تعود بنا هذه المقدمة ثلاثين سنة ، الى اليوم الذي سمعت فيه أول اقتراح بتأليف كتاب عن محمد عليه السلام .
وكنت أقيم يومئذ في ضاحية العباسية البحرية على مقربة من الساحة التي كانت معدة للاحتفال بالمولد النبوي في كل عام .
ولنا رهط[1] من الأصدقاء المشتغلين بالأدب يشتركون في قراءة كتبه العربية والافرنجية ، ويترددون معا على الأحياء الوطنية، وقلَّما يترددون على غيرها . فلا يزالون متنقلين فترة بعد فترة بين الحي الحسيني والحي الزينبي ، أو بين منشية القلعة ، وضاحية العباسية ، أو بين الروضة والخليج .. على حسب المناسبات ، وعلى غير مناسبة في كثير من الأوقات .
وكان رهطًا له نقائض[2] الدنيا مجتمعات: نقائض الشباب ونقائض الحياة الفنية، ونقائض الاختلاف في البيئة بين ناشيء في العاصمة وناشيء في الريف وناشيء في الصعيد وناشيء في الثغور[3]، الى غير ذلك من النقائض التي كانت حلية لهذه الجماعة ، ولم تكن فيها من دواعي التفرق والشتات [4].
* * *
ومن عجائبها أن الذي كان يغريها بالأحياء الوطنية هو قراءتها في الكتب الإفرنجية التي كانت شائعة[5] بينها؛ لأنهم كانوا يقرأون أكثر ما كانوا يقرأون كتب «دكنز» و«هازليت» و«لي هانت» و«كارليل» .. وهم كتَّاب مولعون[6] بعرض الأخلاق الاجتماعية ودراسة العادات المحلية، وتمثيل الريفيين ، والحضريين[7] في أوضاعهم المختلفة، ولهم فصول عن الأسواق، والدكاكين ، والباعة ، تفيض بحسن الملاحظة وبراعة الفكاهة ومتعة القراءة، وتعوّد من يدمن قراءتها أن يتحرى نظائرها[8] حيثما رآها .
ففي يوم من أيام المولد — والرهط يزورني لنؤم[9] الساحة
5