انتقل إلى المحتوى

رستم و اسفنديار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

<شاهنامه

بداية القصة

[عدل]

قال: و انصرف إسفنديار من مجلس أبيه ذلك الى ايوانه و هو واجم مهموم. فنام عند أمه كتايون ابنة ملك الروم. فلما انتصف الليل استيقظ و طلب جام شراب فأحضر فشرب.

و جلس مع أنه و شكا اليها أباه، و ذكر أنه و عده أنه اذا أخذ بثأر لُهراسب ، و استخلص المسبيّات من أخواته أن يوليه الأمر، و يسلم اليه التاج و التخت، و أنه قد و فى بذلك، و يريد أن يدخل عليه من الغد اذا أصبح، و يذكّره قوله، و يستنجزه و عده.

تكلم اسفنديار مع امه كتايون

[عدل]

و قال: لا أرضى منه بدون ذلك و إن أعطانى جميع الممالك. و علمت أمه أن أباه لا يفعل ذلك فنهته عنه و قالت: ما تصنع بالتاج و التخت؟ ألا ترى أن جميع الممالك تحت حكمك، و جميع الخزائن فى قبضتك، و أمور السلطنة مفوّضة إلى رأيك و تدبيرك؟ و هل بقى لكشتاسب غير تاج أنت المتوّج به معنى، و تخت أنت الجالس عليه حكما؟ و سيصير ذلك إليك أبضا. و أى شيء أحسن من أن يكون الولد، مالا كالأسد بين يدى و والده يحمى حريمه و يصون عرينه؟

فغلظ كلامها على إسفنديار و كرهه و قال:

ما أصدق ما قيل: لا تفش إلى النساء سرك و لا تطعهن و لا شاورهن فانك لا تجد فيهن ذات رأى.


طالع إسفنديار

[عدل]

ثم إنه لازم أباه على المعاقرة و المنادمة فأحس كشتاسب بما فى نفسه فأحضر جاماسب العالم و جميع الكهنة الذين كانوا من أصحاب لُهراسب . فحضروا بالكتب و الزيجات، و استخبرهم كشتاسب عن طالع إسفنديار و عن مدّة عمره و عن حسن سيرته، و أنه هل يلبس التاج و يمتع بالملك أم لا؟ و أنه هل يموت على فراشه أو يقتل؟

فنظر جاماسب فى زيجاته القديمة ثم اغرورقت عيناه بالدموع، و قطّب ما بين عينيه. فقال له كشتاسب: أخبرنى بالحال عاجلا فقد أمررت عيشى بهذا العلم.

فأخبره بأن إسفنديار يقتل فى زابلستان فى حرب تكون بينه و بين ولد دستان. فقال: لو أعطيته تاج السلطنة و سلمت اليه تخت المملكة لازم مكانه و أمن مما تذكره من صروف الزمان و طارق الحدثان.

فقال جاماسب: إن الكائن سيكون، و سواء اذا حقت المنون الحركة و السكون. ثم إن القدر المحتوم أسبل على قلب كشتاسب حجاب الغفلة حتى أنفذ إسفنديار الى زابل لقتال رستم.


طلب إسفنديار من أبيه كشتاسب أن يسلمه الحكم و الوفاء بما وعده و استشارة كشتاسب المنجمين في ذلك

[عدل]

و ذلك أنه جلس ذات يوم فى إيوانه، و حضرت الموابذة و الأمراء و الأكابر و أركان الدولة و دخل إسفنديار و خدم و وقف فى مقامه من الخدمة فدعا لأبيه، و أخذ يعدّد مقاماته و وقائعه و ما سبق له من الحروب، و ما ناله من جلائل الخطوب، و ما ابتلى به من الحبس على تلك الهيئة الفظيعة و الصورة الشنيعة. و لما فرغ من تعداد ذلك استنجز أباه و ما وعده، و سأله الوفاء بما أطمعه فيه. و قال:


إنى لأستحى من الأكابر اذا قالوا: أين كنوزك و أين جنودك؟ فأى حجة بقيت لك و هل بقى سبب تتجنى به؟


جواب كشتاسب على كلام ابنه إسفنديار

[عدل]

فقال أبوه: لا معدل عن الصدق. و قد وفيت بأكثر مما التزمته، و لم تترك لى على وجه الأرض عدوا إلا أفنيته، و مالك فى الأرض قرن غير ابن دستان الجاهل الذى استبد ببلاد زابل و غزنة و بُست ، و أخلّ بالخدمة و الطاعة بعد أن كان كالعبد فى خدمة كيكاوس، و بعده فى خدمة كيخسرو. و قد بلغ به الأمر الى أن قال: ملك كشتاسب طريف مستحدث، و ملكى تليد متقدّم .

و لا أجد فى توران و لا إيران من يساجلنى و يقاومنى». فلا بد من أن تنهض الى سجستان لتأتى به أسيرا مع ولده و أخيه. و اذا فعلت ذلك فو حق واهب الحول و القوّة ، و منوّر الشمس و القمر إنى لا أستروح الى عذر، و لا أعتل بعلة، و أقلدك الأمر و أسلم اليك. الملك. فقال إسفنديار: أيها الملك!

هذا منك ترك للرسم القديم، و عدول عن الطريق المستقيم. و اللائق بك أن تنازع أصحاب الأقاليم، و تطلب ملك صاحب الروم أو صاحب الصين لا أن تتعرّض المنازعة شيخ كان كيكاوس يسميه صياد الأسود و وهاب تخت الملوك و صاحب الرخش. و ليس ممن نبغ فى هذا الزمان بل هو بهلوان كبير ورث السيادة كابرا عن كابر، و معه عهد الملك كيخسرو. فان كان عهد الملوك لا يعوّل عليه فلا يعوّل على عهدك أيضا. ثم قال كشتاسب: إن أردت السلطنة فخذ طريق سجستان و افعل ما أمرتك به.

