تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة لقمان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ الۤـمۤ } * { تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ } * { هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ } * { ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ } * { خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } * { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } * { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } * { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } * { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } * { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } * { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } * { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } * { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } * { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } * { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ } * { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } * { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } * { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } * { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } * { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } * { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } * { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } * { إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }

لقمان: اسم علم، فإن كان أعجمياً فمنعه من الصرف للعجمة والعلمية، وإن كانعربياً فمنعه للعلمية وزيادة الألف والنون، ويكون مشتقاً من اللقم مرتجلاً، إذ لا يعلم له وضع في النكرات. صعر: مشددالعين، لغة بني تميم. قال شاعرهم

: وكنا إذا الجبار صعر خده     أقمنا له من ميله فيقوم

فيقوم: أمر بالاستقامة للقوافي في المخفوضة، أي فيقوم إن قاله أبو عبيدة وانشاد الطبريفيقوما فعلاً ماضياً خطأ، وتصاعر لغة الحجاز، ويقال: يصعر. قال الشاعر

:أقمنا له من خده المتصعر    

ويقال: أصعر خده. قال الفضل: هو الميل، وقال اليزيدي: هو التشدق في الكلام. وقال أبو عبيدة: أصل هذا منالصعر، داء يأخذ الإبل في رؤوسها وأعناقها، فتلتوى منه أعناقها. القلم: معروف. الختار: شديد الغدر، ومنه قولهم

: إنك لا تمد إلينا شبراً من غدر     إلا مددنا لك باعاً من ختر

وقال عمرو بنمعدي كرب

: وإنك لو رأيت أبا عمير     ملأت يديك من غدر وختر

وقال الأعشى

: فالأيلق الفرد من تيماء منزله     حصن حصين وجار غير ختار

{الم تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَوَهُم بِٱلاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِلِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا }. هذه السورة مكية، قالابن عباس: إلا ثلاث آيات، أولهنّ: {وَلَوْ أَنَّ * مَّا فِى ٱلاْرْضِ }. وقال قتادة: إلا آيتين، أوّلهما: {وَلَوْ أَنَّ} إلى آخر الآيتين، وسبب نزولها أن قريشاً سألت عن قصة لقمان مع ابنه، وعن بر والديه، فنزلت. وقيل: نزلتبالمدينة إلا الآيات الثلاث: {وَلَوْ أَنَّ * مَّا فِى ٱلاْرْضِ } إلى آخرهنّ، لما نزل

{ وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }

وقول اليهود: إن الله أنزل التوراة على موسى وخلفها فينا ومعنا، فقال الرسول: التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله فنزل: {وَلَوْ أَنَّ * مَّا فِى ٱلاْرْضِ * مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ }. ومناسبتهالما قبلها أنه قال تعالى:

{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ }

فأشار إلى ذلك بقوله:{الم تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ }؛ وكان في آخر تلك:

{ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ }

وهنا: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَاوَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً }، وتلك إشارة إلى البعيد، فاحتمل أن يكون ذلك لبعد غايته وعلو شأنه. و{ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ }: القرآنواللوح المحفوط. ووصف الكتاب بالحكيم، إما لتضمنه للحكمة، قيل: أو فعيل بمعنى المحكم، وهذا يقل أن يكون فعيل بمعنى مفعل،ومنه عقدت العسل فهو عقيد، أي معقد، ويجوز أن يكون حكيم بمعنى حاكم. وقال الزمخشري: الحكيم: ذو الحكمة؛ أو وصفلصفة الله عز وجل على الإسناد المجازي، ويجوز أن يكون الأصل الحكيم قابله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابهمرفوعاً بعد الجر استكن في الصفة المشبهة. وقرأ الجمهور: {هُدًى وَرَحْمَةً }، بالنصب على الحال من الآيات، والعامل فيها مافي تلك من معنى الإشارة، قاله الزمخشري وغيره، ويحتاج إلى نظر. وقرأ حمزة، والأعمش، والزعفراني، وطلحة، وقنبل، من طريق أبيالفضل الواسطي: بالرف، خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، على مذهب من يجيز ذلك. {لّلْمُحْسِنِينَ }: يعملون الحسنات، وهيالتي ذكرها، كإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة، ونظيره قول أوس

