جرجي زيدان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

جرجي زيدان

جرجي زيدان
المؤلف: إيليا أبو ماضي



ثكل الشّرق فتاه
 
ليتني كنت فداه
ليتني كنت أصمّا
 
عندما النّاعي نعاه
قد نعى النّاعون "
 
زيدانا " إلى البدر سناه
و إلى التاريخ و العلم
 
أباه و أخاه!
سرى نعيه في الدمع في كلّ محجر
 
كأنّ قلوب الناس خلف المحاجر
و للطير في اجنان إرنان ثاكل
 
و للماء أنّت الغريب المسافر
و للنجم، و هو النجم، مشية ظالع
 
و للأرض، و هي الأرض، وقفة حائر
و ما كاهن فيه الأسى غير كامن
 
و لا ظاهر فيه الأسى غير ظاهر
و هي " البرق " ممّا حملوه فلم يطق
 
يحدّثنا عنه بغير الأشائر
فيا خبرا ألقى الفجيعة بيننا
 
لأنت علينا اليوم أشأم طائر
و يا ناقل الأنباء يجهل كنهها
 
كرهناك حتّى قادما بالبشائر
أقام الأسى بين العزاء و مهجتي
 
و باعد ما بين القريض و خاطري
فأمسيت لا أدري أستر من الدّجى
 
على الشّمس أم ضيّعت أسود ناظري
و بات فؤادي يتّقي نزواته
 
كما يتّقي العصفور بأس الكواسر
كأنّ بقلبي شاعرا ينظّم الأسى
 
كأنّي مدمعي كلّ ناثر
ألا ليت شعري بعدما طار نعيه
 
أفي أرض مصر نائم غير ساهر
و هل في سماء النّيل غير دياجر
 
و هل في مياه النيل غير مجامر
و هل في ضفاف النيل بين نخليه
 
مغرّدة أو آنس غير نافر
بم سمر الإخوان في كلّ ليلة
 
و صاحبهم في اللّحد غير مسامر
لبّيكعليه المسلمون فإنّهم
 
أضاعوا به محبّي العصور الدّوائر
و تبك النّصارى فخرها و عميدها
 
فما بعده من حجّة لمفاخر
فما جادت الدنيا عليهم بمثله
 
و غير يسير أن تجود بآخر
أيا جبل العلم الذي ماد هاويا
 
عزيز علينا أن ترى في الحفائر
عليك يودّ الغرب لو كان مشرقا
 
و فيك يحبّ الحيّ أهل المقابر
و يغبط تبر الأرض فيك ترابها
 
و يحسد ماء الجفن ماء المحابر
و ما عادة خفض الرّجال رؤوسها
 
و لكنّما في الأرض كنز الجواهر
لتفخر على الشّهب و الحصى
 
ففيها هلال العلم شمس المحاضر
شأوت الأوالي جامعا و مؤلّفا
 
وزدت بأن أحرزت فضل الأواخر
تخيّر أحداث اللّيالي كبارنا
 
كأنّ المنايا صبّة بالأكابر
و نضحك للآمال ضحكة وامق
 
فيضحك منّا الدّهر ضحكة ساخر
رضينا بأن الغزاة بلادنا
 
و نمنا و ما نامت عيون المعاشر
لها كلّ يوم حكم جائر
 
وإقدام موتور و فتكة ثائر
على أنّها من غير مذنب
 
و تأخذ بالأوتار من غير واتر
فيا ويح هذا الشوق كيف اغتباطه
 
و أمضى مواضيه مليل الأظافر؟
جلل في مصر لكن
 
في العراقين صداه
ماد لبنان و ماد
 
الشّام لمّا سمعاه
كاد أن يخذل فيه
 
كلّ طود منكباه
أيّها الرّاحل عنّا
 
بلّغ الحزن مداه
قد بكاك الأفق حتّى
 
فرقداه و سهاه
يا خليليّ أعينا
 
من عصاه مسعداه
خانت النّفس قواها
 
خانت البين قواه
قد مضى من تتمنّى
 
كلّ عين أن تراه
فتمنّى كلّ قبر
 
حين أودى لو حواه
مات " زيدان "
 
أبو التاريخ فليحي فتاه!