فغضب إسفنديار و قال: ما بك قصد رستم و لا دستان، و لكنك تريد إبعاد إسفنديار لأن نفسك لا تسمح بتفويض الأمر اليه. فلا زلت ممتعا بالتاج و التخت. و أما أنا فيكفينى زاوية من الأرض أعتزل فيها، و أكون مع ذلك عبدا مطيعا لك ممتثلا لأمرك. فقال له أبوه: لا تحتد و خذ العسكر و امض. و هذه الأموال و الخيل و الأسلحة بين يديك فخذ منها ما اشتهيت. و لا تتوان فى الأمر.


نصيحة كتايون ابنها إسفنديار

[عدل]

فخرج و دخل الى إيوانه فأتته أمه و هى تبكى و قالت: قد أخبرنى بهمن بأنك تريد الخروج الى زابلستان لقتال رستم بن دستان. فلا تتعرّض له و لا تلق بيدك الى التهلكة. فانه الرجل الذى لا يصطلى بناره، و لا يجارى فى مضماره. فقال لها: إنه كما ذكرت. و لكن كيف أخالف أمر الملك كشتاسب؟


ذهاب إسفنديار بجيشه إلى زابل لقتال رستم

[عدل]

فركب فى عساكره و توجه نحو زابلستان، و سار حتى وصل الى طريق يتشعب منه طريقان:

أحدهما يفضى الى زابلستان، و الثانى الى قلعة جُنبُدان . فبرك الجمل المتقدّم من جمال الأثقال و لزق بالأرض. و جعل الساربان يضرب على رأسه و هو يتحرّك و لا يثور. فتطير إسفنديار من ذلك، و أمر بأن يقطع رأسه مكانه ففعلوا به ذلك. ثم سار إسفنديار و هو مهتم حتى وصل الى هيرمَند فخيم بها.


إرسال إسفنديار ابنه بهمن إلى رستم

[عدل]

و أرسل ولده بمهن الى رستم، و أمره أن يقول له: من علت فى الأرض درجته، و ترقت فى الجلالة مرتبته فالواجب عليه أن يحمد اللّه عز و جل على ما أنعم به عليه من ذلك حتى يزيده من فضه و يمتعه بما أولاه. و من عرف الدنيا و خبرها دارى الملوك، و تجنب مخاشنتهم.

و من زرع شيئا حصد زرعه. و من سمع منه قول سمع مثله. و قد تعاقبت عليك الأزمان و العصور، و أفنيت عمرك فى خدمة الملوك. فلو نظرت بعين العقل لعلمت أن الأليق بك غير ما أنت عليه.

و لم تحصل من أسلافنا و أحدادنا على هذه الجلالة و السيادة إلا من حيث إنك كنت تفرغ وسعك فى طاعتهم، و تبذل جهدك فى خدمتهم. و لما تقلد لهراسب صرت حِلس بيتك، و أعرضت عن خدمته، و لما تولى ولده كشتاسب جريت على ذلك السنن، و لم ترفع به رأسا حتى لم تكتب اليه الى هذه الغاية و لا كتابا واحدا.

و لا يخفى أنه لم يتسنم سرير الملك من عهد أو شهنج الى هذا العهد ملك مثله فى حسن سيرته و سداد طريقته. و قد تيسر له من الفتوح ما لم يتيسر لغيره حتى دخل تخت حكمه جميع ممالك المشرق و المغرب، و صار العالم ككرة شمع فى يده فما من ملك إلا و قد أدّى اليه الجزية، و ما من مدينة إلا و حمل اليه خراجها. و قد ضاق صدره مما تعامله به من إخلالك بخدمته و قلة احتفالك بجنبه، و ركونك الى الاعتزال و الخمول. و ما أنت ممن ينساه الملوك أو تتغافل عنه، و لا ممن يغتفر له تقاعده عنبا. و قد اغتاظ ذات يوم من صنيعك فحلف أنه لا بدّ أن ترى فى سرادقه مقيدا مكبلا.

و ما جئت إلا لهذا الأمر. فاحذر عاقبة سخطه و غضبه. فاجتمعوا جميعا أنت و أبوك و ولدك و أخوك على التشاور فى الأمر، و على النظر فى وجه الرأى. و لا تخربوا بيوتك فيشمت الأعداء بكم. و اذا حملتك مقيدا اليه سعيت فى رضاه عنك، و تلطفت فى أن يعود الى أحسن ما كان عليه معك.


وصول بهمن إلى زال

[عدل]

فسار بهمَن متحملا هذه الرسالة. فلما تجاوز هِرمَند أخبر زال بقدومه فركب. و وصل فى الحال بهمن و لم يكن يعرف دستان.

فلما رآه قال: أيها الدهقان! أين سيد القوم رستم بن دستان؟ فهذا إسفنديار قد قدم و خيم على حافة النهر.

فقال له دستان: انزل و استرح فان رستم و أخاه فى متصيد لهما فى جماعة من الفرسان. فقال بهمن: إن إسفنديار لم يأذن لنا فى هذا.

و لكن ابعث معنا من يدلنا على المكان الذى هو فيه. فسأله دستان عن اسمه، فقال: أنا بهمن بن اسفنديار، حافد الملك كشتاسب. فترجل دستان له و خدمة، فترجل بهمن أيضا. و سايله و حادثه ثم نفذ معه فارسا حتى يدله على وضع رستم.


