دلائل الإعجاز - الجزء الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

<دلائل الإعجاز

أولا ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه لكي تباعده بذلك في الشبهة وتمنعه من الإنكار أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد ومثاله قولك هو يعطي الجزيل وهو يحب الثناء لا تريد أن تزعم أنه ليس هاهنا من يعطي الجزيل ويحب الثناء غيره ولا أن تعرض بانسان وتحطه عنه وتجعله لا يعطي كما يعطي ولا يرغب كما يرغب ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء دأبه وأن تمكن ذلك في نفسه ومثاله في الشعر طويل هم يفرشون اللبد كل طمرة وأجرد سباح يبذ المغاليا لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها وينص عليهم فيها

حتى كأنه يعرض بقوم آخرين فينفي أن يكونوا أصحابها هذا محال وإنما أراد أن يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل وأنهم يقتعدون الجياد منها وأن ذلك دأبهم من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع لهم ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة ليمنعه بذلك من الشك ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم أو أن يكون قد أراد غيرهم فغلط إليهم وعلى ذلك قول الآخر طويل هم يضربون الكبش يبرق بيضه على وجهه من الدماء سبائب لم يرد أن يدعي لهم الانفراد ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم ولكن أراد الذي ذكرت من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث من قبل ذكر الحديث ليحقق الأمر

ويؤكده ومن البين فيه قول عروة بن أذينة من الهزج سليمى أزمعت بينا فأين تقولها أينا وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة ويجعلها من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها هذا محال ولكنه أراد أن يحقق الأمر ويؤكده فأوقع ذكرها في سمع الذي كلم ابتداء ومن أول الأمر ليعلم قبل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث فيكون ذلك أبعد له من الشك ومثله في الوضوح قوله طويل هما يلبسان المجد أحسن لبسة شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصفة عليهما ولكن نبه لهما قبل الحديث عنهما وأبين من الجميع قوله تعالى واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وقوله عز وجل وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء وبني الفعل الناصب كان له عليه وعدي إلى ضميره فشغل به كقولنا في ضربت عبد الله عبد الله ضربته فقال وإنما قلت عبد الله فنبهته له ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء فإن قلت فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل آكد لإثبات ذلك الفعل له وأن يكون قوله هما يلبسان المجد أبلغ في جعلهما يلبسانه من أن يقول يلبسان المجد فإن ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث

قد نوي إسناده إليه وإذا كان كذلك فإذا قلت عبد الله فقد أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا قام أو قلت خرج أو قلت قدم فقد علم ما جئت به وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه فدخل على القلب دخول المأنوس به وقبله قبول المتهيء له المطمئن إليه وذلك لا محالة أشد لثبوته وأنفى للشبهة وأمنع للشك وأدخل في التحقيق وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام ومن هاهنا قالوا إن الشيء إذا أضمر ثم فسر كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدم إضمار ويدل على صحة ما قالوه أنا نعلم ضرورة في قوله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار فخامة وشرفا وروعة لا نجد منها شيئا في قولنا فإن الأبصار لا تعمى وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصة فقوله تعالى إنه لا يفلح الكافرون يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين ما لو قيل إن الكافرين لا يفلحون لم يفد ذلك ولم يكن ذلك كذلك إلا لأنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطد ثم بين ولوح ثم صرح ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه هذا الطريق ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر نحو أن يقول الرجل ليس لي علم بالذي تقول فتقول له أنت تعلم أن الأمر على ما أقول ولكنك تميل إلى خصمي وكقول الناس هو يعلم ذاك وإن أنكر وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه وكقوله تعالى ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون فهذا من أبين شيء

وذاك أن الكاذب لا سيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب وإذا لم يعترف بأنه كاذب كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب أو يجيء فيما اعترض فيه شك نحو أن يقول الرجل كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك فيقول أنا أعلم ولكني أداريه أو في تكذيب مدع كقوله عز وجل وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به وذلك أن قولهم آمنا دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به فالموضع موضع تكذيب أو فيما القياس في مثله أن لا يكون كقوله تعالى واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا تكون مخلوقة وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة وعما يستغرب من الأمر نحو أن نقول ألا تعجب من فلان يدعي العظيم وهو يعيا باليسير ويزعم انه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء ومما يحسن ذلك فيه ويكثر الوعد والضمان كقول الرجل أنا أعطيك أنا أكفيك أنا أقوم بهذا الأمر وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به فهو من أحوج شيء إلى التأكيد وكذلك يكثر في المدح كقولك أنت تعطي الجزيل أنت تقري في المحل أنت تجود حين لا يجود أحد وكما قال الكامل ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وكقول الآخر من الرمل نحن في المشتاة ندعو الجفلى

وذلك أن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به ويباعدهم من الشبهة وكذلك المفتخر ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه ولكن يؤتى به غير مبني على اسم فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عاداته أن يخرج في كل غداة قلت قد خرج ولم تحتج إلى أن تقول هو قد خرج ذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع فتحتاج أن تحققه وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع ولم يكن شك وتردد أنه يركب أو لا يركب كان خبرك فيه أن تقول قد ركب ولا تقول هو قد ركب فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام ووضعته بعد واو الحال حسن حينئذ وذلك قولك جئته وهو قد ركب وذاك أن الحكم يتغير إذا صارت الجملة في مثل هذا الموضع ويصير الأمر بمعرض الشك وذاك أنه إنما يقول هذا من ظن أنه يصادفه في منزله وأن يصل إليه من قبل أن يركب فإن قلت فإنك قد تقول جئته وقد ركب بهذا المعنى ومع هذا الشك فإن الشك لا يقوى حينئذ قوته في الوجه الأول أفلا ترى أنك إذا استبطأت إنسانا فقلت أتانا والشمس قد طلعت كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول أتانا وقد طلعت الشمس وعكس هذا أنك إذا قلت أتى والشمس لم تطلع كان أقوى في وصفك به بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه من أن تقول أتى ولم تطلع الشمس بعد هذا وهو كلام لا يكاد يجيء إلا نابيا وإنما الكلام البليغ هو أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه كقوله الكامل قد أغتدي والطير لم تكلم فإذا كان الفعل فيما بعد هذه الواو التي يراد بها الحال مضارعا لم يصلح إلا مبنيا على اسم كقولك رأيته وهو يكتب ودخلت عليه وهو يملي الحديث وكقوله طويل تمززتها والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا

ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه لو قلت رأيته ويكتب ودخلت عليه ويملي الحديث وتمززتها ويدعو الديك صباحه لم يكن شيئا ومما هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين وقالوا أساطير والأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وقوله تعالى وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم فقيل إن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين واكتتبها فتملى عليه وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها واعلم أن هذا الصنيع يقتضي في الفعل المنفي ما اقتضاه في المثبت فإذا قلت أنت لا تحسن هذا كان أشد لنفي إحسان ذلك عنه من أن تقول لا تحسن هذا ويكون الكلام في الأول مع من هو أشد إعجابا بنفسه وأعرض دعوى في أنه يحسن حتى إنك لو أتيت بأنت فيما بعد تحسن فقلت لا تحسن أنت لم يكن له تلك القوة وكذلك قوله تعالى والذين هم بربهم لا يشركون يفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم ما لو قيل والذين لا يشركون بربهم أو بربهم لا يشركون لم يفد ذلك وكذا قوله تعالى لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وقوله تعالى فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون و إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون تقديم مثل وغير ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم مثل وغير في نحو قوله السريع

مثلك يثني المزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه وقول الناس مثلك رعى الحق والحرمة وكقول الذي قال له الحجاج لأحملنك على الأدهم يريد القيد فقال على سبيل المغالطة ومثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه بمثل إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله في الحال والصفة كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر أو أن لا يفعل ومن أجل أن المعنى كذلك قال السريع ولم أقل مثلك أعني به سواك يا فردا بلا مشبه وكذلك حكم غير إذا سلك هذا المسلك فقيل غيري يفعل ذاك على معنى أني لا أفعله لا أن يومىء بغير إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل كما قال البسيط غيري بأكثر هذا الناس ينخدع وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك فيستنقصه ويصفه بأنه مضعوف يغر ويخدع بل لم يرد إلا أن يقول إني لست ممن ينخدع ويغتر وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله الوافر وغيري يأكل المعروف سحتا وتشحب عنده بيض الأيادي أن يعرض مثلا بشاعر سواه فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه هذا محال بل ليس إلا أنه نفى عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم واستعمال مثل و غير على هذا السبيل شيء مركوز في الطباع وهو جار في عادة كل قوم فأنت الآن إذا تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان أبدا على الفعل إذا نحي بهما هذا النحو الذي ذكرت لك وترى هذا المعنى لا يستقيم فيهما إذا لم يقدما أفلا ترى أنك لو قلت يثني المزن عن صوبه مثلك ورعى الحق والحرمة مثلك ويحمل على الادهم والأشهب مثل الأمير وينخدع غيري بأكثر هذا الناس ويأكل غيري المعروف سحتا رأيت كلاما مقلوبا عن جهته ومغيرا عن صورته ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه ورأيت الطبع يأبى أن يرضاه وأعلم أن معك دستورا لك فيه إن تأملت غنى عن كل ما سواه وهو أنه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في الاستفهام معنى لا يكون له ذلك المعنى في الخبر وذاك أن الاستفهام استخبار والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك فإذا كان كذلك كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم الاسم وتأخيره في الاستفهام فيكون المعنى إذا قلت أزيد قام غيره إذا قلت أقام زيد ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر ويكون قولك زيد قام وقام زيد سواء ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعمله أمرا لا سبيل فيه إلى جواب وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه وجملة الأمر أن المعنى في إدخالك حرف الاستفهام على الجملة من الكلام هو أنك تطلب أن يقفك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي فإذا قلت أزيد منطلق فأنت تطلب أن يقول لك نعم هو منطلق أو يقول لا ما هو منطلق وإذا كان ذلك كذلك كان محالا أن لا تكون الجملة إذا دخلتها همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه لا تكون هي إذا نزعت منها الهمزة إخبارا به على ذلك الوجه فاعرفه

