حياة النفس في حضرة القدس/الباب الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حياة النفس في حضرة القدس
الباب الأول
المؤلف: أحمد بن زين الدين الأحسائي


يجب علي كل مكلف ان يعرف ان الله سبحانه موجود لانه اوجد العالم و لو كان معدوما لم‌يوجد غيره و انه سبحانه باق لاستمرار تجدد آثاره و الاثر لايحدث بنفسه الا بمؤثر يحدثه فالاثر يدل علي المؤثر و هو الله سبحانه و لايصح تغيره تعالي عن حاله و هو كونه موجودا باقيا مؤثرا فيما سواه و الا لكان كسائر خلقه يتغير و يفني فيكون وجوده من غيره فيكون حادثا يحتاج الي من يحدثه فلما وجدنا الآثار وجدناها تدل علي وجود مؤثر و هو الله سبحانه و مثال الاستدلال بذلك مثل اشعة السراج فانها ما دامت موجودة تدل علي وجود محدث لها و هو السراج و لو لم‌يكن موجودا لم‌يوجد شيئا ( شئ خ‌ل ) منها و الدليل علي ان السراج دائم الاحداث للاشعة و انها محتاجة اليه في كل حال لاتستغني ( لايستغني خ‌ل ) عنه لحظة انها لاتوجد بدونه و لاتفقد عند ظهوره كذلك جميع الخلق التي هي آثاره تعالي بالنسبة الي صنعه علي هذا النحو و لله المثل الاعلي .

فصل

و يجب علي كل مكلف ان يعتقد انه عز و جل قديم بذاته لم‌يجر عليه العدم في حال و لايكون مسبوقا بالغير لانه اذا لم‌يكن قديما كان حادثا اذ لا واسطة بين القدم و الحدوث معقولة و قد ثبت انه ليس بحادث لاستلزام الحادث وجود محدث له و لانه لو لم‌يكن قديما لجري عليه العدم في بعض الاحوال فتختلف احواله و من اختلفت ( اختلف خ‌ل ) احواله فهو حادث يحتاج الي من يحدثه و لانه لو لم‌يكن قديما لكان حادثا مسبوقا بمن يحدثه تعالي الله عن ذلك و لانه لو لم‌يكن قديما بذاته لكان وجوده مستفادا من غيره فيكون محتاجا الي ذلك الغير .

فصل

و يجب ان يعتقد انه تعالي دائم ابدي لانه عز و جل واجب الوجود لذاته بمعني انه وجوده هو ذاته بلا مغايرة فوجوب الوجود بالذات يستلزم الدوام الابدي لان القدم و الازل و الدوام و الابد و الاولية بلا اول بالذات و الآخرية بلا آخر بالذات شئ واحد بلا مغايرة لا في الذات و لا في الواقع و لا في المفهوم و الا لكان تعالي شانه متعددا مختلفا فيكون حادثا و اما اختلافها في المفهوم فهو المفهوم اللفظي الظاهري المستعمل لتفهيم عوام المكلفين و لايراد من هذه الالفاظ المتعددة المختلفة الا مفهوم واحد يقصد منه معني واحد و الا لكان معروفا بالكثرة و الاختلاف و من كان كذلك فهو حادث فقولي يستلزم الدوام عبارة لفظية لاجل التفهيم فنريد من كل واحد منها نفس ما تريد من الاخر و الا فقد وصفته بالصفات المختلفة و من كان كذلك فهو حادث.

فصل

و يجب ان يعتقد انه عز و جل حي لانه احدث الحيوة و احدث الاحياء و يستحيل في العقول ان يحدث الحيوة و الاحياء من ليس بحي فلما رأينا من بعض مصنوعاته الحيوة و الاحياء المتصفين بها علمنا ان صانعها حي و قد ثبت انه قديم فحياته ان كانت حادثة لم‌يكن هو حيا قبل حدوثها و تكون حينئذ مستفادة من الغير و ذلك حال المصنوع فثبت انها قديمة ثم ان كانت حياته مغايرة لذاته و لو بالفرض تعددت القدماء و هو باطل كما يأتي في دليل التوحيد ان شاء الله تعالي فيجب ( فوجب خ‌ل ) ان تكون حياته عين ذاته اذ لا واسطة بين كونها عين ذاته و بين كونها غير ذاته فاذا انتفي التعدد و المغايرة ثبتت ( تثبت خ‌ل ) الوحدة .