رسالة حملها بهمن من أبيه إسفنديار إلى رستم

[عدل]

فتوجه نحوه فلما رآه رستم مقبلا من بعيد ركب مع أخيه و استقبله فترجل له بهمن و خدمه. فسأله رستم عن اسمه فأعلمه فاعتنقه و لا لاطفه و سايله، و ذهب به الى مخيمه. فلما جلسوا بغله بهمن سلام الملك، و أعلمه بوصول إسفنديار و نزوله على نهر هِرمند .

قال: و معى رسالة من إسفنديار أعرضها إن أنت. فقال رستم: قد تعب ابن الملك و جاء من مكان بعيد. فنأكل أوّل ما حضر من الطعام ثم الأمر اليك، و العالم بحكمك». فبسطوا السفرة.

و كان مما أحضر حمارا و حش وضع أحدهما بين يدى بهمن و الآخر بين يدى رستم. و كان رستم يأكل و كل مرة وحده حمار و حش. فنظر الى أكل بهمن فتبسم و قال: كيف سلكت طريق هفتخوان بهذا الأكل؟ و كيف تكون قوّة بأسك و أكلك هذا الأكل؟ فقال بهمن: من كان من شجرة الملك و لا يكون كثيرا الأكل و لا كثير الكلام. و ينبغى أن يكون الأكل كل قليلا و الجدّ كثيرا.

فضحك رستم و قال: أبت الرجولية إلا ظهورا. و ملأ جاما من الشراب فشربه، و ملأ جاما آخر ناوله بهمن فتوقف و لم يحسر على شربه. فأخذ زواره الجام من يده و شرب بعض ما فيه ثم ردّه اليه فشرب. و أخذ يقضى العجب من رستم و شربه و أكله و قدّه و شكله. ثم ركب رستم و بهمن يسيّران فأدّى اليه بهمن رسالة إسفنديار.


جواب رستم على رسالة بهمن

[عدل]

فامتلأ دماغه فكرا و أطرق ثم رفع رأسه و قال: أبلغ إسفنديار سلامى و خدمتى، و قل له: إنى كنت أتمنى على اللّه تعالى أن رأى وجهك، و أجتمع بك، و أشاهد هيبتك و أبهتك، و أنادمك و أعاقرك. و الآن فقد حقق اللّه تعالى هذه الأمنية.

و أنا صائر الى خدمتك، و مستمع شفاها منك رسالة الملك كُشتاسب . و سأحمل معى عهود الملوك من عهد كيقباد الى عهد كيخسرو حتى تنظر فيها و نظر فيها و تنظر فى أمرى.

فإن كان جزاء ما عاملت به الملوك من الأفعال الجميلة، و ما تحملته و لهم من الأعباء الثقيلة فى الدولة القُباذية و ما بعدها، القيد و الحبس فقيد رجلىّ و يدىّ بالحبال و الأصفاد.

و إن لم تبد منى جناية توجب ذلك فلا تقابلنى بكلام يوغر صدرى و يوحش قلبى، و لا تقل قولا لم يقله قط أحد، و لا تتعنّ بحبس الريح فى القفص، و لا تلج معى فان اللجاج دأبى و ديدنى، و لم ير أحد رجلى فى القيد، و فعل معى ما يليق فعله بالسلاطين، و طهر قلبك بفضيلة الرجولية من دنس الداء الدفين، و اشرح صدرك، و اعبر الماء الينا. و كن ضيفنا حتى أصبر لك عبدا كما كنت لكيقباد من قبل.

و اذا فعلت ذلك و أقمت فى هذه البلاد شهرين تستريح فيهما أنت و من معك فتحت لك أبواب الخزائن التى ملأتها بحدّ السيف، و أبحتك إياها، و اذا عزمت على الرجوع لم أفارقك و أسير فى خدمة ركابك حتى نصير معا الى حضرة الملك كشتاسب فأعتذر اليه، و أستسلّ ما فى قلبه من سخيمة، و أقبل رأسه و يده و رجله، و أتلطف حتى يقبل معذرتى.

ثم قال لبهمن: احفظ ما قلته لك، و أدّه الى إسفنديار.


رجوع بهمن إلى إسفنديار

[عدل]

فانصرف راجعا الى أبيه. و بقى رستم فى موضعه، و استحضر أخاه زواره، و ولده فرامرز، و أرسلهما الى أبيه دستان، و أمرهما أن يقولا له: إن إسفنديار قد وصل. فانصبوا له فى الأواوين التخوت الذهبية، و ابسطوا المفارش الخسروانية، و افعلوا ما فعلتم فى ضيافة الملك كيكاوس بل أكثر و أحسن، و أعدّوا الأطعمة. و هأنا ذاهب اليه داعيا له مستضيفا.

فإن رأيتُ فى رأسه خيرا لم أبخل عليه بشىء من الكنوز و الذخائر و الجواهر و الخيل و الأسلحة و ان ردّنى و لم يجب دعوتى ما يكون يومى معه بالنير المضيء. ثم لا يخفى أن الغلبة لمن تكون. فقال له زواره: لا تشغل سرك بهذا.

فانه لا يختار مكاشرتك و مخاصمتك. و لست رأى فى الأرض شهريارا مثله سماحة و بسالة و شهامة و حزامة. و العاقل لا يصدر منه الشر». فتوجه زواره نحو زال، و توجه رستم نحو هِرمند فوقف على شاطئ النهر ينتظر مجىء بهمن اليه.

