ذم الموسوسين والتحذير من الوسوسة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الامام العالم الصدر أوحد عصره وفريد دهره محيي السنة وقامع البدعة موفق الدين أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي قدس اللّه روحه ونور مرقده وضريحه:
الحمد للّه الذي هدانا بنعمته، وشرفنا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبرسالته، ووفقنا للاقتداء والتمسك بسنته، ومنّ علينا باتباعه الذي جعله علمًا على محبته ومعرفته، وسببًا لكتابه ورحمته. وحصول هدايته، فقال سبحانه وتعالى: «قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه ويغفر لكم ذنوبكم» وقال تعالى: «ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون» الى قوله تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل» الى قوله تعالى: «فآمنوا باللّه ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون».
أما بعد فان اللّه سبحانه وتعالى جعل الشيطان عدواً للانسان يقعد له الصراط المستقيم ويأتيه من كل وجهة وسبيل كما أخبر اللّه تعالى عنه بقوله: لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين» وحذرنا — تعالى — منه متابعته وأمرنا بعداوته ومخالفته، فقال سبحانه: «ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً» وقال: «يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبوبكم من الجنة» وأخبرنا بما صنع بابينا تحذيراً لنا من طاعته وقطعاً للعذر في متابعته. وأمرنا اللّه تعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل فقال سبحانه: «وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون» وسبيل اللّه وصراطه المستقيم هو الذي كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصحابته بدليل قوله تعالى «يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين على صراط مستقيم» وقال تعالى: «انك لعلى هدى مستقيم» وقال تعالى: «انك لتهدي الى صراط مستقيم» فمن اتبع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله أو فعله فهو على صراط اللّه المستقيم، وهو ممن يحبه اللّه ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله، فهو متبع لسبيل الشيطان، غير داخل فيمن وعد اللّه تعالى بالمحبة والمغفرة والاحسان
ثم ان طائفة من الموسوسين قد تحققت منهم طاعة الشيطان حتى اتصفوا بوسوسته ونسبوا الى قبول قوله وطاعته، ورغبوا عن اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وطريقته. حتى ان أحدهم ليرى انه اذا توضأ وضوء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو صلى كصلاته ان وضوءه باطل، وصلاته غير صحيحة. ويرى انه اذا فعل مثل فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مواكلة الصبيان. وأكل طعام عامة المسلمين، انه قد صار نجساً يجب عليه تسبيع يده وفيه. كما لو ولغ فيهما كلب أو بال عليهما هر:
ثم انه بلغ من استيلاء ابليس عليهم انهم اجابوه الى شبيه بالجنون وتقارب من مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات. فان الامور المحسوسات وعلم الانسان بحال نفسه من الأمور اليقينيات الضروريات. وهو أولاً يغسل عضوه غسلا يشاهده ببصره. ويكبر ويقرأ شيئاً بلسانه. تسمعه أذناه. ويعلمه بقلبه. بل يعلمه غيره منه ويتيقنه اذا رأى ذلك أو سمعه منه. وهذا يصدق الشيطان في انكاره يقين نفسه وجحده لما رأى ببصره وسمعه باذنه. وكذلك يشككه في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينا. بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله. ومع ذلك يقبل قول ابليس في انه ما نوى الصلاة ولا أرادها. مكابرة منه لعيانه وجحدا ليقين نفسه حتى تراه متلدداً متحيراً. كأنه يعالج شيئاً يجتذبه أو يجد شيئاً في باطنه يستخرجه!
كل ذلك مبالغة في طاعة ابليس وقبولا من وسوسته. ومن انتهت طاعته لابليس الى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته! ثم انه يقبل قوله في تعذيب نفسه ويطيعه في الاضرار بجسده، بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله واطالة العرك مبالغة، وربما فتح عينيه في الماء وغسل داخلهما حتى يضر بصره. وربما افضى الى كشف عورته للناس. وربما صار الى حال يسخر منه الصبيان ويستهزيء به من يراه. وربما شغله بوسوسته حتى تفوته الجماعة. وربما فاته الوقت:
ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الاولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، وربما فوت عليه الوقت. ومنهم من بحلف على نفسه لا ثبتن ولا زدت ويكذب. ومنهم من يتوسوس في أخراج الحروف حتى يكرر الحرف الواحد مرتين او ثلاثا. ورأيت منهم من يقول اكاككبر: وقال لي انسان: قد عجزت عن قول: السلام عليكم. فقلت له: قل مثلما قلت الآن وقد استرحت! ونحو هذا واصنافهم كثيرة.
