انتقل إلى المحتوى

صفحة:التهذيب في أصول التعريب (auc aco001146).pdf/61

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تم التّحقّق من هذه الصفحة.

وهذه اللغات الأفريقية يطلق عليها غالباً لفظ السامية الحامية

١١– باب في القول في مهد الساميين

وقد اختلفت الآراء في مهد الساميين ومبدأ نشأتهم، والمتفق عليه الآن أن منبتهم ومهد نشأتهم هو جزيرة العرب، وهو رأي كثير من العلماء، ثم انفصلوا أقواماً رحلوا الى الشمال أولا حيث غمروا أرض الجزيرة (بابل وآثور والعراق) وطغوا على أممها المتمدينة قبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف من السنين، ثم تحضروا وبنوا المدن والقرى وخالطوا أهل البلاد الأصليين الصوميريين والأكاديين، وتعلموا منهم الخط (البابلي) والأدب ورحلوا الى الجنوب كذلك، فهاجروا الى بلاد الحبشة وكوَّنوا أممها السامية وتفرقوا في كل مكان، حيث نمت معهم لغتهم وحفظوا مميزاتهم

وذكر عبد اللّٰه بن المقفع[١] أن بادية الحجاز كانت في الزمان الأول كلها ضياعاً وقرى ومساكن وعيوناً جارية وأنهاراً مطّردة ثم صارت بعد ذلك بحراً طافحاً تجري فيه السفن ثم صارت قفراً يابساً ولا يدري كيف اختلفت عليها الأحوال ولا كم يختلف الا اللّٰه تعالى

وقد حاول العالم الايطالى الامير قاطاني داطيانوا (Prince Caetani da Teano) أن يستدل بالبراهين المستنتجة من الحوادث الأرضية (الجاولوجية) على أن بلاد العرب كانت فى العصور المتقدمة على التاريخ بلاداً خصبة ترويها ثلاثة أنهر عظام وتطعم شعباً كثير العدد، فلما انحسرت المثالج الشمالية العظيمة وجفت الأرض اضطر سكانها الى البحث عن مساكن لهم خارج الجزيرة

والعرب الساكنون في الصحراء في قلب الجزيرة لانفصالهم عن مجاوريهم، وتحصنهم في جوف جزيرتهم، وقلة مخالطتهم الأمم المجاورة لهم، حفظوا لذلك

السبب كثيراً من مميزاتهم القديمة وعوائدهم ولغتهم من التغيير والتبديل دون سائر أقوامهم الذين نزحو عن بلادهم أفواجا الى أطراف الجزيرة، حتى جاء

  1. البدء والتاريخ ١٥٠ جزء ٢