و أما بهمن فانه لما دخل على أبيه وقف ماثلا فسأله و قال: ما الذى ردّ عليك ذلك البهلوان الشجاع؟ فجلس بين يديه، و أوردها ما سمع من جوابه. قال: و ها قد جاء الى شاطئ النهر بلا جوشن و لا عدّة و لا سلاح». و وصف بهمن ما شاهد من شهامته و مهابته و قوّته و شدّته .

فصاح إسفنديار عليه، و لم يعجبه وصفه لرستم يعجبه لرستم بمحضر ممن حضر من القوم.


لقاء الأبطال رستم و إسفنديار

[عدل]

و أمر بإسراج فرس له أدهم ثم ركب و استصحب مائة فارس و سار حتى وصل الى شاطئ النهر. فصهل الأدهم من هذا الجانب و صهل الرخش من ذلك الجانب. فخاض رستم الماء و عبر الى إسفنديار فترجل له و خدم و دعا و أثنى ثم قال: إنى طالما كنت أتمنى على اللّه تعالى أن أرى الشهريار قادما علىّ حتى أجالسه و أفاوضه.

و أستشهد اللّه ، و لا يستشهده كاذبا إلا من يكون بحبل الغواية جاذبا، أنى لو رأيت سياوخش لم أسر برؤيته سرورى برؤيتك.

و لست تشبه إلا ذلك الملك المتوّج - يعنى سياوخش- فطوبى كُشتاسب إذ رزق ولدا مثلك، و و طوبى لأهل إيران إذ يخدمون تاجك و تختك، و تبا لمن تجاسر على قتالك. فنزل إسفنديار و اعتنقه و دعا له و أثنى عليه و قال: أحمد اللّه حين أقر عينى بطلعتك، و كحل ناظرى برؤيتك. فاستضافه رستم و سأله إجابة دعوته و إكرامه بمنادمته و معاشرته.

قال: لست أخرج عما حدّه لى الملك، و لا أخالف ما اقتضاه أمره سرا و جهرا. و إنه لم يأمرنى بالمكث فى زابل، و لا بقتال أهل كابل. و المرجو منك أن تفعل ما يستحلى فى العاقبة ثمره، و لا مخالف حكم الملك و أمره. فانه مهما رآك و قد أُدخلت عليه مقيدا قرع من الندم و تعثر فى ذيل الخجل، و لم تبق فى القيد الى الليل. و لا شك أنه لا يجيء منه شر و لا ينالك منه مكروه و ضير.

فقال رستم: قد سألت اللّه مثل هذا اليوم لأفرح بلقائك و أسر برؤيتك، و الآن فقد خفت عين السوء و أن ينتهز الشيطان فرصة و يغرّك بتاجك و تختك. ثم إنك اذا امتنعت من إجابتى و لم تحضر دعوتى جرّ ذلك علىّ عارا يبقى أثره مدى الظاهر.

و اذا أخرجت الحلف من رأسك و اجتهدت فى إصلاح ذات البين أطعتك فى جميع ما تشير به علىّ و لم أخالفك فى شيء غير القيد. فانه أمر فظيع و حالة شنيعة لا أرى عليهما ما عشت. ثم إن إسفنديار و عده بالمصير الى داره، و إجابته الى ضيافته.


رفض إسفنديار دعوة رستم في الحضور إلى ضيافته

[عدل]

فركب رستم و انصراف راجعا، و أمر بترتيب الأطعمة و تهيئة أسباب الضيافة. و جعل ينتظر حضوره فأبطأ حتى فات وقت الحضور.

فغضب رستم و اغتاظ و أمر أخاه بأن يمدّ السماط، و يحضر أصحابه و يقدّم اليهم ما أعدّوه لإسفنديار و ركب متوجها الى معسكره، و عبر اليه الماء و دخل عليه فشكا من تأخره عنه و قال له: إنك تعظمت و رفعت قدرك عن المصير إلىّ . و كأنك تستصغرنى فى شجاعتى و تستخف فى رأيى و أدبى. فاعلم و تحقق أنى رستم المنتمى إلى سام بن نَيرم .

و كم من أسد اختطفته عن ظهر فرسه بهذا الوهق مثل كاموس الكُشانى ، و خاقان الصين الى غيرهما من القروم الصعاب. و أنا حافظ ملوك إيران و معينهم على أعدائهم أجمعين.

و أراك بتملقى اليك و تواضعى لك قد ظننت الظنون و توهمت أن فعلى ذلك عن ضراعة و عجز و استكانة و خوف. و أنا أكره قتالك لما أرى فيك من الأبهة و الجلالة، و لا أريد أن يتلف شهريار مثلك. و قد توليت بهوانية العالم زمانا طويلا، و ما رآنى أحد خاضعا لأحد ذليلا.

و قد طهرت وجه الأرض من كل ضدّ ، و تحملت فى ممارسة الحروب كل عبء. و الحمد اللّه إذ لم أمدت حتى رأيت فى قرنا يتصدّى لقتلى و الانتقام منى».


اعتذار إسفنديار من عدم تلبية دعوة رستم الضيافة

[عدل]

فتبسم عند ذلك إسفنديار و قال: يا ابن سام بن نيرم! أرى صدرك قد ضاق بتأخرى عن ضيافتك. و ثم يؤخرنى عنها إلا الحرّ الشديد و الطريق البعيد. و كان فى نيتى أن أحضر من الغد باكرا، و تعنّيت . فخفض الآن عليك عينى برؤية دستان بن سام، و أشرب معكم يوما. فتجشمتَ و تعنّيت . فخفض الآن عليك.

