حانة الشعراء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

حانة الشعراء

حانة الشعراء
المؤلف: علي محمود طه



هي حانة شتّى عجائبها
 
معروشة الزّهر و القصب
في ظلّة باتت تداعبها
 
أنفاس ليل مقمر السّحب
و زهت بمصباح جوانبها
 
صافي الزّجاجة راقص اللّهب
باخوس فيها و هو صاحبها
 
لم يخل حين افاق من عجب
قد ظنّها، و السّحر قالبها،
 
شيدت من الياقوت و الذّهب
إبريقه حلي من الدّرر
 
يزهى به قدح من الماس
و كأن ما حوليه من صور
 
متحركات ذات أنفاس
تركت مواضعها من الأطر
 
و مشت له في شبه أعراس
منهنّ عازفة على وتر
 
متفجّر بأرقّ إحساس
و غريرة حوراء كالقمر
 
تحنو على شفتيه بالكاس
أو تلك حانته؟ فوا عجبا!
 
أم صنع أحلام و أهواء؟
و من الخيال أهلّ و اقتربا
 
فينوس خارجة من الماء!
في موكب يتمثّل الطّربا
 
و يميل من سحر و إغراء
و بكلّ ناحية فتى وثبا
 
متعلقا بذراع حسناء
يتوهّجون صبابة و صبا
 
يتمثلون غريب أزياء
حمر الثّياب تخال أنّهمو
 
يفدون من حانوت قصّاب!
جلسوا نشاوى مثلما قدموا
 
يترقبون منافذ الباب
يتهامسون و همسهم نغم
 
يسري على رنّات أكواب
إن تسأل الخّمار قال همو
 
عشّاق فنّ أهل آداب
لولا دخان التّبغ خلتهمو
 
أنصاف آلهة و أرباب
من كلّ مرسل شعره حلقا
 
و كأنّها قطع من الحلك
غليونه يستشرف الأفقا
 
و يكاد يحرق قبّة الفلك
أمسى يبعثر حوله ورقا
 
فكأنه في وسط معترك
فإذا أتاه وحيه انطلقا
 
يجري اليراع بكفّ مرتبك
و يقول شعرا كيفما اتفقا
 
يغري ذوات الثّكل بالضحك
باخوس يروي عن غرائبهم
 
شتّى أحاديث و أنباء
قصص تداول عن صاحبهم
 
و عن الصّبايا فتنة الرآئي
و عن الخطيئة في مذاهبهم
 
بدأت بآدم أم بحوّاء
و الملهمات إلى جوانبهم
 
يكثرن من غمو و إيماء
يعجبن من فعل الشّراب بهم
 
و يلذن من سأم بإغفاء
و تلفتّوا لما بدا شبح!
 
فنانة دلفت من الباب
سمراء بالأزهار تتّشح
 
ألقت غلالتها بإعجاب
ومشت تراقصهم فما لمحوا
 
إلاّ خطى روح و أعصاب
و سرى بسرّ رحيقه القدح
 
في صوت شاجيّ اللّحن مطراب
و شدا بجوّ الحانة الفرح
 
لإلهة فرّت من الغاب
هي رقصة و كأنّها حلم
 
و إذا بفينوس تمدّ يدا
الكأس فيها و هي تضطرم
 
قلب يهزّ نداؤه الأبدا:
زنجيّة في الفنّ تحتكم؟
 
قد ضاع فنّ الخالدين سدى!
فأجابت السّمراء تبتسم:
 
ألفنّ روحا كان؟ أم جسدا؟
يا أيّها الشعراء و يحكم
 
اللّيل و لّى و النّهار بدا!