فصل هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها[عدل]

إذا قلت أجاءك رجل فأنت تريد أن تسأله هل كان مجيء من أحد من الرجال إليه فإن قدمت الاسم فقلت أرجل جاءك فأنت تساله عن جنس من جاءه أرجل هو أم امرأة ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي فقلت أزيد جاءك أم عمرو ولا يجوز تقديم الاسم في المسالة الأولى لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل والسؤال عن الفاعل يكون إما عن عينه أو عن جنسه ولا ثالث وإذا كان كذلك كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين والنكرة لا تدل على عين شيء فيسال بها عنه فإن قلت أرجل طويل جاءك أم قصير كان السؤال عن أن الجائي من جنس طوال الرجال أم قصارهم فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه كان السؤال عن المعطي أكان ممن عرفه قبل أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة وإذا قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام فابن الخبر عليه فإذا قلت رجل جاءني لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول جاءني رجل فتقدم الفعل وكذلك إن قلت رجل جاءني لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير أو نزلته من ظن ذلك وقولهم شر أهر ذا ناب إنما قدم فيه شر لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا

الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير فجرى مجرى أن تقول رجل جاءني تريد أنه رجل لا امرأة وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر بيان لذلك ألا ترى أنك لا تقول ما أتاني إلا رجل إلا حيث يتوهم السامع أنه قد أتتك امرأة ذاك لأن الخبر بنقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء وينفى عما عداه فإذا قلت ما جاءني إلا زيد كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيته عن كل من عداه وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم ومتى لم يرد بالنكرة الجنس لم يقف منها السامع على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل عليه وأخبره أنه كان منه دون غيره وأعلم أنا لم نرد بما قلناه من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم شر أهر ذا ناب لأنه أريد به الجنس أن معنى شر والشر سواء وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير كما أنا إذا قلنا في قولهم أرجل أتاك أم امرأة أن السؤال عن الجنس لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال الرجل أم المرأة أتاك ولكنا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس النساء فالنكرة إذا على أصلها من كونها لواحد من الجنس إلا أن القصد منك لم يقع إلى كونه واحدا وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال وعكس هذا أنك إذا قلت أرجل أتاك أم رجلان كان القصد منك إلى كونه واحدا دون كونه رجلا فاعرف ذلك أصلا وهو أنه قد يكون في اللفظ دليل على أمرين ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر فيصير الآخر بأن لم يدخل في القصد كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب أنك قلت عبد الله فنبهته له ثم بنيت عليه الفعل وحدته يطابق هذا وذاك أن التنبيه لا يكون إلا على معلوم كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم فإذا بدأت بالنكرة فقلت رجل وأنت لا تقصد بها الجنس وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة كان محالا أن تقول إني قدمته لأنبه المخاطب له لأنه يخرج بك إلى أن تقول إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل وذلك ما لا يشك في استحالته فاعرفه

القول في الحذف[عدل]

هو باب دقيق المسلك لطيف المأخذ عجيب الأمر شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر أنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه واقيم الحجة من ذلك عليه صاحب الكتاب البسيط اعتاد قلبك من ليلى عوائده وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به وكل حيران جار ماؤه خضل قال أراد ذاك ربع قواء أو هو ربع قال ومثله قول الآخر البسيط

هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا كما عرفت بجفن الصيقل الخللا

دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالكانسية نرعى اللهو والغزلا

كأنه قال تلك دار قال شيخنا رحمه الله ولم يحمل البيت الأول على أن الربع بدل من الطلل لأن الربع أكثر من الطلل والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور وهذه طريقة مستمرة لهم إذ ذكروا الديار والمنازل وكما يضمرون في المبتدأ فيرفعون فقد يضمرون الفعل فينصبون كبيت الكتاب أيضا البسيط ديار مية إذ مي تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب أنشده بنصب ديار على إضمار فعل كأنه قال أذكر ديار مية ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ القطع والاستئناف يبدؤون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاما آخر وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ مثال ذلك قوله من مجزوء الكامل وعلمت أني يوم ذاك منازل كعبا ونهدا قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حلقا وقدا وقوله الوافر هم حلوا من الشرف المعلى ومن حسب العشيرة حيث شاؤوا بناة مكارم واساة كلم دماؤهم من الكلب الشفاء وقوله طويل رآني على ما بي عميلة فاشتكى إلى ماله حالي أسر كما جهر غلام رماه الله بالخير مقبلا له سيمياء لا تشق على البصر وقوله طويل إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ذراعي وألقى باسته من أفاخر هلالان حمالان في كل شتوة من الثقل ما لا تستطيع الأباعر حمالان خبر ثان وليس بصفة كما يكون لو قلت مثلا رجلان حمالان ومما اعتيد فيه أن يجيء خبرا قد بني على مبتدأ محذوف قولهم بعد أن يذكروا الرجل فتى من صفته كذا وأغر من صفته كيت وكيت كقوله طويل

ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا فتى حنظلي ما تزال ركابه تجود بمعروف وتنكر منكرا وقوله طويل سأشكر عمرا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت ومن ذلك قول جميل البسيط وهل بثينة يا للناس قاضيتي ديني وفاعلة خيرا فأجزيها ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما قلبي عشية ترميني وأرميها هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ريا العظام بلا عيب يرى فيها من الأوانس مكسال مبتلة خود غذاها بلين العيش غاذيها وقوله الكامل إني عشية رحت وهي حزينة تشكو إلي صبابة لصبور وتقول بت عندي فديتك ليلة أشكو إليك فإن ذاك يسير غراء مبسام كأن حديثها در تحدر نظمه منثور

محطوطة المتنين مضمرة الحشا ريا الروادف خلقها ممكور

وقول الأقيشر في ابن عم له موسر سأله فمنعه وقال كم أعطيك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك والله لا أعطيك فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم فشكاه إلى القوم وذمه فوثب إليه ابن عمه فلطمه فأنشأ يقول طويل سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع حريص على الدنيا مضيع لدينه وليس لما في بيته بمضيع فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدا واحدا وانظر إلى موقعها في نفسك وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها ثم قلبت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت وأن رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد وإن أردت ما هو أصدق في ذلك شهادة وأدل دلالة فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما له قد ألح عليه طويل عرضت على زيد ليأخذ بعض ما يحاوله قبل اعتراض الشواغل فدب دبيب البغل يألم ظهره وقال تعلم أنني غير فاعل تثاءب حتى قلت داسع نفسه وأخرج أنيابا له كالمعاول الأصل حتى قلت هو داسع نفسه أي حسبته من شدة التثاؤب ومما به من الجهد يقذف نفسه من جوفه ويخرجها من صدره كما يدسع البعير جرته ثم إنك ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ وتباعده عن وهمك وتجتهد أن لا يدور في خلدك ولا يعرض لخاطرك وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء يكره مكانه والثقيل يخشى هجومه ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح السريع العين تبدي الحب والبغضا وتظهر الإبرام والنقضا درة ما أنصفتني في الهوى ولا رحمت الجسد المنضى غضبى ولا والله يا أهلها لا أطعم البارد أو ترضى يقول في جارية كان يحبها وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه والمقصود قوله غضبى وذلك أن التقدير هي غضبى أو غضبى هي لا محالة ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف وكيف تأنس إلى إضماره وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر يخاطب امرأته وقد لامته على الجود الكامل قالت سمية قد غويت بأن رأت حقا تناوب مالنا ووفودا غي لعمرك لا أزال أعوده ما دام مال عندنا موجودا المعنى ذاك غي لا أزال أعود إليه فدعي عنك لومي وإذ قد عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء فما من اسم أو فعل تجده قد حذف ثم أصيب به موضعه وحذف في الحال ينبغي أن يحذف فيها إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره وترى إضماره في النفس أولى وآنس من النطق به وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ وهو حذف اسم إذ لا يكون المبتدأ إلا اسما فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا فإن الحاجة إليه أمس وهو بما نحن به أخص واللطائف كأنها فيه أكثر وما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر وهاهنا أصل يجب ضبطه وهو أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدى إليه حاله مع الفاعل وكما أنك إذا قلت ضرب زيد فاسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له لا أن تفيد وجود الضرب في نفسه وعلى الإطلاق وكذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت ضرب زيد عمرا كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتق منه بهما فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه ولم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضرب ووجوده في الجملة من غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول أو يتعرض لبيان ذلك بالعبارة فيه أن يقال كان ضرب أو وقع ضرب أو وجد ضرب وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد في الشيء وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها لفاعلين من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين فإذا كان الأمر كذلك كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا في أنك لا ترى مفعولا لا لفظا ولا تقديرا ومثال ذلك قول الناس فلان يحل ويعقد ويأمر وينهى ويضر وينفع وكقولهم هو يعطي ويجزل ويقري ويضيف المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة من غير أن يتعرض لحديث المفعول حتى كأنك قلت صار إليه الحل والعقد وصار بحيث يكون منه حل وعقد وأمر ونهي وضر ونفع وعلى هذا القياس وعلى ذلك قوله تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون المعنى هل يستوي من له علم ومن لا علم له