و اسكن، و تناول الكأس، و اترك هذه الحدّة و الطيش. فمكن له لجلس عن يساره فقال: لا أقعد إلا حتى اشتهيت.


إسفنديار يعيب على رستم نسبه

[عدل]

ثم لما استوى بهم المجلس قال له إسفنديار: إنى سمعت من الموابذة أن دستان الخبيث الجوهر إنما نتجته الجنّ فأخفته النساء عن سام لقبح صورته و سماجة شكله.

ثم إن ساما لما علم به أمر بإخراجه الى البحر لتأكله دواب البحر. فانتقضت عليه العنقاء و رفعته الى وكرها، و طرحته عند أفراخها. و كان يطعم من فضلات جيف ترفعها الى أن ترعرع و كبر.

فحملته الى باب سِجِستان فقبله سام و استلحقه لجهله و حمقه و جنونه و لأن لم يرزق ولدا. فحمله ذلك على قبوله و إلحاقه بنسبه ليستظهر به.

ثم إن أكابر أسلافنا و نصحاء أجدادنا اعتنوا به و رفعوا منه و جذبوا بضبعه حتى سمق قدره و طال باعه. فولد له رستم الذى طاول الكيوان و قهر الأقران، و لم تزل مرتبته ترتقى حتى بلغ به الأمر الى مخالفة السلطان و الخروج عن طاعة الرحمن».

جواب رستم على إسفنديار و ثناؤه على نسبه و ذكر مناقبه فقال له رستم: ما أراك إلا و قد اخترت الزيغ و اتبعت الشيطان. فلا تقل إلا ما يليق بالملوك.

و هم لا يعدلون فيما يقولون عن سنن الصدق و منهج الحق. و إن أباك أعلم بدستان، و يعرف أنه بهلوان كبير القدر غزير العلم، و أن ساها هو ابن نيرم، و أن نيرم ولد أو شهنج ثالث ملوك العالم.

و يعلم أن أمى ابنة مِهراب ملك الهند الذى كان الضحاك خامس آبائه، و من له أصل مثل هذا الأصل، و هو الأصل الذى لا ينكر شرفه ذو عقل.

و أما شرفى فى نفسى فجميع الأكابر يُعلمون إلىّ فى الآداب، و محتاجون الى تعلمها منى. و معى عهد كيكاوس و منشوره الذى لم يبق لأحد علىّ حجة، و عهد كيخسرو الذى لم له فى الملوك مثل.

و كم من ملك ظالم قتلت! و كم من موقف حرج وقفت! و هذا عمرى و قد أناف على ثلاثمائة سنة و لم أزل بهلوان العالم.

و منذ شددت منطقة الخدمة استراحت الملوك و كفيتهم العناء و التعب. ثم إنى لم أقل ما قلت إلا لأنك و إن كنت عظيم القدر شديد البأس فأنت حديث السن قريب العهد، و لأنك لا ترى فى العالم غير نفسك، و لست مطلعا على الأسرار الخفية. هذا و بعد أن أطلنا الكلام فأحضر أيها الساقى المدام، و حث الأقداح و روّح الأرواح».


ثناء إسفنديار على نسبه و ذكر مناقبه

[عدل]

فتبسم إسفنديار و قال: قد أسمعتنى وقائعك و أخبار رو مقاماتك. فاسمع حالى، و اعلم أنى شمرت أوّل عن ساق الجدّ فى أمر الدين حتى طهرت بساط الأرض عن عبدة الأوثان، و غطيت بدمائهم الأرض.

ثم ذكر وقائعه و ما سبق شرحه من تقطيعه السلاسل و الجوامع عند إرادتهم إطلاقه من الحبس، و ما جرى له فى محاربة أرجاسب و كسره إياه و سلوكه طريق هفتخوان و إيقاعه به، و أنه صادف أهل بلاد توران يعبدون الأصنام فأبادها و سدنتها و عبادها، و أوقد فيها نار زردُشت التى يزعم أنه جاء بها من الجنة( فى مجمر و أظهر بتلك البلاد دينه و لم يترك بها عدوّا .

ثم قال: و أنا ابن كُشتاسب بن لُهراسب ابن أروند الذى كان فى مملكته صاحب تاج و تخت. و هو ابن كيبشين بن كيقباد و هلم جرا الى أن يصل طرف النسب بأفريدون الذى هو متشعب أغصان الكيانية، و جرثومة الشجرة الخسروانية. و أمى هى ابنة ملك الروم المتصل نسبه بلسم بن أفريدون. و أنت تعلم أنك و أسلافك عبيد أسلا فى و خدمهم، و أنك ما استفدت هذه السلطنة إلا بخدمتهم، و ما اكتسبت هذه المناقب إلا بطاعتهم، و إن كنت الآن خالعا ربقة الطاعة.

ثم قال إسفنديار: الحديث ذو شجون يجرّ بعضه بعضا، و أنت عطشان أيها البهلوان فاشرب شربة.


ذكر رستم بطولاته و شجاعته أمام إسفنديار

[عدل]

ثم مدّ إسفنديار يده اليه ممازحا و أخذه بيده و قال له: قد صدق من قال: إن أعضادك كأفخاذ الهزبر و صدرك كصدر الثعبان، و وسطك كوسط النمر. و عصر يده فى أثناء الحديث حتى كادت أظافيره تقطر دما. فلم يتغير وجه رستم، و جعل يضحك و يقول: طوبى لكشتاسب اذ رزق مثلك. ثم عصر يده حتى توردت وجناته، و كادت أنامله تتحلب بالدم أيضا.

