حورية النهر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

حورية النهر

حورية النهر
المؤلف: بدر شاكر السياب



نفوس معذبه هائمة
 
تخبط في الظلمة القاتمة
أجد لها الليل أحزانها
 
و تذكار أيامها الباسمة
فسارت تفتش عن حبها
 
و تنشد لذاتها الدائمة
و أسرى بها تحت جنح الظلام
 
زوارق في اللجة الغائمة
إذا ما تلوث على الشاطئين
 
من النهر أمواجه اللاطمه
و أرسى على مائه زورق
 
تؤرجحه النسمة الحالمة
أطلت على النهر حورية
 
فأغوته بالنظرة الساهمة
فأغواره و هي أوطانها
 
بواك على فقدها نادمة
و أمواجه و هي أترابها
 
جئت تحت أقدامها لاثمه
أحورية النهر غضي العيون
 
و كوني بملاحة راحمه
تسيرين في زورق من ظلال
 
فتدفعه النسمة الناعمة
و مجدافك اخترته من ضي
 
اء النجوم على اللجة القاتمة
و أطربت النهر و الضفتين
 
أغان و قيثارة ناغمة
لقد حق أن تسحر الكائنات
 
وتستل آهاتها الجاثمة
فأوتارها شعرك العسجدي
 
و أنت الموقعة الباسمة
رأى النهر مصرع ملاحه
 
بعينيك أيتها الظالمة
رآك فهيأ مجدافه
 
و أسلم زورقه للظلام
يثير إذا سار عزم الميا
 
ه فتطلق عن جانبيه السهام
طغى الموج و ارتد يطوي الظلال
 
فلم يبق للعين إلا القتام
فيا زورقا من ظلال تلاشى
 
بحورية ليس ترعى الذمام
أخلفت ملاحنا وحده
 
و للموج في الشاطئين احتدام
و حورية النهر ما خلفت
 
سوى أغنيات تثير الغرام
يجاري اختلاجاتها زورق
 
و موج و قلب حواه الهيام
و نهر تمازج أمواهه
 
و يحملها رغوة إذ تنام
و نجم يعشى الدجى ضوءه
 
كنبع على ثغره العشب نام
و يقتاف آثارها زورق
 
و ملاحه الشارد المستهام
يطالعه طيف حورية
 
من الموج يختال في الابتسام
فمن كل صوب سرى خالها
 
هناك و إن سار ألفى الظلام
أوهما يرى لا فذا صوتها
 
ينتهي فتعيد المياه الكلام
و لاحت له أعين مشفقات
 
محدقة من وراء الغمام
تنادي به ظللتك الخطوب
 
و قادتك نحو الردى و الحمام
و لكن أذنيه لم تسمعا
 
حديث السماوات حيث السلام
جرى وهو ليس له غاية
 
سوى أن يجدف حتى الصباح
و يقفو على الماء ضوء النجوم
 
و يصرع أشجانه بالنواح
لقد حطم الليل مجدافه
 
و هيض الشراع بعصف الرياح
وقد أطفأ الموج مصباحه
 
فصاح و لم يجد ذاك الصياح
تبرمت يا ليل بالبائسين
 
فزل و اترك الصبح يأسو الجراح
و نادى وقد مد كلتا يديه
 
لقد حان يا أرض عنك الرواح
فيا شاطئا كان مأوى الغريب
 
إذا مل طول السرى فاسترح
وداعا وداع الشقي الحزين
 
سيسر إلى الموت بعد الكفاح
و يا زمج الماء خدن السفين
 
سمير الشراع الطروب الصداح
كلانا يحن إلى تربه
 
فطر لي فإني مهيض الجناح
و يا أنجم الليل يا عودي
 
إذا القلب في الليل بالداء طاح
إذا ما خبا نوركن الوضيء
 
أسى و تألق نجم الصباح
فحدثنه عن فتى في الدجى
 
طواه العباب وحب الملاح
رأى -ويح عينيه- حورية
 
فجن بها ساعة ثم راح
فقد يخبر النجم عنه الرعاة
 
فيبكون حزنا و تبكي البطاح
و مات الشقي الحزين فعادت
 
تكفنه بالشراع الرياح