من غير أن يقصد النص على معلوم وكذلك قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وقوله وأنه هو أغنى وأقنى المعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة والإغناء والإقناء وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء وأن يخبر بأن من شأنه أن يكون منه أو لا يكون إلا منه أو لا يكون منه فإن الفعل لا يعدى هناك لأن تعديته تنقص الغرض وتغير المعنى ألا ترى أنك إذا قلت هو يعطي الدنانير كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء في نفسه ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه بل مع من أثبت له إعطاء إلا أنه لم يثبت إعطاء الدنانير فاعرف ذلك فإنه أصل كبير عظيم النفع فهذا قسم من خلو الفعل عن المفعول وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النص عليه وقسم ثان وهو أن يكون له مفعول مقصود قصده معلوم إلا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه وينقسم إلى جلي لا صنعة فيه وخفي تدخله الصنعة فمثال الجلي قولهم أصغيت إليه وهم يريدون أذني و أغضيت عليه والمعنى جفني وأما الخفي الذي تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع فنوع منه أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه إما لجري ذكر أو دليل حال إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن تثبت نفس معناه من غير أن تعديه إلى شيء أو تعرض فيه لمفعول ومثاله قول البحتري الخفيف شجو حساده وغيظ عداه أن يرى مبصر ويسمع واع المعنى لا محالة أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره وأوصافه ولكنك تعلم على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه ويدفع صورته عن وهمه ليحصل له معنى شريف وغرض خاص وذاك أنه يمدح خليفة وهو المعتز ويعرض بخليفة وهو المستعين فأراد أن يقول إن محاسن المعتز وفضائله والمحاسن والفضائل يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم أنه المستحق للخلافة والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها فأنت ترى حساده وليس شيء أشجى لهم وأغيظ من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا يعي حتى ليتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يعي معها كي يخفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها وهذا نوع آخر منه وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده قد علم أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه بدليل الحال أو ما سبق من الكلام إلا أنك تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس لغرض غير الذي مضى وذلك الغرض أن تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل وتخلص له وتنصرف بجملتها وكما هي إليه ومثاله قول عمرو بن معدي كرب طويل فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت أجرت فعل متعد ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم نحو ولكن الرماح أجرتني وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى إليه لاستحالة أن يقول فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ثم يقول ولكن الرماح أجرت غيري إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض وذلك أن الغرض هو أن تثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن عن النطق وأن تصحح وجود ذلك ولو قال أجرتني جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ذكر المفعول مثاله أنك تقول أضربت زيدا وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب ضرب وإنما تنكر أن يكون وقع الضرب منه على زيد وأن يستجيز ذلك أو يستطيعه فلما كان في تعدية أجرت ما يوهم ذلك وقف فلم يعد البتة ولم ينطق بالمفعول لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح وتصحيح أنه كان منها وتسلم بكليتها لذلك ومثله قول جرير الوافر أمنيت المنى وخلبت حتى تركت ضمير قلبي مستهاما الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة وأن بقول لها أهكذا تصنعين وهذه حيلتك في فتنة الناس ومن بارع ذلك ونادره ما تجده في هذه الأبيات روى المرزباني في كتاب الشعر بإسناد قال لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة استبطأته الأنصار فقال إما كلفتموني أخلاق رسول الله فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس ولكني والله ما أوتى من مودة لكم ولا حسن رأي فيكم وكيف لا نحبكم فوالله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب طويل جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت هم خلطونا بالنفوس وألجؤوا إلى حجرات أدفأت وأظلت فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله لملت وألجؤوا وأدفأت وأظلت لأن الأصل لملتنا وألجؤونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلتنا إلا أن الحال على ما ذكرت لك من أنه في حد المتناسي حتى كأن لا قصد إلى مفعول وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه كما يكون إذا قلت قد مل فلان تريد أن تقول قد دخله الملال من غير أن تخص شيئا بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته وكما تقول هذا بيت يدفىء ويظل تريد أنه بهذه الصفة واعلم أن لك في قوله أجرت ولملت فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل وهي أن تقول كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال ما يجر مثله وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم إلا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى لأنك إذا قلت ولكن الرماح أجرتني لم يكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجر شاعرهم ونظيره أنك تقول قد كان منك ما يؤلم تريد ما الشرط مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان ولو قلت ما يؤلمني لم يفد ذلك لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك وهكذا قوله ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت يتضمن أن من حكم مثله في كل أم تمل وتسأم وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له الابن وتتبرم مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد وذلك أنه وإن قال أمنا فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها ولو قلت لملتنا لم يحتمل ذلك لأنه يجري مجرى أن تقول لو لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها منا وإذا قلت ما يملها منا فقيدت لم يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن وكذلك قوله إلى حجرات أدفأت وأظلت لأن فيه معنى قولك حجرات من شأن مثلها أن تدفىء وتظل أي هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول إذ لا تقول حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا هذا لغو من الكلام فاعرف هذه النكتة فإنك تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل والدلالة على أن القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله لا أن تعلم التباسه بمفعوله وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب فانظر إلى قوله تعالى ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع إذ المعنى وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم وامرأتين تذودان غنمهما وقالتا لا نسقي غنمنا فسقى لهما غنمهما ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي ومن المرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي فأما ما كان المسقي غنما أم إبلا أم غير ذلك فخارج عن الغرض وموهم خلافه وذاك أنه لو قيل وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود بل من حيث هو ذود غنم حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود كما أنك إذا قلت ما لك تمنع أخاك كنت منكرا المنع لا من حيث هو منع بل من حيث هو منع أخ فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة وأن الغرض لا يصح إلا على تركه ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى قول البحتري الطويل إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت فهجرانها يبلي ولقيانها يشفي قد علم أن المعنى إذا بعدت عني أبلتني وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك ويوجب اطراحه وذاك لأنه أراد أن يجعل البلى كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه وكأنه كالطبيعة فيه وكذلك حال الشفاء مع القرب حتى كأنه قال أتدري ما بعادها هو الداء المضني وما قربها هو الشفاء والبرء من كل داء ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة إلا بحذف المفعول البتة فاعرفه وليس لنتائج هذا الحذف أعني حذف المفعول نهاية فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة وإلى لطائف لا تحصى وهذا نوع منه آخر اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى الإضمار على شريطة التفسير وذلك مثل قولهم أكرمني وأكرمت عبد الله أردت أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه من دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة ما لا تجده إلا في كلام الفحول فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري الكامل لو شئت لم تفسد سماحة حاتم كرما ولم تهدم مآثر خالد الأصل لا محالة لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها ثم حذف ذلك من الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلا اللفظ فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها صرت إلى كلام غث وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك وأنت إذا قلت لو شئت علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء فهو يضع في نفسه أن هنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا يكون فإذا قلت لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء ومجيء المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء كثير شائع كقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولو شاء لهداكم أجمعين والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت فالأصل لو شاء الله يجمعهم على الهدى لجمعهم و لو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك

محذوفا وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن وذلك نحو قول الشاعر الطويل ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع فقياس هذا لو كان على حد ولو شاء الله لجمعهم على الهدى أن يقول لو شئت بكيت دما ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصا وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دما فلما كان كذلك كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع ويؤنسه به وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول المشيئة أمرا عظيما أو بديعا غريبا كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر يقول الرجل يخبر عن عزة نفسه لو شئت أن أرد على الأمير رددت ولو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيت فإذا لم يكن مما يكبره السامع فالحذف كقولك لو شئت خرجت ولو شئت قمت ولو شئت أنصفت ولو شئت لقلت وفي التنزيل لو نشاء لقلنا مثل هذا وكذا تقول لو شئت كنت كزيد قال البسيط لو شئت كنت ككرز في عبادته أو كابن طارق حول البيت والحرم وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول إن شئت قلت وإن أردت دفعت قال الله تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك وقال عز اسمه من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ونظائر ذلك من الآي ترى الحذف فيها المستمر ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفة الطويل وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت مخافة ملوي من القد محصد وقول حميد الطويل إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة أو الزرق من تثليث أو بيلملما مطوقة ورقاء تسجع كلما دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما وقول البحتري الطويل إذا شاء غادى صرمة أو غدا على عقائل سرب أو تقنص ربربا وقوله الكامل لو شئت عدت بلاد نجد عودة فحللت بين عقيقه وزروده معلوم أنك لو قلت وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل أو قلت إذا شئت أن تغنيني

