تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة مريم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ كۤهيعۤصۤ } * { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } * { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } * { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } * { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } * { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } * { يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } * { قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } * { قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } * { قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } * { فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } * { يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } * { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } * { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } * { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } * { فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } * { قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } * { قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً } * { قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } * { قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } * { فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } * { فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } * { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } * { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } * { فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } * { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } * { يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } * { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } * { قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } * { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً } * { وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } * { وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }[عدل]

اشتعال النار تفرقها في التهابها فصارت شعلاً. وقيل: شعاع النار. الشيب معروف، شابشعره أبيّض بعدما كان بلون غيره. المخاض اشتداد وجع الولادة والطلق. الجذع ما بين الأرض التي فيها الشجرة منها وبينمتشعب الأغصان، ويقال للغصن أيضاً جذع وجمعه أجذاع في القلة، وجذوع في الكثرة. السري المرتفع القدر، يقال سرو يسرو، ويجمععلى سراة بفتح السين وسرواء وهما شاذان فيه، وقياسه أفعلاء. والسري النهر الصغير لأن الماء يسري فيه ولامه ياء كماأن لام ذلك واو. وقال لبيد:

فتوسطا عرض السري فصدّعا     مسجورة متحاوراً قلامها

أيجدولاً. الهز التحريك. الرطب معروف واحده رطبة، وجمع شاذاً على أرطاب كربع وأرباع وهو ما قطع قبل أن يشتد وييبس.الجني ما طاب وصلح للاجتناء. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يجف ولم ييبس. وقيل: الجنيّ ما ترطب من البسر.وقال الفراء: الجني والمجني واحد، وعنه الجني المقطوع. قرة العين: مأخوذ من القر، يقال: دمع الفرح بارد اللمس ودمع الحزنسخن اللمس. وقال أبو تمام:

فأما عيون العاشقين فأسخنت     وأما عيون الشامتين فقرت

وقريشيقول: قررت به عيناً، وقررت بالمكان أقر وأهل نجد قررت به عيناً بالكسر. الفري العظيم من الأمر يستعمل في الخيروفي الشر، ومنه في وصف عمر: فلم أر عبقرياً يفري فريه، والفري القطع وفي المثل: جاء يفري الفري أي يعملعظيماً من العمل قولاً أو فعلاً. وقال الزمخشري: الفري البديع وهو من فري الجلد. الإشارة معروفة تكون باليد والعين والثوبوالرأس والفم، وأشار ألفه منقلبة عن ياء يقال: تشايرنا الهلال للمفاعلة. وقال كثير:

فقلت وفي الأحشاء داء مخامر     ألا حبذا يا عز ذاك التشاير

{بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا *إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً * قَالَ رَبّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ *بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً * وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَيَرِثُمِنْ ءالِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً * يٰزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً *قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَعَلَىَّ هَيّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً * قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً * فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً * يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍوَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيّا * وَبَرّا بِوٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً * وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِيَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً }. هذه السورة مكية كالسورة التي قبلها. وقال مقاتل: إلاّ آية السجدةفهي مدنية نزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى ضمن السورة قبلها قصصاً عجباً كقصة أهلالكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وهذه السورة تضمنت قصصاً عجباً من ولادة يحيـى بين شيخ فان وعجوزعاقر، وولادة عيسى من غير أب، فلما اجتمعا في هذا الشيء المستغرب ناسب ذكر هذه السورة بعد تلك، وتقدم الكلامفي أول البقرة على هذه الحروف المقطعة التي في فواتح السور بما يوقف عليه هناك و{ذُكِرَ } خبر مبتدأ محذوفأي هذا المتلو من هذا القرآن {ذُكِرَ }. وقيل {ذُكِرَ } خبر لقوله {كهيعص } وهو مبتدأ ذكره الفرّاء. قيل:وفيه بُعد لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها. وقيل:{ذُكِرَ } مبتدأ والخبر محذوف تقديره فيما يتلى {ذُكِرَ }. وقرأ الجمهور كاف بإسكان الفاء. وروي عن الحسن ضمها،وأمال نافع هاء وياء بين اللفظين، وأظهر دال صاد عند ذاك. {ذُكِرَ } وقرأ الحسن بضم الهاء وعنه أيضاً ضمالياء وكسر الهاء، وعن عاصم ضم الياء وعنه كسرهما وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء. قال أبو عمرو الداني: معنىالضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس بالضم الخالص الذي يوجب القلب. وقال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بنالحسن المقري الرازي في كتاب اللوامح في شواذ القراءات خارجة عن الحسن: كاف بضم الكاف، ونصر بن عاصم عنه بضمالهاء وهارون بن موسى العتكي عن إسماعيل عنه بالضم، وهذه الثلاث مترجم عليها بالضم ولسن مضمومات المحال في الحقيقة لأنهنلو كنّ كذلك لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل نحيت هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز،وهي التي تسمى ألف التفخيم بضد الألف الممالة فأشبهت الفتحات التي تولدت منهن الضمات، وهذه الترجمة كما ترجموا عن الفتحةالممالة المقربة من الكسرة بكسرة لتقريب الألف بعدها من الياء انتهى. وقرأ أبو جعفر بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضهامن بعض فرقاً بينها وبين ما ائتلف من الحروف، فيصير أجزاء الكلم فاقتضين إسكان آخرهن، وأظهر الأكثرون دال صاد عندذال {ذُكِرَ } وأدغمها أبو عمرو. وقرأ حفص عن عاصم وفرقة بإظهار النون من عين والجمهور على إخفائها. وقرأالحسن وابن يعمر {ذُكِرَ } فعلاً ماضياً {رَحْمَةً } بالنصب، وحكاه أبو الفتح وذكره الزمخشري عن الحسن أي هذا المتلومن القرآن {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ } وذكر الداني عن ابن يعمر {ذُكِرَ } فعل أمر من التذكير {رَحْمَةً } بالنصبو{عَبْدِهِ } نصب بالرحمة أي {ذُكِرَ } أن {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ }. وذكر صاحب اللوامح أن {ذُكِرَ } بالتشديد ماضياًعن الحسن باختلاف وهو صحيح عن ابن يعمر، ومعناه أن المتلو أي القرآن {ذُكِرَ * بِرَحْمَةٍ * رَبَّكَ } فلمانزع الباء انتصب، ويجوز أن يكون معناه أن القرآن ذكر الناس تذكيراً أن رحم الله عبده فيكون المصدر عاملاً في{عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } لأنه ذكرهم بما نسوه من رحمة الله فتجدد عليهم بالقرآن ونزوله على النبيّ ﷺ،ويجوز أن يكون {ذُكِرَ } على المضي مسنداً إلى الله سبحانه. وقرأ الكلبي {ذُكِرَ } على المضي خفيفاً منالذكر {رَحْمَةِ رَبّكَ } بنصب التاء {عَبْدِهِ } بالرفع بإسناد الفعل إليه. وقال ابن خالويه: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ }يحيـى بن يعمر و{ذُكِرَ } على الأمر عنه أيضاً انتهى. و{إِذْ } ظرف العامل فيه قال الحوفي: {ذُكِرَ }وقال أبو البقاء: و{إِذْ } ظرف لرحمة أو لذكر انتهى. ووصف نداء بالخفي. قال ابن جريج: لئلا يخالطه رياء. مقاتل:لئلا يعاب بطلب الولد في الكبر. قتادة: لأن السر والعلانية عنده تعالى سواء. وقيل: أسره من مواليه الذين خافهم. وقيل:لأنه أمر دنياوي فأخفاه لأنه إن أجيب فذاك بغيته، وإلاّ فلا يعرف ذلك أحد. وقيل: لأنه كان في جوف الليل.وقيل: لإخلاصه فيه فلا يعلمه إلاّ الله. وقيل: لضعف صوته بسبب كبره، كما قيل: الشيخ صوته خفات وسمعه تارات. وقيل:لأن الإخفاء سنة الأنبياء والجهر به يعد من الاعتداء. وفي التنزيل

{ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ }

.وفي الحديث: إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً . {قَالَ رَبّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } هذه كيفية دعائه وتفسيرندائه. وقرأ الجمهور: {وَهَنَ } بفتح الهاء. وقرأ الأعمش بكسرها. وقرىء بضمها لغات ثلاث، ومعناه ضعف وأسند الوهن إلى العظملأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى ما وراءه وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبهفإذا وهن كان ما وراءه أو هن ووحد {ٱلْعِظَـٰمَ } لأنه يدل على الجنس، وقصد إلى أن هذا الجنس الذيهو العمود والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصداً آخر وهو أنه لم يهنمنه بعض عظامه ولكن كلها. وقال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس. قال الكرماني: وكان له سبعون سنة. وقيل: خمس وسبعون. وقيل:خمس وثمانون. وقيل: ستون. وقيل: خمس وستون. وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منهكل مأخذ باشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاًولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة قاله الزمخشري، وإلىهذا نظر ابن دريد. فقال:

واشتعل المبيض في مسوده     مثل اشتعال النار في جزل الغضا

وبعضهم أعرب{شِيباً } مصدراً قال: لأن معنى {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ } شاب فهو مصدر من المعنى. وقيل: هو مصدر في موضع نصبعلى الحال، واشتعال الرأس استعارة المحسوس للمحسوس إذ المستعار منه النار والمستعار له الشيب، والجامع بينهما الانبساط والانتشار {وَلَمْ أَكُنْ} نفي فيما مضى أي ما كنت {بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً } بل كنت سعيداً موفقاً إذ كنت تجيب دعائي فأسعدبذلك، فعلى هذا الكاف مفعول. وقيل: المعنى {بِدُعَائِكَ } إلى الإيمان {شَقِيّاً } بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً. فالكافعلى هذا فاعل والأظهر الأول شكراً لله تعالى بما سلف إليه من إنعامه عليه، أي قد أحسنت إليّ فيما سلفوسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخر كما أجبتني أولاً. وروي أن حاتماً الطائي أتاه طالب حاجة فقال:أنا أحسنت إليك وقت كذا، فقال حاتم: مرحباً بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته. {وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى} {ٱلْمَوَالِىَ } بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. قال الشاعر:

مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا     لا تنبشوا بينا ما كان مدفوناً

وقال لبيد:

ومولى قد دفعت الضيم عنهوقد أمسى بمنزلة المضيم    

وقال ابنعباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح {ٱلْمَوَالِىَ } هنا الكلالة خاف أن يرثوا ماله وأن يرثه الكلالة. وروي قتادة والحسن عنالنبيّ ﷺ: يرحم الله أخي زكريا ما كان عليه ممن يرث ماله . وقالت: فرقة إنما كان مواليهمهملين الدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب ولياً يقوم بالدين بعده، وهذا لا يصح عنه إذ قال عليه السلام: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة والظاهر اللائق بزكريا عليه السلام من حيث هو معصوم أنه لايطلب الولد لأجل ما يخلفه من حطام الدنيا. وكذلك قول من قال: إنما خاف أن تنقطع النبوّة من ولده ويرجعإلى عصبته لأن تلك إنما يضعها الله حيث شاء ولا يعترض على الله فيمن شاءه واصطفاه من عباده. قال الزمخشريكان مواليه وهم عصبته إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل فخافهم على الدين أن يغيروه وأن لا يحسنوا الخلافة علىأمته، فطلب عقباً صالحاً من صلبه يقتدي به في إحياء الدين. وقرأ الجمهور {خِفْتُ } من الخوف. وقرأ عثمانبن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعليّ بن الحسين وولده محمد وزيدوشبيل بن عزرة والوليد بن مسلم لأبي عامر {خِفْتُ } بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر تاء التأنيث {ٱلْمَوَالِىَ } بسكونالياء والمعنى انقطع مواليّ وماتوا فإنما أطلب ولياً يقوم بالدين. وقرأ الزهري {خِفْتُ } من الخوف {ٱلْمَوَالِىَ } بسكون التاءعلى قراءة {خِفْتُ } من الخوف يكون {مِن وَرَائِى } أي بعد موتي. وعلى قراءة {خِفْتُ } يحتمل أن يتعلق{مِن وَرَائِى } بخفت وهو الظاهر، فالمعنى أنهم خفوا قدامه أي درجوا فلم يبق منهم من له تقوّ واعتضاد، وأنيتعلق بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة الدين. و{وَرَائِى } بمعنى خلفي ومن بعدي، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه.وروي عن ابن كثير من وراي مقصوراً كعصاي. وتقدم شرح العاقر في آل عمران وقوله {مِن لَّدُنْكَ } تأكيدلكونه ولياً مرضياً بكونه مضافاً إلى الله وصادراً من عنده، أو أراد اختراعاً منك بلا سبب لأني وامرأتي لا نصلحللولادة. والظاهر أنه طلب من الله تعالى أن يهبه ولياً ولم يصرح بأن يكون ولد البعد ذلك عنده لكبره وكونامرأته عاقراً. وقيل: إنما سأل الولد. وقرأ الجمهور: {يَرِثُنِى وَيَرِثُ } برفع الفعلين صفة للولي فإن كان طلب الولدفوصفه بأن تكون الإجابة في حياته حتى يرثه لئلا تكون الإجابة في الولد لكن يحرمه فلا يحصل ما قصده. وقرأالنحويان والزهري والأعمش وطلحة واليزيدي وابن عيسى الأصبهاني وابن محيصن وقتادة بجزمهما على جواب الأمر. وقرأ عليّ وابن عباس والحسنوابن يعمر والجحدري وقتادة وأبو حرب بن أبي الأسود وجعفر بن محمد وأبو نهيك {يَرِثُنِى } بالرفع والياء وارث جعلوهفعلاً مضارعاً من ورث. قال صاحب اللوامح: وفيه تقديم فمعناه {فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } من آل يعقوب {يَرِثُنِى} إن مت قبله أي نبوّتي وأرثه إن مات قبلي أي ماله، وهذا معنى قول الحسن. وقرأ عليّ وابن عباسوالجحدري {يَرِثُنِى } وارث {مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ }. قال أبو الفتح هذا هو التجريد التقدير {يَرِثُنِى } منه وارث. وقالالزمخشري وارث أي {يَرِثُنِى } به وارث ويسمى التجريد في علم البيان، والمراد بالإرث إرث العلم لأن الأنبياء لا تورثالمال. وقيل: {يَرِثُنِى } الحبورة وكان حبراً ويرث {مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } الملك يقال: ورثته وورثت منه لغتان. وقيل:{مِنْ } للتبعيض لا للتعدية لأن {يَعْقُوبَ كَمَا } ليسوا كلهم أنبياء ولا علماء. وقرأ مجاهد أو يرث من آليعقوب على التصغير، وأصله وويرث فأبدلت الواو همزة على اللزوم لاجتماع الواوين وهو تصغير وارث أي غليم صغير. وعن الجحدريوارث بكسر الواو يعني به الإمالة المحضة لا الكسر الخالص، والظاهر أن يعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم. وقيل: هويعقوب بن ماثان أخو زكرياء. وقيل: يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود ومرضياً بمعنى مرضي.{عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } أي قيل له بإثر الدعاء. وقيل: رزقه بعد أربعين سنة من دعائه. وقيل: بعد ستين والمناديوالمبشر زكرياء هم الملائكة بوحي من الله تعالى قال تعالى

{ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ }

الآية والغلام الولد الذكر، وقد يقال للأثنىغلامة كما قال:

تهان لها الغلامة والغلام    

والظاهر أن {يَحْيَىٰ } ليس عربياً لأنه لم تكن عادتهم أن يسموا بألفاظالعربية فيكون منعه الصرف للعلمية والعجمة، وإن كان عربياً فيكون مسمى بالفعل كيعمر ويعيش قد سموا بيموت وهو يموت بنالمزرع ابن أخت الجاحظ. وعلى أنه عربي. فقيل: سمي بذلك لأنه يحيـى بالحكمة والعفة. وقيل: يحيـى بهدايته إرشاده خلق كثير.وقيل لأنه يستشهد والشهداء أحياء. وقيل: لأنه يعمر زمناً طويلاً. وقيل: لأنه حيـي بين شيخ كبير وأمّ عاقر. وقيل: لأنهحيـي به عقر أمه وكانت لا تلد. وقال ابن عباس وقتادة والسدّي وابن أسلم: لم نسم قبله أحداً بيحيـى. قالالزمخشري: وهذا شاهد على أن الأسامي الشنع جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عنالنفر، حتى قال القائل في مدح قوم:

شنع الأسامي مسبلي أزر     حمر تمس الأرض بالهدب

وقال رؤبة للنسابة البكري: وقد سأله عن نسبه أنا ابن العجاج فقال: قصرت وعرفت انتهى. وقيل للصلت بن عطاء:كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك، فقال: كنت غريب الدار غريب الأسم خفيف الحزم شحيحاً بالاشلاء. فذكرمما قدمه كونه غريب الاسم إذ كان اسمه الصلت. وقال مجاهد وغيره {سَمِيّاً } أي مثلاً ونظيراً وكأنه من المساماةوالسموّ. قال ابن عطية: وهذا فيه بعد لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى. وقال ابن عباس أيضاً لم تلد العواقرمثله. قال الزمخشري: وإنما قيل للمثل سمّي لأن كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظيرفكل واحد منهما سَمِي لصاحبه. وقيل: لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولدبين شيخ فان وعجوز عاقر وأنه كان حصوراً انتهى. {وَإِنّى } بمعنى كيف: وتقدم الكلام عليها في قوله

{ قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ }

في آل عمران والعتيّ المبالغة في الكبر. ويبس العود.وقرأ أبو بحرية وابن أبي ليلى والأعمش وحمزة والكسائي {عِتِيّاً } بكسر العين وباقي السبعة بالضم وعبد الله بفتح العينوصاد صلياً جعلهما مصدرين كالعجيج والرحيل، وفي الضم هما كذلك إلاّ أنهما على فعول. وعن عبد الله ومجاهد عسياً بضمالعين والسين كمسورة. وحكاها الداني عن ابن عباس وحكاها الزمخشري عن أبيّ ومجاهد يقال عتا العود وعسا يبس وجسا.{قَالَ كَذٰلِكَ } أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ {قَالَ رَبُّكِ } فالكاف رفع أو نصب بقال، وذلك إشارةإلى مبهم يفسره {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ونحوه

{ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلاْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ }

. وقرأ الحسن{وَهُوَ عَلِيمٌ * هَيّنٌ } ولا يخرج هذا إلاّ على الوجه الأول أي الأمر كما قلت، وهو عليّ ذلك يهون،ووجه آخر وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله لا إلى قول ذكرياء وقال: محذوف في كلتاالقراءتين أي قال {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وإن شئت لم تنوه لأن الله هو المخاطب، والمعنى أنه قال ذلك ووعدهوقوله الحق قاله الزمخشري: وقال ابن عطية وقوله {قَالَ كَذٰلِكَ } قيل إن المعنى قال له الملك {كَذٰلِكَ } فليكنالوجود كما قيل لك {قَالَ رَبُّكِ } خلق الغلام {عَلَىَّ هَيّنٌ } أي غير بدع وكما خلقتك قبل وأخرجتك منعدم إلى وجود كذلك أفعل الآن. وقال الطبري: معنى قوله {كَذٰلِكَ } أي الأمر أن اللذان ذكرت من المرأة العاقروالكبر هو كذلك ولكن {قَالَ رَبُّكِ } والمعنى عندي قال الملك {كَذٰلِكَ } أي على هذه الحال {قَالَ رَبُّكَ هُوَعَلَىَّ هَيّنٌ } انتهى. وقرأ الحسن {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } بكسر الياء. وقد أنشدوا قول النابغة:

عليّ لعمر نعمة بعد نعمة     لوالده ليست بذات عقارب

بكسر ياء المتكلم وكسرها شبيه بقراءة حمزة

{ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ }

بكسر الياء. وقرأ الجمهور {وَقَدْ خَلَقْتُكَ } بتاء المتكلم. وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي خلقناك بنون العظمة {وَلَمْتَكُ شَيْئاً } أي شيئاً موجوداً. وقال الزمخشري: {شَيْئاً } لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً يعتد به كقولهم: عجبتمن لا شيء إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً. {قَالَ } أي زكريا {رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } أيعلامة أعلم بها وقوع ما بشرت به وطلب ذلك ليزداد يقيناً كما قال إبراهيم عليه السلام

{ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ * قَبْلِى }

لا لتوقف منه على صدق ما وعد به، ولا لتوهم أنه ذلك من عند غير الله لعصمة الأنبياء عنمثل ذلك. وقال الزجاج: وقعت البشارة مطلقة فلم يعرف الوقت فطلب الآية ليعرف وقت الوقوع. {قَالَ رَبّ } روي عنابن زيد أنه لما حملت زوجته بيحيـى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحداً وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله،فإذا أراد مناداة أحد لم يطقه. و{سَوِيّاً }حال من ضمير أي لا تكلم في حال صحتك ليس تك خرس ولاعلة قاله الجمهور وغن ابن عباس عائد على الليالي أي كاملات مستويات فتكون صفة لثلاث، ودل ذكر الليالي هنا والأيامفي آل عمران على أن المنع من الكلام استمر له ثلاثة أيام بلياليهن. وقرأ ابن أبي عبلة وزيد بنعلي {أَن لا * تُكَلّمَ } برفع الميم جعلها أن المخففة من الثقيلة التقدير أنه لا يكلم. وقرأ الجمهور بنصبهاجعلوا أن الناصبة للمضارع {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } أي وهو بتلك الصفة من كونه لا يستطيع أن يكلمالناس، ومحرابه موضع مصلاة، والمحراب تقدم الكلام عليه في آل عمران {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } أي أشار. قال قتادة وابن منبهوالكلبي والقرطبي أوحي إليهم أشار، وذكره الزمخشري عن مجاهد قال: ويشهد له إلاّ رمزاً. وعن ابن عباس كتب لهم علىالأرض. وقال ابن عطية: وقال مجاهد: بل كتب لهم في التراب وكلا الوجهين وحي انتهى. وقال عكرمة: كتب في ورقةوالوحي في كلام العرب الكتابة. ومنه قول ذي الرمة:

سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها     بقية وحي في بطون الصحائف

وقال عنترة:

كوحي صحائف من عهد كسرى     فأهداها لأعجم طمطمي

وقال جرير:

كأن أخا اليهود يخط وحيا     بكاف في منازلها ولام

والجمهور على أن المعنى {أَن سَبّحُواْ } صلوا.وقيل أمرهم بذكر الله والتسبيح. قال المفسرون كان يخرج على قومه بكرة وعشياً فيأمرهم بالصلاة إشارة. قال صاحب التحرير والتحبيروعندي في هذا معنى لطيف وهو أنه إنما خص بالتسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمراً عجبمنه أو رأى فيه بديع صنعة أو غريب حكمة يقول: سبحان الله سبحان الخالق، فلما رأى حصول الولد من شيخوعاقر عجب من ذلك فسبح وأمر بالتسبيح انتهى. وقال الزمخشري وابن عطية و{ءانٍ } مفسرة. وقال الحوفي {أَن سَبّحُواْ }{ءانٍ } نصب بأوحى. وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى أي انتهى. وقرأ طلحة أن سبحوهبهاء الضمير عائدة على الله تعالى. وروي ابن عزوان عن طلحة أن سجن بنون مشددة من غيروا وألحق فعل الأمرنون التوكيد الشديد. {وَعَشِيّاً يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ } في الكلام حذف والتقدير فلما ولد يحيـى وكبر وبلغ السنّالذي يؤمر فيه قال الله له على لسان الملك وأبعد التبريزي في قوله إن المنادي له أبوه حين ترعرع ونشأ،والصحيح ما سبق لقوله {وَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } و{ٱلْكِتَـٰبِ } هو التوراة. قال ابن عطية بلا خلاف لأنه ولد قبلعيسى ولم يكن الإنجيل موجوداً انتهى. وليس كما قال بل قيل له كتاب خص به كما خص كثير من الأنبياءبمثل ذلك. وقيل: {ٱلْكِتَـٰبِ } هنا اسم جنس أي اتل كتب الله. وقيل: {ٱلْكِتَـٰبِ } صحف إبراهيم. وقال الحسن وعلمهالتوراة والإنجيل وأرسله إلى بني إسرائيل، وكان يصوم ويصلي في حال طفوليته ويدعو إلى الله بقوة بجد واستظهار وعمل بمافيه والحكم النبوة أو حكم الكتاب أو الحكمة أو العلم بالأحكام أو اللب وهو العقل، أو آداب الخدمة أو الفراسةالصادقة أقوال {صَبِيّاً } أي شاباً لم يبلغ سن الكهولة. وقيل: ابن سنتين. وقيل: ابن ثلاث. وعن ابن عباس فيحديث مرفوع: ابن سبع سنين {وَحَنَانًا } معطوف على الحكم والحنان الرحمة قاله ابن عباس في رواية والحسن وعكرمة وقتادةوالضحاك وأبو عبيدة والفراء وأنشد أبو عبيدة:

تحنن على هداك المليك     فإن لكل مقام مقالا

قال: وأكثر ما تستعمل مثنى كما قال:

حنانيك بعض الشر أهون من بعض    

وقال ابن الأنباري: المعنى وجعلناه {*حناناً} لأهلزمانه. وقال مجاهد وتعطفاً من ربه عليه. وعن ابن جبير: ليناً. وعن عكرمة وابن زيد: محبة، وعن عطاء تعظيماً.وقوله {لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً } عن الضحاك وقتادة عملاً صالحاً. وعن ابن السائب: صدقة تصدق بها على أبويه. وعن الزجاج تطهيراً.وعن ابن الأنباري زيادة في الخبر. وقيل ثناء كما يزكي الشهود. {وَكَانَ تَقِيّا }. قال قتادة: لم يهم قط بكبيرةولا صغيرة ولا هم بامرأة. وقال ابن عباس: جعله متقياً له لا يعدل به غيره. وقال مجاهد: كان طعامه العشبالمباح وكان للدمع في خديه مجار بائنة {وَبَرّا بِوٰلِدَيْهِ } أي كثير البر والإكرام والتبجيل. وقرأ الحسن وأبو جعفر فيرواية وأبو نهيك وأبو مجلز {وَبَرّاً } في الموضعين بكسر الباء أي وذا بر {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً } أي متكبراً{عَصِيّاً } أي عاصياً كثير العصيان، وأصله عصوى فعول للمبالغة، ويحتمل أن يكون فعيلاً وهي من صيغ المبالغة. {وَسَلَـٰمٌعَلَيْهِ }. قال الطبري: أي أمان. قال ابن عطية: والأظهر أنها التحية المتعارفة وإنما الشرف في أن سلم الله عليهوحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله، وذكر الطبري عن الحسن أنعيسى ويحيـى عليهما السلام التقيا وهما ابنا الخالة، فقال يحيـى لعيسى: ادع لي فأنت خير مني، فقال له عيسى: بلأنت ادعى لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي. وقال أبو عبد الله الرازي: {يَوْمَوُلِدَ } أي أمان عليه من أن يتاله الشيطان {وَيَوْمَ يَمُوتُ } أي أمان من عذاب القبر {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} من عذاب الله يوم القيامة. وفي قوله {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } تنبيه على كونه من الشهداء لقوله

{ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }

وهذا السلام يحتمل أن يكون من الله وأن يكون من الملائكة انتهى. والأظهر أنه من اللهلأنه في سياق {وَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ }. {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً * فَٱتَّخَذَتْ مِندُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَإِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ * رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْأَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُفَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً * فَنَادَاهَامِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِىوَٱشْرَبِى وَقَرّى عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِى إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً }. مناسبةهذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قصة زكريا وطلبه الولد وإجابة الله إياه فولد له من شيخ فانوعجوز له عاقر وكان ذلك مما يتعجب منه، أردفه بما هو أعظم في الغرابة والعجب وهو وجود ولد من غيرذكر، فدل ذلك على عظم قدرة الله وحكمته، وأيضاً فقص عليهم ما سألوه من قصة أهل الكهف وأتبع ذلك بقصةالخضر وموسى، ثم قص عليهم ما سألوه أيضاً وهو قصة ذي القرنين، فذكر في هذه السورة قصصاً لم يسألوه عنهاوفيها غرابة، ثم أتبع ذلك بقصة إبراهيم وموسى وهارون موجزة، ثم بقصة إسماعيل وإدريس ليستقر في أذهانهم أنه أطلع نبيهعلى ما سألوه وعلى ما لم يسألوه، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام وحيه في ذلك واحد يدل على صدقه وصحةرسالته من أمي لم يقرأ الكتب ولا رحل ولا خالط من له ولا عنى بجمع سير. و{ٱلْكِتَـٰبِ } القرآن.و{مَرْيَمَ } هي ابنة عمران أم عيسى، و{إِذْ } قيل ظرف زمان منصوب باذكر، ولا يمكن ذلك مع بقائه علىالظرفية لأن الاستقبال لا يقع في الماضي. وقال الزمخشري: {إِذْ } بدل من {مَرْيَمَ } بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملةعلى ما فيها وقته، إذ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيها انتهى. ونصب {إِذْ }باذكر على جهة البدلية يقتضي التصرف في {إِذْ } وهي من الظروف التي لم يتصرف فيها إلاّ بإضافة ظرف زمانإليها. فالأولى أن يجعل ثم معطوف محذوف دل المعنى عليه وهو يكون العامل في {إِذْ } وتبقى على ظرفيتها وعدمتصرفها، وهو أن تقدر مريم وما جرى لها {إِذِ ٱنتَبَذَتْ } واستبعد أبو البقاء قول الزمخشري قال: لأن الزمان إذالم يكن حالاً عن الجثة ولا خبراً عنها ولا وصفاً لها لم يكن بدلاً منها انتهى. واستبعاده ليس بشيء لعدمالملازمة. قال: وقيل التقدير خبر مريم فإذ منصوبة لخبر. وقيل: حال من هذا المضاف المحذوف. وقيل: {إِذْ } بمعنى أنالمصدرية كقولك: أكرمك إذ لم تكرمني أي إن لم تكرمني. قال أبو البقاء: فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي {وَٱذْكُرْ} {مَرْيَمَ } انتباذها انتهى. و{ٱنتَبَذَتْ } افتعل من نبذ، ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت. قال السدّي {ٱنتَبَذَتْ } لتطهرمن حيضها وقال غيره: لتعبد الله وكانت وقفاً على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فتنحت من الناس كذلك، وانتصب {مَكَاناً }على الظرف أي في مكان، ووصف بشرقي لأنه كان مما يلي بيت المقدس أو من دارها، وسبب كونه في الشرقأنهم كانوا يعظمون جهة الشرق من حيث تطلع الشمس. وعن ابن عباس: اتخذت النصارى الشرق قبلة لميلاد عيسى عليه السلام.وقيل: قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أي شيء يسترها، وكان موضعها المسجد فبيناهي في مغتسلها أتاها الملكفي صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئاً أو حسن الصورةمستوي الخلق. وقال قتادة {شَرْقِياً } شاسعاً بعيداً انتهى. والحجاب الذي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادة ربها. قالالسدّي: كان من جدران. وقيل: من ثياب. وعن ابن عباس: جعلت الجبل بينها وبين الناس {حِجَاباً } وظاهر الإرسال منالله إليها ومحاورة الملك تدل على أنها نبية. وقيل: لم تنبأ وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها للملك كما رأى جبريلعليه السلام في صفة دحية. وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام. والظاهر أن الروح جبريل لأن الدين يحيا به ويوحيه أوسماه روحه على المجاز محبة له وتقريباً كما تقول لحبيبك: أنت روحي. وقيل عيسى كما قال وروح منه، وعلى هذايكون قوله {فَتَمَثَّلَ } أي الملك. وقرأ أبو حيوة وسهل {رُوحَنَا } بفتح الراء لأنه سبب لما فيه روح العبادوإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المقرّبين في قوله

{ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ }

أولأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربنا وذا روحنا. وذكر النقاش أنه قرىء {رُوحَنَا } بتشديد النون اسم ملكمن الملائكة وانتصب {بَشَراً سَوِيّاً } على الحال لقوله وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً. قيل: وإنما مثل لها في صورةالإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه، ودل علىعفافها وورعها أنها تعوذت به من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبر لعفتها.وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنتأن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها فخرجت فجلست في المشرقة وراء الجبل فأتاها الملك. وقيل: قامبين يديها في صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس، وتعليقها الاستعاذة على شرط تقواه لأنه لا تنفعالاستعاذة ولا تجدي إلاّ عند من يتقي الله أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة بهفإني عائذة به منك. وجواب الشرط محذوف أي فإني أعوذ. وقال الزجاج: فستتعظ بتعويذي بالله منك. وقيل: فاخرج عني. وقيل:فلا تتعرض لي وقول من قال تقي اسم رجل صالح أو رجل فاسد ليس بسديد. وقيل: {ءانٍ } نافية أيما {كُنتَ تَقِيّاً } أي بدخولك عليّ ونظرك إليّ، ولياذها بالله وعياذها به وقت التمثيل دليل على أنه أول ماتمثل لها استعاذت من غير جري كلام بينهما. {قَالَ } أي جبريل عليه السلام {إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ }الناظر في مصلحتك والمالك لأمرك، وهو الذي استعذت به وقوله لها ذلك تطمين لها وإني لست ممن تظن به ريبهأرسلني إليك ليهب. وقرأ شيبة وأبو الحسن وأبو بحرية والزهري وابن مناذر ويعقوب واليزيدي ومن السبعة نافع وأبو عمر: وليهبأي ليهب ربك. وقرأ الجمهور وباقي السبعة {لاِهَبَ } بهمزة المتكلم وأسند الهبة إليه لما كان الإعلام بها من قبله.وقال الزمخشري: {لاِهَبَ لَكِ } لأكون سبباً في هبة الغلام بالنفخ في الروع. وفي بعض المصاحف أمرني أن أهبلك، ويحتمل أن يكون محكي بقول محذوف أي قال {لاِهَبَ } والغلام اسم الصبي أول ما يولد إلى أن يخرجإلى سن الكهولة. وفسرت الزكاة هنا بالصلاح وبالنبوة وتعجبت مريم وعلمت بما ألقي في روعها أنه من عند الله. وتقدمالكلام على سؤالها عن الكيفية في آل عمران في قصتها وفي قولها {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } تخصيص بعد تعميم لأنمسيس البشر يكون بنكاح وبسفاح. وقال الزمخشري: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه لقوله

{ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ }

أو لمستم النساء والزنا ليس كذلك إنما يقال فجربها وخبث بها وما أشبه ذلك، وليس بقمن أنيراعي فيه الكنايات والآداب انتهى. والبغي المجاهرة المشتهرة في الزنا، ووزنه فعول عند المبرد اجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكونفقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في عصي ودلي. قيل: ولو كان فعيلاًلحقتها هاء التأنيث فيقال بغية. وقال ابن جنيّ في كتاب التمام: هي فعيل، ولو كانت فعولاً لقيل بغوكما قيل فلاننهو عن المنكر انتهى. قيل: ولما كان هذا اللفظ خاصاً بالمؤنث لم يحتج إلى علامة التأنيث فصار كحائض وطالق، وإنمايقال للرجل باغ. وقيل: بغى فعيل بمعنى مفعول كعين كحيل أي مبغية بطلبها أمثالها. {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَعَلَىَّ هَيّنٌ } الكلام عليه كالكلام السابق في قصة زكريا {وَلِنَجْعَلَهُ } يحتمل أن يكون معطوفاً على تعليل محذوف تقديرهلنبين به قدرتنا {وَلِنَجْعَلَهُ } أو محذوف متأخر أي فعلنا ذلك، والضمير في {وَلِنَجْعَلَهُ } عائد على الغلام وكذلك فيقوله {وَكَانَ } أي وكان وجوده {أمْراً } مفروغاً منه، وكونه رحمة من الله أي طريق هدى لعالم كثير فينالونالرحمة بذلك. وذكروا أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها أو فيه وفي كمها وقال: أي دخل الروح المنفوخمن فمها، والظاهر أن المسند إليه النفخ هو الله تعالى لقوله

{ فَنَفَخْنَا }

ويحتمل ما قالوا: {فَحَمَلَتْهُ } أي فيبطنها والمعنى فحملت به. قيل: وكانت بنت أربع عشرة سنة. وقيل: بنت خمس عشرة سنة قاله وهب ومجاهد. وقيل: بنتثلاث عشرة سنة. وقيل: اثنتي عشرة سنة. وقيل: عشرة سنين. قيل: بعد أن حاضت حيضتين. وحكى محمد بن الهيصم أنهالم تكن حاضت بعد. وقيل: لم تحض قط مريم وهي مطهرة من الحيض، فما أحست وخافت ملامة الناس أن يظنبها الشر فارتمت به إلى مكان قصي حياءً وفراراً. روي إنها فرت إلى بلاد مصر أو نحوها قاله وهب. وقيل:إلى موضع يعرف ببيت لحم بينه وبين إيليا أربعة أميال. وقيل: بعيداً من أهلها وراء الجبل. وقيل: أقصى الدار. وقيل:كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف فلما قيل حملت من الزنا خاف عليها قتل الملك هرب بها، فلما كانببعض الطريق حدثته نفسه بأن يقتلها فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها فتركها حملته فيساعة واحدة فكما حملته نبذته عن ابن. وقيل: كانت مدة الحمل ثلاث ساعات. وقيل: حمل في ساعة وصور في ساعةووضعته في ساعة. وقيل: ستة أشهر. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانيةإلاّ عيسى وهذه أقوال مضطربة متناقضة كان ينبغي أن يضرب عنها صفحاً إلاّ أن المفسرين ذكروها في كتبهم وسوّدوا بهاالورق، والباء في {بِهِ } للحال أي مصحوبة به أي اعتزلت وهو في بطنها كما قال الشاعر:

تدوس بنا الجماجم والتريبا    

أي تدوس الجماجم ونحن على ظهورها. ومعنى {فَأَجَاءهَا } أي جاء بها تارة فعدي جاءبالباء وتارة بالهمزة. قال الزمخشري: إلاّ أن استعماله قد يغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء الإتراك، لا تقول: جئت المكانوأجاءنيه زيد كما تقول: بلغته وأبلغنيه، ونظيره آتى حيث لم يستعمل إلاّ في الإعطاء ولم يقل آتيت المكان وآتانيه فلانانتهى. أما قوله وقول غيره إن الاستعمال غيره إلى معنى الإلجاء فيحتاج إلى نقل أئمة اللغة المستقرئين ذلك عن لسانالعرب، والإجاءة تدل على المطلق فتصلح لما هو بمعنى الإلجاء ولما هو بمعنى الاختيار كما لو قلت: أقمت زيداً فإنهقد يكون مختاراً لذلك وقد يكون قد قسرته على القيام. وأما قوله الإتراك لا تقول إلى آخره فمن رأى أنالتعدية بالهمزة قياس أجاز لك ولو لم يسمع ومن لا يراه قياساً فقد سمع ذلك في جاء حيث قالوا: أجاءفيجيز ذلك، وأما تنظيره ذلك بآتي فهو تنظير غير صحيح لأنه بناه على أن الهمزة فيه للتعدية، وأن أصله أتىوليس كذلك بل آتى مما بُني على أفعل وليس منقولاً من أتى بمعنى جاء، إذ لو كان منقولاً من أتىالمتعدية لواحد لكان ذلك الواحد هو المفعول الثاني، والفاعل هو الأول إذا عديته بالهمزة تقول: أتى المال زيداً، وآتى عمراًزيداً المال، فيختلف التركيف بالتعدية لأن زيداً عند النحويين هو المفعول الأول والمال هو المفعول الثاني. وعلى ما ذكره الزمخشريكان يكون العكس فدل على أنه ليس على ما قاله. وأيضاً فآتى مرادف لأعطى فهو مخالف من حيث الدلالة فيالمعنى. وقوله: ولم تقل أتيت المكان وآتانيه هذا غير مسلم بل يقال: أتيت المكان كما تقول: جئت المكان. وقال الشاعر:

أتوا ناري فقلت منون أنتم     فقالوا الجن الجن قلت عموا ظلاما

ومن رأى النقل بالهمزة قياساً قال: أتانيه.وقرأ الجمهور {فَأَجَاءهَا } أي ساقها. وقال الشاعر:

وجار سار معتمداً إليكم     أجائته المخافة والرجاء

وأما فتحهالجيم الأعمش وطلحة. وقرأ حماد بن سلمة عن عاصم. قال ابن عطية وشبيل بن عزرة فاجأها من المفاجأة. وقال صاحباللوامح شبيل بن عزرة: فاجأها. فقيل: هو من المفاجأة بوزن فاعلها فبدلت همزتها بألف تخفيف على غير قياس، ويحتمل أنتكون همزة بين بين غير مقلوبة. وروي عن مجاهد كقراءة حماد عن عاصم. وقرأ ابن كثير في رواية {ٱلْمَخَاضُ }بكسر الميم يقال مخضت الحامل مخاضاً ومخاضاً وتمخض الولد في بطنها: و {إِلَىٰ } تتعلق بفأجاءها، ومن قرأ فاجأها منالمفاجأة فتتعلق بمحذوف أي مستندة أي فيحال استنادها إلى النخلة، والمستفيض المشهور أن ميلاد عيسى عليه السلام كان بيت لحم،وأنها لما هربت وخافت عليه أسرعت به وجاءت به إلى بيت المقدس فوضعته على صخرة فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهدوهي الآن موجودة تزار بحرم بيت المقدس، ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فعمدته فيه وهو اليوم الذييتخذه النصارى ويسمونه يوم الغطاس وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست فلذلك يغطسون في كل ماء، ومن زعمأنها ولدته بمصر قال: بكورة اهناس. قيل: ونخلة مريم قائمة إلى اليوم، والظاهر أن النخلة كانت موجودة قبل مجيءمريم إليها. وقيل: إن الله أنبت لها نخلة تعلقت بها. وروي أنها بلغت إلى موضع كان فيه جذع نخلة يابسبال أصله مدوّد لا رأس له ولا ثمر ولا خضرة، وأل إما لتعريف الجنس أو الداخلة على الأسماء الغالبة كأنتلك الصحراء كان بها جذع نخلة معروف فإذا قيل {جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } فهم منه ذلك دون غير. وأرشدها تعالى إلىالنخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها ولظهور تلك الآيات منها فتستقر نفسها وتقر عينها، فاشتد بهاالأمر هنالك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومهاوصعوبة الحال من غير ما وجه {قَالَتْ يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا } وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافتأن يظن بها الشر في دينها وتعير فيغبنها ذلك، وهذا مباح وعلى هذا الحد تمنى عمر بن الخطاب وجماعة منالصالحين. وأما النهي عن ذلك فإنما هو لضر نزل بالبدن، وتقدم الخلاف من القراء في كسر الميم من مت وضمهافي آل عمران، والنسي الشيء الحقير الذي من شأنه لا ينسى فلا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر وخرقة الطمث. وقرأالجمهور بكسر النون وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح وهو ما من شأنه أن يذبح. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وابنأبي ليلى وحمزة وحفص بفتح النون. وقرأ محمد بن كعب القرظي: نسأ بكسر النون والهمز مكان الياء وهي قراءة نونالأعرابي. وقرأ بكر بن حبيب السهمي ومحمد بن كعب أيضاً نسأ بفتح النون والهمز وهو مصدر من نسأت اللبن إذاصببت عليه ماء، فاستهلك اللبن فيه لقلته فكأنها تمنت أن تكون مثل ذلك اللبن الذي لا يرى ولا يتميز منالماء. وقال ابن عطية: وقرأ بكر بن حبيب نسا بفتح النون والسين من غير همز بناه على فعل كالقبضوالنفض. قال الفراء نسي ونسي لغتان كالوتر والوتر والفتح أحب إليّ. وقال أبو علي الفارسي الكسر أعلى اللغتين. وقال ابنالأنباري: من كسر فهو اسم لما ينسى كالنقض اسم لما ينقض، ومنه فتح فمصدر نائب عن اسم كما يقال: رجلدنف ودنف والمكسور هو الوصف الصحيح والمفتوح مصدر يسد مسد الوصف، ويمكن أن يكونا لمعنى كالرطل والرطل والإشارة بقوله هذاإلى الحمل. وقيل: {قَبْلَ هَـٰذَا } اليوم أو {قَبْلَ هَـٰذَا } الأمر الذي جرى: وقرأ الأعمش وأبو جعفر فيرواية {مَّنسِيّاً } بكسر الميم اتباعاً لحركة السين كما قالوا منتن باتباع حركة الميم لحركة التاء. وقيل: تمنت ذلك لمالحقها من فرط الحياء على حكم العادة البشرية لا كراهة لحكم الله أو لشدة التكليف عليها إذا بهتوها وهي عارفةببراءة الساحة، وبضد ما قربت من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام، أولحزنها على الناس أو يأثم الناس بسببها. وروي أنها سمعت نداء أخرج يا من يعبد من دون الله فحزنت و{قَالَتْ يٰأَيُّهَا * لَيْتَنِى * مّتَّ }. وقال وهب: أنساها كرب الولادة وما سمعت من الناس بشارة الملائكة بعيسى.وقرأ زر وعلقمة فخاطبها مكان {فَنَادَاهَا } وينبغي أن يكون تفسيراً لا قراءة لأنها مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه، والمناديالظاهر أنه عيسى أي فولدته فأنطقه الله وناداها أي حالة الوضع. وقيل: جبريل وكان في بقعة من الأرض أخفض منالبقعة التي كانت عليها وقاله الحسن وأقسم على ذلك. قيل: وكان يقبل الولد كالقابلة. وقرأ ابن عباس {فَنَادَاهَا } ملك{مِن تَحْتِهَا }. وقرأ البراء بن عازب وابن عباس والحسن وزيد بن عليّ والضحاك وعمرو بن ميمون ونافع وحمزة والكسائيوحفص {مِنْ } حرف جر. وقرأ الابنان والأبوان وعاصم وزر ومجاهد والجحدري والحسن وابن عباس في رواية عنهما {مِنْ }بفتح الميم بمعنى الذي و {تَحْتِهَا } ظرف منصوب صلة لمن، وهو عيسى أي ناداها المولود قاله أبيّ والحسن وابنجبير ومجاهد و {ءانٍ } حرف تفسير أي {لا * تَحْزَنِى } والسري في قول الجمهور الجدول. وقال الحسن وابنزيد وقتادة عظيماً من الرجال له شأن. وروي أن الحسن فسر الآية فقال: أجل لقد جعله الله {سَرِيّاً } كريماًفقال حميد بن عبد الرحمن: يا أبا سعيد إنما يعني بالسري الجدول، فقال الحسن لهذه وأشباهها أحب قربك، ولكن غلبناالأمراء. ثم أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع. وقالت فَرِقة: بل كانت النخلة مطعمةرطباً. وقال السدّي: كان الجذع مقطوعاً وأجى تحته النهر لجنبه، والظاهر أن المكلم هو عيسى وأن الجذع كان يابساً وعلىهذا ظهرت لها آيات تسكن إليها وحزنها لم يكن لفقد الطعام والشراب حتى تتسلى بالأكل والشرب، ولكن لما ظهر فيذلك من خرق العادة حتى يتبين لقومها أن ولادتها من غير فحل ليس ببدع من شأنها. قال ابن عباس: كانجذعاً نخراً فلما هزت إذ السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف، ثم اخضر فصار بلحاً،ثم احمر فصار زهواً ثم رطباً كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع من بين يديها لا يتسرح منهشيء. وإلى حرف بلا خلاف ويتعلق بقوله {*وهُزِّي} وهذا جاء على خلاف ما تقرر في علم النحو من أن الفعللا يتعدى إلى الضمير المتصل، وقد رفع الضمير المتصل وليس من باب ظن ولا فقد ولا علم وهما لمدلول واحدلا يقال: ضربتك ولا زيد ضربه أي ضرب نفسه ولا ضربني إنما يؤتى في مثل هذه التراكيب بالنفس فتقول: ضربتنفسك وزيد ضرب نفسه وضربت نفسي والضمير المجرور عندهم كالضمير المنصوب فلا تقول: هززت إليك ولا زيد هز إليه ولاهززت إلى ولهذا زعموا في قول الشاعر:

دع عنك نهياً صيح في حجراته     ولكن حديثاً ما حدثت الرواحل

وفي قول الآخر:

وهوّن عليك فإن الأمو     ر بكف الإلۤه مقاديرها

إنّ عن وعلى ليسا حرفين وإنماهما اسمان ظرفان، وهذا ليس ببعيد لأن عن وعلى قد ثبت كونهما اسمين في قوله:

من عن يمين الحبيا نظرة قبل    

وفي قوله:

غدت من عليه بعدما تم ظمؤها    

وبعض النحويين زعم أن علىلا تكون حرفاً البتة، وأنها اسم في كل مواردها ونسب إلى سيبويه، ولا يمكن أن يدعي أن إلى تكون اسماًلإجماع النحاة على حرفىتها كما قلنا. ونظير قوله تعالى {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } قوله تعالى

{ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ }

وعلى تقريرتلك القاعدة ينبغي تأويل هذين، وتأويله على أن يكون قوله {إِلَيْكَ } ليس متعلقاً بهزي ولا باضم، وإنما ذلك علىسبيل البيان والتقدير أعني إليك فهو متعلق بمحذوف كما قالوا في قوله

{ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ }

وما أشبهه علىبعض التأويلات. والباء في {بِجِذْعِ } زائدة للتأكيد كقوله

{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }

. قال أبو عليّ كما يقال:ألقى بيده أي ألقى يده. وكقوله:

سود المحاجر لا يقرأن بالسور    

أي لا يقرأن السور. وأنشد الطبري:

فؤاد يمان ينبت السدر صدره     وأسفله بالمرخ والسهان

وقال الزمخشري أو على معنى أفعلي الهز به. كقوله:

يخرج في عراقيبها نصلي    

قالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذلك التحنيك، وقالوا: كان من العجوة قاله محمد بن كعب. وقيل:ما للنفساء خير من الرطب. وقيل: أذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب. وقرأ الجمهور {تُسَـٰقِطْ } بفتحالتاء والسين وشدها بعد ألف وفتح القاف. وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثاب ومسروق وحمزة كذلك إلاّ أنهم خففوا السين. وقرأحفص {تُسَـٰقِطْ } مضارع ساقطت. وقرأ أبو السمال تتساقط بتاءين. وقرأ البراء بن عازب والأعمش في رواية يساقط بالياء منتحت مضارع أساقط. وقرأ أبو حيوة ومسروق. تسقط بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف. وعن أبي حيوة كذلك إلاّ أنهبالياء من تحت، وعنه تسقط بالتاء من فوق مفتوحة وضم القاف، وعنه كذلك إلاّ أنه بالياء من تحت، وقال بعضهمفي قراءة أبي حيوة هذه أنه قرأ رطب جني بالرفع على الفاعلية، وأما النصب فإن قرأ بفعل متعد نصبه علىالمفعول أو بفعل لازم فنصبه على التمييز، ومن قرأ بالياء من تحت فالفعل مسند إلى الجذع، ومن قرأ بالتاء فمسندإلى النخلة، ويجوز أن يكون مسنداً إلى الجذع على حدّ

{ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ }

وفي قراءة من قرأ يلتقطه بالتاءمن فوق. وأجاز المبرد في قوله {رُطَباً } أن يكون منصوباً بقوله {*وهزي} أي {وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ }رطباً تساقط عليك، فعلى هذا الذي أجازه تكون المسألة من باب الإعمال فيكون قد حذف معمول {تُسَـٰقِطْ } فمن قرأهبالياء من تحت فظاهر، ومن قرأ بالتاء من فوق فإن كان الفعل متعدياً جاز أن يكون من باب الإعمال، وإنكان لازماً فلا لاختلاف متعلق هزي إذ ذاك والفعل اللازم. وقرأ طلحة بن سليمان {جَنِيّاً } بكسر الجيم إتباعاًلحركة النون والرزق فإن كان مفروغاً منه فقد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه، ولذلك أمرت مريم بهز الجذعوعلى هذا جاءت الشريعة وليس ذلك بمناف للتوكل. وعن ابن زيد قال عيسى لها لا تحزني، فقالت: كيف لاأحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس؟ {قَالَتْ يٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا } الآيةفقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام {فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرّى عَيْناً }. قال الزمخشري: أي جمعنا لك في السري والرطب فائدتينإحداهما الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزتين وهو معنى قوله {فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرّى عَيْناً } أي وطيبي نفساً ولاتغتمي وارفضي عنك ما أحزنك وأهمك انتهى. ولما كانت العادة تقديم الأكل على الشرب تقدم في الآية والمجاورة قوله {تُسَـٰقِطْ} عليك رطباً جنياً} ولما كان المحزون قد يأكل ويشرب قال: {*} ولما كان المحزون قد يأكل ويشرب قال: {وَقَرّىعَيْناً } أي لا تحزني، ثم ألقى إليها ما تقول إن رأت أحداً. وقرىء {وَقَرّى } بكسر القاف وهي لغةنجدية وتقدم ذكرها. وقرأ أبو عمرو في ما روي عنه ابن رومي ترئن بالإبدال من الياء همزة وروى عنهلترؤن بالهمز أيضاً بدل الواو. قال ابن خالويه: وهو عند أكثر النحويين لحن. وقال الزمخشري: وهذا من لغة من يقوللتأت بالحج أصلهاوحلأت السويق وذلك لتأخ بين الهمزة وحروف اللين في الإبدال انتهى. وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة {تَرَيِنَّ }بسكون الياء وفتح النون خفيفة. قال ابن جنيّ: وهي شاذة يعني لأنه لم يؤثر الجازم فيحذف النون. كما قال الأفوهالأودي:

أما ترى رأسي أزرى به     مأس زمان ذي انتكاس مؤوس

والآمر لها بالأكل والشرب وذلكالقول الظاهر أنه ولدها. وقيل جبريل على الخلاف الذي سبق، والظاهر أنه أبيح لها أن تقول ما أُمَرِت بقوله وهوقول الجمهور. وقالت فرقة: معنى {فَقُولِى } أي بالإشارة لا بالكلام وإلاّ فكان التناقض ينافي قولها انتهى. ولا تناقض لأنالمعنى {فَلَنْ أُكَلّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } بعد {قَوْلِي } هذا وبين الشرط وجزائه جملة محذوفة يد عليه المعنى، أي {فَإِمَّاتَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } وسألك أو حاورك الكلام {فَقُولِى }. وقرأ زيد بن عليّ صياماً وفسر {صَوْماً }بالإمساك عن الكلام. وفي مصحف عبد الله صمتاً. وعن أنس بن مالك مثله. وقال السدّي وابن زيد: كانت سنة الصيامعندهم الإمساك عن الأكل والكلام انتهى. والصمت منهي عنه ولا يصح نذره. وفي الحديث: مره فليتكلم . وقد أمر ابن مسعودمن فعل ذلك بالنطق وأمرت بنذر الصوم لأن عيسى بما يظهر الله عليه يكفيها أمر الاحتجاج ومجادلة السفهاء. وقوله {إِنسِيّاً} لأنها كانت تكلم الملائكة دون الإنس. {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ * مَرْيَمَ *لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاًفَرِيّاً * يٰأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَنكَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً * وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِىبِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً * وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَأُبْعَثُ حَيّاً }. {فَأَتَتْ بِهِ } قيل إتيانها كان من ذاتها. قيل: طهرت من النفاس بعد أربعين يوماً وكانالله تعالى قد أراها آيات واضحات، وكلمها عيسى ابنا وحنت إلى الوطن وعلمت أن عيسى سيكفيها من يكلمها فعادت إلىقومها. وقيل: أرسلوا إليها لتحضري إليها بولدك، وكان الشيطان قد أخبر قومها بولادتها وفي الكلام حذف أي فلما رأوها وابنها{قَالُواْ } قال مجاهد والسدّي: الفري العظيم الشنيع. وقرأ أبو حيوة فيما نقل ابن عطية {فَرِيّاً } بسكون الراء، وفيمانقل ابن خالويه فرئاً بالهمز، و{هَـٰرُونَ } شقيقها أو أخوها من أمّها، وكان من أمثل بني إسرائيل، أو {هَـٰرُونَ }أخو موسى إذ كانت من نسله، أو رجل صالح من بني إسرائيل شبهت به، أو رجل من النساء وشبهوها بهأقوال. والأولى أنه أخوها الأقرب. وفي حديث المغيرة حين خصمه نصارى نجران في قوله تعالى {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ } والمدةبينهما طويلة جداً فقال له الرسول: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم . وأنكروا عليها ما جاءت به وأنأبويها كانا صالحين، فكيف صدرت منك هذه الفعلة القبيحة وفي هذا دليل على أن الفروع غالباً تكون زاكية إذا زكتالأصول، وينكر عليها إذا جاءت بضد ذلك. وقرأ عمر بن لجا التيمي الشاعر الذي كان يهاجي جريراً {مَا كَانَأَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء } لجعل الخبر المعرفة والاسم النكرة وحسن ذلك قليلاً كونها فيها مسوع جواز الابتداء وهو الإضافة، ولمااتهموها بما اتهموها نفوا عن أبويها السوء لمناسبة الولادة، ولم ينصوا على إثبات الصلاح وإن كان نفي السوء يوجب الصلاحونفي البغاء يوجب العفة لأنهما بالنسبة إليهما نقيضان. روي أنها لما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكواوقالوا ذلك. وقيل: هموا برجمها حتى تكلم عيسى فتركوها. {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل:كان المستنطق لعيسى زكريا. ويروى أنهم لما أشاروا إلى الطفل قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لهاعلى جهة الإنكار والتهكم بها أي إن من كان في المهد يُربيّ لا يكلم، وإنما أشارت إليه لما تقدم لهامن وعده أنه يجيبهم عنها ويغنيها عن الكلام. وقيل: بوحي من الله إليها. و{كَانَ } قال أبو عبيدة: زائدة. وقيل:تامّة وينتصب {صَبِيّاً } على الحال في هذين القولين، والظاهر أنها ناقصة فتكون بمعنى صار أو تبقى على مدلولها مناقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، ولا يدل ذلك على الانقطاع كما لم يدل في قوله

{ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } وفي قوله { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } والمعنى {كَانَ } وهو الآن على ما كان، ولذلك عبر بعضأصحابنا عن {كَانَ } هذه بأنها ترادف لم يزل وما ردّ به ابن الأنباري كونها زائدة من أن الزائدة لاخبر لها، وهذه نصبت {صَبِيّاً } خبراً لها ليس بشيء لأنه إذ ذاك ينتصب على الحال، والعامل فيها الاستقرار.وقال الزمخشري: كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة والدال عليه معنىالكلام وأنه مسوق للتعجب، ووجه آخر أن يكون {نُكَلّمُ } حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلمالناس {صَبِيّاً }. {فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا انتهى. والظاهر أن {مِنْ }مفعول بنكلم. ونقل عن الفراء والزجاج أن {مِنْ } شرطية و{كَانَ } في معنى يكن وجواب الشرط محذوف تقديره فكيف{نُكَلّمُ } وهو قول بعيد جداً. وعن قتادة أن {ٱلْمَهْدِ } حجر أمه. وقيل: سريره. وقيل: المكان الذي يستقر عليه.وروي أنه قام متكئاً على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمني، وأنطقه الله تعالى أولاً بقوله {قَالَ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِىَ} ردّاً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى. وفي قوله {عَبْدُ ٱللَّهِ } والجمل التي بعده تنبيه على براءة أمّهمما اتهمت به لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بالنبوة والخلال الحميدة إلاّ مبرأة مصطفاة و{ٱلْكِتَـٰبِ } الإنجيل أو التوراةأو مجموعهما أقوال. وظاهر قوله {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } أنه تعالى نبأه حال طفوليته أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً. وقيل: إنذلك سبق في قضائه وسابق حكمه، ويحتمل أن يجعل الآتي لتحققه كأنه قد وجد {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً } قال مجاهد: نفاعاً.وقال سفيان: معلم خير. وقيل: آمراً بمعروف، ناهياً عن منكر. وعن الضحاك: قضاء للحوائج {وَلَوْ كُنتُ } شرط وجزاؤه محذوفتقديره {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً } وحذف لدلالة ما تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون معمولاً لجعلني السابق لأن {أَيْنَ } لايكون إلاّ استفهاماً أو شرطاً لا جائز أن يكون هنا استفهاماً، فتعينت الشرطية واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله إنماهو معمول للفعل الذي يليه، والظاهر حمل الصلاة والزكاة على ما شرع في البدن والمال. وقيل: {ٱلزَّكَوٰةَ } زكاة الرؤوسفي الفطر. وقيل الصلاة الدعاء، و{ٱلزَّكَوٰةَ } التطهر. و{مَا } في {مَا دُمْتُ } مصدرية ظرفية. وقال ابن عطية.وقرأ {دُمْتُ } بضم الدال عاصم وجماعة. وقرأ {دُمْتُ } بكسر الدال أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وانتهى والذيفي كتب القراءات أن القراء السبعة قرؤوا {دُمْتُ حَيّاً } بضم الدال، وقد طالعنا جملة من الشواذ فلم نجدها لافي شواذ السبعة ولا في شواذ غيرهم على أنها لغة تقول {دُمْتُ } تدام كما قالوا مت تمات، وسبق أنهقرىء {وَبَرّاً } بكسر الباء فإما على حذف مضاف أي وذا بر، وإما على المبالغة جعل ذاته من فرط بره،ويجوز أن يضمر فعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد، ومن قرأ {وَبَرّاً } بفتح الباءفقال الحوفي وأبو البقاء: إنه معطوف على {مُبَارَكاً } وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي {*أوصاني}ومتعلقها، والأولى إضمار فعل أي وجعلني {*براً}. وحكى الزهراوي وأبو البقاء أنه قرىء وبر بكسر الباء والراء عطفاً على {بالصلاةوالزكاة}. وقوله: {بِوَالِدَتِى } بيان محل البر وأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. والجبار كما تقدم المتعاظموكان في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب حيث جنه الليل لا مسكن له، وكان يقول: سلونيفإني لين القلب صغير في نفسي، والألف واللام في {وَٱلسَّلَـٰمُ } للجنس. قال الزمخشري: هذا التعريف تعريض بلعنة متهمي مريموأعدائهما من اليهود، وحقيقته أن اللام للجنس فإذا قال: وجنس السلام على خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره { وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } يعني إن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنة لنحوهذا من التعريض. وقيل: أل لتعريف المنكر في قصة يحيـى في قوله {وَسَلَـٰمٌ } نحو { كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً } فعصى فرعون الرسول أي وذلك السلام الموجه إلى يحيـى في المواطن الثلاثة موجه إليّ. وسبق القول في تخصيص هذهالمواطن. وقرأ زيد بن علي {يَوْمَ وُلِدْتُّ } أي يوم ولدتني جعله ماضياً لحقته تاء التأنيث ورجح وسلام عليّوالسلام لكونه من الله وهذا من قول عيسى عليه السلام. وقيل: سلام عيسى أرجح لأنه تعالى أقامه في ذلك مقامنفسه فسلم نائباً عن الله.

{ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } * { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } * { وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } * { فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } * { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } * { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }[عدل]

{ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ * مَا كَانَ للَّهِأَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَاصِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَٱخْتَلَفَ ٱلاْحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوْيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَالَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلاْمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلاْرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }. الإشارة بذلك إلى المولود الذي ولدته مريم المتصف بتلك الأوصافالجميلة، و{ذٰلِكَ } مبتدأ و{عِيسَى } خبره و{ٱبْنَ مَرْيَمَ } صفة لعيسى أو خبر بعد خبر أو بدل، والمقصود ثبوتبنوّته من مريم خاصة من غير أب فليس بابن له كما يزعم النصارى ولا لغير رشدة كما يزعم اليهود. وقرأزيد بن عليّ وابن عامر وعاصم وحمزة وابن أبي إسحاق والحسن ويعقوب {قَوْلَ ٱلْحَقّ } بنصب اللام، وانتصابه على أنهمصدر مؤكد لمضمون الجملة أي هذه الأخبار عن {عِيسَى } أنه {ٱبْنَ مَرْيَمَ } ثابت صدق ليس منسوباً لغيرها، أيإنها ولدته من غير مس بشر كما تقول هذا عبد الله الحق لا الباطل، أي أقول {ٱلْحَقّ } وأقول قول{ٱلْحَقّ } فيكون {ٱلْحَقّ } هنا الصدق وهو من إضافة الموصوف إلى صفته أي القول {ٱلْحَقّ } كما قال

{ وَعْدَ ٱلصّدْقِ }

أي الوعد الصدق وإن عنى به الله تعالى كان القول مراداً به الكلمة كما قالوا كلمة الله كانانتصابه على المدح وعلى هذا تكون الذي صفة للقول، وعلى الوجه الأول تكون {ٱلَّذِى } صفة للحق. وقرأ الجمهور{قَوْلَ } برفع اللام. وقرأ ابن مسعود والأعمش قال بألف ورفع اللام. وقرأ الحسن {قَوْلَ } بضم القاف ورفع اللاموهي مصادر كالرهب والرهب والرهب وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو أي نسبته إلى أمه فقط {قَوْلَ ٱلْحَقّ} فتتفق إذ ذاك قراءة النصب وقراءة الرفع في المعنى. وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أوبدل انتهى. وهذا الذي ذكر لا يكون إلاّ على المجاز في قول وهو أن يراد به كلمة الله لأن اللفظلا يكون الذات. وقرأ طلحة والأعمش في رواية زائدة قال: بألف جعله فعلاً ماضياً {ٱلْحَقّ } برفع القاف على الفاعلية،والمعنى قال الحق وهو الله {ذٰلِكَ } الناطق الموصوف بتلك الأوصاف هو {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } و{ٱلَّذِى } على هذاخبر مبتدأ محذوف أي هو الذي. وقرأ عليّ كرم الله وجهه والسلمي وداود بن أبي هند ونافع في رواية والكسائيفي رواية {تَمْتَرُونَ } بتاء الخطاب والجمهور بياء الغيبة، وامترى افتعل إما من المرية وهي الشك، وإما من المراء وهوالمجادلة والملاحاة، وكلاهما مقول هنا قالت اليهود ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالثها ثلاثة وهو الله {مَا كَانَ للَّهِأَن يَتَّخِذَ مِن * وَلَدِهِ } هذا تكذيب للنصارى في دعواهم أنه ابن الله، وإذا استحالت البنوة فاستحالة الإلهية مستقلةأو بالتثليث أبلغ في الاستحالة، وهذا التركيب معناه الانتفاء فتارة يدل من جهة المعنى على الزجر

{ مَا كَانَ لاهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلاْعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ }

وتارة على التعجيز

{ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا }

وتارة على التنزيه كهذه الآية، ولذلك أعقب هذا النفي بقوله {سُبْحَـٰنَهُ } أي تنزه عن الولد إذ هو مما لايتأتى ولا يتصور في المعقول ولا تتعلق به القدرة لاستجالته، إذ هو تعالى متى تعلقت إرادته بإيجاد شيء أو جدهفهو منزه عن التوالد. وتقدم الكلام على الجملة من قوله {إِذَا قَضَى أَمْرًا }. وقرأ الجمهور {وَأَنَّ ٱللَّهَ }بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ أبي بالكسر دون واو، وقرأ الحرميان وأبو عمرو {وَأَنْ } بالواو وفتح الهمزة، وخرجه ابنعطية على أن يكون معطوفاً على قوله هذا {قَوْلَ ٱلْحَقّ } {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى } كذلك. وخرجه الزمخشري على أنمعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه كقوله

{ وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً }

انتهى. وهذا قول الخليل وسيبويهوفي حرف أبي أيضاً، وبأن {ٱللَّهِ } بالواو وباء الجر أي بسبب ذلك فاعبدوه. وأجاز الفراء في {وَأَنْ } يكونفي موضع خفض معطوفاً على والزكاة، أي {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ } وبأن الله ربي وربكم انتهى. وهذا في غاية البعدللفصل الكثير، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى الأمر {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ }. وحكى أبو عبيدةعن أبي عمرو بن العلاء أن يكون المعنى، وقضى {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } فهي معطوفة على قوله {أمْراً }من قوله {إِذَا قَضَى أَمْرًا } والمعنى {إِذَا قَضَى أَمْرًا } وقضى {إِنَّ ٱللَّهَ } انتهى. وهذا تخبيط في الإعرابلأنه إذا كان معطوفاً على {أمْراً } كان في حيز الشرط، وكونه تعالى ربنا لا يتقيد بالشرط وهذا يبعد أنيكون قاله أبو عمرو بن العلاء فإنه من الجلالة في علم النحو بالمكان الذي قل أن يوازنه أحد مع كونهعربياً، ولعل ذلك من فهم أبي عبيدة فإنه يضعف في النحو والخطاب في قول {وَرَبّكُمْ } قيل لمعاصري رسول اللهﷺ من اليهود والنصارى أمر الله تعالى أن يقول لهم {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } أي قللهم يا محمد هذا الكلام. وقيل: الخطاب للذين خاطبهم عيسى بقوله {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ } الآية وإن الله معطوف علىالكتاب، وقد قال وهب عهد عيسى إليهم {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } ومن كسر الهمزة عطف على قوله

{ إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ }

فيكون محكياً. يقال: وعلى هذا القول يكون قوله {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ - إِلى - وَأَنَّ ٱللَّهَ }حمل اعتراض أخبر الله تعالى بها رسوله عليه السلام. والإشارة بقوله {هَـٰذَا } أي القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة،هو الطريق المستقيم الذي يفضي بقائله ومعتقده إلى النجاة {فَٱخْتَلَفَ ٱلاْحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } هذا إخبار من الله للرسول بتفرقبني إسرائيل فرقاً، ومعنى {مِن بَيْنِهِمْ } أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين لم يقع الاختلاف سببهغيرهم. و{ٱلاْحَزَابِ } قال الكلبي: اليهود والنصارى. وقال الحسن: الذين تحزبوا على الانبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيهمن بين الناس انتهى. فالضمير في {بَيْنَهُمْ } على هذا ليس عائداً على {ٱلاْحَزَابِ }. وقيل: {ٱلاْحَزَابِ } هنا المسلمونواليهود والنصارى. وقيل: هم النصارى فقط. وعن قتادة إن بني إسرائيل جمعوا أربعة من أحبارهم. فقال أحدهم: عيسى هوالله نزل إلى الأرض وأحيا من أحيا وأمات من أمات، فكذبه الثلاثة واتبعته اليعقوبية. ثم قال أحد الثلاثة: عيسى ابنالله فكذبه الاثنان واتبعته النسطورية، وقال أحد الاثنين: عيسى أحد ثلاثة الله إله، ومريم إله، وعيسى إله فكذبه الرابع وأتبعتهالإسرائيلية. وقال الرابع: عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فاتبعته فرقة من بني إسرائيل ثم اقتتل الأربعة،فغلب المؤمنون وظهرت اليعقوبية على الجميع فروي أن في ذلك نزلت

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ }

آية آل عمران،والأربعة يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل. وبين هنا أصله ظرف استعمل اسماً بدخول {مِنْ } عليه. وقيل: {مِنْ } زائدة.وقيل البين هنا البعد أي اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق. و{مَّشْهِدِ } مفعل من الشهود وهو الحضور أو من الشهادةويكون مصدراً ومكاناً وزماناً، فمن الشهود يجوز أن يكون المعنى من شهود هول الحساب والجزاء في يوم القيامة، وإن يكونمن مكان الشهود فيه وهو الموقف، وأن يكون من وقت الشهود ومن الشهادة، يجوز أن يكون المعنى من شهادة ذلكاليوم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر، وأن يكون من مكان الشهادة، وأن يكون من وقت الشهادةواليوم العظيم على هذه الاحتمالات يوم القيامة. وعن قتادة: هو يوم قتل المؤمنين حين اختلف الأحزاب وقيل ما قالوه وشهدوابه في عيسى وأمه يوم اختلافهم، وتقدم الكلام على التعجب الوارد من الله في قوله تعالى

{ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ }

وأنه لا يوصف بالتعجب. قال الحسن وقتادة: لئن كانوا صماً وبكماً عن الحق فما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة،ولكنهم يسمعون ويبصرون حيث لا ينفعهم السمع ولا البصر. وعن ابن عباس أنهم أسمع شيء وأبصره. وقال علي بن عيسى:هو وعيد وتهديد أي سوف يسمعون ما يخلع قلوبهم، ويبصرون ما يسود وجوههم. وعن أبي العالية: إنه أمر حقيقة للرسولأي {أَسْمِعْ } الناس اليوم وأبصرهم {بِهِمُ } وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب إذا أتوا محشورين مغلولين {لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} عموم يندرج فيه هؤلاء الأحزاب الكفارة وغيرهم من الظالمين، و{ٱلْيَوْمَ } أي في دار الدنيا. وقال الزمخشري: أوقع الظاهرأعني الظالمين موقع الضمير إشعاراً بأن لا ظلم أشد من ظلمهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ويسعدهم، والمرادبالضلال المبين إغفال النظر والاستماع انتهى. {وَأَنذِرْهُمْ } خطاب للرسول ﷺ والضمير لجميع الناس. وقيل: يعودعلى الظالمين. و{يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ } يوم ذبح الموت وفيه حديث. وعن ابن زيد: يوم القيامة. وقيل: حين يصدر الفريقان إلىالجنة والنار وعن ابن مسعود: حين يرى الكفارة مقاعدهم التي فاتتهم من الجنة لو كانوا مؤمنين. وقال ابن عطية: ويحتملأن يكون {يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ } اسم جنس لأن هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة، ومنها يوم الموت، ومنها وقت أخذالكتاب بالشمال وغير ذلك انتهى. و{إِذْ } بد من {يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ }. قال السدّي وابن جريج: {قُضِىَ ٱلاْمْرُ }ذبح الموت. وقال مقاتل: قضى العذاب. وقال ابن الأنباري المعنى {إِذْ قُضِىَ ٱلاْمْرُ } الذي فيه هلاككم. وقال الضحاك: يكونذلك إذا برزت جهنم ورمت بالشرر. وعن ابن جريج أيضاً: إذا فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النارالنار. وقيل

{ إِذَا * قَالَ * ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ }

. وقيل: إذا يقال

{ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ }

وقيل:إذا قضى سد باب التوبة وذلك حين تطلع الشمس من مغربها. {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ }. قال الزمخشري: متعلق بقوله{فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } عن الحسن {وَأَنذِرْهُمْ } إعراض وهو متعلق بأنذرهم أي {وَأَنذِرْهُمْ } على هذه الحال غافلين غيرمؤمنين. وقال ابن عطية: {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } يريد في الدنيا الآن {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } كذلك انتهى. وعلى هذايكون حالاً والعامل فيه {وَأَنذِرْهُمْ } والمعنى أنهم مشتغلون بأمور دنياهم معرضون عما يراد منهم، والظاهر أن يكون المراد بقوله{وَقُضِىَ ٱلاْمْرُ } أمر يوم القيامة. {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلاْرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } تجوز وعبارة عن فناء المخلوقات وبقاءالخالق فكأنها وراثة. وقرأ الجمهور {يَرْجِعُونَ } بالياء من تحت مبنياً للمفعول، والأعرج بالتاء من فوق. وقرأ السلمي وابن أبيإسحاق وعيسى بالياء من تحت مبيناً للفاعل على وحكى عنهم الداني بالتاء.

{ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً } * { إِذْ قَالَ لاًّبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } * { يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } * { يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً } * { يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً } * { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } * { قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } * { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً } * { فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً } * { وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } * { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } * { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً } * { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } * { إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } * { جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } * { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } * { تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } * { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } * { رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } * { وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } * { أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } * { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } * { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } * { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } * { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } * { ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } * { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } * { قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً } * { وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } * { أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } * { أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } * { كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً } * { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً } * { وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } * { كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } * { فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } * { يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } * { وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } * { لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } * { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } * { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } * { تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } * { أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } * { وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } * { إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } * { لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً } * { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } * { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } * { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً }[عدل]

{وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لاِبِيهِ يٰأَبَتِصِدّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لاِبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً * يٰأَبَتِإِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَلِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً * يٰأَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِىيٰإِبْرٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً * قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْوَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا * فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً }.{وَٱذْكُرْ } خطاب للرسول ﷺ، والمراد اتل عليهم نبأ {إِبْرَاهِيمَ } وذاكره ومورده في التنزيل هو اللهتعالى، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قصة مريم وابنها عيسى واختلاف الأحزاب فيهما وعبادتهما من دونالله، وكانا من قبيل من قامت بهما الحياة ذكر الفريق الضال الذي عبد جماداً والفرىقان وإن اشتركا في الضلال، والفريقالعابد الجماد أضل ثم ذكر قصة إبراهيم مع أبيه عليه السلام تذكيراً للعرب بما كان إبراهيم عليه من توحيد اللهوتبيين أنهم سالكو غير طريقه، وفيه صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به وأن ذلك متلقى بالوحيوالصديق من أبنية المبالغة وهو مبني من الثلاثي للمبالغة أي كثير الصدق، والصدق عرفه في اللسان ويقابله الكذب، وقد يستعملفي الأفعال والخلق وفيما لا يعقل يقال: صدقني الطعام كذا وكذا قفيزاً، وعود صدق للصلب الجيد فوصف إبراهيم بالصدق علىالعموم في أقواله وأفعاله، والصديقية مراتب ألا ترى إلى وصف المؤمنين بها في قوله

{ مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ }

ومن غريبالنقل ما ذهب إليه بعض النحويين من أن فعيلاً إذا كان من متعد جاز أن يعمل فتقول هذا شريب مسكركما أعملوا عند البصريين فعولاً وفعالاً ومفعالاً. وقال الزمخشري: والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب اللهوآياته وكتبه ورسله، وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي كان مصدقاً لجميع الأنبياء وكتبهم وكان {نَبِيّاً }في نفسه لقوله تعالى

{ بَلْ جَاء بِٱلْحَقّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ }

وكان بليغ في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق ومصدقالله بآياته ومعجزاته حري أن يكون كذلك، وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله أعني {إِبْرَاهِيمَ }. و{إِذْقَالَ } نحو قولك: رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك، ويجوز أن تتعلق {إِذْ } بكان أو بـ {صِدّيقاً نَّبِيّاً }أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات انتهى. فالتخريج الأول يقتضي تصرف {إِذْ } وقد تقدملنا أنها لا تتصرف، والتخريج الثاني مبني على أن كان لنا قصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلاف. والتخريجالثالث لا يصح لأن العمل لا ينسب إلاّ إلى لفظ واحد، أما أن ينسب إلى مركب من مجموع لفظين فلا،وجائز أن يكون معمولاً لصديقاً لأنه نعت إلاّ على رأي الكوفيين، ويحتمل أن يكون معمولاً لنبياً أي منبأ في وقتقوله لأبيه ما قال، وأن التنبئة كانت في ذلك الوقت وهو بعيد. وقرأ أبو البر هثيم إنه كان صادقاً.وفي قوله {*يا أبت} تلطف واستدعاء بالنسب. وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر {*يا أبت} بفتح التاء وقد لحن هارونهذه القراءة، وتقدم الكلام على {*يا أبت} في سورة يوسف عليه السلام، وفي مصحف عبد الله وا أبت بواو بدلياء، واستفهم إبراهيم عليه السلام عن السبب الحامل لأبيه على عبادة الصنم وهو منتف عنه السمع والبصر والإغناء عنه شيئاًتنبيهاً على شنعة الرأي وقبحه وفساده في عبادة من انتف عنه هذه الأوصاف. وخطب الزمخشري فقال: انظر حين أرادأن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطاً فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصى فيه أمر العقل وانسلخ عنقضية التمييز كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميلوالخلق الحسن منتصحاً في ذلك نصيحة ربه جل وعلا. حدث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار ، كلمتيسبقت لمن حسن خلقه أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه من جواري. وسرد الزمخشري بعد هذا كلاماً كثيراً مننوع الخطابة تركناه. و{لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ } الظاهر أنها موصولة، وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة ومعمول {يَسْمَعُ} و{يَبْصِرُ } منسي ولا ينوي أي ما ليس به استماع ولا إبصار لأن المقصود نفي هاتين الصفتين دون تقييدبمتعلق. و{شَيْئاً }. إما مصدر أو مفعول به، ولما سأله عن العلة في عبادة الصنم ولا يمكن أن يجد جواباً،انتقل معه إلى إخباره بأنه قد جاءه من العلم ما لم يأته ولم يصف أباه بالجهل إذ يغني عنه السؤالالسابق. وقال {مّن ٱلْعِلْمِ } على سبيل التبعيض أي شيء من العلم ليس معك، وهذه المحاورة تدل على أن ذلككان بعدما نبىء، إذ في لفظ {جَاءنِى } تجدد العلم، والذي جاءه الوحي الذي أتى به الملك أو العلم بأمورالآخرة وثوابها وعقابها أو توحيد الله وإفراده بالالوهية والعبادة أقوال ثلاثة {فَٱتَّبِعْنِى } على توحيد الله بالعبادة وارفض الأصنام {أَهْدِكَصِرَاطاً * مُّسْتَقِيماً } وهو الإيمان بالله وإفراده بالعبادة. وانتقل من أمره باتباعه إلى نهيه عن عبادة الشيطان وعبادته كونهيطيعه في عبادة الأصنام ثم نفره عن عبادة الشيطان بأنه كان عصياً للرحمن، حيث استعصى حين أمره بالسجود لآدم فأبى،فهو عدوّ لك ولأبيك آدم من قبل. وكان لفظ الرحمن هنا تنبيهاً على سعة رحمته، وأن من هذا وصفه هوالذي ينبغي أن يعبد ولا يعصى، وإعلاماً بشقاوة الشيطان حيث عصى من هذه صفته وارتكب من ذلك ما طرده منهذه الرحمة، وإن كان مختاراً لنفسه عصيان ربه لا يختار لذريته من عصى لأجله إلاّ ما اختار لنفسه من عصيانهم.{إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ } قال الفرّاء والطبري {أَخَافُ } أعلم كما قال

{ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا }

أي تيقنا،والأولى حمل {أَخَافُ } على موضوعه الأصلي لأنه لم يكن آيساً من إيمانه بل كان راجياً له وخائفاً أن لايؤمن وأن يتمادى على الكفر فيمسه العذاب، وخوّفه إبراهيم سوء العاقبة وتأدّب معه إذ لم يصرّح بلحوق العذاب به بلأخرج ذلك مخرج الخائف، وأتى بلفظ المس الذي هو ألطف من المعاقبة ونكر العذاب، ورتب على مس العذاب ما هوأكبر منه وهو ولاية الشيطان كما قال في مقابل ذلك

{ وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }

أي من النعيم السابق ذكره،وصدر كل نصيحة بقوله {*يا أبت} توصلاً إليه واستعطافاً. وقيل: الولاية هنا كونه مقروناً معه في الآخرة وإن تباغضاًوتبرأ بعضهما من بعض. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير إني أخاف أن تكون ولياً في الدنيا للشيطان فيمسك فيالآخرة عذاب من الرحمن. وقوله {إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } لا يعين أن العذاب يكون في الآخرة،بل يحتمل أن يحمل العذاب على الخذلان من الله فيصير موالياً للشيطان، ويحتمل أن يكون مس العذاب في الدنيا بأنيبتلى على كفره بعذاب في الدنيا فيكون ذلك العذاب سبباً لتماديه على الكفر وصيرورته إلى ولاية الشيطان إلى أن يوافيعلى الكفر كما قال

{ وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

وهذه المناصحات تدل على شدة تعلق قلبه بمعالجة أبيه، والطماعيةفي هدايته قضاء لحق الأبوة وإشاداً إلى الهدى لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم .{قَالَ } أي أبوه {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى يٰإِبْرٰهِيمُ * إِبْرَاهِيمَ } استفهم استفهام إنكار، والرغبة عن الشيء تركه عمداًوآلهته أصنامه، وأغلظ له في هذا الإنكار وناداه باسمه ولم يقابل {*يا أبت} بيا بني. قال الزمخشري: وقدم الخبر علىالمبتدأ في قوله {وَلِيّاً قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى } لأنه كان أهم عنده وهو عنده أعني وفيه ضرب منالتعجب والإنكار لرغبته عن آلهته، وإن آلهته ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. وفي هذا سلوان وثلج لصدر رسول اللهﷺ عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه انتهى. والمختار في إعراب {أَرَاغِبٌ أَنتَ }أن يكون راغب مبتدأ لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، و{أَنتَ } فاعل سد مسد الخبر، ويترجح هذا الإعراب علىما أعربه الزمخشري من كون {أَرَاغِبٌ } خبراً و{أَنتَ } مبتدأ بوجهين: أحدهما: أنه لا يكون فيه تقديم ولاتأخير إذ رتبة الخبر أن يتأخر عن المبتدأ. والثاني: أن لا يكون فصل بين العامل الذي هو {أَرَاغِبٌ }وبين معموله الذي هو {عَنْ الِهَتِى } بما ليس بمعمول للعامل، لأن الخبر ليس هو عاملاً في المبتدأ بخلاف كون{أَنتَ } فاعلاً فإن معمول {أَرَاغِبٌ } فلم يفصل بين {أَرَاغِبٌ } وبين {عَنْ الِهَتِى } بأجنبي إنما فصل بمعمولله. ولما أنكر عليه رغبته عن آلهته توعده مقسماً على إنفاذ ما توعده به إن لم ينته ومتعلق {تَنتَهِ} محذوف واحتمل أن يكون عن مخاطبتي بما خاطبتني به ودعوتني إليه، وأن يكون {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } عن الرغبةعن آلهتي {لارْجُمَنَّكَ } جواب القسم المحذوف قبل {لَئِنْ }. قال الحسن: بالحجارة. وقيل: لأقتلنك. وقال السدي والضحاك وابن جريج:لأشتمنك. قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف {وَٱهْجُرْنِى }؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه {لارْجُمَنَّكَ } أيفاحذرني {وَٱهْجُرْنِى } لأن {لارْجُمَنَّكَ } تهديد وتقريع انتهى. وإنما احتاج إلى حذف ليناسب بين جملتي العطف والمعطوف عليه، وليسذلك بلازم عند سيبويه بل يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية. فقوله {وَٱهْجُرْنِى } معطوف على قوله {لَئِن لَّمْتَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ } وكلاهما معمول للقول. وانتصب {مَلِيّاً } على الظرف أي دهراً طويلاً قاله الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما، ومنهالملوان وهما الليل والنهار والملاوة بتثليث حركة الميم الدهر الطويل من قولهم: أمليت لفلان في الأمر إذا أطلت له. وقالالشاعر:

فعسنا بها من الشباب ملاوة     فالحج آيات الرسول المحبب

وقال سيبويه: سير عليهمليّ من الدهر أي زمان طويل. وقال ابن عباس وغيره: {مَلِيّاً } معناه سالم سوّياً فهو حال من فاعل {وَٱهْجُرْنِى}. قال ابن عطية: وتلخيص هذا أن يكون بمعنى قوله مستنداً بحالك غنياً عني {مَلِيّاً } بالاكتفاء. وقال السدي: معناهأبداً. ومنه قول مهلهل:

فتصدعت صم الجبال لموته     وبكت عليه المرملات ملياً

وقال ابنجبير: دهر، وأصل الحرف المكث يقال: تمليت حيناً. وقال الزمخشري: أو {مَلِيّاً } بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضربحتى لا تقدر أن تبرخ فلان ملي بكذا إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به انتهى. {قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ }.قرأ أبو البرهثيم: سلاماً بالنصب. قال الجمهور: هذا بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية، أي أمنة مني لك وهؤلاء لا يرونابتداء الكافر بالسلام. وقال النقاش حليم: خاطب سفيهاً كقوله

{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً }

. وقيل: هي تحية مفارق، وجوزقائل هذا تحية الكافر وإن يبدأ بالسلام المشروع وهو مذهب سفيان بن عيينة مستدلاً بقوله تعالى

{ لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ }

الآية وبقوله

{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ }

الآية. و{قَالَ } إبراهيم لأبيه{سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ } وما استدل به متأول، ومذهبهم محجوج بما ثبت في صحيح مسلم: لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام ورفع{سَلَـٰمٌ } على الابتداء ونصبه على المصدر، أي سلمت سلاماً دعاء له بالسلامة على سبيل الاستمالة، ثم وعده بالاستغفار وذلكيكون بشرط حصول ما يمكن معه الاستغفار وهو الإيمان بالله وإفراده بالعبادة، وهذا كما يرد الأمر والنهي على الكافر ولايصح الامتثال إلاّ بشرط الإيمان. ومعنى {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ } أدعو الله في هدايتك فيغفر لك بالإيمان ولا يتأول على إبراهيمعليه السلام أنه لم يعلم أن الله لا يغفر لكافر. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون إبراهيم عليه السلام أولنبيّ أوحي إليه أن الله لا يغفر لكافر لأن هذه الطريقة إنما طريقها السمع، وكانت هذه المقالة منه لأبيه قبلأن يوحى إليه، وذلك أنه إنما تبين له في أبيه أنه عدو لله بأحد وجهين: إما بموته على الكفر كماروي، وإما أن يوحي إليه الحتم عليه. وقال الزمخشري: ولقائل أن يقول الذي يمنع من الاستغفار للكافر إنما هوالسمع، فأما القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع بناء على قضية العقل،والذي يدل على صحته قوله تعالى إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ فلو كان شارطاً للإيمان لم يكن مستنكراًومستثنى عما وجبت فيه الأسرة. وقول من قال إنما استغفر له لأنه وعده أن يؤمن من مستدلاً بقوله

{ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ }

فجعل الواعد آزر والموعود إبراهيم عليه السلام ليس بجيد لاعتقابه في هذه الآية الوعد بالاستغفار بعدذلك القول الجافي من قوله {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } الآية. فكيف يكون وعده بالإيمان؟ ولأن الواعد هو إبراهيم ويدل عليهقراءة حماد الراوية وعدها إياه. والحفي المكرم المحتفل الكثير البر والألطاف، وتقدم شرحه لغة في قوله

{ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا }

. وقال ابن عباس: رحيماً. وقال الكلبي: حليماً. وقال القتبي: باراً. وقال السدي: حفيك من يهمه أمرك، ولما كان فيقوله {لارْجُمَنَّكَ } فظاظة وقساوة قلب قابله بالدعاء له بالسلام والأمن ووعده بالاستغفار قضاء لحق الأبوة، وإن كان قد صدرمنه إغلاظ. ولما أمره بهجره الزمان الطويل أخبره بأنه يتمثل أمره ويعتزله وقومه ومعبوداتهم، فهاجر إلى الشام قيل أو إلىحران وكانوا بأرض كوثاء، وفي هجرته هذه تزوج سارة ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر، والأظهر أن قوله {وَأَدْعُو رَبّى} معناه وأعبد ربي كما جاء في الحديث: الدعاء العبادة لقوله {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } ويجوزأن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء

{ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً }

إلى آخره، وعرض بشقاوتهم بدعاء آلهتهمفي قوله {عَسَىٰ أَن * لا * أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } مع التواضع لله في كلمة {عَسَى } ومافيه من هضم النفس. وفي {عَسَى } ترج في ضمنه خوف شديد، ولما فارق الكفار وأرضهم أبدله منهم أولاداً أنبياء،والأرض المقدّسة فكان فيها ويتردد إلى مكة فولد له إسحاق وابنه يعقوب تسلية له وشدّاً لعضده، وإسحاق أصغر من إسماعيل،ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة ثم حملت بإسحاق. وقوله {مِن رَّحْمَتِنَا } قال الحسن: هي النبوة. وقال الكلبي:المال والولد، والأحسن أن يكون الخير الديني والدنيوي من العلم والمنزلة والشرف في الدنيا والنعيم في الآخرة. ولسان الصدق: الثناءالحسن الباقي عليهم آخر الإبد قاله ابن عباس، وعبر باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية. واللسان فيكلام العرب الرسالة الرائعة كانت في خير أو شر. قال الشاعر:

إني أتتني لسان لا أسر بها    

وقال آخر:

ندمت على لسان كان مني    

ولسان العرب لغتهم وكلامهم. استجاب الله دعوته {وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ } في الآخرين فصيره قدوةحتى عظمه أهل الأديان كلهم وادعوه. وقال تعالى

{ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ }

و

{ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً }

{ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا }

وأعطى ذلك ذريته فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم، كما أعلى ذكرهم وأثنى عليهم كما أعلى ذكرهوأثنى عليه. جثا: قعد على ركبتيه، وهي قعدة الخائف الذليل يجثو ويجثي جثواً وجثاية. حتم الأمر: أوجبه. الندى والنادي:المجلس الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة. وقيل: مجلس أهل الندى وهو الكرم. وقيل: المجلس فيه الجماعة. قال حاتم:

فدعيت في أولى الندى     ولم ينظر إليّ بأعين خزر

الري: مصدر رويت من الماء، واسم مفعول أيمروي قاله أبو علي. الزي: محاسن مجموعة من الزي وهو الجمع. كلا: حرف ردع وزجر عند الخليل وسيبويه والأخفش والمبردوعامة البصريين، وذهب الكسائي ونصر بن يوسف وابن واصل وابن الأنباري إلى أنها بمعنى حقاً، وذهب النضر بن شميل إلىأنها حرف تصديق بمعنى نعم، وقد تستعمل مع القسم. وذهب عبد الله بن محمد الباهلي إلى أن كلا رد لماقبلها فيجوز الوقف عليها وما بعدها استئناف، وتكون أيضاً صلة للكلام بمنزلة إي والكلام على هذه المذاهب مذكور في النحو.الضد: العون يقال: من أضداد أي أعوانكم، وكان العون سمي ضداً لأنه يضاد عدوك وينافيه بإعانته لك عليه: الأز والهزوالاستفزاز أخوات، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج، ومنه أزيز المرجل وهو غليانه وحركته. وفد يفد وفداً ووفوداً ووفادة: قدم على سبيلالتكرمة، الأدّ والإدّ: بفتح الهمزة وكسرها العجب. وقيل: العظيم المنكر والأدّة الشدة، وأدنيّ الأمر وآدني أثقلني وعظم علي أدّاً. الهد:قال الجوهري هدّاً البناء هداً كسره. وقال المبرد: هو سقوط بصوت شديد، والهدة صوت وقع الحائط ونحوه يقال: هديهد بالكسرهديداً. وقال الليث: الهد الهدم الشديد. الركز: الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح غيب طرفه في الأرض، والركاز المال المدفون. وقيل:الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم. قال الشاعر:

فتوجست ركز الأنيس فراعها     عن ظهر غيب والأنيس سقامها

{وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلاْيْمَنِوَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً * وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَرَسُولاً نَّبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً * وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاًنَّبِيَّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً * أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِن ذُرّيَّةِ * ءادَمَ * وَمِمَّنْ حَمَلْنَامَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْرٰءيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }. قرأالكوفيون {مُخْلِصاً } بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيـى وقتادة، أي أخلصه الله للعبادة والنبوة. كما قال تعالى

{ إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ }

. وقرأ باقي السبعة والجمهور بكسر اللام أي أخلص العبادة عن الشرك والرياء، أو أخلص نفسهوأسلم وجهه لله. ونداؤه إياه هو تكليمه تعالى إياه. و{ٱلطُّورِ } الجبل المشهور بالشام، والظاهر أن {ٱلاْيْمَـٰنَ } صفة للجانبلقوله في آية أخرى

{ جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلاْيْمَنِ }

بنصب الأيمن نعتاً لجانب الطور، والجبل نفسه لا يمنة له ولا يسرةولكن كان على يمين موسى بحسب وقوفه فيه، وإن كان من اليمن احتمل أن يكون صفة للجانب وهو الراجح ليوافقذلك في الآيتين، واحتمل أن يكون صفة للطور إذ معناه الأسعد المبارك. قال ابن القشيري: في الكلام حذف وتقديره{وَنَـٰدَيْنَـٰهُ } حين أقبل من مدين ورأى النار من الشجرة وهو يريد من يهديه إلى طريق مصر {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} أي من ناحية الجبل. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } قال الجمهور: تقريب التشريف والكلام واليوم. وقال ابن عباس: أدنى موسى منالملكوت ورفعت له الحجب حتى سمع صريف الأقلام، وقاله أبو العالية وميسرة. وقال سعيد: أردفه جبريل عليه السلام. قال الزمخشري:شبهه بمن قربه بعض العظماء للمناجاة حيث كلمه بغير واسطة ملك انتهى. ونجي فعيل من المناجاة بمعنى مناج كالجليس، وهوالمنفرد بالمناجاة وهي المسارة بالقول. وقال قتادة: معنى نجاه صدقه ومن في من رحمتنا للسبب أي من أجل رحمتنا لهأو للتبعيض أي بعض رحمتنا. قال الزمخشري: و{أَخَاهُ } على هذا الوجه بدل و{هَـٰرُونَ } عطف بيان كقولك رأيترجلاً أخاك زيداً انتهى. والذي يظهر أن أخاه مفعول بقوله {وَوَهَبْنَا } ولا ترادف من بعضاً فتبدل منها، وكان هارونأسن من موسى طلب من الله أن يشد أزره بنبوته ومعونته فأجابه و{إِسْمَـٰعِيلَ } هو ابن إبراهيم أبو العرب يمينهاومضريها وهو قول الجمهور. وقيل: إنه إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فشجوا جلدة رأسه فخيره فيما شاء منعذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته، وصدق وعده أنه كانت منه مواعيد لله وللناس فوفى بالجميع،فلذلك خص بصدق الوعد. قال ابن جريج: لم يعد ربه موعدة إلاّ أنجزها، فمن مواعيده الصبر وتسليم نفسه للذبح، ووعدرجلاً أن يقيم له بمكان فغاب عنه مدة. قيل: سنة. وقيل: اثني عشر يوماً فجاءه، فقال: أما برحت من مكانك؟فقال: لا والله، ما كنت لأخلف موعدي. {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ }. قال الحسن: قومه وأمته، وفي مصحف عبد اللهوكان يأمر قومه. وقال الزمخشري: كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائرالناس

{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلاْقْرَبِينَ }

و

{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة }

{ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }

أي ترى أنهم أحق بالتصدق عليهمبالإحسان الديني أولى. وقيل: {أَهْلِهِ } أمته كلهم من القرابة وغيرهم، لأن أمم النبيين في عداد أهاليهم، وفيه أن حقالصالح أن لا يألو نصحاً للأجانب فضلاً عن الأقارب والمتصلين به، وأن يخطيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في ذلك انتهى.وقال أيضاً ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً له وإكراماً كالتلقيب نحوالحليم الأواه والصديق، ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. وقرأ الجمهور {رَضِيّاً } وهو اسم مفعول أي مرضوو فأعل بقلبواوه ياء لأنها طرف بعد واو ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين فكأنها وليت حركة، ولو بنيت من ذوات الواو مفعلاًلصار مفعلاً لأن الواو لا تكون طرفاً وقبلها متحرك في الأسماء المتمكنة غير المتقيدة بالإضافة، ألا ترى أنهم حين سموابيغزو الغازي من الضمير قالوا: بغز حين صار اسماً، وهذا الإعلال أرجح من التصحيح، ولأنه اعتل في رضي وفي رضيانتثنية رضي. وقرأ ابن أبي عبلة: مرضواً مصححاً. وقالت العرب: أرض مسنية ومسنوة، وهي التي تستقي بالسواني. و{إِدْرِيسَ }هو جد أبي نوح وهو أخنوخ، وهو أول من نظر في النجوم والحساب، وجعله الله من معجزاته وأول من خطبالقلم وخاط الثياب ولبس المخيط، وكان خياطاً وكانوا قبل يلبسون الجلود، وأول مرسل بعد آدم وأول من اتخذ الموازين والمكاييلوالأسلحة فقاتل بني قابيل. وقال ابن مسعود: هو إلياس بعث إلى قومه بأن يقولوا لا إلٰه إلاّ الله ويعملوا ماشاؤوا فأبوا وأهلكوا. و{إِدْرِيسَ } اسم أعجمي منع من الصرف للعلمية والعجمة، ولا جائز أن يكون إفعيلاً من الدرس كماقال بعضهم لأنه كان يجب صرفه إذ ليس فيه إلاّ سبب واحد وهو العلمية. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونمعنى {إِدْرِيسَ } في تلك اللغة قريباً من ذلك أي من معنى الدرس، فحسبه القائل مشتقاً من الدرس. والمكان العليشرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة انتهى. وقاله جماعة وهو رفع النبوة والتشريف والمنزلة فيالسماء كسائر الأنبياء. وقيل: بل رفع إلى السماء. قال ابن عباس: كان ذلك بأمر الله كما رفع عيسى كان لهخليل من الملائكة فحمله على جناحه وصعد به حتى بلغ السماء الرابعة، فلقي هنالك ملك الموت فقال له: إنه قيللي اهبط إلى السماء الرابعة فاقبض فيها روح إدريس وإتي لأعجب كيف يكون هذا، فقال له الملك الصاعد: هذا إدريسمعي فقبض روحه. وروي أن هذا كله كان في السماء السادسة قاله ابن عباس. وكذلك هي رتبته في حديث الإسراءفي بعض الروايات من حديث أبي هريرة وأنس يقتضي أنه في السماء الرابعة. وعن الحسن: إلى الجنة لا شيء أعلىمن الجنة. وقال قتادة: يعبد الله مع الملائكة في السماء السابعة، وتارة يرفع في الجنة حيث شاء. وقال مقاتل: هوميت في السماء. {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى من تقدم ذكره في هذه السورة من الأنبياء و{مِنْ } في {مّنَٱلنَّبِيّيْنَ } للبيان، لأن جميع الأنبياء منعم عليهم و{مِنْ } الثانية للتبعيض، وكان إدريس {مِن ذُرّيَّةِ * ءادَمَ } لقربهمنه لأنه جد أبي نوح وإبراهيم من ذرية من حمل من نوح، لأنه من ولد سام بن نوح {وَمِن ذُرّيَّةِإِبْرٰهِيمَ } إسحاق وإسماعيل ويعقوب وإسرائيل معطوف على إبراهيم، وزكريا ويحيـى وموسى وهارون من ذرية إسرائيل، وكذلك عيسى لأن مريممن ذريته. {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } يحتمل العطف على {مِنْ } الأولى أو الثانية، والظاهر أن {ٱلَّذِينَ } خبر لأولئك.{وَإِذَا تُتْلَىٰ } كلام مستأنف، ويجوز أن يكون {ٱلَّذِينَ } صفة لأولئك والجملة الشرطية خبر. وقرأ الجمهور {تُتْلَىٰ } بتاءالتأنيث. وقرأ عبد الله وأبو جعفر وشيبة وشبل بن عباد وأبو حيوة وعبد الله بن أحمد العجلي عن حمزة وقتيبةفي رواية وورش في رواية النحاس، وابن ذكوان في رواية التغلي بالياء. وانتصب {سُجَّدًا } على الحال المقدرة قاله الزجاجلأنه حال خروره لا يكون ساجداً، والبكي جمع باك كشاهد وشهود، ولا يحفظ فيه جمعه المقيس وهو فعلة كرام ورماةوالقياس يقتضيه. وقرأ الجمهور {*بكياً} بضم الباء وعبد الله ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي بكسرها اتباعاً لحركة الكاف كعصي ودلي،والذي يظهر أنه جمع لمناسبة الجمع قبله. قيل: ويجوز أن يكون مصدر البكا بمعنى بمكاء، وأصله بكو وكجلس جلوساً. وقالابن عطية: و{*بكياً} بكسر الباء وهو مصدر لا يحتمل غير ذلك انتهى. وقوله ليس بسديد لأن اتباع حركة الكاف لاتعين المصدرية، ألا تراهم قروؤا {جَهَنَّمَ جِثِيّاً } بكسر الجيم جمع جاث، وقالوا عصي فاتبعوا. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌأَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً * إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ *شَيْئاً * جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلَـٰماًوَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِرَبّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَّبُّ }. نزل {فَخَلَفَ} في اليهود عن ابن عباس ومقاتل، وفيهم وفي النصارى عن السدي، وفي قوم من أمّة الرسول يأتون عند ذهابصالحيها يتبارزون بالزنا ينزو في الأزقة بعضهم على بعض عن مجاهد وقتادة وعطاء ومحمد بن كعب القرظي. وعن وهب: همشرابو القهوة، وتقدم الكلام على {خَلْفٌ } في الأعراف، وإضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها قاله ابن مسعود والنخعي والقاسم بنمخيمرة ومجاهد وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز. وقال القرظي واختاره الزجاج: إضاعتها الإخلال بشروطها. وقيل: إقامتها في غير الجماعات. وقيل:عدم اعتقاد وجوبها. وقيل: تعطيل المساجد والاشتغال بالصنائع. والاسباب، و{ٱلشَّهَوٰتِ } عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة وذكر الله.وعن عليّ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور. وقرأ عبد الله والحسن وأبو رزين العقيلي والضحاك وابن مقسم الصلواتجمعاً. والغيّ عند العرب كل شر، والرشاد كل خير. قال الشاعر:

فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره     ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً

وقال الزجاج: هو على حذف مضاف أي جزاء غي كقوله

{ يَلْقَ أَثَاماً }

أيمجازة آثام. وقال ابن زيد: الغي الخسران والحصول في الورطات. وقال عبد الله بن عمرو وابن مسعود وكعب: غيّ وادفي جهنم. وقال ابن زيد: ضلال. وقال الزمخشري: أو {غَيّاً } عن طريق الجنة. وحكى الكرماني: آبار في جهنم يسيلإليها الصديد والقيح. وقيل: هلاك. وقيل: شر. وقرىء فيما حكى الأخفش {يُلْقُون } بضم الياء وفتح اللام وشد القاف. {إِلاَّمَن تَابَ } استثناء ظاهره الاتصال. وقال الزجاج: منقطع {وَامَنَ } هذا يدل على أن تلك الإضاعة كفر، وقرأ الحسن{يَدْخُلُونَ } مبنياً للفاعل، وكذا كل ما في القرآن من {يَدْخُلُونَ }. وقرأ كذلك هنا الزهري وحميد وشيبة والأعمش وابنأبي ليلى وابن مناذر وابن سعدان. وقرأ ابن غزوان عن طلحة: سيدخلون بسين الاستقبال مبنياً للفاعل. وقرأ الجمهور جناتنصباً جمعاً بدلاً من {ٱلْجَنَّةِ } {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } اعتراض أو حال. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمروالأعمش وأحمد بن موسى عن أبي عمر و{جَنَّـٰتُ } رفعاً جمعاً أي تلك جنات وقال الزمخشري الرفع على الابتداء انتهىيعني والخبر {ٱلَّتِى }. وقرأ الحسن بن حي وعليّ بن صالح جنة عدن نصباً مفرداً ورويت عن الأعمش وهي كذلكفي مصحف عبد الله. وقرأ اليماني والحسن وإسحاق الأزرق عن حمزة جنة رفعاً مفرداً و{عَدْنٍ } إن كان علماً شخصياًكان التي نعتاً لما أضيف إلى {عَدْنٍ } وإن كان المعنى إقامة كان {ٱلَّتِى } بدلاً. وقال الزمخشري: {عَدْنٍ} معرفة علم لمعنى العدن وهو الإقامة، كما جعلوا فينة وسحر وأمس في من لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحروالأمس، فجرى العدن كذلك. أو هو علم الأرض الجنة لكونها مكان إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال لأن النكرة لاتبدل من المعرفة إلاّ موصوفة، ولما ساغ وصفها بالتي انتهى. وما ذكره متعقب. أما دعواه أن عدناً علم لمعنىالعدن فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه. وأما قوله ولو لا ذلك إلى قوله موصوفةفليس مذهب البصريين لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة وإن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون وهممحجوجون بالسماع علم ما بيناه في كتبنا في النحو، فملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها بالتي فلا يتعين كونالتي صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً و{بِٱلْغَيْبِ } حال أي وعدها وهي غائبة عنهم أو وهم غائبون عنهالا يشاهدونها، ويحتمل أن تكون الباء للسبب أي بتصديق الغيب والإيمان به. وقال أبو مسلم: المراد الذين يكونون عباداً بالغيبأي الذين يعبدونه في السر، والظاهر أن {وَعْدَهُ } مصدر. فقيل: {مَأْتِيّاً } بمعنى آتياً. وقيل: هو على موضوعه منأنه اسم المفعول. وقال الزمخشري: {مَأْتِيّاً } مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها، أو هو منقولك أتى إليه إحساناً أي كان وعده مفعولاً منجزاً، والقول الثاني وهو قوله: والوجه مأخوذ من قول ابن جريج قال:{وَعْدَهُ } هنا موعوده وهو الجنة، و{مَأْتِيّاً } يأتيه أولياؤه انتهى. {إِلاَّ سَلَـٰماً } استثناء منقطع وهو قول الملائكة

{ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ }

. وقيل: يسلم الله عليهم عند دخولها. ومعنى {بُكْرَةً وَعَشِيّاً } يأتيهم طعامهم مرتين في مقداراليوم والليلة من الزمن. وقال مجاهد: لا بكرة ولا عشي ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. وقدذكر نحوه قتادة أن تكون مخاطبة بما تعرف العرب في رفاهة العيش. وقال الحسن: خوطبوا على ما كانت العرب تعلممن أفضل العيش، وذلك أن كثيراً من العرب إنما كان يجد الطعام المرة في اليوم، وكان عيش أكثرهم من شجرالبرية ومن الحيوان. وقال الزمخشري: اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته، وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائهحيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. وما أحسن قوله

{ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً }

{ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ }

الآية أي أن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم {لَغْواً } فلا يسمعونلغواً إلاّ ذلك فهو من وادي قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم     بهن فلول من قراع الكتائب

أو {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } إلاّ قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة على الاستثناء المنقطع، أو لأن معنى السلام هوالدعاء بالسلامة، ودار السلام هي دار السلامة وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء. فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولاما فيه من فائدة الكلام. وقال أيضاً: ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير. ولأن المتنعم عند العربمن وجد غداءً وعشاءً. وقيل: أراد دوام الرزق ودروره كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساءً وبكرةً وعشياً، ولا يقصدالوقتين المعلومين انتهى. وقرأ الجمهور {نُورِثُ } مضارع أورث، والأعمش نورثها بإبراز الضمير العائد على الموصول، والحسن والأعرج وقتادةورويس وحميد وابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمر وبفتح الواو وتشديد الراء. والتوريث استعارة أي تبقى عليهالجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث، والأتقياء يلقون ربهم قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة، فقد أورثهم منتقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى. وقيل: أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا. {وَمَانَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } أبطأ جبريل عن الرسول مرة، فلما جاء قال: يا جبريل قداشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت. وقال مجاهد والضحاك: سببها أن جبريل عليه السلام تأخر في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف وهي كالتيفي الضحى، وتنزل تفعل وهي للمطاوعة وهي أحد معاني تفعل، تقول: نزلته فتنزل فتكون لمواصلة العمل في مهلة، وقد تكونلا يلحظ فيه ذلك إذا كان بمعنى المجرد كقولهم: تعدى الشيء وعداه ولا يكون مطاوعاً فيكون تنزل في معنى نزل.كما قال الشاعر:

فلست لأنسى ولكن لملاك     تنزل من جو السماء يصوب

وقال الزمخشري: التنزل علىمعنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق. كقوله:فلست لأنسى البيت لأنه مطاوع نزّل ونزّل يكون بمعنى أنزلوبمعنى التدريج واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتاً غبّ وقت انتهى. وقالابن عطية: وهذه الواو التي في قوله {وَمَا نَتَنَزَّلُ } هي عاطفة جملة كلام على أخرى واصلة بين القولين، وإنلم يكن معناهما واحداً. وحكى النقاش عن قوم أن قوله و{مَا * نَتَنَزَّلُ } متصل بقوله

{ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً }

وهذا قول ضعيف انتهى. والذي يظهر في مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالىلما ذكر قصة زكريا ومريم وذكر إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس ثم ذكر أنهم أنعم تعالى عليهم وقال

{ وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ }

وكان رسول الله ﷺ من ذرية إبراهيم، وذكر تعالى أنه خلف بعد هؤلاء خلف وهم اليهودوالنصارى أصحاب الكتب لأن غيرهم لا يقال فيهم أضاعوا الصلاة إنما يقال ذلك فيمن كانت له شريعة فرض عليهم فيهاالصلاة بوحي من الله تعالى، وكان اليهود هم سبب سؤال قريش للنبيّ ﷺ تلك المسائل الثلاث، وأبطأالوحي عنه ففرحت بذلك قريش واليهود وكان ذلك من اتباع شهواتهم، هذا وهم عالمون بنبوّة رسول الله صلى الله عليهوسلم فأنزل الله تعالى {وَمَا نَتَنَزَّلُ } تنبيهاً على قصة قريش واليهود، وأن أصل تلك القصة إنما حدثت من أولئكالخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وختماً لقصص أولئك المنعم عليهم لمخاطبة أشرفهم محمد ﷺ واستعذاراً منجبريل عليه السلام للرسول بأن ذلك الإبطاء لم يكن منه إذ لا يتنزل إلاّ بأمر الله تعالى، ولما كان إبطاءالوحي سببه قصة السؤال وكونه ﷺ لم يقرن أن يجيبهم بالمشيئة، وكان السؤال متسبباً عن اتباع اليهودشهواتهم وخفيات خبثهم اكتفى بذكر النتيجة المتأخرة عن ذكر ما آثرته شهواتهم الدنيوية وخبثهم. قال أبو العالية: ما بينالأيدي الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى، وما خلف ذلك الآخرة من وقت البعث، وما بين ذلك ما بين النفختين. قالابن عطية: وقول أبي العالية إنما يتصور في بني آدم، وهذه المقالة هي للملائكة فتأمله. وقال ابن جريج: ما بينالأيدي هو ما مر من الزمان قبل الإيجاد، وما خلف هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة، وما بين ذلكهو مدة الحياة. وفي كتاب التحرير والتحبير {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا } الدنيا رواه العوفي عن ابنعباس، وبه قال ابن جبير وقتادة ومقاتل وسفيان. وقال مجاهد: عكسه. وقال الأخفش: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } قبل أن نخلق{وَمَا خَلْفَنَا } بعد الفناء {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } ما بين الدنيا والآخرة. وقال مجاهد وعكرمة وأبو العالية: ما بينالنفختين. وقال الأخفش: حين كوننا. وقال صاحب الغينان: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } نزول الملائكة من السماء، {وَمَا خَلْفَنَا } منالأرض {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } ما بين السماء والأرض. قال ابن القشيري مثل قول ابن جريج، ثم قال: حصر الأزمنةالثلاثة وهي أن كلها لله هو منشئها ومدبر أمرها على ما يشاء من تقديم إنزال وتأخيره انتهى. وفيه بعض تلخيصوتصرف. وقال ابن عطية: إنما القصد الإشعار بملك الله تعالى لملائكته، وأن قليل تصرفهم وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهممن مكان إلى مكان إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم له، فلو ذهب بالآية إلى أن المراد بما بينالأيدي وما خلف الأمكنة التي فيها تصرفهم والمراد بما بين ذلك هم أنفسهم ومقاماتهم لكان وجهاً كأنه قال: نحن مقيدونبالقدرة لا ننتقل ولا نتنزل إلاّ بأمر ربك انتهى. وما قاله فيه ابن عطية له إلى آخره ذهب إلى نحوهالزمخشري قال له: ما قدامنا وما خلفنا من الجهات والأماكن.وما بين ذلك فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهةومكان إلى مكان إلاّ بأمر المليك ومشيئته، والمعنى أنه محيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، فكيف نقدم على فعلنحدثه إلاّ صادراً عما توجبه حكمته ويأمرنا ويأذن لنا فيه انتهى. وقال البغوي: له علم ما بين أيدينا. وقالأبو مسلم وابن بحر: {وَمَا نَتَنَزَّلُ } الآية ليس من كلام الملائكة وإنما هو من كلام أهل الجنة بعضهم لبعضإذا دخلوها وهي متصلة بالآية الأولى إلى قوله {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } أي ما ننزل الجنة إلاّ بأمر ربك له{مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } أي في الجنة مستقبلاً {وَمَا خَلْفَنَا } مما كان في الدنيا وما بينهما أي ما بينالوقتين. وحكى الزمخشري هذا القول فقال: وقيل هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة أي وما ننزل الجنة إلاّ بإذنمن الله علينا بثواب أعمالنا وأرنا بدخولها وهو الملك لرقاب الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة، اللاطف في أعمال الخير والموفقلها والمجازي عليها. ثم قال تعالى تقريراً لهم {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } لأعمال العاملين غافلاً عما يجب أنيثابوا به، وكيف يجوز النسيان والغفلة على ذي ملكوت السموات والأرض وما بينهما انتهى. وقال القاضي: هذا مخالف للظاهر منوجوه. أحدهما: أن ظاهر التنزيل نزول الملائكة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولقوله {بِأَمْرِ رَبّكَ } فظاهر الأمر بحالالتكليف أليق. وثانيها: خطاب من جماعة لواحد، وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض في الجنة. وثالثها: أن مافي مساقه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * وَمَا بَيْنَهُمَا } لا يليق بحال التكليف ولايوصف به الرسول انتهى. وقرأ الجمهور {وَمَا نَتَنَزَّلُ } بالنون عنى جبريل نفسه والملائكة. وقرأ الأعرج بالياء على أنهخبر من الله. قيل: والضمير في يتنزل عائد على جبريل عليه السلام. قال ابن عطية: ويردّه له {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} لأنه لا يطرد معه وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أن القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله فيالأوقات التي يقدرها وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي انتهى. ويحمل ذلك القول على إضمار أي ومايتنزل جبريل إلاّ بأمر ربك قائلاً له {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } أي يقول ذلك على سبيل الاستعذار في البطء عنكبأن ربك متصرف فينا ليس لنا أن نتصرف إلاّ بمشيئته، وإخبار أنه تعالى ليس بناسيك وإن تأخر عنك الوحي.وارتفع {رَبّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ } على البدل أو على خبر مبتدأ محذوف. وقرأ الجمهور {هَلْ تَعْلَمُ } بإظهار اللام عندالتاء. وقرأ الأخوان وهشام وعليّ بن نصر وهارون كلاهما عن أبي عمرو والحسن والأعمش وعيسى وابن محيصن بالإدغام فيهما. قالأبو عبيدة هما لغتان وعلى الإدغام أنشدوا بيت مزاحم العقيلي:

فذرذا ولكن هثعين متيما     على ضوء برق آخر الليل ناصب

وعدي فاصطبر باللام على سبيل التضمين أي اثبت بالصبر لعبادته لأن العبادة تورد شدائد، فاثبت لها وأصلهالتعدية بعلى كقوله تعالى

{ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا }

والسميّ من توافق في الاسم تقول: هذا سميك أي اسمه مثل اسمك، فالمعنىأنه لم يسم بلفظ الله شيء قط، وكان المشركون يسمون أصنامهم آلهة والعزّى إله وأما لفظ الله فلم يطلقوه علىشيء من أصنامهم. وعن ابن عباس: لا يسمى أحد الرحمن غيره. وقيل: يحتمل أن يعود ذلك على قوله {رَبّ *ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * وَمَا بَيْنَهُمَا } أي هل تعلم من يسمى أو يوصف بهذا الوصف، أي ليس أحد من الأمميسمى شيئاً بهذا الاسم سوى الله. وقال مجاهد وابن جبير وقتادة {سَمِيّاً } مثلاً وشبيهاً، وروي ذلك عن ابن عباسأيضاً. قال ابن عطية: وكان السميّ بمعنى المسامي والمضاهي فهو من السمو، وهذا قول حسن ولا يحسن في ذكر يحيـىانتهى. يعني لم نجعل له من قبل {سَمِيّاً }. وقال غيره: يقال فلان سميّ فلان إذا شاركه في اللفظ، وسمِّيهإذا كان مماثلاً له في صفاته الجميلة ومناقبه. ومنه قول الشاعر:

فأنت سمي للزبير ولست للزبيرسمياً إذ غدا ما له مثل    

وقال الزجاج: هل تعلم أحداً يستحق أن يقال له خالق وقادراً إلاّ هو. وقال الضحاك: ولداً رداًعلى من يقول ولد الله. {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ }. قيل: سبب النزول أن رجلاً من قريش قيل هو أُبَيّبن خلف جاء بعظم رفات فنفخ فيه، وقال للرسول: أيبعث هذا؟ وكذب وسخر، وإسناد هذه المقالة للجنس بما صدر منبعضهم. كقول الفرزدق:

فسيف بني عبس وقد ضربوا به     نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد

أسند الضربإلى بني عبس مع قوله نبا بيدي، ورقاء وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، أو للجنس الكافر المنكر للبعثأو المعنى أُبَيّ بن خلف، أو العاصي بن وائل، أو أبو جهل، أو الوليد بن المغيرة أقوال. وقرأالجمهور {*أئذا} بهمزة الاستفهام. وقرأت فرقة منهم ابن ذكوان بخلاف عنه إذا بدون همزة الاستفهام. وقرأ الجمهور {مِتُّ لَسَوْفَ }باللام. وقرأ طلحة بن مصرف سأخرج بغير لام وسين الاستقبال عوض سوف، فعلى قراءته تكون إذا معمولاً لقوله سأخرج لأنحرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده من الفعل فيما قبله، على أن فيه خلافاً شاذاً وصاحبه محجوج بالسماع.قال الشاعر:

فلما رأته آمناً هان وجدها     وقالت أبونا هكذا سوف يفعل

فهكذا منصوببينفعل وهو بحرف الاستقبال. وحكى الزمخشري أن طلحة بن مصرف قرأ لسأخرج، وأما على قراءة الجمهور وما نقله الزمخشري منقراءة طلحة فاللام لام الابتداء فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيقدر العالمل محذوفاً من معنى {لَسَوْفَ أُخْرَجُ } تقديرهإذا ما مت أبعث. وقال الزمخشري: فإن قلت لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرفالاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلاّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف انتهى.وما ذكر من أن اللام تعطي معنى الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يقول ذلك يسقط السؤال، وأما قولهكما أخلصت الهمزة إلى آخره فليس ذلك إلاّ على مذهب من يزعم أن الأصل فيه أله، وأما من يزعم أنأصله لاه فلا تكون الهمزة فيه للتعويض إذ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا إن أصله إله وحذفت فاء الكلمةلم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض، إذ لو كانت للعوض من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولماجاز حذفها في النداء قالوا: يا الله بحذفها وقد نصوا على أن قطع همزة الوصل في النداء شاذ. وقال ابنعطية: واللام في قوله {لَسَوْفَ } مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى كأن قائلاً قال للكافر: إذا مت يافلان لسوف تخرج حياً، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول انتهى. ولا يحتاج إلىهذا التقدير ولا أن هذا حكاية لقول تقدم، بل هذا من الكافر استفهام فيه معنى الجحد والإنكار، ومن قرأ إذاما أن تكون حذفت الهمزة لدلالة المعنى عليه، وإما أن يكون إخباراً على سبيل الهزء والسخرية بمن يقول ذلك إذلم يرد به مطابقة للفظ للمعنى. وقرأ الجمهور {أَخْرَجَ } مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن وأبو حيوة مبنياً للفاعل. وقال الزمخشري:وإيلاؤه أي وإيلاء الظرف حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهمفهو كقولك للمسيء إلى المحسن أحين تمت عليك نعمة فلأن أسأت إليه. وقرأ أبو بحرية والحسن وشيبة وابن أبيليلى وابن مناذر وأبو حاتم ومن السبعة عاصم وابن عامر ونافع {أَوْ لاَ * يُذْكَرِ } خفيفاً مضارع ذكر. وقرأباقي السبعة بفتح الذال والكاف وتشديدهما أصله يتذكر أدغم التاء في الذال. وقرأ أُبَيّ يتذكر على الأصل. قال الزمخشري: الواوعاطفة لا يذكر على يقول، وسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف انتهى. وهذا رجوع منه إلى مذهب الجماعةمن أن حرف العطف إذا تقدمته الهمزة فإنما عطف ما بعدها على ما قبلها، وقدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام،وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة والحرف ما يصلح أن يعطف عليه ما بعد الواو الهمزة على حالها، وليست مقدمةمن تأخير وقد رددنا عليه هذه المقالة. {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ } أي أنشأناه واخترعناه من العدم الصرف إلىالوجود، فكيف ينكر النشأة الثانية وهذه الحجة في غاية الاختصار والإلزام للخصم، ويسمى هذا النوع الاحتجاج النظري وبعضهم يسميه المذهبالكلامي، وقد تكرر هذا الاحتجاج في القرآن: {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } إشارة إلى العدم الصرف وانتفاء الشيئية عنه يدل علىأن المعدوم لا يسمى شيئاً. وقال أبو علي الفارسي: {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } موجود أو هي نزعة اعتزالية والمحذوف المضافإليه {قَبْلُ } في التقدير قدره بعضهم {مِن قَبْلُ } بعثه، وقدره الزمخشري {مِن قَبْلُ } الحالة التي هو فيهاوهي حالة بقائه انتهى. ولما أقام تعالى الحجة الدامغة على حقية البعث أقسم على ذلك باسمه مضافاً إلى رسولهتشريفاً له وتفخيماً، وقد تكرر هذا القسم في القرآن تعظيماً لحقه ورفعاً منه كما رفع من شأن السماء والأرض بقوله

{ فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ }

والواو في {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } للعطف أو بمعنى مع يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذينأغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة وهذا إذا كان الضمير في {لَنَحْشُرَنَّهُمْ } للكفرة وهو قول ابن عطيةوما جاء بعد ذلك فهو من الإخبار عنهم وبدأ به الزمخشري، والظاهر أنه عام للخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم ولم يفرقبين المؤمنين والكافرين كما فرق في الجزاء، وأحضروا جميعاً وأوردوا النار ليعاين المؤمنون الأهوال التي نجوا منها فيسروا بذلك ويشمتوابأعدائهم الكفار، وإذا كان الضمير عاماً فالمعنى يتجاثون عند موافاة شاطىء جهنم كما كانوا في الموقف متجاثين لأنه من توابعالتوافق للحساب قبل الوصول إلى الثواب والعقاب. وقال تعالى في حالة الموقف

{ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا }

و{جِثِيّاً } حال مقدرة. وعن ابن عباس: قعوداً، وعنه جماعات جمع جثوة وهو المجموع من التراب والحجارة. وقالمجاهد والحسن والزجاج: على الركب. وقال السدّي قياماً على الركب لضيق المكان بهم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {جِثِيّاً }و{عِتِيّاً } و{صِلِيّاً } بكسر الجيم والعين والصاد والجمهور بضمها {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ } أي لنخرجن كقوله

{ وَنَزَعَ يَدَهُ }

. وقيل:لنرمين من نزع القوس وهو الرمي بالسهم، والشيعة الجماعة المرتبطة بمذهب. قال أبو الأحوص: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً. وقال الزمخشري:يمتاز من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فأعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب فقدمأولاهم بالعذاب فأولاهم، والضمير في {أَيُّهُم } عائد على المحشورين المحضرين. وقرأ الجمهور {أَيُّهُم } بالرفع وهي حركة بناء علىمذهب سيبويه، فأيهم مفعول بننزعن وهي موصولة: و{أَشَدَّ } خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة لأيهم وحركة إعراب على مذهب الخليلويونس على اختلاف في التخريج. و{أَيُّهُمْ أَشَدُّ } مبتدأ وخبر محكي على مذهب الخليل أي الذين يقال فيهم {أَيُّهُمْ أَشَدُّ}. وفي موضع نصب فيعلق عنه {لَنَنزِعَنَّ } على مذهب يونس، والترجيح بين هذه المذاهب مذكور في علم النحو. وقالالزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على من كل شيعة كقوله

{ وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا }

أي {لَنَنزِعَنَّ } بعض{كُلّ شِيعَةٍ } فكأن قائلاً قال: من هم؟ فقيل إنهم أشد {عِتِيّاً } انتهى. فتكون {أَيُّهُم } موصولة خبر مبتدأمحذوف، وهذا تكلف وادعاء إضمار لا ضرورة تدعو إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين، وقرن الخليل تخريجه بقولالشاعر:

ولقد أبيت من الفتاة بمنزل     فأبيت لا حرج ولا محروم

أي فأبيت يقال فيّ لاحرج ولا محروم، ورجح الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبويه في هذه المسألة. قال سيبويه: ويلزم علىهذا أن يجوز اضرب السارق الخبيث الذي يقال له قبل، وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلطالفعل على المفرد أعظم منه على الجملة. ومذهب الكسائي أن معنى {لَنَنزِعَنَّ } لنناذين فعومل معاملته فلم تعمل في أيانتهى. ونقل هذا عن الفراء. قال المهدوي: ونادى تعلق إذا كان بعده جملة نصب فتعمل في المعنى ولا تعمل فياللفظ. وقال المبرد: {أَيُّهُم } متعلق بشيعة، فلذلك ارتفع والمعنى من الذين تشايعوا {أَيُّهُمْ أَشَدُّ } كأنهم يتبادرون إلى هذا،ويلزم أن يقدر مفعولاً {لَنَنزِعَنَّ } محذوفاً وقدر أيضاً في هذا المذهب من الذين تشايعوا {أَيُّهُم } أي من الذينتعاونوا فنظروا {أَيُّهُمْ أَشَدُّ }. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي أن التشايع هو التعاون. وحكى أبوبكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول: في {أَيُّهُم } معنى الشرط، تقول: ضربت القوم أيهم غضب، والمعنى إن غضبواأو لم يغضبوا فعلى هذا يكون التقدير إن اشتد عتوهم أو لم يشتد. وقرأ طلحة بن مصرف ومعاذ بن مسلمالهراء أستاذ الفراء وزائدة عن الأعمش {أَيُّهُم } بالنصب مفعولاً بلننزعنّ، وهاتان القراءتان تدلان على أن مذهب سيبويه أنه لايتحتم فيها البناء إذا أضيفت وحذف صدر صلتها، وقد نقل عنه تحتم البناء وينبغي أن يكون فيه على مذهبه البناءوالإعراب. قال أبو عمرو الجرمي: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول لأضربن أيهم قائمبالضم بل بنصبها انتهى. وقال أبو جعفر النحاس: وما علمت أحداً من النحويين إلاّ وقد خطأ سيبويه، وسمعت أبا إسحاقيعني الزجاج يقول: ما تبين أن سيبويه غلط في كتابه إلاّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه أياًوهي مفردة لأنها تضاف فكيف يبنيها وهي مضافة؟. و{عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ } متعلق بأشد. و{عِتِيّاً } تمييز محول من المبتدأتقديره {أَيُّهُم } هو عتوه {أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ } وفي الكلام حذف تقديره فيلقيه في أشد العذاب، أو فيبدأ بعذابهثم بمن دونه إلى آخرهم عذاباً. وفي الحديث: إنه تبدو عنق من النار فتقول: إني أمرت بكل جبار عنيد فتلتقطهم .وفي بعض الآثار: «يحضرون جميعاً حول جهنم مسلسلين مغلولين ثم يقدم الأكفر فالأكفر». قال ابن عباس: {عِتِيّاً } جراءة. وقالمجاهد: فجراً. وقيل: افتراء بلغة تميم. وقيل: {عِتِيّاً } جمع عات فانتصابه على الحال. {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ } أينحن في ذلك النزع لا نضع شيئاً غير موضعه، لأنا قد أحطنا علماً بكل واحد فأولى بصلى النار نعلمه. قالابن جريج: أولى بالخلود. وقال الكلبي {صِلِيّاً } دخولاً. وقيل: لزوماً. وقيل: جمع صال فانتصب على الحال وبها متعلق بأولى.والواو في قوله {وَإِن مّنكُمْ } للعطف. وقال ابن عطية: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } قسم والواو تقتضيه، ويفسره قولالنبيّ ﷺ: من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلاّ تحلة القسم . انتهى. وذهل عنقول النحويين أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلاّ إذا كان الجواب باللام أو بأن، والجواب هنا جاءعلى زعمه بأن النافية فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله والواو تقتضيه يدل على أنها عنده واو القسم،ولا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار، ولا يجوزذلك إلاّ إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما أولوا في قولهم: نعمالسير على بئس العير، أي على عير بئس العير. وقول الشاعر:

والله ما زيد بنام صاحبه    

أي برجل نام صاحبه.وهذه الآية ليست من هذا الضرب إذ لم يحذف المقسم به وقامت صفته مقامه. وقرأ الجمهور {مّنكُمْ } بكافالخطاب، والظاهر أنه عام للخلق وأنه ليس الورود الدخول لجميعهم، فعن ابن مسعود والحسن وقتادة هو الجواز على الصراط لأنالصراط ممدود عليها. وعن ابن عباس: قد يرد الشيء ولم يدخله كقوله

{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ }

ووردت القافلة البلدولم تدخله، ولكن قربت منه أو وصلت إليه. قال الشاعر:

فلما وردن الماء زرقاً جمامة     وضعن عصى الحاضر المتخيم

وتقول العرب: وردنا ماء بني تميم وبني كلب إذا حضروهم ودخلوا بلادهم، وليس يراد به الماء بعينه.وقيل: الخطاب للكفار أي قل لهم يا محمد فيكون الورود في حقهم الدخول، وعلى قول من قال الخطاب عام وأنالمؤمنين والكافرين يدخلون النار ولكن لا تضر المؤمنين، وذكروا كيفية دخول المؤمنين النار بما لا يعجبني نقله في كتابي هذاالشناعة قولهم أن المؤمنين يدخلون النار وإن لم تضرهم. وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة وإن منهم: بالهاء للغيبة علىما تقدم من الضمائر. وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالورود جثوهم حولها وإن أريد الكفار خاصة فالمعنى بيِّن، واسم {كَانَ} مضمر يعود على الورود أي كان ورودهم حتماً أي واجباً قضي به. وقرأ الجمهور {ثُمَّ } بحرف العطف وهذايدل على أن الورود عام. وقرأ عبد الله وابن عباس وأبيّ وعليّ والجحدري وابن أبي ليلى ومعاوية بن قرة ويعقوبثَمَّ بفتح الثاء أي هناك، ووقف ابن أبي ليلى ثمه بهاء السكت. وقرأ الجمهور: {نُنَجّى } بفتح النون وتشديد الجيم.وقرأ يحيـى والأعمش والكسائي وابن محيصن بإسكان النون وتخفيف الجيم. وقرأت فرقة نجي بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة. وقرأ علي:ننحي بحاء مهملة مضارع نحى، ومفعول {ٱتَّقَوْاْ } محذوف أي الشرك والظلم هنا ظلم الكفر. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَابَيّنَاتٍ } نزلت في النضر بن الحارث وأصحابه، كان فقراء الصحابة في خشونة عيش ورثاثة سربال والمشركون يدهنون رؤوسهم ويرجلونشعورهم ويلبسون الحرير وفاخر الملابس، فقالوا للمؤمنين: {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً } أي منزلاً وسكناً {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } ولما أقامالحجة على منكري البعث وأتبعه بما يكون يوم القيامة أخبر عنهم أنهم عارضوا تلك الحجة الدامغة بحسن شارتهم في الدنيا،وذلك عندهم يدل على كرامتهم على الله. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن يتلي بالياء والجمهور بالتاء من فوق كانالمؤمن يتلو على الكافر القرآن وينوه بآيات النبيّ ﷺ فيقول الكافر: إنما يحسن الله لأحب الخلق إليهوينعم على أهل الحق، ونحن قد أنعم علينا دونكم فنحن أغنياء وأنتم فقراء، ونحن أحسن مجلساً وأجمل شارة. ومعنى{بَيّنَـٰتٍ } مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني أو ظاهرات الإعجاز أو حججاً وبراهين. و{بَيّنَـٰتٍ } حال مؤكدة لأن آياته تعالى لاتكون إلاّ بهذا الوصف دائماً. وقرأ الجمهور {مَقَاماً } بفتح الميم. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد والجعفي وأبو حاتمعن أبي عمر وبضم الميم واحتمل الفتح والضم أن يكون مصدراً أو موضع قيام أو إقامة، وانتصابه على التمييز. ثمذكر تعالى كثرة ما أهلك من القرون ممن كان أحسن حالاً منهم في الدنيا تنبيهاً على أنه تعالى يهلكهم ويستأصلشأفتهم كما فعل بغيرهم واتعاظاً لهم إن كانوا ممن يتعظ، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من حسن الأثاث والري،ويعني إهلاك تكذيب لما جاءت به الرسل. و{مّن قَرْنٍ } تبيين لكم و{كَمْ } مفعول بأهلكنا. وقال الزمخشري: و{هُمْأَحْسَنُ } في محل النصب صفة لكم. ألا ترى أنك لو تركت {هُمْ } لم يكن لك بد من نصب{أَحْسَنُ } على الوصفية انتهى. وتابعه أبو البقاء على أن {هُمْ أَحْسَنُ } صفة لكم، ونص أصحابنا على أن {كَمْ} الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها، فعلى هذا يكون {هُمْ أَحْسَنُ } في موضع الصفة لقرن، وجمع لأنالقرن هو مشتمل على أفراد كثيرة فروعي معناه، ولو أفرد الضمير على اللفظ لكان عربياً فصار كلفظ جميع. قال

{ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }

وقال: نحن جميع منتصر فوصفه بالجمع وبالمفرد وتقدم تفسير الأثاث في سورة النحل. وقرأ الجمهور{*ورئياً} بالهمزة من رؤية العين فعل بمعنى مفعول كالطحن والسقي. وقال ابن عباس: الرئي المنظر. وقال الحسن: معناه صوراً. وقالالزهري وأبو جعفر وشيبة وطلحة في رواية الهمداني وأيواب وابن سعدان وابن ذكوان وقالون ورياً بتشديد الياء من غير همز،فاحتمل أن يكون مهموز الأصل من الرواء والمنظر سهلت همزته بإبدالها ياء ثم أدغمت الياء في الياء، واحتمل أن يكونمن الريّ ضد العطش لأن الريان من الماء له من الحسن والنضارة ما يستحب ويستحن، كماله منظر حسن من وجهآخر مما يرى ويقابل. وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش عن عاصم وحميد {*ورئياً} بياء ساكنة بعدها همزة وهو علىالقلب ووزنه فلعا، وكأنه من راء. قال الشاعر:

وكل خليل راءني فهو قائل     من أجل هذا هامة اليوم أو غد

وقرىء ورياءً بياء بعدها ألف بعدها همزة، حكاهها اليزيدي وأصله ورئاء من المراءاة أي يرى بعضهم بعضاً حسنه.وقرأ ابن عباس، فيما روي عنه طلحة ورياً من غير همز ولا تشديد، فتجاسر بعض الناس وقال هي لحن وليسكذلك بل لها توجيه بأن تكون من الرواء، وقلب فصار {*ورئياً} ثم نقلت حركة الهمزة إلى الياء وحذفت، أو بأنتكون من الريّ وحذفت إحدى الياءين تخفيفاً كما حذفت في لا سيما، والمحذوفة الثانية لأنها لام الكلمة لأن النقل إنماحصل للكلمة بانضمامها إلى الأولى فهي أولى بالحذف. وقرأ ابن عباس أيضاً وابن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي وزياً بالزايمشدد الياء وهي البزة الحسنة، والآلات المجتمعة المستحسنة. {قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً حَتَّىٰ إِذَارَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى* وَٱلْبَـِّقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً * أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا وَقَالَ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُوَيَأْتِينَا فَرْداً * وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }.{فَلْيَمْدُدْ } يحتمل أن يكون على معناه من الطلب ويكون دعاء، وكان المعنى الأضل منا ومنكم مدّ الله له، أيأملى له حتى يؤول إلى عذابه. وكان الدعاء على صيغة الطلب لأنه الأصل، ويحتمل أن يكون خبراً في المعنى وصورتهصورة الأمر، كأنه يقول: من كان ضالاً من الأمم فعادة الله له أنه يمدد له ولا يعاجله حتى يفضي ذلكإلى عذابه في الآخرة. وقال الزمخشري: أخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك، وإنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثلليقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة

{ أَوَ لَمْ * نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ }

أو كقوله

{ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }

والظاهر أن {حَتَّىٰ } غاية لقوله {فَلْيَمْدُدْ } والمعنى إن الذين في الضلالة ممدود لهمفيها إلى أن يعاينوا العذاب بنصرة الله المؤمنين أو الساعة ومقدماتها. وقال الزمخشري: في هذه الآية وجهان أحدهما أنتكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما أي قالوا

{ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً }

{حَتَّىٰ إِذَارَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأيعين {إِمَّا ٱلعَذَابَ } في الدنيا وهي غلبة المسلمين عليهم، وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً، وإظهار الله دينه على الدين كلهعلى أيديهم وإما يوم القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه،وأنهم {شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً } لا {خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } وأن المؤمنين على خلاف صفتهم. انتهى هذا الوجهوهو في غاية البعد لطول الفصل بين قوله قالوا: {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } وبين الغاية وفيه الفصل بجملتي اعتراض ولا يجيزذلك أبو علي. قال الزمخشري: والثاني أن يتصل بما يليها فذكر نحواً مما قدمناه، وقابل قولهم خير مكاناً بقوله{شَرٌّ مَّكَاناً } وقوله {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } بقوله {وَأَضْعَفُ جُنداً } لأن الندي هو المجلس الجامع لوجوه القوم والأعوان، والأنصاروالجند هم الأعوان، والأنصار و{إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ } بدل من ما المفعولة برأوا. و{مِنْ } موصولة مفعولة بقوله {فَسَيَعْلَمُونَ} وتعدى إلى واحد واستفهامية، والفعل قبلها معلق والجملة في موضع نصب. ولما ذكر إمداد الضال في ضلالته وارتباكهفي الافتخار بنعم الدنيا عقب ذلك بزيادة هدى للمهتدي وبذكر {*الباقيات} التي هي بدل من تنعمهم في الدنيا الذي يضمحلولا يثبت. و{وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } معناه مرجعاً وتقدم تفسير {يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } في الكهف. وقال الزمخشري: {يَزِيدُ } معطوف علىموضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر تقديره من كان في الضلالة مداً ويمد له الرحمن {وَيَزِيدُ } أي يزيد فيضلال الضال بخذلانه، ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه انتهى. ولا يصح أن يكون {وَيَزِيدُ } معطوفاً على موضع {فَلْيَمْدُدْ } سواءكان دعاء أم خبراً بصورة الأمر لأنه في موضع الخبر إن كانت {مِنْ } موصولة أو في موضع الجواب إنكانت {مِنْ } شرطية، وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } عارية من ضمير يعودعلى من يربط جملة الخبر بالمبتدأ أو جملة الشرط بالجزاء الذي هو فليمدد وما عطف عليه لأن المعطوف على الخبرخبر، والمعطوف على جملة الجزاء جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسماً لا ظرفاً تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميرهأو ما يقول مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وقال الزمخشري: هي {خَيْرٌ } {ثَوَاباً } من مفاخرات الكفار {وَخَيْرٌمَّرَدّاً } أي وخير مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم ليس لهذا الأمر مرد وهل يرد مكاني زيداً. فإن قلت:كيف قيل خير ثواباً كان لمفاخراتهم ثواباً حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه؟ قلت: كأنه قيل ثوابهم النار على طريقةقوله فاعتبوا بالصيلم. وقوله:

شجعاء جربها الذميل تلوكه     أصلاً إذا راح المطي غراثاً

وقوله:

تحية بينهم ضرب وجيع    

ثم بنى عليه خير ثواباً وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له عقابكالنار. فإن قلت: فما وجه التفضيل في الخبر كان لمفاخرهم شركاء فيه؟ قلت: هذا من وجيز كلامهم يقولون: الصيف أحرمن الشتاء أي أبلغ في حره من الشتاء في برده انتهى. {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا } نزلت في العاصيبن وائل عمل له خباب بن الأرث عملاً وكان قيناً، فاجتمع له عنده دين فتقاضاه فقال: لا أنصفك حتى تكفربمحمد، فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك. فقال العاصي: أو مبعوث أنا بعد الموت؟ فقال خباب: نعم،قال: فائت إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك. وقال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرةوقد كانت للوليد أيضاً أقوال تشبه هذا الغرض، ولما كانت رؤية الأشياء سبيلاً إلى الإحاطة بها وصحة الخبر عنها استعملواأرأيت بمعنى أخبر، والفاء للعطف أفادت التعقيب كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب قصة أولئك، والآيات: القرآن والدلالاتعلى البعث. وقرأ الجمهور {وَلَدًا } أربعتهن هنا، وفي الزخرف بفتح اللام والواو ويأتي الخلاف في نوح. وقرأ الأعمش وطلحةوالكسائي وابن أبي ليلى وابن عيسى الأصبهاني بضم الواو وإسكان اللام، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى على الجنس لا ملحوظاًفيه الإفراد وإن كان مفرد اللفظ، وعلى هذه القراءة فقيل هو جمع كأسد وأسد، واحتج قائل ذلك بقول الشاعر:

ولقد رأيت معاشرا     قد ثمروا مالاً وولداً

وقيل: هو مرادف للولد بالفتحتين واحتجوا بقوله:

فليت فلاناً كان في بطن أمه     وليت فلاناً كان ولد حمار

وقرأ عبد الله ويحيـى بن يعمر بكسرالواو وسكون اللام والهمزة في اطلع للاستفهام، ولذلك عادلتها {أَمْ }. وقرىء بكسر الهمزة في الابتداء وحذفها في الوصل علىتقدير حذف همزة الاستفهام لدلالة {أَمْ } عليها كقوله:

بسبع رمين الجمر أم بثمان    

يريد أبسبع، وجاء التركيب في أرأيتعلى الوضع الذي ذكره سيبويه من أنها تتعدى لواحد تنصبه، ويكون الثاني استفهاماً فأطلع وما بعده في موضع المفعول الثانيلأرأيت، وما جاء من تركيب أرأيت بمعنى أخبرني على خلاف هذا في الظاهر ينبغي أن يرد إلى هذا بالتأويل.قال الزمخشري: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ } من قولهم: أطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه واطلع الثنية. قال جرير:

لاقيت مطلع الجبال وعوراً    

وتقول: مر مطلعاً لذلك الأمر أي عالياً له مالك له، ولاختيار هذه الكلمة شأن تقول: أو قد بلغ منعظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار، والمعنى أن ما ادعى أن يؤتاه وتألى عليهلا يتوصل إليه إلاّ بأحد هذين الطريقين، إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب فبأيهما توصل إلى ذلك.والعهد. قيل كلمة الشهادة. وقال قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول. وعن الكلبي: هل عهدالله إليه أن يؤتيه ذلك. و{كَلاَّ } ردع وتنبيه على الخطأ الذي هو مخطىء فيما تصوره لنفسه ويتمناه فليرتدع عنه.وقرأ أبو نهيك {كَلاَّ } بالتنوين فيهما هنا وهو مصدر من كلّ السيف كلاً إذا نبا عن الضريبة، وانتصابه علىإضمار فعل من لفظه وتقديره كلوا كلاً عن عبادة الله أو عن الحق. ونحو ذلك، وكنى بالكتابة عن ما يترتبعليها من الجزاء. فلذلك دخلت السين التي للاستقبال أي سنجازيه على ما ما يقول. وقال الزمخشري: فيه وجهان. أحدهما:سيظهر له ونعلمه إنّا كتبنا قوله على طريقه قوله:

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ    

أي تبين وعلم بالانتساب أنيلست ابن لئيمة. والثاني: أن المتوعد يقول للجاني سوف أنتقم منك يعني أنه لا يبخل بالانتصار وإن تطاول بهالزمان، واستأخر فجردها هنا لمعنى الوعيد انتهى. وقرأ الجمهور {سَنَكْتُبُ } بالنون والأعمش بياء مضمومة والتاء مفتوحة مبنياً للمفعول،وذكرت عن عاصم {وَنَمُدُّ } أي نطول له {مّنَ ٱلْعَذَابِ } الذي يعذب به المستهزئون أو نزيده من العذاب ونضاعفله المدد. وقرأ عليّ بن أبي طالب {وَنَمُدُّ لَهُ } يقال مده وأمده بمعنى {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أُي نسلبهالمال والولد فنكون كالوارث له. وقال الكلبي: نجعل ما يتمنى من الجنة لغيره. وقال أبو سهيل: نحرمه ما يتمناه منالمال والولد ونجعله لغيره. قال الزمخشري: ويحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله في الدنيا مالاً وولداً، وبلغت بهأشعبيته أن تأليّ على الله في قوله {لاَوتَيَنَّ } لأنه جواب قسم مضمر، ومن يتألَّ على الله يكذبه فيقول اللهعز وعلا: هب أنّا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة {وَيَأْتِينَا فَرْداً } غداً بلا مال ولا ولدكقوله تعالى

{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى }

الآية فما يجدي عليه تمنيه وتأليه. ويحتمل أن هذا القول إنما يقوله ما دام حياً،فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله {يَقُولُ وَيَأْتِينَا } رافضاً له {*منفرداً} عنه غير قائل له انتهى. وقالالنحاس: {مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } معناه نحفظه عليه للعاقبة ومنه العلماء ورثة الأنبياء أي حفظة ما قالوه انتهى. و{فَرْداً} تتضمن ذلته وعدم أنصاره، و{يِقُولُ } صلة {مَا } مضارع، والمعنى على الماضي أي ما قال. والضمير في {وَٱتَّخَذُواْ} العبادة الأصنام وقد تقدم ما يعود عليه وهم الظالمون في قوله

{ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ }

فكل ضمير جمع ما بعدهعائد عليه إن كان مما يمكن عوده عليه، واللام في {لّيَكُونُواْ } لام كي أي {لّيَكُونُواْ } أي الآلهة {لَهُمْعِزّاً } يتعززون بها في النصرة والمنفعة والإنقاذ من العذاب. {كَلاَّ } قال الزمخشري: {كَلاَّ } ردع لهم وإنكارلتعززهم بالآلهة. وقرأ ابن نهيك {كَلاَّ * وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ } أي سيجحدون {كَلاَّ * وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ } كقولك: زيد مررتبغلامه وفي محتسب ابن جنيّ {كَلاَّ } بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأي والإعتقاد كلاً، ولقائل أنيقول إن صحت هذه الرواية فهي {كَلاَّ } التي للردع قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريراً انتهى. فقولهوقرأ ابن نهيك الذي ذكر ابن خالويه وصاحب اللوامح وابن عطية وأبو نهيك بالكنية وهو الذي يحكى عنه القراءة فيالشواذ وأنه قرأ {كَلاَّ } بفتح الكاف والتنوين وكذا حكاه عنه أبو الفتح. وقال ابن عطية وهو يعني {كَلاَّ }نعت للآلهة قال: وحكى عنه أي عن أبي نهيك أبو عمر والداني {كَلاَّ } بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعلمضمر يدل عليه {سَيَكْفُرُونَ } تقديره يرفضون أو يتركون أو يجحدون أو نحوه. وأما قول الزمخشري ولقائل أن يقول إلىآخره فليس بجيد لأنه قال إنها التي للردع، والتي للردع حرف ولا وجه لقلب ألفها نوناً وتشبيهه بقواريراً ليس بجيدلأن قواريراً اسم رجع به إلى أصله، فالتنوين ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف. وهذا الجمع مختلف فيهأيتحتم منع صرفه أم يجوز؟ قولان، ومنقول أيضاً أن لغة للعرب يصرفون ما لا ينصرف عند غيرهم، فهذا التنوين إماعلى قول من لا يرى بالتحتم أو على تلك اللغة. وذكر الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ كل بضم الكافورفع اللام ورفعه على الابتداء والجملة بعده الخبر، وتقدم ظاهر وهو الآلهة وتلاه ضمير في قوله ليكونوا فالأظهر أن الضميرفي {سَيَكْفُرُونَ } عائد على أقرب مذكور محدث عنه. فالمعنى أن الآلهة سيجحدون عبادة هؤلاء إياهم كما قال: {وَإِذَا رَءاٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ } وفي آخرها

{ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ }

وتكون {ءالِهَةً } هنا مخصوصاً بمن يعقل، أويجعل الله للآلهة غير العاقلة إدراكاً تنكر به عبادة عابديه. ويجوز أن يكون الضمير للمشركين ينكرون لسوء العاقبة أن يكونواكما قالوا

{ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }

لكن قوله {وَيَكُونُونَ } يرجح القول الأول لا تساق الضمائر لواحد، وعلىالقول الآخر يختلف الضمائر إذ يكون في {سَيَكْفُرُونَ } للمشركين وفي {يَكُونُونَ } للآلهة. ومعنى {ضِدّاً } أعواناً قالهابن عباس. وقال الضحاك: أعداءً. وقال قتادة: قرناء. وقال ابن زيد: بلاءً. وقال ابن عطية: معناه يجيئهم منه خلاف ماكانوا أمّلوه فيؤول بهم ذلك إلى ذلة ضد ما أملوه من العز، فالضد هنا مصدر وصف به الجمع كما يوصفبه الواحد. وقال الزمخشري: والضد العون وحد توحيد وهم على من سواهم لإتفاق كلمتهم وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم،ومعنى كونهم عوناً عليهم أنهم وقود النار وحصب جهنم ولأنهم عذبوا بسبب عبادتهم. {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَىٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً * وَنَسُوقُٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً * وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً * إِذَا * تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ * يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلاْرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ * هَـٰذَا إِنْ *دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * إِلاَّٱتِّبَاعَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً * لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً * إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْمّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً }. {أَرْسَلْنَا } معناه سلطناً أو لم نحلبينهم وبينهم مثل قوله

{ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً }

وتعديته بعلى دليل على أنه تسليط و{تَؤُزُّهُمْ } تحركهم إلى الكفر. وقالقتادة: تزعجهم. وقال ابن زيد: تشليهم. وقال الزمخشري: تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات، والمعنى خلينا بينهم وبينهم ولمنمنعهم ولو شاء لمنعهم، والمراد تعجيب رسول الله ﷺ بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة من الكفاروأقاويلهم. عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فليس بينك وبين ما تطلب منهلاكهم إلاّ أيام محصورة وأنفاس معدودة كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعد فيها لوعدت ونحوه قوله تعالى

{ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ }

انتهى. وقيل {نَعُدُّ } أعمالهم لنجازيهم. وقيل:آجالهم فإذا جاء أحللنا العقوبة بهم. وقيل: أيامهم التي سبق قضاؤنا أن نمهلهم إليها. وقيل: أنفاسهم، وانتصب {يَوْمٍ } باذكرأو احذر مضمرة أو على تقدير يكون ذلك جواباً لسؤال مقدر تقديره متى يكون ذلك أو سيكفرون بعبادتهم أو بيكونونعليهم ضداً أو معنى بعداً، وتضمن العدّ والإحصاء معنى المجازاة، أو {يَوْمَ نَحْشُرُ } ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيطبه الوصف أو بلا يملكون، وكلها مقول في نصب {يَوْمٍ } والأوجه الأخير. وعدى {نَحْشُرُ } بإلى {ٱلرَّحْمَـٰنُ } تعظيماًلهم وتشريفاً. وذكر صفة الرحمانية التي خصهم بها كرامة إذ لفظ الحشر فيه جمع من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة علىسبيل القهر، فجاءت لفظة {ٱلرَّحْمَـٰنُ } مؤذنة بأنهم يحشرون إلى من يرحمهم، ولفظ السوق فيه إزعاج وهو إن عدِّي بإلىجهنم تفظيعاً لهم وتبشيعاً لحال مقرهم، ولفظة الوفد مشعرة بالإكرام والتبجيل كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عنده.وعن عليّ: على نوق رحالها ذهب، وعلى نجائب سرجها ياقوت، وعنه أيضاً إنهم يجيئون ركباناً على النوق المحلاة بحلية الجنةخطمها من ياقوت وزبرجد. وريوي عمرو بن قيس الملائي أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة في غاية الحسن، روىأنه يركب كل أحد منهم ما أحب من إبل أو خيل أو سفن تجيء عائمة بهم. والظاهر أن هذه الوفادةبعد إنقضاء الحساب وأنها النهوض إلى الجنة كما قال

{ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ }

وشبهوا بالوفود لأنهم سراةالناس وأحسنهم شكلاً وليست وفادة حقيقية لأنها تتضمن الإنصراف من الموفود عليه، وهؤلاء مقيمون أبداً في ثواب ربهم وهو الجنةوالورد العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن، والورد مصدر ورد أي سار إلى الماء. قال الراجز:

ردي ردي ورد قطاة صما     كدرية أعجبها برد الماء

ولما كان من يرد الماء لا يرده إلاّ لعطش، أطلقالورد على العطاش تسمية للشيء بسببه. وقرأ الحسن والجحدري يحشر المتقون ويساق المجرمون مبنياً للمفعول، والضمير في {لاَّ يَمْلِكُونَ }عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه، والاستثناء متصل و{مِنْ } بدل من ذلك الضمير أونصب على الاستثناء {وَلاَ يَمْلِكُونَ } استئناف إخبار. وقيل: موضه نصب على الحال من الضمير في {لاَّ يَمْلِكُونَ } ويكونعائداً على المجرمين. والمعنى غير مالكين أن يشفع لهم، ويكون على هذا الاستثناء منقطعاً. وقيل: الضمير في {لاَّ يَمْلِكُونَ }عائد على المتقين والمجرمين، والاستثناء متصل. وقيل: عائد على المتقين، واتخاذ العهد هو العمل الصالح الذي يحصل به في حيِّزمن يشفع. وتظافرت الأحاديث على أن أهل العلم والصلاح يشفعون فيشفعون. وفي الحديث: إن في أمتي رجلاً يدخل الله بشفاعته أكثر من بني تميم . وقال قتادة: كنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين. وقال بعض من جعل الضمير للمتقين: المعنىلا يملك المتقون {ٱلشَّفَـٰعَةَ } إلاّ لهذا الصنف، فعلى هذا يكون من اتخذ المشفوع فيهم، وعلى التأويل الأول يكون مناتخذ الشافعين فالتقدير على التقدير الثاني {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ * لاِحَدٍ *إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ } فيكون في موضع نصب كماقال:

فلم ينج إلاّ جفن سيف ومئزرا.    

أي لم ينج شيء إلا جفن سيف. وعلى هذه الأقوال الواو ضمير. وقالالزمخشري: ويجوز أن تكون يعني الواو في {لاَّ يَمْلِكُونَ } علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث، والفاعل من {ٱتَّخَذَ }لأنه في معنى الجمع انتهى. ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميراً. وذكر الأستاذأبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة. وأيضاً قالوا: والألف والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيءبعدها فاعلاً إلاّ بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف، إما أن تأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أو على مثنىفيحتاج في إثبات ذلك إلى نقل، وأما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى، والمجموع فمسموعمعروف في لسان العرب على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر، ولكن الأحفظ أن لا يقال ذلك إلاّبسماع. وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب يعني من على تقدير حذف المضاف أي إلاّ شفاعة من {ٱتَّخَذَ }. والعهدهنا. قال ابن عباس: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. وفي الحديث من قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله كان له عند الله عهد . وقال السدي: العهد الطاعة. وقال ابن جريج: العمل الصالح. وقال الليث: حفظ كتابالله. وقيل: عهد الله إذنه لمن شاء في الشفاعة من عهد الأمير إلى فلان بكذا، أي أمره به أي لايشفع إلاّ المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. ويؤيده

{ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ }

{ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ }

{ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَىٰ }

. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون المجرمون يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ } إلاّ العصاةالمؤمنون فإنهم سيشفع فيهم، فيكون الاستثناء متصلاً. وفي الحديث: لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلاّ الله، فيقول: يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي انتهى. وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد. وقال ابنعطية أيضاً: ويحتمل أن يراد بمن اتخذ محمد عليه الصلاة والسلام وبالشفاعة الخاصة لمحمد العامة للناس. وقوله تعالى

{ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }

والضمير في {لاَّ يَمْلِكُونَ } لأهل الموقف انتهى. وفيه بعض تلخيص. {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُوَلَداً } الضمير في {قَالُواْ } عائد على بعض اليهود حيث قالوا عزير ابن الله، وبعض النصارى حيث قالوا المسيحابن الله، وبعض مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله {لَقَدْ جِئْتُمْ } أي قل لهم يا محمد {لَقَدْ جِئْتُمْ} أو يكون التفاتاً خرج من الغيبة إلى الخطاب زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله والتعرض لسخطه وتنبيه على عظيمما قالوا. وقرأ الجمهور {إِدّاً } بكسر الهمزة وعليّ بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن بفتحها أي شيئاً أداًحذف المضاف وأقيم المصدر مقامه. وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء من تحت وكذا في الشورى وهي قراءة أبي حيوة والأعمش.وقرأ باقي السبعة بالتاء. وقرأ ينفطرن مضارع انفطر وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم وابن عامر هنا وهي قراءةأبي بحرية والزهري وطلحة وحميد واليزيدي ويعقوب وأبي عبيد. وقرأ باقي السبعة {*يتفطرون} مضارع تفطر والتي في الشورى قرأها أبوعمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء والنون وباقي السبعة بالياء والتاء والتشديد. وقرأ ابن مسعود يتصد عن وينبغي أن يجعلتفسيراً لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه، ولرواية الثقاة عنه كقراءة الجمهور. وقال الأخفش {ٱلعَظِيمُ تَكَادُ } تريد وكذلك قوله

{ أَكَادُ أُخْفِيهَا }

وأنشد شاهداً على ذلك قول الشاعر:

وكادت وكدت وتلك خير إرادة     لو عاد من زمن الصبابة ما مضى

ولا حجة في هذا البيت، والمعروف أن الكيدودة مقاربة الشيء وهذه الجمل عند الجمهور من باب الاستعارةلبشاعة هذا القول، أي هذا حقه لو فهمت الجمادات قدره وهذا مهيع للعرب. قال جرير:

لما أتى خبر الزبير تواضعتسور المدينة والجبال الخشع    

وقال آخر:

ألم تر صدعاً في السماء مبينا     على ابن لبني الحارث بن هشام

وقال الآخر:

فأصبح بطن مكة مقشعرّاًكأن الأرض ليس بها هشام    

وقال آخر:

بكى حارث الجولان من فقد ربه     وحوران منه خاشع متضائل

حارث الجولان موضع. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى انفطار السمواتوإنشقاق الأرض وخرور الجبال، ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟ قلت: فيه وجهان أحدهما أن الله يقول: كدت أفعلهذه بالمسوات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوه بها لولا حلمي ووقاري، وإني لا أعجلبالعقوبة كما قال

{ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }

الآية. والثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها،وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه. وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هيقوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخر انتهى. وقال ابن عباس إن هذا الكلام فزعت منه السموات والأرض والجبالوجميع الخلائق إلاّ الثقلين وكدن أن يزلن منه تعظيماً لله تعالى. وقيل: المعنى كادت القيامة أن تقوم فإن هذه الأشياءتكون حقيقة يوم القيامة. وقيل: {تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ *يَتَفَطَّرْنَ } أي تسقط عليهم {وَتَنشَقُّ ٱلاْرْضُ } أي تخسف بهم {وَتَخِرُّٱلْجِبَالُ هَدّاً } أي تنطبق عليهم. وقال أبو مسلم: تكاد تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول، وانتصب{هَدّاً } عند النحاس على المصدر قال: لأن معنى {*تخرّ} تنهد انتهى. وهذا على أن يكون {ٱلْجِبَالُ هَدّاً } مصدراًلهد الحائط يهد بالكسر هديداً وهداً وهو فعل لازم. وقيل {هَدّاً } مصدر في موضع الحال أي مهدودة، وهذا علىأن يكون {هَدّاً } مصدر هد الحائط إذا هدمه وهو فعل متعد، وأجاز الزمخشري أن يكون مفعولاً له أي لأنهاتهد، وأجاز الزمخشري في {أَن دَعَوْا } ثلاثة أوجه. قال أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه كقوله:

على حالة لو أن في القوم حاتما     على جوده لضن بالماء حاتم

وهذا فيه بعد لكثرة الفصل بين البدلوالمبدل منه لجملتين، قال: ومنصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي {هَدّاً } لأن دعوا علل الخرور بالهد، والهد بدعاءالولد للرحمن، وهذا فيه بعد لأن الظاهر أن {هَدّاً } لا يكون مفعولاً بل مصدر من معنى {وَتَخِرُّ } أوفي موضع الحال، قال: ومرفوعاً بأنه فاعل {هَدّاً } أي هدها دعاء الولد للرحمن، وهذا فيه بعد لأن ظاهر {هَدّاً} أن يكون مصدراً توكيدياً، والمصدر التوكيدي لا يعمل ولو فرضناه غير توكيد لم يعمل بقياس إلاّ إن كان أمراًأو مستفهماً عنه، نحو ضرب زيداً، واضربا زيداً على خلاف فيه. وأما إن كان خبراً كما قدره الزمخشري أي هدهادعاء الرحمن فلا ينقاس بل ما جاء من ذلك هو نادر كقوله:

وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم    

أي وقف صحبي.وقال الحوفي وأبو البقاء {أَن دَعَوْا } في موضع نصب مفعول له، ولم يبينا العامل فيه. وقال أبو البقاءأيضاً: هو في موضع جر على تقدير اللام، قال: وفي موضع رفع أي الموجب لذلك دعاؤهم، ومعنى {دَّعَوَا } سمواوهي تتعدّى إلى اثنين حذف الأول منهما، والتقدير سموا معبودهم ولداً للرحمن أي بولد لأن دعا هذه تتعدى لاثنين، ويجوزدخول الباء على الثاني تقول: دعوت ولدي بزيد، أو دعوت ولدي زيداً. وقال الشاعر:

دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن     أخاها ولم أرضع لها بلبان

وقال آخر:

ألا رب من يدعي نصيحاً وإن يغب تجده بغيب منك غير نصيح    

وقال الزمخشري: اقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعا له ولداً، قال أومن دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام: من ادّعى إلى غير مواليه . وقول الشاعر:

إنّا بني نهشل لا ندعي لأب    

أي لا ننتسب إليه انتهى. وكون {دَّعَوَا } هنا بمعنى سموا هو قول الأكثرين. وقيل: {دَّعَوَا} بمعنى جعلوا. و{يَنبَغِى } مطاوع لبغي بمعنى طلب، أي وما يتأتى له إتخاذ الولد لأن التوالد مستحيل والتبني لايكون إلاّ فيما هو من جنس المتبنى، وليس له تعالى جنس و{يَنبَغِى } ليس من الأفعال التي لا تتصرف بلسمع لها الماضي قالوا: أنبغى وقد عدّها ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وهو غلط و{مِنْ }موصولة بمعنى الذي أي ما كل الذي في السموات وكل تدخل على الذي لأنها تأتي للجنس كقول تعالى

{ وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ }

ونحو:

وكل الذي حملتنّي أتحمل    

وقال الزمخشري: {مِنْ } موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد ربفي قوله:

رب من أنضجت غيظاً صدره    

انتهى. والأولى جعلها موصولة لأن كونها موصوفة بالنسبة إلى الموصولة قليل. وقرأ عبدالله وابن الزبير وأبو حيوة وطلحة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ويعقوب إلاّ آتٍ بالتنوين {ٱلرَّحْمَـٰنُ } بالنصب والجمهور بالإضافةو{اتِى } خبر {كُلٌّ } وانتصب {عَبْداً } على الحال. وتكرر لفظ {ٱلرَّحْمَـٰنُ } تنبيهاً على أنه لا يستحق هذاالاسم غيره، إذ أصول النعم وفروعها منه ومن في السموات والأرض يشمل من اتخذوه معبوداً من الملائكة وعيسى وعزيراً بحكمادعائهم صحة التوالد أو بحكم زعمهم ذلك فأشركوهم في العبادة إذ خدمة الأبناء خدمة الآباء، فأخبر تعالى أنه ما منمعبود لهم في السموات أو في الأرض إلاّ يأتي الرحمن عبداً منقاداً لا يدعيّ لنفسه شيئاً مما نسبوه إليه.ثم ذكر تعالى أنه {أَحْصَـٰهُمْ } وأحاط بهم وحصرهم بالعدد، فلم يفته أحد منهم وانتصب {فَرْداً } على الحال أيمنفرداً ليس معه أحد ممن جعلوه شريكاً، وخير {كُلُّهُمْ * ءاتِيهِ } {فَرْداً } وكلّ إذا أضيف إلى معرفة ملفوظبها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفرداً على لفظ كل، فتقول: كلكم ذاهب، ويجوز أنيعود جمعاً مراعاة للمعنى فتقول: كلكم ذاهبون. وحكى إبراهيم ابن أصبغ في كتاب رؤوس المسائل الإتفاق على جواز الوجهين، وعلىالجمع جاء لفظ الزمخشري في تفسير هذه الآية في الكشاف {وَكُلُّهُمْ } متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره، وقد خدش فيذلك أبو زيد السهيلي فقال: كل إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظاً يعني إلى معرفة فلا يحسن إلاّ إفراد الخبر حملاًعلى المعنى، تقول: كلكم ذاهب أي كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح فإن قلت:في قوله {وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ } إنما هو حمل على اللفظ لأنه اسم مفرد قلنا: بل هو اسم للجمع واسم الجمعلا يخبر عنه بإفراد، تقول: القوم ذاهبون، ولا تقول: القوم ذاهب وإن كان لفظ القوم كلفظ المفرد، وإنما حسن كلكمذاهب لأنهم يقولون كل واحد منكم ذاهب فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى انتهى. ويحتاج في إثبات كلكم ذاهبون بالجمع ونحوهإلى سماع ونقل عن العرب، أما إن حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان. والسين في {سَيَجْعَلُ } للاستقبالفاحتمل أن يكون هذا الجعل في الدنيا، وجيء بأداة الاستقبال لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه السورة، وكانوا ممقوتينمن الكفرة، فوعدهم الله بذلك إذا ظهر الإسلام وفشا. واحتمل أن يكون ذلك في الدنيا على الإطلاق كما في الترمذي.قال: إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني قد أحببت فلاناً فأحبه، قال: فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض قال الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } إلى آخر الحديث وقال:هذا حديث صحيح. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى أي أن الله تعالى لماأخبر عن إتيان كل من في السموات والأرض في حال العبودية والانفراد، أنس المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم{وُدّاً } وهو ما يظهر عليهم من كرامته لأن محبة الله للعبد إنما هي ما يظهر عليه من نعمه وأماراتغفرانه انتهى. وقال الزمخشري: وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر منديوان أعمالهم. وقال أيضاً: والمعنى سيحدث لهم في القلوب مودّة ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسبابالتي يكتسب بها الناس مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع مبرة أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منهابتداء اختصاصاً منه لأوليائه بكرامة خاصة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً وإجلالاً لمكانهم انتهى. وقيل: في الكلامحذف والتقدير سيدخلهم دار كرامته ويجعل لهم {وُدّاً } بسبب نزع الغل من صدورهم بخلاف الكفار، فإنهم يوم القيامة يكفربعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً، وفي النار أيضاً يتبرأ بعضهم من بعض. وقرأ الجمهور {وُدّاً } بضم الواو. وقرأأبو الحارث الحنفي بفتحها. وقرأ جناح بن حبيش {وُدّاً } بكسر الواو. قيل: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بنعوف كان اليهود والنصارى والمنافقون يحبونه، وكان لما هاجر من مكة استوحش بالمدينة فشكا ذلك إلى رسول الله صلى اللهعليه وسلم فنزلت. وقيل: نزلت في المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ألقى الله لهم وداً في قلبالنجاشي، وذكر النقاش أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب. وقال محمد بن الحنيفة: لا تجد مؤمناً إلاّ وهو يحبعلياً وأهل بيته انتهى. ومن غريب هذا ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن عليّ بنيوسف الأنصاري الشاطبي رحمه الله تعالى لزبينا بن إسحاق النصراني الرسغي:

عدّي وتيم لا أحاول ذكرهم     بسوء ولكني محب لهاشم وما تعتريني في عليّ ورهطه
إذا ذكروا في الله لومة لائم يقولون ما بال النصارى تحبهموأهل النهي من أعرب وأعاجم فقلت لهم إني لأحسب حبهم     سرى في قلوب الخلق حتى البهائم

وذكر أبو محمد بن حزم أن بغض عليّ من الكبائر. والضمير في {يَسَّرْنَـٰهُ } عائدعلى القرآن، أي أنزلناه عليك ميسراً سهلاً {بِلَسَانِكَ } أي بلغتك وهو اللسان العربي المبين. {لِتُبَشّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ } أيتخبرهم بما يسرهم وبما يكون لهم من الثواب على تقواهم واللد جمع. وقال ابن عباس: {لُّدّاً } ظلمة، ومجاهد فجازاً،والحسن صماً، وأبو صالح عوجاً عن الحق، وقتادة ذوي جدل بالباطل آخذين ف يكل لديد بالمراء أي في كل جانبلفرط لجاجهم يريد أهل مكة. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا } تخويف لهم وإنذار بالإهلاك بالعذاب والضمير في قوله {قَبْلَهُمْ } عائدعلى {قَوْماً لُّدّاً } و{هَلْ تُحِسُّ } استفهام معناه النفي أي لا تحس. وقرأ الجمهور: {هَلْ تُحِسُّ } مضارع أحس.وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة وأبو جعفر المدني {تُحِسُّ } بفتح التاء وضم الحاء. وقرىء {تُحِسُّ }من حسه إذا شعر به ومنه الحواس والمحسوسات. وقرأ حنظلة {أَوْ تَسْمَعُ } مضارع أسمعت مبنياً للمفعول. وقال ابن عباس:الركز الصوت الخفي. قال ابن زيد الحس. وقال الحسن: لما أتاهم عذابنا لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع.وقيل: المعنى ماتوا ونسي ذكرهم فلا يخبر عنهم مخبر.