وقد بلغ الشيطان منهم الى ان ذنبهم في الدنيا واخرجهم عن اتباع نبيهم المصطفى. وأدخلهم في جملة المتنطعين الغالين في الدين. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا! نعوذ باللّه من الشيطان الرجيم!
فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر صحة ما ذكرناه من الحق في اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله وفعله. وليعزم على سلوك طريقته، عزيمة من لا يشك في انه — عليه الصلاة والسلام — على الهدى المستقيم، وان ما خلفه من تسويل ابليس ووسوسته. ويتيقن أنه عدوّ لا يدعو الى خير ولا يرشد الى طائل انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير. وليترك التعريج عن كل ما خالف طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كائناً من كان، فأنه لا يشك ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على الصراط المستقيم. ومن شك في هذا فليس بمسلم. ومن علم بهذا فالى أين العدول سنته? وأي شيء ينبغي غير طريقته? وليقل لنفسه: ألست تعلمين ان طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الصراط المستقيم? فانها ستقول: بلى! فقل: فهل كان يفعل هذا? فستقول: لا! فقل: هل عندك شك في هذين الأمرين? أو هل شك فيهما مسلم عالم بطريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم? فستقول: لا. فقل: فهل بعد الحق الا الضلال? وهل بعد طريق الجنه الا طريق النار? وهل بعد سبيل اللّه وسبيل رسوله صلى اللّه عليه وسلم الا سبيل الشيطان? فهل لك رغبة في مقارنته وكونك ممن يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين!
ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فليقتد بهم وليتخذ طريقهم فقد روينا عن بعضهم انه قال: لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزنه. وقال زين العابدين لابنه: اتخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فاني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب. ثم انتبه، فقال: وما كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الا ثوب واحد — فتركه.
وكان عمر رضي اللّه عنه يهم بالامر ويعزم عليه، فاذا قيل له: لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، انتهى. حتى انه قال: لقد هممت ان انهى عن لبس هذه الثياب، فقد بلغني انها تصبغ بابوال العجائز. فقال له أبيّ: ما لك ان تنهى عنها فان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد لبسها، ولبست في زمنه، ولو علم اللّه أن لبسها حرام لاخبر نبيه صلى اللّه عليه وسلم. فقال عمر: صدقت — أو كما قال —.
ثم ليعلم: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، ما كان فيهم موسوس. ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها اللّه تعالى عن رسوله وصحابته، خير الخلق وأفضلهم. ولو أدرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الموسوسين لمقتهم، ولو أدركهم عمر لضربهم وعزرهم! ولو أدركهم أحد من الصحابة لبدعهم وكرههم. وها أنا أذكر ما جاء في خلاف مذهبهم على ما يسرد اللّه تعالى:
الفصل الاول
في النية في الطهارة والصلاة
اعلم رحمك اللّه: أن النية هي القصد والعزم على فعل الشيء. ومحلها القلب. لا تعلق لها باللسان. وكذلك لم ينقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا أصحابه في النية لفظ بحال. ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة. وجعلها الشيطان معتركا لاهال الوساوس، يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقفهم في طلب تصحيحها، فيرى احدهم يكررها ويجهد نفسه في اللفظ بها كأنه يجد ثقلا يدفعه! — ليست من الصلاة اصلا. فانما النية قصد فعل الشيء. فكل عازم على شيء فهو ناويه. وكل قاصد لشيء فهو ناويه. لا يتصور انفكاك ذلك عن النية لانه حقيقتها. فلا يتصور عدمها في حال وجودها.