: الألمعي الذي يظن بك الـظن كأن قد رأى وقد سمعا    

حكي عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد،وخص المحسنون، لأنهم هم الذين انتفعوا به ونظروه بعين الحقيقة. وقيل: الذين يعملون بالحسن من الأعمال، وخص منهم القائمون بهذهالثلاث، لفضل الاعتداد بها. ومن صفة الإحسان ما جاء في الحديث من أن الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه وقيل: المحسنون: المؤمنون. وقال ابن سلام: هم السعداء. وقال ابن شجرة: هم المنجحون. وقيل: الناجون، وكرر الإشارة إليهم تنبيهاًعلى عظم قدرهم. ولما ذكر من صفات القرآن الحكمه، وأنه هدى ورحمة، وأن متبعه فائز، ذكر حال من يطلب منبدل الحكمة باللهو، وذكر مبالغته في ارتكابه حتى جعله مشترياً له وباذلاً فيه رأس عقله، وذكر علته وأنها الإضلال عنطريق الله. ونزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، كان يتجر إلى فارس، ويشتري كتب الأعاجم، فيحدث قريشاً بحديثرستم واسفندار ويقول: أنا أحسن حديثاً. وقيل: في ابن خطل، اشترى جارية تغني بالسب، وبهذا فسر {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ }: المعازفوالغناء. وفي الحديث من رواية أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: شراء المغنيات وبيعهم حرام وقرأ هذه الآية. وقال الضحاك: {لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ }: الشرك. وقال مجاهد، وابن جريج: الطبل، وهذا ضرب من آلة الغناء.وقال عطاء: الترهات. وقيل: السحر. وقيل: ما كان يشتغل به أهل الجاهلية من السباب. وقال أيضاً: ما شغلك عن عبادةالله، وذكره منالسحر والأضاحيك والخرافات والغناء. وقال سهل: الجدال في الدين والخوض في الباطل، والظاهر أن الشراء هنا مجاز عناختيار الشيء، وصرف عقله بكليته إليه. فإن أريد به ما يقع عليه الشراء، كالجواري المغنيات عند من لا يرى ذلك،وككتب الأعاجم التي اشتراها النضر؛ فالشراء حقيقة ويكون على حذف، أي من يشتري ذات لهو الحديث. وإضافة لهو إلى الحديثهي لمعنى من، لأن اللهو قد يكون من حديث، فهو كباب ساج، والمراد بالحديث: الحديث المنكر. وقال الزمخشري: ويجوز أنتكون الإضافة بمعنى من التبعيضية، كأنه قال: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. انتهى. وقرأابن كثير، وأبو عمرو: {لِيُضِلَّ } بفتح الياء، وباقي السبعة: بضمها. قال الزمخشري: فإن قلت: القراءة بالرفع بينة، لأن النضركان غرضه باشتراء اللهو أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ قلت:معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدق عنه، ويزيد فيه ويمده بأن المخذول كان شديد الشكيمة قدعداوة الدين وصد الناس عنه. والثاني: أن يوضع ليضل موضع ليضل من قبل أن من أضل كان ضالاً لا محالة،فدل بالرديف على المردوف. فإن قلت: قوله بغير علم ما معناه؟ قلت: لما جعله مشترياً لهو الحديث بالقرآن قال: يشتريبغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق، ونحوه قوله تعالى:

{ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }

أي وما كانوا مهتدين للتجارة وبصراء بها. انتهى. و{سَبِيلِ ٱللَّهِ }: الإسلام أو القرآن، قولان. قال ابنعطية: والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو الحديث مضافاً إلى الكفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: {لِيُضِلَّ } إلىآخره. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص: {وَيَتَّخِذَهَا }، بالنصب عطفاً على {لِيُضِلَّ }، تشريكاً في الصلة؛ وباقي السبعة: بالرفع، عطفاً على{يَشْتَرِى }، تشريكاً في الصلة. والظاهر عود ضمير {وَيَتَّخِذَهَا } على السبيل، كقوله:

{ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا }

قيل: ويحتمل أنيعود على {ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ }. وقال تعالى:

{ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا }

قيل: ويحتمل أن يعود على الأحاديث،لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث. وقال صاحب التحرير: ويظهر لي أنه أراد بلهو الحديث: ما كانوا يظهرونه من الأحاديثفي تقوية دينهم، والأمر بالدوام عليه، وتفسير صفة الرسول، وأن التوراة تدل على أنه من ولد إسحاق، يقصدون صد أتباعهمعن الإيمان، وأطلق اسم الشراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائل من ملوكهم، ويؤيده {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }: أيدينه. انتهى، وفيه بعض حذف وتلخيص. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ }: بدأ أولاً بالحمل على اللفظ، فأفرد في قوله: {مَنيَشْتَرِى }، {*وليضل}، {عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا }، ثم جمع على الضمير في قوله: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ }، ثم حمل على اللفظ فأفردفي قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ } إلى آخره. ومن في: {مَن يَشْتَرِى } موصولة، ونظيره في من الشرطية قوله:

{ وَمَن يُؤْمِن * مِنْ * بِٱللَّهِ }

فما بعده أفرد ثم قال: {خَـٰلِدِينَ }، فجمع ثم قال:

{ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً }

فأفرد، ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل على اللفظ، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، غيرهاتين الآيتين. والنحويون يذكرون {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ } الآية فقط، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، ويستدلون بها على أنهذا الحكم جار في من الموصولة ونظيرها مما لم يثن ولم يجمع من الموصولات. وتضمنت هذه الآية ذم المشتري منوجوه التولية عن الحكمة، ثم الاستكبار، ثم عدم الالتفات إلى سماعها، كأنه غافل عنها، ثم الإيغال في الإعراض بكون أذنيهكأن فيهما صمماً يصده عن السماع. و{كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا }: حال من الضمير في {مُسْتَكْبِراً }، أي مشبهاً حال منلم يسمعها، لكونه لا يجعل لها بالاً ولا يلتفت إليها؛ وكأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن واجب الحذف.و{كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً }: حال من لم يسمعها. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكونا استئنافين. انتهى، يعني الجملتين التشبيهيتين.ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم، ذكر ما وعد به المؤمنين. وقرأ زيد بن علي: خالدون، بالواو؛والجمهور: بالياء. وانتصب {وَعَدَ ٱللَّهُ } على أنه مصدر مؤكد لنفسه، و{حَقّاً } على المصدر المؤكد لغيره، لأن قوله: {لَهُمْجَنَّـٰتُ ٱلنَّعِيمِ }، والعامل فيها متغاير، فوعد الله منصوب، أي يوعد الله وعده، وحقاً منصوب بأحق ذلك حقاً. {خُلِقَ *ٱلسَّمَـٰوَاتِ } إلى {فَأَنبَتْنَا فِيهَا }، تقدم الكلام على ذلك. ومعنى {كَرِيمٌ }: مدحته بكرم جوهره ونفاسته وحسن منظره، وماتقضي له النفوس بأنه أفضل من غيره حتى استحق الكرم، فيخص لفظ الأزواج ما كان نفيساً مستحسناً من جهة، أومدحته بإتقان صفته وظهور حسن الرتبة والتحكم للصنع فيه، فيعم جميع الأزواج، وهو الأنواع. {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ }: إشارة إلىما ذكر من مخلوقاته، وبخ بذلك الكفار وأظهر حجته. والخلق بمعنى المخلوق، كقولهم: درهم ضرب الأمير، أي مضروبه. ثم سألهمعلى جهة التهكم بهم أن يورده. وأما خلقته آلتهم لما ذكر مخلوقاته، فكيف عبدوها من دونه؟ ويجوز في ماذا أنتكون كلها موصولة بمعنى الذي، وتكون مفعولاً ثانياً لأروني. واستعمال ماذا كلها موصولاً قليل، وقد ذكره سيبويه. ويجوز أن تكونما استفهامية في موضع رفع على الابتداء، وذا موصولة بمعنى الذي، وهو خبر عن ما، والجملة في موضع نصب بأروني،وأروني معلقة عن العمل لفظاً لأجل الاستفام. ثم أضرب عن توبيخهم وتبكيتهم إلى التسجيل عليهم بأنهم في حيرة واضحة لمنيتدبر، لأن من عبد صنماً وترك خالقه جدير بأن يكون في حية وتيه لا يقلع عنه. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ وَإِذْ }. اختلف فيلقمان، أكان حراً أم عبداً؟ فإذا قلنا: كان حراً، فقيل: هو ابن باعورا. قال وهب: ابن أخت أيوب عليه السلام.وقال مقاتل: ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه السلام، وأخذ منه العلم، وكانيفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود، قطع الفتوى، فقيل له: لم؟ فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟ وكان قاضياً فيبني إسرائيل. وقال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل، وزمانه ما بين عيسى ومحمد، عليهما السلام، والأكثرون على أنه لميكن نبياً. وقال عكرمة، والشعبي: كان نبياً. وإذا قلنا: كان عبداً، اختلف في جنسه، فقال ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد:كان نوبياً مشقق الرجلين ذا مشافر. وقال الفراء وغيره: كان حبشياً مجدوع الأنف ذا مشفر. واختلف فيما كان يعانيه منالأشغال، فقال خالد بن الربيع: كان نجاراً، وفي معاني الزجاج: كان نجاداً، بالدال. وقال ابن المسيب: كان خياطاً. وقال ابنعباس: كان راعياً. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. وهذا الاضطراب في كونه حراً أو عبداً، وفي جنسه، وفيماكان يعانيه، يوجب أن لا يكتب شيء من ذلك، ولا ينقل. لكن المفسرون مولعون بنقل المضطربات حشواً وتكثيراً، والصواب تركه.وحكمة لقمان مأثورة كثيرة، منها: قيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً. وقالله داود، عليه السلام، يوماً: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في يد غيري، فتفكر داود فيه، فصعق صعقة. وقال وهب بنمنبه: قرأت في حكم لقمان أكثر من عشرة آلاف. و{ٱلْحِكْمَةَ }: المنطق الذي يتعظ به ويتنبه به، ويتناقله الناس لذلك.{أَنِ ٱشْكُرْ }، قال الزمخشري: أن هي المفسرة، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه سبحانه على أن الحكمةالأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما، أو عبادة الله والشكر له، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشك. وقال الزجاج:المعنى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } لأن يشكر الله، فجعلها مصدرية، لا تفسيرية. وحكى سيبويه: كتبت إليه بأن قم. {فَإِنَّمَايَشْكُرُ لِنَفْسِهِ }: أي ثواب الشكر لا يحصل إلا للشاكرين، إذ هو تعالى غني عن الشكر، فشكر الشاكر لا ينفعه،وكفر من كفر لا يضره. و{حَمِيدٌ }: مستحق الحمد لذاته وصفاته. {وَإِذْ قَالَ }: أي واذكر إذ، وقيل: يحتملأن يكون التقدير: وآتيناه الحكمة، إذ قال، واختصر لدلالة المتقدم عليه. وابنه بارّ، أي: أو أنعم، أو اشكر، أو شاكر،أقوال. {وَهُوَ يَعِظُهُ }: جملة حالية. قيل: كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال يعظهما حتى أسلما. والظاهر أن قوله: {إِنَّٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } من كلام لقمان. وقيل: هو خبر من الله، منقطع عن كلام لقمان، متصل به في تأكيدالمعنى؛ وفي صحيح مسلم ما ظاهره أنه من كلام لقمان. وقرأ البزي: {أَوْ بَنِى }، بالسكون، و{وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا }:بكسر الياء، و{لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً أَقِمِ }: بفتحها. وقيل: بالسكون في الأولى والثانية، والكسر في الوسطى؛ وحفص والمفضل عن عاصم: بالفتحفي الثلاثة على تقدير يا بنيا، والاجتزاء بالفتحة عن الألف. وقرأ باقي السبعة: بالكسر في الثلاثة. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ}: لما بين لقمان لابنه أن الشرك ظلم ونهاه عنه، كان ذلك حثاً على طاعة الله، ثم بين أن الطاعةتكون للأبوين، وبين السبب في ذلك، فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه، أخبر الله عنه بذلك. وقيل: هومن كلام الله، قاله للقمان، أي قلنا له اشكر. وقلنا له: {وَوَصَّيْنَا }. وقيل: هذه الآية اعتراض بيّن أثناء وصيتهللقمان، وفيها تشديد وتوكيد لاتباع الولد والده، وامتثال أمره في طاعة الله تعالى. وقال القرطبي: والصحيح أن هذه الآية وآيةالعنكبوت نزلتا في سعد بن أبي وقاص، وعليه جماعة من المفسرين. ولما خص الأم بالمشقات من الحمل والنفاس والرضاع والتربية،نبه على السبب الموجب للإيصاء، ولذلك جاء في الحديث الأمر ببرّ الأم ثلاث مرات، ثم ذكر الأب، فجعل له مرةالربع من المبرة. {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ }، قال ابن عباس: شدة بعد شدة، وخلقاً بعد خلق. وقال الضحاك: ضعفاًبعضضعف. وقال قتادة: جهداً على جهد، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس، وانتصب على هذه الأقوال على الحال. وقيل:{وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ }: نطفة ثم علقة، إلى آخر النشأة، فعلى هذا يكون حالاً من الضمير المنصوب في حملته، وهوالولد. وقرأ عيسى الثقفي، وأبو عمرو في رواية: وهناً على وهن، بفتح الهاء فيهما، فاحتمل أن يكون كالشعر والشعر، واحتملأن يكون مصدر وهن بكسر الهاء يوهن وهناً، بفتحها في المصدر قياساً. وقرأ الجمهور: بسكون الهاء فيهما. وقرؤا: {وَفِصَـٰلُهُ }.وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وقتادة، والجحدري، ويعقوب: وفصله، ومعناه الفطام، أي في تمام عامين، عبر عنه بنهايته، وأجمعوا على اعتبارالعامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن في الرضاع فخلاف مذكور في الفقه. و{أَنِ ٱشْكُرْ} في موضع نصب، على قول الزجاج. وقال النحاس: الأجود أن تكون مفسرة. {لِى }: أي على نعمة الإيمان. {وَلِوٰلِدَيْكَ}: على نعمة التربية {إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ }: توعد أثناء الوصية. {وَإِن جَـٰهَدَاكَ } إلى: {فَلاَ تُطِعْهُمَا }: تقدم الكلام عليهفي العنكبوت، إلا أن هنا عليّ، وهناك لتشرك بلام العلة. وانتصب {مَّعْرُوفاً } على أنه صفة لمصدر محذوف، أي صحاباً،أو مصاحباً معروفاً وعشرة جميلة، وهو إطعامهما وكسوتهما وعدم جفائهما وانتهارهما، وعيادتما إذا مرضا، ومواراتهما إذا ماتا. {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْأَنَابَ إِلَىَّ }: أي رجع إلى الله، وهو سبيل الرسول لا سبيلهما. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ }: أي مرجعك ومرجعهما، فأجازيكلاً منكم بعمله. ولما نهى لقمان ابنه عن الشرك، نبهه على قدرة الله، وأنه لا يمكن أن يتأخر عنمقدوره شيء فقال: {تَعْمَلُونَ يٰبُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ }، والظاهر أن الضمير في إنها ضمير القصة. وقرأ نافع: مثقال، بالرفععلى {إِن تَكُ } تامة، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر، وأخبر عن مثقال، وهو مذكر، إخبار المؤنث، لأضافته إلى مؤنث،وكأنه قال: إن تك زنة حبة؛ وباقي السبعة: بالنصب على {إِن تَكُ } ناقصة، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلامتقديره: هي، أي التي سألت عنها. وكان فيما روي قد سأل لقمان ابنه: أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر؟ أيعلمهاالله؟ فيكون الضمير ضمير جوهر لا ضمير عرض، ويؤيده قوله: {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ }. وقرأ عبد الكريم الجزري: فتكن،بكسر الكاف وشد النون وفتحها؛ وقراءة محمد بن أبي فجة البعلبكي: فتكن، بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة. وقرأ قتادة:فتكن، بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون، من وكن يكن، ورويت هذه القراءة عن عبد الكريم الجزري أيضاً: أي تستقر،ويجوز أن يكون الضمير ضمير عرض، أي تلك الفعلة من الطاعة أو المعصية. وعلى من قرأ بنصب مثقال، يجوز أنيكون الضمير في أنها ضمير الفعلة، لا ضمير القصة. قال الزمخشري: فمن نصب يعني مثقال، كان الضمير للهيئة من الإساءةوالإحسان، أي كانت مثلاً في الصغر والقماءة، كحبة الخردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه، كجوف الصخرة، أو حيثكانت من العالم العلوي أو السفلي. {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ }، يوم القيامة، فيحاسب عليها. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ }، يتوصلعلمه إلى كل خفي. {خَبِيرٌ }: عالم يكنهه. وعن قتادة: لطيف باستخراجها، خبير بمستقرها. وبدأ له بما يتعلق به أولاً،وهو كينونة الشيء. {فِى صَخْرَةٍ }: وهو ما صلب من الحجر وعشر إخراجه منها، ثم أتبعه بالعالم العلوي، وهو أغربللسامع، ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد، وهو الأرض. وعن ابن عباس والسدي، أن هذه الصخرة هي التي عليهاالأرض. قال ابن عباس: هي تحت الأرضين السبع، يكتب فيها أعمال الفجار. قال ابن عطية: قيل: أراد الصخرة التي عليهاالأرض والحوت والماء، وهي على ظهر ملك. وقيل: هي صخرة في الريح، وهذا كله ضعيف لا يثبت سنده، وإنما معنىالكلام: المبالغة والانتهاء في التفهم، أي إن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة، وما يكون في السماء والأرض. انتهى.قيل: وخفاء الشيء يعرف بصغره عادة، ويبعده عن الرائي. وبكونه في ظلمة وباحتجابه، ففي صخرة إشارة إلى الحجاب، وفي السمواتإشارة إلى البعد، وفي الأرض إشارة إلى الظلمة، فإن جوف الأرض أظلم الأماكن. وفي قوله: {يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } دلالةعلى العلم والقدرة، كأنه قال: يحيط بها علمه وقدرته. ولما نهاه أولاً عن الشرك، وأخبره ثانياً بعلمه تعالى وباهرقدرته، أمره بما يتوسل به إلى الله من الطاعات، فبدأ بأشرفها، وهو الصلاة، حيث يتوجه إليه بها، ثم بالأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، أو على ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف ممن يبعثهعليه، والنهي عن المنكر ممن ينكره عليه، فكثيراً ما يؤذى فاعل ذلك، وهذا إنما يريد به بعد أن يمثل هوفي نفسه فيأتي بالمعروف. إن ذلك إشارة إلى ما تقدم مما نهاه عنه وأمره به. والعزم مصدر، فاحتمل أن يرادبه المفعول، أي من معزوم الأمور، واحتمل أن يراد به الفاعل، أي عازم الأمور، كقوله:

{ فَإِذَا عَزَمَ ٱلاْمْرُ }

وقال ابن جريج: مما عزمه الله وأمر به؛ وقيل: من مكارم الأخلاف وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة. والظاهر أنهيريد من لازمات الأمور الواجبة، لأن الإشارة بذلك إلى جميع ما أمر به ونهى عنه. وهذه الطاعات يدل إيصاء لقمانعلى أنها كانت مأموراً بها في سائر الملل. والعزم: ضبط الأمر ومراعاة إصلاحه. وقال مؤرج: العزم: الحزم، بلغة هذيل. والحزموالعزم أصلان، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس بشيء، لاطراد تصاريف كل واحد من اللفظين، فليس أحدهماأصلاً للآخر. {وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ }: أي لا تولهم شق وجهك، كفعل المتكبر، وأقبل على الناس بوجهك منغير كبر ولا إعجاب، قاله ابن عباس والجماعة. قال ابن خويز منداد: نهى أن يذل نفسه من غير حاجة، وأوردقريباً من هذا ابن عطية احتمالاً فقال: ويحتمل أن يريد: ولا سؤالاً ولا ضراعة بالفقر. قال: والأول، يعني تأويل ابنعباس والجماعة، أظهر لدلالة ذكر الاختيال والعجز بعده. وقال مجاهد: {وَلاَ تُصَعّرْ }، أراد به الإعراض، كهجره بسب أخيه. وقرأابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وزيد بن علي: تصعر، بفتح الصادر وشد العين؛ وباقي السبعة: بألف؛ والجحدري: يصعر مضارع أصعر.{وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلاْرْضِ مَرَحًا }: تقدم الكلام على هذه الجملة في سورة سبحان.