فصل

و يجب ان يعتقد انه عز و جل عالم بدليل انه خلق العلم في بعض خلقه و العالم المتصف به و من لم‌يكن عالما لم‌يصح ان يصنع من هو عالم بما يصنع فيه من العلم و لانه صنع الافعال المحكمة المتقنة الجارية علي مقتضي غاية الحكمة و نهاية الاستقامة و من لم‌يكن عالما لم‌يصدر عنه مثل ذلك و علمه قسمان علم قديم هو ذاته و علم حادث و هو الواح المخلوقات كالقلم و اللوح و انفس الخلائق فاما العلم القديم فهو ذاته تعالي بلا مغايرة و لو بالاعتبار لان هذا العلم لو كان حادثا كان تعالي خاليا منه قبل حدوثه فيجب ان يكون قديما ثم لايخلو اما ان يكون هو ذاته بلا مغايرة او لا فان كان هو ذاته بلا مغايرة ثبت المطلوب و ان كان غير ذاته تعددت القدماء و هو باطل و اما العلم الحادث فهو حادث بحدوث المعلوم لانه لو كان قبل المعلوم لم‌يكن علما لان العلم الحادث شرط تحققه و تعلقه ( تعقله خ‌ل ) ان يكون مطابقا للمعلوم و اذا لم‌يوجد المعلوم لم‌تحصل المطابقة التي هي شرطه و ان يكون مقترنا بالمعلوم و قبله لم‌يتحقق الاقتران و ان يكون واقعا علي المعلوم و قبله لم‌يتحقق الوقوع و هذا العلم الحادث هو فعله و من فعله و هو من جملة مخلوقاته و سميناه علما لله تبعا لائمتنا عليهم السلم و اقتداء بكتاب الله حيث قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و قال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ .

فصل

يجب أن يعتقد انه عز و جل قادر مختار اما انه تعالي قادر فلأنه تعالي غني مطلق و كل ما سواه محتاج اليه في كل شئ لتوقف وجودها علي فعله اذ لا وجود لها من نفسها و الا لاستغنت عنه دائما و لاجل كونه قادرا علي كل شئ اعطاها ( اعطاها علي خ‌ل ) ما سألته بلسان استعدادها و لو لم‌يكن قادرا لمااعطي كل شئ خلقه لعجزه عما يحتاج ( تحتاج خ‌ل ) اليه او بعضه و العاجز محتاج الي القادر فيكون محدثا تعالي عن ذلك و اما انه مختار فلأنه خلق الاختيار و المختار و من ليس بمختار لايصدر عنه من هو مختار و لأنه اخر بعض مصنوعاته عن بعض مع قدرته علي تقديم ما اخر و تأخير ما قدم لنسبة ذاته الي جميع الاشياء علي السواء و لو كان موجبا لم‌يتخلف شئ من آثاره عنه .

فصل

و يجب ان يعتقد انه تعالي عالم بكل معلوم و قادر علي كل مقدور لان نسبة جميع المعلومات و المقدورات في الاحتياج اليه علي السواء و غني ذاته عن كل ما سواه فلاتكون بشئ اولي منها بآخر و لو كان تعالي عالما بشئ دون آخر و قادرا علي شئ دون آخر لاختلفت ( لاختلف خ‌ل ) نسبته اليها و المختلف احواله و نسبه حادث متغير ( فيتغير خ‌ل ) تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا .

فصل

و يجب ان يعتقد انه سبحانه سميع بغير آلة بصير بلا جارحة اما انه سميع فلأن كل ما سواه متقوم بامره صادر عن صنعه اما بالذات او بالتقدير و من جملتها المسموعات فهي حاضرة عنده في ملكه الذي اقامه بقيومية امره و فعله كما قال تعالي و اسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق فسمعه للمسموعات عبارة عن حضورها لديه و علمه بها علي ما هي عليه و ليس ذلك حاصلا له بواسطة آلة و الا لكان محتاجا اليها في ادراكه المسموعات و قد ثبت انه غني مطلق و انما حصل له ذلك بحضورها لديه حال كونها قائمة بامره و ليس لها حال غير ذلك و الا لتقومت بنفسها من دون امره و هو باطل و هذا الحضور هو علمه بها الحضوري و هو سمعه الحضوري و اما سمعه القديم فهو ذاته و يحيط بها في اماكنها لا في ذاته تعالي ان يكون محلا للحوادث و الكلام في بصره تعالي و ادراكه للمبصرات كالكلام في السمع في ( من خ‌ل ) جميع الاحوال و سمعه و بصره القديمان عين ذاته بلا تعدد الا في اللفظ كما تقدم في العلم لان السمع و البصر و العلم شئ واحد و متعلقهما ( متعلقها خ‌ل ) متعدد فان المسموع هو الاصوات و المبصر هو الالوان و الاعراض و المعلوم هو الموجود .

