ولكنه في الأمر الثابت الذي لا جدال فيه قد بلغ الذروة(1) من محاسبة النفس والتحرج من المساس بالحياة البشرية ولو في سبيل الذود(2) عن حياته وحياة أقرب الناس اليه، فلما آيقن من القتل؛ أبى ان يبقى في داره من يقتل أحدا ممن يحيطون بها ويعالجون اقتحامها(3)لاغتياله، ولما سئل أن يتنحى عن الخلافة أبى أن يتنحى عنها، ولم يكن اباؤه(4) ضنا(5) بشيء يحتويه، فلا شيء أغلى من الحياة وقد هانت عليه، ولا يزعم احد انه غنم من الخلافة مالا، بل يتفق المؤرخون على انه ترك الدنيا وماله اقل مما كان لديه يوم ولي الخلافة، ولكنه أبى أن يخلع نفسه حذرا من أن يحمل جريرة(6) الخلع وما يعقبه من النزاع والقتال، وقد صرح بذلك غير مرة فقال: انه يخشى على الذين يستطيلون أيامه أن يتمنوا بعده لو كان يومه مائة سنة، فلا يبوءن(7) بالعاقبة المحذورة وهو مختار.
فاذا تركنا الحوادث جانبا ونظرنا الى التاريخ في صدر الاسلام على أنه تاريخ قيم ومبادئ، فلنا أن نقول: اننا أمام فواجع مؤلمة يود الناظر اليها لو يزوي(8) بصره عنها، وليس لنا أن نقول: أننا أمام صدمة يصطدم بها من يسأل عن أثر العقيدة وأطوارها، فلا صدمة هناك اذا نحن وزنا الحوادث بميزان القيم، وعلمنا أن التاريخ لن يخلو من الحوادث، وأن حوادث الخلاف ليست بأكبر الشرور التي تبتلى بها ضمائر بني الإنسان.
(١) الذروة : القمة (٢) الذود : الدفاع ٠ (٣) أي يحاولون دخولها . (4) اباؤه : رفضيه . (5) امساكا أو تمسكا ٠ (1) الجريرة : الذنب والجناية. (٧) أي يرجع: (٨) أي يقبض