بأجزاع بيشة غنتني وإذا شاء أن يغادي صرمة غادى ولو شئت أن تعود بلاد نجد عودة عدتها أذهبت الماء والرونق وخرجت إلى كلام غث ولفظ رث وأما قول الجوهري الطويل فلم يبق مني الشوق غير تفكري فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا فقد نحا به نحو قوله ولو شئت أن أبكي دما لبكيته فأظهر مفعول شئت ولم يقل فلو شئت بكيت تفكرا لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول وذلك أنه لم يرد أن يقول ولو شئت أن أبكي تفكرا بكيت كذلك ولكنه أراد أن يقول قد أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول حتى لو شئت بكاء فمريت شؤوني وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده ولخرج بدل الدمع التفكر فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدى إلى التفكر البتة والبكاء الثاني مقيد معدى إلى التفكر وإذا كان الأمر كذلك صار الثاني كأنه شيء غير الأول وجرى مجرى أن تقول لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأول واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح أكرمت وأكرمني عبد الله ولكنه شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول المشيئة والإرادة لأن الذي يأتي في جواب لو وأخواتها يدل عليه وإذا أردت ما هو صريح في ذلك ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق وفائدة جليلة فانظر إلى بيت البحتري الخفيف قد طلبنا فلم نجد لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا المعنى قد طلبنا لك مثلا ثم حذف لأن ذكره في الثاني يدل عليه ثم إن للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى ولو أنه قال طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة هو نفي الوجود عن المثل فأما الطلب فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به أمره وإذا كان هذا كذلك فلو أنه قال قد طلبنا لك السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل وأوقعه على ضميره ولن تبلغ الكناية مبلغ الصريح أبدا ويبين هذا كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وأنا أكتب لك الفصل حتى يستبين الذي هو المراد قال والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب ألا ترى أن قيس بن خارجة لما ضرب بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس وقال ما لي فيها أيها العشمتان قالا بل ما عندك قال عندي قرى كل نازل ورضا كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع قالوا فخطب يوما إلى الليل فما أعاد كلمة ولا معنى فقيل لأبي يعقوب هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع أوليس الأمر بالصلة هو النهي عن القطيعة قال أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإيضاح والتكشيف انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه فقد بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل كإيقاعه على ضميره وإذ قد عرفت هذا فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري فيعمل الأول من الفعلين وذلك قوله الوافر ولم أمدح لأرضيه بشعري لئيما أن يكون أصاب مالا أعمل لم أمدح الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم وأرضى الذي هو الثاني في ضميره وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا والمجيء به مكشوفا ظاهرا هو الواجب من حيث كان أصل الغرض وكان الإرضاء تعليلا له ولو أنه قال ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو الأصل وأبانه فيما ليس بالأصل فاعرفه ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كان لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وقوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد من الحسن والبهجة ومن الفخامة والنبل ما لا يخفى موضعه على بصير وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل وبالحق أنزلناه وبه نزل وقل هو الله أحد هو الصمد لعدمت الذي أنت واجده الآن فصل في تحليل شاهد متميز للحذف عند البحتري قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداح زناد العقل والازدياد من الفضل ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها ويتغلغل إلى دقائقها ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع الظاهر ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر أن الذي قلت في شأن الحذف وفي تفخيم أمره والتنويه بذكره وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر ويبهر الفكر كالذي قلت وهذا فن آخر من معانيه عجيب وأنا ذاكره لك قال البحتري في قصيدته التي أولها الطويل أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم وهو يذكر محاماة الممدوح عليه وصيانته له ودفعه نوائب الزمان عنه وكم ذدت عني من تحامل حادث وسورة أيام حززن إلى العظم الأصل لا محالة حززن اللحم إلى العظم إلا أن في مجيئه به محذوفا وإسقاطه له من النطق وتركه في الضمير مزية عجيبة وفائدة جليلة وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئا غير المراد ثم ينصرف إلى المراد ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله إلى العظم أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ ليبرىء السامع من هذا الوهم ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك من أنك قد ترى ترك الذكر أفصح من الذكر والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير أحسن للتصوير فصل القول على فروق في الخبر أول ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه وخبر ليس بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له فالأول خبر المبتدأ كمنطلق في قولك زيد منطلق والفعل كقولك خرج زيد فكل واحد من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال كقولك جاءني زيد راكبا وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ وبالفعل للفاعل ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك جاءني زيد راكبا لزيد إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به بل ابتدأت فأثبت المجيء ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء وبشرط أن يكون في صلته وأما في الخبر المطلق نحو زيد منطلق وخرج عمرو فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له وجعلته يباشره من غير واسطة ومن غير أن تتسبب بغيره إليه فاعرفه وإذ قد عرفت هذا الفرق فالذي يليه من فروق الخبر هو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم وبينه إذا كان بالفعل وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه وبيانه أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئا بعد شيء وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئا بعد شيء فإذا قلت زيد منطلق فقد أثبت الانطلاق فعلا له من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئا فشيئا بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك زيد طويل وعمرو قصير فكما لا تقصد هاهنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث بل توجبهما وتثبتهما فقط وتقضي بوجودهما على الإطلاق كذلك لا تتعرض في قولك زيد منطلق لأكثر من إثباته لزيد وأما الفعل فإنه يقصد فيه إلى ذلك فإذا قلت زيد ها هو ذا ينطلق فقد زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا وجعلته يزاوله ويزجيه وإن شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف فتأمل هذا البيت البسيط لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا لكن يمر عليها وهو منطلق هذا هو الحسن اللائق بالمعنى ولو قلته بالفعل لكن يمر عليها وهو ينطلق لم يحسن وإذا أردت أن تعتبره بحيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه فانظر إلى قوله تعالى وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فإن أحدا لا يشك في امتناع الفعل هاهنا وأن قولنا كلبهم يبسط ذراعيه لا يؤدي الغرض وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا ولا فرق بين وكلبهم باسط وبين أن يقول وكلبهم واحد مثلا في أنك لا تثبت مزاولة ولا تجعل الكلب يفعل شيئا بل تثبته بصفة هو عليها فالغرض إذا تأدية هيئة الكلب ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه فإذا قلت زيد طويل وعمرو قصير لم يصلح مكانه يطول ويقصر وإنما تقول يطول ويقصر إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك مما يتجدد فيه الطول أو يحدث فيه القصر فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة وعن شيء قد استقر طوله ولم يكن ثم تزايد وتجدد فلا يصلح فيه إلا الاسم وإذا ثبت الفرق بين الشيئين في مواضع كثيرة وظهر الأمر بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه كذلك تجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم مكانه ولا يؤدي ما كان يؤديه فمن البين في ذلك قول الأعشى الطويل لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق معلوم أنه لو قيل إلى ضوء نار محرقة لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به من جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال وكذلك قوله الكامل أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي عريفهم يتوسم وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالا فحالا وإذا قيل محرقة كان المعنى أن هناك نارا قد ثبتت لها وفيها هذه الصفة وجرى مجرى أن يقال إلى ضوء نار عظيمة في أنه لا يفيد فعلا يفعل وكذلك الحال في قوله بعثوا إلي عريفهم يتوسم وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا فحالا وتصفح منه للوجوه واحدا بعد واحد ولو قيل بعثوا إلي عريفهم متوسما لم يفد ذلك حق الإفادة ومن ذلك قوله تعالى هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لو قيل هل من خالق غير الله رازق لكم لكان المعنى غير ما أريد ولا ينبغي أن يغرك أنا إذ تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم كما نقول في زيد يقوم إنه في موضع زيد قائم فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيها استواء لا يكون من بعده افتراق فإنهما لو استويا هذا الاستواء لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما بل كان ينبغي أن يكونا جميعا فعلين أو يكونا اسمين ومن فروق الإثبات أنك تقول زيد منطلق و زيد المنطلق و المنطلق زيد فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي وأنا أفسر لك ذلك اعلم انك إذا قلت زيد منطلق كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا كان لا من زيد ولا من عمرو فأنت تفيده ذلك ابتداء وإذا قلت زيد المنطلق كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان إما من زيد وإما من عمرو فأنت تعلمه أنه كان من زيد ودون غيره والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك زيد منطلق فعلا لم يعلم السامع من أصله أنه كان وتثبت في الثاني الذي هو زيد المنطلق فعلا قد علم السامع أنه كان ولكنه لم يعلمه لزيد فأفدته ذلك فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبرا وهو إثبات المعنى للشيء وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من أحد الرجلين لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو كان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله وتمام التحقيق أن هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا فجوزت أن يكون ذلك كان من زيد فإذا قيل لك زيد المنطلق صار الذي كان معلوما على جهة الجواز معلوما على جهة الوجوب ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فصلا بين الجزءين فقالوا زيد هو المنطلق ومن الفرق بين المسألتينوهو ما تمس الحاجة إلى معرفته أنك إذا نكرت الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول وإذا عرفت لم يجز ذلك تفسير هذا أنك تقول زيد منطلق وعمرو تريد وعمرو منطلق أيضا ولا تقول زيد المنطلق وعمرو ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من واحد فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمرو ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين فإنه ينبغي أن يجمع بينهما في الخبر فتقول زيد وعمرو هما المنطلقان لا أن تفرق فتثبته أولا لزيد ثم تجيء فتثبته لعمرو ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا هو القائل بيت كذا كقولك جرير هو القائل الطويل وليس لسيفي في العظام بقية فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره فتقول جرير هو القائل هذا البيت وفلان حاولت محالا لأنه قوله بعينه فلا يتصور أن يشرك جريرا فيه غيره واعلم أنك تجد الألف واللام في الخبر على معنى الجنس ثم ترى له في ذلك وجوها أحدها أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة وذلك قولك زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع تريد أنه الكامل إلا أنك تخرج الكلام في صورة توهم أن الجود والشجاعة لم توجد إلا فيه وذلك لأنك لم تعتد بما كان من غيره لقصوره عن أن يبلغ الكمال فهذا كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك فلو قلت زيد هو الجواد وعمرو كان خلفا من القول والوجه الثاني أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت كقولك هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرا وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى ثم اشترطت له مفعولا مخصوصا كقول الأعشى من المتقارب هو الواهب المئة المصطفاة إما مخاضا وإما عشارا فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد نوعا خاصا من الوفاء وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعا خاصا من الوفاء وكذا الباقي ثم إنك تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص وأنه للمذكور دون من عداه ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح وربما ظن أن اللام في هو الواهب المئة المصطفاة بمنزلتها في نحو زيد هو المنطلق من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص وليس الأمر كذلك لأن القصد هاهنا إلى جنس من الهبة مخصوص لا إلى هبة مخصوصة بعينها يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه وعلى أنه يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى وأما المعنى في قولك زيد هو المنطلق فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة لا إلى جنس من الانطلاق فالتكرر هناك غير متصور كيف وأنت تقول جرير هو القائل وليس لسيفي في العظام بقية تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه فافصل بين أن تقصد إلى نوع فعل وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين حاله في المعاني حال زيد في الرجال في أنه ذات بعينها والوجه الثالث أن لا تقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور لا كما كان في زيد هو الشجاع تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله هو الواهب المئة المصطفاة لكن على وجه ثالث وهو الذي عليه قول الخنساء الوافر إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل ولم تقيد الحسن بشيء فيتصور أن يقصر على البكاء كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح ولكنها أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه شاك ومثله قول حسان الطويل وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفا بها ولو قال ووالدك عبد لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة وعلى ذلك قول الآخر الطويل أسود إذا ما أبدت الحرب نابها وفي سائر الدهر الغيوث المواطر واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك وله مسلك ثم دقيق ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال يعرف وينكر وذلك قولك هو البطل المحامي وهو المتقى المرتجى وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ولم يعلم ممن كان كما مضى في قولك زيد هوالمنطلق ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال كما كان في قولك ولكنك تريد أن تقول لصاحبك هل سمعت بالبطل المحامي وهل حصلت معنى هذه الصفة وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه فإن كنت قتلته علما وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك وطريقه طريق قولك هل سمعت بالأسد وهل تعرف ما هو فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف كقول ابن الرومي الطويل هو الرجل المشروك في جل ماله ولكنه بالمجد والحمد مفرد تقديره كأنه يقول للسامع فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه فإذا حصلت صورته في نفسك فاعلم أنه ذلك الرجل وهذا فن عجيب الشأن وله مكان من الفخامة والنبل وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل فإذا علمت أنه لا يريد بقوله الرجل المشروك في جل ماله أن يقول هو الذي بلغك حديثه وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله على حد قولك هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا والذي وهب المئة المصطفاة من الإبل ولا أن يقول إنه على معنى هو الكامل في هذه الصفة حتى كأن هاهنا أقواما يشركون في جل أموالهم إلا أنه في ذلك أكمل وأتم لأن ذلك لا يتصور وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل الذي يشرك في ماله جاز أن يتفاوت وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب ضع في نفسك معنى قولك رجل مشروك في جل ماله ثم تأمل فلانا فإنك تستملي هذه الصورة منه وتجده يؤديها لك نصا ويأتيك بها كملا وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء فاسمع قوله الطويل أنا الرجل المدعو عاشق فقره إذا لم تكارمني صروف زماني وإن أردت أعجب من ذلك فقوله الكامل أهدى إلي أبو الحسين يدا أرجو الثواب بها لديه غدا وكذاك عادات الكريم إذا أولى يدا حسبت عليه يدا إن كان يحسد نفسه أحد فلأزعمنك ذلك الأحدا فهذا كله على معنى الوهم والتقدير وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدر شيئا في وهمك ثم تعبر عنه بالذي ومثال ذلك قوله الطويل أخوك الذي إن تدعه لملمة يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب وقول الآخر الطويل أخوك الذي إن ربته قال إنما أربت وإن عاتبته لان جانبه فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه وأحلت السامع على ما يعن في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه حتى كأنك قلت أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يجبك ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل جرى على ما يوصف بالاستحالة كقولك للرجل وقد تمنى هذا هو الذي لا يكون وهذا ما لا يدخل في الوجود وقوله الكامل ما لا يكون فلا يكون بحيلة أبدا وما هو كائن سيكون ومن لطيف هذا الباب قوله الطويل وإني لمشتاق إلى ظل صاحب يرق ويصفو إن كدرت عليه قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا ولذلك قال المأمون خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم وأما قولنا المنطلق زيد والفرق بينه وبين زيد المنطلق فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد فليس الأمر كذلك بل بين الكلامين فصل ظاهر وبيانه أنك إذا قلت زيد المنطلق فأنت في حديث انطلاق قد كان وعرف السامع كونه إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو فإذا قلت زيد المنطلق أزلت عنك الشك وجعلته يقطع وبأنه كان من زيد بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز وليس كذلك إذا قدمت المنطلق فقلت المنطلق زيد بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك فلم يثبته ولم تعلم أزيد هو أم عمرو فقال لك صاحبك المنطلق زيد أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج والرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته فيقال لك اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا أما تعرفه لشد ما نسيت ولا يكون الغرض أن يثبت له لبس الديباج لاستحالة ذلك من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به فجعل مبتدأ وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا كقولك زيد المنطلق واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب حتى يظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا كقولك كان زيد أخاك وكان أخوك زيدا فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما في المنزلة في التقدم والتأخر يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معا معرفتين ومما يوهم ذلك أنك تقول الأمير زيد وجئتك والخليفة عبد الملك فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد والخلافة لعبد الملك كما يكون إذا قلت زيد الأمير وعبد الملك الخليفة وتقوله لمن لا يشاهد ومن هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة وهكذا يتوهم في نحو قوله من الطويل أبوك حباب سارق الضيف برده وجدي يا حجاج فارس شمرا وأنه لا فصل بينه وبين أن يقال حباب أبوك وفارس شمر جدي وهو موضع غامض والذي يبين وجه الصواب ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين أنك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه هو الأعم الأكثر وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما قدمت لك من قولك اللابس الديباج زيد وأنت تشير له إلى رجل بين يديه ثم انظر إلى قول العرب ليس الطيب إلا المسك وقول جرير الوافر ألستم خير من ركب المطايا