فصل

و يجب ان يعتقد انه تعالي واحد لا شريك له لانه كامل مطلق و غني مطلق فيكون كل ما سواه محتاجا اليه فيكون متفردا بالالوهية و لو فرض معه اله وجب ان يكون مستغنيا عنه تعالي و الا لم‌يكن الها و لو كان من فرض شريكا له تعالي محتاجا اليه عز و جل لكان اكمل لكماله المطلق من كون ذلك الشريك مستغنيا عنه تعالي و اتم لغناه المطلق ففرض وجود شريك مستغن عنه تعالي نقص في كماله و غناه فلايكون له شريك لاستلزام التعدد حصول النقص في الكمال المستلزم للحدوث و لانه لو كان له شريك في ازليته لوجب ان يكون بينهما فرجة قديمة وجودية لتحقق الاثنينية فيكونون ثلثة و تلزم الفرج القديمة بينهم فيكونون خمسة و هكذا بلا نهاية و هو باطل و لانه لو كان معه شريك في ازليته لاشتركا في الازل و اختص كل واحد بما يميزه عن الاخر فيتركب كل واحد منهما مما اشتركا فيه و مما تميز به و المركب حادث و لانه لو كان معه شريك في ازليته لميز كل واحد صنعه عن صنع غيره و الا لم‌تثبت الشركة و لاقتضت ذات كل منهما العلو علي الاخر و الا لم‌يكن الها و ذلك كما قال تعالي اذا لذهب كل اله بما خلق و لعلا بعضهم علي بعض و اعلم انه واحد في اربعة ( اربع خ‌ل ) مراتب لا شريك له فيها الاولي لا شريك له في ذاته و قال الله لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد و الثانية لا شريك له في صفاته قال تعالي ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و الثالثة لا شريك له في صنعه هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه و الرابعة لا شريك له في عبادته فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا .

فصل

و يجب ان يعتقد انه تعالي مدرك بمعني انه محيط بكل شئ متسلط علي كل شئ و ذلك هو العلم و القدرة لانه قد وصف نفسه بذلك قال تعالي و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير فاللطيف الي القدرة اشارة ( فاللطيف اشارة الي القدرة خ‌ل ) و الخبير اشارة الي العلم فالادراك ( فالادراك القديم خ‌ل ) هو الذات الازلي علي نحو ما قيل في العلم و القدرة و الادراك المقارن للحوادث من صفات الافعال ثم هو سبحانه في الازل كما هو عالم و لا معلوم كذلك هو مدرك و لا مدرك و هذا حكم صفات الذات لانها نفس الذات بلا مغايرة .

فصل

و يجب الايمان و الاعتقاد بانه سبحانه مريد لانه سبحانه وصف نفسه بذلك فلما وجدنا ان الارادة لاتكون الا و المراد معها لانها لاتنفك عنه علمنا بانه تعالي وصف نفسه بانه مريد بواسطة فعله و هذا يدل علي انها من صفات الافعال و لو كانت من صفات الذات لكانت هي الذات لعدم التعدد في الذات و لو كانت كذلك لماجاز نفيها لان نفيها اذا كانت هي الذات او من صفات الذات نفي للذات مع انه تعالي وصف نفسه بنفيها عنه قال تعالي اولئك الذين لم‌يرد الله ان يطهر قلوبهم فلو كانت الارادة هي الذات لكان نفي الارادة نفي الذات و ايضا الصفة ان كانت توصف الذات بها و بضدها فهي من صفات الافعال لان الافعال لها ضد و صفاتها ( صفاتها لها خ‌ل ) ضد فان ( و ان خ‌ل ) كانت لاتوصف الذات بها و بضدها فهي من صفات الذات لان الذات لا ضد لها فالاول مثل الارادة و الكراهة فانه يقال هو مريد و كاره فتكونان من صفات الافعال و الثاني مثل العلم و القدرة فانه لايقال عالم و جاهل و قادر و عاجز فيكونان من صفات الذات فالقول بحدوث الارادة هو مذهب اهل البيت عليهم السلم و عليه اجماعهم و هو الحق فالارادة هي فعله تعالي و كذلك الكراهة فانها صفة فعله قال تعالي و لكن كره الله انبعاثهم .