ومن قعد ليتوضأ، فقد نوى الوضوء. ومن قام ليصلي، فقد نوى الصلاة. ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من عباداته ولا غيرها بغير نية. فالنية أمر لازم لأفعال الانسان المقصودة. ولا يحتاج الى تعب ولا تحصيل. ولو اراد إخلاء افعاله عن نيته، لعجز عن ذلك. ولو كلفه اللّه الصلاة والوضوء بغير نية، لكلفه ما لا يطيقه، ولا يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فلا وجه للتعب في تحصيله. وان شك في تحصيل نيته، فهذا نوع جنون! فان علم الانسان بحال نفسه، أمر تفسي. فكيف يشك فيه عاقل من نفسه? ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الامام كيف يشك في ذلك ? ولو دعاه داع الى شغل في تلك الحال لقال: إني مشغول اريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل في وقت خروجه الى الصلاة: این نمضي? لقال: الى صلاة الظهر مع الامام. فكيف يشك عاقل بهذا من نفسه وهو يعلمه يقينا? بل اعجب من هذا ان غيره يعلم نيته بقرائن احواله، فانه اذا رأى انسانا جالساً في الصف. في وقت الصلاة. عند اجتماع الناس علم انه منتظر للصلاة. واذا رآه قد قام عند اقامتها، ونهوض الناس اليها علم انه قد قام ليصلي، فاذا رآه في المحراب علم أنه يريد إمامتهم، واذا رآه في الصف علم انه يقصد الائتمام بذنك الامام. وان رأى انساناً نازلا الى السقاية عند قرب الصلاة غلب على ظنه انه يريد الوضوء ونيته، فان راه جلس على حوضها يتهيأ للوضوء علم انه يريد الوضوء اياه. فاذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الاحوال فكيف يجهلها هو من نفسه? مع اطلاعه على ظاهره وباطنه! هذا من المحال. وقبوله من الشيطان أنه ما نوى، تصديق له على جحد العيان — ولا انكار للحقائق المعلومة يقيناً — ومخالفة للشرع ورغبة عن طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسنته واحوال صحابته والائمة من بعدهم.
ثم ان النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن ايجادها، لان من شرط ايجاد الشيء كونه معدوما. فان ايجاد الموجود محال. واذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شيء ولو وقف ألف عام!
ومن العجب أن هذا الموسوس. يعلم انه ما حصل له بوقوفه في الصلاة الاولى شيء فكيف يقف في الثانية وما بعدها الى آخر عمره ولا تنفعه التجربة
ثم من أعجب شأنه انه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الامام، فاذا خشي فوات الركوع كبر سريعاً وادركه. فمن لم تحصل له النية في القيام الطويل في حال فراغ باله كيف حصلت له في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة?
تم ما يطلب إما أن يكون سهلا أو عسراً. فان كان سهلا ففيم يعسره? وان كان عسرا فكيف خفي ذلك على النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحابته والخلق اجمعين سوى الموسوسين? وكيف لم ينتبه لهذا سوى من استحوذ عليه الشيطان دون ائمة الاسلام? أفيظن بجهله ان الشيطان ناصح له فيطيعه? أما علم أنه لا يهدي الى خير ولا يدعو الى هدى?
وكيف يقول هذا الموسوس في صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعله? فان قال: هي باطلة. فقد مرق من المسلمين وما بقي معه كلام. وان قال: هي صحيحة بدون هذا الذي يفعله، فما دعاه الى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم? وكيف لم يبينه عليه الصلاة والسلام نبي الرحمة الداعي الى سبيل ربه بالحكمة? فاين المعدل عن سننه? أين يطلب النجاة في غير طريقته? أيدع مسلم اتباع من لا يشك انه على الصراط المستقيم وانه رسول رب العالمين، أرسله بالهدى ودين الحق، ويتبع الشيطان الرجيم الذي أخبر اللّه تعالى عنه بقوله: «انما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير»
فان قال الموسوس ان هذا مرض بلسانه. قلنا: نعم. لكن مرضكم قبولكم وسوسته. وما عذر الله أحداً بذلك. ألا يرى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه، اخرجا من الجنة ونودي عليهما بما يقرأ ويدرس الى يوم القيامة، ووبخهما اللّه تعالى وناداهما: «ألم أنهكهما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين» وهما أقرب للعذر لانهما لم يسبق قبلهما من يعتبران به — وإذ قد سمعت قصتهما وحذرك ربك مثل فتنتهما «يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما» وبين اللّه تعالى عداوته في آي كثيرة وأوضح طريق السلامة. فما لك عذر ولا حجة في تركك سنة المصطفى وقبولك من الشيطان الداعي إلى الردى!