ونحو قول المتنبي الوافر ألست ابن الألى سعدوا وسادوا وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد وأراد المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة وقل ليس المسك إلا الطيب و أليس خير من ركب المطايا إياكم و أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك تعلم أن الأمر على ما عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى والخبر خبرا لأنه مسند ومثبت به المعنى تفسير ذلك أنك إذا قلت زيد منطلق فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه فزيد مثبت له ومنطلق مثبت به وأما تقدم المبتدأ على الخبر لفظا فحكم واجب من هذه الجهة أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند ولو كان المبتدأ مبتدأ لأنه في اللفظ مقدم مبدوء به لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال منطلق زيد ولوجب أن يكون قولهم إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به التأخير محالا وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول فإذا قلت زيد أخوك كنت قد أثبت ب أخوك معنى لزيد وإذا قدمت وأخرت فقلت أخوك زيد وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى ل أخوك وإلا كان تسميتك له الآن مبتدأ وإذ ذاك خبرا تغييرا للاسم عليه من غير معنى ولأدى إلى أن لا يكون لقولهم المبتدأ والخبر فائدة

غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم من غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه وذلك مما لا يشك في سقوطه ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى إذا جئت بمعرفتين ثم جعلت هذا مبتدأ وذاك خبرا تارة وتارة بالعكس قولهم الحبيب أنت وأنت الحبيب وذاك أن معنى الحبيب أنت أنه لا فصل بينك وبين من تحبه إذا صدقت المحبة وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال الحبيب أنت إلا أنه غيرك فهذا كما ترى فرق لطيف ونكتة شريفة ولو حاولت أن تفيدها بقولك أنت الحبيب حاولت ما لا يصح لأن الذي يعقل من قولك أنت الحبيب هو ما عناه المتنبي في قوله البسيط أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون محبا غير محبوب ولا يخفى بعد ما بين الغرضين فالمعنى في قولك أنت الحبيب أنك أنت الذي أختصه بالمحبة من بين الناس وإذا كان كذلك عرفت أن الفرق واجب أبدا وأنه لا يجوز أن يكون أخوك زيد و زيد أخوك بمعنى واحد وهاهنا شيء يجب النظر فيه وهو أن قولك أنت الحبيب كقولنا أنت الشجاع تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أو كقولنا زيد المنطلق تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا أنت الشجاع لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب كما أن المعنى في هو الشجاع أنه لا شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به وذلك محال وأمر آخر وهو أن الحبيب فعيل بمعنى مفعول فالمحبة إذا ليست هي له بالحقيقة وإنما هي صفة لغيره قد لا بسته وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول والصفة إذا وصفت بالكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له دون من تلابسه ملابسة المفعول وإذا كان كذلك بعد أن تقول أنت المحبوب على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا كما أن بعيدا أن يقال هو المضروب على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا وذلك أن يقال مثلا زيد هو المظلوم على معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشناعة الظلم الذي لحقه فصار كل ظلم سواه عدلا في جنبه ولا يجيء هذا التأويل في قولنا أنت الحبيب لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا إن أحدا لم يحب أحدا محبتي لك وإن ذلك قد أبطل المحبات كلها حتى صرت الذي لا يعقل للمحبة معنى إلا فيه وإنما الذي يريدون أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة أنت الشجاع تريد الذي تكامل الوصف فيه إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين أنت الحبيب وبين زيد المنطلق فرقا وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفا من الجنسية من حيث كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك ولم تعمد إلى محبة واحدة من محباتك ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك أنت الحبيب أنك لا تحب غيره وأن لا محبة لأحد سواه عندك ولا يتصور هذا في زيد المنطلق لأنه لا وجه هناك للجنسية إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان واحتاج أن يعين له الذي كان منه وينص له عليه فإن قلت زيد المنطلق في حاجتك تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في أنت الحبيب وهاهنا أصل يجب أن تحكمه وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة فيصير الرجل الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت رجل ظريف ورجل قصير ورجل شاعر ورجل كاتب أنواعا مختلفة يعد كل منها شيئا على حدة ويستأنف في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه جنسية وهكذا القول في المصادر تقول العلم والجهل والضرب والقتل والسير والقيام والقعود فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل والفرس والحمار فإذا وصفت فقلت علم كذا وعلم كذا كقولك علم ضروري وعلم مكتسب وعلم جلي وعلم خفي وضرب شديد وضرب خفيف وسير سريع سير بطيء وما شاكل ذلك انقسم الجنس منها أقساما وصار أنواعا وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف تفرقه فرقا وتشعبه شعبا وهذا مذهب معروف عندهم وأصل متعارف في كل جيل وأمة ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرع على هذا الأصل أو كالنظير له وهو أن من شأن المصدر أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات ومعنى هذا الكلام أنك تقول الضرب فتراه جنسا واحدا فإذا قلت الضرب بالسيف صار تعديتك له إلى السيف نوعا مخصوصا ألا تراك تقول الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا تريد أنهما نوعان مختلفان وأن اجتماعهما في اسم الضرب لا يوجب اتفاقهما لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي الكامل وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه وأن يحدث في انقسام وتنوع لما كان لهذا الكلام معنى ولكان في الاستحالة كقولك والطعن غير الطعن فقد بان إذا أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير الآخر بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه المصدر وتعلق به فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ذاك وعلى ذلك تقول ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل وهكذا إذا عديته إلى الحال كقولك ليس إعطاؤك معسرا كإعطائك موسرا وليس بذلك وأنت مقل كبذلك وأنت مكثر وإذ قد عرفت هذا من حكم المصدر فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك هو الوفي حين لا يفي أحد وهو الواهب المئة المصطفاة وقوله الخفيف