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }

تقدم الكلام في النساء على نظير هذه الجملة في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاًفَخُوراً }. ولما وصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ صار هو في نفسه ممتثلاً للمعروف مزدجراً عن المنكر،أمر به غيره وناهياً عنه غيره، نهاه عن التكبر على الناس والإعجاب والمشي مرحاً، وأخبره أنه تعالى لا يحب المختال،وهو المتكبر، ولا الفخور. قال مجاهد: وهو الذي يعدد ما أعطي، ولا يشكر الله. ويدخل في الفخور: الفخر بالأنساب.{وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ }: ولما نهاه عن الخلق الذميم، أمره بالخلق الكريم، وهو القصد في المشي، بحيثلا يبطيء، كما يفعل المتنامسون والمتعاجبون، يتباطؤون في نقل خطواتهم المتنامين للرياء والمتعاجب للترفع، ولا يسرع، كما يفعل الخرق المتهور.ونظر أبو جعفر المنصور إلى أبي عمرو بن عبيد فقال: كلكم يمشي رويداً، كلكم يطلب صيداً، غير عمرو بن عبيد.وقال ابن مسعود: كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشياً بين ذلك. وقيل: معناه: اجعل بصرك موضع قدمك.وقرىء: وأقصد، بهمزة القطع: أي سدد في مشيك؛ من أقصده الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية، ونسبها ابن خالويه للحجاز.والغض من الصوت: التنقيص من رفعه وجهارته، والغض: رد طموح الشيء، كالصوت والنظر والزمام. وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت، وتمدحبه في الجاهلية، ومنه قول الشاعر

: جهير الكلام جهير العطاس     جهير الرواء جهير النعيم ويخطو على الأين خطو الظليم

وغض الصوت أوفر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه. وأنكر: أفعل، إن بنى من فعل المفعول، كقولهم: أشغل من ذاتالنحيين؛ وبناؤه من ذلك شاذ. والأصوات: أصوات الحيوان كلها. وأنكر جماعة للمذام اللاحقة للأصوات، والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة.شبه الرافعون أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهاق، ولم يؤت بأداة التشبيه، بل أخرج مخرج الاستعارة، وهذه أقصى مبالغة في الذم والتنفيرعن رفع الصوت. ولما كان صوت الحمير متماثلاً في نفسه، لا يكاد يختلف في الفظاعة، أفرد لأنه في الأصل مصدر.وأما أصوات الحمير فغير مختلفة جداً، جمعت في قوله: {إِنَّ أَنكَرَ ٱلاْصْوٰتِ }، فالمعنى: أنكر أصوات الحمير، بالجمع بغير لام.وقال الحسن: كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات، فرد عليهم بأنه لو كان خيراً، فضل به الحمير. والظاهر أن قوله: {إِنَّأَنكَرَ ٱلاْصْوٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } من كلام لقمان لابنه، تنفير له عن رفع الصوت، ومماثلة الحمير في ذلك. قيل: هومن كلام الله تعالى، وفرغت وصية لقمان في قوله: {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } رداً لله به على المشركين الذين كانوايتفاخرون بجهارة الصوت، ورفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرج الغشاء الذي هو داخل الأذن. وقيل: {وَٱقْصِدْ فِىمَشْيِكَ }: إشارة الى الأفعال، {وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ }: إشارة إلى الأقوال، فنبه على التوسط في الأفعال، وعلى الإقلال منفضول الكلام. {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ *وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةًوَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا }. {سَخَّرَ لَكُمُ}: تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع من تسخير {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ }: من الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب؛ {وَمَا فِىٱلاْرْضِ }: من الحيوان، والنبات، والمعادن، والبحار، وغير ذلك؛ وذلك لا يكون إلا بمسخر من مالك متصرف كما يشاء. وقرأابن عباس، ويحيـى بن عمارة: وأصبغ بالصاد، وهي لغة لبني كلب، يبدلونها من السين، إذا جامعت الغين أو الخاء أوالقاف صاداً؛ وباقي القراء: بالسين على الأصل. وقرأ الحسن، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وأبو عمرو، وحفص: {نِعَمَهُ }، جمعاًمضافاً للضمير؛ وباقي السبعة، وزيد ابن علي: نعمة، على الإفراد. والظاهر أنه يراد بالنعمة الظاهرة: الإسلام، والباطنة: الستر. وعن الضحاك،الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. وقيل: الظاهرة: البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح، والباطنة: القلب والعقل والفهم.والذي ينبغي أن يقال: إن الظاهرة مما يدرك بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلاً. فكممن نعمة في بدن الإنسان لا يعلمها، ولا يهتدي إلى العلم بها؟ وانتصب {ظَـٰهِرَةً } على الحال من {نِعَمَهُ }،الجمع على الصفة، ومن نعمة على الإفراد. وتقدم الكلام على: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } إلى: {مُّنِيرٍ }، في الحج، وعلى مابعده إلى: {ءابَاءنَا }، في نظيره في البقرة. {أَوْ * لَوْ }: كان تقديره: أيتبعونهم في أحوالهم؟ وفي هذه الحالالتي لا ينبغي أن لا يتبع فيها الآباء؟ لأنها حال تلف وعذاب. وقد تقدم لنا أن مثل هذا التركيب الذيفيه ولو، إنما يكون في الشيء الذي كان ينبغي أن لا يكون، نحو: اعطوا السائل ولو جاء على فرس، ردواالسائل ولو بظلف محرق،

{ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ }

وكذلك هذا، كان ينبغي من دعا إلىعذاب السعير أن لا يتبع. وقرأ الجمهور: {وَمَن يُسْلِمْ }، مضارع أسلم؛ وعلي، والسلمي، وعبد الله بن مسلم بنيسار: بتشديد اللام، مضارع سلم، وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في البقرة، والمراد: التفويض إلى الله. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِٱلْوُثْقَىٰ }: تقدم الكلام عليه في البقرة. وقال الزمخشري، من باب التمثيل: مثلت حال المتوكل بحال من تدلى من شاهق،فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه. انتهى. ولما ذكر حال الكافر المجادل، ذكر حال المسلم،وأخبر بأن منتهى الأمور صائرة إليه. وقال ابن عطية: والعروة: موضع التعليق، فكأن المؤمن متعلق بأمر الله، فشبه ذلك بالعروة.وسلى رسوله بقوله: {وَمَن كَفَرَ }، إلى آخره، وشبه إلزام العذاب وإهاقهم إليه باضطرار من يضطر إلى الشيء الذي لايمكنه دفعه، ولا الإنفكاك منه. والغلظ يكون في الإجرام، فاستعير للمعنى، والمراد: الشدة. {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }: أقام الحجة عليهم بأنهميقرون بأن الله هو خالق العالم بأسره، ويدعون مع ذلك إلٰهاً غيره. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } على ظهور الحجة عليهم.{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }: إضراب عن مقدر، تقديره: ليس دعواهم، نحو: لا يعلمون أن ما ارتكبوه من ادعاء إلهغير الله لا يصح، ولا يذهب إليه ذو علم. ثم أخبر أنه مالك للعالم كله، وأنه هو الغني، فلا افتقارله لشيء من الموجودات. {ٱلْحَمِيدِ }: المستحق الحمد على ما أنشأ وأنعم. {وَلَوْ أَنَّ * مَّا فِى ٱلاْرْضِ *مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ }: تقدم في أول السورة سبب نزول هذه الآية. ولما ذكر تعالى أن ما في السموات والأرضملك له، وكان ذلك متناهياً، بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها، فقال: {وَلَوْ أَنَّ * مَّا فِىٱلاْرْضِ }، وأن بعد لو في موضع رفع على الفاعلية، أي لو وقع أو ثبت على رأي المبرد، أو فيموضع مبتدأ محذوف الخبر على رأي غيره، وتقرر ذلك في علم النحو. و{مِن شَجَرَةٍ }: تبيين لما، وهو في التقريرفي موضع الحال من الضمير الذي في الجار والمجرور المنتقل من العامل فيه، وتقديره: ولو أن الذي استقر في الأرضكائناً من شجرة وأقلام خبر لأن، وفيه دليل على بطلان دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله: إن خبر أنالجائية بعد لو لا يكون اسماً جامداً ولا اسماً مشتقاً، بل يجب أن يكون فعلاً، وهو قول باطل، ولسان العربطافع بالزيادة عليه. قال الشاعر

: ولو أنها عصفورة لحسبتها     مسومة تدعو عبيداً وأيماً

وقال الآخر

: ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر     تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

وقال آخر

: ولو أن حياً فائت الموت فاته     أخو الحرب فوق القارح القدوان

وهو كثير في لسانهم. والظاهر أن الواو في قوله: {وَٱلْبَحْرِ }، في قراءة من رفع،وهم الجمهور، واو الحال؛ والبحر مبتدأ، و{يَمُدُّهُ } الخبر، أي حال كون البحر ممدوداً. وقال الزمخشري: عطفاً على محل إنومعمولها على ولو، ثبت كون الأشجار أقلاماً، وثبت أن البحر مدوداً بسبعة أبحر. انتهى. وهذا لا يتم إلا على رأيالمبرد، حيث زعم أن {ءانٍ } في موضع رفع على الفاعلية. وقال بعض النحويين: هو عطف على أن، لأنها فيموضع رفع بالإبتداء، وهو لا يتم إلا على رأي من يقول: إن أن بعد لو في موضع رفع على الابتداء،ولولا يليها المبتدأ اسماً صريحاً إلا في ضرورة شعر، نحو قوله

