تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة محمد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } * { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } * { فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } * { سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } * { وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } * { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } * { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } * { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا } * { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } * { إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } * { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ } * { أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ } * { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } * { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ } * { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ } * { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } * { فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } * { وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } * { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } * { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } * { أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ } * { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } * { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } * { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } * { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } * { أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } * { وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } * { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } * { فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } * { إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ } * { إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } * { هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم }

البال: الفكر، تقول: خطر في بالي كذا، ولا يثني ولا يجمع، وشذ قولهم:بالات في جمعه. تعس الرجل، بفتح العين، تعساً: ضد تنعش، وأتعسه الله. قال مجمع بن هلال:

تقول وقد أفردتها من حليلها     تعست كما أتعستني يا مجمع

وقال قوم، منهم عمرو بن شميل، وأبو الهيثم:تعس، بكسر العين. وعن أبي عبيدة: تعسه الله وأتعسه: في باب فعلت وأفعلت. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر علىالوجه، والنكس: أن يجر على الرأس. وقال هو أيضاً، وثعلب: التعس: الهلاك. وقال الأعشى:

بذات لوث عفرناة إذا عثرت     فالتعس أولى لها من أن أقول لعا

آسن: الماء تغير ريحه، يأسن ويأسن؛ ذكره ثعلب في الفصيح، والمصدر: أسونوأسن؛ بكسر السين. يأسن، بفتحها، لغة أسنا، قاله اليزيدي. وأسن الرجل، بالكسر لا غير: إذا دخل البئر، فأصابته ريح منريح البئر، فغشي عليه، أو دار رأسه. قال الشاعر:

قد أترك القرن مصفراً أنامله     يميد في الريح ميداً الأسن

الأشراط: العلامات، واحدها شرط، بسكون الراء وبفتحها. قال أبو الأسود:

فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا     فقد جعلت أشراط أوله تبدو

وأشرط الرجل نفسه: ألزمها أموراً. قال أوس بن حجر:

فأشرط فيها نفسه وهو معصم     فألقى بأسباب له وتوكلا

العسل: معروف، وعسل بن ذكوان رجل نحويقديم. المعي: مقصور، وألفه منقلبة عن ياء، يدل عليه تثنيته معيان، بقلب الألف ياء. والمعي: ما في البطن من الحوايا.القفل: معروف، وأصله اليبس والصلابة. والقفل والقفيل: ما يبس من الشجر. والقفيل أيضاً: نبت، والقفيل: السوط؛ وأقفله الصوم: أيبسه، قالهالجوهري. آيفاً وآنفاً: هما اسما فاعل، ولم يستعمل فعلهما، والذي استعمل ائتنف، وهما بمعنى مبتديا، وتفسيرهما بالساعة تفسير معنى. وقالالزجاج: هو من استأنفت الشيء، إذا ابتدأته. فأولى لهم، قال صاحب الصحاح: قول العرب أولى لك: تهديد وتوعيد، ومنه قولالشاعر:

فأولى ثم أولى ثم أولى     وهل للدار يحلب من مرد

انتهى. واختلفوا، أهو اسم أوفعل؟ فذهب الأصمعي إلى أنه بمعنى قاربه ما يهلكه، أي نزل به، وأنشد:

تعادى بين هاديتين منها     وأولى أن يزيد على الثلاث

أي: قارب أن يزيد. قال ثعلب: لم يقل أحد في أولى أحسن مما قالالأصمعي. وقال المبرد: يقال لمن هم بالعطب، كما روي أن أعرابياً كان يوالي رمي الصيد فينفلت منه فيقول: أولى لكرمي صيداً فقاربه ثم أفلت منه، وقال:

فلو كان أولى يطعم القوم صيدهم ولكن أولى يترك القوم جوّعا    

والأكثرون على أنه اسم، فقيل: هو مشتق من الولي، وهو القرب، كما قال الشاعر:

تكلفني ليلى وقد شط وليها     وعادت عواد بيننا وخطوب

وقال الجرجاني: هو ما حول من الويل، فهوأفعل منه، لكن فيه قلب. الضغن والضغينة: الحقد. قال عمرو بن كلثوم:

فإن الضغن بعد الضغن يغشو     عليك ويخرج الداء الدفينا

وقد ضغن بالكسر، وتضاغن القوم وأضغنوا: بطنوا الأحقاد. وقد ضغن عليه، وأضغنت الصبي:أخذته تحت حضنك، وأنشد الأحمر:

كــأنــه مضغـــن صبيـــا    

وقال ابن مقبل:

مـا اضطغـنت سلاحـي عنـد معـركهـا    

وفرس ضاغن: لا يعطيما عنده من الجري إلا بالضرب. وأصل الكلمة من الضغن، وهو الالتواء والاعوجاج في قوائم الدابة والقناة وكل شيء. وقالبشر:

كـذات الضغـن تمشـي فـي الزقـاق    

وأنشد الليث:

إن فتاتي من صليات القناما زادها التثقيف إلا ضغنا    

والحقد في القلب يشبه به. وقال قطرب:

والليـث أضغـــن العــداوة    

قال الشاعر:

قل لابن هند ما أردت بمنطق     نشأ الصديق وشيد الأضغانا

لحنت له: بفتح الحاء، ألحن لحناً: قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى عنغيره؛ ولحنه هو بالكسر: فهمه؛ وألحنه: فهمه؛ وألحنته أنا إياه ولاحنت الناس: فاطنتهم. وقال الشاعر:

منطق صائب ويلحن أحيا     نا وخير الحديث ما كان لحنا

وقال القتال الكلابي:

ولقد وميت لكم لكيما تفهموا     ولحنت لحناً ليس بالمرتاب

وقيل: لحن القول: الذهاب عن الصواب، مأخوذ من اللحن في الإعراب. وتره: نقصه،مأخوذ من الدخل. وقيل من الوتر، وهو الفرد. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ * وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْوَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ }.هذه السورة مدنية عند الأكثر. وقال الضحاك، وابن جبير، والسدي: مكية. وقال ابن عطية: مدنية بإجماع، وليس كما قال،وعن ابن عباس، وقتادة: أنها مدنية، إلا آية منها نزلت بعد حجة، حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت،وهي: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } الآية. ومناسبة أولها لآخر ما قبلها واضحة جداً. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}: أي أعرضوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم عنه، وهم أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله صلى اللهعليه وسلم. قال ابن عباس: وهم المطعمون يوم بدر. وقال مقاتل: كانوا اثني عشر رجلاً من أهل الشرك، يصدون الناسعن الإسلام ويأمرونهم بالكفر، وقيل: هم أهل الكتاب، صدوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقال الضحاك:{عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }: عن بيت الله، يمنع قاصديه، وهو عام في كل من كفر وصد. {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ }: أيأتلفها، حيث لم ينشأ عنها خير ولا نفع، بل ضرر محض. وقيل: نزلت هذه الآية ببدر، وأن الإشارة بقوله: {أَضَلَّأَعْمَـٰلَهُمْ } إلى الاتفاق الذي اتفقوه في سفرهم إلى بدر. وقيل: المراد بالأعمال: أعمالهم البرة في الجاهلية، من صلة رحموفك عان ونحو ذلك؛ واللفظ يعم جميع ذلك. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }: هم الأنصار. وقال مقاتل: ناس منقريش. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: هو عام؛ وعلى تقدير خصوص السبب في القبيلتين، فاللفظ عام يتناول كل كافر وكلمؤمن. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءامَنُواْ }: تخصيصه من بين ما يجب الإيمان به، تعظيم لشأن الرسول، وإعلام بأنه لايصح الإيمان ولا يتم إلا به. وأكد ذلك بالجملة الأعتراضية التي هي: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ }. وقيل: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ}: ناسخ لغيره ولا يرد عليه النسخ. وقرأ الجمهور: نزل مبنياً للمفعول؛ وزيد بن علي، وابن مقسم: نزل مبنياً للفاعل؛والأعمش: أنزل معدى بالهمزة مبنياً للمفعول. وقرىء: نزل ثلاثياً. {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ }: أي حالهم، قاله قتادة؛ وشأنهم،قاله مجاهد؛ وأمرهم، قاله ابن عباس. وحقيقة لقظ البال أنها بمعنى الفكر، والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب. فإذاصلح ذلك، فقد صلحت حاله، فكأن اللفظ مشير إلى صلاح عقيدتهم، وغير ذلك من الحال تابع. {ذٰلِكَ }: إشارةإلى ما فعل بالكفار من إضلال أعمالهم، وبالمؤمنين من تكفير سيآتهم وإصلاح حالهم. وذلك مبتدأ وما بعده الخبر، أي كائنبسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر ذلك، أي كماذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوباً. انتهى. ولا حاجة إلى الإضمار مع صحة الوجه وعدم الإضمار. والباطل: مالا ينتفع به. وقال مجاهد: الشيطان وكل ما يأمر به؛ والحق: هو الرسول والشرع، وهذا الكلام تسميه علماء البيان: التفسير.{كَذٰلِكَ يَضْرِبُ }: قال ابن عطية: الإشارة إلى اتباع المذكورين من الفريقين، أي كما اتبعوا هذين السبيلين، كذلك يبين أمركل فرقة، ويجعل لها ضربها من القول وصفها؛ وضرب المثل من الضرب الذي هو بمعنى النوع. وقال الزمخشري: كذلك، أيمثل ذلك الضرب. {يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ } لأجل الناس ليعتبروا بهم. فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أنجعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين؛ أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفيرالسيئآت مثلاً لفوز المؤمنين. {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: أي في أي زمان لقيمتوهم، فاقتلوهم. وفي قوله:

{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }

، أي في أي مكان، فعم في الزمان وفي المكان. وقال الزمخشري: لقيتم، من اللقاء، وهو الحرب. انتهى.{فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ }: هذا من المصدر النائب مناب فعل الأمر، وهم مطرد فيه، وهو منصوب بفعل محذوف فيه، واختلف فيهإذا انتصب ما بعده فقيل: هو منصوب بالفعل الناصب للمصدر؛ وقيل: هو منصوب بنفس المصدر لنيابته عن العامل فيه، ومثاله:ضرباً زيداً، كما قال الشاعر:

على حين ألهى الناس جل أمورهم     فندلاً زريق المال ندل الثعالب

وهذا هو الصحيح، ويدل على ذلك قوله: {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ }، وهو إضافة المصدر للمفعول، ولو لم يكن معمولاً له،ما جازت إضافته إليه. وضرب الرقاب عبارة عن القتل؛ ولما كان القتل للإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، عبر بذلكعن القتل، ولا يراد خصوصية الرقاب، فإنه لا يكاد تتأتى حالة الحرب أن تضرب الرقاب، وإنما يتأتى القتال في أيموضع كان من الأعضاء. ويقال: ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته وما فيه عيناه، إذا قتله، كما عبر بقوله:

{ بِمَا كَسَبَتْ * أَيْدِيكُم }

عن سائر الأفعال، لما كان أكثر الكسب منسوباً إلى الأيدي. قال الزمخشري: وفي هذه العبارة منالغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق وإطارة العضو الذيهو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. وقد زاد في هذه في قوله:

{ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }

. انتهى. ولمافي ذلك من تشجيع المؤمنين، وأنهم من الكفار بحيث هم متمسكون منهم إذا أمروا بضرب رقابهم. {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ }:أي أكثرتم القتل فيهم، وهذه غاية للضرب، فإذا وقع الإثخان وتمكنوا من أخذ من لم يقتل وشدوا وثاق الأسرى، {فَإِمَّامَنًّا } بالإطلاق، {وَإِمَّا فِدَاء حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }: أي أثقالها وآلاتها. ومنه قول عمرو بن معدي كرب:

وأعددت للحرب أوزارها     رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا

أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشدهالزمخشري للأعشى. وقيل: الأوزار هنا: الآثام، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين، وهذه الغاية. قالمجاهد: حتى ينزل عيسى بن مريم. وقال قتادة: حتى يسلم الجميع: وقيل: حتى تقتلوهم. وقال ابن عطية: وظاهر اللفظ أنهااستعارة يراد بها التزام الأمر أبداً، وذلك أن الحرب بين المؤمنين والكافرين لا يضيع أوزارها، فجاء هذه، كما تقول: أناأفعل كذا وكذا إلى يوم القيامة، فإنما تريد أنك تفعله دائماً. وقال الزمخشري: وسميت، يعني آلات الحرب من السلاح والكراع،أوزارها، لأنه لما لم يكن لها بد من جرها، فكأنها تحملها وتستقل بها؛ فإذا انقضت، فكأنها وضعتها. وقيل: أوزارها: آثامها،يعني حتى يترك أهل الحرب، وهم المشركون، شركهم ومعاصيهم، بأن يسلموا. والظاهر أن ضرب الرقاب، وهو القتل مغياً بشد الوثاقوقت حصول الإثخان، وأن قوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ }، أي بعد الشذ، {وَإِمَّا فِدَاء }، حالتان للمأسور، إما أن يمنعليه بالإطلاق، كما منّ رسول الله ﷺ بإطلاق ثمامة بن أثال الحنفي، وإما أن يفدى، كما رويعنه عليه السلام أنه فودي منه رجلان من الكفار برجل مسلم. وهذه الآية معارض ظاهرها لقوله تعالى:

{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }

. فذهب ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والسدي، والضحاك، ومجاهد، إلى أنها منسوخة بقوله: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } الآية،وأن الأسر والمن والفداء مرتفع، فإن وقع أسير قتل ولا بد إلا أن يسلم. وروي نحوه عن أبي بكر الصديق،وذهب ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، إلى أن هذه مخصصة لعموم تلك، والمنّ والفداء ثابت. وقال الحسن:لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على العدو. وذهب أكثر العلماء إلى أن أهل الكتاب فيهم المنّ والفداءوعباد الأوثان، ليس فيهم إلا القتل، فخصصوا من المشركين أهل الكتاب، وخصص من الكفار عبدة الأوثان. وأما مذهب الأئمة اليوم:فمذهب أبي حنيفة أن الإمام يخير في القتل والاسترقاق؛ ومذهب الشافعي أنه مخير في القتل والاسترقاق والفداء والمن؛ ومذهب مالكأنه مخير في واحد من هذه الأربعة، وفي ضرب الجزية. والظاهر أن قوله: {وَإِمَّا فِدَاء }، يجوز فداؤه بالمال وبمنأسر من المسلمين. وقال الحسن: لا يفدى بالمال. وقرأ السلمي: فشدوا، بكسر الشين، والجمهور: بالضم. والوثاق: بفتح الواو، وفيه لغةالوثاق، وهو اسم لما يوثق به، وانتصب مناً وفداء بإضمار فعل يقدر من لفظهما، أي فإما تمنون مناً، وإما تفدونفداء، وهو فعل يجب إضماره، لأن المصدر جاء تفصيل عاقبة، فعامله مما يجب إضماره، ونحوه قول الشاعر:

لأجهدنّ فإما درء واقعة     تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل

أي: فإما أدرأ درأ واقعة، وإما أبلغ بلوغ السؤل. وقالأبو البقاء: ويجوز أن يكونا مفعولين، أي أدوهم منا واقبلوا، وليس إعراب نحوي. وقرأ ابن كثير في رواية شبل: وإمافدى بالقصر. قال أبو حاتم: لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، وهذا ليس بشيء، فقد حكى الفراء فيه أربع لغات:فداء لك بالمد والإغراء، وفدى لك بالكسر بياء والتنوين، وفدى لك بالقصر، وفداء لك. والظاهر من قوله: {فَإِمَّا مَنًّا }:المن بالإطلاق، كما منّ الرسول عليه الصلاة والسلام على ثمامة، وعلى أبي عروة الحجبي. وفي كتاب الزمخشري: كما منّ علىأبي عروة الحجبي، وأثال الحنفي، فغير الكنية والاسم، ولعل ذلك من الناسخ، لا في أضل التصنيف. وقيل: يجوز أن يرادبالمنّ: أي يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وكونهم من أهل الذمة. والظاهر أنقوله: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } غاية لقوله: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ }، لأنه قد غيا فضرب الرقاب بشد الوثاق وقت الإثخان.فلا يمكن أن يغيا بغاية أخرى لتدافع الغايتين، إلا إن كانت الثانية مبينة للأولى ومؤكدة، فيجوز، لأن شد الوثاق للأسرىلا يكون إلا حتى تضع الحرب أوزارها. إذا فسرنا ذلك بانتفاء شوكة الكفار الملقيين إذ ذاك، ويكون الحرب المراد بهاالتي تكون وقت لقاء المؤمنين للكفار، ويجوز أن يكون المغيا محذوفاً يدل عليه المعنى، التقدير: الحكم ذلك حتى تضع الحربأوزارها، أي لا يبقى شوكة لهم. أو كما قال ابن عطية: إنها استعارة بمعنى إلى يوم القيامة، أي اصنعوا ذلكدائماً. وقال الزمخشري: فإن قلت: حتى بم تعلقت؟ قلت: لا يخلو من أن تتعلق إما بالضرب والشد، أو بالمنّ والفداء.فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رحمه الله: أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن يكون حرب مع المشركين،وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل: إذا نزل عيسى بن مريم؛ وعند أبي حنيفة رحمه الله: إذا علق بالضربوالشد. فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حتى لا يبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء،فالمعنى: أنهم يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، إلى أن تناول المن والفداء، يعني: بتناول المن بأن يتركواعن القتل ويسترقوا، أي بالتخلية بضرب الجزية بكونهم من أهل الذمة، وبالعذاب أن يفادى بأسارى المشركين أسارى المسلمين. وقد رواهالطحاوي مذهباً لأبي حنيفة؛ والمشهور أنه لا يرى فداءهم بمال ولا غيره، خيفة أن يعودوا حدباً للمسلمين. {ذٰلِكَ } أيالأمر ذلك إذا فعلوا. {ذٰلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ }: أي لا أنتقم منهم ببعض أسباب الهلاك، منخسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت جارف. {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَ }: أي ولكن: أمركم بالقتال ليبلو بعضكم، وهمالمؤمنون، أي يختبرهم ببعض، وهم الكافرون، بأن يجاهدوا ويصبروا، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم منالعذاب. وقرأ الجمهور: قاتلوا، بفتح القاف والتاء، بغير ألف؛ وقتادة، والأعرج، والأعمش، وأبو عمرو، وحفص: قتلوا مبنياً للمفعول، والتاء خفيفة،وزيد بن ثابت، والحسن، وأبو رجاء، وعيسى، والجحدري أيضاً: كذلك. وقرأ علي: {فَلَن يُضِلَّ } مبنياً للمفعول؛ {أَعْمَـٰلَهُمْ }: رفع.وقرىء: يضل، بفتح الياء، من ضل أعمالهم: رفع. {سَيَهْدِيهِمْ }: أي إلى طريق الجنة. وقال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلىمساكنهم منها لا يخطؤون، لأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا، لا يستبدلوا عليها. وروى عياض عن أبي عمرو: {وَيُدْخِلُهُمُ }، و

{ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ }

، و

{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ }

، بسكون لام الكلمة. {عَرَّفَهَا لَهُمْ }، عن مقاتل: أن الملك الذي وكل بحفظعمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله. وقال أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وقتادة: معناه بينها لهم،أي جعلهم يعرفون منازلهم منها. وفي الحديث لأحدكم بمنزلة في الجنة أعرف منه بمنزلة في الدنيا. وقيل: سماها لهم ورسمهاكل منزل بصاحبه، وهذا نحو من التعريف. يقال: عرف الدار وأرفها: أي حددها، فجنة كل أحد مفرزة عن غيرها. والعرفوالأرف: الحدود. وقيل: شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من الأعراف التي هي الجبال وما أشبهها. وقال مؤرج وغيره: طيبها، مأخوذمن العرف، ومنه: طعام معرف: أي مطيب، أي وعرفت القدر طيبتها بالملح والتابل. {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ }: أي دينه،{يَنصُرْكُمُ }: أي على أعدائكم، بخلق القوة فيكم، وغير ذلك من المعارف. {وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ }: أي في مواطن الحرب، أوعلى محجة الإسلام. وقرأ الجمهور: {وَيُثَبّتْ }: مشدداً، والمفضل عن عاصم: مخففاً. {فَتَعْساً لَّهُمْ }: قال ابن عباس: بعد الهم؛وابن جريج، والسدي: حزناً لهم؛ والحسن: شتماً؛ وابن زيد: شقاء؛ والضحاك: رغماً؛ وحكى النقاش: قبحاً. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: مبتدأ، والفاءداخلة في خبر المبتدأ وتقديره: فتعسهم الله تعساً. فتعساً: منصوب بفعل مضمر، ولذلك عطف عليه الفعل في قوله: {وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ}. ويجوز أن يكون الذين منصوباً على إضمار فعل يفسره قوله: {فَتَعْساً لَّهُمْ }، كما تقول: زيداً جدعاً له. وقالالزمخشري: فإن قلت: على م عطف قوله: وأضل أعمالهم؟ قلت: على الفعل الذي نصب تعساً، لأن المعنى: فقال تعساً لهم،أو فقضى تعساً لهم؛ وتعساً لهم نقيض لعى له. انتهى. وإضمار ما هو من لفظ المصدر أولى، لأن فيه دلالةعلى ما حذف. وقال ابن عباس: يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار. انتهى. وفي قوله: {فَتَعْساً لَّهُمْ}: أي هلاكاً بأداة تقوية لقلوب المؤمنين، إذ جعل لهم التثبيت، وللكفار الهلاك والعثرة. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَٱللَّهُ }: يشمل ما أنزل من القرآن في بيان التوحيد، وذكر البعث والفرائض والحدود، وغير ذلك مما تضمنه القرآن. {فَأَحْبَطَأَعْمَـٰلَهُمْ }: أي جعلها من الأعمال التي لا تزكوا ولا يعتد بها. {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ }: أي أفسد عليهم مااختصوا به من أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وكل ما كان لهم وللكافرين أمثالها. تلك العاقبة والتدميرة التي يدل عليها دمّر والهلكة،لأن التدمير يدل عليها، أو السنة، لقوله عز وجل:

{ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ }

. والوجه الأول هو الراجح، لأنالعاقبة منطوق بها، فعاد الضمير على الملفوظ به، وما بعده مقول القول. {ذَلِكَ بِأَنَّ }: ابتداء وخبر، والإشارة بذلك إلىالنصر في اختيار جماعة، وإلى الهلاك، كما قال: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا }، قال ذلك الهلاك الذي جعل للكفار بأيدي المؤمنين بسبب{إِنَّ ٱللَّهَ * مَوْلَـٰهُمُ }: أي ناصرهم ومؤيدهم، وأن الكافرين لا ناصر لهم، إذ اتخذوا آلهة لا تنفع ولا تضر،وتركوا عبادة من ينفع ويضر، وهو الله تعالى. قال قتادة: نزلت هذه الآية يوم أُحُد، ومنها انتزع رسول اللهﷺ رده على أبي سفيان حين قال: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم»، حين قال المشركون: إنلنا عزى، ولا عزى لكم. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْيَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلاْنْعَـٰمُ }. {يَتَمَتَّعُونَ }: أي ينتفعون بمتاع الدنيا أياماً قلائل، {وَيَأْكُلُونَ }، غافلين غير مفكرينفي العاقبة، {كَمَا تَأْكُلُ ٱلاْنْعَـٰمُ } في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح. والكاف في موضع نصب،إما على الحال من ضمير المصدر، كما يقول سيبويه، أي يأكلونه، أي الأكل مشبهاً أكل الأنعام. والمعنى: أن أكلهم مجردمن الفكر والنظر، كما يقال للجاهل: يعيش كما يعيش البهيمة، لا يريد التشبيه في مطلق العيش، ولكن في لازمه. {وَٱلنَّارُمَثْوًى لَّهُمْ }: أي موضع إقامة. ثم ضرب تعالى مثلاً لمكة والقرى المهلكة على عظمها، كقرية عاد وغيرهم، والمراد أهلها،وأسند الإخراج إليها مجازاً. والمعنى: كانوا سبب خروجك، وذلك وقت هجرته عليه السلام إلى المدينة. وكما جاء في حديث ورقةبن نوفل: يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم. وقال ابن عطية: ونسب الإخراج إلى القريةحملاً على اللفظ، وقال: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ }، حملاً على المعنى. انتهى. وظاهر هذا الكلام لا يصح، لأن الضمير في أهلكناهم ليسعائداً على المضاف إلى القرية التي أسند إليها الإخراج، بل إلى أهل القرية في قوله: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ }، وهوصحيح، لكن ظاهر قوله حملاً على اللفظ وحملاً على المعنى: أي أن يكون في مدلول واحد، وكان يبقى كأين مفلتاًغير محدث عنه بشيء، إلا أن وقت إهلاكهم كأنه قال: فهم لا ينصرون إذ ذاك. وقال ابن عباس: لما أخرجمن مكة إلى الغار، التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليّ، فلوأن المشركين لم يخرجوني، لم أخرج منك، فأعدي الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله. وقيل:بدخول الجاهلية قال: فأنزل الله تعالى، {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } الآية؛ وقد تقدّم أول السورة عن ابن عباس خلاف هذاالقول. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ }: استفهام توقيف وتقرير على كل شيء متفق عليه، وهي معادلة بينهذين الفريقين. قال قتادة: والإشارة إلى الرسول وإلى كفار قريش. انتهى. واللفظ عام لأهل الصنفين. ومعنى على بينة: واضحة، وهوالقرآن المعجز وسائر المعجزات. {كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ }: وهو الشرك والكفر بالله وعبادة غيره. {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ }: أيشهوات أنفسهم ممن لا يكون له بينة، فعبدوا غير خالقهم. والضمير في واتبعوا عائد على معنى من، وقرىء أمن كانبغير فاء. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ }: أي صفة الجنة، وهو مرفوع بالابتداء. قال الزمخشري: قال النضر بن شميل: كأنه قال: صفةالجنة، وهو ما تسمعون. انتهى. فما تسمعون الخبر، وفيها أنها تفسير لتلك الصفة، فهو استئناف إخبار عن تلك الصفة. وقالسيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، وقدر الخبر المحذوف متقدماً، ثم فسر ذلك الذي يتلى. وقال ابن عطية: وفي الكلامحذف يقتضيه الظاهر، كأنه قيل: مثل الجنة ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف. وكان ابن عطية قد قال قبلهذا: ويظهر أن القصد بالتمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء عند سماعه. فههنا كذا، فكأنه يتصور عند ذلك اتباعاًعلى هذه الصورة، وذلك هو مثل الجنة. قال: وعلى هذه التأويلات، يعني قول النضر وقول سيبويه، وما قاله هو يكونقبل قوله: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ } حذف تقديره: أساكن؟ أو أهؤلاء؟ إشارة إلى المتقين. قيل: ويحتمل عندي أنيكون الحذف في صدر هذه الآية، كأنه قال: مثل أهل الجنة، وهي بهذه الأوصاف، {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ }.ويجيء قوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ } في موضع الحال على هذا التأويل. انتهى. ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه. قال: ومثلالجنة: صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، وخبر من هو خالد في النار. وقوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ }، في حكم الصلة،كالتكرير لها. ألا ترى إلى سر قوله: التي فيها أنهار؟ ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف هي: فيها أنهار، كأنقائلاً قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار. وقال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: ما معنى قوله: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَٱلْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ }؟ قال: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ }. قلت: هو كلام في صورة الإثبات، ومعناه النفي والإنكار،لانطوائهم تحت كلام مصدر بحرف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في مسلكه، وهو قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِكَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ }، فكأنه قيل: مثل الجنة كمن هو خالد في النار، أي كمثل جزاء من هوخالد في النار. فإن قلت: لم على من حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادةتصوير لمكابرة من سوى بين المستمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلكالأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم، ونظيره قول القائل:

أفرح أن أرزأ الكرام وأن     أورث ذوداً شصائصاً نبلا

هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريته من حرف الإنكار، لانطوائه تحتحكم من قال: أتفرح بموت أخيك، وبوراثة إبله؟ والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصور قبح ما أزن به،فكأنه قال: نعم مثلي يفرح بمرزأة الكرام، وبأن يستبدل منهم ذوداً يقل طائله، وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار.انتهى. وتلخص من هذا الاتفاق على إعراب: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } مبتدأ، واختلفوا في الخبر، فقيل: هو مذكور، وهو: {كَمَنْ هُوَخَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ }. وقيل: محذوف، فقيل: مقدر قبله، وهو قول سيبويه. وقيل: بعده، وهو قول النضر وابن عطية علىاختلاف التقدير. ولما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال، بين الفرق بينهما فيما يؤولان إليه. وكما قدم من علىبينة، على من اتبع هواه، قدّم حاله على حاله. وقرأ ابن كثير وأهل مكة: آسن، على وزن فاعل، منأسن، بفتح السين؛ وقرىء: غير ياسن بالياء. قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمز. {لَّمْ يَتَغَيَّرْ }، وغيره. و{لَذَّةٍ }:تأنيث لذ، وهو اللذيذ، ومصدر نعت به، فالجمهور بالجر على أنه صفة لخمر، وقرىء بالرفع صفة لأنهار، وبالنصب: أي لأجللذة، فهو مفعول له. {مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } قال ابن عباس: لم يخرج من بطون النحل. قيل: فيخالطه الشمع وغيره،ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير، وهو مما يذكر ويؤنث. وعن كعب: أن النيل ودجلة والفرات وجيحان، تكون هذهالأنهار في الجنة. واختلف في تعيين كل، فهو منها لماذا يكون ينزل، وبدىء من هذه الأنهار بالماء، وهو الذي لايستغنى عنه في المشروبات، ثم باللبن، إذ كان يجري مجرى الطعوم في كثير من أقوات العرب وغيرهم، ثم بالخمر، لأنهإذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما تلتذ به، ثم بالعسل، لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض منالمشروب والمطعوم، فهو متأخر في الهيئة. {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ }، وقيل: المبتدأ محذوف، أي أنواع من كلالثمرات، وقدره بعضهم بقوله: زوجان. {وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ }: لأن المغفرة قبل دخول الجنة، أو على حذف، أي بنعيم مغفرة،إذ المغفرة سبب التنعيم. {وَسُقُواْ }: عائد على معنى من، وهو خالد على اللفظ؛ وكذا: {أَخْرِجُواْ }: على معنى منيستمع. كان المنافقون يحضرون عند الرسول ويستمعون كلامه وتلاوته، فإذا خرجوا، {قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ }، وهم السامعون كلام الرسولحقيقة الواعون له: {مَاذَا قَالَ ءانِفاً }؟ أي الساعة، وذلك على سبيل الهزء والاستخفاف، أي لم نفهم ما يقول، ولمندر ما نفع ذلك. وممن سألوه: ابن مسعود. وآنفاً: حال؛ أي مبتدأ، أي: ما القول الذي ائتنفه قبل انفصاله عنه؟وقرأ الجمهور: آنفاً، على وزن فاعل؛ وابن كثير: على وزن فعل. وقال الزمخشري: وآنفاً نصب على الظرف. انتهى. وقال ذلكلأنه فسره بالساعة. وقال ابن عطية، والمفسرون يقولون: آنفاً، معناه: الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى. انتهى. والصحيح أنهليس بظرف، ولا نعلم أحداً من النحاة عده في الظروف. والضمير في {زَادَهُمْ } عائد على الله، كما أظهره قوله:{طَبَعَ ٱللَّهُ }، إذ هو مقابلهم، وكما هو في: {وَأَتَـٰهُمُ }؛ والزيادة في هذا المعنى تكون بزيادة التفهيم والأدلة، أوبورود الشرع بالأمر والنهي والإخبار، فيزيد المهدي لزيادة علم ذلك والإيمان به. قيل: ويحتمل أن يعود على قول المنافقين واضطرابهم،لأن ذلك مما يعجب به المؤمن ويحمد الله على إيمانه ويزيد نصرة في دينه. وقيل: يعود على قول الرسول {وَٱلَّذِينَٱهْتَدَوْاْ }: أي أعطاهم، أي جعلهم متقين له؛ فتقواهم مصدر مضاف للفاعل. {أَن تَأْتِيهُمُ }: بدل اشتمال من الساعة،والضمير للمنافقين؛ أي الأمر الواقع في نفسه انتظار الساعة، وإن كانوا هم في أنفسهم ينتظرون غير ذلك؛ لأن ما فيأنفسهم غير مراعى، لأنه باطل. وقرأ أبو جعفر الرواسي عن أهل مكة: {ءانٍ * تَأْتِهِم } على الشرط، وجوابه: {فَقَدْجَاء أَشْرَاطُهَا }، وهذا غير مشكوك فيه، لأنها آتية لا محالة. لكن خوطبوا بما كانوا عليه من الشك، ومعناه: إنشككتم في إثباتها فقد جاء أعلامها؛ فالشك راجع إلى المخاطبين الشاكين. وقال الزمخشري: فإن قلت: فما جزاء الشرط؟ قلت: قولهم:{فَأَنَّىٰ لَهُمْ }، ومعناه: أن تأتيهم الساعة، فكيف لهم ذكراهم، أي تذكرهم واتعاظهم؟ إذا جاءتهم الساعة يعني لا تنفعهم الذكرىحينئذ لقوله:

{ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ * وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ }

. فإن قلت: بم يتصل قوله، وقد جاء أشراطها على القراءتين؟قلت: بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول كقولك: إن أكرمني زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه. وقرأ الجعفي، وهرون، عن أبي عمرو:{بَغْتَةً }، بفتح الغين وشد التاء. قال صاحب اللوامح: وهي صفة، وانتصابها على الحال لا نظير لها في المصادر ولافي الصفات، بل في الأسماء نحو: الحرية، وهو اسم جماعة، والسرية اسم مكان. انتهى. وكذا قال أبو العباس بن الحاج،من أصحاب الأستاذ أبي علي الشلوبين، في (كتاب المصادر) على أبي عمرو: أن يكون الصواب بغتة، بفتح الغين من غيرتشديد، كقراءة الحسن فيما تقدم. انتهى. وهذا على عادته في تغليظ الرواية. {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا }: أي علاماتها، فينبغيالاستعداد لها. ومن أشراط الساعة مبعث رسول الله ﷺ، إذ هو خاتم الأنبياء. وروي عنه أنه قال: أنا من أشراط الساعة . وقال: بعثت أنا والساعة كهاتين وكفرسي رهان . وقيل: منها الدخان وانشقاق القمر. وعن الكلبي: كثرة المال،والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام. {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ }: الظاهر أن المعنى: فكيف لهمالذكرى والعمل بها إذا جاءتهم الساعة؟ أي قد فاتها ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون المبتدأ محذوفاً، أي: فأنى لهم الخلاصإذا جاءتهم الذكرى بما كانوا يخبرون به فيكذبون به بتواصله بالعذاب؟ ثم أضرب عن ذكر المنافقين وقال: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَإِلَـٰهَ إِلائَ * ٱللَّهِ }، والمعنى: دم على عملك بتوحيد. واحتج بهذا على قول من قال: أول الواجبات العلم والنظرقبل القول والإقرار. وفي الآية ما يدل على التواضع وهضم النفس، إذ أمره بالاستغفار، ومع غيره بالاستغفار لهم. {مُتَقَلَّبَكُمْ}: متصرفكم في حياتكم الدنيا. {وَمَثْوَاكُمْ }: إقامتكم في قبوركم وفي آخرتكم. وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحامالأمهات، ومثواكم: إقامتكم في الأرض. وقال الطبري وغيره: متقلبكم: تصرفكم في يقظتكم، ومثواكم: منامكم. وقيل: متقلبكم في معائشكم ومتاجركم، ومثواكمحيث تستفزون من منازلكم. وقيل: متقلبكم بالتاء، وابن عباس بالنون. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌمُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ }. كان المؤمنون حريصين على ظهور الإسلام وعلو كلمتهوتمني قتل العدو، وكانوا يستأنسون بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ. والله تعالى قد جعل ذلك باباً ومضروبة لا يتعدى. فمدح تعالىالمؤمنين بطلبهم إنزال سورة، والمعنى تتضمن أمرنا بمجاهدة العدو، وفضح أمر المنافقين. والظاهر أن ظاني ذلك هم خلص في إيمانهم،ولذلك قال بعد {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ }. وقال الزمخشري: كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم، ويقولون: {لَوْلاَنُزّلَتْ سُورَةٌ } في معنى الجهاد. {فَإِذَا أُنزِلَتْ }، وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه، كاعوا وشق عليهم وسقطوا فيأيديهم، كقوله:

{ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ }

. انتهى؛ وفيه تخويف لما يدل عليه لفظ القرآنو{لَوْلاَ }: بمعنى هلا؛ وعن أبي مالك: لا زائدة، والتقدير: لو نزلت، وهذا ليس بشيء. وقرىء: فإذا نزلت. وقرأ زيدبن علي: سورة محكمة، بنصبهما، ومرفوع نزلت بضم، وسورة نصب على الحال. وقرأ هو وابن عمر: {وَذَكَرَ } مبنياً للفاعل،أي الله. {فِيهَا ٱلْقِتَالُ } ونصب. الجمهور: برفع سورة محكمة على أنه مفعول لم يسم فاعله، وبناء وذكر للمفعول، والقتالرفع به، وإحكامها كونها لا تنسخ. قال قتادة: كل سورة فيها القتال، فهي محكمة من القرآن، لا بخصوصية هذه الآية،وذلك أن القتال نسخ ما كان من المهادنة والصلح، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وقيل: محكمة بالحلال والحرام. وقيل:محكمة أريدت مدلولات ألفاظها على الحقيقة دون المتشابه الذي أريد به المجاز، نحو قوله:

{ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }

{ فِى جَنبِ ٱللَّهِ }

، {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ }. {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ }: أي تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً. {نَظَرَٱلْمَغْشِىّ عَلَيْهِ }: أي نظراً كما ينظر من أصابته الغشية من أجل حلول الموت. وقيل: يفعلون ذلك، وهو شخوص البصرإلى الرسول من شدة العداوة. وقيل: من خشية الفضيحة، فإنهم إن يخالفوا عن القتال افتضحوا وبان نفاقهم. وأولى لهم: تقدمشرحه في المفردات. وقال قتادة: كأنه قال: العقاب أولى لهم. وقيل: وهم المكروه، وأولى وزنها أفعل أو أقلع على الاختلاف،لأن الاستفعال الذي ذكرناه في المفردات. فعلى قول الجمهور: إنه اسم يكون مبتدأ، والخبر لهم. وقيل: أولى مبتدأ، ولهم منصلته وطاعة خبر؛ وكأن اللام بمعنى الباء، كأنه قيل: فأولى بهم طاعة. ولم يتعرض الزمخشري لإعرابه، وإنما قال: ومعناه الدعاءعليهم بأن يليه المكروه. وعلى قول الأصمعي: أنه فعل يكون فاعله مضمراً يدل عليه المعنى. وأضمر لكثرة الاستعمال كأنه قال:قارب لهم هو، أي الهلاك. قال ابن عطية: والمشهور من استعمال العرب أولى لك فقط على جهة الحذف والاختصار، لمامعها من القوة، فيقول، على جهة الزجر والتوعد: أولى لك يا فلان. وهذه الآية من هذا الباب. ومنه قوله:

{ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }

. وقول الصديق للحسن رضي الله عنهما: أولى لك انتهى. والأكثرون على أن: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }كلام مستقل محذوف منه أحد الجزأين، إما الخبر وتقديره: أمثل، وهو قول مجاهد ومذهب سيبويه والخليل؛ وإما المبتدأ وتقديره: الأمرأو أمرنا طاعة، أي الأمر المرضي لله طاعة. وقيل: هي حكاية قولهم، أي قالوا طاعة، ويشهد له قراءة أبيّ يقولون:{طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }، وقولهم هذا على سبيل الهزء والخديعة. وقال قتادة: الواقف على: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ } ابتداءوخبر، والمعنى: أن ذلك منهم على جهة الخديعة. وقيل: طاعة صفة لسورة، أي فهي طاعة، أي مطاعة. وهذا القول ليسبشيء لحيلولة الفصل لكثير بين الصفة والموصوف. {فَإِذَا عَزَمَ ٱلاْمْرُ }: أي جد، والعزم: لم الجد، وهو لأصحاب الأمر. واستعيرللأمر، كما قال تعالى:

{ لَمِنْ عَزْمِ ٱلاْمُورِ }

وقال الشاعر:

قـد جـدت بهـم الحـرب فجـدوا    

والظاهر أن جواب إذاًقوله: {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ }، كما تقول: إذا كان الشتاء، فلو جئتني لكسوتك. وقيل: الجواب محذوف تقديره: فإذا عزم الأمرهو أو نحوه، قاله قتادة. ومن حمل {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }، على أنهم يقولون ذلك خديعة قدّرناه {عَزَمَ ٱلاْمْرُ }،فاقفوا وتقاضوا، وقدره أبو البقاء فأصدّق، {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ } فيما زعموا من حرصهم على الجهاد، أو في إيمانهم، وواطأتقلوبهم فيه ألسنتهم، أو في قلوبهم {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }. {فَهَلْ عَسَيْتُمْ }: التفات اللذين في قلوبهم مرض، أقبل بالخطابعليهم على سبيل التوبيخ وتوقيفهم على سوء مرتكبهم، وعسى تقدّم الخلاف في لغتها. وفي القراءة فيها، إذا اتصل بها ضميرالخطاب في سورة البقرة، واتصال الضمير بها لغة الحجاز، وبنو تميم لا يلحقون بها الضمير. وقال أبو عبد الله الرازي:وقد ذكروا أن عسى يتصل بها ضمير الرفع وضمير النصب، وأنها لا يتصل بها ضمير قال: وأما قول من قال:عسى أنت تقوم، وعسى أنا أقوم، فدون ما ذكر تطويل الذي فيه. انتهى. ولا أعلم أحداً من نقلة العرب ذكرانفصال الضمير بعد عسى، وفصل بين عسى وخبرها بالشرط، وهو أن توليتم. وقرأ الجمهور: {إِن تَوَلَّيْتُمْ }،ومعناه إن أعرضتم عن الإسلام. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله؟ ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعواالأرحام، وعصوا الرحمن؟ يشير إلى ما جرى من الفترة بعد زمان الرسول. وقال كعب، ومحمد بن كعب، وأبو العالية، والكلبي:إن توليتم، أي أمور الناس من الولاية؛ ويشهد لها قراءة وليتم مبنياً للمفعول. وعلى هذا قيل: نزلت في بني هاشموبني أمية. وعن النبي ﷺ: «إن توليتم»؛ بضم التاء والواو وكسر اللام، وبها قرأ علي وأويس، أيإن وليتكم ولاية جور دخلتم إلى دنياهم دون إمام العدل. وعلى معنى إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وإقفال العرب في جاهليتهاوسيرتها من الغارات والثبات، فإن كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم. وقيل معناه: إن تولاكم الناس: وكلكم الله إليهم؛والأظهر أن ذلك خطاب للمنافقين في أمر القتال، وهو الذي سبقت الآيات فيه، أي إن أعرضتم عن امتثال أمر اللهفي القتال. {وَأَنْ * تُفْسِدُواْ فِى ٱلاْرْضِ } بعدم معونة أهل الإسلام، فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهممن صلة الرحم. ويدل على ذلك {أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ }. فالآيات كلها في المنافقين. وهذا التوقع الذي في عسىليس منسوباً إليه تعالى، لأنه عالم بما كان وما يكون، وإنما هو بالنسبة لمن عرف المنافقين، كأنه يقول لهم: لناعلم من حيث ضياعهم. هل يتوقع منكم إذا أعرضتم عن القتال أن يكون كذا وكذا؟ وقرأ الجمهور: {*تقطعوا}، بالتشديد علىالتكثير، وأبو عمرو، في رواية، وسلام، ويعقوب، وأبان، وعصمة: بالتخفيف، مضارع قطع؛ والحسن: وتقطعوا، بفتح التاء والقاف على إسقاط حرفالجر، أي أرحامكم، لأن تقطع لازم. {بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المرضى القلوب، {فَأَصَمَّهُمْ } عن سماع الموعظة، {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ} عن طريق الهدى. وقال الزمخشري: لعنهم الله لإفسادهم وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه، وخذلهم حتى عموا. انتهى. وهو على طريقالاعتزال. وجاء التركيب: فأصمهم، ولم يأت فأصم آذانهم؛ وجاء: وأعمى أبصارهم، ولم يأت وأعمامهم. قيل: لأن الأذن لو أصمت لاتسمع الإبصار، فالعين لها مدخل في الرؤية، والأذن لها مدخل في السمع. انتهى. ولهذا جاء:

{ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ }

{ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ }

، ولم يأت: وعلى آذانهم، ولا يأتي: وجعل لكم الآذان. وحين ذكر الأذن، نسبت إليه الوقر، وهو دون الصمم،كما قال:

{ وفي آذاننا وقر }

. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ }: أي يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، وهو استفهامتوبيخي وتوقيفي على محاربهم. {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }: استعارة للذين منهم الإيمان، وأم منقطعة بمعنى بل، والهمزة للتقرير، ولايستحيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يصل إليها ذكر، ولم يحتج إلى تعريف القلوب، لأنه معلوم أنها قلوب من ذكر.ولا حاجة إلى تقدير صفة محذوف، أي أم على قلوب أقفالها قاسية. وأضاف الأقفال إليها، أي الأقفال المختصة، أو هيأقفال الكفر التي استغلقت، فلا تفتح. وقرىء: إقفالها، بكسر الهمزة، وهو مصدر، وأقفلها بالجمع على أفعل. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰأَدْبَـٰرِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } قال قتادة: نزلت في قوم من اليهود، وكانوا عرفوا أمر الرسول منالتوراة، وتبين لهم بهذا الوجه؛ فلما باشروا أمره حسدوه، فارتدوا عن ذلك القدر من الهدى. وقال ابن عباس وغيره: نزلتفي منافقين كانوا أسلموا، ثم ماتت قلوبهم. والآية تتناول كل من دخل في ضمن لفظها. وتقدم الكلام على {سَوَّلَ} في سورة يوسف. وقال الزمخشري: سول لهم ركوب العظائم، من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لاعلم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً. انتهى. وقال أبو علي الفارسي: بمعنى ولا هم من السول، وهو الاسترخاء والتدلي. وقال غيره:سولهم: رجاهم. وقال ابن بحر: أعطاهم سؤلهم. وقول الزمخشري، وقد اشتقه إلى آخره، ليس بجيد، لأنه توهم أن السول أصلهالهمزة. واختلفت المادتان، أو عين سول واو، وعين السؤل همزة؛ والسول له مادتان: إحداهما الهمز، من سأل يسأل؛ والثانية الواو،من سال يسال. فإذا كان هكذا، فسول يجوز أن يكون من ذوات الهمز. وقال صاحب اللوامح: والتسويل أصله من الإرخاء،ومنه:

{ فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ }

. والسول: استرخاء البطن. وقرأ زيد بن علي: {سَوَّلَ لَهُمْ }: أي كيده على تقدير حذف مضاف.وقرأ الجمهور: {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } مبنياً للفاعل، والظاهر أنه يعود على الشيطان، وقاله الحسن، وجعل وعده الكاذب بالبقاء، كالإبقاء. والإبقاءهو البقاء ملاوة من الدهر يمد لهم في الآمال والأماني. قيل: ويحتمل أن يكون فاعل أملى ضميراً يعود على الله،وهو الأرجح، لأن حقيقة الإملاء إنما هو من الله. وقرأ ابن سيرين، والجحدري، وشيبة، وأبو عمرو، وعيسى: وأملى مبنياً للمفعول،أي امهلوا ومدوا في عمرهم. وقرأ مجاهد، وابن هرمز، والأعمش، وسلام، ويعقوب: وأملي بهمزة المتكلم مضارع أملى، أي وأنا أنظرهم،كقوله:

{ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ }

، ويجوز أن يكون ماضياً سكنت منه الياء، كما تقول في يعي بسكون الياء. {ذَلِكَبِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ }. وروي أن قوماً من قريظة والنضير كانوا يعينون المنافقين في أمر الرسول، والخلافعليه بنصره ومؤازرته، وذلك قوله: {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلاْمْرِ }. وقيل: الضمير في قالوا للمنافقين؛ والذين كرهوا مانزل الله: همقريظة والنضير؛ وبعض الأمر: قول المنافقين لهم:

{ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ }

، قاله ابن عباس. وقيل: بعض الأمر: التكذيب بالرسول،أو بلا إله إلا الله، أو ترك القتال معه. وقيل: هو قول الفريقين، اليهود والمنافقين، للمشركين: سنطيعكم في التكافؤ علىعداوة الرسول والقعود عن الجهاد معه، وتعين في بعض الأمر في بعض ما يأسرون به، أو في بعض الأمر الذييهمكم. وقرأ الجمهور: أسرارهم، بفتح الهمزة، وكانت أسرارهم كثيرة. وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص: بكسرها: وهو مصدر؛ قالواذلك سراً فيما بينهم، وأفشاه الله عليهم. وقال أبو عبد الله الرازي: الأظهر أن يقال: والله يعلم أسرارهم، ما فيقلوبهم من العلم بصدق محمد عليه السلام، فإنهم كانوا معاندين مكابرين، وكانوا يعرفون رسول الله ﷺ، كمايعرفون أبناءهم. انتهى. {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ }: تقدم شرح: {ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ }، ومبلغهم لأجل القتال. وتقدمقول المرتدين، وما يلحقهم في ذلك من جزائهم على طواعية الكاذبين ما أنزل الله. وتقدم: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ }؛ فجاءهذا الاستفهام الذي معناه التوقيف عقب هذه الأشياء. فقال الطبري: فكيف علمه بها، أي بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة؟ وقيل: فكيفيكون حالهم مع الله فيما ارتكبوه من ذلك القول؟ وقرأ الأعمش: توفاهم، بألف بدل التاء، فاحتمل أن يكون ماضياً ومضارعاًحذفت منه التاء، والظاهر أن وقت التوفي هو عند الموت. وقال ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصيته إلا تضربالملائكة في وجهه وفي دبره. والملائكة: ملك الموت والمصرفون معه. وقيل: هو وقت القتال نصرة للرسول؛ يضرب وجوههم أن يثبتوا؛وأدبارهم: انهزموا. والملائكة: النصر. والظاهر أن يضربون حال من الملائكة؛ وقيل: حال من الضمير في توفاهم، وهو ضعيف. {ذٰلِكَ }:أي ذلك الضرب للوجوه والأدبار؛ {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ٱللَّهَ }: وهو الكفر، أو كتمان بعث الرسول، أو تسويل الشيطان،أقوال. والمتبع الشيء هو مقبل بوجهه عليه، فناسب ضرب الملائكة وجهه. {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ }: وهو الإيمان بالله واتباع دينه. والكافرللشيء متول عنه، فناسب ضرب الملائكة دبره؛ ففي ذلك مقابلة أمرين بأمرين. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَنلَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ * وَلَوْ نَشَاء لارَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰنَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَلَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً }. إخراج أضغانهم، وهو حقودها: إبرازها للرسول والمؤمنين؛ والظاهر أنها من رؤية البصرلعطف العرفان عليه، وهو معرفة القلب. واتصل الضمير في أريناكهم، وهو الأفصح، وإن كان يجوز الانفصال. وفي هاتين الجملتين تقريبلشهرتهم، لكنه لم يعينهم بأسمائهم، إبقاء عليهم وعلى قراباتهم، واكتفاء منهم بما يتظاهرون به من اتباع الشرع، وإن أبطنوا خلافه.{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ }: كانوا يصطلحون فيما بينهم من ألفاظ يخاطبون بها الرسول، مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح،وكانوا أيضاً يصدر منهم الكلام يشعر بالاتباع، وهم بخلاف ذلك، كقولهم عند النصر:

{ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ }

، وغير ذلك، كقولهم:

{ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ }

، وقوله:

{ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ }

. والظاهر الإراءة والمعرفة بالسيماء، وجود المعرفة في المستقبل بلحن القول.واللام في: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ }، لام جواب القسم المحذوف. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ }: خطاب عام يشمل المؤمن والكافر؛ وقيل: خطاب للمؤمنينفقط. وقرأ الجمهور: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ }، ونبلو: بالنون والواو؛ وأبو بكر: بالياء فيهن وأويس، ونبلو: بإسكانالواو وبالنون؛ والأعمش: بإسكانها وبالياء، وذلك على القطع، إعلاماً بأن ابتلاءه دائم. ومعنى: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ }: أي نعلمهم مجاهدينقد خرج جهادهم إلى الوجود، وبأن مسكهم الذي يتعلق به ثوابهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: ناس من بني إسرائيل، وتبينهداهم: معرفتهم بالرسول من التوراة، أو منافقون كأن الإيمان قد داخل قلوبهم ثم نافقوا؛ والمطعمون: سفرة بدر؛ وتبين الهدى: وجودهعند الداعي إليه، أو مشاعة في كل كافر؛ وتبين الهدى من حيث كان في نفسه، أقوال. {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ }: أيالتي كانوا يرجون بها انتفاع، وأعمالهم التي كانوا يكيدون بها الرسول ودين الإسلام. {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: قيلنزلت في بني إسرائيل، أسلموا وقالوا لرسول الله: قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا، كأنهم منوا بذلك، فنزلت فيهم هذه الآية.وقوله:

{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ }

، فعلى هذا يكون: {وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ } بالمن بالإسلام. وعن ابن عباس: بالرياء والسمعة،وعنه: بالشرك والنفاق؛ وعن حذيفة: بالكبائر، وقيل: بالعجب، فإنه يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب. وعن مقاتل: بعصيانكم للرسول. وقيل:أعمالكم: صدقاتكم بالمن والأذى. {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ }: عام في الموجب لانتفاء الغفران، وهو وفاتهم على الكفر. وقيل: هم أهلالقليب. وقيل: نزلت بسبب عدي بن حاتم، رضي الله عنه، سأل رسول الله ﷺ عن أبيه قال:وكانت له أفعال بر، فما حاله؟ فقال: في النار ، فبكى عدي وولى، فدعاه فقال له: أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن في النار ، فنزلت. {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ }: وهو الصلح. وقرأ الجمهور: وتدعوا، مضارع دعا؛ والسلمي: بتشديدالدال، أي تفتروا؛ والجمهور: إلى السلم، بفتح السين؛ والحسن، وأبو رجاء، والأعمش، وعيسى، وطلحة، وحمزة، وأبو بكر: بكسرها. وتقدم الكلامعلى السلام في البقرة في قوله:

{ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً }

وقال الزمخشري: وقرىء: ولا تدعوا من ادعى القوم، وتداعواإذا ادعوا، نحو قولك: ارتموا الصيد وتراموا. انتهى. والتلاوة بغير لا، وكان يجب أن يأتي بلفظ التلاوة فيقول: وقرىء: وتدعوامعطوف على تهنوا، فهو مجزوم، ويجوز أن يكون مجزوماً بإضمار إن. {وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ }: أي الأعليون، وهذه الجملة حالية؛ وكذا:{وَٱللَّهُ مَعَكُمْ }. ويجوز أن يكونا جملتي استئناف، أخبر أولاً بقوله: {أَنتُمْ * الاْعْلَوْنَ }، فهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود،ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها، وهي كون الله تعالى معهم. {وَلَن يَتِرَكُمْ }، قال ابن عباس: ولنيظلمكم؛ وقيل: لن يعريكم من ثواب أعمالكم؛ وقيل: ولين ينقصكم. وقال الزمخشري، وقال أبو عبيد: {وَلَن يَتِرَكُمْ }: من وترتالرجل، إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو حميم أو قريب؛ قال: أو ذهبت بماله؛ قال: أو حربته،وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد. فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو منفصيح الكلام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ، أي أفرد عنهما قتلاً ونهباً.{إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ }: وهو تحقير لأثر الدنيا، أي فلا تهنوا في الجهاد. وأخبر عنها بذلك، باعتبارما يختص بها من ذلك؛ وأما ما فيها من الطاعة وأمر الآخرة فليس بذلك. {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ }: أي ثواب أعمالكممن الإيمان والتقوى، {وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ }. قال سفيان بن عيينة: أي كثيراً من أموالكم، إنما يسألكم ربع العشر، فطيبواأنفسكم. وقيل: لا حاجة إليها، بل يرجع ثواب إنفاقكم إليكم. وقيل: إنما يسألكم أمواله، لأنه هو المالك لها حقيقة، وهوالمنعم بإعطائها. وقيل: الضمير في يسألكم للرسول، أي لا يسألكم أجراً على تبليغ الرسالة، كما قال:

{ قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ }

. {ؤإِن يَسْـئَلْكُمُوهَا * جَمِيعاً *فَيُحْفِكُمْ }: أي يبالغ في الإلحاح. {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْأَضْغَـٰنَكُمْ }: أي تطعنون على الرسول وتضيق صدوركم كذلك، وتخفون دين يذهب بأموالكم. وقرأ الجمهور: ويخرج أضغانكم جزماً على جوابالشرط، والفعل مسند إلى الله، أو إلى الرسول، أو إلى البخل. وقرأ عبد الوارث، عن أبي عمرو: ويخرج، بالرفع علىالاستئناف بمعنى: وهو يخرج. وحكاها أبو حاتم، عن عيسى؛ وفي اللوامح عن عبد الوارث، عن أبي عمرو: وتخرج، بالتاء وفتحهاوضم الراء والجيم؛ أضغانكم: بالرفع، بمعنى: وهو يخرج أو سيخرج أضغانكم، رفع بفعله. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وابن سيرين، وابنمحيصن، وأيوب بن المتوكل، واليماني: وتخرج، بتاء التأنيث مفتوحة؛ أضغانكم: رفع به؛ ويعقوب: ونخرج، بالنون؛ أضغانكم: رفعاً، وهي مروية عنعيسى، إلا أنه فتح الجيم بإضمار أن، فالواو عاطفة على مصدر متوهم، أي يكف بخلكم وإخراج أضغانكم. وهذا الذي خيفأن يعتري المؤمنين، هو الذي تقرب به محمد بن سلمة إلى كعب بن الأشرف، وتوصل به إلى قتله حين قالهله: إن هذا الرجل قد أكثر علينا وطلب منا الأموال. {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء }: كررها التنبيه توكيداً، وتقدم الكلامعلى هذا التركيب في سورة آل عمران. وقال الزمخشري: هؤلاء موصول بمعنى الذين صلته تدعون، أي أنتم الذين تدعون، أوأنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون؛ ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا: وما وصفنا فقيل: تدعون لتنفقوا في سبيل الله. انتهى. وكونهؤلاء موصولاً إذا تقدمها ما الاستفهامية باتفاق، أو من الاستفهامية باختلاف. {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }، قيل: للغزو، وقيل: الزكاة، واللفظأعم. {وَمَن يَبْخَلْ }: أي بالصدقة وما أوجب الله عليه؛ {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ }: أي لا يتعدى ضرره لغيره.وبخل يتعدى بعلى وبعن. يقال: بخلت عليه وعنه، وصليت عليه وعنه؛ وكأنهما إذا عديا بعن ضمناً معنى الإمساك، كأنه قيل:أمسكت عنه بالبخل. {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء }: أي الغني مطلقاً، إذ يستحيل عليه الحاجات. وأنتم الفقراء مطلقاً، لافتقاركمإلى ما تحتاجون إليه في الدنيا، وإلى الثواب في الآخرة. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ }: عطف على: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ }، أيوإن تتولوا، أي عن الإيمان والتقوى. {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ }: أي يخلق قوماً غيركم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولينعنهما، كما قال:

{ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ }

. وتعيين أولئك القوم، وأنهم الأنصار، أو التابعون، أو أهل اليمن، أو كندة والنخع،أو العجم، أو فارس والروم، أو الملائكة، أقوال. والخطاب لقريش، أو لأهل المدينة، قولان. وروى أبو هريرة أنه عليه الصلاةوالسلام سئل عن هذا، وكان سلمان إلى جنبه، فوضع يده على فخذه وقال: قوم هذا والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس . وإن صح هذا الحديث، وجب المصير في تعيين ما انبهم من قوله: {قَوْماًغَيْرَكُمْ } إلى تعيين الرسول. {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم }: أي في الخلاف والتولي والبخل.