فضحك إسفنديار و قال: أيها الفارس المقدام! اليوم خمر و غدا أمر. خذ اللجام فانك تنساه غدا، و اشربه فلن ترى بعده عيشة رغدا. و إنى سوف أختطفك برمحى من ظهر فرسك اذا بارزتك غدا، و لا تبقى حينئذ طالبا نزالا و لا نضالا أبدا. ثم أحملك مقيدا مكبلا الى خدمة الملك فأشفع فيك اليه، و أبسط عذرك لديه حتى أطلقك فتعود الى الراحة من بعد العناء، و الى الرخاء بعد الشقاء». فقال له: ستمل هذه الحرب. فانك بعدُ ما رأيت شدائد القتال، و لا حضرت وقائع الرجال. و سوف أحملك عن ظهر فرسك غدا و أحملك الى الى إيوانى فأجلسك على التخت، و أتوّجك بالتاج الذى أعطانيه كيقباد، و أفتح لك أبواب، و الخزائن و أفرغها عليك و على عسكرك، ثم أقدم بك على كشتاسب فأضع على رأسك تاج السلطنة و أشدّ على خصرى بين يديك منطقة الخدمة مثل ما فعلت فى خدمة الملوك الماضين. و اذا صرت أنت الملك و أنا البهلوان ثم يبق لنا عدوّ فى جميع الأرضين».


رستم و إسفنديار يتنادمان الخمر و يتفاكهان بالحديث

[عدل]

فقال إسفنديار: قد انتصف النهار و قد غلبنا الجوع فهاتوا الطعام. ثم حكى صاحب الكتاب شيئا من صفة أكلهما و شربهما، و أن رستم تملق له بعد أن ثمل و عاود استدعاءه الى ضيافته، و أن إسفنديار امتنع من إجابته، و قال له: ارجع الى إيوانك فاستعد للقتال.


نصيحة بشوتن أخيه إسفنديار

[عدل]

فانصرف رستم بعد أن أعذر و أنذر و وعظ و نصح- فى كلام طويل أورده صاحب الكتاب- قال: فاجتمع بِشوتَن بأخيه إسفنديار و نصحه أيضا و قال: الرأى أن تركب غدا الى إيوان رستم، و تداريه و تجنح الى السلم، و لا تلقى بيدك معه الى التهلكة.

قال: كيف أخالف أمر كشتاسب، و أخرج عن طاعته؟ و هو لم يأمرنى إلا بتقييده محمولا الى حضرته. و مهما لم أف بذلك ضاع سعيى فى الدنيا و الآخرة، و كان ذلك عصيانا منى لزردُشت حين أمر بطاعة الملك، و ذكر أن مخالفته توجب النار». فسكت عنه أخوه.


رستم و إسفنديار يتقاتلان معا

[عدل]

و أما رستم فانه لما عاد الى منزله طلب من أخيه زواره أن يحضره سلاحه و عتاده، و أمره بالركوب غدا مع العسكر. و لما أصبح ظاهر بين جُنَنه ، و ركب و أقبل نحو نهر هيرمند. و ركب إسفنديار من ذلك الجانب فى عساكره و جاء حتى لقى رستم. و فعدلا الى موضع خال ليتبارزا منفردين.

و أمر كل واحد منهما أصحابه بالإمساك عن الحرب، و ثياب كل فى مكانه، و تعاهدا على هذه الجملة.

ثم زحف كل واحد الى صاحبه، و تطاعنا بالرماح زمانا طويلا حتى تقصفت رماحهما. فاستلا السيوف و تضاربا زمانا حتى تكسرت. ثم تضاربا بالعمد و الدبابيس و تقارعا حتى تشظت البيض على رءوسها. ثم انفرد كل واحد مهما عن صاحبها بعد أن أجهد و تشققت عنها الجواشن، و تمزقت على خيلهما التجافيف.


زواره و فرامرز يقتلان ابني إسفنديار

[عدل]

و لما أبطأ رستم على أصحابه خاف أخوه زواره عليه فزحف و أقبل الى عسكر الايرانيين فسفه عليهم. فاغتاظ نوشاذَر بن إسفنديار و قال: أيها السِجزى الجاهل! إن إسفنديار ما أمرنا بالقتال. فإن ابتدأتم به رأيتم صنيع الرجال. فبدأ الزابليون و أوقدوا نار الحرب.

فقتل زواره نوشاذر، و قتل فرامرز بن رستم أخاه مِهرنوش . فبادر بهمن الى أبيه و أخبره بقتل ابنيه، و أن الزابليين هم الذين بدءوا بالقتال. فصاح إسفنديار برستم و قال: أيها الخائن العادر! أما عاهدتنا على ألا يجرى بين العسكرين قتال؟ و قد قتل اثنان من أصحابك اثنين من أبنائى.

أما تستحى من اللّه تعالى ثم منى؟ فحلف له رستم أن ذلك لم يصدر عن أمره و لا عن رأيه، و أنه يقبض فى ساعته على ولده و أخيه، و ينفذهما مقيدين الى حضرته.


هروب رستم و لجوؤه إلى الجبل

[عدل]

قال: ثم تراميا فرمى إسفنديار رستم بنشابة نصلها من الألماس فخلصت اليه، و كانت سهام رستم لا تخلص الى إسفنديار فأصابه غير مرة حتى جرحه و جرح رخش بحيث ضعفت قواهما. فاضطر رستم من الى النزول فترجل و هرب الى جبل كان هناك. و ولى الرخش يعدو نحو إيوان رستم.

