن عمرو ، فحدثني سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - ﷺ - قال : " إن الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قال : اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب ، أخرجي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ويعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان . فيقولون : مرحبا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب ، ادخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان . فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله - تبارك وتعالى - وإذا كان الرجل السوء قالوا : اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة ، وأبشري بحميم وغساق ، وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ويعرج بها إلى السماء ، فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان . فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء ، فيرسل من السماء ، ثم يصيران إلى القبر ، فيجلس الرجل الصالح ، فيقال له ... . " فيرد ما في حديث عائشة " ويجلس الرجل السوء فيقال له ... . " فيرد ما في حديث عائشة سواء .

قال عبد : وأخبرني عمرو بن عون ، أنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان أبي عمر ، عن البراء بن عازب ، قال : " خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، فجلس رسول الله - ﷺ - وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير ، فجعل رسول الله - ﷺ - يرفع بصره ينظر إلى السماء وينكت في الأرض يحدث نفسه ، ثم قال : أعوذ بالله من عذاب القبر - مرارا - ثم قال : إن الرجل إذا كان في قبل من الآخرة ، وانقطاع من الدنيا ، أتاه ملك الموت فجلس عند رأسه إن كان مسلما قال : اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان . قال : فتخرج نفسه تسيل كما تسيل قطرة السقاء ، وتنزل ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس ، معهم أكفان من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، فيجلسون منه مد البصر ، فإذا أخذها قاموا إليه ، فلم يتركوها في يده طرفة عين فذلك قول الله - عز وجل - : {إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} قال : فتخرج منه مثل أطيب ريح وجدت على وجه الأرض قال : فيصعدون به فلا يمرون على جند من الملائكة فيما بين السماء والأرض إلا قالوا : ما هذه الروح الطيبة ؟ فقالوا : هذا فلان . بأحسن أسمائه ، فإذا انتهوا به إلى السماء الدنيا ، قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فقالوا : هذا فلان . فيفتح له أبواب السماء ، ويشيعه من كل سماء مقربوها ، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة ، قال : فيقال : اكتبوا كتابه في عليين ، وما أدراك ما عليون ، كتاب مرقوم ، فارجعوه إلى الأرض ، فإني وعدتهم أن منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى . قال : فترجع روحه في جسده . قال : ويبعث الله إليه ملكين شديدا الانتهار فيجلسانه وينتهرانه ، فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله . فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : رسول الله - ﷺ - . فيقولان له : وما يدريك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ، فذلك قول الله - عز وجل - : {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وينادي مناد من السماء : أن قد صدق ، فألبسوه من الجنة ، وأفرشوا له من الجنة ، وأروه منزله من الجنة . قال : فيلبس من الجنة ، ويفرش له من الجنة ، ويرى منزله من الجنة ، ويفسح له في قبره مد بصره . قال : ويمثل له رجل حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح ، قال : فيقول له : أبشر بما أعد الله لك من الكرامة ، هذا يومك الذي كنت توعد . قال : فيقول : ومن أنت رحمك الله ؟ فوالله لوجهك الوجه جاء بالخير . قال : فيقول : أنا عملك الصالح ، والله ما علمت إن كنت لحريصا على طاعة الله ، بطيئا عن معصية الله ، فجزاك الله خيرا . قال : فيقول : رب أقم الساعة لكي أرجع إلى أهلي ومالي " .

قال الأعمش : وحدثني أبو صالح ، حدثني بعض أصحاب النبي - ﷺ - ، أنه قال : " يقال له : نم . قال : فينام ألذ نومة نامها نائم قط حتى توقظه الساعة " .

ثم رجع إلى حديث البراء قال : " وإن كان فاجرا إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة جاءه ملك الموت فيجلس عند رأسه ، فيقول : اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى غضب وسخط من الله . قال : فتفرق روحه في جسده ، قال : يستخرجها يقطع منها العروق والعصب كما يستخرج الصوف المبلول بالسفود ، قال : وينزل ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح ، فيجلسون منه مد البصر ، فإذا وقعت في يد ملك الموت قام إليها ملائكة فلم يتركوها في يده طرفة عين ، قال : وتخرج منه مثل أنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون به ، فلا يمرون على جند من الملائكة فيما بين السماء والأرض إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ فيقولون : هذا فلان بأسوأ أسمائه . قال : فإذا انتهي به إلى السماء الدنيا ، أغلقت دونه فلم تفتح له ، وينادي مناد : أن اكتبوا كتابه في سجين ، فأرجعوه إلى الأرض ، فإني وعدتهم أن منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى ، قال : فيرمى به من السماء فذلك قول الله - تبارك وتعالى - : {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} قال : فتعاد روحه في جسده ، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فيجلسانه وينتهرانه ، قال : فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري . فيقولان له : ما هذا النبي الذي بعث فيكم ؟ قال : فيقول : لا أدري . يقولون : ذاك لا أدري . قال : فيقولان له : لا دريت . قال : وذلك قول الله - تبارك وتعالى - : {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} . قال : وينادي مناد من السماء : أن قد كذب ، فألبسوه من النار ، وأفرشوه من النار ، وأروه من منزله من النار . قال : فيكسى من النار ، ويفرش له من النار ، ويرى منها منزله ، قال : ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه . قال : ويمثل له رجل قبيح المنظر ، قبيح الثياب ، منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوءك ، أبشر بغضب من الله وسخط ، هذا يومك الذي كنت توعد ، هذا يومك الذي كنت تكذب به ، قال : فيقوله له : ويلك ومن أنت ؟ فو الله لوجهك الوجه جاء بالشر . قال : فيقول : أنا عملك الخبيث ، والله ما علمت إن كنت لبطيئا عن طاعة الله ، حريصا على معصية الله ، فجزاك الله عني شر الجزاء . قال : فيقول : رب لا تقم الساعة . مما يرى مما أعد الله له " .

المنهال بن عمرو وثقه يحيى بن معين ، وأبو عبد الرحمن النسائي ، تركه شعبة ، قال ابن أبي حاتم : إنما تركه لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب . وذكر ابن أبي خيثمة أنه سمع في داره صوت غناء ؛ فلذلك تركه .

تم كتاب الزهد والورع والتوكل والرقائق والحمد لله .

يتلوه كتاب الحشر والجنة والنار - إن شاء الله .