الفصل الثاني
في تردد كلمات من الفاتحة. أو التشهد. أو التكبير.
او تكرير حرف أو الجمع بين قراءتين. ونحو هذا.
فهذا في القبح يزيد على الفصل الذي قبله. فان منه ما يفسد الصلاة مثل تكرير بعض الكلمه كقولك في التحيات: أت أت النحي. وفي السلام أس أس السلام. ومثل تكرير الحرف في الكلمة بحيث يخرجها عن موضعها كقوله في التكبير: أكككبر. وفي إياك: اياككك. فهذا تكرير الكلمات غير ما في القراءة. واخراج اللفظ عن وضعه من غير ضرورة. فالظاهر بطلت الصلاة به. فقد افضت طاعة الشيطان الى فساد صلاته، واللكنة والعي. وربما كان إماما فأفسد صلات المأمومين. وصار اثمهم في عنقه وصارت الصلاة التي هي اقرب الطاعات. اكثر تبعيداً له من اللّه تعالى من الكبائر. وما كان من ذلك لا يبطل الصلاة فهو مكرره. واخراج القراءة عن كونها على الوجه المشروع، عدول عن السنه ورغبة عن طريق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصحابته
وربما رفع صوته بذلك. فآذى سامعيه. واغرى الناس بذمه هو الوقيعة فيه، وجمع على نفسه طاعة ابليس ومخامة السنة وارتكاب حدث. وأشر الامور محدثاتها، وآذى نفسه وآذى المصلين وهتك عرضه بتعذيب نفسه
فویحه ما سوى الشيطان ان يطيعه[1] في هذا كله! الفصل الثالث
في الاسراف في ماء الوضوء والغسل
روي ان النبي صلى اللّه عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال له: لا تسرف، فقال يا رسول اللّه في الماء إسراف? قال: نعم وان كنت على نهر جار رواه ابن ماجة في سننه. وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم انه قال: إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وساوس الماء رواه الترمذي. وعن ام سعيد قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: الوضوء مدّ والغسل صاع وسياتي قوم يستقلون ذلك فأولئك خلاف اهل سنتي والآخذ بسنتي في حظيرة القدس متنزه أهل الجنة رواه ابو بكر في الشافي باسناده. وعن سالم بن ابي الجعد عن جابر بن عبد اللّه قال: يجري من الوضوء المد ومن الغسل للجنابة الصاع. فقال رجل: ما يكفينا. قال: فغضب جابر حتى تريد وجهه، ثم قال: قد كفى خيراً منك واكثر شعراً، رواه الاثرم. وعن عبد الرحمن بن عطاء انه سمع سعيد ابن المسيب ورجلا يسأله عما يكفي الانسان من غسل الجنابة. فقال سعيد: إن لي تورا يسع مدين من ماء أو نحو ذلك فأغتسل به فيكفيني ويفضل منه فضل. فقال الرجل: فواللّه إني لاستنثر واتمضمض بمدين. فقال له سعيد بن المسيب: فما تأمرني، ان الشيطان يلعب يك! فقال له الرجل: فان لم يكفني? فاني رجل كما ترى عظيم. فقال له سعيد: ثلاثة امداد. فقال: إن ثلاثة أمداد قليل. فقال سعيد: فصاع، وقال له سعيد: إن لي ركوة وقدحاً ما يسع إلا نصف المد ماء أو نحوه ثم أبول ثم اتوضاً منه وأفضل منه فضلا. قال عبد الرحمن: فذكرت هذا لحديث الذي سمعت من سعيد بن المسيب لسليمان بن بشار فقال سليمان: وأنا يكفيني مثل ذلك. فذكرته لابي عبيدة بن عمار فقال ابو عبيدة: هكذا سمعنا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وروي عن ابراهيم النخعي انه قال: إني لأتوضاً من كوز الجب مرتين. وعن القاسم بن محمد انه اتي بقدر نصف المد أو زيادة قليل فتوضا. وعن محمد بن عجلان الفقيه: في دين اللّه اسباغ الوضوء وقلة اهراق الماء. وقال الامام احمد أبو عبد اللّه: كان يقال: من قلة فقه الرجل ولوعه في الماء. وقال الميموني: كنت اتوضأ بماء كثير فقال لي ابو عبد الله: يا ابا الحسن اترضى ان تكون كذا? فتركته، وقال عبد الله بن احمد: قلت لابي: أني اكثر الوضوء، فنهاني عن ذلك وقال: يا بني ان الوضوء شيطاناً يقال له الولهان: وقال لي في ذلك غير مرة. نهاني عن كثرة صب الماء وقال لي: أقلل من هذا الماء يا بني!