فلما رأى إسفنديار رستم يرقى فى الجبل و الدم يسيل منه قال له: أعطنى يدك حتى أحملك مقيد الى حضرة الملك، و أستوهبك منه و أشفع فيك. فمركبه به رستم و أظهر إجابته الى ذلك حتى أمهله إسفنديار و أعطاه الأمان الى الغد. فنزل رستم من الجبل و هو مثخن بالجراح فعبر الماء و مضى الى منزله.

و رجع إسفنديار الى معسكره فوضع بين يديه رأسى ولديه فأخذ يذرى عليهما دموع الجزع و يندبهما و ينوح عليهما. ثم أمر بوضع كل واحد منهما فى تابوت من الذهب.

و نفذهما الى أبيه كشتاسب. و أرسل اليه رسولا، و لا أمره أن يقول له على سبيل التعنيف و التوبيخ:

إن هذه نتيجة رأيك فى قتال رستم. و هذا أوّل الأمر. و اللّه أعلم بما يكون من بعد.


مشاورة رستم لأسرته و أهله

[عدل]

و أما رستم فانه لما دخل إيوانه طرح نفسه متململا مما به، و أحدق به أبوه زال و أمه روذابه و أخوه ولده يبكون عليه. و الرخش عنده واقف ناكس الرأس، و به مائة من الجراح.

فقال زال:إنى سأدبر أمرك، و أستعين بالعنقاء على معالجتك».


مجيء العنقاء لنجدة رستم

[عدل]

فاستصحب ثلاثة أنفس بثلاثة مجامر، و أخذ معه ريش العنقاء التى ذكرنا قصتها فى خبره على ما سلف فى الجزء الأوّل من الكتاب. فصعد الى جبل هناك، و أوقد النار فى بعض تلك المجاهر و أحرق بها بعض تلك الريشة فلما انتصف الليل اذا هو بهدّة من الجوّ و اذا بالعنقاء قد نزلت اليه. فساءلته عن حاله فأخبرها بحال ولده و رستم و ما به من الجراحات التى أصابته من إسفنديار، و أخبرهما أيضا بأن الرخش أصابته سهام تكسرت فيه و تغلغلت فى جسمه.

فأمرته العنقاء باحضار رستم و رخشه. فنفذ زال اليه حتى صعد مع فرسه الى الجبل.

فلما رأته العنقاء فرفت عليه تعطفا و تحننا فأدخلت منقارها فى جراحاحة، و أخرجت منها نصالا أربعة.

ثم مسحتها بجناحها فالتأمت. و أعطته ريشة و أمرته أن يبلها باللبن و يمسحها بها و يشدّها فانها تبرأ.

و صنعت مثل ذلك بالرخش و استخرجت منه بمنقارها ستة نصال. فوجد فى الحال خفة، و انتفض و حمحم. فتهلل رستم فرحا بسلامة الرخش. ثم قالت لرستم: لأى معنى تعرّضت لقتال إسفنديار و هو رجل مذكور و شجاع بطل، و قاتله لا يرى الخير بعده، أ تبطل سعادته، و تحالفه شقاوته، و تقصر مدّته ، و يلقى العناء بقية عمره، و يذوق العذاب بعد موته؟ فإن رضيت بهذه الحالة فاركب و أبصر العجب. فركب رستم و سار الى ساحل البحر. فأسفّت العنقاء على شجرة من الطرفاء فقالت له:

اقطع من هذه الشجرة قضيبا مستقيما يكون أحد طرفيه أغلظ من الآخر، فان فيه يكون هلاك إسفنديار، ثم قوّمه بالنار، و ركب عليه نصلا عتيقا، و اجعل له قُذَذا .

ثم اذا جاء إسفنديار يطلب قتالك فتضرع اليه و ابك بين يديه فلعلك تصرفه عن قتالك بالمقال الحلو. فاذا لم يفعل فوتر قوسك، و سدّد نحو عينه. هذ السهم، بعد أن يكون قد نقتعه فى سلاف الخمر. فانه يصيب عينه، و يكون فى دلك حينه. و أرشدته على الطريق حتى عاد الى إيوانه. ثم ودعت زالا، و حلقت فى جوّ السماء.


رجوع رستم إلى القتال مع إسفنديار

[عدل]

و لما رجع رستم فعل ما أمرته به العنقاء، و ركب الرخش مصبحا، و تنكب القوس مدججا، و أقبل نحو إسفنديار. فبلغ الخبر إسفنديار بأن رستم قد عاد الى القتال. فقال ما حسبت أنه يقدر أن يصل الى إيوانه. و رجوعه الآن ليس إلا برقى دستان الساحر.

فاستحضر جننه و عدّته ، و ركب نحوه. فلما تقاربا قال له إسفنديار: أيها الِسجزى ! كأنك قد نسيت صنيعى بك بالأمس. و كان ظنى أنك تكون اليوم محمولا الى الرمس. و لم تبرأ إلا برقيه أبيك و سحره.

و سأسد عليك اليوم سبيل حيلته و مكره، فأجعل بدنك كالغربال بصاردات النبال، و أتركك بحالة لا ينفعك معها رقية أبيك زال.

فقال رستم: إنى ما جئت اليوم للقتال، و إنما جئت لأتضرع اليك عساك تجنح الى السلم، و تطفئ من قلبك نارا الحقد.

