شرح تشريح القانون لابن سينا/القسم الثاني/الفصل العاشر/البحث الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
شرح تشريح القانون لابن سينا
القسم الثاني
تشريح المعدة والمريء - البحث الثالث
المؤلف: ابن النفيس



البحث الثالث

تشريح الثرب


قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وقد يدفيها من قدام الثرب الممتد... إلى قوله: وتحفظها للزوجتها الدسمة.

الشرح

قد بينا فيما سلف وجه حاجة المعدة إلى الأعضاء المدفئة لها من خارج ولا كذلك غيرها من سائر الأعضاء الهاضمة. وبينا أيضاً السبب في أن هذه الحرارة هي التي تحتاج إليها المعدة في الاستعانة على الهضم لم يخلق لها بذاتها وذلك لأن المعدة تحتاج أن يكون مزاجها قريباً من الاعتدال لأنها مع حاجتها إلى أن تكون هاضمة للأغذية فهي أيضاً محتاجة إلى أن تكون قوية الحس لتكون شديدة الإدراك للحاجة للغذاء. وذلك لشدة إدراكها للخلو وللذع السوداء المنصبة إليها حينئذ وقوة الحس إنما تكون مع الاعتدال فلذلك يجب أن تكون حرارة المعدة غير قوية مخرجة لها عن الاعتدال وهضمها للغذاء إنما يتم بحرارة قوية فلذلك هي محتاجة إلى استفادة هذه الحرارة من خارج. ولذلك فإن أكثر الأدوية المقوية للهضم بذواتها حارة المزاج وإنما كان هضم المعدة يحوج إلى حرارة كثيرة لأن هضمها لا يتم بإحالة صورتها النوعية للغذاء إلى مشابهة جوهرها فقط كما هو الحال في الكبد وفي هضم الأعضاء الهضم الرابع بل هضم المعدة إنما يتم بذلك وبطبخ الغذاء في تجويفها وإحالة الصورة وإن كان غير محتاج فيه إلى حرارة قوية فإن طبخ الغذاء إنما يكون بحرارة قوية تجذب لذلك المطبوخ غلياناً شديداً به ينطبخ وهذه الحرارة محال أن تكون للمعدة بذاتها فلا بد من أن تكون مستفيدة لها من خارج والحاجة إلى استفادة تلك الحرارة من قدام أشد لألأ مقدم المعدة في الجهة التي يلاقيها في الهواء الخارجي فيبردها فلذلك تحتاج إلى هذا المسخن لإفادتها الحرارة ولتعديل ما أفاده الهواء الخارجي من البرد فاحتيج بذلك أن يوضع أمام المعدة ما يفعل ذلك وإنما يمكن ذلك إذا كان ذلك الشيء شديد الحرارة. لكن هذا الشديد الحرارة لا يمكن أن يكون ملاقياً للمعدة، وإلا كان تسخنها شديداً فيخرجها عن الاعتدال الذي يحتاج إليه لأجل الحس، فلذلك لا بد من أن يكون حائلاً بينه وبين المعدة وهذا الحائل لا يمكن أيضاً أن يكون بذاته حاراً وإلا لم يمنع الحار الآخر من زيادة تسخين المعدة، فلا بد من أن يكون بذاته بارداً، ولا يمكن أن يكون كذلك. وهو لا يقبل التسخين بسرعة وإلا لكان يبرد المعدة بالملاقاة مع منعه لتسخين الحار الآخر الذي ليس بملاق فلذلك لا بد للمعدة من جوهر حار شديد الحرارة يوضع أمامها ولا يلاقيها ومن جوهر آخر بارد يقبل أن يلاقيها ومع ذلك يقبل الحرارة من الحار الخارجي ومن غيره فيسخن المعدة باعتدال فلذلك جعل قدام المعدة عضلات البطن وهي شديدة الحرارة لأنها كثيرة اللحم وجعل خلف كل هذه العضلات جسم آخر بارد بذاته شديد القبول للتسخن بغيره وذلك هو الثرب فإن هذا الثرب فيه عروق كثيرة فهي تفيد حرارة يسيرة وجوهره شحمي فهو بذاته بارد ولكنه بدهنيته ودسومته يقبل التسخن بغيره كثيراً فلذلك مجموعه وإن كان بذاته قريباً من الاعتدال وإلى برد فإنه يقبل من الحرارة التي يستفيدها من غيره وهو تسخن المعدة سخونة معتدلة لا تضرها في جودة الحس وذلك يعينها على الهضم، والذي يستفيد منه الشحم هذه الحرارة هي العضلات التي أمامه هذا هو السبب التمام.

وأما السبب المادي لذلك فإن العضو الذي يلاقي المعدة هولا محالة بالقرب من مقعر الكبد فلذلك الدم الآتي إليه إنما يأتي في العرق المسمى بالباب ماراً إلى ذلك العضو في شعب هذا العرق، والدم الذي في شعب هذا العرق إذا تصفى عن الأجزاء الصفراوية التي تخالطه، وذلك باندفاع تلك الأجزاء إلى المرارة وعن الأجزاء السوداوية التي تخالطه أيضاً وذلك باندفاع تلك السوداء إلى الطحال بقي الباقي من ذلك الدم مائياً كثير المائية جداً. ومثل هذا الدم أكثر ما يتولد عنه الشحم أو السمين فإن تولد عن لحم فذلك اللحم لا بد من أن يكون كثير المائية فيكون غددياً ولذلك فإن الأعضاء التي تغتذي من الدم الآتي من هذا العرق منها ما هو شحم كالثرب ومنها ما هو لحم رخو كاللحم الذي يسمى بانقراس.

وأما ظاهر المعدة فإنه وإن كان يأتيه الدم من هذا العرق فإن المعدة بحراراتها تحلل منه المائية الكثيرة فلا جرم يكون ما يتولد منه من اللحم عليها متيناً. ولذلك هذا الجرم الذي يلاقي المعدة من قدامها لا بد من أن يكون جوهره كثير المائية ولا يمكن أن يكون لحماً رخواً رهلاً لأن مثل هذا اللحم ليس فيه من الدسومة والدهنية ما يقبل لأجل ذلك الحرارة من غيره قبولاً كثيراً كما في الشحم ولذلك فإن الشحم يشتعل كثيراً بالنار. ولا كذلك هذا اللحم الرخو ولذلك وجب أن يكون الملاقي للمعدة لإدفائها جرماً شحمياً لا لحماً رخواً. وإنما لا يكون من جوهر السمين لأن جوهر السمين ليس فيه من البرد ما يعدل من حرارة العروق فلذلك كان هذا الملاقي للمعدة لإدفائها بتوسط قبوله الحرارة من غيره جرماً شحمياً. وذلك هو الثرب وجعل هذا الثرب رقيق الجرم أي ليس كثير الثخن لئلا تلزمه زيادة كثيرة في كبر البطن، وجعل جوهره كثيفاً ليفي مع رقته بحصر الحرارة في جرم المعدة فلا يتحلل بسرعة ولا كذلك لو كانت مسامه متسعة والله ولي التوفيق.