وهو الضارب الكتيبة والطعنة تغلو والضرب أغلى وأغلى واشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت أنت الشجاع وكما أنك لا تقصد بقولك أنت الشجاع إلى شجاعة بعينها قد كانت وعرفت من إنسان وأردت أن تعرف ممن كانت بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا كذلك لا تقصد بقولك أنت الوفي حين لا يفي أحد إلى وفاء واحد كيف وأنت تقول حين لا يفي أحد وهكذا محال أن يقصد من قوله هو الواهب المئة المصطفاة إلى هبة واحدة لأنه يقتضي أن يقصد إلى مئة من الإبل قد وهبها مرة ثم لم يعد لمثلها ومعلوم أنه خلاف الغرض لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المئة أبدا والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ كما تقول هو الذي يعطي مادحه الألف والألفين وكقوله الرجز وحاتم الطائي وهاب المئي وذلك أوضح من أن يخفى وأصل آخر وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر غير مذهبها وهو مبتدأ تفسير هذا أنا وإن قلنا إن اللام في قولك أنت الشجاع للجنس كما هو له في قولهم الشجاع موقى والجبان ملقى فإن الفرق بينهما عظيم وذلك أن المعنى في قولك الشجاع موقى أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة فهو في معنى قولك الشجعان كلهم موقون ولست أقول إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق وإن كان ذلك ظن كثير من الناس ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه وأما في قولك أنت الشجاع فلا معنى فيه للاستغراق إذ لست تريد أن تقول أنت الشجعان كلهم حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم أنت الخلق كلهم وأنت العالم كما قال السريع ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ولكن لحديث الجنسية هاهنا مأخذا آخر غير ذلك وهو أنك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه لا إلى نفس الصفة ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له وتوجدها فيه ولا أن تقول إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم هذا كله محال بل المعنى على أنك تقول كنا قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها وما هي وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على الكمال واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه حتى إذا صرنا إلى المخاطب وجدناه قد استكمل هذه الصفة واستجمع شرائطها وأخلص جوهرها ورسخ فيه سنخها ويبين لك أن الأمر كذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين بالشجاعة لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه وأن لا يخالطها ما يقدح فيها وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض فالغرض إذا بقولنا أنت الشجاع هو الغرض بقولهم هذه هي الشجاعة على الحقيقة وما عداها جبن وهكذا يكون العلم وما عداه تخيل وهذا هو الشعر وما سواه فليس بشيء وذلك أظهر من أن يخفى وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون أنت الشجاع بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان على حد أنت الخلق كلهم وهو أنك في قولك أنت الخلق وأنت الناس كلهم وقد جمع العالم منك في واحد تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس بل على أن تدعي له أمثالها ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل إنه معدود بألف رجل فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه بل تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا ما لا تجد مقداره مفرقا إلا في ألف رجل وأما في نحو أنت الشجاع فإنك تدعي له أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة وحتى كأن كل إقدام إحجام وكل قوة عرفت في الحرب ضعف وعلى ذلك قالوا جاد حتى بخل كل جواد وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد كما قال الوافر وأنك لا تجود على جواد هباتك أن يلقب بالجواد وكما يقال جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود كما قال البسيط أعطيت حتى تركت الريح حاسرة وجدت حتى كأن الغيث لم يجد

هذا فصل في الذي خصوصا[عدل]

أعلم أن لك في الذي علما كثيرا وأسرارا جمة وخفايا إذا بحثت عنها وتصورتها اطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الصدر بما يفضي بك إليه من اليقين ويؤديه إليك من حسن التبيين والوجه في ذلك أن تتأمل عبارات لهم فيه لم وضع ولأي غرض اجتلب وأشياء وصفوه بها فمن ذلك قولهم إن الذي اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل كما اجتلب ذو ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس يعنون بذلك أنك تقول مررت بزيد الذي أبوه منطلق وبالرجل الذي كان عندنا أمس فتجدك قد توصلت بالذي إلى أن يبين أبنت زيدا من غيره بالجملة التي هي قولك أبوه منطلق ولولا الذي لم تصل إلى ذلك كما أنك تقول مررت برجل ذي مال فيتوصل بذي إلى أن يبين الرجل من غيره بالمال ولولا ذو لم يتأت لك ذلك إذ لا تستطيع أن تقول برجل مال فهذه جملة مفهومة إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجملة ولم لم يكن حالها في ذلك حال النكرة التي تصفها بها في قولك مررت برجل أبوه منطلق ورأيت إنسانا تقاد الجنائب بين يديه وقالوا إن السبب في امتناع ذلك أن الجمل نكرات كلها بدلالة أنها تستفاد وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم قالوا فلما كانت كذلك كانت وفقا للنكرة فجاز وصفها بها ولم يجز أن توصف بها المعرفة إذ لم تكن وفقا لها

والقول المبين في ذلك أن يقال إنه إنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل بقصة وأمر جرى له فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع ثم أريد القصد إليه ذكر الذي تفسير هذا أنك لا تصل الذي إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها وأمر قد عرفه له نحو أن ترى عنده رجلا ينشده شعرا فتقول له من غد ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر هذا حكم الجملة بعد الذي إذا أنت وصفت به شيئا فكان معنى قولهم إنه اجتلب ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجملة أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع له وبين أن لا يكون الأمر كذلك فإن قلت قد يؤتى بعد الذي بالجملة غير المعلومة للسامع وذلك حيث يكون الذي خبرا كقولك هذا الذي كان عندك بالأمس وهذا الذي قدم رسولا من الحضرة أنت في هذا وشبهه تعلم المخاطب أمرا لم يسبق له به علم وتفيده في المشار إليه شيئا لم يكن عنده ولو لم يكن كذلك لم يكن الذي خبرا إذ كان لا يكون الشيء خبرا حتى يفاد به فالقول في ذلك إن الجملة في هذا النحو وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين من أشرت إليه فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة وحدث بها فإنك على كل حال لا تقول هذا الذي قدم رسولا لمن لم يعلم أن رسولا قدم ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل وكذا لا تقول هذا الذي كان عندك أمس لمن قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه وإنما تقوله لمن ذاك على ذكر منه إلا أنه رأى رجلا يقبل من بعيد فلا يعلم أنه ذاك ويظنه إنسانا غيره وعلى الجملة فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع الذي وبينها مع غير الذي فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك هذا الذي قدم رسولا من الحضرة كالمعنى إذا قلت هذا قدم رسولا من الحضرة ولا هذا الذي يسكن في محلة كذا كقولك هذا يسكن محلة كذا وليس ذاك إلا أنك في قولك هذا قدم رسولا من الحضرة مبتدىء خبرا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلغه ولم يعلمه أصلا وفي قولك هذا الذي قدم رسولا معلم في أمر قد بلغه أن هذا صاحبه فلم يخل إذا من الذي

بدأنا به في أمر الجملة مع الذي من أنه ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه فإنه من المسائل التي من جهلها جهل كثيرا من المعاني ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور والله الموفق للصواب فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة اعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة والقصد هاهنا إلى الجملة وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع الواو وأخرى بغير الواو فمثال مجيئها مع الواو قولك أتاني وعليه ثوب ديباج ورأيته وعلى كتفه سيف ولقيت الأمير والجند حواليه وجاءني زيد وهو متقلد سيفه ومثال مجيئها بغير واو جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه وأتاني عمرو يقود فرسه وفي تمييز ما يقتضي الواو مما لا يقتضيه صعوبة والقول في ذلك أن الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر فالغالب عليها أن تجيء مع الواو كقولك جاءني زيد وعمرو أمامه وأتاني وسيفه على كتفه فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال لم يصلح بغير الواو البتة وذلك كقولك جاءني زيد وهو راكب ورأيت زيدا وهو جالس ودخلت عليه وهو يملي الحديث وانتهيت إلى الأمير وهو يعبىء الجيش فلو تركت الواو في شيء من ذلك لم يصلح فلو قلت جاءني زيد هو راكب ودخلت عليه هو يملي الحديث لم يكن كلاما فإن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا ثم كان قد قدم على المبتدأ كقولنا عليه سيف وفي يده سوط كثر فيها أن تجيء بغير واو فمما جاء منه كذلك قول بشار الطويل إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها خرجت مع البازي علي سواد

يعني علي بقية من الليل وقول أمية البسيط فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلالا وقول الآخر الطويل لقد صبرت للذل أعواد منبر تقوم عليها في يديك قضيب كل ذلك في موضع الحال وليس فيه واو كما ترى ولا هو محتمل لها إذا نظرت وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك ولكنه لا يكثر فمن ذلك قولهم كلمته فوه إلى في و رجع عوده على بدئه في قول من رفع ومنه بيت الإصلاح الكامل نصف النهار الماء غامره ورفيقه بالغيب لا يدري ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال الطويل ولولا جنان الليل ما آب عامر إلى جعفر سرباله لم يمزق ومما ظاهره أنه منه قوله البسيط إذا أتيت أبا مروان تسأله وجدته حاضراه الجود والكرم فقوله حاضراه الجود جملة من المبتدأ والخبر كما ترى وليس فيها واو والموضع موضع حال ألا تراك تقول أتيته فوجدته جالسا فيكون جالسا حالا ذاك لأن وجدت في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى مفعولين ولكن المتعدية إلى مفعول واحد كقولك وجدت الضالة إلا أنه ينبغي أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو حاضراه تأثيرا في معنى الغنى عن الواو وأنه لو قال وجدته الجود والكرم حاضراه لم يحسن حسنه الآن وكان السبب في حسنه مع التقديم أنه يقرب في المعنى من قولك وجدته حاضره الجود والكرم أو حاضرا عنده الجود والكرم وإن كانت الجملة من فعل وفاعل والفعل مضارع مثبت غير منفي لم يكد يجيء بالواو بل ترى الكلام على مجيئها عارية من الواو كقولك جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه وكقوله البسيط وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم قديديمة الجوزاء مسموم