فصل

و يجب الايمان بانه تعالي متكلم لانه وصف نفسه بذلك قال تعالي و كلم الله موسي تكليما فلما وجدنا ان الحكيم لايخاطب بما لايعرف ( لايعرفه خ‌ل ) المخاطب و نحن لانفهم من الكلام الا انه الحروف و الاصوات المسموعة المنتظمة المركبة و قد اجمع اهل اللغة علي ان ذلك هو معني الكلام و هي ( هو خ‌ل ) الاصوات و الحروف المؤلفة المتجددة المتصرمة و قد وصف نفسه بذلك قطعنا بانه تعالي انما اسنده الي نفسه بواسطة الفعل بحدثه ( بالفعل يحدثه خ‌ل ) فيما شاء من خلقه من حيوان و نبات و جماد و هو حادث لانه مركب مؤلف و كل مركب فهو حادث و لقوله تعالي مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث الآية .

فصل

و يجب علي كل مكلف ان يعتقد انه ليس كمثله شئ فليس بجسم و لا عرض و لا جوهر و لا مركب و لا مختلف و لا في حيز و لا في جهة لان هذه صفات الخلق و لايصح علي الخالق سبحانه اما انه ليس كمثله شئ فلان وجود المشابه يستلزم ان يكون شريكا له في الصفات الذاتية و ذلك يقتضي النقص في ذاته تعالي لان عدم النظير اكمل فيكون وجوده نقصا و من يجوز عليه النقص يجوز ( تجوز خ‌ل ) عليه الزيادة و من كان كذلك فهو متغير او ممكن التغير فيكون حادثا و اما انه ليس بجسم فلان الجسم مركب محتاج الي اجزائه و الي محل يحل فيه و المحتاج حادث مصنوع و اما انه ليس بعرض فلان العرض يحتاج في تحققه و قيامه الي الجوهر او الجسم و لايستغني عنه و المحتاج حادث مصنوع و اما انه ليس بجوهر فلان الجوهر سواء كان جوهرا فردا علي قول من اثبته و هو الذي لايقبل القسمة طولا و عرضا و عمقا ( طولا و لا عرضا و لا عمقا او خطا و هو الذي يقبل القسمة طولا او سطحا و هو يقبل القسمة طولا و عرضا او جسما و هو الذي يقبل القسمة طولا و عرضا و عمقا خ‌ل ) محتاج الي المحل و يلزمه الحركة بالانتقال عنه و ( او خ‌ل ) السكون باللبث فيه و كل ذلك حوادث لايحل ( لاتحل خ‌ل ) الا في الحوادث و اما انه ليس بمركب فلان المركب محتاج الي اجزائه و المحتاج حادث و اما انه ليس بمختلف فلان المختلف انما يكون كذلك بتباين اجزائه او احوال ذاته و كلا الامرين موجب للتركيب المستلزم للحدوث و اما انه ليس في حيز فلان من هو في حيز مشابه ( متشابه خ‌ل ) للحيز فهو من جنسه فيكون حادثا و لانه اما لابث فيه فيكون ساكنا او منتقل عنه فيكون متحركا و كل من كان كذلك فهو حادث لاستلزام كل منهما له المسبوقية بالآخر و اما انه ليس في جهة فلان من كان في جهة يلزمه السكون او الحركة و يلزمه الحواية و التحديد و الحصر في بعض دون بعض و الخلو منه في غير تلك الجهة و كونه شاغلا للجهة التي هو فيها و كل من يلزمه شئ من هذه الامور فهو حادث.

فصل

و يجب ان يعتقد انه سبحانه لا في شئ ( شئ و لا فيه شئ خ‌ل ) و لا من شئ و لا منه شئ و لا علي شئ و لا عليه شئ و لا فوق شئ و لا تحت شئ و لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ لان ذلك كله صفات الحوادث اما انه لا في شئ فلأنه لو كان في شئ لكان محصورا و المحصور حادث و لكان اما لابثا فيه فيكون ساكنا و اما منتقلا ( منتقلا عنه خ‌ل ) فيكون متحركا و اما انه لا فيه شئ فلأنه لو كان فيه شئ لكان محلا لغيره سواء ان كان ذلك الغير قديما ام ( او خ‌ل ) حادثا فيكون مشغولا بالغير و المشغول بالغير حادث و اما انه لا من شئ فلأنه لو كان من شئ لكان جزء من ذلك الشئ فيكون مولودا و المولود حادث ( فيكون مولودا حادثا خ‌ل ) و اما انه لا منه شئ فلأنه لو كان منه شئ لكان ذلك الشئ جزءا منه فيكون والدا له فيكون حادثا و اما انه لا علي شئ فلأنه لو كان علي شئ لكان الشئ حاملا له فيكون اقوي منه و اما انه لا عليه شئ فلأنه لو كان عليه شئ لكان اعلي منه فيكون اقوي و اما انه لا فوق شئ فمثل كونه في شئ و اما انه لا تحت شئ فكمثل كون شئ فيه و اما انه لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ فلان النسبة علي الفرضين اقتران ممتنع من الازل لانه من صفات المصنوعين .

