شهب تبين فما تأوب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

شهب تبين فما تأوب

شهب تبين فما تأوب
المؤلف: جبران خليل جبران



شهب تبين فما تأوب
 
فكأنها حبب يذوب
أرأيت في كأس الطلا
 
دررا وقد صعدت تصوب
هو ذاك في لج الدجى
 
طفو الدراري والرسوب
وثبت به في أوجه الأسنى
 
فغالته شعوب
لقي الحقيقة شاعر
 
ما غره الوهم الكذوب
أوفى على عدن وما
 
هو عن محاسنها غريب
كم بات يشهدها وقد
 
شفت له عنها الغيوب
جزع الحمى لنعيه
 
وبكاه شبان وشيب
أي صاحبي لقد قضى
 
أستاذنا البر الحبيب
فعرا قلادتنا وكانت
 
زينة الدنيا شحوب
إني لأذكر والأسى
 
بين الضلوع له شبوب
عهدا به ضمت فؤادا
 
واحدا منا الجنوب
إذ بعضنا من غير ما
 
نسب إلى بعض نسيب
وبغير قربى بيننا
 
كل إلى كل قريب
مستشرف لا السلم
 
طلاع إليه ولا الحروب
يضفي به الضوء الهلال
 
ويبسط الظل الصليب
يا مصر قام العذر إن
 
يقلق مضاجعك الوجيب
وعلى فقيد كالذي
 
تبكين فليكن النحيب
مات الأديب وإنه
 
في كل معنى للأديب
مات المحامي عن ذمارك
 
مات قاضيك الأريب
مات الذي تدعوه داعية
 
الولاء فيستجيب
مات الذي ما كان في
 
أخلاقه شيء يريب
مات الذي منظومه
 
لأولي النهى سحر خلوب
آهان لو عرف الشباب
 
وآه لو قدر المشيب
شعر على الأيام يرويه
 
مردده الطروب
وكأنما في أذن قارئه
 
يغني عندليب
كل المعاني معجب
 
ما شاء والمبنى عجيب
كالدر مكن في العقود
 
وللشعاع به وثوب
ديباجة كأدق ما
 
نسجت شمال أو جنوب
فيها حلى جد الفواتن
 
وشيها واش لعوب
آيات حسن كلها
 
صفو وليس بها مثوب
تستافها رأد الضحى
 
ويظلك الوادي الخصيب
في بهجة الزهرات باكرهن
 
مدرار سكوب
فاللحظ يشرب والندى
 
مشمولة والكم كوب
وكمدحه المدح الذي
 
أبدا له ثوب قشيب
وكوصفه الوصف الذي
 
عن رؤية الرائي ينوب
يتناول الغرض البعيد
 
إذا البعيد هو القريب
أو يبرز الخلق السوي
 
فللحياة به دبيب
كل يصادف من هواه
 
عنده ما يسطيب
فكأن ما تجري خواطره
 
به تجري القلوب
في رأيه اللغة البلاد
 
أجل هو الرأي المصيب
يودي الفصيح من اللغات
 
إذا غفا عنه الرقيب
أفديك فارقت الحياة
 
وغيرك الجزع الكئيب
جارت عليك فضاق عن
 
سعة بها الذرع الرحيب
تلك الحياة وما بها
 
إلا لأهل الخبث طيب
كم بت في سهد وأنت
 
لغاية شقت طلوب
فالفضل منقصة له
 
وخلاله الحسنى عيوب
فإذا قنى مالا كما
 
يقني لعقباه الحسيب
حذر المهانات التي
 
متقدموه بها أصبيوا
أفنى بمجهودته قوته
 
وأرداه اللغوب
لأخف من بعض المقالة
 
ذلك الموت الحزيب
أعني مقالة كاشح
 
في قدرك العالي يريب
ممن يهش كما تثاءب
 
وهو طاوي الكشح ذيب
شر الأنام الباسمون
 
وفي جوانحهم لهيب
متنقصو محسودهم
 
وله التجلة والرجوب
فئة تنال من الفتى
 
ما لم تنل منه ألكروب
قالت لتضليل العقول
 
وليس كالتضليل حوب
صبري مقل ورده
 
عذب وآفته النضوب
أخبث بما أخفوا وظاهر
 
قصدهم عطف وحوب
ما الشعر يا أهل النهى
 
والذكر ديوان رغيب
أزهى وأبهى الورد لا
 
يأتي به الدغل العشيب
أو لم يطل شدو وشاديه
 
الهزار أما يطيب
ألشعر تلبية القوافي
 
والشعور بها مهيب
وبه من الإيقاع ضرب
 
لا تحاكيه الضروب
هو نوح ساقيه شكت
 
لا قدر ما يحوي القليب
هو أنة وتسيل من
 
جرائها نفس صبيب
ولقد تراهم ساخرا
 
منهم وأشجعهم نخيب
خالوا رداك إباحة
 
خابوا ومثلهم يخيب
لك في النهى بعد النوى
 
شفق ولكن لا يغيب