قال: و جعل يتضرع اليه و يسأله الكف عن المحاربة و يستزله عن غلوائه فى المباينة. فما زاده ذلك إلا غلوّا فى غوايته، و استمرارا على جهالته


رستم يسدد رميته و يصيب إسفنديار في عينه

[عدل]

فلما علم رستم إصراره و إدلاله بما أوتى من الشدّة و البسالة أخذ القوس، و رماه بالنشابة التى سبق ذكرها فأصابت حدقته فانقلب عن ظهر الأدهم مضرجا بالدم و غشى عليه.

ثم أفاق و استوى قاعدا و أخذ برأس النشابة و انتزعها بيده. فجاءه أخوه بِشوتَن و ولده بهمن راجلين. فلما وجداه على تلك الحالة شقا الثياب، و وضعا على رءوسهما التراب، و ضماه الى صدورهما، و جعلا يمسحان الدم عن وجهه، و طفق بِشوتَن يندبه و ينوح على مآثره و مفاخره، و يتلهف على محاسنه، و مكارمه، و يلعن التاج و التخت، و يدعو على صاحبهما كشتاسب حيث عرض ولده للهلاك بسبب ضنته بهما عليه.

فقال له: لا تكثر الجزع فانه لم يكن نصيبى من الملك غير ما ترى، و إن الموت غاية كل حى. و قد اجتهدت فى أمر الدين و تعبت فى نصره تعبا طويلا حتى شدت بنيانه و رفعت أركانه.

ثم كبابى طرف الأمل، و اخترمنى محتوم الأجل. و لعلى أحصد ما زرعت فى دار القرار و منزل الأبرار. فانظر الى هذا العود الذى بيدى، و اعلم أن ابن دستان ما قتلنى به بالرجولية بل بحيلة دستان و دلالة العنقاء. و كان رستم واقفا منه بمرأى و مسمع فقال:

ما قتلك إلا الشيطان حين ملك عليك قبادك و منعك رشادك.


وصية إسفنديار لرستم قبل موته

[عدل]

فقال: قد وقع المحذور فادن منى و تقبل وصيتى. فترجل رستم و دنا منه متوجها. و كان الخبر قد انتهى الى زال و زواره و فرامرز. فحضروا رجالة و جعلوا يبكون بضجيج و نجيب. و قال زال لرستم: جزعى عليك الآن أكثر من جزعى على إسفنديار. و فقد بلغنى عن عالم الصين و سائر المنجمين أن من يقتل إسفنديار يقتل و لا تطول مدّته ، و تحق فى الدارين شِقوته . قال: فقال إسفنديار لرستم: قتلى لم يكن برأيك و لا بحيلة العنقاء.

و لم يقتلنى سوى كشتاسب حيث. أكرهنى على قتالك. و كان اللّه كان كتب علىّ ذلك. و الآن فهذا ولدى و قرّة عينى بهمن. فتسلمه منى، و تقبله قبولا حسنا، و احمله معك الى زابلستان، و ربه تربية الوالد لولده». فصفق رستم يده على يده و قال: أمثل أمرك و أربيه و أؤدبه و أسعى له حتى يملك التاج و التخت.

ثم أقبل إسفنديار على أخيه و قال له: اذا فاضت نفسى فارجع الى الوالد بالعسكر، و قل له:

قد أدركت وطرك، و نلت أملك حين أو أوردتنى موردا صفوه كدر، و ما لوارده صدر. فلك الآن التاج، ولى الهم و الحزَن . و لك التخت، ولى التابوت و الكفن. و سنجتمع غدا عند اللّه و نحتكم.

و لما قضى مقالته تنفس نفسا شديدا خرجت معه روحه. فأحدق به الزابليون و الايرانيون جميعا يبكون عليه.


حمل بشوتن نعش إسفنديار إلى كشتاسب

[عدل]

ثم أحضروا له تابوتا من الحديد، و كفنوه بالديباج و الحرير، و ضمخوه بالمسك و العبير، و وضعوه فيه. و أحضر رستم أربعين جملا برستم تابوته ليعاقب بينهما فى حمله. و قرنوا بين جملين منها، و وضعوا التابوت عليهما. و احتف به أصحابه و ساروا و عليهم ثياب السواد و ملابس الحداد.

و يقاد بين يديه فرسه الأدهم مقطوع العرف و الذنب، منكس السرج. معلقا عليه عموده و خنجره و جوشنه و مغفره. فانصرف أخوه بِشوتَن على هذه الجملة الى حضرة كشتاسب. و أقام ولده بهمن بزابل فى كفالة رستم.

و لما بلغ الخبر كشتاسب مزق ثيابه، و رمى بالتاج عن رأسه. و لما قرب بشوتن و وصل تلقته أمه و أخواته يندبنه و ينحن عليه و ينتفن الشعور. و يلطمن بين يديه الخدود: رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا فردّ شعورهنّ السود بيضا و ردّ خدودهنّ البيض سودا.

قال: فدخل بشوتن على كشتاسب فما خدمه و لا سجد له على العادة، و قرب من التخت و قال رافعا صوته: الآن انقصم ظهرك و وهى أمرك. و ستجد جزاء فعلك، و تذوق وبال ظلمك حين أسملت ولدك للموت متمسكا بهذا التاج و التخت.

ثم أقبل على جاماسب و لعنه و علمه، و سفه رأيه و عقله. ثم أدّى الى كشتاسب ما قال له إسفنديار. و أخبره بوصيته الى رستم بتربية ولده بهمن، و إقامته بزابلستان. و أقيمت المآتم على إسفنديار و تمادت حتى استمرّت الندبة و النياحة عليه فى تلك الديار سنين.

تمت.