وقوله الخفيف ولقد أغتدي يدافع ركني أحوذي ذو ميعة إضريج وكذلك قولك جاءني زيد يسرع لا فصل بين أن يكون الفعل لذي الحال وبين أن يكون لمن هو من سببه فإن ذلك كله يستمر على الغنى عن الواو وعليه التنزيل والكلام ومثاله في التنزيل قوله عز وجل ولا تمنن تستكثر وقوله تعالى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وكقوله عز اسمه ويذرهم في طغيانهم يعمهون فأما قول ابن همام السلولي من المتقارب فلما خشيت أظافيره نجوت وأرهنهم مالكا في رواية من روى وأرهنهم وما شبهوه به من قولهم قمت وأصك وجهه فليست الواو فيها للحال وليس المعنى نجوت راهنا مالكا وقمت صاكا وجهه ولكن أرهن وأصك حكاية حال مثل قوله الكامل ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني فكما أن أمر هاهنا في معنى مررت كذلك يكون أرهن وأصك هناك في معنى رهنت وصككت ويبين ذلك أنك ترى الفاء تجيء مكان الواو في مثل هذا وذلك كنحو ما في الخبر في حديث عبد الله بن عتيك حين دخل على أبي رافع اليهودي حصنه قال فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أين هو من البيت فقلت أبا رافع فقال من هذا فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا دهش فكما أن أضربه مضارع قد عطفه بالفاء على ماض لأنه في المعنى ماض كذلك يكون أرهنهم معطوفا على الماضي قبله وكما لا يشك في أن المعنى في الخبر فأهويت فضربت كذلك يكون المعنى في البيت نجوت ورهنت إلا أن الغرض في أخراجه على لفظ الحال أن يحكي الحال في أحد الخبرين ويدع الآخر على ظاهره كما كان في ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت إلا أن الماضي في هذا البيت مؤخر معطوف وفي بيت ابن همام وما ذكرناه معه مقدم معطوف عليه فاعرفه فإن دخل حرف نفي على المضارع تغير الحكم فجاء بالواو وبتركها كثيرا وذلك مثل قولهم كنت ولا أخشى بالذئب وقول مسكين الدارمي من الرمل أكسبته الورق البيض أبا ولقد كان ولا يدعى لأب وقول مالك بن رفيع وكان جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير الوافر أتاني مصعب وبنوا أبيه فأين أحيد عنهم لا أحيد أقادوا من دمي وتوعدوني وكنت وما ينهنهني الوعيد كان في هذا كله تامة والجملة الداخل عليها الواو في موضع الحال ألا ترى أن المعنى وجدت غير خاش للذئب ولقد وجد غير مدعو لأب ووجدت غير منهنه بالوعيد وغير مبال به ولا معنى لجعلها ناقصة وجعل الواو مزيدة وليس مجيء الفعل المضارع حالا على هذا الوجه بعزيز في الكلام ألا تراك تقول جعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي وجعل يقول ولا يدري وقال أبو الأسود ويصيب وما يدري وهو شائع كثير فأما مجيء المضارع منفيا حالا من غير الواو فيكثر ويحسن فمن ذلك قوله الطويل مضوا لا يريدون الرواح وغالهم من الدهر أسباب جرين على قدر وقال أرطاة بن سهية وهو لطيف جدا البسيط إن تلقني لا ترى غيري بناظرة تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد فقوله لا ترى في موضع حال ومثله في اللطف والحسن قول أعشى همدان وصحب عتاب بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده فقال الوافر أتينا أصبهان فهزلتنا وكنا قبل ذلك في نعيم وكان سفاهة مني وجهلا مسيري لا أسير إلى حميم قوله لا أسير إلى حميم حال من ضمير المتكلم الذي هو الياء في مسيري وهو فاعل في المعنى فكأنه قال وكان سفاهة مني وجهلا أن سرت غير سائر إلى حميم وأن ذهبت غير متوجه إلى قريب وقال خالد بن يزيد بن معاوية الكامل لو أن قوما لارتفاع قبيلة دخلوا السماء دخلتها لا أحجب وهو كثير إلا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضي إلا من كان صحيح الطبع ومما يجيء بالواو وغير الواو الماضي وهو لا يقع حالا إلا مع قد مظهرة أو مقدرة أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع كقولك أتاني وقد جهده السير وأما بغير الواو فكقوله البسيط متى أرى الصبح قد لاحت مخايله والليل قد مزقت عنه السرابيل

وقول الآخر الوافر فآبوا بالرماح مكسرات وأبنا بالسيوف قد انحنينا وقال آخر وهو لطيف جدا الكامل يمشون قد كسروا الجفون إلى الوغى متبسمين وفيهم استبشار ومما يجيء بالواو في الأكثر الأشيع ثم يأتي في مواضع بغير الواو فيلطف مكانه ويدل على البلاغة الجملة قد دخلها ليس تقول أتاني وليس عليه ثوب ورأيته وليس معه غيره فهذا هو المعروف المستعمل ثم قد جاء بغير الواو فكان من الحسن على ما ترى وهو قول الأعرابي الرجز لنا فتى وحبذا الأفتاء تعرفه الأرسان والدلاء إذا جرى في كفه الرشاء خلى القليب ليس فيه الماء ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير واون ويحسن ذلك ثم تنظر فترى ذلك إنما حسن من أجل حرف دخل عليها مثاله قول الفرزدق الطويل فقلت عسى أن تبصريني كأنما بني حوالي الأسود الحوارد قوله كأنما بني إلى آخره في موضع الحال من غير شبهة ولو أنك تركت كأن فقلت عسى أن تبصريني بني حوالي كالأسود رأيته لا يحسن حسنه الأول ورأيت الكلام يقتضي الواو كقولك عسى أن تبصريني وبني حوالي كالأسود الحوارد وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد فلطف مكانها ولو أنك أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن مثال ذلك قول ابن الرومي السريع والله يبقيك لنا سالما برداك تبجيل وتعظيم فقوله برداك تبجيل في موضع حال ثانية ولو أنك أسقطت سالما من البيت فقلت والله يبقيك برداك تبجيل لم يكن شيئا وإذ قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر فلا بد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه فمحال أن يكون هاهنا جملة لا تصح إلا مع الواو وأخرى لا تصلح فيها الواو وثالثة تصلح أن تجيء فيها بالواو وأن تدعها فلا تجيء بها ثم لا يكون لذلك سبب وعلة وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض ذاك لأن الطريق إليه غير مسلوك والجهة التي منها تعرف غير معروفة وأنا أكتب لك أصلا في الخبر إذا عرفته انفتح لك وجه العلة في ذلك واعلم أن الخبر ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه وخبر ليس بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له فالأول خبر المبتدا كمنطلق في قولك زيد منطلق والفعل كقولك خرج زيد وكل واحد من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال كقولك جاءني زيد راكبا وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبته بالخبر للمبتدأ وبالفعل للفاعل ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك جاءني زيد راكبا لزيد إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به ابتداء بل بدأت فأثبت المجيء ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع لغيره وبشرط أن يكون في صلته وأما في الخبر المطلق نحو زيد منطلق وخرج عمرو فإنك أثبت المعنى إثباتا جردته له وجعلته يباشره من غير واسطة ومن غير أن تتسبب بغيره إليه وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من الواو فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل الأول في إثبات واحد وكل جملة جاءت حالا ثم اقتضت الواو فذاك لأنك مستأنف بها خبرا وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات تفسير هذا أنك إذا قلت جاءني زيد يسرع كان بمنزلة قولك جاءني زيد مسرعا في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع وتصل أحد المعنيين بالآخر وتجعل الكلام خبرا واحدا وتريد أن تقول جاءني كذلك وجاءني بهذه الهيئة وهكذا قوله وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم قديديمة الجوزاء مسموم كأنه قال وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا وكذلك قوله متى أرى الصبح قد لاحت مخايله لأنه في معنى متى أرى الصبح باديا لائحا بينا متجليا وعلى هذا القياس أبدا وإذا قلت جاءني وغلامه يسعى بين يديه ورأيت زيدا وسيفه على كتفه كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية ثم استأنفت خبرا وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه ولكون السيف على كتفه ولما كان المعنى على استئناف الإثبات احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى فجيء بالواو كما جيء بها في قولك زيد منطلق وعمرو ذاهب والعلم حسن والجهل قبيح وتسميتنا لها واو الحال لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى جملة ونظيرها في هذا الفاء في جواب الشرط نحو إن تأتني فأنت مكرم