فصل

و يجب ان يعتقد انه سبحانه لايحل في شئ و لايتحد بغيره اما انه سبحانه لايحل في شئ فلان الحلول عبارة عن قيام موجود بموجود آخر علي سبيل التبعية كقيام الاعراض بالاجسام او علي سبيل الظهور كقيام الارواح بالاجسام فلو فرض انه حال بشئ لكان محتاجا اليه و متقوما به فيكون حادثا و اما انه سبحانه لايتحد بغيره فلان الاتحاد ان فسر بما احاله العقل كما قالوا و هو ان يصير الشيئان الموجودان شيئا ( شيئا واحدا خ‌ل ) من غير زيادة و لا نقصان و الانفعال ( لا انفعال خ‌ل ) من احد منهما فهو محال حصوله فكيف يوصف به الوجوب الحق و ان فسر بصيرورة الشئ شيئا آخر فانقلاب ( بانقلاب خ‌ل ) و استحالة فهذا و ان جاز في الممكن الا انه يستحيل في الواجب تعالي لانه تحول الشئ من حالة ( حال خ‌ل ) الي اخري و الواجب عز و جل لايتحول عن حالة و الذي يتحول حادث متغير .

فصل

و يجب ان يعتقد انه تعالي تستحيل عليه الرؤية في الدنيا و الآخرة لان الرؤية ان كانت بالقلب و اريد بالمرئي هو الذات البحت فهو باطل لان الذات البحت لاتدركها البصائر لانها لاتحوم حول حجاب عظمته تعالي فلايدركه لذاته الا هو عز و جل و ان اريد بالمرئي آياته و آثار افعاله فالقلوب تدرك آياته لانه تعالي تجلي للقلوب بعظمته فتعرف الدليل عليه و ان كانت الرؤية بالبصر الحسي فلاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار لان شرط ادراك البصر للاشياء ان يكون المرئي مقابلا او في حكم المقابل كالرؤية بالمرآة و ان لايكون ( الايكون خ‌ل ) بعيدا ( بعيدا او خ‌ل ) قريبا بعدا و قربا مفرطين و ان يكون مستنيرا و ان يكون في جهة و الله سبحانه ليس معزولا عن شئ فلايكون مقابلا و لا في حكم المقابل و ليس الله بقريب و لا ببعيد ( بعيد خ‌ل ) بل هو ابعد من كل شئ و اقرب من كل شئ و بعده و قربه غير متناهيين فهما فوق الافراط و ليس مستنيرا من غيره و لا في غيره و لتكن ذاته مدركة بل ظهوره يمحو ما سواه فان تجلي محا ما سواه و ان لم‌يتجل لم‌يقدر احد ان يراه و ليس في جهة فيكون محصورا فيها فلاتمكن رؤيته لان شروط الرؤية لاتجري عليه تعالي و لان ما سواه في الامكان في الدنيا و الآخرة و من ( من كان في خ‌ل ) الامكان لايدرك من ( من في خ‌ل ) الازل فلايصح رؤيته لا في الدنيا و لا في الآخرة.

فصل

و يجب ان يعتقد انه سبحانه و تعالي لايدرك بشئ من الحواس الظاهرة السمع و البصر و الذوق و الشم و اللمس و لا من الحواس الباطنة الحس المشترك و الخيال و المتصرفة و الواهمة و الحافظة لانه عز و جل لايشابه شيئا منها و لايجانسه و الشئ انما يدرك ما هو من جنسه و يشابهه كما قال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و قال تعالي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و قال تعالي و لايحيطون به علما و ذلك لان الحواس الظاهرة و الباطنة انما تدرك المحدود و المكيف و المصور و المميز و هو عز و جل لا حد له و لا كيف له و لا صورة له و لا مميز له تعالي الله عن جميع صفات خلقه علوا كبيرا.