تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة هود

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

محتويات

{ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } * { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } * { وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } * { إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } * { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } * { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } * { وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } * { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } * { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } * { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } * { مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } * { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } * { أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } * { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } * { مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } * { فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } * { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } * { وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ } * { وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } * { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } * { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ } * { وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } * { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } * { وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } * { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } * { حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }[عدل]

ثنى الشيء ثنياً طواه، يقال: ثنى عطفه، وثنى صدره، وطوى كشحه. الحزب: جماعةمن الناس يجتمعون على أمر يتعصبون فيه. رذل الرجل رذالة فهو رذل إذا كان سفلة لا خلاق له، ولا يباليبما يقول ما يفعل. الإخبات: التواضع والتذلل، مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض. وقيل: البراح القفر المستوي، ويقال: أخبتدخل في الخبت، مأنجد دخل نجداً وأنهم دخل تهامة، ثم توسع فيه فقيل: خبت ذكره خمد. ويتعدى أخبت بإلى وباللام،ويقال للشيء الدنيء: الخبيث. قال الشاعر:

ينفع الطيب الخبيث من الرز     ق ولا ينفع الكثير الخبيث

لزم الشيء واظب عليه لا يفارقه، ومنه اللزام. زرى يزري حقر، وأزرى عليه عابه، وازدرى افتعل من زرىأي: احتقر. التنور مستوقد النار، ووزنه فعول عند أبي علي، وهو أعجمي وليس بمشتق. وقال ثعلب: وزنه تفعول من النور،وأصله تنوور فهمزت الواو ثم خففت، وشدّد الحرف الذي قبله كما قال:

رأيت عرابة اللوسي يسمو     إلى الغايات منقطع القرين

يريد عرابة الأوسى. وللمفسرين أقوال في التنور ستأتي إن شاء الله تعالى. {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْءايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أخافعليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو عل}: قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وجابر بن زيد: هذهالسورة مكية كلها، وعن ابن عباس: مكية كلها إلا قوله:

{ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ }

الآية. وقال مقاتل:مكية إلا قوله: فلعلك تارك الآية. وقوله:

{ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }

نزلت في ابن سلام وأصحابه. وقوله:

{ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ }

نزلت في نبهان التمار. وكتاب خبر مبتدأ محذوف يدل عليه ظهوره بعد هذه الحروف المقطعة كقوله: المذلك الكتاب، وأحكمت صفة له. ومعنى الأحكام: نظمه نظماً رضياً لا نقص فيه ولا خلل، كالبناء المحكم. وهو الموثق فيالترصيف، وعلى هذا فالهمزة في أحكمت ليست للنقل، ويجوز أن تكون للنقل من حكم بضم الكاف إذا صار حكيماً، فالمعنى:جعلت حكيمة كقولك: تلك آيات الكتاب الحكيم على أحد التأويلين في قوله:

{ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ }

وقيل: من أحكمت الدابة إذامنعها من الجماح بوضع الحكمة عليها، فالمعنى: منعت من النساء كما قال جرير:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم     إني أخاف عليكم أن أغضبا

وعن قتادة: أحكمت من الباطل. قال ابن قتيبة: أحكمت أتقنت شبه مايحكم من الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة كان القرآن في الأول، ثم فصل بتقطيعه وتبيين أحكامه وأوامره عل محمد صلىالله عليه وسلم فثم على بابها، وهذه طريقة الإحكام والتفصيل. إذ الإحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصلله، والكتاب أجمعه محكم مفصل، والإحكام الذي هو ضد النسخ، والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال، إنما يقالان مع ما ذكرناهباشتراك. وحكى الطبري عن بعض المتأولين: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب. وعن بعضهم: أحكمت من الباطل، وفصلت بالحلال والحرام،ونحو هذا من التخصيص الذي هو صحيح المعنى، ولكن لا يقتضيه اللفظ. وقيل: فصلت معناه فسرت، وقال الزمخشري: ثم فصلتكما تفصل القلائد بالدلائل من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولاً سورة سورة وآية آية، أو فرقت فيالتنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل بها ما يحتاج إليه العباد أي بيّن ولخص. وقرأ عكرمة، والضحاك، والجحدري، وزيدبن علي، وابن كثير في رواية: ثم فصلت بفتحتين، خفيفة على لزوم الفعل للآيات. قال صاحب اللوامح: يعني انفصلت وصدرت.وقال ابن عطية: فصلت بين المحق والمبطل من الناس، أو نزلت إلى الناس كما تقول: فصل فلان بسفره. قالالزمخشري: وقرىء أحكمت آياته ثم فصلت أي: أحكمتها أنا نائم، فصلتها. (فإن قلت): ما معنى؟ ثم (قلت): ليس معناها التراخيفي الوقت ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الأحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل، ثم كريمالفعل انتهى. يعني أنّ ثم جاءت لترتيب الإخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان، واحتمل من لدن أن يكون في موضعالصفة. ومن أجاز تعداد الأخبار إذا لم تكن في معنى خبر واحد أجاز أن يكون خبراً بعد خبر. قال الزمخشري:أن يكون صلة أحكمت وفصلت أي: من عنده أحكامها وتفصيلها. وفيه طباق حسن، لأنّ المعنى أحكمها حكيم وفصلها أي: بينهاوشرحها خبير بكيفيات الأمور انتهى. ولا يريد أن من لدن متعلق بالفعلين معاً من حيث صناعة الإعراب، بل يريد أنذلك من باب الاعمال، فهي متعلقة بهما من حيث المعنى. وأن لا تعبدوا يحتمل أن يكون أن حرف تفسير، لأنّفي تفصيل الآيات معنى القول وهذا أظهر، لأنه لا يحتاج إلى إضمار. وقيل: التقدير لأنْ لا تعبدوا أو بأنْ لاتعبدوا، فيكون مفعولاً من أجله، ووصلت أنْ بالنهي. وقيل: أنْ نصبت لا تعبدوا، فالفعل خبر منفي. وقيل: أنْ هي المخففةمن الثقيلة، وجملة النهي في موضع الخبر، وفي هذه الأقوال العامل فصلت. وأما من أعربه أنه بدل من لفظ آياتأو من موضعها، أو التقدير: من النظر أنْ لا تعبدوا إلا الله، أو في الكتاب ألا تعبدوا، أو هي أنْلا تعبدوا، أو ضمن أنْ لا تعبدوا، أو تفصله أنْ لا تعبدوا، فهو بمعزل عن علم الإعراب. والظاهر عود الضميرفي منه إلى الله أي: إني لكم نذير من جهته وبشير، فيكون في موضع الصفة، فتعلق بمحذوف أي: كائن منجهته. أو تعلق بنذير أي: أنذركم من عذابه إنْ كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم. وقيل: يعود على الكتابة أي: نذيرلكم من مخالفته، وبشير منه لمن آمن وعمل به. وقدم النذير لأن التخويف هو الأهم. وأنْ استغفروا معطوف على أنْلا تعبدوا، نهي أو نفي أي: لا يعبد إلا الله. وأمر بالاستغفار من الذنوب، ثم بالتوبة، وهما معنيان متباينان، لأنّالاستغفار طلب المغفرة وهي الستر، والمعنى: أنه لا يبقى لها تبعة. والتوبة الانسلاخ من المعاصي، والندم على ما سلف منها،والعزم على عدم العود إليها. ومن قال: الاستغفار توبة، جعل قوله: ثم توبوا، بمعنى أخلصوا التوبة واستقيموا عليها. قال ابنعطية: وثم مرتبة، لأن الكافر أول ما ينيب، فإنه في طلب مغفرة ربه، فإذا تاب وتجرد من الكفر تم إيمانه.وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما معنى ثمّ في قوله: ثم توبوا إليه؟ (قلت): معناه استغفروا من الشرك، ثم ارجعواإليه بالطاعة. وقرأ الحسن، وابن هرمز، وزيد بن علي، وابن محيصن: يمتعكم بالتخفيف من أمتع، وانتصب متاعاً على أنه مصدرجاز على غير الفعل، أو على أنه فمعول به. لأنك تقول: متعت زيداً ثوباً، والمتاع الحسن الرضا بالميسور والصبر علىالمقدور، أو حسن العمل وقطع الأمل، أو النعمة الكافية مع الصحة والعافية، أو الحلال الذي لا طلب فيه ولا تعب،أو لزوم القناعة وتوفيق الطاعة أقوال. وقال الزمخشري: يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، وعيشة واسعة، ونعمة متتابعة. قالابن عطية: وقيل هو فوائد الدنيا وزينتها، وهذا ضعيف. لأنّ الكفار يشاركون في ذلك أعظم مشاركة، وربما زادوا على المسلمينفي ذلك. قال: ووصف المتاع بالحسن إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل، وفي ثوابه وفرحه بالتقربإليه بمفروضاته، والسرور بمواعيده، والكافر ليس في شيء من هذا، والأجل المسمى هو أجل الموت قاله: ابن عباس والحسن. وقالابن جبير: يوم القيامة، والضمير في فضله يحتمل أن يعود على الله تعالى أي: يعطي في الآخرة كل من كانله فضل في عمل الخير، وزيادة ما تفضل به تعالى وزاده. ويحتمل أن يعود على كل أي: جزاء ذلك الفضلالذي عمله في الدنيا لا يبخس منه شيء، كما قال:

{ نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا }

أي جزاءها. والدرجات تتفاضل فيالجنة بتفاضل الطاعات، وتقدم أمران بينهما تراخ، ورتب عليهما جوابان بينهما تراخ، ترتب على الاستغفار التمتيع المتاع الحسن في الدنيا،كما قال:

{ فقلت ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً }

الآية وترتب على التوبة إيتاء الفضلفي الآخرة، وناسب كل جواب لما وقع جواباً له، لأنّ الاستغفار من الذنب أول حال الراجع إلى الله، فناسب أنيرتب عليه حال الدنيا. والتوبة هي المنجية من النار، والتي تدخل الجنة، فناسب أن يرتب عليها حال الآخرة. والظاهر أنّتولوا مضارع حذف منه التاء أي: وإنْ تتولوا. وقيل: هو ماض للغائبين، والتقدير قيل لهم: إني أخاف عليكم. وقرأ اليماني،وعيسى بن عمر: وإن تولوا بضم التاء واللام، وفتح الواو، مضارع وليّ، والأولى مضارع تولى. وفي كتاب اللوامح اليماني وعيسىالبصرة: وإن تولوا بثلاث ضمات مرتباً للمفعول به، وهو ضد التبري. وقرأ الأعرج: تولوا بضم التاء واللام. وسكون الواو، مضارعأولى، ووصف يوم بكبير وهو يوم القيامة لما يقع فيه من الأهوال. وقيل: هو يوم بدر وغيره من الأيام التيرموا فيها بالخذلان والقتل والسبي والنهب وأبعد من ذهب إلى أنّ كبير صفة لعذاب، وخفض على الجوار. وباقي الآية تضمنتتهديداً عظيماً وصرحت بالبعث، وذكر أنّ قدرته عامة لجميع ما يشاء، ومن ذلك البعث، فهو لا يعجزه ما شاء منعذابهم. {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِٱلصُّدُورِ }: نزلت في الأخنس بن شريق، كان يجالس رسول الله ﷺ ويحلف أنه ليحبه ويضمر خلافما يظهر قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء. وقيل:في بعض المنافقين، كان إذا مر بالرسول ﷺ ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كي لايرى الرسول قاله: عبد الله بن شدّاد. وقيل: في طائفة قالوا إذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا،على عداوته كيف يعلم بنا؟ ذكره الزجاج. وقيل: فعلوا ذلك ليبعد عليهم صوت الرسول ﷺ، ولا يدخلأسماعهم القرآن ذكره ابن الأنباري. ويثنون مضارع ثنى قراءة الجمهور. وقرأ سعيد بن جبير: يثنون بضم الياء مضارع أثنى صدورهمبالنصب. قال صاحب اللوامح: ولا يعرف الاثناء في هذا الباب إلا أن يراد به وجدتها مثنية مثل أحمدته وأمجدته، ولعلهفتح النون وهذا مما فعل بهم، فيكون نصب صدورهم بنزع الجار، ويجوز على ذلك أن يكون صدورهم رفعاً على البدلبدل البعض من الكل. وقال أبو البقاء: ماضية أثنى، ولا يعرف في اللغة إلا أن يقال معناه: عرضوها للاثناء، كمايقال: أبعت الفرس إذا عرضته للبيع. وقرأ ابن عباس، وعلي بن الحسين، وابناه زيد ومحمد، وابنه جعفر، ومجاهد، وابن يعمر،ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن ابزي، والجحدري، وابن أبي إسحاق، وأبو الأسود الدؤلي، وأبو رزين، والضحاك: تثنوني بالتاء مضارعاثنوني على وزن افعوعل نحو اعشوشب المكان صدورهم بالرفع، بمعنى تنطوي صدورهم. وقرأ أيضاً ابن عباس، ومجاهد، وابن يعمر، وابنأبي إسحاق: يثنوني بالياء صدورهم بالرفع، ذكر على معنى الجمع دون الجماعة. وقرأ ابن عباس أيضاً ليثنون بلام التأكيد فيخبر إنْ،وحذف الياء تخفيفاً وصدورهم رفع. وقرأ ابن عباس أيضاً، وعروة، وابن أبي أبزي، والأعشى: يثنون ووزنه يفعوعل من الثن،بنى منه افعوعل وهو ما هش وضعف من الكلأ، وأصله يثنونن يريد مطاوعة نفوسهم للشيء، كما ينثني الهش من النبات.أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم وصدورهم بالرفع. وقرأ عروة ومجاهد أيضاً: كذلك إلا أنه همز فقرأ يثنئن مثل يطمئن،وصدورهم رفع، وهذه مما استثقل فيه الكسر على الواو كما قيل: أشاح. وقد قيل أن يثنئن يفعئل من الثن. المتقدّم،مثل تحمارّ وتصفارّ، فحركت الألف لالتقائهما بالكسر، فانقلبت همزة. وقرأ الأعشى: يثنؤون مثل يفعلون مهموز اللام، صدورهم بالنصب. قال صاحباللوامح: ولا أعرف وجهه لأنه يقال: ثنيت، ولم أسمع ثنأت. ويجوز أنه قلب الياء ألفاً على لغة من يقول: أعطأتفي أعطيت، ثم همز على لغة من يقول:

{ وَلاَ ٱلضَّالّينَ }

وقرأ ابن عباس: يثنوي بتقديم الثاء على النون، وبغيرنون بعد الواو على وزن ترعوي. قال أبو حاتم: وهذه القراءة غلط لا تتجه انتهى. وإنما قال ذلك لأنه لاحطالواو في هذا الفعل لا يقال: ثنوته فانثوى كما يقال: رعوته أي كففته فارعوى فانكف، ووزنه أفعل. وقرأ نضير بنعاصم، وابن يعمر، وابن أبي إسحاق: يثنون بتقديم النون على الثاء، فهذه عشر قراءات في هذه الكلمة. والضمير في أنهمعائد على بعض من بحضرة الرسول ﷺ من الكفار أي: يطوون صدورهم على عدوانه. قال الزمخشري: يثنونصدورهم يزوّرون عن الحق وينحرفون عنه، لأنّ من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدرهوطوى عنه كشحه ليستخفوا منه، يعني: ويريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم. ونظير إضمار يريدون، لعودالمعنى إلى إضماره الإضمار في قوله تعالى:

{ أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ }

معناه: فضرب فانفلق. ومعنى ألا حين: يستغشونثيابهم ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضاً كراهة لاستماع كلام الله كقول نوح عليه السلام:

{ جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ }

انتهى. فالضمير في منه على قوله عائد على الله، قال ابن عطية: وهذا هو الأفصح الأجزل في المعنىانتهى. ويظهر من بعض أسباب النزول أنه عائد على الرسول ﷺ كما قال ابن عطية. قال: قيل:إنّ هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله ﷺ تطامنوا وثنوا صدورهم كالمتستر،وردّوا إليه ظهورهم، وغشوا وجوههم بثيابهم تباعداً منهم وكراهية للقائه، وهم يظنون أنّ ذلك يخفى عليه أو عن الله تعالىفنزلت الآية انتهى. فعلى هذا يكون ليستخفوا متعلقاً بقوله يثنون، وكذا قال الحوفي. وقيل: هي استعارة للغل، والحقد الذي كانواينطون عليه كما تقول: فلان يطوي كشحه على عداوته، ويثني صدره عليها، فمعنى الآية: ألا أنهم يسرون العداوة ويتكتمون لها،ليخفي في ظنهم عن الله عز وجل، وهو تعالى حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون انتهى. فعلىهذا يكون حين معمولاً لقوله: يعلم، وكذا قاله الحوفي لا للمضمر الذي قدره الزمخشري وهو قوله: ويريدون الاستخفاء حين يستغشونثيابهم. وقال أبو البقاء: ألا حين العامل في الظرف محذوف أي: ألا حين يستغشون ثيابهم يستخفون، ويجوز أن يكون ظرفاًليعلم. وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض ليساره في الطعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أنّ ذلك يخفى على اللهتعالى. قال قتادة: أخفى ما يكون إذا حتى ظهره واستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه همته. وقال مجاهد: يطوونها على الكفر.وقال ابن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشحناء. وقال قتادة: يخفون ليسمعوا كلام الله. وقال ابن زيد: يكتمونها إذاناجى بعضاً في أمر الرسول ﷺ. وقيل: يثنونها حياءً من الله تعالى، ومعنى يستغشون: يجعلونها أغشية. ومنهقول الخنساء:

أرعى النجوم وما كلفت رعيتها     وتارة أتغشى فضل أطماري

وقيل: المراد بالثيابالليل، واستعيرت له لما بينهما من العلاقة بالستر، لأن الليل يستر كما تستر الثياب ومنه قولهم: الليل أخفى للويل، وقرأابن عباس: على حين يستغشون. قال ابن عطية: ومن هذا الاستعمال قول النابغة:

على حين عاتبت المشيب على الصبا     وقلت ألما أصح والشيب وازع

انتهى. وقال ابن عباس: ما يسرون بقلوبهم، وما يعلنون بأفواههم. وقيل: ما يسرون بالليل ومايعلنون بالنهار. وقال ابن الأنباري: معناه أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهرانهم. وقال الزمخشري: يعني أنه لا تفاوت في علمهبين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء والله مطلع على ثنيهم صدورهم، واستغشائهم بثيابهم، ونفاقهم غيرنافق عنده. وقال صاحب التحرير: الذي يقتضيه سياق الآية أنه أراد بما يسرون ما انطوت عليه صدورهم من الشرك والنفاقوالغل والحسد والبغض للنبي ﷺ وأصحابه، لأنّ ذلك كله من أعمال القلوب، وأعمال القلوب خفيه جدًّا، وأرادبما يعلنون ما يظهرونه من استدبارهم النبي ﷺ وتغشيه ثيابهم، وسدّ آذانهم وهذه كلها أعمال ظاهرة لاتخفى. {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلاْرْضِ إِلاَّ عَلَى رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ }: الدابة هناعام في كل حيوان يحتاج إلى رزق، وعلى الله ظاهر في الوجوب، وإنما هو تفضل، ولكنه لما ضمن تعالى أنيتفضل به عليهم أبرزه في حيز الوجوب. قال ابن عباس: مستقرها حيث تأوى إليه من الأرض، ومستودعها الموضع الذي تموتفيه فتدفن. وعنه أيضاً: مستقرها في الرحم، ومستودعها في الصلب. وقال الربيع بن أنس: مستقرها في أيام حياتها، ومستودعها حينتموت وحين تبعث. وقيل: مستقرها في الجنة أو في النار، ومستودعها في القبر، ويدل عليه:

{ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً }

{ وَسَاءتْ مُسْتَقِرّاً }

وقيل: ما يستقر عليه عملها، ومستودعها ما تصير إليه. وقيل: المستقر ما حصل موجوداً من الحيوان، والمستودع ما سيوجدبعد المستقر. وقال الزمخشري: المستقر مكانه من الأرض ومسكنه، والمستودع حيث كان موجوداً قبل الاستقرار من صلب أو رحم أوبيضة انتهى. ومستقر ومستودع يحتمل أن يكونا مصدرين، ويحتمل أن يكونا اسمي مكان، ويحتمل مستودع أن يكون اسم مفعول لتعدّيالفعل منه، ولا يحتمله مستقر للزوم فعله كل أي: كل من الرزق والمستقر والمستودع في اللوح يعني: وذكرها مكتوب فيهمبين. وقيل: الكتاب هنا مجاز، وهو إشارة إلى علم الله، وحمله على الظاهر أولى. {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِوَٱلاْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِلَيَقُولَنَّ ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءُون }: لما ذكر تعالى مايدل على كونه تعالى عالماً، ذكر ما يدل على كونه قادراً، وتقدّم تفسير الجملة الأولى في سورة يونس. والظاهر أنّقوله: وكان عرشه على الماء، تقديره قبل خلق السموات والأرض، وفي هذا دليل على أنّ الماء والعرش كانا مخلوقين قبل.قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضعالعرش على الماء. وروي عن ابن عباس أنه وقد قيل له: على أي شيء كان الماء؟ قال: كان على متنالريح، والظاهر تعليق ليبلوكم بخلق. قال الزمخشري: أي خلقهن لحكمة بالغة، وهي أنْ يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنونالنعم، ويكلهم فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه. ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال:ليبلوكم، يريد ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. (فإن قلت): كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ (قلت): لما فيالاختبار من معنى العلم، لأنه طريق الله، فهو ملابس له كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهاً، واستمع أيهم أحسن صوتاً،لأنّ النظر والاستماع من طرق العلم انتهى. وفي قوله: ومن كفر وعصى عاقبه، دسيسة الاعتزال. وأما قوله: واستمع أيهم أحسنصوتاً، فلا أعلم أحداً ذكر أن استمع تعلق، وإنما ذكروا من غير أفعال القلوب سل وانظر، وفي جواز تعليق رأيالبصرية خلاف. وقيل: ليبلوكم متعلق بفعل محذوف تقديره أعلم بذلك ليبلوكم، ومقصد هذا التأوي أنّ هذه المخلوقات لم تكن بسببالبشر. وقيل: تقدير الفعل، وخلقكم ليبلوكم. وقيل: في الكلام جمل محذوفة، التقدير: وكان خلقه لهما لمنافع يعود عليكم نفعها فيالدنيا دون الأخرى، وفعل ذلك ليبلوكم. ومعنى أيكم أحسن عملاً: أهذا أحسن أم هذا. قال ابن بحر: روي عن النبيﷺ «أيكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله» ولو صح هذا التفسير عنالرسول ﷺ لم يعدل عنه. وقال الحسن: أزهد في الله. وقال مقاتل: أتقى لله. وقال الضحاك: أكثركمشكراً. قال الزمخشري: (فإن قلت): فكيف قيل: أيكم أحسن عملاً وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأماأعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتهما إلى حسن وقبيح؟ (قلت): الذين هم أحسن عملاً هم المتقون، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ماهو غرض الله منن عباده، فخصهم بالذكر، واطرح ذكر من وراءهم تشريفاً لهم وتنبيهاً على مكانهم، وليكون ذلك تيقظاً للسامعينوترغيباً في حيازة فضلهم انتهى. ولئن قلت، خطاب للرسول ﷺ. وقرأ عيسى الثقفي: ولئن قلت بضم التاءإخباراً عنه تعالى، والمعنى: ولئن قلت مستدلاً على البعث من بعد الموت، إذ في قوله تعالى: وهو الذي خلق، دلالةعلى القدرة: العظيمة، فمتى أخبر بوقوع ممكن وقع لا محالة، وقد أخبر بالبعث فوجب قبوله وتيقن وقوعه. وقرىء: أيكم بفتحالهمزة. قال الزمخشري: ووجهه أن يكون من قولهم: ائت السوق إنك تشتري لحماً، بمعنى علك أي: ولئن قلت لهم لعلكممبعوثون بمعنى توقعوا بعثكم وظنوه، لأثبتوا القول بإنكاره لقالوا: ويجوز أن يضمن. قلت معنى ذكرت انتهى يعني: فبفتح الهمزة لأنهافي موضع مفعول ذكرت، والظاهر الإشارة بهذا إلى القول أي: إن قولك إنكم مبعوثون إلا سحر أي بطلان هذا القولكبطلان السحر، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما دلت عليه الجملة من البعث. أي: إن البعث. وقيل: أشاروا بهذا إلىالقرآن، وهو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره. قال ابن عطية: كذبواوقالوا: هذا سحر، فهذا تناقض منهم إن كان مفطوراً بقربات الله فاطر السموات والأرض فهو من جملة المقرب بهذا، وهممع ذلك ينكرون ما هو أيسر منه بكثير وهو البعث من القبور، إذ البداءة أعسر من الإعادة، وإذ خلق السمواتوالأرض أكبر من خلق الناس انتهى. وقرأ الحسن، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وفرقة من السبعة: سحر. وقرأت فرقة: ساحر، يريدونوالساحر كاذب مبطل، ولئن أخرنا حكى تعالى نوعاً آخر من أباطيلهم واستهزائهم، والعذاب هنا عذاب القيامة. وقيل: عذاب يوم بدر.وعن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين، والظاهر العذاب الموعود به، والأمّة هنا المدة من الزمان قاله: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد،والجمهور، ومعناه: إلى حين. ووقت معلوم ما يحبسه استفهام، قالوه وهو على سبيل التكذيب والاستهزاء. قال الطبري: سميت المدة أمة،لأنها يقضي فيها أمة من الناس وتحدث أخرى، فهي على هذا المدة الطويلة، ثم استفتح الأخبار بأنه يوم لا يردّهشيء ولا يصرفه. والظاهر أنّ يوم منصوب بقوله: مصروفاً، فهو معمول لخبر ليس. وقد استدل به على جواز تقديم خبرليس عليها قالوا: لأن تقدم المعمول يؤذن بتقدم العامل، ونسب هذا المذهب لسيبويه، وعليه أكثر البصريين. وذهب الكوفيون والمبرد: إلىأنه لا يجوز ذلك، وقالوا: لا يدل جواز تقدم المعمول على جواز تقدم العامل. وأيضاً فإنّ الظرف المجرور يتسع فيهماما لا يتسع في غيرهما، ويقعان حيث لا يقع العامل فيهما نحو: إن اليوم زيداً مسافر، وقد تتبعت جملة مندواوين العرب فلم أظفر بتقدم خبر ليس عليها، ولا بمعموله، إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية، وقول الشاعر:

فيأبى فما يزداد إلا لجاجه     وكنت أبياً في الخفا لست أقدم

وتقدم تفسير جملة وحاق بهم.{وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَٱلسَّيّئَاتُ عَنّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }: لما ذكر تعالىعذاب الكفار وإنْ تأخر لا بد أن يحيق بهم، ذكر ما يدل على كفرهم وكونهم مستحقين العذاب لما جبلوا عليهمن كفر نعماء الله، وما يترتب على إحسانه تعالى إليهم مما لا يليق بهم من فخرهم على عباد الله. والظاهرأنّ الإنسان هنا هو جنس، والمعنى إن هذا الخلق في سجايا الناس، ثم استثنى منهم الذين ردّتهم الشرائع والإيمان إلىالصبر والعمل الصالح، ولذلك جاء الاستثناء منه في قوله: إلا الذين صبروا متصلاً. وقيل: المراد هنا بالإنسان الكافر. وقيل: المرادبه إنسان معين، فقال ابن عباس: هو الوليد بن المغيرة، وفيه نزلت. وقيل: عبد الله بن أمية المخزومي، وذكره الواحدي،وعلى هذين القولين يكون استثناء منقطعاً ومعنى رحمة: نعمة من صحة، وأمن وجدة، ثم نزعناها أي سلبناها منه. ويؤوس كفور،صفتا مبالغة والمعنى: إنه شديد اليأس كثيرة، ييأس أنْ يعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، ويقطع رجاءه من فضل اللهمن غير صبر ولا تسليم لقضائه. كفور كثير الكفر، إن لما سلف لله عليه من نعمة ذكر حالة الإنسان إذبدىء بالنعمة ولم يسبقه الضر، ثم ذكر حاله إذا جاءته النعمة بعد الضر. ومعنى ذهب السيئات أي: المصائب التي تسوءني.وقوله هذا يقتضي نظراً وجهلاً، لأن ذلك بإنعام من الله، وهو يعتقد أنّ ذلك اتفاق أو يسعد، وهو اعتقاد فاسد.إنه لفرح أشر بطر، وهذا الفرح مطلق، فلذلك ذم المتصف به، ولم يأت في القرآن للمدح إلا مقيداً بما فيهخير كقوله:

{ فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }

وقرأ الجمهور: لفرح بكسر الراء، وهي قياس اسم الفاعل من فعلاللازم. وقرأت فرقة: لفرح بضم الراء، وهي كما تقول: ندس، ونطس. وفخره هو تعاظمه على الناس بما أصابه من النعماء،واستثنى تعالى الصابرين يعني على الضراء وعاملي الصالحات. ومنها الشكر على النعماء. أولئك لهم مغفرة لذنوبهم يقتضي زوال العقاب والخلاصمنه، وأجر كبير هو الجنة، فيقتضي الفوز بالثواب. ووصف الأجر بقوله: كبير، لما احتوى عليه من النعيم السرمدي ورفع التكاليف،وإلا من العذاب، ورضا الله عنهم، والنظر إلى وجهه الكريم. {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحِى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَأَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شيء وكيل}: قال الزمخشري:كانوا يقترحون عليه آيات تعنتاً لا استرشاد، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم.ومن اقتراحاتهم: لولا أنزل عليه كنز، أو جاء معه ملك، وكانوا لا يعتدون بالقرآن، ويتهاونون به وبغيره مما جاء بهمن البينات، فكان يضيق صدر رسول الله ﷺ أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فحركالله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك أي: لعلك تتركأن تلقيه إليهم، وتبلغه إياهم مخافة ردهم وتهاونهم به، وضائق به صدرك بأنْ تتلو عليهم أن يقولوا مخافة أن يقولوا:لولا أنزل عليه كنز، هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة، ولم ينزل عليه ما لا نريده ولانقترحه. ثم قال: إنما أنت نذير أي: ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك، وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولاعليك ردّوا أو تهاونوا أو اقترحوا، والله على كل شيء وكيل يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما يجب أنيفعل، فتوكل عليه، وكل أمرك إليه. وقال ابن عطية: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا: يا محمدلو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك، وقالوا: إئت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطبالله تعالى نبيه ﷺ على هذه الصورة من المخاطبة، وقفه بها توقيفاً رادّاً على أقوالهم، ومبطلاً لها.وليس المعنى أنه عليه السلام هم بشيء من ذلك ثم خرج عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحيإليه، ولا ضاق صدره به، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان. ولعلك ههنا بمعنى التوقيف والتقرير، ومايوحي إليه هو القرآن والدعاء إلى الله كان في ذلك سب آلهتهم، وتسفيه آبائهم أو غيره. ويحتمل أن يكون النبيﷺ قد عظم عليه ما يلقى من الشدة، فمال إلى أن يكون من الله إذن في مساهلةالكفار بعض المساهلة، ونحو هذا من الاعتقادات التي تليق به ﷺ كما جاءت آيات الموادعة. وعبر بضائقدون ضيق للمناسبة في اللفظ مع تارك، وإن كان ضيق أكثر استعمالاً، لأنه وصف لازم، وضائق وصف عارض. وقال الزمخشري:(فإن قلت): لم عدل عن ضيق إلى ضائق؟ (قلت): ليدل على أن ضيق عار غير ثابت، لأن رسول الله صلىالله عليه وسلم كان أفسح الناس صداً. ومثله قولك: سيد وجواد، تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين، فإذا أردت الحدوث قلت:سائد وجائد انتهى. وليس هذا الحكم مختصاً بهذه الألفاظ، بل كل ما يبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير وزنفاعل رد إليه إذا أريد معنى الحدوث، فنقول: حاسن من حسن، وثاقل من ثقل، وفارح من فرح، وسامن من سمن،وقال بعض اللصوص يصف السجن ومن سجن فيه:

بمنزلة أما اللئيم فسامن بها     وكرام الناس باد شحوبها

والظاهر عود الضمير في به على بعض. وقيل: على ما، وقيل: عل التبليغ، وقيل: على التكذيب، قيل ولعل هناللاستفهام بمعنى هل، والمعنى: هل أنت تارك ما فيه تسفيه أحلامهم وسب آلهتهم كما سألوك؟ وقدروا كراهته أن يقولوا، ولئلايقولوا، وبأن يقولوا، ثلاثة أقوال. والكنز المال الكثير. وقالوا: أنزل، ولم يقولوا أعطى، لأن مرادهم التعجيز، وأنهم التمسوا أن ينزلعليه من السماء كنز على خلاف العادة، فإنّ الكنوز إنما تكون في الأرض. وطلبهم آية تضطر إلى الإيمان، والله عزوجل لم يبعث الأنبياء بآيات اضطرار، إنما بعثهم بآيات النظر والاستدلال، ولم يجعل آية الاضطرار إلا للأمة التي أراد تعذيبهالكفرها بعد آية الاستدلال، كالناقة لثمود، وآنسه تعالى بقوله؛ إنما أنت نذير، أي: الذي فوض إليك هو النذارة لا تحصيلهدايتهم، فإن ذلك إنما هو لله تعالى. وقال مقاتل: وقيل: كافل بالمصالح قادر عليها. وقال ابن عطية: المحصي لإيمان منشاء، وكفر من شاء. قيل: وهذه الآية منسوخة، وقيل: محكمة. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍوَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ فَإِلَّمْ }: الظاهر أنّ أم منقطعة تتقدر ببل، والهمزة أي: أيقولونافتراه. وقال ابن القشيري: أم استفهام توسط الكلام على معنى: أيكتفون بما أوحيت إليك من القرآن، أم يقولون إنه ليسمن عند الله، فإن قالوا: إنه ليس من عند الله فليأتوا بمثله انتهى. فجعل أم متصلة، والظاهر الانقطاع كما قلنا،والضمير في افتراه عائد على قوله: ما يوحى إليك، وهو القرآن. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنها لا تتعلقأطماعهم بأن يترك بعض ما يوحى إليه إلا لدعواهم، أنه ليس من عند الله، وأنه هو الذي افتراه، وإنما تحداهمأولاً بعشر سور مفتريات قبل تحديهم بسورة، إذ كانت هذه السورة مكية، والبقرة مدنية، وسورة يونس أيضاً مكية، ومقتضى التحديبعشر أن يكون قبل طلب المعارضة بسورة، فلما نسبوه إلى الافتراء طلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات إرخاءلعنانهم، وكأنه يقول: هبوا إني اختلقته ولم يوح إليّ فأتوا أنتم بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فأنتم عرب فصحاءمثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام، وإنما عين بقوله: مثله، في حسن النظم والبيان وإن كانمفتري وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأنْ يفعل أمثالاً مما فعل هو، ثم إذا تبين عجزه قالله: افعل مثلاً واحداً ومثل يوصف به المفرد والمثنى والمجموع كما قال تعالى:

{ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا }

وتجوز المطابقة فيالتثنية والجمع كقوله:

{ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم }

{ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ }

وإذا أفرد وهو تابع لمثنىأو مجموع فهو بتقدير المثنى، والمجموع أي: مثلين وأمثال. والمعنى هنا بعشر سور أمثاله ذهاباً إلى مماثلة كل سورة منهاله. وقال ابن عطية: وقع التحدي في هذه الآية بعشر لأنه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر لتقوم الحجة غايةالقيام، إذ قد عجزهم في غير هذه الآية بسورة مثله دون تقييد، فهي مماثلة تامة في غيوب القرآن ونظمه ووعدهووعيده، وعجزوا في هذه الآية بأن قيل لهم: عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في التقدير، والغرض واحد، واجعلوه مفتري لايبقى لكم إلا نظمه، فهذه غاية التوسعة. وليس المعنى عارضوا عشر سور بعشر، لأكن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورةبسورة مفتراة، ولا يبالي عن تقديم نزول هذه على هذه، ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هوبسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة. وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهمافتراه وكلفوا نحو ما قالوا: ولا يطرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدمة في النزول على تلك،ولا يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة، وآية سورة يونس في تكليف سورة مرتبة على قولهم افتراه، وكذلك آيةالبقرة إنما رمتهم بأن القرآن مفتري. وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة، ووقوفها علىالنظم مرة انتهى. والظاهر أن قوله: مثله، لا يراد به الثلية في كون المعارض عشر سور، بل مثله يدل علىمماثلة في مقدار ما من القرآن. وروي عن ابن عباس: أنّ السور التي وقع بها طلب المعارضة لها هي معينةالبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود. فقوله: مثله، أي مثل هذه عشر السور، وهذه السورأكثرها مدني، فكيف تصح الحوالة بمكة على ما لم ينزل بعد؟ ولعل هذا لا يصح عن ابن عباس. والضمير فيفإن لم يستجيبوا لكم، عائد على ن طلب مهم المعارضة، ولكم الضمير جمع يشمل الرسول والمؤمنين. وجوز أن يكون خطاباًللرسول ﷺ على سبيل التعظيم، كما جاء

{ فإن لم يستجيبوا لك }

قاله: مجاهد. وقيل: ضمير يستجيبوا عائدعلى المدعوين، ولكم خطاب للمأمورين بدعاء من استطاعوا قاله الضحاك أي فإنْ لم يستجب من تدعونه إلى المعارضة فأذعنوا حينئذ،واعلموا أنه من عند الله وأنه أنزل ملتبساً بما لا يعلمه لا الله من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لاسبيل لهم إليه. واعلموا عند ذلك أنه لا إله إلا هو، وأن توحيده واجب، فهل أنتم مسلمون؟ أي تابعون للإسلامبعد ظهور هذه الحجة القاطعة؟ وعلى أن الخطاب للمؤمنين معنى فاعلموا أي: دوموا على العلم وازدادوا يقيناً وثبات قدم أنهمن عند الله. ومعنى فهل أنتم مسلمون: أي مخلصو الإسلام، وقال مقاتل: بعلم الله، بإذن الله. وقال الكلبي: بأمره. وقالالقتبي: من عند الله، والذي يظهر أن الضمير في فإن لم يستجيبوا عائد على من استطعتم، وفي لكم عائد علىالكفار، لعود الضمير على أقرب مذكور، ولكون الخطاب يكون لواحد. ولترتب الجواب على الشرط ترتباً حقيقياً من الأمر بالعلم، ولايتحرر بأنه أراد به فدوموا على العلم، ودوموا على العلم بأنه لا إله إلا هو، ولأن يكون قوله: فهل أنتممسلمون تحريضاً على تحصيل الإسلام، لا أنه يراد به الإخلاص. ولما طولبوا بالمعارضة وأمروا بأن يدعوا من يساعدهم على تمكنالمعارضة، ولا استجاب أصنامهم ولا آلهتهم لهم، أمروا بأن يعلموا أنه من عند الله وليس مفتري فتمكن معارضته، وأنه تعالىهو المختص بالألوهية لا يشركه في شيء منها آلهتهم وأصنامهم، فلا يمكن أن يجيبوا لظهور عجزهم، وأنها لا تنفع ولاتضر في شيء من المطالب. وقرأ زيد بن علي: إنما نزل بفتح النون والزاي وتشديدها، واحتمل أن تكون ما مصدريةأي: أنّ التنزيل، واحتمل أن تكون بمعنى الذي أي: إن الذي نزله، وحذف الضمير المنصوب لوجود جواز الحذف. {مَنكَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِإِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }: مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه تعالى لما ذكرشيئاً من أحوال الكفار المناقضين في القرآن، ذكر شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة. وظاهر من العمومفي كل من يريد زينة الحياة الدنيا، والجزاء مقرون بمشيئته تعالى كما بين ذلك في قوله تعالى:

{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء }

الآية. وقال مجاهد: في في الكفرة، وفي أهل الرياء من المؤمنين. وإلى هذاذهب معونة حين حدث بقول رسول الله ﷺ في المرائين، فتلا هذه الآية. وقال أنس: هي فياليهود والنصارى. قال ابن عطية: ومعنى هذا أنهم يدخلون في هذه الآية لا أنها ليست لغيرهم. وقيل: في المنافقين الذينجاهدوا مع الرسول فأسهم لهم، ومعنى يريد الحياة الدنيا أي يقصد بأعماله التي يظهر أنها صالحة الدنيا فقط، ولا يعتقدآخره. فإنّ الله يجازيه على حسن أعماله كما جاء، وأما الكافر فيطعمه في الدنيا بحسناته. وإن اندرج في العموم المراؤونمن أهل القبلة كما ترى أحدهم إذا صلى إماماً يتنغم بألفاظ القرآن، ويرتله أحسن ترتيل، ويطيل ركوعه وسجوده، ويتباكى فيقراءته، وإذا صل وحده اختلسها اختلاساً، وإذا تصق أظهر صدقته أمام من يثني عليه، ودفعها لمن لا يستحقها حتى يثنيعليه الناس، وأهل الرباط المتصدق عليهم. وأين هذا من رجل يتصدق خفية وعلى من لا يعرفه، كما جاء في: السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه وهذه مبالغة في إخفاء الصدقة جداً، وإذا تعلم علماً راءى به وتبجح، وطلب بمعظمه يسير حطام من عرض الدنيا.وقد فشا الرياء في هذه الآية فشواً كثيراً حتى لا تكاد ترى مخلصاً لله لا في قول، ولا في فعل،فهؤلاء من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. وقرأ الجمهور:نوفّ بنون العظمة، وطلحة بن ميمون: يوف بالياء على الغيبة.وقرأ زيد بن علي: يوف بالياء مخففاً مضارع أوفى. وقرىء توف بالتاء مبنياً للمفعول، وأعمالهم بالرفع، وهو على هذه القراءاتمجزوم جواب الشرط، كما انجزم في قوله:

{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلاْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ }

وحكي عن الفراءأنّ كان زائدة، ولهذا جزم الجواب. ولعله لا يصح، إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط يريد، وكان يكون مجزوماً،وهذا التركيب من مجيء فعل الشرط ماضياً والجواب مضارعاً ليس مخصوصاً بكان، بل هو جائز في غيرها. كما روي فيبيت زهير:

ومن أهاب أسباب المنايا ينلنه     ولو رام أن يرقى السماء بسلم

وقرأالحسن: توفي بالتخفيف وإثبات الياء، فاحتمل أن يكون مجزوماً بحذف الحركة المقدرة على لغة من قال: ألم يأتيك وهي لغةلبعض العرب، واحتمل أن يكون مرفوعاً كما ارتفع في قول الشاعر:

وإن شل ريعان الجميع مخافة     يقول جهاراً ويلكم لا تنفروا

والحصر في كينونة النار لهم ظاهر في أنّ الآية في الكفار، فإنْ اندرجأهل الرياء فيها فيكون المعنى في حقهم: ليس يجب لهم أو لا يحق لهم إلا النار كقوله:

{ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ }

وجائز أن يتغمدهم الله برحمته وهو ظاهر قول ابن عباس وابن جبير. والضمير في قوله: ما صنعوا فيها، الظاهر أنهعائد على الآخرة، والمحرور متعلق بحبط، والمعنى: وظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة. ويجوز أن تتعلق بقوله: صنعوا، فيكون عائداًعلى الحياة الدنيا، كما عاد عليها في فيها قبل. وما في ماصنعوا بمعنى الذي. أو مصدرية، وباطل وما بعده توكيداًلقوله: وحبط ما صنعوا، وباطل خبر مقدم إن كان من عطف الجمل، وما كانوا هو المبتدأ، وإن كان خبراً بعدخبرٍ ارتفع ما بباطل على الفاعلية. وقرأ زيد بن علي: وبطل جعله فعلاً ماضياً. وقرأ أبي، وابن مسعود: وباطلاً بالنصب،وخرجه صاحب اللوامح على أنه مفعول ليعملون، فهو معمول خبر كان متقدماً. وما زائدة أي: وكانوا يعملون باطلاً، وفي جوازهذا التركيب خلاف بين النحويين. وهو أن يتقدم معمول الخبر على الجملة بأسرها من كان اسمها وخبرها، ويشهد للجواب قولهتعالى:

{ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ }

ومن منع تأول. وأجاز الزمخشري أن ينتصب باطلاً على معنى المصدر على بطل بطلاناما كانوا يعملون، فتكون ما فاعلة، وتكون من إعمال المصدر الذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر، وحقأن يبطل أعمالهم لأنها لم تعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِوَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن }: لمّا ذكر حال من يريد الحياةالدنيا ذكر حال من يريد وجه الله تعالى بأعماله الصالحة، وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة والتقدير: كمن يريد الحياةالدنيا. وكثيراً ما حذف في القرآن كقوله:

{ أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً }

وقوله:

{ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء ٱلَّيْلِ }

وهذا استفهام معناه اتقرير. قال الزمخشري: أي، لا تعقبونهم في المنزلة ولا تفارقونهم، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتاًبعيداً وتبايناً بيناً، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة من ربه أي:على برهان من الله تعالى وبيان أن دين الإسلام حق وهو دليل العقل، ويتلوه ويتبع ذلك البرهان شاهد منه أي:شاهد يشهد بصحته وهو القرآن منه من الله، أو شاهد من القرآن ومن قبله. ومن قبل القرآن كتاب موسى وهوالتوراة أي: ويتلو ذلك أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى. وقرىء كتاب موسى بالنصب، ومعناه كان على بينة من ربهوهو الدليل على أنّ القرآن حق، ويتلوه ويقرأ القرآن شاهد منه، شاهد ممن كان على بينة كقوله:

{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ }

{ قل كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ }

{وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} ويتلوه ومن قبل التوراة إماماً كتاباً مؤتماً في الدين قدوة فيه انتهى. وقيل في أفمن كان: المؤمنون بالرسول، وقيل:محمد ﷺ خاصة. وقال علي بن أبي طالب، وابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك: محمد والمؤمنون جميعاً، والبينةالقرآن أو الرسول، والهاء للمبالغة والشاهد. قال ابن عباس، والنخعي، ومجاهد، والضحاك، وأبو صالح، وعكرمة: هو جبريل. وقال الحسن بنعلي: هو الرسول. وقال أيضاً مجاهد: هو ملك وكله الله بحفظ القرآن. قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بهذه الألفاظجبريل، وقيل: هو علي بن أبي طالب. وروى المنهال عن عبادة بن عبد الله، قال علي كرم الله وجهه:ما فيقريش أحد إلا وقد نزلت فيه آية قيل: فما نزل فيك؟ قال: ويتلوه شاهد منه، وبه قال محمد بن عليوزيد بن علي. وقيل: هو الإنجيل قاله: الفراء. وقيل: هو القرآن، وقيل: هو إعجاز القرآن قاله الحسين بن الفضل، وقيل:صورة الرسول ﷺ ووجهه ومخايله، لأنّ كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليهوسلم. وقيل: هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، والضمير في منه يعود إلى الدين أو إلى الرسول، أو إلىالقرآن. ويتلوه بمعنى يتعه، أو يقرؤه، والضمير المرفوع في يتلوه والمنصوب والمجرور في منه يترتب على ما يناسبه كل قوممن هذه. وقرأ محمد بن السائب الكلبي وغيره: كتاب موسى بالنصب عطفاً على مفعول يتلوه، أو بإضمار فعل. وإذالم يعن بالشاهد الإنجيل فإنما خص التوراة بالذكر، لأنّ الملتين مجتمعتان على أنها من عند الله، والإنجيل يخالف فيه اليهود،فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى. وهذا يجري مع قول الجن:

{ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ }

ومع قول النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. وانتصب إماماً على الحال، والذييظهر في تفسير هذه الآية أنه تعالى لما ذكر الكفار وأنهم ليس لهم إلا النار، أعقب بضدهم وهم المؤمنون، وهمالذين على بينة من ربهم، والشاهد القرآن، ومنه عائد على ربه. ويدل على أنّ الشاهد القرآن ذكر قوله: ومن قبله،أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى، فمعناه: أنه تظافر على هدايته شيئان: كونه على أمر واضح من برهان العقل، وكونهيوافق ذلك البرهان هذين الكتابين الإلهيين القرآن والتوراة، فاجتمع له العقل والنقل. والإشارة بأولئك إلى من كان على بينة راعيمعنى مع، فجمع والضمير في به يعود إلى التوراة، أو إلى القرآن، أو إلى الرسول، ثلاثة أقوال. والأحزاب جميع المللقاله: ابن جبير، أو اليهود، والنصارى، قاله قتادة. أو قريش قاله: السدي، أو بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد اللهالمخزومي، وآل أبي طلحة بن عبيد الله، قاله مقاتل. وقال الزمخشري: يعني أهل مكة ومن ضامّهم من المتحزبين على رسولالله ﷺ انتهى. فالنار موعده أي: مكان وعده الذي يصيرون إليه. وقال حسان:

أوردتمونا حياض الموت ضاحية     فالنار موعدها والموت لاقيها

والضمير في منه عائد على القرآن، وقيل: على الخبر، بأنالكفار موعدهم النار. وقرأ الجمهور: في مرية بكسر الميم، وهي لغة الحجاز. وقرأ السلمي، وأبو رجاء، وأبو الخطاب السدوسي، والحسن:بضمها وهي لغة أسد وتميم والناس أهل مكة قاله: ابن عباس، أو جميع الكفار من شاك وجاهل ومعاند قاله: صاحبالعيتان. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ وَيَقُولُ ٱلاْشْهَادُ هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْأَلاَ }: لما سبق قولهم: أم يقولون افتراه، ذكر أنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، وهم المفترونالذين نسبوا إلى الله الولد، واتخذوا معه آلهة، وحرموا وحللوا من غير شرع الله، وعرضهم على الله بمعنى التشهير لخزيهموالإشارة بكذبهم، وإلا فالطائع والعاصي يعرضون على الله

{ وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا }

والاشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، أو جمعشهيد كشريف وأشراف، والأشهاد الملائكة الذين يحفظون عليهم أعمالهم في الدنيا، أو الأنبياء، أو هما المؤمنون، أو ما يشهد عليهممن أعضائهم أقوال. وفي قوله: هؤلاء إشارة إلى تحقيرهم وإصغارهم بسوء مرتكبهم. وفي قوله: على ربهم أي: على من يحسنإليهم ويملك نواصيهم، وكانوا جديرين أن لا يكذبوا عليه، وهذا كما تقول إذا رأيت مجرماً: هذا الذي فعل كذا وكذا.وتقدم تفسير الجملة بعد هذا. وهم تأكيد لقوله: وهم، وقوله: معجزين، أي كانوا لا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهملو أراد عقابهم، وما كان لهم من ينصرهم ويمنعهم من العقاب، ولكنه أراد انظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم. قالالزمخشري: وهو كلام الاشهاد يعني: أن كلامهم من قولهم هؤلاء إلى آخر هذه الجملة التي هي وما كان لهم مندون الله من أولياء. وقد يظهر أن قوله تعالى: ألا لعنة الله على الظالمين من كلام الله تعالى لا علىسبيل الحكاية، ويدل لقول الزمخشري قوله:

{ فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ }

الآية فكما أنه من كلامالمخلوقين في تلك الآية، فكذلك هنا يضاعف لهم العذاب يشدد ويكثر، وهذا استئناف إخبار عن حالهم في الآخرة، لأنهم جمعواإلى الكفر بالبعث الكذب على الله، وصدّ عباده عن سبيل الله، وبغي العوج لها، وهي الطريقة المستقيمة. ما كانوا يستطيعونالسمع أخبار عن حالهم في الدنيا على سبيل المبالغة يعني: السمع للقرآن، ولما جاء به الرسول ﷺ.وما كانوا يبصرون أي: ينظرون إليه لبغضهم فيه. ألا ترى إلى حشو الطفيل بن عمرو أذنيه من الكرسف، وإباية قريشأن يسمعوا ما نقل إليهم من كلام الرسول حتى تردّهم عن ذلك مشيختهم؟ أو أخبار عن حالهم إذا ضعف لهمالعذاب أي: أنه تعالى حتم عليهم بذلك، فهم لا يسمعون لذلك سماعاً ينتفعون به، ولا يبصرون لذلك. وقيل: الضمير فيكانوا عائد على أولياؤهم آلهتهم أي: فما كان لهم في الحقيقة من أولياء وإن كانوا يعتقدون أنهم أولياء. ويعني أنهمن لا يستطيع أن يسمع ولا يبصر فكيف يصلح للولاية؟ ويكون يضاعف لهم العذاب اعتراضاً، وما على هذه الأقوال نفي.وقيل: ما مصدرية أي: يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع وأبصارهم، والمعنى: أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد. وأجاز الفراءأن تكون ما مصدرية، وحذف حرف الجر منها كما يحذف مع إنْ وأن أختيها، وهذا فيه بعد في اللفظ وفيالمعنى. وقال الزمخشري: أراد أنهم لفرط تصامّهم عن اتباع الحق وكراهتهم له كأنهم لا يستطيعون السمع، ولعل بعض المجبرة يتوثبإذا عثر عليه فيوعوع به على أهل العدل، كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان هذا الكلام لا أستطيعأسمعه، وهذا مما يمجه سمعي انتهى. يعني: أنه يمكن أن يستدل به على أنّ العبد لا قدرة له، لأن اللهتعالى قد نفى عنه استطاعة السمع، وإذا انتفت الاستطاعة منه انتفت قدرته. والزمخشري على عادته في السفه على أهل السنةوخسرانهم أنفسهم، كونهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى، فخسروا في تجارتهم خسراناً لا خسران أعظم منه. وهو على حذفمضاف أي: راحة أو سعادة أنفسهم، وإلا فأنفسهم باقية معذبة. وبطل عنهم ما افتروه من عبادة الآلهة، وكونهم يعتقدون شفاعتهاإذا رأوا أنها لا تشفع ولا تنفع. لا جرم مذهب الخليل وسيبويه أنهما ركبا من لا وجرم، وبنيا، والمعنى: حق،وما بعده رفع به على الفاعلية. وقال الحوفي: جرم منفي بلا بمعنى حق، وهو مبني مع لا في موضع رفعبالابتداء، وأنهم في موضع رفع على خبر جرم. وقال قوم: إنّ جرم مبنية مع لا على الفتح نحو قولك: لارجل، ومعناها لا بد ولا محالة. وقال الكسائي: معناها لا ضد ولا منع، فتكون اسم لا وهي مبنية على الفتحكالقول الذي قبله، وتكون جرم هنا من معنى القطع، نقول: جرمت أي قطعت. وقال الزجاج: لا تركيب بينهما ولا ردّعليهم. ولما تقدّم من كل ما قبلها مما قالوا: إن الأصنام تنفعهم. وجرم فعل ماض معناه كسب، والفاعل مضمر أيكسب، هو أي: فعلهم، وأن وما بعدها في موضع نصب على المفعول به، وجرم القوم كاسبهم. وقال الشاعر:

نصبنا رأسه في جذع نخل     بما جرمت يداه وما اعتدينا

وقال آخر:

جريمة ناهض في رأس نيق     ترى لعظام ما جمعت صليبا

ويقال: لا جرم بالكسر، ولا جر يحذف الميم.قال النحاس: وزعم الكسائي أنّ فيها أربع لغات: لا جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أن ذا جرم، قال: وناسمن فزارة يقولون: لا جرم. وحكى الفراء فيه لغتين أخريين، قال: بنو عامر يقولون: لا ذا جرم، وناس من العربيقولون: لا جرم بضم الجمي. وقال الجبائي في نوادره: حكى عن فزارة لا جرّ والله لا أفعل ذاك، قال: ويقاللا ذا جرم، ولا ذو جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أن ذا جرم، ولا أن جرم، ولا عن جرم،ولا ذا جر، والله بغير ميم لا أفعل ذاك. وحكى بعضهم بغير لا جرم: أنك أنك فعلت ذاك، وعن أبيعمرو: لأجرم أنّ لهم النار على وزن لا كرم، ولا جر حذفوه لكثرة الاستعمال كما قالوا: سو ترى يريدون سوفترى. ولما كان خسران النفس أعظم الخسران، حكم عليهم بأنهم هم الزائدون في الخسران على كل خاسر من سواهم منالعصاة مآله إلى الراحة، وإلى انقطاع خسرانه بخلاف هؤلاء، فإنّ خسرانهم لا انقطاع له. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِوَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلاْعْمَىٰ وَٱلاْصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَتَذَكَّرُونَ }: لما ذكر ما يؤول إليه الكفار من النار، ذكر ما يؤول إليه المؤمنون من الجنة، والفريقان هنا الكافروالمؤمن. ولما كان تقدم ذكر الكفار وأعقب بذكر المؤمنين، جاء التمثيلم هنا مبتدأ بالكافر فقال: كالأعمى والأصم. ويمكن أن يكونمن باب تشبيه اثنين باثنين، فقوبل الأعمى بالبصير وهو طباق، وقوبل الأصم بالسميع وهو طباق أيضاً، والعمى والصمم آفتان تمنعانمن البصر والسمع، وليستا بضدّين، لأنه لا تعاقب بينهما. ويحتمل أن يكون من تشبيه واحد بوصفيه بواحد بوصفيه، فيكون منعطف الصفات كما قال الشاعر:

إلى الملك القرن وابن الهمام     وليث الكريهة في المزدحم

ولم يجيءالتركيب كالأعمى والبصير والأصم والسميع فيكون مقابلة في لفظ الأعمى وضده، وفي لفظة الأصم وضده، لأنه تعالى لما ذكرانسداد العينأتبعه بانسداد السمع، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع، وذلك هو الأسلوب في المقابلة، والأتم في الإعجاز. ويأتي إنشاء الله تعالى نظير هذه المقابلة في قوله في طه:

{ إِنَّ لَكَ أَن لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ }

واحتمل أنْ تكون الكاف نفسها هي خبر المبتدأ، فيكون معناها معنى المثل، فكأنه قيل:مثل الفريقين مثل الأعمى. واحتمل أن يراد بالمثل الصفة، وبالكاف مثل، فيكون على حذف مضاف أي: كمثل الأعمى، وهذا التشبيهتشبيه معقول بمحسوس، فأعمى البصيرة أصمها، شبه بأعمى البصر أصم السمع، ذلك في ظلمات الضلالات متردد تائه، وهذا في الطرقاتمحير لا يهتدي إليها. وجاء أفلا تذكرون لينبه على أنه يمكن زوال هذا العمى وهذا الصمم المعقول، فيجب على العاقلأن يتذكر ما هو فيه، ويسعى في هداية نفسه. وانتصب مثلاً على التمييز، قال ابن عطية: ويجوز أن يكون حالاًانتهى. وفيه بعد، والظاهر التمييز وأنه منقول من الفاعل أصله: هل يستوي مثلاهما. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّىلَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ ٱلْمَلا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْمِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَادَ لَنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىوَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ }: هذه السورة في قصصها شبيهة بسورة الأعراف بدىء فيها بنوح،ثم يهود، ثم بصالح، ثم بلوط، مقدّماً عليه ابراهيم بسبب قوم لوط، ثم بشعيب، ثم بموسى وهارون، صلى الله علىنبينا وعليهم أجمعين. وذكروا وجوه حكم وفوائد لتكرار هذه القصص في القرآن. وقرأ النحويان وابن كثير: أني بفتح الهمزةأي: بأبي، وباقي السبعة بكسرها على إضمار القول. وقال أبو علي في قراءة الفتح: خروج من الغيبة إلى المخاطبة، قالابن عطية: وفي هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبة لقومه وليس هذا حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة، ولو كانالكلام أنْ أنذرهم أو نحوه لصح ذلك انتهى. وأنْ لا تعبدوا إلا الله ظاهر في أنهم كانوا يعبدون الأوثان كماجاء مصرّحاً في غير هذه السورة، وأن بدل من أي لكم في قراءة من فتح، ويحتمل أن تكون أنْ المفسرة.وأما في قراءة من كسر فيحتمل أن تكون المفسرة، والمراعى قبلها: أما أرسلنا وإما نذير مبين، ويحتمل أن تكون معمولةلأرسلنا أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، وإسناد الألم إلى اليوم مجاز لوقوع الألم فينه لا به. قال الزمخشري:(فإن قلت): فإذا وصف به العذاب؟ (قلت): مجازى مثله، لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيرهما قولك: نهاره صائم انتهى.وهذا على أن يكون أليم صفة مبالغة من آلم، وهو من كثر ألمه. فإنْ كان أليم بمعنى مؤلم، فنسبته لليوممجاز، وللعذاب حقيقة. لما أنذرهم من عذاب الله وأمرهم بإفراده بالعبادة، وأخبر أنه رسول من عند الله، ذكروا أنه مماثلهمفي البشرية، واستبعدوا أن يبعث الله رسولاً من البشر، وكأنهم ذهبوا إلى مذهب البراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الإطلاق،ثم عيروه بأنه لم يتبعه إلا الأراذل أي: فنحن لا نساويهم، ثم نفوا أن يكون له عليهم فضل. أي: أنتمساوينا في البشرية ولا فضل لك علينا، فكيف امتزت بأنك رسول الله؟ وفي قوله: إلا الذين هم أراذلنا، مبالغة فيالأخبار، وكأنه مؤذن بتأكيد حصر من اتبعه، وأنهم هم الأراذل لم يشركهم شريف في ذلك. وفي الحديث إنهم كانوا حاكة وحجامين وقال النحاس: هم الفقراء والذين لا حسب لهم، والخسيسوا الصناعات. وفي حديث هرقل: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل قبل وإنما كان كذلك لاستيلاء الرئاسة على الأشراف وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقيادلغيرهم، والفقير خلى عن تلك الموانع فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. ونراك يحتمل أن تكون بصرية، وأن تكون علمية. قالوا:وأراذل جمع الجمع، فقيل: جمع أرذل ككلب وأكلب وأكالب. وقيل: جمع أرذلنا، وقياسه أزاذيل. والظاهر أنه جمع أرذل التي هيأفعل التفضيل وجاء جمعاً، كما جاء أكابر مجرميها وأحاسنكم أخلاقاً. وقال الزمخشري: ما نراك إلا بشراً مثلنا، تعريض بأنهم أحقمنه بالنبوّة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأوموازيهم في المنزلة، فما جعلك أحق منهم؟ ألا ترى إلى قولهم: وما نرى لكم علينا من فضل، أو أرادوا أنهكان ينبغي أن يكون ملكاً لا بشراً، ولا يظهر ما قاله الزمخشري من الآية. وقرأ أبو عمرو، وعيسى الثقفي:بادىء الرأي من بدأ يبدأ ومعناه: أول الرأي. وقرأ باقي السبعة: بادي بالياء من بدا يبدو، ومعناه ظاهر الرأي. وقيل:بادي بالياء معناه بادىء بالهمز، فسهلت الهمزة بإبدالها ياء لكسر ما قبلها. وذكروا أنه منصوب على الظرف، والعامل فيه نراكأو اتبعك أو أراذلنا أي: وما نراك فيما يظهر لنا من الرأي، أو في أول رأينا، أو وما نراك اتبعكأول رأيهم، أو ظاهر رأيهم. واحتمل هذا الوجه معنيين: أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسى أن تكون بواطنهمليست معك. والمعنى الثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادىء دون تعقب، ولو تثبتوا لم يتبعوك، وفي هذا الوجهذم الرأي غير المروي. وقال الزمخشري: اتبعوك أول الرأي، أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث أول أمرهمأو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك، وأقيم المضاف إليه مقامه، أرادوا أنّ اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهمبديهة من غير روية ونظر انتهى. وكونه منصوباً على الظرف هو قول أبيّ على في الحجة، وإنما حمله على الظرفوليس بزمان ولا مكان، لأنّ في مقدرة فيه أي: في ظاهر الأمر، أو في أول الأمر. وعلى هذين التقديرين أعنيأنْ يكون العامل فيه نراك، أو اتبعك يقتضي أن لا يجوز ذلك، لأنّ ما بعد إلا لا يكون معمولاً لماقبلها إلا إن كان مستثنى منه نحو: قام إلا زيداً القوم، أو مستثنى نحو: جاء القوم إلا زيداً، أو تابعاًللمستثنى منه نحو: ما جاءني أحد إلا زيد أخبرني عمرو، وبادىء الرأي ليس واحداً من هذه الثلاثة. وأجيب بأنه ظرف،أو كالظرف مثل جهد رأي أنك ذاهب، أي أنك ذاهب في جهد رأي، والظروف يتسع فيها. وإذا كان العامل أراذلفمعناه الذين هم أراذلنا بأدل نظر فيهم، وببادىء الرأي يعلم ذلك منهم. وقيل: بادي الرأي نعت لقوله: بشراً. وقيل: انتصبحالاً من ضمير نوح في اتبعك، أي: وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك. وقيل: انتصب على النداء لنوح أي: يابادي الرأي، أي ما في نفسك من الرأي ظاهر لكل أحد، قالوا: ذلك تعجيزاً له. وقيل: انتصب على المصدر، وجاءالظرف والمصدر على فاعل، وليس بالقياس. فالرأي هنا إما من رؤية العين، وإما من الفكر. قال الزمخشري: وإنما استرذلوا المؤمنينلفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية، لأنهم كانوا جهالاً ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم منله جاه ومال انتهى. وظاهر الخطاب في لكم شامل لنوح ومن اتبعه، والمعنى: ليس لكم علينا زيادة في مال، ولانسب، ولا دين. وقال ابن عباس: في الخلق والخلق، وقيل: بكثرة الملك والملك، وقيل: بمتابعتكم نوحاً ومخالفتكم لنا، وقيل: منشرف يؤهلكم للنبوّة، وقال الكلبي: نظنكم نتيقنكم، وقال مقاتل: نحسبكم أي في دعوى نوح وتصديقكم، وقال صاحب العتيان: بل نظنكمكاذبين توسلاً إلى الرئاسة والشهرة. {قَالَ يَـاءادَمُ قَوْمٌ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَءاتَانِىرَحْمَةً مّنْ عِندِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ }: لما حكى شبههم في إنكار نبوّة نوح عليه السلام وهي قولهم:

{ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا }

ذكر أنّ المساواة في البشرية لا تمنع من حصول المفارقة في صفة النبوّة والرسالة، ثمذكر الطريق الدال على إمكانه على جهة التعليق والإمكان، وهو متيقن أنه على بينة من معرفة الله وتوحيده، وما يجبله وما يمتنع، ولكنه أبرزه على سبيل العرض لهم والاستدراج للإقرار بالحق، وقيام الحجة على الخصم، ولو قال: على إنيعلى حق من ربي لقالوا له كذبت، كقوله:

{ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ }

الآية فقال فيها: وإن يككاذباً فعليه كذبه. والبينة البرهان، والشاهد بصحة دعواه ابن عباس الرحمة والنبوّة مقاتل الهداية غيرهما التوفيق والنبوّة والحكمة. والظاهر أنالبينة غير الرحمة، فيجوز أن يراد بالبينة المعجزة، وبالرحمة النبوّة. ويجوز أن تكون البينة هي الرحمة، ومن عنده تأكيد وفائدتهرفع الاشتراك ولو بالاستعارة، فعميت عليكم. الظاهر أنّ الضمير عائد على البينة، وبذلك يحصل الذم لهم من أنه أتى بالمعجزةالجلية الواضحة، وأنها على وضوحها واستنارتها خفيت عليهم، وذلك بأنه تعالى سلبهم علمها ومنعهم معرفتها. فإن كانت الرحمة هي البينةفعود الضمير مفرداً ظاهر، وإن كانت غيرها كما اخترناه. فقوله: وآتاني رحمة من عنده، اعتراض بين المتعاطفين. قال الزمخشري: حقهأن يقال: فعميتا. (قلت): الوجه أن يقدر فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره، فتلخص أن الضمير يعودإما على البينة، وإما على الرحمة، وإما عليهما باعتبار أنهما واحد. ويقول للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه، كما يقالله الغمام لأنه يغمه. وقيل: هذا من المقلوب، فعميتم أنتم عنها كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قولالشاعر:

تـرى الثور فيهـا مدخل الظـل رأسـه    

قال أبو علي: وهذا مما يقلب، هذ ليس فيه إشكال، وفي القرآن:

{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ }

انتهى. والقلب عند أصحابنا مطلقاً لا يجوز إلا في الضرورة، وأما قول الشاعر: فليسمن باب القلب بل من باب الاتساع في الظرف. وأما الآية فأخلف يتعدّى إلى مفعولين، ولكان يضيف إلى أيهما شئتفليس من باب القلب، ولو كان فعميت عليكم من باب القلب لكان التعدي بعن دون على. ألا ترى أنك تقول:عميت عن كذا، ولا تقول عميت على كذا؟ وقرأ الإخوان وحفص: فعميت بضم العين وتشديد الميم مبنياً للمفعول، أي أبهمتعليكم وأخفيت، وباقي السبعة فعميت بفتح العين وتخفيف الميم مبنياً للفاعل. وقرأ أبيّ، وعليّ، والسلميّ، والحسن، والأعمش : فعماها عليكم.وروى الأعمش عن أبي وثاب: وعميت بالواو خفيفة. قال الزمخشري: (فإن قلت): فما حقيقته؟ (قلت): حقيقته أنّ الحجة كما جعلتبصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدي، ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عميعلى القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد. (فإن قلت): فما معنى قراءة أبيّ؟ (قلت): المعنى أنهم صمموا على الإعراضعنها فخلاهم الله وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ يعني: أنكرهكم على قبولها ونقسركمعلى الاهتداء بها وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين انتهى. وتوجيهه قراءة أبيّ هو على طريقة المعتزلة، وتقدّمفي سورة الأنعام الكلام على

{ أَرَءيْتُمْ }

مشبعاً، وذكرنا أن العرب تعديها إلى مفعولين: أحدهما منصوب، والثاني أغلب ما يكونجملة استفهامية. تقول: أرأيتك زيداً ما صنع، وليس استفهاماً حقيقياً عن الجملة. وأنّ العرب ضمنت هذه الجملة معنى أخبرني، وقررناهناك أن قوله:

{ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ }

أنه من باب الأعمال تنازع على عذاب الله. أرأيتكم يطلبه منصوباً،وفعل الشرط يطلبه مرفوعاً، فأعمل الثاني، وهذا البحث يتقرر هنا أيضاً، فمفعول أرأيتكم محذوف والتقدير: أرأيتكم البينة من ربي إنكنت عليها أنلزمكموها؟ فهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لقوله: أرأيتم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه أرأيتم، وجيء بالضميرينمتصلين في أنلزمكموها، لتقدّم ضمير الخطاب على ضمير الغيبة، ولو انعكس لانفصل ضمير الخطاب خلافاً لمن أجاز الاتصال. قال الزمخشري:ويجوز أن يكون الثاني منفصلاً كقولك: أنلزمكم إياها ونحوه، فسيكفيكهم الله، ويجوز فسيكفيك إياهم، وهذا الذي قاله الزمخشري من جوازانفصال الضمير في نحو أنلزمكموها، هو نحو قول ابن مالك في التسهيل. قال: وتختار اتصال نحوها ءأعطيتكه. وقال ابن أبيالربيع: إذا قدمت ما له الرتبة اتصل لا غير، تقول: أعطيتكه. قال تعالى: أنلزمكموها؟ وفي كتاب سيبويه ما يشهد له،قال سيبويه: فإذا كان المفعولان اللذان تعدّى إليهما فعل الفاعل مخاطباً وغائباً، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب، فإنّ علامة الغائب العلامةالتي لا يقع موقعها إياه وذلك قولك: أعطيتكه وقد أعطاكه. قال الله تعالى: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، فهذا كهذا، إذابدأت بالمخاطب قبل الغائب انتهى. فهذا نص من سيبويه على ما قاله ابن أبي الربيع خلافاً للزمخشري وابن مالك ومنسبقهما إلى القول بذلك. وقال الزمخشري: وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم، ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة،فظنها الراوي سكوناً. والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورةالشعر انتهى. وأخذه الزمخشري من الزجاج، قال الزجاج: أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا فيضرورة الشعر، فأما ما روي عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه القراء، وروى عنه سيبويه أنه كان يخف الحركة ويختلسها،وهذا هو الحق. وإنما يجوز الإسكان في الشعر نحو قول امرىء القيس:

فـاليـوم أشـرب غيـر مستحقـب    

والزمخشري على عادته في تجهيل القراءوهم أجل من أن يلتبس عليهم الاختلاس بالسكون، وقد حكى الكسائي والفراء أنلزمكموها بإسكان الميم الأولى تخفيفاً. قال النحاس: ويجوزعلى قول يونس أنلزمكمها، كما تقول: أنلزمكم ذلك ويريد إلزام جبر بالقتل ونحوه، وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل، وقال النحاس:أنوحيها عليكم، وقوله في ذلك خطأ. قال ابن عطية: وفي قراءة أبيّ بن كعب أنلزمكموها من شطر أنفسنا، ومعناه منتلقاء أنفسنا. وروي عن ابن عباس أنه قرأ ذلك من شطر قلوبنا انتهى. ومعنى شطر نحو، وهذا على جهة التفسيرلا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف. {لَهَا كَـٰرِهُونَ وَيٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِوَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبّهِمْ وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَتَذَكَّرُونَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن}: تلطف نوح عليه السلام بندائه بقوله: ويا قوم، استدراجاً لهم في قبول كلامه، كما تلطف إبراهيم عليه السلام بقوله

{ يا أبت يا أبت }

وكما تلطف مؤمن آل فرعون بقوله {يا قَوم يا قوم } والضمير في عليه عائد إلىالإنذار. وإفراد الله بالعبادة المفهوم من قوله لهم:

{ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ }

، وقيل: علىالدين، وقيل: على الدعاء إلى التوحيد، وقيل: على تبليغ الرسالة. وكلها أقوال متقاربة، والمعنى: إنكم وهؤلاء الذين اتبعونا سواء فيأنّ أدعوكم إلى الله، وإني لا أبتغي عما ألقيه إليكم من شرائع الله مالاً، فلا يتفاوت حالكم وحالهم. وأيضاً فلعلهمظنوا أنه يريد الاسترفاد منهم، فنفاه بقوله: لا أسألكم عليه مالاً إنْ أجري على الله، فلا تحرموا أنفسكم السعادة الأبديةبتوهم فاسد. ثم ذكر أنه قام بهؤلاء وصف يجب العكوف عليهم به والانضواء معهم، وهو الإيمان فلا يمكن طردهم، وكانواسألوا منه طرد هؤلاء المؤمنين رفعاً لأنفسهم من مساواة أولئك الفقراء. ونظير هذا ما اقترحت قريش على رسول الله صلىالله عليه وسلم من طرد أتباعه الذين لم يكونوا من قريش. وقرىء: بطارد بالتنوين، قال الزمخشري: على الأصل يعني:أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أصله أن يعمل ولا يضاف، وهذا ظاهر كلام سيبويه. ويمكن أنيقال: إن الأصل الإضافة لا العمل، لأنه قد اعتوره شبهان أحدهما شبه بالمضارع وهو شبهه بغير جنسه. والآخر شبه بالأسماءإذا كانت فيها الإضافة، فكان إلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه. إنهم ملاقوا ربهم: ظاهره التعليل لانتفاء طردهم، أي:إنهم يلاقون الله، أي: جزاءه، فيوصلهم إلى حقهم عندي إن ظلمتهم بالطرد. وقال الزمخشري: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب منطردهم، أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي منهم، وما أعرف غيره منهم،أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء إيمانهم على بادىء الرأي من غير نظر ولا تفكر، وما عليّأنْ أشق على قلوبهم وأتعرف ذلك منهم حتى أطردهم ونحوه

{ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ }

الآية أو هم مصدّقون بلقاء ربهم،موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة انتهى. ووصفهم بالجهل لكونهم بنوا أمرهم على الجهل بالعواقب، والاغترار بالظواهر. أو لأنهميتسافلون على المؤمنين ويدعونهم أراذل من قوله: ألا لا يجهلن أحد علينا. أو تجهلون لقاء ربكم، أو تجهلون أنهم خيرمنكم، أو وصفهم بالجهل في هذا الاقتراح، وهو طرد المؤمنين ونحوه: من ينصرني، استفهام معناه لا ناصر لي من عقابالله إن طردتهم عن الخير الذي قد قبلوه، أو لأجل إيمانهم قاله: الفراء، وكانوا يسألونه أنْ يطردهم ليؤمنوا به أنفةمنهم أن يكونوا معهم على سواء، ثم وقفهم بقوله: أفلا تذكرون، على النظر المؤدّي إلى صحة هذا الاحتجاج. وتقدم تفسيرالجمل الثلاث في الأنعام. وتزدري تفتعل، والدال بدل من التاء قال:

ترى الرجل النحيف فتزدريه     وفي أثوابه أسد هصور

وأنشد الفراء:

يباعده الصديق وتزدريه     حليلته وينهره الصغير

والعائد على الموصول محذوف أي: تزدرونهم، أي: تستحقرهم أعينكم. ولن يؤتيهم معمول لقوله: ولا أقول، وللذين معناه لأجل الذين.ولو كانت اللام للتبليغ لكان القياس لن يؤتيكم بكاف الخطاب، أي: ليس احتقاركم إياهم ينقص ثوابهم عند الله ولا يبطلأجورهم، الله أعلم بما في أنفسهم، تسليم لله أي: لست أحكم عليهم بشيء من هذا، وإنما الحكم بذلك لله تعالىالذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه. وقيل: هو رد على قولهم: اتبعك أراذلنا، أي لست أحكم عليهم بأنْ لايكونن لهم خير لظنكم بهم، إن بواطنهم ليست كظواهرهم، الله عز وجل أعلم بما في نفوسهم، إني لو فعلت ذلكلمن الظالمين، وهم الذين يضعون الشيء في غير مواضعه، قد جادلتنا الظاهر المبالغة في الخصومة والمناظرة. وقال الكلبي: دعوتنا. وقيل:وعظتنا، وقيل: أتيت بأنواع الجدال وفنونه فما صح دعواك. وقرأ ابن عباس: فأكثرت جدلنا كقوله:

{ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً }

فأتنا بما تعدنا من العذاب المعجل وما بمعنى الذي، والعائد محذوف أي بما تعدناه، أو مصدرية، وإنما كثرتمجادته لهم لأنه أقام فيهم ما أخبر الله به ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهو كل وقت يدعوهم إلى اللهوهم يجيبونه بعبادتهم أصنامهم. قال: إنما يأتيكم به الله، أي ليس ذلك إليّ إنما هو للإله الذي يعاقبكم على عصيانكمإن شاء أي: إن اقتضت حكمته أن يعجل عذابكم وأنتم في قبضته لا يمكن أن تفلتوا منه، ولا أن تمتنعوا.ولما قالوا: قد جادلتنا، وطلبوا تعجيل العذاب، وكان مجادلته لهم إنما هو على سبيل النصح والإنقاذ من عذاب الله قال:ولا ينفعكم نصحي. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: نصحي بفتح النون، وهو مصدر. وقراءة الجماعة بضمها، فاحتمل أن يكونمصدراً كالشكر، واحتمل أن يكون اسماً. وهذان الشرطان اعتقب الأول منهما قوله: ولا ينفعكم نصحي، وهو دليل على جواب الشرطتقديره: إنْ أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، والشرط الثاني: اعتقب الشرط الأول وجوابه أيضاً ما دل عليه قوله:ولا ينفعكم نصحي، تقديره: إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي. وصار الشرط الثاني شرطاً في الأول، وصارالمتقدم متأخراً والمتأخر متقدّماً، وكأن التركيب إن أردت أن أنصح لكم أن كان الله يريد أن يغويكم، فلا ينفعكم نصحي،وهو من حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو: إنْ كان الله يريد أن يغويكم. فإن أردت أن أنصح لكمفلا ينفعكم نصحي. ونظيره:

{ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا }

وقال الزمخشري: قوله إنكان الله يريد أن يغويكم جزاؤه ما دل عليه قوله: لا ينفعكم نصحي، وهذا الدليل في حكم ما دل عليه،فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قوله: إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكنني. وقال ابن عطية: وليس نصحيلكم بنافع، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك. والشرط الثاني اعتراضبين الكلام، وفيه بلاغة من اقتران الإرادتين، وأنّ إرادة البشر غير مغنية، وتعلق هذا الشرط هو بنصحي، وتعلق الآخر هوبلا ينفع انتهى. وكذا قال أبو الفرج بن الجوزي قال: جواب الأول النصح، وجواب الثاني النفع. والظاهر أنّ معنىيغويكم يضلكم من قوله: غوى الرجل يغوي وهو الضلال. وفيه إسناد الإغواء إلى الله، فهو حجة على المعتزلة إذ يقولون:إن الضلال هو من العبد. وقال الزمخشري: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه سمى ذلك إغواءوإملاء، كما إنه إذا عرف منه أن يتوب ويرعوي فلطف به سمى إرشاداً وهداية انتهى. وهو على طريقة الاعتزال، ونصواعلى أنه لا يوصف الله بأنه عارف، فلا ينبغي أن يقال: إذا عرف الله كما قال الزمخشري، وللمعتزلي أن يقول:لا يتعين أن تكون إن شرطية، بل هي نافية والمعنى: ما كان الله يريد أن يغويكم، ففي ذلك دليل علىنفي الإضلال عن الله تعالى، ويكون قوله: ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح، إخبار منه لهم وتعزية لنفسه عنهم،لما رأى من إصرارهم وتماديهم على الكفر. وقيل: معنى يغويكم يهلككم، والغوي المرض والهلاك. وفي لغة طيء: أصبح فلان غاوياًأي مريضاً، والغوي بضم الفصيل وقاله: يعقوب في الإسلاح. وقيل: فقده اللبن حتى يموت جوعاً قاله: الفراء، وحكاه الطبري يقالمنه: غوى يغوي. وحكى الزهراوي أنه الذي قطع عنه اللبن حتى كاد يهلك، أو لما يهلك بعد. قال ابن الأنباري:وكون معنى يغويكم يهلككم قول مرغوب عنه، وأنكر مكي أن يكون الغوي بمعنى الهلاك موجوداً في لسان العرب، وهو محجوجبنقل الفراء وغيره. وإذا كان معنى يغويكم يهلككم، فلا حجة فيه لا لمعتزلي ولا لسني، بل الحجة من غير هذا،ومعناه: أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر فالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحي؟وفي قوله: هو ربكم، تنبيه على المعرفة بالخالق، وأنه الناظر في مصالحكم، إن شاء أن يغويكم، وإن شاء أن يهديكم.وفي قوله: وإليه ترجعون، وعيد وتخويف. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ }:قيل: هذه الآية اعترضت في قصة نوح، والأخبار فيها عن قريش. يقولون ذلك لرسول الله ﷺ أي:افترى القرآن، وافترى هذا الحديث عن نوح وقومه، ولو صح ذلك بسند صحيح لوقف عنده، ولكن الظاهر أن الضمير فييقولون عائد على قوم نوح، أي: بل أيقولون افترى ما أخبرهم به من دين الله وعقاب من أعرض عنه، فقالعليه السلام قل: إن افتريته فعليّ إثم إجرامي، والإجرام مصدر أجرم، ويقال: أجرم وهو الكثير، وجرم بمعنى. ومنه قول الشاعر:

طريد عشيرة ورهين ذنب     بما جرمت يدي وجنى لساني

وقرىء أجرامي بفتح الهمزة جمع جرم، ذكرهالنحاس، وفسر بآثامي. ومعنى مما تجرمون من إجرامكم في إسناد الافتراء إليّ، وقيل: مما تجرمون من الكفر والتكذيب. {وَأُوحِىَإِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَاوَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ }: قرأ الجمهور وأوحي مبنياً للمفعول، أنه بفتح الهمزة. وقرأ أبو البرهشيم: وأوحي مبنياً للفاعل، إنه بكسر الهمزة على إضمار القول على مذهب البصريين، وعلى إجراء أوحى مجرى قال: على مذهبالكوفيين، أيأسه الله من إيمانهم، وأنه صار كالمستحيل عقلاً بأخباره تعالى عنهم. ومعنى إلا من قد آمن أي: من وجدمنه ما كان يتوقع من إيمانه، ونهاه تعالى عن ابتآسه بما كانوا يفعلون، وهو حزنه عليهم في استكانة. وابتأس افتعلمن البؤس، ويقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وقال الشاعر:

وكم من خليل أو حميم رزئته     فلم نبتئس والرزء فيه جليل

وقال آخر:

ما يقسم الله أقبل غير مبتئس     منه واقعد كريماً ناعم البال

وقال آخر:

فارس الخيل إذا ما ولولت     ربة الخدر بصوت مبتئس

وقال آخر:

في مأتم كنعاج صا     رة يبتئسن بما لقينا

صارة موضع بما كانوا يفعلون من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت الانتقام منهم. واصنع عطف على فلا تبتئس، بأعيننابمرأى منا، وكلاءة وحفظ فلا تزيغ صنعته عن الصواب فيها، ولا يحول بين العمل وبينه أحد. والجمع هنا كالمفرد فيقوله: ولتصنع على عيني، وجمعت هنا لتكثير الكلاءة والحفظ وديمومتها. وقرأ طلحة بن مصرف: باعينا مدغمة. ووحينا نوحي إليك ونلهمككيف تصنع. وعن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. قيل: ويحتمل قولهبأعيننا أي بملائكتنا الذي نجعلناهم عيوناً على مواضع حفظك ومعونتك، فيكون اللفظ هنا للجمع حقيقة. وقول من قال: معنى ووحينابأمرنا لك أو بعلمنا ضعيف، لأن قوله: واصنع الفلك، مغن عن ذلك. وفي الحديث: كان زان سفينة نوح جبريل والزانالقيم بعمل السفينة. والذين ظلموا قوم نوح، تقدم إلى نوح أن لا يشفع فيهم فيطلب إمهالهم، وعلل منع مخاطبته بأنهحكم عليهم بالغرق، ونهاه عن سؤال الإيجاب إليه كقوله:

{ يإِبْرٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }

وقيل الذين ظلموا واعلة زوجته وكنعان ابنه.{وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُقَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } ويصنع الفلك حكاية حال ماضية، والفلك السفينة. ولما أمره تعالىبأن يصنع الفلك قال: يا رب ما أنا بنجار، قال: بلى، ذلك بعيني. فأخذ القدوم، وجعلت يده لا تخطىء، فكانوايمرون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجاراً؟ وقيل: كانت الملائكة تعلمه، واستأجر أجراء كانوا ينحتون معه، وأوحىالله إليه أن عجل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني، وكان سام وحام ويافث ينحتون معه، والخشب منالساج قاله: قتادة، وعكرمة، والكلبي. قيل: وغرسه عشرين سنة. وقيل: ثلاثمائة سنة يغرس ويقطع وييبس. وقال عمرو بن الحرث: لميغرسها بل قطعها من جبل لبنان. وقال ابن عباس: من خشب الشمشار، وهو البقص قطعة من جبل لبنان. واختلفوا فيهيئتها من التربيع والطول، وفي مقدار مدة عملها، وفي المكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها وعرضها، على أقوال متعارضة لميصح منها شيء. وسخريتهم منه لكونهم رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت، قالوا: يا نوح ما تصنع؟ قال:ابني بيتاً يمشي على الماء، فعجبوا من قوله وسخروا منه قاله: مقاتل. وقيل: لكونه يبني في قرية لا قرب لهامن البحر، فكانوا يتضاحكون ويقولون: يا نوح صرت نجاراً بعدما كنت نبياً. وكلما ظرف العامل فيه سخروا منه، وقال: مستأنفعلى تقدير سؤال سائل. وجوزوا أن يكون العامل قال: وسخروا صفة لملا، أو بدل من مرّ، ويبعـد البدل لأنّ سخرليس في معنى مرّ لا يراد ذا ولا نوعاً منه. قال ابن عطية: وسخروا منه استجهلوه، فإن كان الأمر كماروي أنهم لم يكونوا رأوا سفينة قط، ولا كانت، فوجه الاستجهال واضح، وبذلك تظاهرت التفاسير، وإن كانت السفائن جينئذ معروفةفاستجهلوه في أنّ صنعها في قرية لا قرب لها من البحر انتهى، فأنا نسخر منكم في المتقبل كما تسخرون مناالآن أي: مثل سخريتكم إذا أغرقتم في الدنيا، وأحرقتم في الآخرة، أو إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتمعليه من الكفر والتعريض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا قال: قريباً من معناه الزجاج. أو إن تستجهلونا فإنانستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناء على ظاهر الحال، كما هو عادة الجهلة فيالبعد عن الحقائق. وقال ابن جريج: إن يسخروا منا في الدنيا فإنا نسخر منكم في الآخرة. والسخرية استجهال مع استهزاء.وفي قوله: فسوف تعلمون، تهديد بالغ، والعذاب المخزي الغرق، والعذاب المقيم عذاب الآخرة، لأنه دائم عليهم سرمد. ومن يأتيه مفعولبتعلمون، وما موصولة، وتعدى تعلمون إلى واحد استعمالاً لها استعمال عرف في التعدية إلى واحد. وقال ابن عطية: وجائز أنتكون التعدية إلى مفعولين، واقتصر على الواحد انتهى. ولا يجوز حذف الثاني اقتصاراً، لأنّ أصله خبر مبتدأ، ولا اختصاراً هنا،لأنه لا دليل على حذفه وتعنتهم بقوله: من يأتيه. وقيل: مَن استفهام في موضع رفع على الابتداء، ويأتيه الخبر، والجملةفي موضع نصب، وتعلمون معلق سدت الجملة مسد المفعولين. وحكى الزهراوي أنه يقرأ ويحل بضم الحاء، ويحل بكسرها بمعنى ويجب.قال الزمخشري: حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه، ومعنى يخزيه: يفضحه، أو يهلكه، أو يذله، وهو الغرق.أقوال متقاربة حتى إذا جاء أمرنا تقدم الكلام على دخول حتى على إذا في أوائل سورة الأنعام، وهي هنا غايةلقوله: ويصنع الفلك. ويصنع كما قلنا حكاية حال أي: وكان يصنع الفلك إلى أن جاء وقت الوعد الموعود. والجملة منقوله: وكلما مرّ عليه حال، كأنه قيل: وينصعها، والحال أنه كلما مر، وأمرنا واحد الأمور، أو مصدر أي: أمرنا بالفورانأو للسحاب بالإرسال، وللملائكة بالتصرف في ذلك، ونحو هذا مما يقدر في النازلة. وفار: معناه انبعث بقوة، والتنور وجه الأرض،والعرب تسميه تنوراً قاله: ابن عباس، وعكرمة، والزهري، وابن عيينة، أو التنور الذي يخبز فيه، وكان من حجارة، وكان لحواءحتى صار لنوح قاله: الحسن، ومجاهد، وروي أيضاً عن ابن عباس. وقيل: كان لآدم، وقيل: كان تنور، نوح، أو أعلىالأرض والمواضع المرتفعة قاله: قتادة، أو العين التي بالجزيرة عين الوردة رواه عكرمة، أو من أقصى دار نوح قاله: مقاتل،أو موضع اجتماع الماء في السفينة، روي عن الحسن، أو طلوع الشمس وروي عن علي، أو نور الصبح من قولهم:نور الفجر تنويراً قاله: علي ومجاهد، أو هو مجاز والمراد غلبة الماء وظهور العذاب كما قال ﷺلشدة الحرب: (حمي الوطيس) والوطيس أيضاً مستوقد النار، فلا فرق بين حمى وفار، إذ يستعملان في النار. قال الله تعالى:

{ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ }

ولا فرق بين الوطيس والتنور. والظاهر من هذه الأقوال حمله على التنورالذي هو مستوقد النار، ويحتمل أن تكون أل فيه للعهد لتنور مخصوص، ويحتمل أن تكون للجنس. ففار النار من التنانير،وكان ذلك من أعجب الأشياء أن يفور الماء من مستوقد النيران. ولا تنافي بين هذا وبين قوله:

{ وَفَجَّرْنَا ٱلاْرْضَ عُيُوناً }

إذ يمكن أن يراد بالأرض أماكن التنانير، والتفجير غير الفوران، فحصل الفوران للتنور، والتفجير للأرض. والضمير في فيها عائدعلى الفلك، وهو مذكر أنث على معنى السفينة، وكذلك قوله: وقال اركبوا فيها. وقرأ حفص: من كل زوجين بتنوين،كل أي من كل حيوان وزوجين مفعول، واثنين نعت توكيد، وباقي السبعة بالإضافة، واثنين مفعول احمل، وزوجين بمعنى العموم أي:من كل ما له ازدواج، هذا معنى من كل زوجين قاله أبو علي وغيره. قال ابن عطية: ولو كان المعنىاحمل فيها من كل زوجين حاصلين اثنين، لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج في مشهور كلام العرب للواحدمما له ازدواج، فيقال: هذا زوج، هذا وهما زوجان، وهذا هو المهيع في القرآن في قوله تعالى:

{ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ }

ثم فسرها وفي قوله

{ وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ }

وقال الأخفش: وق يقال في كلام العرب للاثنين زووج، هكذاتأخذه العدديون. والزوج أيضاً في كلام العرب النوع كقوله تعالى:

{ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }

وقال تعالى:

{ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَق ٱلاْزْوٰجَ كُلَّهَا }

انتهى. ولما جعل المطر ينزل كأفواه القرب جعلت الوحوش تطلب وسط الأرض هرباً منالماء، حتى اجتمعن عند السفينة فأمره الله أن يحمل من الزوجين اثنين، يعني: ذكراً وأنثى ليبقى أصل النسل بعد الطوفان.فروي أنه كان يأتيه أنواع الحيوان فيضع يمينه على الذكر ويساره على الأنثى، وكانت السفينة ثلاث طبقات: السفلى للوحوش، والوسطىللطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن. وأهلك معطوف على زوجين إن نوِّن كل، وعلى اثنين إن أضيف، واستثنى من أهلهمن سبق عليه القول بالهلاك وأنه من أهل النار. قال الزمخشري: سبق عليه القول أنه يختار الكفر لا لتقديره عليهوإرادته تعالى غير ذلك انتهى. وهو على طريقة الاعتزال، والذي سبق عليه القول امرأته واعلة بالعين المهملة، وابنه كنعان. ومنآمن عطف على وأهلك، قيل: كانوا ثمانين رجلاً وثمانين امرأة، وقيل: كانوا ثلاثة وثمانين. وقال ابن عباس: آمن معه ثمانونرجلاً، وعنه ثمانون إنساناً، ثلاثة من بنيه سام وحام ويافث، وثلاث كنائن له، ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية تدعىاليوم قرية الثمانين بناحية الموصل. وقيل: كانوا ثمانية وسبعين، نصفهم رجال، ونصفهم نساء. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم:نوح، وبنوه سام وحام ويافث، وستة ناس من كان آمن به وأزواجهم جميعاً. وعن ابن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجال،وخمس نسوة. وقيل: كانوا تسعة ونوح، وثمانية أبناء له وزوجته. وقيل: كانوا ثمانية ونوح وزوجته غير التي عوقبت، وبنوه الثلاثةوزوجاتهم، وهو قول: قتادة، والحكم، وابن عيينة، وابن جريج، ومحمد بن كعب. وقال الأعمش: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن، وثلاثبنين. وهذه أقوال متعارضة، والذي أخبر الله تعالى به أنه ما آمن معه إلا قليل، ولا يمكن التنصيص على عددهذا النفر القليل الذي أبهم الله عددهم إلا بنص عن رسول الله ﷺ.

{ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ } * { قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ } * { وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ } * { قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ } * { قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ } * { قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } * { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } * { يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } * { قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } * { إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } * { مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } * { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } * { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } * { وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } * { وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ }[عدل]

رسا الشيء يرسو، ثبت واستقر. قال:

فصبرت نفسنا عند ذلك حرة     ترسو إذا نفس الجبان تطلع

البلع: معروف، والفعل منه بلع بكسر اللام وبفتحها لغتان حكاهما الكسائيوالفراء، يبلع بلعاً، والبالوعة الموضع الذي يشرب الماء. الإقلاع: الإمساك، يقال: أقلع المطر، وأقلعت الحمى، أي أمسكت عن المحموم. وقيل:أقلع عن الشيء0 تركه، وهو قريب من الإمساك. غاض الماء نقص في نفسه، وغضته نقصته، جاء لازماً ومتعدياً. الجودي: علملجبل بالموصل، ومن قال بالجزيرة أو بآمد، فلأنهما قريبان من الموصل. وقيل الجودي: اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بنعمرو بن نفيل:

سبحانه ثم سبحانا نعوذ له     وقبلنا سبح الجودي والجمد

اعتراه بكذا:أصابه به، وقيل افتعل من عراه يعروه. الناصية: منبت الشعر في مقدم الرأس، ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته.ونصوت الرجل انصوه نصواً، مددت ناصيته. الجبار: المتكبر. العنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يصغي إليه، من عند يعندحاد عن الحق إلى جانب، وقيل: ومنه عندي كذا أي: في جانبي. وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند والعاند المعارضبالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم: عاند. {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌوَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يٰبُنَىَّ بَنِى ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَتَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ * قَالَ سَاوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَنرَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فكان من المغرقين}: الضمير في: وقال، عائد على نوح أي: وقال نوح حين أمر بالجمل فيالسفينة لمن آمن معه ومن أمر بحمله: اركبوا فيها. وقيل: الضمير عائد على الله، والتقدير: وقال الله لنوح ومن معه،ويبعد ذلك قوله: إن ربي لغفور رحيم. قيل: وغلب من يعقل في قوله: اركبوا، وإنْ كانوا قليلاً بالنسبة لما لايعقل ممن حمل فيها، والظاهر أنه خطاب لمن يعقل خاصة، لأنه لا يليق بما لا يعقل. وعدي اركبوا بفي لتضمينهمعنى صيروا فيها، أو معنى ادخلوا فيها. وقيل: التقدير اركبوا الماء فيها. وقيل: في زائدة للتوكيد أي: اركبوها. والباء فيبسم الله في موضع الحال، أو متبركين بسم الله. مجراها ومرساها منصوبان إما على أنهما ظرفا زمان أو مكان، لأنهمايجيئان لذلك. أو ظرفا زمان على جهة الحذف، كما حذف من جئتك مقدّم إلحاح، أي: وقت قدوم الحاج، فيكون مجراهاومرساها مصدران في الأصل حذف منهما المضاف، وانتصبا بما في بسم الله من معنى الفعل. ويجوز أن يكون باسم اللهحالاً من ضمير فيها، ومجراها ومرساها مصدران مرفوعان على الفاعلية، أي: اركبوا فيها ملتبساً باسم الله إجراؤها وإرساؤها أي: ببركةاسم الله. أو يكون مجراها ومرساها مرفوعين على الابتداء، وباسم الله الخبر، والجملة حال من الضمير في فيها. وعلى هذهالتوجيهات الثلاثة فالكلام جملة واحدة، والحال مقدرة. ولا يجوز مع رفع مجراها ومرساها على الفاعلية أو الابتداء أن يكون حالاًمن ضمير اركبوا، لأنه لا عائد عليه فيما وقع حالاً. ويجوز أن يكون باسم الله مجراها ومرساها جملة ثانية منمبتدإ وخبر، لا تعلق لها بالجملة الأولى من حيث الإعراب أمرهم أولاً بالركوب، ثم أخبر أنّ مجراها ومرساها بذكر اللهأو بأمره وقدرته، فالجملتان كلامان محكيان. يقال: كما أن الجملة الثانية محكية أيضاً بقال. وقال الضحاك: إذا أراد جري السفينةقال بسم الله مجراها فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله مرساها فتقف. وقرأ مجاهد، والحسن، وأبو رجاء، والأعرج،وشيبة، والجمهور من السبعة الحرميان، والعربيان، وأبو بكر: مجراها بضم الميم. وقرأ الأخوان، وحفص: بفتحها، وكلهم ضم ميم مرساها. وقرأابن مسعود، وعيسى الثقفي، وزيد بن عليّ، والأعمش، ومجراها ومرساها بفتح الميمين، ظرفي زمان أو مكان، أو مصدرين على التقاريرالسابقة. وقرأ الضحاك، والنخعي، وابن وثاب، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن جند، والكلبي، والجحدري، مجريها ومرسيها اسمي فاعل من أجرى وأرسىعلى البدل من اسم الله، فهما في موضع خبر، ولا يكونان صفتين لكونهما نكرتين. وقال ابن عطية: وهما على هذهالقراءة صفتان عائدتان على ذكره في قولهم بسم الله انتهى. ولا يكونان صفتين إلا على تقدير أنْ يكونا معرفتين. وقدذهب الخليل إلى أن ما كانت إضافته غير محضة قد يصح أن تجعل محضة، فتعرّف إلا ما كان من الصفةالمشبهة فلا تتمحض إضافتها فلا تعرّف. إن ربي لغفور ستور عليكم ذنوبكم بتوبتكم وإيمانكم، رحيم لكم إذا نجاكم من الغرق.وروي في الحديث: أن نوحاً ركب في السفينة أول يوم من رجب، وصام الشهر أجمع وعن عكرمة: لعشر خلون منرجب. وهي تجري بهم إخبار من الله تعالى بما جرى للسفينة، وبهم حال أي: ملتبسة بهم، والمعنى: تجري وهم فيهافي موج كالجبال، أي في موج الطوفان شبه كل موجة منه بجبل في تراكمها وارتفاعها. روي أن السماء أمطرت جميعهاحتى لم يكن في الهواء جانب إلا أمطر، وتفجرت الأرض كلها بالنبع، وهذا معنى التقاء الماء. وروي أن الماء علاعلى الجبال وأعالي الأرض أربعين ذراعاً، وقيل: خمسة عشر. وكون السفينة تجري في موج دليل على أنه كان في الماءموج، وأنه لم يطبق الماء ما بين السماء والأرض، وأنّ السفينة لم تكن تجري في جوف الماء والماء أعلاها وأسفلها،فكانت تسبح في الماء كما تسبح السمكة، كما أشار إليه الزجاج والزمخشري وغيرهما. وقد استبعد ابن عطية هذا قال: وأينكان الموج كالجبال على هذا؟ ثم كيف استقامت حياة من في السفينة؟ وأجاب الزمخشري: بأن الجريان في الموج كان قبلالتطبيق، وقيل أنْ يعم الماء الجبال. ألا ترى إلى قول ابنه: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. ونادى نوح ابنه،الواو لا ترتب. وهذا النداء كان قبل جري السفينة في قوله: وهي تجري بهم في موج، وفي إضافته إليه هناوفي قوله: إن ابني من أهلي، وندائه دليل على أنه ابنه لصلبه، وهو قول: ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، والضحاك،وابن جبير، وميمون بن مهران، والجمهور، واسمه كنعان. وقيل: يام، وقيل: كان ابن قريب له ودعاه بالبنوّة حناناً منه وتلطفاً.وقرأ الجمهور: بكسر تنوين نوح، وقرأ وكيع بن الجراح: بضمه، أتبع حركته حركة الإعراب في الحاء. قال أبو حاتم: هيلغة سوء لا تعرف. وقرأ الجمهور: بوصل هاء الكناية بواو، وقرأ ابن عباس: أنه بسكون الهاء، قال ابن عطية وأبوالفضل الرازي: وهذا على لغة الازد الشراة، يسكنون هاء الكناية من المذكر، ومنه قول الشاعر:

ونضـواي مشتـاقـان لــه أرقــان    

وذكرغيره أنها لغة لبني كلاب وعقيل، ومن النحويين من يخص هذا السكون بالضرورة وينشدون:

وأشرب الماء ما بي نحوه عطش     إلا لأن عيونه سيل واديها

وقرأ السدّيّ ابناه بألف وهاء السكت. قال أبو الفتح: ذلك علىالنداء. وذهبت فرقة إلى أنه على الندبة والرثاء. وقرأ عليّ، وعروة، وعليّ بن الحسين، وابنه أبو جعفر، وابنه جعفر: ابنهبفتح الهاء من غير ألف أي: ابنها مضافاً لضمير امرأته، فاكتفى بالفتحة عن الألف. قال ابن عطية: وهي لغة، ومنهقول الشاعر:

إما تقود بها شاة فتأكلها     أو أن تبيعه في بعض الأراكيب

وأنشد ابن الأعرابيعلى هذا:

فلست بمدرك ما فات مني     بلهف ولا بليت ولا لواني

انتهى. يريد تبيعها وتلهفاً،وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف، قال ابن عطية: وليس كما قال انتهى. وهذا أعنى مثل تلهف بحذفالألف عند أصحابنا ضرورة، ولذلك لا يجيزون يا غلام بحذف الألف، والاجتزاء بالفتحة عنها كما اجتزؤوا بالكسرة في يا غلامعن الياء، وأجاز ذلك الأخفش. وقرأ أيضاً عليّ وعروة ابنها بفتح الهاء وألف أي: ابن امرأته. وكونه ليس ابنه لصلبه،وإنما كان ابن امرأته قول: علي، والحسن، وابن سيرين، وعبيد بن عمير. وكان الحسن يحلف أنه ليس ابنه لصلبه، قالقتادة: فقلت له: إن الله حكى عنه أن ابني من أهلي، وأنت تقول: لم يكن ابنه، وأهل الكتاب لا يختلفونفي أنه كان ابنه فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب؟ واستدل بقوله من أهلي ولم يقل مني، فعلى هذايكون ربيباً. وكان عكرمة، والضحاك، يحلفان على أنه ابنه، ولا يتوهم أنه كان لغير رشدة، لأن ذلك غضاضة عصمت منهالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وروي ذلك عن الحسن وابن جريج، ولعله لا يصح عنها. وقال ابن عباس: ما بغت امرأةنبي قط، والذي يدل عليه ظاهر الآية أنه ابنه، وأما قراءة من قرأ ابنه أو ابنها فشاذة، ويمكن أن نسبإلى أمه وأضيف إليها، ولم يضف إلى أبيه لأنه كان كافراً مثلها، يلحظ فيه هذا المعنى ولم يضف إليه استبعاداًله، ورعياً أن لا يضاف إليه كافر، وإنما ناداه ظناً منه أنه مؤمن، ولولا ذلك ما أحب نجاته. أو ظناًمنه أنه يؤمن إنْ كان كافراً لما شاهد من الأهوال العظيمة، وأنه يقبل الإيمان. ويكون قوله: اركب معنا كالدلالة علىأنه طلب منه الإيمان، وتأكد بقوله: ولا تكن مع الكافرين، أي اركب مع المؤمنين، إذ لا يركب معهم إلا مؤمنلقوله: ومن آمن. وفي معزل أي: في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين. وقيل: في معزلعن دين أبيه، ونداؤه بالتصغير خطاب تحنن ورأفة، والمعنى: اركب معنا في السفينة فتنجو ولا تكن مع الكافرين فتهلك. وقرأعاصم يا بني بفتح الياء، ووجه على أنه اجتزأ بالفتحة عن الألف، وأصله يا بنيا كقولك: يا غلاماً، كما اجتزأباقي السبعة بالكسرة عن الياء في قراءتهم يا بني بكسر الياء، أو أن الألف انحذفت لالتقائها مع راء اركب. وظنابن نوح أن ذلك المطر والتفجير على العادة، فلذلك قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء أي: من وصول الماءإليّ فلا أغرق، وهذا يدل على عادته في الكفر، وعدم وثوقه بأبيه فيما أخبر به. قيل: والجبل الذي عناهطور زيتا فلم يمنعه، والظاهر إبقاء عاصم على حقيقته وأنه نفي كل عاصم من أمر الله في ذلك الوقت، وأنّمن رحم يقع فيه من على المعصوم. والضمير الفاعل يعود على الله تعالى، وضمير الموصول محذوف، ويكون الاستثناء منقطعاً أي:لكنْ من رحمة الله معصوم، وجوزوا أن يكون من الله تعالى أي لا عاصم إلا الراحم، وأن يكون عاصم بمعنىذي عصمة، كما قالوا لاين أي: ذو لبن، وذو عصمة، مطلق على عاصم وعلى معصوم، والمراد به هنا المعصوم. أوفاعل بمعنى مفعول، فيكون عاصم بمعنى معصوم، كماء دافق بمعنى مدفوق. وقال الشاعر:

بطيء الكلام رخيم الكلام     أمسى فؤادي به فاتنا

أي مفتوناً. ومن للمعصوم أي: لا ذا عصمة، أو لا معصوم إلا المرحوم.وعلى هذين التجويزين يكون استثناء متصلاً، وجعله الزمخشري متصلاً بطريق أخرى: وهو حذف مضاف وقدره: لا يعصمك اليوم معتصم قطمن جبل ونحوه سوى معتصم واحد، وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم، يعني في السفينة انتهى. والظاهر أن خبر لاعاصم محذوف، لأنه إذا علم كهذا الموضع التزم حذفه بنو تميم، وكثر حذفه عند أهل الحجاز، لأنه لما قال: سآويإلى جبل يعصمني من الماء قال له نوح: لا عاصم، أي لا عاصم موجود. ويكون اليوم منصوباً على إضمار فعليدل عليه عاصم، أي: لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله، ومن أمر متعلق بذلك الفعل المحذوف. ولا يجوز أنيكون اليوم منصوباً بقوله: لا عاصم، ولا أن يكون من أمر الله متعلقاً به، لأن اسم لا إذ ذاك كانيكون مطولاً، وإذا كان مطولاً لزم تنوينه وإعرابه، ولا يبنى وهو مبنى، فبطل ذلك. وأجاز الحوفي وابن عطية أن يكوناليوم خبراً لقوله: لا عاصم. قال الحوفي: ويجوز أن يكون اليوم خبراً ويتعلق بمعنى الاستقرار، وتكون من متعلقة بما تعلقبه اليوم. وقال ابن عطية: واليوم ظرف وهو متعلق بقوله: من أمر الله، أو بالخبر الذي تقديره: كائن اليوم انتهى.وردّ ذلك أبو البقاء فقال: فأما خبر لا فلا يجوز أن يكون اليوم، لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عنالجنة، بل الخبر من أمر الله، واليوم معمول من أمر الله. وقال الحوفي: ويجوز أن يكون اليوم نعتاً لعاصم ومنالخبر انتهى. ويردّ بما ردّ به أبو البقاء من أن ظرف الزمان لا يكون نعتاً للجثث، كما لا يكون خبراً.وقرىء إلا من رحم بضم الراء مبنياً للمفعول، وهذا يدل على أنّ المراد بمن في قراءة الجمهور الذين فتحوا الراءهو المرحوم لا الراحم، وحال بينهما أي بين نوح وابنه. قيل: كانا يتراجعان الكلام، فما استتمت المراجعة حتى جاءت موجةعظيمة، وكان راكباً على فرس قد بطر وأعجب بنفسه فالتقمته وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق. وقال الفراء: بينهما أيبين ابن نوح والجبل الذي ظن أنه يعصمه. {وَقِيلَ يٰأَرْضُ أَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ وَيٰسَمَاء سَمَاء أَقْلِعِى وَغِيضَٱلْمَاء وَقُضِىَ ٱلاْمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِىوَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ قَالَ يَـاءادَمُ نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍفَلاَ تَسْأَلْنِـى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَأَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }: قال الزمخشري: نادى الأرض والسماءبما ينادي به الإنسان المميز على لفظ التخصيص، والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله: يا أرض وياسماء، ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله: ابلعي ماءك وأقلعي، من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأنّالسموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء، غير ممتنعة عليه كأنها عقلاء مميزون، قد عرفوا عظمته وجلالهوثوابه وعقابه، وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفرعون من التوقف دون الامتثال لهوالنزول عن مشيئته على الفور من غير ريب. فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولاً لا حبس ولا بطء.وبسط الزمخشري وذيل في هذا الكلام الحسن، قال الحسن: يدل على عظمة هذه الأجسام، والحق تعال مستول عليها متصرف فيهاكيف يشاء، وأراد فصار ذلك سبباً لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله تعالى وعلوّ قدرته وهيبته انتهى. وبناء الفعلفي وقيل وما بعدها للمفعول أبلغ في التعظيم والجبروت وأخصر. قال الزمخشري: ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة علىالجلال والكبرياء، وأن تلك الأمور العظام لا يكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأن فاعل هذه الأفعال فاعلواحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ولاأن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أت تستوي السفينة عل الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره. ولما ذكرناه منالمعاني والنكت واستفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله: ابلعي واقلعي، وذلك وأن كانالكلام لا يخلو من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب، وما عداها قشور انتهى. وأكثرهخطابة، وهذا النداء والخطاب بالأمر هو استعارة مجازية، وعلى هذا جمهور الحذاق. وقيل: إن الله تعالى أحدث فيهما إدراكاً وفهماًلمعاني الخطاب. وروي أن أعرابياً سمع هذه الآية فقال: هذا كلام القادرين، وعارض ابن المقفع القرآن فلما وصل إلى هذهالآية أمسك عن المعارضة وقال: هذا كلام لا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله. وقال ابن عباس في قوله:وقضي الأمر، غرق من غرق، ونجا من نجا. وقال مجاهد: قضي الأمر بهلاكهم، وقال ابن قتيبة، قضي الأمر فرغ منه،وقال ابن الأنباري: أحكمت هلكة قوم نوح، وقال الزمخشري: أنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه. واستوت أي استقرتالسفينة على الجودي، واستقرارها يوم عاشوراء من المحرّم قاله: ابن عباس، والضحاك. وقيل: يوم الجمعة، وقيل: في ذي الحجة. وأقامتعلى الجوي شهراً، وهبط بهم يوم عاشوراء. وذكروا أن الجبال تطاولت وتخاشع الجودي. وحديث بعث نوح عليه السلام الغراب والحمامةليأتياه بخبر كمال الغرق الله أعلم بما كان من ذلك. وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة على الجودي بسكون الياءمخففة. قال ابن عطية: وهما لغتان، وقال صاحب اللوامح: هو تخفيف ياءي النسب، وهذا التخفيف بابه الشعر لشذوذه، والظاهر أنقوله: وقيل بعداً من قول الله تعالى كالأفعال السابقة، وبنى الجميع للمفعول للعلم بالفاعل، وقيل: من قول نوح والمؤمنين، قيل:ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، قيل: ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن بلوغ الأمر ذلك المبلغ وإن لم يكن،ثم قول محسوس. ومعنى بعد إهلاكاً يقال: بعد يبعد بعداً وبعداً إذا هلك، واللام في للقوم من صلة المصدر. وقيل:تتعلق بقوله: وقيل، والتقدير وقيل لأجل الظالمين، إذ لا يمكن أن يخاطب الهالك إلا على سبيل المجاز. ومعنى ونادى نوحربه أي: أراد أن يناديه، ولذلك أدخل الفاء، إذ لو كان أراد حقيقة النداء والأخبار عن وقوعه منه لم تدخلالفاء في فقال: ولسقطت كما لم تدخل في قوله:

{ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبّ }

والواو فيهذه الجملة لا ترتب أيضاً، وذلك أن هذه القصة كانت أول ما ركب نوح السفينة، ويظهر من كلام الطبري أنذلك من بعد غرق الابن. وفي قوله: إن ابني من أهلي، ظهور أنه ولده لصلبه. ومعنى من أهلي أي: الذيأمرت أن أحملهم في السفينة لقوله:

{ ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ }

ولم يظن أنه داخل فيمن استثناهالله بقوله: إلا من سبق عليه القول منهم لظنه أنه مؤمن وعموم قوله: ومن آمن يشمل من آمن من أهلهومن غير أهله، وحسن الخطاب بقوله: وإن وعدك الحق، أي الوعد الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقدوعدتني أن تنجي أهلي، وأنت أعلم الحكام وأعدلهم. قال الزمخشري: ويجوز أن تكون من الحكمة حاكم بمعنى النسبة، كمايقال: دارع من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل انتهى. ومعنى ليس من أهلك على قول من قال: إنه ابنهلصلبه أي الناجين، أو الذين عمهم الوعد. ومن زعم أنه ربيبه فهو ليس من أهله حقيقة، إذ لا نسبة بينهوبينه بولادة، فعلى هذا نفي ما قدّر أنه داخل في قوله: وأهلك، ثم علل انتفاء كونه ليس من أهله بأنهعمل غير صالح. والظاهر أنّ الضمير في أنه عائد على ابن نوح لا على النداء المفهوم من قوله: ونادى المتضمنسؤال ربه، وجعله نفس العمل مبالغة في ذمه كما قال: فإنما هي إقبال وإدبار، هذا على قراءة جمهور السبعة. وقرأالكسائي: عمل غير صالح جعله فعلاً ناصباً غير صالح، وهي قراءة: علي، وأنس، وابن عباس، وعائشة، وروتها عائشة وأم سلمةعن النبي ﷺ، وهذا يرجح أن الضمير يعود على ابن نوح. قيل: ويرجح كون الضمير في أنهعائد على نداء نوح المتضمن السؤال أنّ في مصحف ابن مسعود أنه عمل غير صالح إن تسألني ما ليس لكبه علم. وقيل: يعود على الضمير في هذه القراءة على ركوب ولد نوح معهم الذي تضمنه سؤال نوح المعنى: أنكونه مع الكافرين وتركه الركوب مع المؤمنين عمل غير صالح، وكون الضمير في أنه عائداً على غير ابن نوح عليهالسلام تكلف وتعسف لا يليق بالقرآن. قال الزمخشري: (فإن قلت): فهلا قيل إنه عمل فاسد؟ (قلت): لما نفاه من أهلهنفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستنفي معها لفظ المنفي وأذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله بصلاحهم،لا لأنهم أهلك وأقاربك، وإن هذا لما انتفي عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك. وقرأ الصاحبان: تسألنّ بتشديد النون مكسورة، وقرأأبو جعفر وشيبة وزيد بن علي كذلك، إلا أنهم أثبتوا الباء بعد النون، وابن كثر بتشديدها مفتوحة وهي قراءة ابنعباس. وقرأ الحسن وابن أبي مليكة: تسألني من غير همز، من سال يسال، وهما يتساولان، وهي لغة سائرة. وقرأ باقيالسبعة بالهمز وإسكان اللام وكسر النون وتخفيفها، وأثبت الياء في الوصل ورش وأبو عمرو، وحذفها الباقون. قال الزمخشري: فلا تلتمسملتمساً أو التماساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب حتى تقف على كنهه، وذكر المسألة دليل على أنّ النداءكان قبل أن يغرق حين خاف عليه. (فإن قلت): لم سمي نداءه سؤالاً ولا سؤال فيه؟ (قلت): قد تضمن دعاؤهمعنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة الغرق فقد استنجز، وجعل سؤالما لا يعرف كنهه جهلاً وغباوة ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين. (فإن قلت) قد وعدالله أن ينجيَ أهله، وما كان عنده أنّ ابنه ليس منهم ديناً، فلما أشفي على الغرق تشابه عليه الأمر، لأنّالعدة قد سبقت له، وقد عرف الله حكيماً لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلب إماطةالشبهة واجب، فلم زجر وجعل سؤاله جهلاً؟ (قلت): أن في جملة أهله من هو مستوجب العذاب لكونه غير صالح، وأنّكلهم ليسوا بناجين، وأنْ لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتبعلى أن اشتبه عليه ما يجب بما يجب أن لا يشتبه. وقال ابن عطية: معنى قوله: فلا تسألن ما ليسلك به علم، أي إذ وعدتك فاعلم يقيناً أنه لا خلف في الوعد، فإذا رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجبعليك أن تقف وتعلم أنّ ذلك لحق واجب عند الله، ولكنّ نوحاً عليه السلام حملته شفقة البنوة وسجية البشر علىالتعرض لنفحات الرحمة والتذكير، وعلى هذا القدر وقع عقابه، ولذلك جاء بتلطف وترج في قوله: إني أعظك أن تكون منالجاهلين. ويحتمل قوله: فلا تسألن ما ليس لك به علم، أي: لا تطلب مني أمراً لا تعلم المصلحة فيه علميقين، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي وقال: إن به يجوز أن يتعلق بلفظ عام كما قال الشاعر:

كـأن جـزائي بالعصـا أن أجلــدا    

ويجوز أن يكون به بمنزلة فيه، فتتعلق الباء بالمستقر. واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي، والمعنى فيالآية واحدة. وذكر الطبري عن ابن زيد تأويلاً في قوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين لا يناسب النبوة تركناه،ويوقف عليه في تفسير ابن عطية. وقيل: سأل نوح ربه حين صار عنه ابنه بمعزل، وقيل: قبل أن عرف هلاكه،وقيل: بعد أن عرف هلاكه سأل الله له المغفرة أنْ أسألك من أن أطلب في المستقبل ما لا علم ليبصحته تأديباً بأدبك، واتعاظاً بموعظتك، وهذه إنابة من نوح عليه السلام وتسليم لأمر الله. قال ابن عطية: والسؤال الذي وقعالنهي عنه والاستعاذة والاستغفار منه هو سؤال العزم الذي معه محاجة، وطلبه ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه. وأماالسؤال في الأمور على جهة التعلم والاسترشاد فغير داخل في هذا، وظاهر قوله: فلا تسألن ما ليس لك به علم،يعم النحوين من السؤال، ولذلك نبهت على أنّ المراد أحدهما دون الآخر، والخاسرون هم المغبونون حظوظهم من الخير انتهى، ونسبنوح النقص والذنب إلى نفسه تأدباً مع ربه فقال: وألا تغفر لي، أي ما فرط من سؤالي وترحمني بفضلك، وهذاكما قال آدم عليه السلام. {قِيلَ يٰنُوحُ نُوحٌ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌسَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنقَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ }: بني الفعل للمفعول، فقيل: القائل هو الله تعالى، وقيل: الملائكة تبليغاً عن اللهتعالى. والظاهر الأول لقوله: منا. وسنمتعهم أمر عند نزوله بالهبوط من السفينة ومن الجبل مع أصحابه للانتشار في الأرض، والباءللحال أي: مصحوباً بسلامة وأمن وبركات، وهي الخيرات النامية في كل الجهات. ويجوز أن تكون اللام بمعنى التسليم أي: اهبطمسلماً عليك مكرماً. وقرىء اهبط بضم الباء، وحكى عبد العزيز بن يحيـى وبركة على التوحيد عن الكسائي وبشر بالسلامة إيذاناًله بمغفرة ربه له ورحمته إياه، وبإقامته في الأرض آمناً من الآفات الدنيوية، إذ كانت الأرض قد خلت مما ينتفعبه من النبات والحيوان، فكان ذلك تبشيراً له بعود الأرض إلى أحسن حالها، ولذلك قال: وبركات عليك أي دائمة باقيةعليك. والظاهر أنّ من لابتداء الغاية أي: ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر. قال الزمخشري: ويحتملأن تكون من للبيان فتراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات. وقيل لهم: أمم، لأنّ الأمم تشعبتمنهم انتهى. وهذا فيه بعد تكلف، إذ يصير التقدير: وعلى أمم هم من معك، ولو أريد هذا المعنى لا غنىعنه، وعلى أمم معك أو على من معك، فكان يكون أخضر وأقرب إلى الفهم، وأبعد عن اللبس. وارتفع أمم علىالابتداء. قال الزمخشري: وسنمتعهم صفة، والخبر محذوف تقديره وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأن قوله: ممن معك، والمعنى: أنالسلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشئون ممن معك، وأمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار انتهى. ويجوز أن يكونأمم مبتدأ، ومحذوف الصفة وهي المسوغة لجواز الابتداء بالنكرة، والتقدير: وأمم منهم أي ممن معك، أي ناشئة ممن معك، وسنمتعهمهو الخبر كما قالوا: السمن منوان بدرهم، أي منوان منه، فحذف منه وهو صفة لمنوان، ولذلك جاز الابتداء بمنوان وهونكرة. ويجوز أن يقدر مبتدأ ولا يقدر صفة الخبر سنمتعهم، ومسوغ الابتداء كون المكان مكان تفصيل، فكان مثل قول الشاعر:

إذا ما بكى من خلفها انحرفت له     بشق وشق عندنا لم يحول

وقال القرطبي: ارتفعت وأممعلى معنى: ويكون أمم انتهى. فإنْ كان أراد تفسير معنى فحسن، وإن أراد الإعراب ليس بجيد، لأن هذا ليس منمواضع إضمار يكون، وقال الأخفش: هذا كما تقول كلمت: زيداً وعمر وجالس انتهى. فاحتمل أن يكون من باب عطف الجمل،واحتمل أنْ تكون الواو للحال، وتكون حالاً مقدرة لأنه وقت الأمر بالهبوط لم تكن تلك الأمم موجودة. وقال أبو البقاء:وأمم معطوف على الضمير في اهبط تقديره: اهبط أنت وأمم، وكان الفصل بينهما مغنياً عن التأكيد، وسنمتعهم نعت لأمم انتهى.وهذا التقدير والمعنى لا يصلحان، لأنّ الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله: ومن آمن، ولم يكونواقسمين كفاراً ومؤمنين، فتكون الكفار مأمورين بالهبوط مع نوح، إلا إن قدر أن من أولئك المؤمنين من يكفر بعد الهبوط،وأخبر عنهم بالحالة التي يؤولون إليها فيمكن على بعد، والذي ينبغي أن يفهم من الآية أنّ من معه ينشأ منهممؤمنون وكافرون، ونبه على الإيمان بأن المتصفين به من الله عليهم سلام وبركة، وعلى الكفر بأن المتصفين به يمتعون فيالدنيا ثم يعذبون في الآخرة، وذلك من باب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد. وظاهر قوله: ممن معك يدلعلى أنّ المؤمنين والكافرين نشأوا ممن معه، والذين كانوا معه في السفينة إن كانوا أولاده الثلاثة فقط، أو معهم نساؤهم،انتظم قول المفسرين أنّ نوحاً عليه السلام هو أبو الخلق كلهم، وسمي آدم الأصغر لذلك وإن كانوا أولاده وغيرهم علىالاختلاف في العدد، فإن كان غير أولاده مات ولم ينسل صح أنه أبو البشر بعد آدم، ولم يصح أنه نشأممن معه مؤمن وكافر، إلا إن أريد بالذين معه أولاده، فيكون من إطلاق العام ويراد به الخاص. وإن كانوا نسلواكما عليه أكثر المفسرين فلا ينتظم أنه أبو البشر بعد آدم بل الخلق بعد الطوفان منه، وممن كان معه فيالسفينة والأمم الممتعة ليسوا معينين، بل هم عبارة عن الكفار. وقيل: هم قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام.تلك إشارة إلى قصة نوح، وتقدمت أعاريب في مثل هذا التركيب في قوله:

{ ذٰلِكَ مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ }

في آل عمران، وتلك إشارة للبعيد، لأنّ بين هذه القصة والرسول مدداً لا تحصى. وقيل: الإشارة بتلك إلى آياتالقرآن، ومن أنباء الغيب وهو الذي تقادم عهده ولم يبق علمه إلا عند الله، ونوحيها إليك ليكون لك هداية وأسوةفيما لقيه غيرك من الأنبياء، ولم يكن علمها عندك ولا عند قومك، وأعلمناهم بها ليكون مثالاً لهم وتحذيراً أن يصيبهمإذا كذبوك ما أصاب أولئك، وللحظ هذا المعنى ظهرت فصاحة قوله: فاصبر على أذاهم مجتهداً في التبليغ عن الله، فالعاقبةلك كما كانت لنوح في هذا القصة. ومعنى ما كنت تعلمها: أي مفصلة كما سردناها عليك، وعلم الطوفان كان معلوماًعند العالم على سبيل الإجمال، والمجوس الآن ينكرونه. والجملة من قوله: ما كنت في موضع الحال من مفعول نوحيها، أومن مجرور إليك، وقدرها الزمخشري تقدير معنى فقال: أي مجهولة عندك وعند قومك ويحتمل أن يكون خبراً بعد خبر، والإشارةبقوله: من قبل هذا إلى الوقت أو إلى الإيحاء أو إلى العلم الذي اكتسبه بالوحي احتمالات، وفي مصحف ابن مسعودمن قبل هذا القرآن. وقال الزمخشري: ولا قومك معناه: أن قومك الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لميكن ذلك شأنهم، ولا سمعوه ولا عرفوه، فكيف برجل منهم كما تقول: لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده؟.{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَإِلاَّ مُفْتَرُونَ يٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }: وإلى عاد أخاهم معطوف علىقوله: أرسلنا نوحاً إلى قومه، عطف الواو على المجرور، والمنصوب على المنصوب، كما يعطف المرفوع والمنصوب على المرفوع والمنصوب نحو:ضرب زيد عمراً، وبكر خالداً، وليس من باب الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف والمعطوف نحو: ضربت زيداً، وفي البيتعمراً، فيجيء منه الخلاف الذي بين النحويين: هل يجوز في الكلام، أو يختص بالشعر؟ وتقدير الكلام في هود وعاد وأخوتهمنهم في الأعراف، وقراءة الكسائي غيره بالخفض، وقيل: ثم فعل محذوف أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم، فيكون إذ ذاك منعطف الجمل، والأول من عطف المفردات، وهذا أقرب لطول الفصل بالجمل الكثيرة بين المتعاطفين. وهوداً بدل أو عطف بيان. وقرأمحيصن: يا قوم بضم الميم كقراءة حفص: قل رب احكم بالحق بالضم، وهي لغة في المنادي المضاف حكاها سيبويه وغيره،وافتراؤهم قال الحسن: في جعلهم الألوهية لغير الله تعالى. وقال الزمخشري: باتخاذكم الأوثان له شركاء. والضمير في عليه عائد علىالدعاء إلى الله، ونبه بقوله: الذي فطرني، على الرد عليهم في عبادتهم الأصنام، واعتقادهم أنها تفعل، وكونه تعالى هو الفاطرللموجودات يستحق إفراده بالعبادة. وأفلا تعقلون توقيف على استحالة الألوهية لغير الفاطر، ويحتمل أن يكون أفلا تعقلون راجعاً إلى أنهإذا لم أطلب عرضاً منكم، وإنما أريد نفعكم فيجب انقيادكم لما فيه نجاتكم، كأنه قيل: أفلا تعقلون نصيحة من لايطلب عليها أجراً إلا من الله تعالى، وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك. وتقدّم الكلام في

{ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ }

أول هذه السورة قصد هود استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوة، لأنهمكانوا أصحاب زورع وبساتين وعمارات حراصاً عليها أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من هذهالقوة والبطش والبأس مهيئين في كل ناحية. وقيل: أراد القوة في المال، وقيل: في النكاح. قيل: وحبس عنهم المطر ثلاثسنين، وعقمت أرحام نسائهم. وقد انتزع الحسن بن علي رضي الله عنه من هذا ومن قوله: ويمددكم بأموال وبنين، أنكثرة الاستغفار قد يجعله الله سبباً لكثرة الولد. وأجاب من سأله وأخبره أنه ذو مال ولا يولد له بالاستغفار، فأكثرمن ذلك فولد له عشر سنين. وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: ويزدكم قوة إلى قوتكم، أنه الولدوولد الولد. وقال مجاهد وابن زيد: في الجسم والبأس، وقال الضحاك: خصباً إلى خصبكم، وقيل: نعمة إلى نعمته الأولى عليكم،وقيل: قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم. {قَالُواْ يأَبَانَا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء قَالَ إِنِى أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُواْأَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبّى وَرَبّكُمْ مَّامِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ فَإِن }: ببينة أو بحجة واضحة تدل علىصدقك، وقد كذبوا في ذلك وبهتوه كما كذبت قريش في قولهم:

{ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ }

وقد جاءهمبآيات كثيرة، أو لعمائهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات اعتقدوا ما هو آية ليس بآية فقالوا: ما جئتنا ببينةتلجئنا إلى الإيمان، وإلا فهود وغيره من الأنبياء لهم معجزات وإن لم يعين لنا بعضها. ألا ترى إلى قول رسولالله ﷺ: مَّا مِن نَّبِىٍّ إِلا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ ٱلاْيَـٰتِ مَا مّثْلِهِ آمنَ عَلَيْهِ ٱلْبَشَرِ وعن في عن قولك حال من الضمير في تاركي آلهتنا، كأنه قيل: صادرين عنقولك، قاله الزمخشري. وقيل: عن للتعليل كقوله تعالى:

{ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ }

فتتعلق بتاركي، كأنه قيل لقولك، وقدأشار إلى التعليل والسبب فيها ابن عطية، فقال: أي لا يكون قولك سبباً لتركنا، إذ هو مجرد عن آية، والجملةبعدها تأكيد وتقنيط له من دخولهم في دينه، ثم نسبوا ما صدر منه من دعائهم إلى الله وإفراده بالألوهية إلىالخبل والجنون، وأن ذلك مما اعتراه به بعض آلهتهم لكونه سبها وحرض على تركها ودعا إلى ترك عبادتها، فجعلته يتكلممكافأة بما يتكلم به المجانين، كما قالت قريش: معلم مجنون

{ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ }

واعتراك جملة محكية بنقول، فهي فيموضع المفعول، ودلت على بله شديد وجهل مفرط، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم. وقول هود لهم في جوابذلك: إني أشهد الله إلى آخره، حيث تبرأ من آلهتهم، وحرضهم كلهم مع انفراده وحده على كيده بما يشاؤون، وعدمتأخره من أعظم الآيات على صدقه وثقته بموعود ربه من النصر له، والتأييد والعصمة من أن ينالوه بمكروه، هذا وهمحريصون على قتله يرمونه عن قوس واحدة. ومثله قول نوح لقومه:

{ ثُمَّ ٱقْضُواْ إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ }

وأكد براءتهمن آلهتهم وشركهم، ووفقها بما جرت عليه عادة الناس من توثيقهم الأمر بشهادة الله وشهادة العباد. قال الزمخشري: (فإنقلت): هلا قيل: إني أشهد الله وأشهدكم (قلت): لأنّ إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنىتثبيت التوحيد، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأوللاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة انتهى. وإني بريء تنازع فيه أشهد واشهدوا، وقد يتنازع المختلفان فيالتعدي الاسم الذي يكون صالحاً، لأن يعملا فيه تقول أعطيت زيداً ووهبت لعمرو ديناراً، كما يتنازع اللازم والمتعدي نحو: قاموضربت زيداً. وما في ما تشركون موصولة، إما مصدرية، وإما بمعنى الذي أي: بريء من إشراككم آلهة من دونه، أومن الذين تشركون، وجميعاً حال من ضمير كيدوني الفاعل، والخطاب إنما هو لقومه. وقال الزمخشري: أنتم وآلهتكم انتهى. قيل: ومجاهرةهود عليه السلام لهم بالبراءة من أديانهم، وحضه إياهم على كيده هم وأصنامهم معجزة لهود، أو حرض جماعتهم عليه معانفراده وقوتهم وكثرتهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، ثم ذكر توكله عل الله معلماً أنه ربه وربهم، ومنبهاً على أنهمن حيث هو ربكم يجب عليكم أن لا تعبدوا إلا إياه، ومفوضاً أمره إليه تعالى ثقة بحفظه وانجاز موعوده، ثموصف قدرة الله تعالى وعظيم ملكه من كون كل دابة في قبضته وملكه وتحت قهره وسلطانه، فأنتم من جملة أولئكالمقهورين. وقوله: آخذ بناصيتها تمثيل، إذ كان القادر المالك يقود المقدور عليه بناصيته، كما يقاد الأسير والفرس بناصيته، حتى صارالأخذ بالناصية عرفاً في القدرة على الحيوان، وكانت العرب تجز ناصية الأسير الممنون عليه علامة أنه قد قدر عليه وقبضعلى ناصيته. قال ابن جريج: وخص الناصية لأن العرب إذا وصفت إنساناً بالذلة والخضوع قالت: ما ناصية فلان إلا بيدفلان، أي أنه مطيع له يصرفه كيف يشاء ثم أخبر أنّ أفعاله تعالى في غاية الإحكام، وعلى طريق الحق والعدلفي ملكه، لا يفوته ظالم ولا يضيع عنده من توكل عليه، قوله الصدق، ووعده الحق. وقرأ الجمهور: فإن تولواأي تتولوا مضارع تولى. وقرأ الأعرج وعيسى الثقفي: تولوا بضم التاء، واللام مضارع وليّ، وقيل: تولوا ماض ويحتاج في الجوابإلى إضمار قول، أي: فقل لهم فقد أبلغتكم، ولا حاجة تدعو إلى جعله ماضياً وإضمار القول. وقال ابن عطية: ويحتملأن يكون تولوا فعلاً ماضياً، ويكون في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب أي: فقد أبلغتكم انتهى. فلا يحتاج إلىإضمار، والظاهر أنّ الضمير في تولوا عائد على قوم هود، وخطاب لهم من تمام الجمل المقولة قبل. وقال التبريزي: هوعائد على كفار قريش، وهو من تلوين الخطاب، انتقل من خطاب قوم هود إلى الإخبار عمن بحضرة الرسول صلى اللهعليه وسلم، وكأنه قيل: أخبرهم عن قصة قوم هود، وادعهم إلى الإيمان بالله لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود، فإنتولوا فقل لهم: قد أبلغتكم. وجواب الشرط هو قوله: فق أبلغتكم، وصح أن يكون جواباً، لأن في إبلاغه إليهم رسالتهتضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل، فكأنه قيل: فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب. ويدل على ذلك الجملة الخبرية وهي قوله:ويستخلف ربي قوماً غيركم. وقال الزمخشري: (فإن قلت): الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟ (قلت): معناه فإنتولوا لم أعاقب على تفريط في الإبلاغ، فإنّ ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول.وقال ابن عطية: المعنى أنه ما عليّ كبيرهم منكم إن توليتم فقد برئت ساحتي بالتبليغ، وأنتم أصحاب الذنب في الإعراضعن الإيمان. وقرأ الجمهور: ويستخلف بضم الفاء على معنى الخبر المستأنف أي: يهلككم ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم.وقرأ حفص في رواية هبيرة: بجزمها عطفاً على موضع الجزاء، وقرأ عبد الله كذلك، وبجزم ولا تضروه، وقرأ الجمهور: ولاتضرونه أي شيئاً من الضرر بتوليتكم، لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار والمنافع. قال ابن عطية: يحتمل من المعنى وجهين:أحدهما: ولا تضرونه بذهابكم وهلاككم شيئاً أي: لا ينقص ملكه، ولا يختل أمره، وعلى هذا المعنى قرأ عبد الله بنمسعود ولا تنقصونه شيئاً. والمعنى الآخر: ولا تضرونه أي: ولا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء، ولا على انتصار منه،ولا تقابلون فعله بشيء يضره انتهى. وهذا فعل منفي ومدلوله نكرة، فينتفي جميع وجوه الضرر، ولا يتعين واحد منها. ومعنىحفيظ رقيب محيط بالأشياء علماً لا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم، وهو يحفظني مما تكيدونني به. {وَلَمَّاجَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُوَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُواْ وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْأَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ }: الأمر واحد الأمور، فيكون كناية عن العذاب، أو عن القضاء بهلاكهم. أو مصدر أمرأي أمرنا للريح أو لخزنتها. والذين آمنوا معه قيل: كانوا أربعة آلاف، قيل: ثلاثة آلاف. والظاهر تعلق برحمة منا بقوله:نجينا أي، نجيناهم بمجرد رحمة من الله لحقتهم، لا بأعمالهم الصالحة. أو كنى بالرحمة عن أعمالهم الصالحة، إذ توفيقهم لهاإنما هو بسبب رحمته تعالى إياهم. ويحتمل أن يكون متعلقاً بآمنوا أي: أنّ إيمانهم بالله وبتصديق رسوله إنما هو برحمةالله تعالى إياهم، إذ وفقهم لذلك. وتكررت التنجية على سبيل التوكيد، ولفلق من لو لاصقت منا فأعيدت التنجية وهي الأولى،أو تكون هذه النتيجة هي من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه، فأعيدت لأجل اختلاف متعلقيها. وقال الزمخشري: (فإنقلت): فما معنى تكرير التنجية؟ (قلت): ذكر أولاً أنه حين أهلك عدوهم نجاهم ثم قال ونجيناهم من عذاب غليظ علىمعنى، وكانت التنجية من عذاب غليظ قال: وذلك أن الله عز وعلا بعث عليهم السموم، فكانت تدخل في أنوفهم وتخرجمن أدبارهم وتقطعم عضواً عضواً انتهى. وهذا قاله الزجاج. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يريد، وكانت النجاة المتقدمة من عذابغليظ يريد الريح، فيكون المقصود على هذا تعديد النعمة، والمشهور في عذابهم بالريح أنها كانت تحملهم وتهدم مساكنهم وتنسفها، وتحملالظعينة كما هي، ونحو هذا. وتلك عاد إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال:

{ فَسِيحُواْ فِى ٱلاْرْضِ }

فانظروا إليها واعتبروا،ثم استأنف الأخبار عنهم فقال: جحدوا بآيات ربهم أي: أنكروها. وأضاف الآيات إلى ربهم تنبيهاً على أنه مالكهم ومربيهم، فأنكرواآياته، والواجب إقرارهم بها. وأصل جحد أن يتعدى بنفسه، لكنه أجرى مجرى كفر فعدى بالباء، كما عدى كفر بنفسه فيقوله: إلا أن عادا كفروا ربهم، إجراء له مجرى جحد. وقيل: كفر كشكر يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر. وعصوارسله، قيل: عصوا هوداً والرسل الذين كانوا من قبله، وقيل: ينزل تكذب الرسول الواحد منزلة تكذيب الرسل، لأنهم كلهم مجمعون على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته كقوله:

{ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ }

وأتبعوا أي: اتبع سقاطهم أمر رؤسائهم وكبرائهم،والمعنى: أنهم أطاعوهم فيما أمروهم به. قال الكلبي: الجبار هو الذي يقتل على الغضب، ويعاقب على المعصية، وقال الزجاج: هوالذي يجبر الناس على ما يريد. وذكر ابن الأنباري: أنه العظيم في نفسه، المتكبر على العباد. والظاهر أن قوله: واتبعواعام في جميع عاد. وقال الزمخشري: لما كانوا تابعين له دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم علىوجوههم في عذاب الله انتهى. فظاهر كلامه يدل على أن اللعنة مختصة بالتابعين للرؤساء، ونبه على علة اتباع اللعنة لهمفي الدارين بأنهم كفروا ربهم، فالكفر هو الموجب للعنة. ثم كرر التنبيه بقوله: ألا في الدعاء عليهم تهويلاً لأمرهم، وتفظيعاًله، وبعثاً على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم. وفائدة قوله: قوم هود مزيد التأكيد للمبالغة في التنصيص، أو تعيينعاد هذه من عاد ارم، لأنّ عاد إثنان ولذلك قال تعالى: وأنه أهلك، عاد الأولى فتحقق أن الدعاء على عادهذه، ولم تلتبس بغيرها.

{ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } * { قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } * { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } * { وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } * { فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } * { فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ } * { وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } * { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ } * { وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } * { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ } * { وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } * { قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ } * { قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } * { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } * { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } * { يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } * { وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } * { وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } * { قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } * { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } * { قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } * { فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ } * { مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ }[عدل]

الصيحة: فعلة للمرة الواحدة من الصياح، يقال: صاح يصبح إذا صوت بقوة. حنذتالشاة أحنذها حنذا شويتها، وجعلت فوقها حارة لتنضجها فهي حنيذ، وحنذت الفرس أحضرته شوطاً أو شوطين ثم ظاهرت عليه الجلالفي الشمس ليعرق. أوجس الرجل قال الأخفش: خامر قلبه، وقال الفراء: اتشعر، وقيل: أحسن. والوجيس ما يعتري النفس عند أوائلالفزع، ووجس في نفسه كذا خطر بها يجس وجسا ووجوساً وتوجس تسمع وتحسن. قال:

وصادقتا سمع التوجس للسرى     لهجس خفي أو لصوت مندد

الضحك معروف، وكان ينبغي أن يذكر في سورة التوبة في قوله:{فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً } ويقال: ضحك بفتح الحاء، والضحكة الكثير الضحك، والضحكة المضحوك منه، ويقال: ضحكت الأرنب أي حاضت، وأنكر أبوعبيدة والفراء وأبو عبيد: ضحك بمعنى حاض، وعرف ذلك غيرهم. وقال الشاعر أنشده اللغويون:

وضحك الأرانب فوق الصفا     كمثل دم الجوف يوم اللقا

وقال الآخر:

وعهدي بسلمى ضاحكاً في لبانة     ولم يعد حقاً ثديها أن يحلما

أي حائضاً في لبانة، واللبانة والعلاقة والشوذر واحد. ومنه ضحكت الكافورة إذا انشقت، وضحكتالشجرة سال منا صمغها وهو شبه الدم، وضحك الحوض امتلأ وفاض. الشيح: معروف، والفعل شاخ يشيخ، وقد يقال للأنثى:شيخة. قال:

وتضحـك منـي شيخــة عبشميــة    

ويجمع على أشياخ وشيوخ وشيخان، ومن أسماء الجموع مشيخة ومشيوخاً. المجيد قال ابن الأعرابي: الرفيع. يقال:مجد يمجد مجداً ومجادة ومجد، لغتان أي كرم وشرف، وأصله من قولهم: مجدت الإبل تمجد مجداً شبعت. وقال: أمجدت الدابةأكثرت علفها، وقال أبو حية النميري:

تزيد على صواحبها وليست     بماجدة الطعام ولا الشراب

أي: ليستبكثيرة الطعام ولا الشراب. وقال الليث: أمجد فلان عطاء ومجده إذا كثره، ومن أمثالهم «في كل شجر نار» واستمجد المرخوالعفار أي استكثر من النار. وقال ابن عطية: مجد الشيء إذا حسنت أوصافه. الروع: الفزع قال الشاعر:

إذا أخذتها هزة الروع أمسكت     بمنكب مقدام على الهول أروعا

والفعل راع يروع قال:

ما راعني إلا حمولة أهلها     وسط الديار نسف حب الخمخم

وقال النابغة:

فارتاع من صوت كلاب فبات له     طوع الشوامت من خوف ومن صرد

والروع بضم الراء النفس، لأنها موضع الروع. الذرع مصدرذرع البعير بيديه في سيره إذا سار على قدر خطوه، مأخوذ من الذراع، ثم وضع موضع الطاقة فقيل: ضاق بهذرعاً. وقد يجعلون الذراع موضع الذراع قال:

إليك إليك ضـاق بهـا ذرعاً    

وقيل: كنى بذلك عن ضيق الصدر. العصيب والعصبصبوالعصوصب الشديد اللازم، الشر الملتف بعضه ببعض قال:

وكنت لزاز خصمك لم أعدد     وقد سلكوك في يوم عصيب

قال أبو عبيدة: سمى عصيباً لأنه يعصب الناس بالشر، والعصبة والعصابة الجماعة المجتمعة كلمتهم، أو المجتمعونفي النسب. وتعصبت لفلان وفلان معصوب أي: مجتمع الخلق. الإهراغ: قال شمر مشي بين الهرولة والجمز. وقال الهروي: هرع الرجلوأهرع استحث. الضيف: مصدر، وإذا أخبر به أو وصف لم يطابق في تثنية ولا جمع، هذا المشهور. وسمع فيه ضيوفوأضياف وضيفان. الركن: معروف وهو الناحية من البيت، أو الجبل. ويقال: ركن بضم الكاف، ويجمع على أركان وأركن. وركنت إلىفلان انضويت إليه. سرى وأسرى بمعنى واحد قاله أبو عبيدة والأهري، وعن الليث أسرى سار أو الليل، وسرى سار آخره،ولا يقال في النهار إلا سار. السجيل والسجين الشديد من الخجر قاله أبو عبيدة. وقال الفراء: طين طبخ حتى صاربمنزلة الآجر. وقيل: هو فارسي، وسنك الحجر، وكل الطين يعرب فقيل: سجين. المنضود: المجمعول بعضه فوق بعض. {وَإِلَىٰ ثَمُودَأَخَاهُمْ صَـٰلِحًا قَالَ يَـٰقَوْمِ قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلاْرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَافَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى }: قرأ ابن وثاب والأعمش: وإلى ثمود بالصرف على إرادة الحي، والجمهور على منعالصرف ذهاباً إلى القبيلة. أنشأكم اخترعكم وأوجدكم، وذلك باختراع آدم أصلهم، فكان إنشاء الأصل إنشاء للفرع. وقيل: من الأرض باعتبارالأصل المتولد منه النبات، المتولد منه الغذاء، المتولد منه المني ودم الطمث، المتولد منهما الإنسان. وقيل: من بمعنى في واستعمركمجعلكم عماراً. وقيل: استعمركم من العمر أي: استبقاكم فيها قاله الضحاك أي، أطال أعماركم. وقيل: من العمرى، قاله مجاهد: فيكوناستعمر في معنى أعمر، كاستهلكه في معنى أهلكه. والمعنى: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم. أو بمعنى: جعلكم معمريندياركم فيها، لأنّ من ورث داره من بعده فإنه أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره. وقال زيد بنأسلم: استعمركم أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وغرس أشجار. وقيل: ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهاروغيرها، إن ربي قريب أي: داني الرحمة، مجيب لمن دعاه. قد كنت فينا مرجواً. قال كعب: كانوا يرجوه للملكة بعدملكهم، لأنه كان ذا حسب وثروة. وعن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا. وقال مقاتل: كانوا يرجعون رجوعه إلىدينهم، إذ كان يبغض أصنامهم، ويعدل عن دينهم، فلما أظهر إنذارهم انقطع رجاؤهم منه. وذكر الماوردي يرجون خيره، فلما أنذرهمانقطع رجاؤه خيره. وبسط الزمخشري هذا القول فقال: فينا فيما بيننا مرجواً كانت تلوح فيك مخايل الخير وجمارات الرشد، فكنانرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور مسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك، وعلمنا أنْ لاخير فيك انتهى. وقيل: لما كان قوى الخاطر، وكان من قبيلتهم، قوي رجاؤهم في أنْ ينصر دينهم ويقوي مذهبهم. وقالابن عطية: والظاهر الذي حكاه الجمهور أن قوله: مرجواً مشوراً، نؤمل فيك أن تكون سيداً سادًّا مسدّ الأكابر، ثم قرروهعلى التوبيخ في زعمهم بقولهم: أتنهانا. وحكى النقاش عن بعضهم أنه قال: معناه حقيراً، فإما أن يكون لفظ مرجو بمعنىحقير، فليس ذلك في كلام العرب، وإنما يتجه ذلك على جهة التفسير للمعنى، وذلك أنّ القصد بقولهم: مرجواً بقول: لقدكنت فينا سهلاً مرامك، قريباً رد أمرك ممن لا يظن أنْ يستعجل من أمره مثل هذا. فمعنى مرجواً أي: مؤخراًاطراحه وغلبته. ونحو هذا فيكون ذلك على جهة الاحتقار، ولذلك فسر بحقير، ثم يجيء قولهم: أتنهانا، على جهة التوعد والاستبشاعلهذه المقالة منه انتهى. وما يعبد آباؤنا حكاية حال ماضية، وأنا وإننا لغتان لقريش. قال الفراء: من قال إننا أخرجالحرف على أصله، لأن كناية المتكلمين نا، فاجتمعت ثلاث نونات. ومن قال: أنا استثقل، اجتماعها، فأسقط الثالثة وأبقى الأولتين انتهى.والذي أختاره أن نا ضمير المتكلمين لا تكون المحذوفة، لأن في حذفها حذف بعض اسم وبقي منه حرف ساكن، وإنماالمحذوفة النون الثانية أنّ فحذفت لاجتماع الأمثال، وبقي من الحرف الهمزة والنون الساكنة، وهذا أولى من حذف ما بقي منهحرف. وأيضاً فقد عهد حذف هذه النون مع غير ضمير المتكلمين، ولم يعهد حذف نون نا، فكان حذفها من أنأولى. ومريب اسم فاعل من متعد، أرابه أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة. أو من لازم أراب الرجلإذا كان ذا ريبة، وأسند ذلك إلى الشك إسناداً مجازياً، ووجود مثل هذا الشك كوجود التصميم على الكفر. {قَالَيَـاءادَمُ قَوْمٌ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةً مّن رَّبّى وَءاتَـٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِإِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا }: تقدم الكلام في أرأيتم في قصة نوح، والمفعول الثاني هنا لا رأيتم محذوف يدل عليه قوله:فمن ينصرني من الله إن عصيته، والتقدير: أعصيه في ترك ما أنا عليه من البينة. وقال ابن عطية: أرأيتم هومن رؤية القلب، والشرط الذي بعده وجوابه يسد مسد مفعولي علمت وأخواتها، وإدخال أداة الشرط التي هي إن على جملةمحققة، وهي كان على بينة من ربه، لكنه خاطب الجاحدين للبينة فكأنه قال: قدروا أني على بينة من ربي وانظرواإنْ تابعتكم وعصيت ربي في أو أمره، فمن يمنعني من عذابه؟ قال ابن عطية: وفي الكلام محذوف تقديره: أيضرني شككم،أو أيمكنني طاعتكم، ونحو هذا مما يليق بمعنى الآية انتهى. وهذا التقدير الذي قدره استشعار منه بالمفعول الثاني الذي يقتضيهأرأيتم، وأن الشرط وجوابه لا يقعان ولا يسدان مسد مفعولي أرأيتم، والذي قدرناه نحن هو الظاهر لدلالة قوله: فمن ينصرنيمن الله إن عصيته، فما تزيدونني غير تخسير. قال الزمخشري: غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران، وأقول أنكم خاسرونانتهى. يفعل هذا للنسبة كفسقته وفجرته أي: نسبته أي الفق والفجور. قال ابن عباس: معناه ما تزيدونني بعبادتكم إلا بصارةفي خسرانكم انتهى. فهو على حذف مضاف أي: غير بصاوة تخسيركم. وقال مجاهد: ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادة آبائكم إلاخساراً، وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان سألهم الإيمان. وقال ابن عطية: فما تعطوني فيما اقتضيته منكم منالإيمان غير تخسير لأنفسكم، وهو من الخسارة وليس التخسير إلا لهم، وفي حيزهم، وأضاف الزيادة إليه من حيث هو مقتضلأقوالهم موكل بإيمانهم كما تقول لمن توصيه: أنا أريدك خيراً وأنت تريدني سوأ، وكان الوجه البين أن يقول: وأنت تريدشراً، لكن من حيث كنت مريد خير، ومقتضى ذلك حسن أن يضيف الزيادة إلى نفسك انتهى. وقيل: التقدير فما تحملوننيعليه، غير أني أخسركم أي: أرى منكم الخسران. وقيل: التقدير تخسروني أعمالكم وتبطلونها. قيل وهذا أقرب، لأن قوله: فمن ينصرنيمن الله إن عصيته كالدلالة على أنه أراد إن اتبعتكم فيما أنتم عليه ودعوتموني إليه لم أزدد إلا خسراناً فيالدين، فأصبر من الهالكين الخاسرين. وانتصب آية على الحال، والخلاف في الناصب في نحو هذا زيد منطلقاً، أهو حرف التنبيه؟أو اسم الإشارة؟ أو فعل محذوف؟ جاز في نصب آية ولكم في موضع الحال، لأنه لو تأخر لكان نعتاً لآية،فلما تقدم على النكرة كان حالاً، والعامل فيها محذوف. وقال الزمخشري: (فإن قلت): فبم يتعلق لكم؟ (قلت): بآية حالاًمنها متقدمة، لأنها لو تأخرت لكان صفة لها، فلما تقدمت انتصب على الحال انتهى. وهذا متناقض، لأنه من حيث تعلقلكم بآية كان لكم معمولاً لآية، وإذا كان معمولاً لها امتنع أن يكون حالاً منها، لأنّ الحال تتعلق بمحذوف، فتناقضهذا الكلام، لأنه من حيث كونه معمولاً لها كانت هي العاملة، ومن حيث كونه حالاً منها كان العامل غيرها، وتقدمالكلام على الجمل التي بعد آية. وقرأت فرقة: تأكل بالرفع على الاستئناف، أو على الحال. وقريب عاجل لا يستأخر عنمسكموها بسوء إلا يسيراً، وذلك ثلاثة أيام، ثم يقع عليكم، وهذا الإخبار بوحي من الله تعالى فعقروها نسب إلى جميعهموإن كان العاقر واحداً لأنه كان برضا منهم، وتمالؤا. ومعنى تمتعوا استمتعوا بالعيش في داركم في بلدكم، وتسمي البلاد الديارلأنها يدار فيها أي: يتصرف، يقال: ديار بكر لبلادهم قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: في داركم جمع دارة، كساحة وساحوسوح، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:

له داع بمكة مشمعل     وآخر فوق دارته ينادي

ويمكن أن يسمي جميع مسكن الحي داراً انتهى. ذلك أي: الوعد بالعذاب غير مكذوب، أي صدق حق. والأصل غيرهمكذوب فيه، فاتسع فحذف الحرف وأجرى الضمير مجرى المفعول به، أو جعل غير مكذوب لأنه وفى به فقد صدق، أوعلى أنّ المكذوب هنا مصدر عند من يثبت أنّ المصدر يجيء على زنة مفعول. {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحاًوَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ وَأَخَذَ }: والكلام في جاء أمرنا كالكلامالسابق في قصة قوم هود. قيل: الواو زائدة في ومن أي من خزي يومئذ فيتعلق من بنجينا، وهذا لا يجوزعند البصريين، لأن الواو لا تزاد عندهم بل تتعلق من بمحذوف أي: ونجيناهم من خزي، أي وكانت التنجية من خزييومئذ. وقرأ طلحة وأبان بن تغلب: ومن خزي بالتنوين، ونصب يومئذ على الظرف معمولاً لخزي. وقرأ الجمهور بالإضافة، وفتح الميمنافع والكسائي، وهي فتحة بناء لإضافته إلى إذ، وهو غير متمكن. وقرأ باقي السبعة بكسر الميم وهي حركة إعراب، والتنوينفي إذ تنوين عوض من الجملة المحذوفة المتقدمة الذكر أي: ومن فضيحة يوم إذ جاء الأمر وحل بهم. وقال الزمخشري:ويجوز أن يريد بيومئذ يوم القيامة، كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة انتهى. وهذا ليس مجيد، لأن التنوين في إذتنوين العوض ولم يتقدم إلا قوله، فلما جاء أمرنا ولم تتقدم جملة فيها ذكر يوم القيامة ولا ما يكون فيها،فيكون هذا التنوين عوضاً من الجملة التي تكون في يوم القيامة. وناسب مجيء الأمر وصفه تعالى بالقوي العزيز، فإنهما منصفات الغلبة والقهر والانتقام، والجملة التي بعد هذا تقدم الكلام عليها في الأعراف ألا إن ثمود، منع حمزة وحفص صرفه،وصرفه الباقون، لثمود صرفه الكسائي، ومنعه باقي السبعة. {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرٰهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ فَمَا لَبِثَأَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّنَاأُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ وَٱمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يٰأَيُّهَا *يٰوَيْلَتَا ءأَلِدُ وَأَنَاْعَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِإِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ }: تقدم أن ترتيب قصص هذه السورة كترتيب قصص الأعراف، وإنما أدرج شيئاً من أخبار إبراهيم عليهالسلام بين قصة صالح ولوط، لأنّ له مدخلاً في قصة لوط، وكان ابراهيم بن خالة لوط. والرسل هنا الملائكة، بشرتإبراهيم بثلاث بشائر: بالولد، وبالخلة، وبإنجاء لوط ومن آمن معه. قيل: كانوا اثنى عشر ملكاً، روى ذلك عن ابن عباس.وقال السدي: أحد عشر، وحكى صاحب الغنيان عشرة منهم جبريل. وقال الضحاك: تسعة، وقال محمد بن كعب: ثمانية، وحكى الماوردي:أربعة، وقال ابن عباس وابن جبير: ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقال مقاتل: جبريل، وميكائيل، وملك الموت. وروي: أن جبريل عليهالسلام كان مختصاً بإهلاك قوم لوط، وميكائيل ببشرى إبراهيم بإسحاق عليهما السلام، وإسرافيل بإنجاء لوط ومن آمن معه. قيل: وكانتالملائكة جرداً مرداً على غاية من الحسن والجمال والبهجة، ولهذا يضرب بهم المثل في الحسن كما قال تعال حكاية عماقيل في يوسف:

{ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }

وقال الغزي:

قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة     حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا

وانتصب سلاماً على إضمار الفعل أي: سلمنا عليك سلاماً، فسلاماً قطعه معمولاًللفعل المضمر المحكى بقالوا، قال ابن عطية: ويصح أن يكون سلاماً حكاية لمعنى ما قالوا، لا حكاية للفظهم، قاله: مجاهد،والسدي. ولذلك عمل فيه القول، كما تقول لرجل قال: لا إله إلا الله قلت: حقاً وإخلاصاً، ولو حكيت لفظهم لميصح أن يعمل فيه القول انتهى. ويعني لم يصح أن يعمل في لفظهم القول، يعني في اللفظ، وإن كان مالفظوا به في موضع المفعول للقول. وسلام خبر مبتدأ محذوف أي: أمري أو أمركم سلام، أو مبتدأ محذوف الخبر أي:عليكم سلام، والجملة محمية وإن كان حذف منها أحد جزءيها كما قال:

إذا ذقت فاهاً قلت طعم مدامة    

أي طعمه طعم مدامة.وقرأ الإخوان قال: سلم، والسلم السلام كحرم وحرام، ومنه قول الشاعر:

مررنا فقلنا ايه سلم فسلمت     كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح

اكتل اتخذ إكليلاً. قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالسلم ضد الحرب تقول: نحنسلم لكم انتهى. ونصب سلاماً يدل على التجدد، ورفع سلام يدل على الثبوت والاستقرار، والأقرب في إعراب فما لبث أنتكون ما نافية، ولبث معناه تأخر وأبطأ، وأن جاء فاعل بلبث التقدير فما تأخر مجيئه قاله: الفراء. وجوزوا أن يكونفي لبث ضمير إبراهيم فهو فاعل، وأن جاء على إسقاط الحرف فقدر بأن وبعن، وبفي، وجعل بعضهم أن بمعنى حتىحكاه ابن العربي. وأن تكون ما مصدرية، وذلك المصدر في موضع رفع بالابتداء، وأن تكون بمعنى الذي أي: فلبثه، أوالذي لبثه، أو الذي لبثه، والخبر أن جاء على حذف أي: قدر مجيئه، وهذا من أدب الضيافة، وهو تعجيل القرى.وكان مال إبراهيم البقر، فقدم أحسن ما فيه وهو العجل. قال مجاهد: حنيذ مطبوخ، وقال الحسن: نضج مشوي سمين يقطرودكا. وقال السدي: سمين، وقيل: سميط لا يصل إليه، أي إلى العجل. والمعنى: لا يمدون أيديهم إلى أكله، فلم ينفالوصول الناشىء عن المدبل، جعل عدم الوصول استعارة عن امتناعهم من الأكل. نكرهم أي أنكرهم قال الشاعر:

وأنكرتني وما كان الذي نكرت     من الحوادث إلا الشيب والصلعا

. وقيل: نكر فيما يرى، وأنكر فيما لا يرى من المعاني،فكأنّ الشاعر قال: وأنكرت مودتي ثم جاءت بنكر الشيب والصلع مما يرى بالبصر. ومنه قول أبي ذؤيب:

فنكرنه فنفرن وامترست بههو جاء هادية وهاد جرشع    

وروي أنهم كانوا ينكثون بقداح كانت بأيديهم في اللحم ولا تصلأيديهم إليه، وينبغي أن ينظر من الضيف هل يأكل أولاً ويكون بتلفت ومسارعة، لا بتحديد النظر، لأن ذلك مما يجعلالضيف مقصراً في الأكل. قيل: كان إبراهيم عليه السلام ينزل في طرف من الأرض مخافة أن يريدوا به مكروهاً. وقيل:كانت عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوا وإلا خافوه. قال الزمخشري: ويظهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم، لأنه تخوفأن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه. ألا ترى إلى قولهم: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوملوط، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيما أرسلوا. قال مقاتل: فأوجس وقع في قلبه. وقال الحسن: حدث بهنفسه، قيل: وأصل الوجوس الدخول، فكان الخوف دخل عليه. والظاهر أنه لم يعرف أنهم ملائكة لمجيئهم في صورة البشر، وكانمشغوفاً بإكرام الأضياف، فلذلك جاؤوا في صورهم، ولمسارعته إلى إحضار الطعام إليهم، ولأنّ امتناع الملائكة من الأكل لا يدل علىحصول الشر، وإنما عرف أنهم ملائكة بقولهم: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط، فنهوه عن شيء وقع في نفسه،وعرفوا خيفته بكون الله جعل لهم من الاطلاع ما لم يجعل لغيرهم كقوله تعالى:

{ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }

وفي الحديثالصحيح: قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ رَبّى عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة الحديث، أو بما يلوح في صفحات وجه الخائف.وامرأته قائمة جملة من ابتداء وخبر قال الحوفي وأبو البقاء: في موضع الحال، قال أبو البقاء: من ضمير الفاعل فيأرسلنا، يعني المفعول الذي لم يسم فاعله، والزمخشري يسميه فاعلاً لقيامه مقام الفاعل. وقال الحوفي: والتقدير أرسلنا إلى قوم لوطفي حال قيام امرأته، يعني امرأة ابراهيم. والظاهر أنه حال من ضمير قالوا أي: قالوا لا إبراهيم لا تخف فيحال قيام امرأته وهي سارة بنت هاران بن ناخور وهي ابنة عمه، قائمة أي: لخدمة الأضياف، وكانت نساؤهم لا تحتجبكعادة الأعراب، ونازلة البوادي والصحراء، ولم يكن التبرج مكروهاً، وكانت عجوزاً، وخدمة الضيفان مما يعد من مكارم الأخلاق قاله: مجاهد.وجاء في شريعنا مثل هذا من حديث أبي أسيد الساعدي: وكانت امرأته عروساً، فكانت خادمة الرسول ومن حضر معه منأصحابه. وقال وهب: كانت قائمة وراء الستر تسمع محاورتهم. وقال ابن إسحاق: قائمة تصلي. وقال المبرد: قائمة عن الولد. قالالزمخشري: وفي مصحف عبد الله وامرأته قائمة وهو قاعد. وقال ابن عطية: وفي قراءة ابن مسعود: وهي قائمة وهو جالس.ولم يتقدّم ذكر امرأة ابراهيم فيضمر، لكنه يفسره سياق الكلام. قال مجاهد وعكرمة: فضحكت حاضت. قال الجمهور: هو الضحكالمعروف. فقيل: هو مجاز معبر به عن طلاقة الوجه وسروره بنجاة أخيها وهلاك قومه، يقال: أتيت على روضة تضحك أيمشرقة. وقيل: هو حقيقة. فقال مقاتل: وروي عن ابن عباس ضحكت من شدّة خوف إبراهيم وهو في أهله وغلمانه. والذينجاؤه ثلاثة، وهي تعهده يغلب الأربعين، وقيل: المائة. وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم. وقال السدي:ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت: عجباً لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا، وهم لا يأكلون طعامنا. وقال وهب بن منبه: ورويعن ابن عباس: ضحكت من البشارة بإسحاق، وقال: هذا مقدم بمعنى التأخير. وذكر ابن الأنباري أنّ ضحكها كان سروراً بصدقظنها، لأنها كانت تقول لابراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطاً وكان أخاها، فإنه سينزل العذاب بقومه. وقيل: ضحكت لما رأتمن المعجز، وهو أنّ الملائكة مسحت العجل الحنيذ فقام حياً يطفر، والذي يظهر والله أعلم أنهم لما لم يأكلوا، وأوجسفي نفسه خيفة بعدما نكر حالهم، لحق المرأة من ذلك أعظم ما لحق الرجل. فلما قالوا: لا تخف، وذكروا سببمجيئهم زال عنه الخوف وسرّ، فلحقها هي من السرور إن ضحكت، إذ النساء في باب الفرح والسرور أطرب من الرجالوغالب عليهن ذلك. وقد أشار الزمخشري إلى طرف من هذا فقال: ضحكت سروراً بزوال الخيفة. وذكر محمد بن قيس سبباًلضحكها تركنا ذكره لفظاعته، يوقف عليه في تفسير ابن عطية: وقرأ محمد بن زياد الأعرابي رجل من قراء مكة: فضحكتبفتح الحاء. قال المهدوي: وفتح الحاء غير معروف، فبشرناها هذا موافق لقوله تعالى: ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى، والمعنى: فبشرناهاعلى لسان رسلنا بشرتها الملائكة بإسحاق، وبأن إسحاق سيلد يعقوب. قال ابن عطية: أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم اللهتعالى، إذ كان ذلك بأمره ووحيه. وقال غيره: لما ولد لابراهيم اسماعيل عليهما السلام من هاجر تمنت سارة أن يكونلها ابن، وأيست لكبر سنها، فبشرت بولد يكون نبياً وبلد نبياً، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. وإنمابشروها دونه، لأنّ المرأة أعجل فرحاً بالولد، ولأن إبراهيم قد بشروه وأمنوه من خوفه، فأتبعوا بشارته ببشارتها. وقيل: خصت بالبشارةحيث لم يكن لها ولد، وكان لإبراهيم عليه السلام ولده إسماعيل. والظاهر أن وراء هنا ظرف استعمل اسماً غيرظرف بدخول من عليه كأنه قيل: ومن بعد إسحاق، أو من خلف إسحاق، وبمعنى بعد، روي عن ابن عباس واختارهمقاتل وابن قتيبة، وعن ابن عباس أيضاً: أن الوراء ولد الولد، وبه قال الشعبي: واختاره أبو عبيدة. وتسميته وراء هيقريبة من معنى وراء الظرف، إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده. فإن قيل: كيف يكون يعقوب وراء لإسحاق وهوولده لصلبه، وإنما الوراء ولد الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: المعنى ومن الوراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب، لأنهقد كان الوراء لإبراهيم من جهة إسحاق، فلو قال: ومن الوراء يعقوب، لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أمإلى إسماعيل، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس انتهى. وبشرت من بين أولاد إسحاق بيعقوب، لأنها رأته ولم ترغيره، وهذه البشارة لسارة كانت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وابراهيم ابن مائة سنة. وقيل: كان بينهما غير ذلك، وهيأقوال متناقضة. وهذه الآية تدل على أنّ إسماعيل هو الذبيح، لأن سارة حين أخدمها الملك الجبار هاجر أم إسماعيلكانت شابة جميلة، فاتخذ إبراهيم هاجر سرية، فغارت منها سارة، فخرج بها وبابنها إسماعيل من الشام على البراق، وجاء منيومه مكة، وانصرف إلى الشام من يومه، ثم كانت البشارة بإسحاق وسارة عجوز محالة، وسيأتي الدليل على ذلك أيضاً منسورة والصافات. ويجوز أن يكون الله سماها حالة البشارة بهذين الاسمين، ويجوز أن يكون الإسمان حدثا لها وقت الولادة، وتكونالبشارة بولد ذكر بعده ولد ذكر، وحالة الإخبار عن البشارة ذكراً باسمها كما يقول المخبر: إذا بشر في النوم بولدذكر فولد له ولد ذكر فسماه مثلاً عبد الله: بشرت بعبد الله. وقرأ الحرميان، والنحويان، وأبو بكر يعقوب: بالرفع علىالابتداء ومن وراء الخبر كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب كائن، وقدره الزمخشري مولود أو موجود. قال النحاس: والجملة حالداخلة في البشارة أي: فبشرناها بإسحاق متصلاً به يعقوب. وأجاز أبو علي أنْ يرتفع بالجار والمجرور، كما أجازه الأخفش أي:واستقرّ لها من وراء إسحاق يعقوب. وقالت فرقة: رفعه على القطع بمعنى ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب. وقال النحاس: ويجوزأن يكون فاعلاً بإضمار فعل تقديره: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب. قال ابن عطية: وعلى هذا لا تدخل البشارة انتهى.ولا حاجة إلى تكلف القطع والعدول عن الظاهر المقتضى للدخول في البشارة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص، وزيد بنعلي: يعقوب بالنصب. قال الزمخشري: كأنه قيل ووهبنا له إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله: ليسوا مصلحين عشيرة،ولا ناعب، انتهى. يعني أنه عطف على التوهم، والعطف على التوهم لا ينقاس، والأظهر أن ينتصب يعقوب بإضمار فعل تقديره:ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، ودل عليه قوله: فبشرناها لأن البشارة في معنى الهبة، ورجح هذا الوجه أبو علي ومنذهب إلى أنه مجرور معطوف على لفظ بإسحاق، أو على موضعه. فقوله ضعيف، لأنه لا يجوز الفصل بالظرف أو المجروربين حرف العطف ومعطوفه المجرور، لا يجوز مررت بزيد اليوم وأمس عمرو، فإن جاء ففي شعر. فإنْ كان المعطوف منصوباًأو مرفوعاً، ففي جواز ذلك خلاف نحو: قام زيد واليوم عمرو، وضربت زيداً واليوم عمراً والظهر أن الألف في ياويلتا بدل من ياء الإضافة نحو: يا لهفا ويا عجباً، وأمال الألف من يا ويلتا عاصم وأبو عمرو والأعشى، إذهي بدل من الياء. وقرأ الحسن: يا ويلتي بالياء على الأصل. وقيل: الألف ألف الندبة، ويوقف عليها بالهاء. وأصل الدعاءبالويل ونحوه في التفجع لشدة مكروه يدهم النفس، ثم استعمل بعد في عجب يدهم النفس. ويا ويلتا كلمة تخف علىأفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، واستفهمت بقولها أألد استفهام إنكار وتعجب، وأنا عجوز وما بعده جملتا حال،وانتصب شيخاً على الحال عند البصريين، وخبر التقريب عند الكوفيين. ولا يستغنى عن هذه الحال إذا كان الخبر عروفاً عندالمخاطب، لأنّ الفائدة إنما تقع بهذه الحال، أما إذا كان مجهولاً عنده فأردت أن تفيد المخاطب ما كان يجهله، فتجيءالحال على بابها مستغنى عنها. وقرأ ابن مسعود وهو في مصحفه والأعمش، شيخ بالرفع. وجوزوا فيه. وفي بعلي أنيكونا خيرين كقولهم: هذا حلو حامض، وأن يكون بعلى الخبر، وشيخ خبر محذوف، أو بدل من بعلي، وأن يكون بعليبدلاً أو عطف بيان، وشيخ الخبر. والإشارة بهذا إلى الولادة أو البشارة بها تعجبت من حدوث ولد بين شيخين هرمين،واستغربت ذلك من حيث العادة، لا إنكاراً لقدرة الله تعالى. قالوا: أي الملائكة أتعجبين؟ استفهام إنكار لعجبها. قال الزمخشري: لأنهاكانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادة، فكان عليها أن تتوفر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء فيغير بيت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب. وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم: رحمة الله وبركاته عليكم أهلالبيت، أرادوا أنّ هذه وأمثالها مما يكرمكم رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة؟ فليست بمكان عجيب، وأمرالله قدرته وحكمته. وقوله: رحمة الله وبركاته عليكم كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإن أمثالهذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل، لأن الأنبياء منهم، وكلهم منولد إبراهيم انتهى. وقيل: رحمته تحيته، وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة. وروي أن سارة قالت لجبريل عليه السلام: ما آيةذلك؟ فأخذ عوداً بابساً فلواه بين أصابعه، فاهتز أخضر، فسكن روعها وزال عجبها. وهذه الجملة المستأنفة يحتمل أن تكون خبراًوهو الأظهر، لأنه يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، ويحتمل أن يكون دعاء وهو مرجوح، لأن الدعاء إنما يقتضي أنه أمريترجى ولم يتحصل بعد. وأهل منصوب على النداء، أو على الاختصاص، وبين النصب على المدح والنصب على الاختصاص فرق، ولذلكجعلهما سيبويه في بابين وهو أنّ المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح، كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعهالذم، والمنصوب على الاختصاص لا يكون إلا لمدح أو ذم، لكن لفظه لا يتضمن بوضعه المدح ولا الذم كقوله: بناتميماً يكشف الضباب. وقوله: ولا الحجاج عيني بنت ماء. وخطاب الملائكة أياهاً بقولهم: أهل البيت، دليل على اندراج الزوجة فيأهل البيت، وقد دل على ذلك أيضاً في سورة الأحزاب خلافاً للشيعة إذ لا يعدون الزوجة من أهل بيت زوجها،والبيت يراد به بيت السكنى. إنه حميد: وقال أبو الهيثم تحمد أفعاله وهو بمعنى المحمود. وقال الزمخشري: فاعل ما يستوجبمن عباده، مجيد كريم كثير الإحسان إليهم. {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍإِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ مُّنِيبٌ يإِبْرٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُمَرْدُودٍ } الروع الخيفة التي كان أو جسها في نفسها حين نكر أضيافه، والمعنى: اطمأن قلبه بعلمه أنّهم ملائكة. والبشرىتبشيره بالولد، أو بأنَّ المراد بمجيئهم غيره. وجواب لما محذوف كما حذف في قوله:

{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ }

وتقديره: اجترأعلى الخطاب اذ فطن للمجادلة، أو قال: كيت وكيت. ودل على ذلك الجملة المستأنفة وهي يجادلنا، قال معناه الزمخشري. وقيل:الجواب يجادلنا وضع المضارع موضع الماضي، أي جادلنا. وجاز ذلك لوضوح المعنى، وهذا أقرب الأقوال. وقيل: يجادلنا حال من إبراهيم،وجاءته حال أيضاً، أو من ضمير في جاءته. وجواب لما محذوف تقديره: قلنا يا إبراهيم أعرض عن هذا، واختار هذاالتوجيه أبو علي. وقيل: الجواب محذوف تقديره: ظل أو أخذ يجادلنا، فحذف اختصاراً لدلالة ظاهر الكلام عليه. والمجادلة قيل: هيسؤاله العذاب واقع بهم لا محالة، أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطاعة. وقيل: تكلماً على سبيل الشفاعة، والمعنى: تجادلرسلنا. وعن حذيفة انهم لما قالوا له: إنا مهلكوا أهل هذه القرية قال: أرأيتم ان كان فيها خمسون من المسلمين،أتهكلونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيهم عشرةأو خمسة شك الراوي؟ قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل. واحد من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلكقال: إنَّ فيها لوطا، قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله. وكان ذلك من إبراهيم حرصاً على إيمان قوم لوطونجاتهم، وكان في القرية أربعة آلاف ألف انسان وتقدم تفسير حليم وأواه ومنيب. يا إبراهيم أي: قالت الملائكة، والاشارة بهذاإلى الجدال والمحاورة في شيء مفروغ منه، والأمر ما قضاه وحكم به من عذابه الواقع بهم لا محالة. ولا مردله بجدال، ولا دعاء، ولا غير ذلك. وقرأ عمرو بن هرم: وإنهم أتاهم بلفظ الماضي، وعذاب فاعل به عبر بالماضيعن المضارع لتحقق وقوعه كقوله

{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ }

. {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَهَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ قَوْمٌ هَـؤُلاء بَنَاتِىهُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِىبَنَاتِكَ مِنْ حَقّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }خرجت الملائكة من قرية إبراهيم إلى قرية لوط وبنيهما قيل: ثمانية أميال. وقيل: أربعة فراسخ، فأتوها عشاء. وقيل: نصف النهار،ووجدوا لوطا في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء في نهر سدوم، وهي أكبر حواضر قوم لوط، فسألوها الدلالةعلى من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم منقوم لوط وقالت لهم: مكانكم، وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم فقالوا: إنّانريد أنْ تضيفنا الليلة فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال: أشهد بالله انهم شرقوم في الأرض. وقد كان الله قال للملائكة: لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال هذه قالجبريل: هذه واحدة، وتردد القول منهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل لوط المدينة فحينئذ سيء بهم أي:لحقه سوء بسببهم، وضاق ذرعه بهم، وقال: هذا يوم عصيب أي شديد، لما كان يتخوفه من تعدى قومه على أضيافه.وجاءه قومه يهرعون إليه، لما جاء لوط بضيفه لم يعلم بذلك أحداً لا أهل بيته، فخرجت امرأته حتى أتت مجالسقومها فقالت: إن لوطاً قد أضاف الليلة فتية ما رؤي مثلهم جمالاً وكذا وكذا، فحينئذ جاؤا يهرعون أي: يسرعون، كمايدفعون دفعاً فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه. وقرأ الجمهور: يهرعون مبنياً للمفعول من أهرع أي يهرعهم الطمع. وقرأت فرقة:يهرعون بفتح الياء من هرع. وقال مهلهل:

فجاؤا يهرعون وهم أسارى     يقودهم على رغم الانوف

ومن قبل كانوا يعملون السيئة أي: كان ذلك ديدنهم وعادتهم، أصروا على ذلك ومرنوا عليه، فليس ذلك بأول انشاءهذه المعصية، جاؤا يهرعون لا يكفهم حياء لضراوتهم عليها، والتقدير في ومن قبل أي: من قبل مجيئهم. إلى هؤلاء الاضيافوطلبهم إياهم. وقيل: ومن قبل بعث لوط رسولاً إليهم. وجمعت السيآت وإن كان المراد بها معصية اتيان الذكور، إما باعتبارفاعليها، أو باعتبار تكررها. وقيل: كانت سيآت كثيرة باختلاف أنواعها، منها اتيان الذكور، واتيان النساء في غير المأتي، وحذف الحصا،والحيق في المجالس والاسواق، والمكاء، والصفير، واللعب بالحمام، والقمار، والاستهزاء بالناس في الطرقات، ووضع درهم على الأرض وهم بعيدون منهفمن أخذه صاحوا عليه وخجلوه، وإنْ أخذه صبي تابعوه وراودوه. هؤلاء بناتي: الاحسن أنْ تكون الإضافة مجازية، أي: بنات قومي،أي البنات أطهر لكم، إذا لنبي يتنزل منزلة الاب لقومه. وفي قراءة ابن مسعود:

{ ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ }

وهو أب لهم ويدل عليه أنَّه فيما قيل: لم يكن له الابنتان، وهذا بلفظ الجمع. وأيضاً فلا يمكنأنْ يزوج ابنتيه من جميع قومه. وقيل: أشار إلى بنات نفسه وندبهم إلى النكاح، إذْ كان من سنتهم تزويج المؤمنةبالكافر. أو على أنَّ في ضمن كلامه أنْ يؤمنوا. وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فاراد أنْ يزوجهما ابنتيه زغورا وزيتا.وقيل: كنّ ثلاثاً. ومعنى أطهر: أنظف فعلاً. وقيل: أحل وأطهر بيتاً ليس أفعل التفضيل، إذ لا طهارة في اتيانالذكور. وقرأ الجمهور: أطهر بالرفع والأحسن في الإعراب أنّ يكون جملتان كل منهما مبتدأ وخبر. وجوز في بناتي أنْ يكونبدلاً، أو عطف بيان، وهن فصل وأطهر الخبر. وقرأ الحسن، وزيد بن علي، وعيسى بن عمر، وسعيد بن جبير، ومحمدبن مروان السدي: أطهر بالنصب. وقال سيبويه: هو لحن. وقال أبو عمرو بن العلاء: احتبي فيه ابن مروان في لحنهيعني: تربع. ورويت هذه القراءة عن مروان بن الحكم، وخرجت هذه القراءة على أنَّ نصب أطهر على الحال. فقيل: هؤلاءمبتدا، وبناتي هنّ مبتدأ وخبر في موضع خبر هؤلاء، وروي هذا عن المبرد. وقيل: هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر، وهن مبتدأولكم خبره، والعامل قيل: المضمر. وقيل: لكم بما فيه من معنى الاستقرار. وقيل: هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر، وهن فصل، وأطهرحال. ورد بأنَّ الفصل لا يقع إلا بين جزءي الجملة، ولا يقع بين الحال وذي الحال. وقد أجاز ذلك بعضهموادعى السماع فيه عن العرب، لكنه قليل. ثم أمرهم بتقوى الله في أنْ يؤثروا البنات على الاضياف. ولا تخزون: يحتملأنْ يكون من الخزي وهو الفضيحة، أو من الخزاية وهو الاستحياء، لأنّه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزيهو، وذلك من عراقة الكرم وأصل المروءة أليس منكم رجل يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء؟ وفيذلك توبيخ عظيم لهم، حيث لم يكن منهم رشيد البتة. قال ابن عباس: رشيد مؤمن. وقال أبو مالك: ناه عنالمنكر. ورشيد ذو رشد، أو مرشد كالحكيم بمعنى المحكم، والظاهر أنَّ معنى من حق من نصيب، ولا من غرض ولامن شهوة، قالوا له ذلك على وجه الخلاعة. وقيل: من حق، لأنك لا ترى منا كحتنا، لأنّهم كانوا خطبوا بناتهفردهم، وكانت سنتهم إنَّ من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبداً. وقيل: لما اتخذوا اتيان الذكران مذهباً كانعندهم أنّه هو الحق، وإن نكاح الاناث من الباطل. وقيل: لأنّ عادتهم كانت أنْ لا يتزوج الرجل منهم إلا واحدة،وكانوا كلهم متزوجين. وإنك لتعلم ما نريد يعني: من اتيان الذكور، ومالهم فيه من الشهوة. قال: لو أنّ لي بكمقوة، قال ذلك على سبيل التفجع. وجواب لو محذوف كما حذف في:

{ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ }

وتقديره:لفعلت بكم وصنعت والمعنى في إلى ركن شديد: من يستند إليه ويمتنع به من عشيرته، شبه الذي يمتنع به بالركنمن الجبل في شدته ومنعته، وكأنه امتنع عليه أن ينتصر ويمتنع بنفسه أو بغيره مما يمكن أن يستند إليه. وقالالحوفي، وأبو البقاء: أو آوي عطف على المعنى تقديره: أو أني آوي. والظاهر أن أو عطف جملة فعلية، على جملةفعلية إن قدرت إني في موضع رفع على الفاعلية على ما ذهب إليه المبرد أي: لو ثبت أن لي بكمقوة، أو آوي. ويكون المضارع المقدر وآوى هذا وقعاً موقع الماضي، ولو التي هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيرهنقلت المضارع إلى الماضي، وإن قدرت أن وما بعدها جملة اسمية على مذهب سيبويه فهي عطف عليها من حيث أنّلو تأتي بعدها الجملة المقدرة اسمية إذا كان الذي ينسبك إليها أنّ ومعمولاها. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون أوآوي مستأنفاً انتهى. ويجوز على رأي الكوفيين أن تكون أو بمعنى بل، ويكون قد أضرب عن الجملة السابقة وقال: بلآوى في حالي معكم إلى ركن شديد، وكنى به عن جناب الله تعالى. وقرأ شيبة، وأبو جعفر: أو آوي بنصبالياء بإضمار أن بعد، أو فتتقدر بالمصدر عطفاً على قوله: قوة. ونظيره من النصب بإضمار أنْ بعد أو قول الشاعر:

ولولا رجال من رزام أعزة     وآل سبيع أو يسوؤك علقما

أي أو ومساءتك علقماً. {قَالُواْيأَبَانَا * لُوطٍ إِنَّا * رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا }: روي أن لوطاً عليه السلام غلبوه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه قال له الرسل: تنحعن الباب فتنحى، وانفتح الباب فضربهم جبريل عليه السلام بجناحه، فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاة النجاة، فعندلوط قوم سحرة وتوعدوا لوطاً، فحينئذ قالوا له: إنا رسل ربك. وروي أن جبريل نقب من خصاص الباب، ورمى فيأعينهم فعموا. وقيل: أخذ قبضة من تراب وأذراها في وجوههم، فأوصل إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب،فطمست أعينهم فلم يعرفوا طريقاً ولم يهتدوا إلى بيوتهم. وقيل: كسروا بابه وتهجموا عليه، ففعل بهم جبريل ما فعل. والجملةمن قوله: لن يصلوا إليك، موضحة للذي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لن يصلوا إليه، ولم يقدروا على ضرره،ثم أمروه بأنْ يسري بأهله. وقرأ الحرميان: فاسر، وإن أسر بوصل الألف من سرى، وباقي السبعة بقطعها، وأهله ابنتاه، وطائفةيسيرة من المؤمنين بقطع من الليل. قال ابن عباس: بطائفة من الليل، وقال الضحاك: ببقية من آخره، وقال قتادة: بعدمضي صدر منه، وقال ابن الأعرابي: أي ساعة من الليل، وقيل: بظلمة، وقيل: إنه نصف، وقيل: إنه نصف الليل مأخوذمن قطعه نصفين. وقال الشاعر:

ونائحة تنوح بقطع ليل     على رجل بقارعة الصعيد

وقال محمد بن زياد: السحر، لقوله: نجيناهم بسحر. قال ابن عطية: ويحتمل أنه أسرى بأهله من أول الليل حتىجاوز البلد المقتلع، ووقعت نجاته بسحر. فتجتمع هذه الآية مع قوله

{ إِلاَّ الَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ }

انتهى. وقالابن الأنباري: القطع بمعنى القطعة، مختص بالليل، ولا يقال عندي قطع من الثوب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: إلا امرأتكبالرفع، وباقي السبعة بالنصب، فوجه النصب على أنه استثناء من قوله بأهلك، إذ قبله أمر، والأمر عندهم كالواجب. ويتعين النصبعلى الاستثناء من أهلك في قراءة عبد الله، إذ سقط في قراءته وفي مصحفه: ولا يلتفت منكم أحد. وجوزوا أنيكون منصوباً على الاستثناء من أحد وإن كان قبله نهى، والنهي كالنفي على أصل الاستثناء، كقراءة ابن عامر: ما فعلوهإلا قليلاً منهم بالنصب، وإن كان قبله نفي. ووجه الرفع على أنه بدل من أحد، وهو استثناء متصل. وقال أبوعبيد: لو كان الكلام ولا يلتفت برفع الفعل، ولكنه نهى. فإذا استثنيت المرأة من أحد وجب أن تكون المرأة أبيحلها الالتفات، فيفيد معنى الآية يعني أنّ التقدير يصير إلا امرأتك، فإنها لم تنه عن الالتفات. قال ابن عطية: وهذاالاعتراض حسن يلزم أنّ الاستثناء من أحد رفعت التاء أو نصبت، والانفصال عنه يترتب بكلام محكي عن المبرد وهو أنّالنهي إنما قصد به لوط وحده، والالتفات منفي عنهم، فالمعنى: أن لا تدع أحداً منهم يلتفت. وهذا كما تقول لرجل:لا يقم من هؤلاء أحد، وأولئك لم يسمعوك، فالمعنى: لا تدع من هؤلاء يقوم، والقيام في المعنى منفى عن المشارإليهم. وقال الزمخشري: وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلاهي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه، فأدركها حجر فقتلها. وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، وأن هواهاإليهم، ولم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين انتهى. وهذا وهم فاحش إذ بنى القراءتين على اختلاف الروايتين من أنهسري بها، أو أنه لم يسر بها، وهذا تكاذب في الأخبار يستحيل أن تكون الفراءتان وهما من كلام الله تترتبانعلى التكاذب. وقيل في الاستثناء من الأهل إشكال من جهة المعنى، إذ يلزم أن لا يكون سري بها، ولما التفتتكانت قد سرت معهم قطعاً، وزال هذا الإشكال أن يكون لم يسر بها، ولكنها لما تبعتهم التفتت. وقيل: الذي يظهرأن الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع، لم يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات، ولكناستؤنف الأخبار عنها، فالمعنى: لكن امرأتك يجري لها كذا وكذا. ويؤيد هذا المعنى أن مثل هذه الآية جاءت في سورةالحجر، وليس فيها استثناء ألبتة قال تعالى: فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيثتؤمرون، فم تقع العناية في ذلك إلا بذكر من أنجاهم الله تعالى. فجاء شرح حال امرأته في سورة هود تبعاًلا مقصوداً بالإخراج مما تقدم، وإذا اتضح هذا المعنى علم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع،ففيه النصب والرفع. فالنصب لغة أهل الحجاز وعليه الأكثر، والرفع لبني تميم وعليه اثنان من القرّاء انتهى. وهذا الذي طولبه لا تحقيق فيه، فإنه إذا لم يقصد إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ولا من المنهييين عن الالتفات، وجعل استثناءمنقطعاً كان الاستثناء المنقطع الذي لم يتوجه عليه العامل بحال، وهذا النوع من الاستثناء المنقطع يجب فيه النصب بإجماع منالعرب، وليس فيه النصب والرفع باعتبار اللغتين، وإنما هذا في الاستثناء المنقطع، وهو الذي يمكن توجه العامل عليه. وفي كلاالنوعين يكون ما بعد إلا من غير الجنس المستثنى منه، فكونه جاز فيه اللغتان دليل على أنه مما يمكن أنيتوجه عليه العامل، وهو قد فرض أنه لم يقصد بالاستثناء إخراجها عن المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات،فكان يجب فيه إذذاك النصب قولاً واحداً. والظاهر أن قوله ولا يلتفت، من التفات البصر. وقالت فرقة: من لفت الشيءيلفته إذا ثناه ولواه، فمعناه: ولا يتثبط. وفي كتاب الزهراوي أنّ المعنى: ولا يلتفت أحد إلى ما خلف بل يخرجمسرعاً. والضمير في أنه ضميرالشأن، ومصيبها مبتدأ، وما أصابهم الخبر. ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون مصيبها خبر إن، وماأصابهم فاعل به، لأنهم يجيزون أنه قائم أخواك. ومذهب البصريين أنّ ضمير الشان لا يكون خبره إلا جملة مصرحاً بجزءيها،فلا يجوز هذا الإعراب عندهم. وقرأ عيسى بن عمر: الصيح بضم الباء. قيل: وهي لغة، فلا يكون ذلك اتباعاًوهو على حذف مضاف أي: إنّ موعد هلاكهم الصبح. ويروى أن لوطاً عليه السلام قال: أريد أسرع من ذلك، فقالتله الملائكة: أليس الصبح بقريب؟ وجعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم، لأنّ النفوس فيه أودع، والراحة فيه أجمع. ويروى أن لوطاً خرجبابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا، ووصل إلى إبراهيم عليهما السلام.والضمير في عاليها عائد على مدائن قوم لوط، جعل جبريل جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء، حتى سمع أهلالسماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم، وأتبعوا الحجارة من فوقهم وهي المؤتفكات سبع مدائن. وقيل: خمس عدّها المفسرون،وفي ضبطها إشكال، فأهملت ذكرها. وسدوم في القرية العظمى، وأمطرنا عليها أي على أهلها. وروي أن الحجارة أصابت منهم منكان خارج مدنهم حتى قتلتهم أجمعين، وأنّ رجلاً كان في الحرم فبقي الحجر معلقاً في الهواء حتى خرج من الحرمفقتله الحجر. قال أبو العالية، وابن زيد: السجيل اسم لسماء الدنيا، وهذا ضعيف لوصفه بمنضود، وتقدم شرحه في المفردات. وقيل:من أسجله إذا أرسله، وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان. ومعنى هذه اللفظة: ماء وطين،هذا قول: ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة، والسدّي، وغيرهم. وذهبوا إلى أنّ الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ.وقيل: حجر مخلوط بطين أي حجر وطين، ويمكن أن يعود هذا إلى الآجر. وقال أبو عبيدة: الشديد من الحجارة الصلب،مسومة عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله: ابن جريج. وقال عكرمة وقتادة: إنه كان فيها بياض.وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به، قاله الربيع. وعن ابن عباس، والحسن: بياض في حمرة. وعن ابنعباس أيضاً: الحجر أبيض فيه نقطة سوداء، وأسود فيه نقطة بيضاء. وعن عكرمة وقتادة أيضاً: فيها خطوط حمر على هيئةالجزع. وقيل: وكانت مثل رؤوس الإبل، ومثل مبارك الإبل. وقيل: قبضة الرجل. قال ابن عباس ومقاتل: معنى من عند ربك،جاءت من عند ربك. وقيل: معدة عند ربك قاله: أبو بكر الهذلي. قال ابن الأنباري: المعنى لزم هذا التسويم الحجارةعند الله إيذاناً بنفاذ قدرته وشدة عذابه. والظاهر أن ضمير هي عائد على القرى التي جعل الله أعاليها أسافلها، والمعنى:أنّ ذوات هذه المدن كانت بين المدينة والشام، يمرّ عليها قريش في مسيرهم، فالنظر إليه وفيها فيه اعتبار واتعاظ. وقيل:هي عائدة على الحجارة، وهي أقرب مذكور. وقال ابن عباس: وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد، والظاهر عموم الظالمين. وقيل:عنى به قريش. وفي الحديث: إنه سيكون في أمتي خسف ومسخ وقذف بالحجارة وقيل: مشركو العرب. وقيل: قوم لوط أي:لم تكن الحجارة تخطئهم. وفي الحديث: سيكون في أواخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال والنساء بالنساء فإذا كان كذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ثم تلا وما هي من الظالمين ببعيد وإذا كان الضميرفي قوله: وما هي، عائد على الحجارة، فيحتمل أن يراد بشيء بعيد، ويحتمل أن يراد بمكان بعيد، لأنها وإن كانتفي السماء وهي مكان بعيد إلا أنها إذا هويت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه.

{ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } * { وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } * { بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } * { قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } * { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } * { وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ } * { وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } * { قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } * { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } * { وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ } * { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } * { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } * { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ } * { وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } * { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ } * { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } * { وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } * { إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } * { وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } * { يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } * { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ }[عدل]

الرهط: قال ابن عطية جماعة الرجل، وقيل: الرهط والراهط اسم لما دونالعشرة من الرجال، ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال. وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى التسعة،ويجمع على أرهط، ويجمع أرهط على أراهط، فهو جمع جمع. قال الرماني: وأصل الرهط الشد، ومنه الرهيط شدة الأكل، والراهطاسم لجحر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده. الورد قال ابن السكيت: هو ورود القوم الماء، والورد الإبلالواردة انتهى. فيكون مصدراً بمعنى الورود، واسم مفعول في المعنى كالطحن بمعنى المطحون. رفد الرجل يرفده رفاً ورفداً أعطاهوأعانه، من رفد الحائط دعمه، وعن الأصمعي الرفد بالفتح القدح، والرفد بالكسر ما في القدح من الشراب. وقال الليث: أصلالرفد العطاء والمعونة، ومنه رفادة قريش يقال رفده يرفده رفداً ورفداً بكسر الراء وفتحها، ويقال بالكسر الاسم وبالفتح المصدر. التتبيبالتخسير، تب خسر، وتبه خسره. وقال لبيد:

ولقد بليت وكل صاحب جدة     يبلى بعود وذاكم التتبيب

الزفير والشهيق:زعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أنّ الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار، والشهيق بمنزلة آخر نهيقه. وقال رؤبة:

حشرج في الصدر صهيلاً وشهق     حتى يقال ناهق وما نهق

وقال ابن فارس: الشهيق ضد الزفير، لأن الشهيق رد النفس،والزفير إخراج النفس من شدة الجري، مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته. وقال الشماخ:

بعيد مدى التطريب أول صوته     زفير ويتلوه شهيق محشرج

والشهيق النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق أي طويل. وقال الليث:الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه، والشهيق أن يخرج ذلك النفس بشدّة يقال:إنه عظيم الزفرة. الشقاء نكد العيش. وسوؤه. يقال منه: شقي يشقى شقاء وشقوة وشقاوة والسعادة ضده، يقال منه: سعديسعد، ويعديان بالهمزة فيقال: أشقاه الله، وأسعده الله. وقد قرىء شقوا وسعدوا بضم الشين والسين، فدل على أنهما قد يتعدّيان.ومنه قولهم مسعود، وذكر أنّ الفراء حكى أن هذيلاً تقول: سعده الله بمعنى أسعده. وقال الجوهري: سعد بالكسر فهو سعيد،مثل سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود. وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري: ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده اللهفهو مسعد. الجذ القطع بالمعجمة والمهملة. قال ابن قتيبة: جذذت وجددت، وهو بالذال أكثر. قال النابغة:

تجذ السلوقي المضاعف يسجه     وتوقد بالصفاح نار الحباحب

{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَـٰقَوْمِ قَوْمٌ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْمّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ }: كان قوم شعيب عبدةأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله وحده. وبالكفر استوجبوا العذاب، ولم يعذب الله أمة عذاب استئصال إلا بالكفر، وإن انضافت إلىذلك معصية كانت تابعة. قال ابن عباس: بخير أي: في رخص الأسعار وعذاب اليوم المحيط، هو حلول الغلاء المهلك. وينظرهذا التأويل إلى قول النبي ﷺ: «ما نقص قوم المكيال والميزان إلا ارتفع عنهم الرزق» ونبه بقولهبخير على العلة المقتضية للوفاء لا للنقص. وقال غيره: بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أنتقابل بغير ما تفعلون، أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه. يوم محيط أي: مهلك من قوله:

{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ }

وأصله من إحاطة العدو، وهو العذاب الذي حل بهم في آخره. ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاببه، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه، كما إذا أحاطبنعيمه. ونهوا أولاً: عن القبيح الذي كانوا يتعاطونه وهو نقص المكيال والميزان، وفي التصريح بالنهي نعي على المنهى وتعيير له.وأمروا ثانياً: بإيفائهما مصرحاً بلفظهما ترغيباً في الإيفاء، وبعثا عليه. وجيء بالقسط ليكون الإيفاء على جهة العدل والتسوية وهو الواجب،لأنّ ما جاوز العدل فضل وأمر منذوب إليه. ونهوا ثالثاً: عن نقص الناس أشياءهم، وهو عام في الناس، وفيما بأيديهممن الأشياء كانت مما تكال وتوزن أو غير ذلك. ونهوا رابعاً: عن الفساد في الأرض وهو أعم من أن يكوننقصاً أو غيره، فبدأهم أولاً بالمعصية الشنيعة التي كانوا عليها بعد الأمر بعبادة الله، ثم ارتقى إلى عام، ثم إلىأعم منه وذلك مبالغة في النصح لهم ولطف في استدراجهم إلى طاعة الله. وتفسير معاني هذه الجمل سبق في الأعراف.بقية الله قال ابن عباس: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد الإيفاء خير من البخس، وعنه رزق الله. وقالمجاهد والزجاج: طاعة الله. وقال قتادة: حظكم من الله. وقال ابن زيد: رحمة الله. وقال قتادة: ذخيرة الله. وقال الربيع:وصية الله. وقال مقاتل: ثواب الله في الآخرة، وذكر الفراء: مراقبة الله. وقال الحسن: فرائض الله. وقيل: ما أبقاه اللهحلالاً لكم ولم يحرمه عليكم. قال ابن عطية: وهذا كله لا يعطيه لفظ الآية، وإنما المعنى عندي إبقاء الله عليكمإن أطعتم. وقوله: إن كنتم مؤمنين، شرط في أن يكون البقية خيراً لهم، وأما من الكفر فلا خير لهم فيشيء من الأعمال. وجواب هذا الشرط متقدم. والحفيظ المراقب الذي يحفظ أحوال من يرقب، والمعنى: إنما أنا مبلغ، والحفيظ المحاسبهو الذي يجازيكم بالأعمال انتهى. وليس جواب الشرط متقدماً كما ذكر، وإنما الجواب محذوف لدلالة ما تقدم عليه على مذهبجمهور البصريين. وقال الزمخشري: وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان، ويجوز أن يريد مايبقى لهم عند الله من الطاعات كقوله:

{ وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا }

وإضافة البقية إلى الله من حيثأنها رزقه الذي يجوز أن يضاف إليه، وأما الحرام فلا يجوز أن يضاف إلى الله، ولا يسمى رزقاً انتهى، علىطريق المعتزلة في الرزق، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة: بقية بتخفيف الياء. قال ابن عطية: هي لغة انتهى.وذلك أن قياس فعل اللازم أن يكون على وزن فعل نحو: سجيت المرأة فهي سجية، فإذا شددت الياء كان علىوزن فعيل للمبالغة. وقرأ الحسن: تقية بالتاء، وهي تقواه ومراقبته الصارفة عن المعاصي. {قَالُواْ يأَبَانَا * شُعَيْبٌ * بِحَفِيظٍ* قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لاَنتَ ٱلْحَلِيمُٱلرَّشِيدُ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰمَا }: لما أمرهم شعيب بعبادة الله عبادة أوثانهم، وبإيفاء المكيال والميزان، ردّوا عليه على سبيل الاستهزاء والهزء بقولهم: أصلاتك،وكان كثير الصلاة، وكان إذا صلى تغامزوا وتضاحكوا أن نترك ما يعبد آباؤنا مقابل لقوله:

{ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ }

أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء مقابل لقوله:

{ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ }

وكون الصلاة آمرةهو على وجه المجاز، كما كانت ناهية في قوله:

{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر }

أو يقال: إنها تأمربالجميل والمعروف أي: تدعو إليه وتبعث عليه. إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز، وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته.والمعنى: فأمرك بتكليفنا أن نترك، فحذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره. والظاهر أنه أريد بالصلاة الصلاة المعهودة فيتلك الشريعة. وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً إلى فرض عليه الصلاة والزكاة. وقيل: أريد قراءتك. وقيل: مساجدك. وقيل: دعواتك.وقرأ ابن وثاب والأخوان وحفص: أصلاتك على التوحيد. وقرأ الجمهور: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء بالنون فيهما. وقرأالضحاك بن قيس، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بالتاء فيهما على الخطاب، ورويت عن أبي عبد الرحمن. وقرأ أبوعبد الرحمن وطلحة: نفعل بالنون، ما نشاء بالتاء على الخطاب، ورويت عن ابن عباس. فمن قرأ بالنون فيهما فقوله: أوأن نفعل معطوف على قوله: ما يعبد أي: أن نترك ما يعبد آباؤنا وفعلنا في أموالنا ما نشاء. ومن قرأبالتاء فيهما أو بالنون فيهما فمعطوف على أن نترك أي: تأمرك بترك ما يعبد آباؤنا، وفعلك في أموالنا ما تشاء،أو وفعلنا في أموالنا ما تشاء. وأو للتنويع أي: تأمرك مرة بهذا، ومرة بهذا. وقيل: بمعنى الواو. والظاهر أنّ الذيكانوا يفعلونه في أموالهم هو بخس الكيل والوزن المقدّم ذكره. وقال محمد بن كعب: قرضهم الدينار والدرهم، وإجراء ذلك معالصحيح على جهة التدليس، وعن ابن المسيب: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض. وقيل: تبديل السكك التي يقصد بهاأكل أموال الناس. ومن قرأ بالتاء فيهما أو في نشاء، والظاهر أنه إيفاء المكيال والميزان. وقال سفيان الثوري: كان يأمرهمبالزكاة. وقوله: إنك لأنت الحليم الرشيد ظاهره أنه إخبار منهم عنه بهذين الوصفين الجميلين، فيحتمل أن يريدوا بذلك الحقيقة أي:أنك للمتصف بهذين الوصفين، فكيف وقعت في هذا الأمر من مخالفتك دين آبائنا وما كانوا عليه، ومثلك من يمنعه حلمهورشده عن ذلك. أو يحتمل أن يريدوا بذلك إنك لأنت الحليم الرشيد بزعمك إذ تأمرنا بما تأمر به. أو يحتملأن قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والتهكم، قاله قتادة. والمراد: نسبته إلى الطيش والعي كما تقول للشحيح: لو رآك حاتملسجد لك، وقالوا للحبشي: أبو البيضاء. قال: يا قوم أرأيتم إن كنت هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن، واستدعاء رقيق، ولذلكقال فيه رسول لله ﷺ: ذلك خطيب الأنبياء وهذا النوع يسمى استدراج المخاطب عند أرباب علم البيان،وهو نوع لطيف غريب المغزى يتوصل به إلى بلوغ الغرض، وقد ورد منه في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه،وفي قصة نوح وهود وصالح، وفي قصة مؤمن آل فرعون مع قومه. قال الزمخشري: فإن قلت: أين جواب أرأيتم،وما له لم يثبت كما ثبت في قصة نوح وصالح؟ قلت: جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في الصفتيندل على مكانه، ومعنى الكلام يناوي عليه، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي، وكنت نبياً علىالحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك انتهى. وتسمية هذاجواباً لأرأيتم ليس بالمصطلح، بل هذه الجملة التي قدرها هي في موضع المفعول الثاني لأرأيتم، لأنّ أرأيتم إذا ضمنت معنىأخبرني تعدت إلى مفعولين، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية تنعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملة ابتدائيةكقول العرب: أرأيتك زيداً ما صنع. وقال الحوفي: وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير: فاعدل عن ما أنا عليهمن عبادته على هذه الحال. وقال ابن عطية: وجواب الشرط الذي في قوله: إن كنت على بينة من ربي محذوفتقديره: أضل كما ضللتم، أو أترك تبليغ الرسالة ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة انتهى. وليس قوله: أضل جواباً للشرط،لأنه إن كان مثبتاً فلا يمكن أن يكون جواباً لأنه لا يترتب على الشرط وإن كان استفهاماً حذف منه الهمزة،فهو في موضع المفعول الثاني لأرأيتم، وجواب الشرط محذوف تدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها. والظاهر في قوله: رزقاً حسناًأنه الحلال الطيب من غير بخس ولا تطفيف أدخلتموه أموالكم. قال ابن عباس: الحلال، وكان شعيب عليه السلام كثيرالمال. وقيل: النبوة. وقيل: العلم. وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه المعنى: لست أريد أن أفعل الشيءالذي نهيتكم عنه من نقص الكيل والوزن واستأثر بالمال قاله: ابن عطية. وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر ثمأرتكبه. وقال صاحب الغنيان: ما أريد أنْ أخالفكم في السرّ إلى ما أنهاكم عنه في العلانية. ويقال: خالفني فلان إلىكذا إذا قصده وأنت مولّ عنه، وخالفني عنه إذا ولّي عنه وأنت قاصده، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عنصاحبه فتقول: خالفني إلى الماء، تريد أنه قد ذهب إليه وارداً، وأنا ذاهب عنه صادراً. والمعنى أنّ أسبقكم إلى شهواتكمالتي نهيتكم عنها لاستبد بها دونكم، فعلى هذا الظاهر أن قوله: أن أخالفكم في موضع المفعول لا ريد، أي وماأريد مخالفتكم، ويكون خالف بمعنى خلف نحو: جاوز وجاز أي: وما أريد أن أخلفكم أي: أكون خلفاً منكم. وتتعلق إلىباخالفكم، أو بمحذوف أي: مائلاً إلى ما أنهاكم عنه، ولذلك قال بعضهم: فيه حذف يقتضيه إلى تقديره: وأميل إلى، أويبقى أن أخالفكم على ظاهر ما يفهم من المخالفة، ويكون في موضع المفعول به بأريد، وتقدر: مائلاً إلى، أو يكونأن أخالفكم مفعولاً من أجله، وتتعلق إلى بقوله وما أريد بمعنى، وما أقصد أي: وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ماأنهاكم عنه، ولذلك قال الزجاج: وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه. والظاهر أن ما مصدرية ظرفية أي مدةاستطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكناً منه لا آلوا فيه جهداً. وأجاز الزمخشري في ما وجوهاً أحدها: أن يكون بدلاً منالإصلاح أي: المقدر الذي استطعته، أو على حذف مضاف تقديره: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، فهذان وجهان في البدل. والثالث:أن يكون مفعولاً كقوله:ضعيف النكاتـة أعداءه. أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم، وهذا الثالث ضعيف،لأن المصدر المعرّف بأل لا يجوز إعماله في المفعول به عند الكوفيين، وأما البصريون فإعماله عندهم فيه قليل. وماتوفيقي أي لدعائكم إلى عبادة الله وحده، وترك ما نهاكم عنه إلا بموعونة الله. أو وما توفيقي لأنْ تكون أفعاليمسددة موافقة لرضا الله لا بمعونته، عليه توكلت لا على غيره، وإليه أنيب أرجع في جميع أقوالي وأفعالي. وفي هذاطلب التأييد من الله تعالى، وتهديد للكفار وحسم لأطماعهم أن ينالوه بشر. ومعنى لا يجرمنكم: لا يكسبنكم شقاقي، أي خلافيوعداوتي. قال السدي: كأنه في شق وهم في شق. وقال الحسن: ضراري جعله من المشقة. وقيل: فراقي. وقرأ ابن وثابوالأعمش: بضم الياء من أجرم، ونسبها الزمخشري إلى ابن كثير، وجرم في التعدية مثل كسب يتعدى إلى واحد. جرم فلانالذنب، وكسب زيد المال، ويتعدى إلى اثنين جرمت زيداً الذنب، وكسبت زيداً المال. وبالألف يتعدى إلى اثنين أيضاً، أجرم زيدعمراً الذنب، وأكسبت زيداً المال، وتقدم الكلام في جرم في العقود. وقرأ مجاهد، والجحدري، وابن أبي إسحاق، ورويت عن نافع:مثل بفتح اللام، وخرج على وجهين: أحدهما: أن تكون الفتحة فتحة بناء، وهو فاعل كحاله حين كان مرفوعاً، ولما أضيفإلى غير متمكن جاز فيه البناء، كقراءة من قرأ أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون. والثاني: أن تكون الفتحة فتحةإعراب، وانتصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي: إصابة مثل إصابة قوم نوح. والفاعل مضمر يفسره سياق الكلام أي: إنيصيبكم هو أي العذاب. وما قوم لوط منكم ببعيد، إما في الزمان لقرب عهد هلاكهم من عهدكم، إذ هم أقربالهالكين، وإما في الكفر والمعاصي وما يستحق به الهلاك. وأجرى بعيداً على قوم إما باعتبار الزمان أو المكان، أي: بزمانبعيد، أو بمكان بعيد. أو باعتبار موصوف غيرهما أي: بشيء بعيد، أو باعتبار مضاف إلى قوم أي: وما إهلاك قوملوط. ويجوز أن يسوي في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المفرد والجمع، وبين المذكر والمؤنث، كما قالوا: هو صديق، وهمصديق، وهي صديق، وهن صديق. وودود بناء مبالغة من ودّ الشيء أحبه وآثره، وهو على فعل. وسمع الكسائي: وددت بفتحالعين، والمصدر ودود بناء مبالغة ودّ الشيء أحبه وآثره، وهو على فعل. وسمع الكسائي. وددت بفتح العين، والمصدر ود ودادوودادة. وقال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون ودود فعول بمعنى مفعول. وقال المفسرون: ودود متحبب إلى عباده بالإحسان إليهم.وقيل: محبوب المؤمنين ورحمته لعباده، ومحبته لخم سبب في استغفارهم وتوبتهم، ولولا ذلك ما وفقهم إلى استغفاره والرجوع إليه، فهويفعل بهم فعل الوادّ بمن يودّه من الإحسان إليه. {قَالُواْ يأَبَانَا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُوَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ قَالَ يَـاءادَمُ قَوْمٌ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُممّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ مُحِيطٌ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَـٰمِلٌ سَوْفَتَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَٱرْتَقِبُواْ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ وَلَمَّا }: كانوا لا يلقون إليه أذهانهم،ولا يصغون لكلامه رغبة عنه وكراهة له كقوله تعالى:

{ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ }

أو كانوا يفهمونه ولكنهملم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه، أو قالوا ذلك على وجه الاستهانة به كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه:ما أدري ما تقول، أو جعلوا كلامه هذياناً وتخليطاً لا يتفهم كثير منه، وكيف لا يتفهم كلامه وهو خطيب الأنبياءعليهم الصلاة والسلام. ثم الذي جاورهم به من الكلام وخاطبهم به هو من أفصح الكلام وأجله وأدله على معانيه بحيثيفقهه من كان بعيداً لفهم، فضلاً عن الأذكياء العقلاء، ولكن الله تعالى أراد خذلانهم. ومعنى ضعيفاً: لا قوة لك ولاعز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منه إن أردناك بمكروه، وعن الحسن: ضعيفاً مهيناً. وقيل: كان ناحل البدن زمنهلا يقع في القلب منه هيبة ولا في العين منه امتلاء، والعرب تعظم بكبر الأجسام، وتذم بدمامتها. وقال الباقر: مهجوراًلا تجالس ولا تعاشر. وقال مقاتل: ضعيفاً أي لم يؤمن بك رهطك. وقال السدي: وحيداً في مذهبك واعتقادك. وقال ابنجبير وشريك القاضي: ضعيفاً ضرير البصر أعمى. وحكى الزهراوي والزمخشري: أنّ حمير تسمي الأعمى ضعيفاً، ويبعده تفسيره هنا بأعمى أوبناحل البدن أو بضعيف البصر كما قاله الثوري. وزعم أبو وق: أن الله لم يبعث نبياً أعمى، ولا نباً بهزماتة، بل الظاهر أنه ضعيف الانتصار والقدرة. ولولا رهطك احترموه لرهطه إذ كانوا كفاراً مثلهم، أو كان في عزة ومنعةمنهم لرجمناك. ظاهره القتل بالحجارة، وهي من شر القتلات، وبه قال ابن زيد، وقال الطبري: رجمناك بالسب، وهذا أيضاً تستعملهالعرب ومنه:

{ لأرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً }

وقيل: لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا. وما أنت علينا بعزيز أي: لا تعز ولا تكرمحتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن الرجم. وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا لم يحتاجوك علينا. وقيل: بعزيزبذي منعة، وعزة منزلة في نفوسنا. وقيل: بذي غلبة. وقيل: بملك، وكانوا يسمون الملك عزيزاً. قال الزمخشري: وقد دل إيلاءضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل، لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطكهم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: أرهطي أعز عليكم من الله؟ ولو قيل: وما عززمت علينا لم يصح هذاالجواب. (فإن قلت): فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: أرهطي أعز عليكم من الله؟(قلت): تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله فحين عز عليهم رهطه دونه، كان رهطه أعز عليهم من الله. ألاترى إلى قوله تعالى:

{ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }

انتهى. والظاهر في قوله: واتخذتموه، أن الضمير عائد علىالله تعالى أي: ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به. والظهري بكسر الظاء منسوب إلى الظهر من تغييراتالنسب، ونظيره قولهم في النسب إلى الأمس أمسى بكسر الهمزة، ولما خاطبوه خطاب الإهانة والجفاء جرياً على عادة الكفار معأنبيائهم، خاطبهم خطاب الاستعطاف والتلطف جرياً على عادته في إلا أنه القول لهم، والمعنى: أعز عليكم من الله حتى جعلتممراعاتي من أجلهم ولم يسندوها إلى الله، وأنا أولى وأحق أن أراعي من أجله، فالمراعاة لأجل الخالق أعظم من المراعاةلأجل المخلوق، والظهري المنسي المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر. وقيل: الضمير في واتخذتموه به عائد على الشرع الذي جاءشعيب عليه السلام. وقيل: الظهري العون وما يتقوى به. قال المبرد: فالمعنى واتخذتم العصيان عنده لدفعي انتهى. فيكون على حذفمضاف أي: واتخذتموه أي عصيانه. قال ابن عطية: وقالت فرقة: واتخذتموه أي وأنتم متخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم. فقولالجمهور: على أن كفر قوم شعيب كان جحداً بالله وجهلاً به، وهذا القول الثاني على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازقويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل، ومن اللفظة الاستظهار بالبينة. وقال ابن زيد: الظهري الفضل، مثل الحمل يخرج معه بابل ظهارية يعدهاإن احتاج إليها، وإلا فهي فضلة. محيط أحاط بأعمالكم فلا يخفى عليه شيء منها، وفي ضمنه توعد وتهديد، وتقدم تفسيرنظير قوله:

{ ويا قوم ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ }

وخلاف القراء في مكانتكم. وجوز الفراء، والزمخشري: في من يأتيه أن تكونموصولة مفعولة بقوله: تعلمون أي: تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب، واستفهامية في موضع رفع على الابتداء،وتعلمون معلق كأنه قيل: أين يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب. قال ابن عطية: والأول أحسن، يعني كونها مفعولة قال:لأنها موصولة، ولا يوصل في الاستفهام، ويقضي بصلتها إن المعطوفة عليها موصولة لا محالة انتهى. وقوله: ويقضي بصلتها الخ لايقضي بصلتها، إذ لا يتعين أن تكون موصولة لا محالة كما قال، بل تكون استفهامية إذا قدرتها معطوفة على منالاستفهامية، كما قدّرناه وأينا هو كاذب. قال الزمخشري: (فإن قلت): أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سوف تعلمون؟(قلت): أدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا:فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، يوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف، كما هو عادةالبلغاء من العرب. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه. قال الزمخشري: (فإن قلت): قدذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان القياس أن يقول من يأتيهعذاب يجزيه، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم.(قلت): القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يعدونه كاذباً قال: ومن هو كاذب يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلاً لهم انتهى.وفي ألفاظ هذا الرجل سوء أدب، والذي قاله ليس بقياس، لأن التهديد الذي وقع ليس بالنسبة إليه، ولا هو داخلفي التهديد المراد بقوله: سوف تعلمون، إذ لم يأت التركيب اعملوا على مكانتكم، وأعمل على مكانتي، ولا سوف تعلمون. واعلمأن التهديد مختص بهم. واستسلف الزمخشري قوله: قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مكانته، فبنى على ذلك سؤالاً فاسداً،لأن المترتب على ما ليس مذكوراً لا يصح البتة، وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم على سبيل التهديد،ونظيره في سورة تنزيل:

{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }

، فهذا جاء بالنبة للمخاطبين فيقوله: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم كما جاء هنا، وارتقبوا: انتظروا العاقبة، وما أقول لكم. والرقيب بمعنى الراقب فعيلللمبالغة، أو بمعنى المراقب كالعشير والجليس، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع، ويحسن هذا مقابلة فارتقبوا. وقالالزمخشري: (فإن قلت): ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو والساقتان الوسطيان بالفاء؟ (قلت): قد وقعت الوسطيان بعدذكر الوعد وذلك قوله:

{ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ }

{ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ }

فجيء بالفاء التي للتسبب كما تقول: وعدتهفلما جاء الميعاد كان كيت وكيت، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة، وإنما وقعتا مبتدأتين، فكان حقهما أن يعطفا بحرفالجمع على ما قبلهما؟ كما تعطف قصة على قصة انتهى. وتقدم تفسير مثل ولما جاء أمرنا إلى قوله كان لميغنوا فيها. وقرأ السلمي وأبو حيوة: كما بعدت بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب، والجمهور بكسرها، أرادت العربالتفرقة بين البعد من جهة الهلاك، وبين غيره، فغيروا البناء وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبار المعنى البعد من غيرتخصيص كما يقال: ذهب فلان، ومضى في معنى القرب. وقيل: معناه بعد الهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها.وقال ابن قتيبة: بعد يبعد إذا كان بعده هلكة، وبعد يبعد إذ أتاني. وقال النحاس: المعروف في اللغة بعد يبعدبعداً وبعداً إذا هلك. وقال المهدوي: بعد يستعمل في الخير والشر، وبعد في الشر خاصة. وقال ابن الأنباري: من العربمن يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب، فيقول فيهما بعد يبعد، وبعد يبعد. وقال مالك بن الريب: فيبعد بمعنى هلك؛

يقولون لا تبعدوهم يدفنونني     وأين مكان البعد إلا مكانيا

وبعد الفلاندعاء عليه، ولا يدعى به إلا على مبغض كقولك: سحقاً للكافرين. وقال أهل علم البيان: لم يرد في القرآن استطرادإلا هذا الموضع، والاستطراد قالوا: هو أن تمدح شيئاً أو تذمه، ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك فيأوله. قال حسان:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني     فنجوت منجى الحرث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍإِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُٱلْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ بِئْسَ ٱلرّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ }: الآيات المعجزات التسع: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل،والضفادع، والدم، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ومنهم من أبدل النقص بإظلال الجبل. وقيل: الآيات التوراة، وهذا ليس بسديد، لأنهقال إلى فرعون وملائه، والتوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وملائه. والسلطان المبين هو الحجج الواضحة، ويحتمل أن يريد بقوله:وسلطان مبين فيها أي في الآيات، وهي دالة على صدق موسى عليه السلام. ويحتمل أن يريد بها العصا لأنها أبهرتلك الآيات، فنص عليها كما نص على جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة على سبيل التشريف بالذكر. والظاهر أن يراد بقوله:أمر فرعون أمره إياهم بالكفر وجحد معجزات موسى، ويحتمل أن يريد الطريق والشان. وما أمر فرعون برشيد: نفى عنه الرشد،وذلك تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره، وهو ضل مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل. وذلكأنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم. عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام، وعلموا أن معه الرشد والحق،ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في اتباعه رشد. ويحتمل أن يكون رشيد بمعنى راشد، ويكون رشيد بمعنىمرشد أي بمرشد إلى خير. وكان فرعون دهرياً نافياً للصانع والمعاد، وكان يقول: لا إله للعالم، وإنما يجب على أهلكل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم، فلذلك كان أمره خالياً عن الرشد بالكلية. والرشد يستعمل في كل ما يحمد ويرتضى،والغي ضده. ويقال: قدم زيد القوم يقدم قدماً، وقدوماً تقدمهم والمعنى: أنه يقدم قومه المغزقين إلى النار، وكما كان قدوةفي الضلال متبعاً كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه، ويحتمل أن يكون قوله: برشيد بحميد، العاقبة، ويكون قوله: يقدم قومه،تفسيراً لذلك وإيضاحاً أي: كيف يرشد أمر من هذه عاقبته؟ وعدل عن قبوردهم إلى فأوردهم لتحقق وقوعه لا محالة، فكأنهقد وقع، ولما في ذلك من الإرهاب والتخويف. أو هو ماض حقيقة أي: فأوردهم في الدنيا النار أي: موجبه وهوالكفر. ويبعد هذا التأويل الفاء والورود في هذه الآية. ورود الخلود وليس بورود الإشراف على الشيء والإشفاء كقوله:

{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ }

ويحتمل أن تكون النار تصيبه على إعمال الثاني لأنه تنازعه يقدم أي: إلى النار وفأوردهم، فأعمل الثانيوحذف معمول الأول. والهمزة في فأوردهم للتعدية، ورد يتعدى إلى واحد، فلما أدخلت الهمزة تعدى إلى اثنين، فتضمن وارداً وموروداً.ويطلق الورد على الوارد، فالورد لا يكون المورود، فاحتيج إلى حذف ليطابق فاعل بئس المخصوص بالذم، فالتقدير: وبئس مكان الوردالمورود ويعني به النار. فالورد فاعل ببئس، والمخصوص بالذم المورود وهي النار. ويجوز في إعراب المورود ما يجوز في زيدمن قولك: بئس الرجل زيد، وجوز ابن عطية وأبو البقاء أن يكون المورود صفة للورد أي: بئس مكان الورد المورودالنار، ويكون المخصوص محذوفاً لفهم المعنى، كما حذف في قوله:

{ فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }

وهذا التخريج يبتني على جواز وصف فاعلنعم وبئس، وفيه خلاف. ذهب ابن السراج والفارسي إلى أن ذلك لا يجوز، وقال الزمخشري: والورد المورود الذي وردوه شبههبالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه اتباعه بالواردة، ثم قيل: بئس الورد الذي يردونه النار، لأن الورد إنما يوردلتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده انتهى. وقوله: والورد المورود إطلاق الورد على المورود مجاز، إذ نقلوا أنه يكون صدراًبمعنى الورود، أو بمعنى الواردة من الإبل وتقديره: بئس الورد الذي يردونه النار، يدل على أنّ المورود صفة للورد، وأنالمخصوص بالذم محذوف، ولذلك قدّره النار. وقد ذكرنا أن ذلك يبتني على جواز وصف فاعل بئس ونعم. وقيل: التقدير بئسالقوم المورود بهم هم، فيكون الورد عنى به الجمع الوارد، والمورود صفة لهم، والمخصوص بالذم الضمير المحذوف وهو هم، فيكونذلك ذماً للواردين، لإذ ما لموضع الورود. والإشارة بقوله: في هذه إلى الدنيا وقد جاء مصرحاً بها في قصة هود،ودل عليها قوله: ويوم القيامة، لأنه الآخرة. فيوم معطوف على موضع في هذه، والمعنى: أنهم ألحقوا لعنة في الدنيا وفيالآخرة. قال الكلبي: في هذه لعنة من المؤمنين أو بالغرق، ويوم القيامة من الملائكة أو بالنار. وقال مجاهد: فلهم لعنتان،وذهب قوم إلى أنّ التقسيم هو أنّ لهم في الدنيا لعنة، ويوم القيامة يرفدون به فهي لعنة واحدة أولاً، وقبحارفاد آخر انتهى. وهذا لا يصح لأنّ هذا التأويل يدل على أنّ يوم القيامة معمول لبئس، وبئس لا يتصرف، فلايتقدم معمولها عليها، فلو تأخر يوم القيامة صح كما قال الشاعر:

ولنعم حشو الدرع أنت إذا     دعيت نزال ولج في الذعر

. وقال الزمخشري: بئس الرفد المرفود رفدهم، أي: بئس العون المعان، وذلك أنّ اللعنة فيالدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد رفدت باللعنة في الآخرة. وقيل: بئس العطاء المعطى انتهى. ويظهر من كلامه أنّ المرفودصفة للرفد، وأنّ المخصوص بالذم محذوف تقديره: رفدهم، وما ذكر من تفسيره أي بئس العون المعان هو قول أبي عبيدة،وسمى العذاب رفداً على نحو قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع. وقال الكلبي: الرفد الرفادة أي بئس ما يرفدون به بعدالغرق النار. {ذٰلِكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْعَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أَمْرُ }: الإشارة بذلك إلى ما تقدم من ذكرالأنبياء وقومهم، وما حل بهم من العفو، بات أي ذلك النباء بعض أنباء القرى. ويحتمل أن يعني بالقرى قرى أولئكالمهلكين المتقدم ذكرهم، وأن يعني القرى عموماً أي: هذا النبأ المقصوص عليك هو ديدن المدن إذ كفرت، فدخل المدن المعاصرة.والضمير في منها عائد على القرى. قال ابن عباس: قائم وحصيد عامر كزغر وداثر، وهذا على تأويل عموم القرى. وقالقتادة وابن جريج: قائم الجدران ومنهدم، وهذا على تأويل خصوص القرى، وأنها قرى أولئك الأمم المهلكين، وقال الزمخشري: بعضها باقوبعضها عافى الأثر كالزرع القائم على ساقه، والذي حصد انتهى. وهذا معنى قول قتادة، قال قتادة: قائم الأثر ودارسه، جعلحصد الزرع كناية عن الفناء قال الشاعر:

والناس في قسم المنية بينهم     كالزرع منه قائم وحصيد

. وقال الضحاك: قائم لم يخسف، وحصيد قد خسف. وقال ابن إسحاق: قائم لم يهلك بعد، وحصيد قد أهلك. وقيل:قائم أي باق نسله، وحصيد أي منقطع نسله. وهذا يتمشى على أن يكون التقدير ذلك من أنباء أهل القرى. وقدقيل: هو على حذف مضاف أي: من أنباء أهل القرى، ويؤيده قوله: وما ظلمناهم، فعاد الضمير على ذلك المحذوف. وقالالأخفش: حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحصاد، مثل: مرضى ومراض، وباب فعلى جمعاً لفعيل بمعن مفعول، أن يكون فيمن يعقلنحو: قتيل وقتلى. وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما محل هذه الجملة؟ قلت: هي مستأنفة لا محل لها انتهى. وقال أبوالبقاء: منها قائم ابتداء، وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه، وحصيد مبتدأ خبره محذوف أي: ومنها حصيد انتهى.وما ذكره تجوز أي: نقصه عليك وحال القرى ذلك، والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين أي: نقص عليك بعضأنباء القرى وهي على هذه الحال يشاهدون فعل الله بها. وما ظلمناهم أي: بإهلاكنا إياههم، بل وضعنا عليهم من العذابما يستحقونه، ولكن ظلموا أنفسهم بوضع الكفر موضع الإيمان، وارتكاب ما به أهلكوا. والظاهر أنّ قوله: فما أغنت، نفي أي،لم ترد عنهم من بأس الله شيئاً ولا أجدت. يدعون حكاية حال أي: التي كانوا يدعون، أي يعبدون، أو يدعونهااللات والعزى وهبل. قال الزمخشري: ولما منصوب بما أغنت انتهى. وهذا بناء على أنّ لما ظرف، وهو خلاف مذهب سيبويه،لأنّ مذهبه أنها حرف وجوب لوجوب. وأمر ربك هو عذابه ونقمته. وما زادوهم عومل معاملة العقلاء في الإسناد إلى واوالضمير الذي هو لمن يعقل، لأنهم نزلوهم منزلة العقلاء في اعتقادهم أنها تنفع، وعبادتهم إياهم. والتتبيب التخسير. قال ابن زيد:الشر، وقال قتادة: الخسران والهلاك، وقال مجاهد: التخسير، وقيل: التدمير. وهذه كلها أقوال متقاربة. قال ابن عطية: وصورة زيادة الأصنامالتتبيب، إنما هو يتصور بأنّ تأميلها والثقة بها والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم عن النظر في الشرع وعاقبته، فلحق منذلك عقاب وخسران. وأما بأن عذابهم على الكفر يزاد به عذاب على مجرد عبادة الأوثان. {وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَاأَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلاْخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌلَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْشَقِىٌّ وَسَعِيدٌ }: أي ومثل ذلك الأخذ أخذ الله الأمم السابقة أخذ ربك. والقرى عام في القرى الظالمة، والظلم يشملظلم الكفر وغيره. وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة. وأما الظلمة في الغالب فمعاجلون، وفي الحديث: إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذاً. وقرأ أبو رجاء والجحدري: وكذلك أخذ ربك، إذ أخذعلى أنّ أخذ ربك فعل وفاعل، وإذ ظرف لما مضى، وهو إخبار عما جرب به عادة الله في إهلاك منتقدم من الأمم. وقرأ طلحة بن مصرف: وكذلك أحذ ربك هذا أخذ. قال ابن عطية: وهي قراءة متمكنة المعنى، ولكنقراءة الجماعة تعطي الوعيد واستمراره في الزمان، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي، والقرى مفعول بأخذ على الإعمال إذتنازعه المصدر وهو: أخذ ربك، وأخذ، فاعمل الثاني وهي ظالمة جملة حالية إن أخذه أليم موجع صعب على المأخوذ. والأخذهنا أخذ الإهلاك. إنّ في ذلك أي: فيما قص الله من أخبار الأمم الماضية وإهلاكهم لآية لعلامة لمن خافعذاب الآخرة، أي: إنهم إذا عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله، وهي دار العمل فلأن يعذبوا على ذلكفي الآخرة التي هي دار الجزاء أولى، وذلك أنّ الأنبياء أخبروا باستئصال من كذبهم، وأشركوا بالله. ووقع ما أخبروا بهوفق إخبارهم، فدل على أنّ ما أخبروا به من البعث والجزاء صدق لا شك فيه. قال الزمخشري: لآية لمن خافلعبرة له، لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعد لهم في الآخرة،فإذا رأى عظمته وشدته اعتبر به من عظيم العذاب الموعود فيكون له عظة وعبرة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية منالله ونحوه:

{ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىٰ }

ذلك إشارة إلى يوم القيامة الدال عليه قوله: عذاب الآخرة، والناسمفعول لم يسم فاعله رافعه مموع، وأجاز ابن عطية أن يكون الناس مبتدأ، ومجموع خبر مقدم، وهو بعيد لإفراد الضميرفي مجموع، وقياسه على إعرابه مجموعون، ومجموع له الناس عبارة عن الحشر، ومشهود عام يشهده الأولون والآخرون من الإنس والجنوالملائكة والحيوان في قول الجمهور. وقال الزمخشري: (فإن قلت): أي فائدة في أن أوثر اسم المفعول على فعله؟ (قلت):لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه لا بد أن يكون ميعاد مضروباً لجمع الناسله، وأنه هو الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه، وفيه منتمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل. ومعنى مشهود، مشهود فيه، فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراءله مجرى المفعول به على السعة لقوله:

ويومـاً شهـدنـاه سليمــاً وعـامـراً    

والمعنى: يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد، ومنه قولهملفلان: مجلس مشهود، وطعام محضور. وإنما لم يجعل اليوم مشهوداً في نفسه كما قال:

{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ }

لأنالغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وغيره من بين الأيام، وكونه مشهوداً في نفسه لا يميزه، إذ هو موافق لسائرالأيام في كونها مشهودة. وما نؤخره أي: ذلك اليوم. وقيل: يعود على الجزاء قاله الحوفي، إلا لأجل معدود أي لقضاءسابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. وقرأ الأعمش: وما يؤخره بالياء، وقرأ النحويان ونافع:يأتي بإثبات الياء وصلاً، وحذفها وقفاً، وابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، وهي ثابتة في مصحف أبيّ. وقرأ باقي السبعة بحذفهاوصلاً ووقفاً، وسقطت في مصحف الإمام عثمان. وقرأ الأعمش يأتون، وكذا في مصحف عبد الله، وإثباتها وصلاً ووقفاً هو الوجه،ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل، وقفاً ووصلاً التخفيف كما قالوا: لا أدرِ ولا أبالِ. وذكر الزمخشري أنّ الاجتزاء بالكسرةعن الياء كثير في لغة هذيل. وأنشد الطبري:

كفاك كف ما يليق درهما     جود وأخرى تعط بالسيف الدما

والظاهر أنّ الفاعل بيأتي ضمير يعود على ما عاد عليه الضمير في نؤخره وهو قوله: ذلكيوم، والناصب له لا تكلم، والمعنى: لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بإذن الله، وذلك من عظم المهابةوالهول في ذلك اليوم. وهو نظير:

{ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ }

هو ناصب كقوله:

{ يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً }

والمراد بإتيان اليوم إتيان أهواله وشدائده، إذ اليوم لا يكون وقتاً لإتيان اليوم. وأجاز الزمخشري أنيكون فاعل يأتي ضميراً عائداً على الله قال: كقوله:

{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ }

{ أَوْ يَأْتِىَ أمر رَبُّكَ }

وجاء ربك، ويعضده قراءة وما يؤخره بالياء، وقوله:

{ بِإِذْنِهِ }

وأجاز أيضاً أن ينتصب يوم يأتي باذكر أو بالانتهاءالمحذوف في قوله: إلا لأجل معدود، أي ينتهي الأجل يوم يأتي. وأجاز الحوفي أن يكون لا تكلم حالاً من ضميراليوم المتقدم في مشهود، أو نعتاً لأنه نكره، والتقدير: لا تكلم نفس فيه يوم يأتي إلا بإذنه. وقال ابن عطية:لا تكلم نفس، يصح أن يكون جملة في موضع الحال من الضمير الذي في يأتي، وهو العائد على قوله ذلكيوم، ويكون على هذا عائد محذوف تقديره: لا تكلم نفس فيه إلا بإذنه. ويصح أن يكون قوله: لا تكلم نفس،صفة لقوله: يوم يأتي، أو يوم يأتي يراد به الحين والوقت لا النهار بعينه. وما ورد في القرآن من ذكركلام أهل الموقف في التلازم والتساؤل والتجادل، فإما أن يكون بإذن الله، وإما أن يكون هذه مختصة هنا في تكلمشفاعة أو إقامة حجة انتهى. وكلامه في إعراب لا تكلم كأنه منقول من كلام الحوفي. وقيل: يوم القيامة يوم طويلله مواقف، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون،وفي بعضها يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم، والضمير في منهم عائد على الناس في قوله: مجموع له الناس.وقال الزمخشري: الضمير لأهل الموقف، ولم يذكروا إلا أن ذلك معلوم، ولأنّ قوله: لا تكلم نفس، يدل عليه، وقد مرّذكر الناس في قوله: مجموع له الناس. وقال ابن عطية فمنهم عائد على الجميع الذي تضمنه قوله: نفس، إذ هواسم جنس يراد به الجميع انتهى. قال ابن عباس: الشقي من كتبت عليه الشقاوة، والسعيد الذي كتبت له السعادة. وقيل:معذب ومنعم، وقيل: محروم ومرزوق، وقيل: الضمي في منهم عائد على أمة محمد ﷺ، ذكره ابن الأنباري.{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ إِلاَّمَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِوَٱلاْرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } قال الضحاك ومقاتل والفراء: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره،وروي عن ابن عباس، وقال أبو العالية والربيع بن أنس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عن ابن عباسأيضاً. وقال ابن السائب: الزفير زفير الحمار، والشهيق شهيق البغال. وانتصاب خالدين على أنها حال مقدرة، وما مصدرية ظرفية أي:مدة دوام السموات والأرض، والمراد بهذا التوقيت التأييد كقول العرب: ما أقام ثبير وما لاح كوكب، وضعت العرب ذلك للتأييدمن غير نظر لفناء ثبير أو الكوكب، أو عدم فنائهما. وقيل: سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة لا بد، يدل علىذلك

{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلاْرْضُ غَيْرَ ٱلاْرْضِ }

وقوله:

{ وَأَوْرَثَنَا ٱلاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء }

ولأنه لا بد لأهلالآخرة مما يقلهم ويظلمهم، إما سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش وكلما أظلك فهو سماء. وعن ابن عباس: إن السمواتوالأرض في الآخرة يردان إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان أبداً في نور العرش. والظاهر أنّ قوله: إلا ماشاء ربك استثناء من الزمان الدال عليه قوله: خالدين فيهما ما دامت السموات والأرض. والمعنى: إلا الزمان الذي شاءه اللهتعالى، فلا يكون في النار، ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمان المستثنى هو الزمان الذي يفصل الله بينالخلق يوم القيامة، إذا كان الاستثناء من الكون في النار والجنة، لأنه زمان يخلو فيه الشقي والسعيد من دخول النارأو الجنة. وأما إن كان الاستثناء من الخلود فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمان المستثنى، هو الزمان الذيفات أهل النار العصاة من المؤمنين الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة، فليسوا خالدين في النار إذ قد أخرجوا منهاوصاروا في الجنة، وهذا روى معناه عن قتادة والضحاك وغيرهما، ويكون الذين شقوا شاملاً للكفار وعصارة المسلمين. وأما بالنسبة إلىأهل الجنة فلا يتأتى منهم ما تأتى في أهل النار، إذ ليس منهم من يدخل الجنة ثم لا يخلد فيها،لكن يمكن ذلك باعتبار أن يكون أريد الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين، أو الذي فات أصحاب الأعراف،فإنهم بفوات تلك المدة التي دخل المؤمنون فيها الجنة وخلدوا فيها صدق على العصاة المؤمنين وأصحاب الأعراف أنهم ما خلدوافي الجنة تخليد من دخلها لأول وهلة، ويجوز أن يكون استثناء من الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو في خالدين،وتكون ما واقعة على نوع من يعقل، كما وقعت في قوله:

{ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء }

أو تكونواقعة على من يعقل على مذهب من يرى وقوعها على من يعقل مطلقاً، ويكون المستثنى في قصة النار عصاة المؤمنين،وفي قصة الجنة هم، أو أصحاب الأعراف لأنهم لم يدخلوا الجنة لأول وهلة، ولا خلدوا فيها خلود من دخلها أولوهلة. وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما معنى الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك، وقد ثبت خلود أهل الجنةوالنار في الآية من غير استثناء؟ (قلت): هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة،وذلك أنّ أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب يساوي عذاب النار، وبماهو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم. وهكذا أهل الجنة لهم مع تبوّء الجنة ماهو أكبر منها وأحل موقعاً منهم، وهو رضوان الله تعالى. كما قال: {وَعَدَ ٱللَّهُ } الآية إلى قوله:

{ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }

ولهم ما يتفضل به عليهم سوى ثواب الجنة ما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء،والدليل عليه قوله: عطاء غير مجذوذ. ومعنى قوله في مقابلته: إن ربك فعال لما يريد، أنه يفعل بأهل النار، مايريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً ولا يخدعنكعنه قول المجبرة: المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم. وماظنك بقوم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم لما روي لهم بعض الثوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ليأتينعلى جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك عندما يلبثون فيها أحقاباً. وقد بلغني أن من الضلال مناعتبر هذا الحديث، فاعتقد أنّ الكفار لا يخلدون في النار، وهذا ونحوه والعياذ بالله من الخذلان المبين زادنا الله هدايةإلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً عن أن نغفل عنه. ولئن صح هذا عن أبي العاص فمعناه يخرجون من النار إلىبرد الزمهرير، فذلك خلو جهنم وصفق أبوابها انتهى. وهو على طريق الاعتزال في تخليد أهل الكبائر غير التائبين من المؤمنينفي النار، وأما ما ذكره من الاستثناء في أهل النار من كونهم لا يخدلون في عذاب النار، إذ ينتقلون إلىالزمهرير فلا يضيق عليهم أنهم خالدون في عذاب النار، فقد يتمشى. وأما ما ذكره من الاستثناء في أهل الجنة منقوله: خالدين، فلا يتمشى لأنهم مع ما أعطاهم الله من رضوانه، وما تفضل عليهم به منسوى ثواب الجنة، لا يخرجهمذلك عن كونهم خالدين في الجنة، فلا يصح الاستثناء على هذا، بخلاف أهل النار فإنه لخروجهم من عذابها إلى الزمهريريصح الاستثناء. وقال ابن عطية: وأما قوله إلا ما شاء ربك، فقيل فيه: إن ذلك على طريق الاستثناء الذيندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، فهو على نحو قوله:

{ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ }

استثناءفي واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط كأنه قال: إن شاء الله، فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع.وقيل: هو استثناء من طول المدة، وذلك على ما روي أن جهنم تخرب ويعدم أهلها، وتخفق أبوابها، فهم على هذايخدلون حتى يصير أمرهم إلى هذا، وهذا قول محيل. والذي روى ونقل عن ابن مسعود وغيره: أنها تخلو من النارإنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمى جهنم، وسمى الكل به تجوزاً. وقيل: إلا بمعنى الواو، وفمعنىالآية: وما شاء الله زائداً على ذلك. وقيل: في هذه الآية بمعنى سوى، والاستثناء منقطع كما تقول: لي عندك ألفادرهم إلا الألف التي كنت أسلفتك، بمعنى سوى تلك الألف. فكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، سوى ماشاء الله زائداً على ذلك، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى بعد هذا: عطاء غير مجذوذ، وهذا قول الفرّاء. وقيل: سوىما أعد لهم من أنواع العذاب مما لا يعرف كالزمهرير. وقيل: استثناء من مدة السموات والأرض التي فرطت لهم فيالحياة الدنيا. وقيل: في البرزخ بين الدنيا والآخرة. وقيل: في المسافات التي بينهم في دخول النار إذ دخولهم إنما هوزمراً بعد زمر. وقيل: الاستثناء من قوله ففي النار، كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك،وهذا قول رواه أبو نصرة عن جابر، أو عن أبي سعيد الخدري، ثم أخبر منبهاً على قدرة الله تعالى فقال:إن ربك فعال لما يريد انتهى. وقال أبو مجلز: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنه بعذاب يكون جزاؤه الخلودفي النار، فلا يدخله النار. وقيل: معنى إلا ما شاء ربك كما شاء ربك قيل: كقوله:

{ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ }

أي كما قد سلف. وقرأ الحسن: شقوا بضم الشين، والجمهور بفتحها. وقرأابن مسعود، وطلحة بن مصرّف، وابن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص سعدوا بضم السين، وباقي السبعة والجمهور بفتحها. وكان عليبن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية، ولا يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابنمسعود ومن ذكرنا معه. وقد احتج الكسائي بقولهم: مسعود، قيل: ولا حجة فيه لأنه يقال: مكان مسعود فيه، ثم حذففيه وسمى به، وقال المهدوي: من قرأ سعدوا فهو محمول على مسعود، وهو شاذ قليل لأنه لا يقال سعده الله،إنما يقال: أسعده الله. وقال الثعلبي: سعد وأسعد بمعنى واحد، وانتصب عطاء على المصدر أي: أعطوا عطاء بمعنى إعطاء كقوله:

{ وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلاْرْضِ نَبَاتاً }

أي إنباتاً. ومعنى غير مجذوذ: غير مقطوع، بل هو ممتد إلى غير نهاية.

{ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } * { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } * { فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } * { وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } * { وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ } * { وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ }[عدل]

الزلفة قال الليث: طائفة من أول الليل، والجمع الزلف، وقال ثعلب: الزلف أولساعات الليل، واحدها زلفة. وقال أبو عبيدة، والأخفش، وابن قتيبة، الزلف ساعات الليل وآناؤه، وكل ساعة زلفة. وقال العجاج:

ناح طواه الأين مما وجَفَا     طيَّ الليالي زلفاً فزلفا سمـاؤه الهـلال حتـى احقوقنــا

وأصل الكلمة من الزلفىوهي القربة، ويقال: أزلفه فازدلف أي قربه فاقترب، وأزلفني أدناني. الترف: النعمة، صبي مترف منعم البدن، ومترف أبطرته النعمة وسعةالعيش. وقال الفراء: أترف عود الترفة وهي النعمة. {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَايَعْبُدُ ءابَاؤهُم مّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ }: لما ذكر تعالى قصص عبدة الأوثان من الأمم السالفة، واتبع ذلكبذكر أحوال الأشقياء والسعداء، شرح للرسول ﷺ أحوال الكفار من قومه، وإنهم متبعو آبائهم كحال من تقدممن الأمم في اتباع آبائهم في الضلال. وهؤلاء إشارة إلى مشركي العرب باتفاق، وأنَّ ديدنهم كديدن الأمم الماضية في التقليدوالعمى عن النظر في الدلائل والحجج. وهذه تسلية للرسول ﷺ، وعدة بالانتقام منهم، إذ حالهم في ذلكحال الأمم السالفة، والأمم السالفة قد قصصنا عليك ما جرى لهم من سوء العاقبة. والتشبيه في قوله: كما يعبد، معناهأنّ حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت، وقد بلغك ما نزل بأسلافهم، فسينزل بهم مثله. وما يعبداستئناف جرى مجرى التعليل للنهي عن المرية، وما في مما وفي كما يحتمل أن تكون مصدرية وبمعنى الذي. وقرأ الجمهور:لموفوهم مشدداً من وفى، وابن محيصن مخففاً من أوفى، والنصيب هنا قال ابن عباس: ما قدر لهم من خير ومنشر. وقال أبو العالية: من الرزق. وقال ابن زيد: من العذاب، وكذا قال الزمخشري قال: كما وفينا آباءهم أنصباءهم، وغيرمنقوص حال من نصيبهم، وهو عندي حال مؤكدة، لأنّ التوفية تقتضي التكميل. وقال الزمخشري: (فإن قلت): كيف نصب غيرمنقوص حالاً من النصيب الموفى؟ (قلت): يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل. ألا تراك تقول: وفيته شطر حقه،وثلث حقه، وحقه كاملاً وناقصاً؟ انتهى وهذه مغلطة إذا قال: وفيته شطر حقه، فالتوفية وقعت في الشطر، وكذا ثلث حقه،والمعنى أعطيته الشطر أو الثث كاملاً لم أنقصه منه شيئاً. وأما قوله: وحقه كاملاً وناقصاً، أما كاملاً فصحيح، وهي حالمؤكدة لأن التوفية تقتضي الإكمال، وأما وناقصاً فلا يقال لمنافاته التوفية. والخطاب في فلا تك متوجه إلى من داخله الشك،لا إلى الرسول ﷺ، والمعنى: والله أعلم قل يا محمد لكل من شك لا تك في مريةمما يعبد هؤلاء، فإنّ الله لم يأمرهم بذلك، وإنما اتبعوا في ذلك آباءهم تقليداً لهم وإعراضاً عن حجج العقول.{وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مُرِيبٍ }:لما بين تعالى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد ونبوّة الرسول والقرآن الذي أتى به، بيّن أنّ الكفار من الأممالسابقة كانوا على هذه السيرة الفاخرة مع أنبيائهم، فليس ذلك ببدع مِن مَن عاصر الرسول ﷺ، وضربلذلك مثلاً وهو: إنزال التوراة على موسى فاختلفوا فيها. والكتاب هنا التوراة، فقبله بعض، وأنكره بعض، كما اختلف هؤلاء فيالقرآن. والظاهر عود الضمير فيه على الكتاب لقربه، ويجوز أن يعود على موسى عليه السلام. ويلزم من الاختلاف في أحدهماالاختلاف في الآخر. وجوز أن تكون في بمعنى على، أي: فاختلف عليه، وكان بنو إسرائيل أشدّ تعنتاً على موسى وأكثراختلافاً عليه. وقد تقدم شرح:

{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ }

والظاهر عود الضمير في بينهم على قومموسى عليه السلام، إذ هم المختلفون فيه، أو في الكتاب. وقيل: يعود على المختلفين في الرسول من معاصريه. قال ابنعطية: وأنْ يعمهم اللفظ أحسن عندي، وهذه الجملة من جملة تسليته أيضاً. {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُبِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }: الظاهر عموم كل وشموله للمؤمن والكافر. وقال الزمخشري: التنوين عوض من المضاف إليه يعني: وإن كلهم،وإن جميع المختلفين فيه. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقرأ الحرميان وأبو بكر: وإن كلا بتخفيف النون ساكنة.وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: لما بالتشديد هنا وفي {يس } و{ٱلطَّارِقُ } وأجمعت السبعة على نصب كلا، فتصور فيقراءتهم أربع قراآت: إحداها: تخفيف أن ولما، وهي قراءة الحرميين. والثانية: تشديدهما، وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص. والثالثة: تخفيفإنْ وتشديد لما وهي قراءة أبي بكر. والرابعة: تشديد أنْ وتخفيف لمّا، وهي قراءة الكسائي وأبي عمرو. وقرأ أبيّ والحسنبخلاف عه، وإبان بن ثعلب وإنْ بالتخفيف كل بالرفع لمّا مشدداً. وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: وإن كلا لمّا بتشديدالميم وتنوينها، ولم يتعرضوا لتخفيف إنْ ولا تشديدها. وقال أبو حاتم: الذي في مصحف أبيّ وإن من كل إلا ليوفينهم.وقرأ الأعمش: وإن كل إلا، وهو حرف ابن مسعود، فهذه أربعة وجوه في الشاذ. فأما القراءة الأولى فأعمال أنْ مخففةكأعمالها مشددة، وهذا المسألة فيها خلاف: ذهب الكوفيون إلى أنّ تخفيف أن يبطل عملها، ولا يجوز أن تعمل. وذهب البصريونإلى أنّ إعمالها جائز، لكنه قليل إلا مع المضمر، فلا يجوز إلا أن ورد في شعر، وهذا هو الصحيح لثبوتذلك في لسان العرب. حكى سيبويه أن الثقة أخبره أنه سمع بعض العرب أنّ عمر المنطلق، ولثبوت هذه القراءة المتواترةوقد تأولها الكوفيون. وأما لما فقال الفراء: فاللام فيها هي اللام الداخلة على خبر إنّ، وما موصولة بمعن الذي كماجاء:

{ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ }

والجملة من القسم المحذوف وجوابه الذي هو ليوفينهم صلة، لما نحو قوله تعالى:

{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ }

وهذا وجه حسن، ومن إيقاع ما على من يعقل قولهم: لا سيما زيد بالرفع، أي لاسيالذي هو زيد. وقيل: ما نكرة موصوفة وهي لمن يعقل، والجملة القسمية وجوابها قامت مقام الصفة، لأن المعنى: وإنْ كلالخلق موفى عمله، ورجح الطبري هذا القول واختاره. وقال أبو عليّ: العرف أن تدخل لام الابتداء على الخير، والخبر هناهو القسم وفيه لام تدخل على جوابه، فلما اجتمع اللامان والقسم محذوف، واتفقا في اللفظ، وفي تلقي القسم فصل بينهمابما كما فصلوا بين أن واللام انتهى. ويظهر من كلامه أنّ اللام في لما هي اللام التي تدخل في الخبر،ونص الحوفي على أنها لام إنْ، إلا أنّ المنقول عن أبي علي أنّ الخبر هو ليوفينهم، وتحريره ما ذكرنا وهوالقسم وجوابه. وقيل: اللام في لما موطئة للقسم، وما مزيدة، والخبر الجملة القسمية وجوابها، وإلى هذا القول في التحقيق يؤولقول أبي علي. وأما القراءة الثانية فتشديد إنّ وإعمالها في كل واضح. وأما تشديد لمّا فقال المبرد: هذا لحن، لاتقول العرب إنّ زيداً لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته. وكيف تكون قراءة متواترة لحناً وليس تركيب الآيةكتركيب المثال الذي قال: وهو أنّ زيداً لما خارج هذا المثال لحن، وأما في الآية فليس لحناً، ولو سكت وقالكما قال الكسائي: ما أدري ما وجه هذه القراءة لكن قد وفق، وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها.فقال أبو عبيد: أصله لما منونا وقد قرىء كذلك، ثم بني منه فعلى، فصار كتتري نون إذ جعلت ألفه للإلحاقكارطي، ومنع الصرف إذ جعلت ألف تأنيث، وهو مأخوذ من لممته أي جمعته، والتقدير: وإنْ كلاًّ جميعاً ليوفينهم، ويكون جميعاًفيه معنى التوكيد ككل، ولا يقال لما هذه هي لما المنونة وقف عليها بالألف، لأنها بدل من التنوين، وأجرى الأصلمجرى الوقف، لأنّ ذلك إنما يكون في الشعر. وما قاله أبو عبيد بعيد، إذ لا يعرف بناء فعلى من اللم،ولما يلزم لمن أمال، فعلى أن يميلها ولم يملها أحد بالإجماع، ومن كتابتها بالياء ولم تكتب بها، وقيل: لما المشدّدةهي لما المخففة، وشدّدها في الوقف كقولك: رأيت فرّحاً يريد فرحاً، وأجرى الوصل مجرى الوقف، وهذا بعيد جداً، وروي عنالمازني. وقال ابن جني وغيره: تقع إلا زائدة، فلا يبعد أن تقع لما بمعناها زائدة انتهى. وهذا وجه ضعيف مبنيعلى وجه ضعيف في إلا. وقال المازني: إنْ هي المخفف ثقلت، وهي نافية بمعنى ما، كما خففت إنْ ومعناها المثقلة،ولما بمعنى إلا، وهذا باطل لأنه لم يعهد تثقيل إن النافية، ولنصب كل وإن النافية لا تنصب. وقيل: لما بمعنىإلا كقولك: نشدتك بالله لما فعلت، تريد إلا فعلت، وقاله الحوفي، وضعفه أبو علي قال: لأن لما هذه لا تفارقالقسم انتهى. وليس كما ذكر، قد تفارق القسم. وإنما يبطل هذا الوجه، لأنه ليس موضع دخول إلا، لو قلت: إنْزيداً إلا ضربته لم يكن تركيباً عربياً. وقيل: لما أصلها لمن ما، ومن هي الموصولة، وما بعدها زائدة، واللام فيلما هي داخلة في خبر إن، والصلة الجملة القسمية، فلما أدغمت من في الزائدة اجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهنوهي المبدلة من النون، فاجتمع المثلان، فأدغمت ميم من في ميم ما، فصار لمّا وقاله المهدوي. وقال الفراء، وتبعه جماعةمنهم نصر الشيرازي: أصل لمّا لمن ما دخلت من الجارة على ما، كما في قول الشاعر:

وإنا لمن ما يضرب الكبش ضربة     على رأسه تلقى اللسان من الفم

فعمل بها ما عمل في الوجه الذي قبله. وهذان الوجهان ضعيفانجداً لم يعهد حذف نون من، ولا حذف نون من إلا في الشعر، إذا لقيت لام التعريف أو شبهها غيرالمدغمة نحو قولهم: ملمال يريدون من المال. وهذه كلها تخريجات ضعيفة جداً ينزه القرآن عنها. وكنت قد ظهر ليفيها وجه جار على قواعد العربية، وهو أنّ لمّا هذه هي لما الجارمة حذف فعلها المجزوم لدلة المعنى عليه، كماحذفوه في قولهم قاربت المدينة، ولما يريدون ولما أدخله. وكذلك هنا التقدير وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدلعليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم، لما أخبر بانتفاء نقص جزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال: ليوفينهم ربك أعمالهم، وكنت اعتقدتإني سبقت إلى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من يقرأ عليّ فقال: قد ذكر ذلك أبوعمرو وابن الحاجب، ولتركي النظر في كلام هذا الرجل لم أقف عليه، ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريجعن ابن الحاجب قال: لما هذه هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم:خرجت ولما سافرت، ولما ونحوه، وهو سائغ فصيح، فيكون التقدير: لما يتركوا، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعينفي قوله:

{ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ }

ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم، ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم، قال: وماأعرف وجهاً أشبه من هذا، وإن كان النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن. وأما القراءةالثالثة والرابعة فتخريجهما مفهوم من تخريج القراءتين قبلهما، وأما قراءة أبي ومن ذكر معه فإنْ نافية، ولمّا بمعنى إلا، والتقدير:ما كل إلا والله ليوفينهم. وكل مبتدأ الخبر الجملة القسمية وجوابها التي بعد لما كقراءة من قرأ

{ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ }

{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ }

ولا التفات إلى قول أبي عبيد والفراء من إنكارهما أن لماتكون بمعنى إلا. قال أبو عبيد: لم نجد هذا في كلام العرب، ومن قال هذا لزمه أن يقول: رأيت القوملما أخاك يريد إلا أخاك، وهذا غيره موجود. وقال الفراء: أما من جعل لما بمعنى إلا، فإنه وحجه لا نعرفه،وقد قالت العرب مع اليمين بالله: لما قمت عنا، وإلا قمت عنا، فأما في الاستثناء فلم ننقله في شعر. ألاترى أنّ ذلك لو جاز لسمع في الكلام: ذهب الناس لما زيدا؟ والقراءة المتواترة في قوله: وإنْ كل لما، وإنكل نفس لما، حجة عليهما. وكون لما بمعنى إلا نقله الخليل وسيبويه والكسائي، وكون العرب خصصت مجيئها ببعض التراكيب لايقدح ولا يلزم اطرادها في باب الاستثناء، فكم من شيء خص بتركيب دون ما أشبهه. وأما قراءة الزهري، وابن أرقم:لما بالتنوين والتشديد، فلما مصدر من قولهم: لممت الشيء جمعته، وخرج نصبه على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة لكلا وصفبالمصدر وقدر كل مضافاً إلى نكرة حتى يصح الوصف بالنكرة، كما وصف به في قوله:

{ أَكْلاً لَّمّاً }

وهذا تخريجأبي علي. والوجه الثاني: أن يكون منصوباً بقوله: ليوفينهم، على حد قولهم: قياماً لأقومن، وقعوداً لا قعدن، فالتقدير توفية جامعةلأعمالهم ليوفينهم. وهذا تخريج ابن جني وخبر إنّ على هذين الوجهين هو جملة القسم وجوابه. وأما ما في مصحف أبيفإنْ نافية، ومن زائدة. وأما قراءة الأعمش فواضحة، والمعنى: جميع ما لهم. قيل: وهذه الجملة تضمنت توكيدات بأن وبكل وباللامفي الخبر وبالقسم، وبما إذا كانت زائدة، وبنون التوكيد وباللام قبلها وذلك مبالغة في وعد الطائع ووعيد العاصي، وأردف ذلكبالجملة المؤكدة وهي: أنه بما يعملون خبير. وهذا الوصف يقتضي علم ما خفي. وقرأ ابن هرمز: بما تعملون على الخطاب.{فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }: قال ابن عيينة وجماعة: معناه استقمعلى القرآن، وقال الضحاك: استقم بالجهاد، وقال مقاتل: امض على التوحيد، وقال جماعة: استقم على أمر ربك بالدعاء إليه، وقالجعفر الصادق: استقم في الأخبار عن الله بصحة العزم، وقال الزمخشري: فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادةالحق غير عادل عنها. وقال ابن عطية: أمر بالاستقامة وهو عليها، وهو أمر بالدوام والثبوت. والخطاب للرسول وأصحابه الذين تابوامن الكفر ولسائر الأمة، فالمعنى: وأمرت مخاطبة تعظيم انتهى. وقيل: استفعل هنا للطلب أي: اطلب الإقامة على الدين، كما تقول:استغفر أي اطلب الغفران. ومن تاب معطوف على الضمير المستكن في فاستقم، وأغنى الفاصل عن التوكيد. ولا تطغوا قال ابنعباس: في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم آمركم به. وقال ابن زيد: لا تعصوا ربكم. وقال مقاتل: لا تخلطوا التوحيدبالشك. وقال الزمخشري: لا تخرجوا عن حدود الله. وقرأ الحسن والأعمش: بما يعملون بالياء على الغيبة، ورويت عن عيسى الثقفيبصير مطلع على أعمالهم يراها ويجازى عليهتا. {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِمِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ }: قال ابن عباس: معنى الركون الميل. وقال السدي، وابن زيد: لا تداهنوا الظلمة. وقالقتادة: لا تلحقوا بهم. وقال سفيان: لا تدنوا إلى الذين ظلموا. وقال أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم، وقيل: لا تجالسوهم،وقال جعفر الصادق: إلى الذين ظلموا إلى أنفسكم فإنها ظالمة، وهذا شبيه بتفسير الباطنية. وقيل: لا تتشبهوا بهم. وقرأ الجمهور:تركنوا بفتح الكاف، والماضي ركن بكسرها، وهي لغة قريش. وقال الأزهري: هي اللغة الفصحى. وعن أبي عمرو: بكسر التاء علىلغة تميم في مضارع علم غير الياء. وقرأ قتادة، وطلحة، والأشهب، ورويت عن أبي عمر: وتركنوا بضم الكاف ماضي ركنبفتحها، وهي لغة قيس وتميم، وقال الكسائي: وأهل نجد. وشد يركن بفتح الكاف، مضارع ركن بفتحها. وقرأ ابن أبي عبلة:ولا تركنوا مبنياً للمفعول من أركنه إذا أماله، والنهي متناول لانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهتنهم، والرضابأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيـي بزيهم، ومدالعين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وتأمّل قوله: ولا تركنوا، فإن الركون هوالميل اليسير. وقوله: إلى الذين ظلموا، أي الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل الظالمين، قاله: الزمخشري. وقال ابن عطية: ومعناهالسكون إلى الشيء والرضا به. قال أبو العالية: الركون الرضا. وقال ابن زيد: الركون الإدهان، والركون يقع في قليل هذاوكثيره. والنهي هنا يترتب من معنى الركون عن الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب، من ترك التعبير عليهم معالقدرة، والذين ظلموا هنا هم الكفرة، وهو النص للمتأولين، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي انتهى. وقال سفيان الثوري: في جهنم وادلا يسكنه إلا القراء الزائرون الملوك. وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟ فقال:لا. فقيل له: يموت، فقال: دعه يموت. وفي الحديث: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه وكتب إلى الزهري حين خالط السلاطين أخ له في الدين كتاباً طويلاً قرّعه فيه أشد التقريع، يوقف عليه في تفسيرالزمخشري. وقرأ ابن وثاب، وعلقمة، والأعمش، وابن مصرف، وحمزة فيما روي عنه: فتمسكم بكسر التاء على لغة تميم، والمس كنايةعن الإصابة. وانتصب الفعل في جواب النهي، والجملة بعدها حال. ومعنى من أولياء، من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه.ثم لا تنصرون قال الزمخشري: ثم لا ينصركم هو لأنه وجب في حكمته تعذيبكم، وترك الإبقاء عليكم. (فإن قلت): مامعنى؟ ثم قلت: معناها الاستبعاد، لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب وقضاء حكمته له انتهى، وهي ألفاظ المعتزلة.وقرأ زيد بن علي: ثم لا تنصروا بحذف النون، والفعل منصوب عطفاً على قوله: فتمسكم، والجملة حال، أو اعتراض بينالمتعاطفين. {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ * وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَلاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }: سبب نزولها ما في صحيح مسلم من حديث الرجل الذي عالج امرأة أجنبية منه، فأصابمنها ما سوى إتيانها فنزلت. وقيل: نزلت قبل ذلك، واستعملها الرسول ﷺ في قصة هذا الرجل فقالرجل: أله خاصة؟ قال: «لا، بل للناس عامة» وانظر إلى الأمر والنهي في هذه الآيات، حيث جاء الخطاب في الأمر،

{ فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }

، وأقم الصلاة، موحداً في الظاهر، وإن كان المأمور به من حيث المعنى عاماً، وجاء الخطاب فيالنهي:

{ وَلاَ تَرْكَنُواْ }

موجهاً إلى غير الرسول ﷺ، مخاطباً به أمته، فحيث كان بأفعال الخير توجهالخطاب إليه، وحيث كان النهي عن المحظورات عدل عن الخطاب عنه إلى غيره من أمته، وهذا من جليل الفصاحة. ولاخلاف أنّ المأمور بإقامتها هي الصلوات المكتوبة، وإقامتها دوامها، وقيل: أداؤها على تمامها، وقيل: فعلها في أفضل أوقاتها، وهي ثلاثةالأقوال التي في قوله تعالى: وأقيموا الصلاة. وانتصب طرفي النهار على الظرف. وطرف الشيء يقتضي أن يكون من الشيء،فالذي يظهر أنهما الصبح والعصر، لأنهما طرفا النهار، ولذلك وقع الإجماع، إلا من شذ على أنّ من أكل أو جامعبعد طلوع الفجر متعمداً أنّ يومه يوم فطر وعليه القضاء والكفارة، وما بعد طلوع الفجر من النهار. وقد ادعى الطبريوالماوردي: الإجماع على أنّ أحد الطرفين الصبح، والخلاف في ذلك على ما نذكره. وممن قال: هما الصبح والعصر الحسن، وقتادة،والضحاك، وقال: الزلف المغرب والعشاء، وليست الظاهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها. وقال مجاهد ومحمدبن كعب: الطرف الأول الصبح، والثاني الظهر والعصر، والزلف المغرب والعشاء، وليست الصبح في هذه الآية. وقال ابن عباس والحسنأيضاً: هما الصبح والمغرب، والزلف العشاء، وليست الظهر والعصر في الآية. وقيل: هما الظهر والعصر، والزلف المغرب والعشاء والصبح، وكانهذا القائل راعي الجهر بالقراءة والإخفاء. واختار ابن عطية قول مجاهد، وجعل الظهر من الطرف الثاني ليس بواضح، إنما الظهرنصف النهار، والنصف لا يسمى طرفاً إلا بمجاز بعيد، ورجح الطبري قول ابن عباس: وهو أنّ الطرفين هما الصبح والمغرب،ولا تجعل المغرب طرفاً للنهار إلا بمجاز، إنما هو طرف الليل. وقال الزمخشري: غدوة وعشية قال: وصلاة الغدوة الصبح، وصلاةالعشية الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء انتهى. ولا يلزم من إطلاق العشي على مابعد الزوال أن يكون الظهر طرفاً للنهار، لأن الأمر إنما جاء بالإقامة للصلاة في طرفي النهار، لا في الغداة والعشي.وقرأ الجمهور: وزلفاً بفتح اللام، وطلحة وعيسى البصرة وابن أبي إسحاق وأبو جعفر: بضمها كأنه اسم مفرد. وقرأ ابنمحيصن ومجاهد: بإسكانها وروي عنهما: وزلفى على وزن فعلى على صفة الواحد من المؤنث لما كانت بمعنى المنزلة. وأما القرءاتالأخر من الجموع فمنزلة بعد منزلة، فزلف جمع كظلم، وزلف كبسر في بسر، وزلف كبسر في بسرة، فهما اسما جنس،وزلفى بمنزلة الزلفة. والظاهر عطف وزلفاً من الليل على طرفي النهار، عطف طرفاً على طرف. وقال الزمخشري: وقد ذكر هذهالقراآت وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل. وقيل: زلفاً من الليل، وقرباً من الليل، وحقها على هذا التفسيرأن تعطف على الصلاة أي: أقم الصلاة في النهار، وأقم زلفى من الليل على معنى صلوات يتقرب بها إلى اللهعز وجل في بعض الليل. والظاهر عموم الحسنات من الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، وما أشبههما من فرائض الإسلام. وخصوص السيئاتوهي الصغائر، ويدل عليه الحديث الصحيح: ما اجتنبت الكبائر وذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين: إلى أنّ الحسنات يراد بهاالصلوات الخمس، وإليه ذهب عثمان عند وضوءه على المقاعد، وهو تأويل مالك. وقال مجاهد: الحسنات قول الرجل: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وينبغي أن يحمل هذا كلهعلى جهة المثال في الحساب، ومن أجل أنّ الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال. والصغائر التي تذهب هي بشرط التوبة منهاوعدم الإصرار عليها، وهذا نص حذاق الأصوليين. ومعنى إذهابها: تكفير الصغائر، والصغائر قد وجدت وأذهبت الحسنات ما كان يترتب عليها،لا أنها تذهب حقائقها، إذ هي قد وجدت. وقيل: المعنى إنّ فعل الحسنات يكون لطفاً في ترك السيئات، لا أنهاواقعة كقوله: {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } والظاهر أنّ الإشارة قوله ذلك، إلى أقرب مذكور وهو قوله: أقمالصلاة أي إقامتها في هذه الأوقات. ذكرى أي: سبب عظة وتذكرة للذاكرين أي المتعظين. وقيل: إشارة إلى الإخبار بأنّ الحسناتيذهبن السيئات، فيكون في هذه الذكرى حضًّا على فعل الحسنات. وقيل: إشارة إلى ما تقدم من الوصية بالاستقامة وإقامة الصلاة،والنهي عن الطغيان، والركون إلى الظالمين، وهو قول الزمخشري. وقال الطبري: إشارة إلى الأوامر والنواهي في هذه السورة، وقيل: إشارةإلى القرآن، وقيل: ذكرى معناها توبة، ثم أمر تعالى بالصبر على التبليغ والمكاره في ذات الله بعدما تقدم من الأوامروالنواهي، ومنبهاً على محل الصبر، إذ لا يتم شيء مما وقع الأمر به والنهي عنه إلا به، وأتى بعام وهوقوله: أجر المحسنين، ليندرج فيه كل من أحسن بسائر خصال الإحسان مما يحتاج إلى الصبر فيه، وما قد لا يحتاجكطبع من خلق كربما، فلا يتكلف الإحسان إذ هو مركوز في طبعه. وقال ابن عباس: المحسنون هم المصلون، كأنه نظرإلى سياق الكلام. وقال مقاتل: هم المخلصون، وقال أبو سليمان: المحسنون في أعمالهم. {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْأُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلاْرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ }: لولا هنا للتحضيض، صحبها معنى التفجعوالتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد، وهذا نحو قوله:

{ يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ }

والقرون: قوم نوح، وعاد، وثمود، ومن تقدم ذكره. والبقية هنا يراد بها الخير والنظر والجزم في الدين، وسمي الفضلوالجود بقية، لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلاً في الجودة والفضل. فلان من بقية القوم أي منخيارهم، وبه فسر بيت الحماسة: إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم. ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. وإنما قيل:بقية لأنّ الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها، ثم لا تزال تضعف، فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدرالأول. وبقية فعيلة اسم فاعل للمبالغة. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوي، كالتقية بمعنى التقوى أي: فلا كانمنهم ذوو بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه. وقرأت فرقة: بقية بتخفيف الياء اسم فاعل من بقي،نحو: شجيت فهي شجية. وقرأ أبو جعفر، وشيبة: بقية بضم الباء وسكون القاف، وزن فعله. وقرىء: بقية على وزن فعلهللمرة من بقاه يبقيه إذا رقبه وانتظره، والمعنى: فلولا كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعهبهم لإشفاقهم. والفساد هنا الكفر وما اقترن به من المعاصي، وفي ذلك تنبيه لهذه الأمة وحض لها على تغيير المنكر.إلا قليلاً استثناء منقطع أي: لكن قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم، ولا يصحأن يكون استثناء متصلاً مع بقاء التحضيض على ظاهره لفساد المعنى، وصيرورته إلى أنّ الناجين لم يحرضوا على النهي عن الفساد. والكلام عند سيبويه بالتحضيض واجب، وغيره يراه منفياً من حيث معناه: أنه لم يكن فيهم أولو بقية، ولهذا قال الزمخشري بعد أن منع أن يكون متصلاً: (فإن قلت): في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل:ما كان من القرون أولوا بقية إلا قليلاً، كان استثناء متصلاً، ومعنى صحيحاً، وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرجع على البدل انتهى. وقرأ زيد بن علي: إلا قليل بالرفع، لحظ أنّ التحضيض تضمن النفي، فأبدل كما يبدل في صريح النفي. وقال الفراء: المعنى فلم يكن، لأنّ في الاستفهام ضرباً من الجحد، وأبي الأخفش كون الاستثناء منقطعاً،والظاهر أنّ الذين ظلموا هم تاركو النهي عن الفساد. وما أترفوا فيه أي: ما نعموا فيه من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهني، ورفضوا ما فيه صلاح دينهم. واتبع استئناف أخبار عن حال هؤلاء الذين ظلموا، وأخبار عنهم أنهم مع كونهم تاركي النهي عن الفساد كانوا مجرمين أي: ذوي جرائم غير ذلك. وقال الزمخشري: إن كان معناه واتبعوا الشهواتكان معطوفاً على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد في الأرض، واتبع الذين ظلموا شهواتهم،فهو عطف على نهوا، وإن كان معناه: واتبعوا جزاء الإتراف. قالوا وللحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلمواجزاءهم. وقال: وكانوا مجرمين، عطف على أترفوا، أي اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين، لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام انتهى. فجعل مافي قوله: ما أترفوا، فيه مصدرية، ولهذا قدره: اتبعوا الإتراف، والظاهر أنها بمعنى الذي لعود الضمير في فيه عليها. وأجازأيضاً أنْ يكون معطوفاً على اتبعوا أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. قال: ويجوز أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهمقوم مجرمون انتهى. ولا يسمى هذا اعتراضاً في اصطلاح النحو، لأنه آخر آية، فليس بين شيئين يحتاج أحدهما إلى الآخر.وقرأ جعفر بن محمد، والعلاء بن سيابة كذا في كتاب اللوامح، وأبو عمر في رواية الجعفي: واتبعوا ساكنة التاء مبنيةللمفعول على حذف مضاف، لأنه مما يتعدى إلى مفعولين، أي جزاء ما أترفوا فيه. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنىفي القراءة المشهورة أنهم اتبعوا جزاء إترافهم، وهذا معنى قوي لتقدم الإنجاء كأنه قيل: إلا قليلاً ممن أنجينا منهم وهلكا لسائر.

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } * { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } * { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } * { وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } * { وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ } * { وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ } * { وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[عدل]

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }: تقدم تفسير شبيه هذهالآية في الأنعام، إلا أن هنا ليهلك وهي آكد في النفي، لأنه على مذهب الكوفيين زيدت اللام في خبر كانعلى سبيل التوكيد، وعلى مذهب البصريين نوجه النفي إلى الخبر المحذوف المتعلق به اللام، وهنا وأهلها مصلحون. قال الطبري: بشركمنهم وهم مصلحون أي: مصلحون في أعمالهم وسيرهم، وعدل بعضهم في بعض أي: أنه لا بد من معصيتة تقترن بكفرهم،قاله الطبري ناقلاً. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قال: إن الله يمهل الدول علىالكفر ولا يمهلها على الظلم والجور، ولو عكس لكان ذلك متجهاً أي: ما كان الله ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهموهم مصلحون في الإيمان. والذي رجح ابن عطية أن يكون التأويل بظلم منه تعالى عن ذلك. وقال الزمخشري: وأهلها مصلحونتنزيهاً لذاته عن الظلم، وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين من الظلم انتهى. وهو مصادم للحديث: أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم،إذا كثر الخبث وللآية:

{ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً }

. {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَيَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }: قالالزمخشري: يعني لاضطرارهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة وهي مبلة الإسلام كقوله:

{ وإنَّ هَـٰذَا أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }

وهذا كلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يقهرهم على الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختبار الذي هو أساسالتكليف، فاختار بعضهم الحق، وبعضهم الباطل، فاختلفوا ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك الا ناساً هداهم الله ولطف بهمفاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه انتهى. وهو على طريقة الاعتزال. وقال ابن عباس وقتادة: أمة واحدة مؤمنة حتىلا يقع منهم كفر، لكنه تعالى لم يشأ ذلك. وقال الضحاك: لو شاء لجعلهم على هدى أو ضلالة، والظاهر أنقوله: ولا يزالون مختلفين، هو من الاختلاف الذي هو ضد الاتفاق، وأنّ المعنى في الحق والباطل قاله: ابن عباس، وقالمجاهد: في الأديان، وقال الحسن: في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض، وقال عكرمة: في الأهواء، وقال ابن بحر: المرادأنْ بعضهم يخلف بعضاً، فيكون الآتي خلفاً للماضي. قال: ومنه قولهم: ما اختلف الجديدان، أي خلف أحدهما صاحبه. وإلاّ منرحم استثناء متصل من قوله: ولا يزالون مختلفين، ولا ضرورة تدعو إلى أنه بمعنى لكن، فيكون استثناء منقطعاً كما ذهبإليه الحوفي، والإشارة بقوله: ولذلك خلقهم، إلى المصدر المفهوم من قوله: مختلفين، كما قال: إذا نهى السفيه جرى إليه. فعادالضمير إلى المصدر المفهوم من اسم الفاعل، كأنه قيل: وللاختلاف خلقهم، ويكون على حذف مضاف أي: لثمرة الاختلاف من الشقاوةوالسعادة خلقهم. ودل على هذا المحذوف أنه قد تقرر من قاعدة الشريعة أن الله تعالى خلق خلقاً للسعادة، وخلقا للشقاوة،ثم يسر كلا لما خلق له، وهذا نص في الحديث الصحيح. وهذه اللام في التحقيق هي لام الصيرورة فيذلك المحذوف، أو تكون لام الصيرورة بغير ذلك المحذوف، أي: خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. ولا يتعارض هذا مع قوله:

{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }

لأنّ معنى هذا الأمر بالعبادة. وقال مجاهد وقتادة: ذلك إشارة إلى الرحمة التيتضمنها قوله: إلا من رحم ربك، والضمير في خلقهم عائد على المرحومين. وقال ابن عباس، واختاره الطبري: الإشارة بذلك إلىالاختلاف والرحمة معاً، فيكون على هذا أشير بالمفرد إلى اثنين كقوله:

{ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ }

أي بين الفارض والبكر، والضميرفي خلقهم عائد على الصنفين: المستثني، والمستثنى منه، وليس في هذه الجملة ما يمكن أن يعود عليه الضمير إلا الاختلافكما قال الحسن وعطاء، أو الرحمة كما قال مجاهد، وقتادة، أو كلاهما كما قال ابن عباس. وقد أبعد المتأولون فيتقدير غير هذه الثلاث، فروي أنه إشارة إلى ما عده. وفيه تقديم وتأخير أي: ونمت كلمة ربك لأملأن جهنم منالجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم أي لملء جهنم منهم، وهذا بعيد جداً من تراكيب كلام العرب. وقيل: إشارة إلى شهودذلك اليوم المشهود، وقيل: إلى قوله:

{ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ }

وقيل: إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير،وقيل: إشارة إلى قوله:

{ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلاْرْضِ }

وقيل: إشارة إلى العبادة، وقيل: إلى الجنة والنار، وقيل: للسعادةوالشقاوة. وقال الزمخشري: ولذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام، أولاً من التمكين والاختيار الذي عنه الاختلاف، خلقهم ليثيب مختارالحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره انتهى. وهو على طريقة الاعتزال. ولولا أن هذه الأقوال سطرت في كتبالتفسير لضربت عن ذكرها صفحاً. وتمت كلمة ربك أي: نفذ قضاؤه وحق أمره. واللام في لأملأن، هي التي يتلقىبها القسم، أو الجملة قبلها ضمنت معنى القسم كقوله

{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ }

ثم قال:

{ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ }

والجنة والجن بمعنى واحد. قال ابن عطية: والهاء فيه للمبالغة، وإن كان الجن يقع على الواحد، فالجنة جمعه انتهى. فيكونمما يكون فيه الواحد بغير هاء، وجمعه بالهاء لقول بعض العرب: كمء للواحد، وكمأة للجمع. {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْأَنْبَاء ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ }: الظهر أن كلاً مفعول به، والعاملفيه نقص، والتنوين عوض من المحذوف، والتقدير: وكل نبأ نقص عليك. ومن أنباء الرسل في موضع الصفة لقوله: وكلاً إذهي مضافة في التقدير إلى نكرة، وما صلة كما هي في قوله:

{ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }

قيل: أو بدل، أوخبر مبتدأ محذوف أي: هو ما نثبت، فتكون ما بمعنى الذي، أو مصدرية. وأجازوا أن ينتصب كلاً على المصدر، ومانثبت مفعول به بقولك نقص، كأنه قيل: ونقص علك الشيء الذي نثبت به فؤادك كل قص. وأجازوا أن يكون كلاًنكرة بمعنى جميعاً، وينتصب على الحال من المفعول الذي هو ما، أو من المجرور الذي هو الضمير في به علىمذهب من يجوز تقديم حال المجرور بالحرف عليه، التقدير: ونقص عليك من أنباء الرسل الأشياء الت نثبت بها فئادك جميعاًأي: المثبتة فؤادك جميعاً. قال ابن عباس: نثبت نسكن، وقال الضحاك: نشد، وقال ابن جريج: نقوي. وتثبيت الفؤاد هو بماجرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولاتباعهم المؤمنين، وما لقوا من مكذبيهم من الأذى، ففي هذا كله أسوة بهم، إذ المشاركةفي الأمور الصعبة تهون ما يلقى الإنسان من الأذى، ثم الإعلام بما جرى على مكذبيهم من العقوبات المستأصلة بأنواع منالعذاب من غرق وريح ورجفة وخسف، وغير ذلك فيه طمأنينة للنفس، وتأنيس بأنْ يصب الله من كذب الرسول صلى اللهعليه وسلم بالعذاب، كما جرى لمكذبي الرسل. وإنباء له عليه الصلاة والسلام بحسن العاقبة له ولأتباعه، كما اتفق للرسل وأتباعهم.والإشارة بقوله: في هذه، إلى أنباء الرسل التي قصها الله تعالى عليه، أي النبأ الصدق الحق الذي هو مطابق بماجرى ليس فيه تغيير ولا تحريف، كما ينقل شيئاً من ذلك المؤرخون. وموعظة أي: اتعاظ وازدجار لسامعه، وذكرى لمن آمن،إذ الموعظة والذكرى لا ينتفع بها إلا المؤمن كقوله

{ وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

وقوله:

{ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلاْشْقَى }

وقال ابن عباس: الإشارة إلى السورة والآيات التي فيها تذكر قصص الأمم، وهذا قول الجمهور. ووجه تخصيص هذهاسورة بوصفها بالحق، والقرآن كله حق، أنّ ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر، أي: جاءك في هذه السورة الحقالذي أصاب الأمم الظالمة. وهذا كما يقال عند الشدائد: جاء الحق، وإن كان الحق يأتي في غير شديدة وغير ماوجه، ولا تستعمل في ذلك جاء الحق. وقال الحسن وقتادة: الإشارة إلىدار الدنيا. قال قتادة: والحق النبوة. وقيل: إشارة إلىالسورة مع نظائرها. {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَٱنْتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }: اعملوا صيغةأمر ومعناه: التهديد والوعيد، والخطاب لأهل مكة وغيرها. على مكانتكم أي: جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. وقيل: اعملوا في هلاكيعلى إمكانكم، وانتظروا بناء الدوائر، إنا منتظرون أن ينزل بكم نحو ما اقتصّ الله من النقم النازلة بأشباهكم. ويشبه أنيكون إيتاء موادعة، فلذلك قيل: إنهما منسوختان، وقيل: محكمتان، وهما للتهديد والوعيد والحرب قائمة. {وَللَّهِ غَيْبُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ* إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ *ٱلاْمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم،ولا حظ لمخلوق في علم الغيب. وقرأ نافع وحفص: يرجع مبنياً للمفعول، الأمر كله أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم. وقالأبو علي الفارسي: علم ما غاب في السموات والأرض، أضاف الغيب إليهما توسعا انتهى. والجملة الأولى دلت على أن علمهمحيط بجميع الكائنات كليها وجزئيها حاضرها وغائبها، لأنه إذا أحاط علمه بما غاب فهو بما حضر محيط، إذ علمه تعالىلا يتفاوت. والجملة الثانية دلت على القدرة النافذة والمشيئة. والجملة الثالثة دلت على الأمر بإفراد من هذه صفاته بالعبادة الجسديةوالقلبية، والعبادة أولى الرتب التي يتحلى بها العبد. والجملة الرابعة دلت على الأمر بالتوكل، وهي آخرة الرتب، لأنه بنور العبادةأبصر أنّ جميع الكائنات معذوقة بالله تعالى، وأنه هو المتصرف وحده في جميعها، لا يشركه في شيء منها أحد منخلقه، فوكل نفسه إليه تعالى، ورفض سائر ما يتوهم أنه سبب في شيء منها. والجملة الخامسة تضمنت التنبيه على المجازاة،فلا يضيع طاعة مطيع ولا يهمل حال متمرد. وقرأ الصاحبان، وحفص، وقتادة، والأعرج، وشيبة، وأبو جعفر، والجحدري: تعملون بتاء الخطاب،لأنّ قبله اعملوا على مكانتكم. وقرأ باقي السبعة: بالياء على الغيبة، واختلف عن الحسن وعيسى بن عمر.