فإنها وإن لم تكن عاطفة فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها فاعرف ذلك ونزل الجملة في نحو جاءني زيد يسرع وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم منزلة الجزاء الذي يستغني عن الفاء لأن من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط وهو قولك إن تعطني أشكرك ونزل الجملة في جاءني زيد وهو راكب منزلة الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه ويحتاج إلى الفاء كالجملة في نحو إن تأتني فأنت مكرم قياسا سويا وموازنة صحيحة فإن قلت لقد علمنا أن علة دخول الواو على الجملة أن تستأنف الإثبات ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد ولا تنزل الجملة منزلة المفرد ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن لا يستأنف بها الإثبات أولى من بعض وما الذي منع في قولك جاءني زيد وهو يسرع أو وهو مسرع أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضامه في الإثبات كما كان ذلك حين قلت جاءني زيد يسرع فالجواب أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك جاءني زيد وهو يسرع على استئناف إثبات للسرعة ولم يكن ذلك في جاءني زيد يسرع وذلك أنك إذا أعدت ذكر زيد فجئت بضميره المنفصل المرفوع كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول جاءني زيد وزيد يسرع في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل يسرع في صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات وذلك أن إعادتك ذكر زيد لا تكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع وحتى تبتدىء إثباتا للسرعة لأنك إن لم تفعل ذلك تركت المبتدأ الذي هو ضمير زيد أو اسمه الظاهر بمضيعة وجعلته لغوا في البين وجرى مجرى أن تقول جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدىء للسرعة إثباتا وأن حال يسرع هاهنا حاله إذا قلت جاءني زيد يسرع فجعلت السرعة له ولم تذكر عمرا وذلك محال فإن قلت إنما استحال في قولك جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه أن ترد يسرع إلى زيد وتنزله منزلة قولك جاءني زيد يسرع من حيث كان في يسرع ضمير لعمرو وتضمنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد وأن يقدر حالا له وليس كذلك جاءني زيد وهو يسرع لأن السرعة هناك لزيد لا محالة فكيف ساغ أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى قيل ليس المانع أن يكون يسرع في قولك جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه حالا من زيد أنه فعل لعمرو فإنك لو أخرت عمرا فرفعته بيسرع وأوليت يسرع زيدا فقلت جاءني زيد يسرع عمرو أمامه وجدته قد صلح حالا لزيد مع أنه فعل لعمر وإنما المانع ما عرفتك من أنك تدع عمرا بمضيعة وتجيء به مبتدأ ثم لا تعطيه خبرا ومما يدل على فساد ذلك أنه يؤدي إلى أن يكون يسرع قد اجتمع في موضعه النصب والرفع وذلك أن جعله حالا من زيد يقتضي أن يكون في موضع نصب وجعله خبرا عن عمرو المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع وذلك بين التدافع ولا يجب هذا التدافع إذا أخرت عمرا فقلت جاءني زيد يسرع عمرو أمامه لأنك ترفعه بيسرع على أنه فاعل له وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعرابا فيبقى مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من زيد وجرى مجرى أن تقول جاءني زيد مسرعا عمرو أمامه فإن قلت فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم فالجواب أن القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو وأما الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه والظاهر فيه بضرب من التأويل ونوع من التشبيه فقولهم كلمته فوه إلى في إنما حسن بغير واو من أجل أن المعنى كلمته مشافها له وكذلك قولهم رجع عوده على بدئه إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير واو لأن المعنى رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه وأما قوله وجدته حاضراه الجود والكرم فلأن تقديم الخبر الذي هو حاضراه يجعله كأنه قال وجدته حاضرا عنده الجود والكرم وليس الحمل على المعنى وتنزيل الشيء منزلة غيره بعزيز في كلامهم وقد قالوا زيد اضربه فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر لأن المعنى على النصب نحو اضرب زيدا ووضعوا الجملة من المبتدأ والخبر موضع الفعل والفاعل في نحو قوله تعالى أدعوتموهم أم أنتم صامتون لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو أدعوتموهم أم صمتم

ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالا بغير الواو أصلا قلته وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء هذا ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة الواو كما جاء الماضي على إرادة قد واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار خرجت مع البازي علي سواد أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش فيرفع سواد بالظرف دون الابتداء ويجري الظرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو مررت برجل معه صقر صائدا به غدا وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع صقر بما في معه من الفعل فلذلك يجوز أن يجري الحال مجرى الصفة فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا فيكون ارتفاع سواد بما في علي من معنى الفعل لا بالابتداء ثم ينبغي أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل أعني أن يكون المعنى خرجت كائنا علي سواد أو باقيا علي سواد ولا يقدر يكون سواد علي ويبقى علي سواد اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع قد كقولك خرجت مع البازي قد بقي علي سواد والأول أظهر وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر تقدير اسم فاعل ولذلك قال أبو بكر بن السراج في قولنا زيد في الدار إنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول استقر في الدار وبين أن تقدر اسم فاعل فتقول مستقر في الدار وإذا عاد الأمر إلى هذا كان الحال في ترك الواو ظاهرة وكان سواد في قوله خرجت مع البازي علي سواد بمنزلة قضاء الله في قوله الطويل سأغسل عني العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبا في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال فعمل عمل الفعل ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت وأنه من أجل ذلك حسن أنك تقول جاءني زيد والسيف على كتفه وخرج والتاج عليه فتجده لا يحسن إلا بالواو وتعلم أنك لو قلت جاءني زيد السيف على كتفه وخرج التاج عليه كان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال وذلك لأنه بمنزلة قولك جاءني وهو متقلد سيفه وخرج وهو لابس التاج في أن المعنى على أنك استأنفت كلاما وابتدأت إثباتا وأنك لم ترد جاءني كذلك ولكن جاءني وهو كذلك فاعرفه

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في الفصل والوصل[عدل]

اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار البلاغة ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص والإ قوم طبعوا على البلاغة وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال معرفة الفصل من الوصل ذاك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرف حالها ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك وإذا كان هذا أصله في المفرد فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين أحدهما أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد وكانت وجه الحاجة إلى الواو ظاهرا والإشراك بها في الحكم موجودا فإذا قلت مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها صفة للنكرة ونظائر ذلك تكثر والأمر فيها يسهل والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني وذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى كقولك زيد قائم وعمرو قاعد والعلم حسن والجهل قبيح لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن الواو أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف فتقول زيد قائم عمرو قاعد بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه واعلم أنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف العطف وذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن الفاء توجب الترتيب من غير تراخ وثم توجبه مع تراخ وأو تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه فإذا عطفت بواحد منها الجملة على الجملة ظهرت الفائدة فإذا قلت أعطاني فشكرت ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه وإذا قلت خرجت ثم خرج زيد أفادت ثم أن خروجه كان بعد خروجك وأن مهلة وقعت بينهما وإذا قلت يعطيك أو يكسوك دلت أو على أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه وليس للواو معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول فإذا قلت جاءني زيد وعمرو لم تفد بالواو شيئا أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد والجمع بينه وبينه ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن معنا في قولنا زيد قائم وعمرو قاعد معنى تزعم أن الواو أشركت بين هاتين الجملتين فيه ثبت إشكال المسألة ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك إنا وإن كنا إذا قلنا زيد قائم وعمرو قاعد فإنا لا نرى هاهنا حكما نزعم أن الواو جاءت للجمع بين الجملتين فيه فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع وذلك أنا لا نقول زيد قائم وعمرو قاعد حتى يكون عمرو بسبب من زيد وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه لم يستقم فلو قلت خرجت اليوم من داري ثم قلت وأحسن الذي يقول بيت كذا قلت ما يضحك منه ومن هاهنا عابوا أبا تمام في قوله الكامل لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ولا تعلق لأحدهما بالآخر وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول فلو قلت زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلقا لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر وإنما الواجب أن يقال زيد كاتب وعمرو شاعر وزيد طويل القامة وعمرو قصير وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا للمعنى في الأخرى ومضاما له مثل أن زيدا وعمرا إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك وكذا السبيل أبدا والمعاني في ذلك كالأشخاص فإنما قلت مثلا العلم حسن والجهل قبيح لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا هو يقول ويفعل ويضر وينفع ويسيء ويحسن ويأمر وينهى ويحل ويعقد ويأخذ ويعطي ويبيع ويشتري ويأكل ويشرب واشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهورا وكان الأمر حينئذ صريحا وذلك أنك إذا قلت هو يضر وينفع كنت قد أفدت بالواو أنك أوجبت له الفعلين جميعا وجعلته يفعلهما معا ولو قلت يضر ينفع من غير واو لم يجب ذلك بل قد يجوز أن يكون قولك ينفع رجوعا عن قولك يضر وإبطالا له وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر وذلك في مثل قولك العجب من أني أحسنت وأسأت ويكفيك ما قلت وسمعت وأيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله وذلك أنه لا يشبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد ومن البين في ذلك قوله لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا المعنى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا وقد وجد مع إهانتكم وجامعها في الحصول ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام الطويل لهان علينا أن نقول وتفعلا ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا وأعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به وكالتأكيد الذي يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكدكذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها كما لا تكون الصفة غير الموصوف والتأكيد غير المؤكد فإذا قلت جاءني زيد الظريف وجاءني القوم كلهم لم يكن الظريف وكلهم غير زيد وغير القوم ومثال ما هو من الجمل

كذلك قوله تعالى آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه قوله لا ريب فيه بيان وتوكيد وتحقيق لقوله ذلك الكتاب وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن تقول هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب فتعيده مرة ثانية لتثبته وليس تثبيت الخبر غير الخبر ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه وعاطف يعطفه عليه ومثل ذلك قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم قوله تعالى لا يؤمنون تأكيد لقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم تأكيد ثان أبلغ من الأول لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر كان في غاية الجهل وكان مطبوعا على قلبه لا محالة

وكذلك قوله عز وجل ومن الناس من يقول آمنا بالله باليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله إنما قال يخادعون ولم يقل ويخادعون لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين فهو إذا كلام أكد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئا سواه وهكذا قوله عز وجل وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون وذلك لأن معنى قولهم إنا معكم أنا لم نؤمن بالنبي ولم نترك اليهودية وقولهم إنما نحن مستهزئون خبر بهذا المعنى بعينه

لأنه لا فرق بين أن يقولوا إنا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء وبين أن يقولوا إنا لم نخرج من دينكم وإنا معكم بل هما في حكم الشيء الواحد فصار كأنهم قالوا إنا معكم لم نفارقكم فكما لا يكون إنا لم نفارقكم شيئا غير أنا معكم كذلك لا يكون إنما نحن مستهزئون غيره فاعرفه ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا لم يأت معطوفا نحو وكأن في أذنيه وقرا لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع إلا أن الثاني أبلغ وأكد في الذي أريد وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معه ويكون لها تأثير فيه وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر ابلغ وآكد في جعله كذلك من حيث كان من لا يصح منه السمع وإن اراد ذلك أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه