طوق الحمامة/الإذاعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
طوق الحمامة الإذاعة
المؤلف: ابن حزم


وقد تعرض في الحب الإذاعة، وهو منكر ما يحدث من أعراضه، ولها أسباب، منها: أن يريد صاحب هذا الفعل أن يتزيا بزي المحبين ويدخل في عدادهم، وهذه خلافة لا ترضى، وتخليج بغيض، ودعوى في الحب زائفة.

وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء. فلا يملك الإنسان حينئذ لنفسه صرفاً ولا عدلاً. وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه على العقل، حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح، والقبيح في هيئة الحسن. وهنالك يرى الخير شراً، والشر خيراً. وكم مصون الستر مسبل القناع مسدول الغطاء قد كشف الحب ستره، وأباح حريمه، وأهمل حماه فصار بعد الصيانة علماً، وبعد السكون مثلاً.

وأحب شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لاعتراه النافض عن ذكره، ولطالت استعاذته منه. فسهل ما كان وعراً، وهان ما كان عزيزاً، ولان ما كان شديداً.

ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني قد دهى بمحبة جارية مقصورة هام بها وقطعه حبها عن كثير من مصالحه، وظهرت آيات هواء لكل ذي بصر، إلى أن كانت هي تعذله على ماظهر منه مما يقوده إليه هواه.

خبر: وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال: كنت بين يدي أبي الفتح والدي رحمه الله وقد أمرني بكتاب أكتبه إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها. وبهت أبي وظن أنه عرض لي عارض. ثم راجعني عقلي فمسحت وجهي ثم عدت واعتذرت بأنه غلبني الرعاف.

وأعلم أن هذا داعية نفار المحبوب، وفساد في التدبير، وضعف في السياسة وما شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سنة وطريقة، متى تعداها الطالب، أو خرق في سلوكها انعكس عمله عليه، وكان كده عناء. وتعبه هباء، وبحثه وباء. وكلما زاد عن وجه السيرة انحرافاً وفي تجنبها إغراقاً وفي غير الطريق إيغالا ازداد عن بلوغ مراده بعداً. وفي ذلك أقول قطعة، منها:

ولا تسع في الأمر الجسيم تهازءاً ولا تسع جهراً في اليسير تريده
وقابل أفانين الزمان متى يرد عليك فإن الدهر جم وروده
فأشكالها من حسن سعيك يكفك ال يسير بغير والشريد شريده
ألم تبصر المصباح أول وقده وإشعاله بالنفخ يلطفا وقوده
وإن يتصرم لفحه ولهيبه فنفخك يذكيه وتبدو مدوده

خبر: وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح، كنت أعهده كثير التصاون، من بغاة العلم وطلاب الأدب يبز أصحابه في الانقباض، ويفوتهم في الدعة، لا ينظر إلا في حلقة فضل، ولا يرى إلا في محفل مرضى، محمود المذاهب، جميل الطريقة، بائناً بنفسه، زاهياً بها ثم أبعدت الأقدار داري من داره، فأول خبر طرأ علي بعد نزولي شاطبة أنه خلع عذاره في حب فتى من أبناء الفتانين يسمى إبراهيم بن أحمد أعرفه، لا تستأهل صفاته محبة من بيته خير وتقدم؛ وأموال عريضة ووفر تالد، وصح عندي أنه كشف رأسه وأبدى وجهه ورمى رسنه وحسر محياه وشمر عن ذراعيه وصمد صمد الشهوة، فصار حديثاً للسمار ومدافعاً بين نقلة الأخبار، وتهودى ذكره في الأقطار، وجرت نقلته في الأرض راحلة بالتعجب، ولم يحصل من ذلك إلا على كشف الغطاء، وإذاعة السر، وشنعة الحديث. وفتح الأحدوثة وشرود محبوبه عنه جملة. والتحظير عليه من رؤيته ألبتة، وكان غنياً عن ذلك وبمندوحه ومعزل رحب عنه. ولو طوى مكنون سره، وأخفى بليات ضميره لاستدام لباس العافية: ولم ينهج برد الصيانة؛ ولكان له في لقاء من بلى به ومحادثته ومجالسته أمل من الآمال؛ وتعلل كاف؛ وإن حبل العذر ليقطع به، والحجة عليه قائمة؛ إلا أن يكون مختلطاً في تمييزه؛ أو مصاباً في عقله بحليل ما فدحه. فربما آل ذلك لعذر صحيح، وأما إن كانت بقية من عقل أو ثبتت مسكه فهو ظالم في تعرضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى به. هذا غير صفة أهل الحب؛ وسيأتي هذا مفسراً في باب الطاعة إن شاء الله تعالى.

ومن أسباب الكشف وجه ثالث وهو عند أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط؛ وذلك أن يرى المحب من محبوبه غدراً أو مللاً أو كراهة؛فلا يجد طريق الانتصاف منه إلا بما ضرره عليه أعود منه على المقصود من الكشف والاشتهار. وهذا أشد العار وأقبح الشنار وأقوى بشواهد عدم العقل ووجود السخف. وربما كان الكشف من حديث ينتشر وأقاويل تفشو، توافق قلة مبالاة من المحب بذلك، ورضى بظهور سره، إما لإعجاب وإما لاستظهار على بعض ما يؤمله. وقد رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد، وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على أنه يذكر عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى.

طوق الحمامة (المخطوط)

المقدمة | تقسيم الرسالة | الكلام في ماهية الحب | علامات الحب | من أحب في النوم | من أحب بالوصف | من أحب من نظرة واحدة | من لا يحب إلا مع المطاولة | من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها | التعريض بالقول | الإشارة بالعين | المراسلة | السفير | طي السر | الإذاعة | الطاعة | المخالفة | العاذل | المساعد من الإخوان | الرقيب | الوشي | الوصل | الهجر | الوفاء | الغدر | البين | القنوع | الضنى | السلو | الموت | قبح المعصية | فضل التعفف