فهذه سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه والائمة بعدهم. فما في العدول عنهم فضل ولا لذي دين عنهم رغبة فانهم كانوا على الصراط المستقيم. فمن أراد النجاة فليتبعهم يسعد، ولا يفارق طريقتهم يتعدّ!
الفصل الرابع
في الزيادة على الغسلات الثلاث
روي عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده: أن رجلا اتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه كيف الطهور? فوصف له الطهور ثلاثا ثلاثا الى ان قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم. وفي رواية: فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم وتعدی. قال اسحق بن منصور قلت لاحمد: يزيد على ثلاث في الوضوء? فقال: لا واللّه الا رجلا مبتلى. وعن اسود بن سالم قال: كنت مبتلى بالوضوء فنزلت دجلة اتوضأ فسمعت هاتفاً يقول: يا اسود يجيء عن سعيد: الوضوء ثلاث. ما كان اكثر لم يرفع، قال : فالتفتّ فلم أر أحداً
وتسمية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الزائد على الثلاث مسياء ظالما يلزم منه ان لا يكون ممن احسن وضوءه فلا يدخل فيمن له ثواب من احسن وضوءه. وهو خليق ألّا ينال بركة الوضوء وفضيلته لغلوه في الدين ومخالفة سنة سيد المرسلين وكونه من جملة المعتدين. فان عبد اللّه بن المعقل قال: سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول: سيكون في هذه الامة قوم يعتدون في الطهور والدعاء — رواه ابو داود. وقد قال اللّه تعالى: «إن اللّه لا يحب المعتدين» فاي مصيبة اعظم من ان يصير الانسان على حال لا يحبه اللّه تعالى، ويكون مسياء معتديا ظالما بالفعل الذي صار به غيره مطيعاً مرضياً عنه محطوطة خطاياه تفتح له ابواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء? ثم اي شيء يقصد بفعله? ان قصد به التقرب الى اللّه تعالى فكيف يتقرب الى اللّه تعالى بمعصيته وما نهى عنه نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم? وان قصد به طاعة الشيطان وقبوله نصيحته مع علمه بغشه وعداوته فقد خسر خسراناً مبيناً!
الفصل الخامس
في الوسوسة في انتقاض الوضوء بخروج خارج منه
روى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال اذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحا بين إليتيه فلا ينصرف حتى يسمع سصوتاً أو يجد ريحاً. وروينا عن مجاهد انه قال: لان أصلي وقد خرج مني شيء أحب اليّ من أن أطيع الشيطان. وبلغني عن بعض السلف وسوس له الشيطان في شيء من هذا فقال: وقد بلغت الى هذا? لا أقبل منك!
وأكثر الفقهاء على أن من كان على طهارة فشك هل أحدث أو لا فهو على يقين الطهارة — وإن غلب على ظنه الحدث — وأنه لا يزول عن اليقين الا بيقين. ويستحب للانسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء ليدفع عن نفسه الوسوسة. ثم متى وجد بللا قال هذا الذى نضحته لما روى أبو داود باسناده عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم بن سفيان قال كان النبي صلى اللّه عليه وسلم اذا با توضاً، وينضح. وفي رواية قال رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم بال فنضح فرجه. وعن ابن عمر رضي اللّه عنه: كان ينضح فرجه حتى يبل سراويله. وروينا عن أبي عبد اللّه انه سأله بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء فامره أن ينضح فرجه اذا بال، قال: ولا تجعل ذلك من همك واله عنه. وعن الحسن أو غيره مثل هذا فقال له عنه فاعاد عليه السائل فقل استبره لا أبا لك اله عنه. أو كما قال.
