شعر المعتمد بن عباد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
  ► منقول من تاريخ الإسلام للذهبي ◄  

له في حاله:

تَبَدَّلْتُ من ظِلِّ عزِّ البُنُود ** بِذُلِّ الحديد وثِقْل القُيُودِ

وكان حديدي سِنانًا ذَلِيقًا ** وعَضْبًا رَقيقًا صَقيلَ الحديد

وقد صار ذاك وذا أدْهَمًا ** يَعَضُّ بساقيَّ عَضَّ الأسُودِ

وقيل: إنّ بنات المعتمد دخلن عليه السّجنَ في يوم عيدٍ، وكُنَّ يغْزِلن للنّاس بالأُجرة في أغْمات، فرآهنّ في أطمارٍ رثَّةٍ، فَصَدَعْنَ قلبه، فقال:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورًا ** فساءك العيدُ في أَغْماتَ مأسورا

ترى بناتِك في الأطمار جائعةٍ ** يغزلن للناس لا يملكن قِطْميرا

بَرَزْنَ نحوك للتّسليم خاشعةً ** أبصارهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسيرا

يَطَأْنَ في الطِّين والأقدامُ حافيةٌ ** كأنّها لم تَطَأَ مِسْكًا وكافورا

من بات بعدَكَ في ملكٍ يُسَرُّ به ** فإنّما بات بالأحلام مغرورا

ودخل عليه ولده أبو هاشم، والقيود قد عضّت بساقيه، فقال:

قَيْدي، أما تَعْلَمُني مُسْلمًا ** أبيتَ أن تُشْفق أو تَرْحما

دمي شرابٌ لك، واللّحم قد ** أكلْتَه، لا تهشم الأعظُما

يُبصرني فيك أبو هاشمٍ ** فينثني، والقلب قد هشّما

ارحم طفيلاً طائشاً لبّه ** لم يخش أن يأتيك مسترحما

وارحم أخيّاتٍ له مثله ** جرّعتهُنَّ السُّمّ والعَلْقَما

وللمعتمد وقد أُحيط به:

لمّا تماسكتِ الدّموعُ ** وتَنَهْنَهَ القلبُ الصَّدِيعُ

قالوا: الخضوعُ سياسةٌ ** فَلْيَبْدُ منك لهم خضوع

وألذ من طعم الخضو ** ع على فمي السّمُّ النّقِيعُ

إن تَسْتَلِبْ عنِّي الدُّنَا ** مّلْكي وتُسْلِمُني الْجُمُوعُ

فالقلبُ بين ضُلُوعِهِ ** لم تُسّلِمِ القلبَ الضُّلُوعُ

قد رُمْتُ يوم نِزَالِهم ** أنْ لا تحصِّنني الدُّرُوعُ

وبرزت ليس سوى القميـ ** ـصٍ عن الحشَى شيءٌ دَفُوعُ

أجَليَ تأخّر، لم يكن ** بهواي ذلّي والخشوع

ما سرت قطّ إلى القتا ** ل وكان في أملي رجوع

شِيَمُ الأُولَى أنا منهمُ ** والأصل تتْبعهُ الفروعُ