عظم لم تسعه دار الفناء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
عظم لم تسعه دار الفناء
المؤلف: جبران خليل جبران



عظم لم تسعه دار الفناء
 
فلتسعه في الله دار البقاء


يا أميرا إلى ذرى العزة القعساء أعلى مكانة الأمراء

لم تكن بالضعيف يوم أصبت الأمر والأمر مطمع الأقوياء

فتنكبت عنه أقدر ما كنت على الاضطلاع بالأعباء


إنما آثرت لك النفس حالا
 
هي أسمى منازل النزهاء


عدت عطلا وليس في الناس أحلى جبهة منك بعد ذاك الإباء


فجعت مصر فيك فجعة أم
 
في الأعز الاغلى من الأبناء
في جواد جارى أباه وما جاراه
 
إلاه بالندى والسخاء


أورد الفضل كل صادق وخص الجزل منه بالعلم والعلماء

أريحي يهتز للعمل الطيب من نفسه بلا إغراء

إنما يبتغي رضاها وما يعنى بشكر من غيرها وثناء


كلف بالجميل يسديه عفوا
 
متجاف مواطن الإيذاء
لازم حد ربه غير ناس
 
في مقام ما حق للعلياء
كل شأن يسوسه يبلغ الغاية
 
فيه من همة ومضاء
ويرى الفخر أن يكون طليقا
 
من قيود الظاهر الجوفاء
كان وهو الكريم جد ضنين
 
بالإذاعات عنه والأنباء


فإذا ما أميطت الحجب عن تلك المساعي الجسام والآلاء



أسفرت بين روعة وجلال
 
عن كنوز مجلوة من خفاء
كان ذاك الجافي العبوس المحيا
 
في المعاطاة أسمح السمحاء
دون ما تنكر المخايل فيه
 
غرر من شمائل حسناء


من حياء يخال كبرا وما الكبر به غير صورة للحياء


ووفاء للآل والصحب والأوطان
 
في حين عز أهل الوفاء


وكمال في الدين منه وفي الدنيا تسامى به عن النظراء

يذكر الله في النعيم ولا ينساه إن طاف طائف من شقاء


فهو حق الصبور في عنت الدهر
 
وحق الشكور في النعماء
لم ير الناس قبله في مصاب
 
مثل ذاك الإزراء بالأرزاء


بترت ساقه ولم يسمع العواد منه تنفس الصعداء

جلد لا يكون خلة رعديد ولم يؤته سوى البؤساء


كيف يشكو ذاك الذي شكت الآساد
 
منه في كل غيل ناء


والذي كان باقتناص ضواري الغاب يقري الكلاب ذات الضراء


والذي زان قصره بقطاف
 
من رؤوس الأيائل العفراء


أشرف اللهو لهوه بركوب الهول بين المجاهل الوعثاء


باحثا عن قديمها مستفيدا
 
عبرا من تبدل الأشياء


سير الأولين كانت له شغلا فأحيى دروسها من عفاء


وتولى تنقيح ما أخطأته
 
أمم من حقائق الصحراء
فإذا عد في بلاء فخار
 
لم يجاوز فخار ذاك البلاء


إنني آسف لمصر وما ينتابها في رجالها العظماء


كان ممن بنوا علاها فريعت
 
بانقضاض البناء بعد البناء
لم يخيب ما دام حيا لها سؤلا
 
وكائن أجاب قبل الدعاء
فإذا ما بكى أعزتها يأسا
 
فمن للعفاة بالتأساء
قد حسبنا القضاء حين عفا عنه
 
رثى للضعاف والفقراء


غير أن الرجاء مد لهم فيه قليلا قبل انقطاع الرجاء


ويحهم ما مصيرهم فهم اليوم
 
ولا عون غير لطف القضاء


أيها الراحل الجليل الذي أقضيه نزرا من حقه برثائي

لم يكن بيننا إلى أن دعاك الله إلا تعارف الأسماء

زال بالأمس ما عراك فأبديت سروري مهنئا بالشفاء


وأنا اليوم جازع جزع الأدنين
 
من أسرة ومن خلصاء
ذاك حق لكل من نفع الناس
 
على الأقرباء والبعداء
رضي الله عنك فاذهب حميدا
 
والق خيرا وفز بأوفى جزاء
نعمة الله يا سليلة بيت
 
راسخ فوق هامة الجوزاء


لك من عقلك الكبير ومن ذكرى الفقيد الخطير خير عزاء


أنت من أنت في مكانك من وال
 
ومن إخوة ومن آباء


وستهدين هدي أمك في أقوم نهج لفضليات النساء