الفصل السادس
في أشياء سهل الشرع فيها وشدد هؤلاء فيها
فمن ذلك المشي حافياً والصلاة من غير غسل قدميه. روی أبو داود باسناده عن امرأة من بني عبد الاشهل قالت قلت: يا رسول اللّه إن لنا طريقاً الى المسجد منتنة فكيف تفعل اذا تطهرنا? قال: أليس بعدها طريق تكون أطيب منها? قالت: قلت بلى. قال: فهذه بهذه. وعن عبد اللّه بن مسعود قال: كنا لا نتوضأ من موطئ. وعن علي رضي اللّه عنه أنه خاض في طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه. وسئل ابن عباس رضي اللّه عنه عن الرجل يطأ العذر فقال: ان كانت يابسة فليس بشيء وان كانت رطبة غسل ما اصابه. وعن حفص انه اقبل مع عبد اللّه بن عمر عامدين الى المسجد، قال: فلما انتهينا عدلت الى المطهرة لاغسل قدمي من شيء فيهما او من شيء اصابهما فقال: لا تفعل فانك تطأ الموطئ الرديء ثم تطأ بعده الموطئ الطيب — او قال النظيف — فيكون ذلك طهوراً. فرضيت بذلك. ودخلنا الى المسجد جميعاً وصلينا. وعن ابي الشعثاء قال: كان ابن عمر يمشي بمنى في الفرث والدماء اليابسة حافياً ثم يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل قدميه. وعن عاصم الاحول قال: أتينا ابا العالية فدعونا بوضوء. فقال: ما لكم ألستم متوضئين? قلنا: بلى ولكن هذه الاقذار التي مررنا. فقال وطئتم على شيء رطب يعلق بارجلكم? قلنا: لا، قال: فكيف باشد من ذلك، هذه الاقذار تجف فينسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم.
ومن ذلك الصلاة في الخفين والنعلين فان النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في نعالهم. وروى أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي في النعلين. متفق عليه. وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلا. رواه أبو داود. وعن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي اذ خلع نعليه فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم. فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على القاء نعالكم قالوا: رأيناك ألقيت تعليك فألقينا تعالنا. فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم، ان جبريل أتاني فاخبرني أن عليهما قذراً. وقال، اذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فان رأى على نعليه قذراً فليمسحه وليصلّ فيهما. وعن شداد بن أوس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. خالفوا اليهود فانهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم. وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال . اذا وطئ أحدكم بنعله الاذى فان التراب له طهور. وفي لفظ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: من وطئ الاذى بخفيه فطهورهما التراب. رواه أبو داود. ومن ذلك ان النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي حيث ما كان. وقال عليه الصلاة والسلام: جعلت لي الارض كلها مسجداً وطهوراً فحيث ما أدركتك الصلاة فصلّ. وكان يصلي في مرابض الغنم ويأمر بذلك. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على اباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فانه قال: لا أكره ذلك اذا كان سليما من أبعارها. وروى أنس قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد. وقال صلى اللّه عليه وسلم: اعطيت خمساً جعلت لي الارض طيبة طهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان. متفق عليه. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإن فيها بركة. وقال: الارض كلها المسجد الا المقبرة والحمام. وقال ابن عمر. كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد. ولم يكونوا يرون شيئاً في ذلك. وعن أنس رضي اللّه عنه. أن التي صلى اللّه عليه وسلم كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة أحياناً فيصلي على بساط لنا وهو حصير ننضحه بالماء. رواهما أبو داود. وعنه قال. فقمت الى حصير لناقد اسودّ من طول ما لبث فنضحته بالماء فصلى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم. ومن ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى وهو حامل امامة بنت أبي العاص بن الربيع متفق عليهما. وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه صلى يوما فسجد فاطال السجود فرفع بعض أصحابه رأسه فرأى الحسن — أو الحسين — راكباً على ظهره فلما سلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله، وفي حديث، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي وهو آخذ ابنته الى جانبه فكلما سجد وثب الغلام على ظهره فياخذه برفق فيضعه ثم ينهض، ومن ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يلبس الثياب التي نسجها المشركون ويصلي فيها، وروينا أن عمر رضي اللّه عنه قال: لقد هممت أن أنهى عن لبس الثياب الفلانية فانه بلغني أنها تصنع بالبول، فقال له أبيّ: ما لك أن تنهانا عنها فان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد لبسها ولبست في زمنه ولو علم اللّه انها حرام لبينه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم. ولما قدم عمر رضي اللّه عنه الجابية استعار ثوباً من نصراني فلبسه حتى خاطوا له قميصه وغسلوه، وتوضأ من جرة نصرانية.
ومن ذلك ان النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يجيب من دعاه فيأكل من طعامه. واضافه يهودي بخبز شعير. وكان المسلمون يأكلون من طعام أهل الكتاب. وشرط عمر على أهل الكتاب ضيافة المسلمين وقال: أطعموهم مما تأكلون. وقد أحله اللّه تعالى في كتابه بقوله سبحانه وتعالى «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم» وروينا أن عمر لما الكتاب طعاماً فدعوه فقال . اين هو? قالوا: في الكنيسة. فكره دخولها وقال لعلي: اذهب بالناس. فذهب علي بالمسلمين فدخلوا واكلوا وجعل علي ينظر الى الصور، وقال : ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل? ولم يزل المسلمون يأكل بعضهم طعام بعض ويأكلون مع صبيتهم ويشربون في آنيتهم لا يرون شيئا من ذلك نجساً
وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقبل الصبيان في افواههم. ويشرب من موضع في عائشة وهي حائض. ويتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيها. وحمل ابو بكر الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه. ولم يسمع عن احد منهم التنزه عن الصبيان ولا تنجيس اطعمة المسلمين ولا أهل الكتاب وفي قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في الهر: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات، تنبيه على طهارة الصبيان والجواري اذا كانت طهارة الهر معللة بكونها بينهم وشبهها بهم مع اكلها للنجاسات وما هو منا. وما كان ياكل النجاسات عادةً أولى.
وفيما ذكرناه كفاية ان شاء اللّه تعالى في الدلالة على مخالفة الموسوسين الذين جعلوا صبيانهم أنجاساً وينزلونهم منزلة الكلاب التي يجب تسبيع ما ولغت فيه واجتناب سؤرها. وينجسون اطعمة المسلمين ويرون غسل أيديهم وافواههم منها. ولو كان الذي ما هم عليه حقاً — ونعوذ باللّه من ذلك — لم تكن هذه الشريعة الحنيفية السمحة ولكان الناس ضالين تاركين الواجب عليهم وصلاتهم فاسدة وعبادتهم مختلفة سيما اصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين كان كثير منهم اعراباً من أهل الجفا والحفا لا يعرفون شيئاً مما هؤلاء عليه. ومع ذلك ما عاب عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم و لا ذمهم بترك هذا، ولا ذم الا المتنطعين الغالين في الدين وحذر من الغلو في الدين
وكثير من الموسوسين العالمين بالشريعة يعترفون بخطأهم. ويفتون بخلاف ما يفعلون ويقولون لا تقتدوا بنا وهذا عجب! اذا كانوا قادرين على ترك الخطأ ويعرفون انه خطأ ثم لا ينكرونه مع انه ليس من الذات ولا من شهوات النفس ولا فيه معنى سوى تعذيب النفس والغلو في الدين ومخالفة السنة وطاعة ابليس وقبول غشه. وفي اتباع السنة بركة موافقه السرع ورضى الرب سبحانه وتعالى ورفع الدرجات وراحة القلب ودعة البدن وترغيم الشيطان وسلوك الصراط المستقيم، وفقنا اللّه تعالى لذلك وجنبنا البدع والمهالك برحمته وفضله انه على ذلك قدير وبالاجابة جدير، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً الى يوم الدين والحمد للّه رب العالمين
- ↑ كذا في الاصل