: لو بغير الماء حلقي شرق     كنت كالغصان بالماء اعتصاري

فإذا عطفت والبحر على أن ومعموليها، وهما رفع بالابتداء، لزممن ذلك أن لو يليها الاسم مبتدأ، إذ يصير التقدير: ولو البحر، وذلك لا يجوز إلا في الضرورة، إلا أنهقد يقال: إنه يجوز في المعطوف عليه نحو: رب رجل وإخيه يقولان ذلك. وقرأ عبد الله: وبحر يمده، بالتنكير بالرفع،والواو للحال، أو للعطف على ما تقدم؛ وإن كان الواو واو الحال، كان بحر، وهو نكرة، مبتدأ، وذكروا في مسوغاتالابتداء بالنكرة أن تكون واو الحال تقدمته، نحو قوله

: سرينا ونجم قد أضاء فقد بدا     محياك أخفى ضوؤه كل شارق

وقرأ الجمهور: {يَمُدُّهُ } بالياء، من مد؛ وابن مسعود، وابن عباس: بتاءالتأنيث، من مد أيضاً؛ وعبد الله أيضاً، والحسن، وابن مطرف، وابن هرمز: بالياء من تحت، من أمد؛ وجعفر بن محمد:والبحر مداده، أي يكتب به من السواد. وقال ابن عطية: هو مصدر. انتهى. {مِن بَعْدِهِ }: أي من بعد نفادما فيه، {سَبْعَةُ أَبْحُرٍ }: لا يراد به الاقتصار على هذا العدد، بل جيء للكثرة، كقوله: المؤمن من يأكل فيمعي واحد، والكافر في سبعة أمعاء، لا يراد به العدد، بل ذلك إشارة إلى القلة والكثرة. ولما كان لفظ سبعةليس موضوعاً في الأصل للتكثير، وإن كان مراداً به التكثير، جاء مميزه بلفظ القلة، وهو أبحر، ولم يقل بحور، وإنكان لا يراد به أيضاً إلا التكثير، ليناسب بين اللفظين. فكما يجوز في سبعة، واستعمل للتكثر، كذلك يجوز في أبحر،واستعمل للتكثير. وفي الكلام جملة محذوفة يدل عليها المعنى، وكتب بها الكتاب كلمات الله. {مَّا نَفِدَتْ }، والمعنى: ولوأن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، {مَّا نَفِدَتْ }، ونفدت الأقلاموالمداد الذي في البحر وما يمده، كما قال:

{ لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَـٰتِ رَبّى }

الآية. وقال الزمخشري: فإنقلت: زعمت أن قوله: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ }، حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال، قلت:هو كقوله

:وقد اغتدي والطير في وكناتها    

وجئت والجيش مصطف، وما أشبه ذلك من الأحوال التيحكمها حكم الظروف. يجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض. انتهى. وهذا الذي جعله سؤالاً وجواباً من واضح النحو الذيلا يجهله المبتدئون فيه، وهو أن الجملة لا سمية إذا كانت حالاً بالواو، لا يحتاج إلى ضمير يربط، واكتفى بالواوفيها. وأما قوله: وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، فليس بجيد، لأن الظرف إذا وقع حالاً، ففيالعامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف. والجملة الاسمية إذا كانت حالاً بالواو، فليس فيها ضمير منتقل. وأما قوله: ويجوز، فلايجوز إلا على رأي الكوفيين، حيث يجعلون أل عوضاً من الضمير. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: {مِن شَجَرَةٍ }،على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟ قلت: أريد تفصيل الشجر ونقضها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنسالشجر واحدة إلا قد بريت أقلاماً. انتهى. وهذا النوع هو مما أوقع فيه المفرد موقع الجمع، والنكرة موقع المعرفة، ونظيره:

{ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ }

{ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ }

{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ مَن * دَابَّةٍ }

وكقول العرب: هو أول فارس، وهذا أفضل عالم، يريد من الآيات ومنالرحمات ومن الدواب، وأول الفرسان. أخبروا بالمفرد والنكرة، وأرادوا به معنى الجمع المعرف بأل، وهو مهيع في كلام العرب معروف.وكذلك يتقدر هذا من الشجرات، أو من الأشجار. وفي هذا الكلام من المبالغة في تكثير الأقلام والمداد ما ينبغي أنيتأمل، وذلك أن الأشجار مشتمل كل واحدة منها على الأغصان الكثيرة، وتلك الأغصان كل غصن منها يقطع على قدر القلم،فيبلغ عدد الأقلام في التناهي إلى ما لايعلم به، ولا يحيط إلا الله تعالى. وقرأ الجمهور: {مَا * نَفِدَتْكَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ }، بالألف والتاء. وقرأ زيد بن علي: كلمة الله، على التوحيد. وقرأ الحسن: ما نفد، بغير تاء، كلامالله. قال أبو علي: المراد بالكلمات، والله أعلم: ما في المعدوم دون ما خرج من العدم إلى الوجود. وقالت فرقة:المراد بكلمات الله: معلوماته. وقال الزمخشري: فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والمواضع مواضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل: كلم الله؟قلت: معناه أن كلماته لا تفي بكتبها البحار، فكيف بكلمة؟ انتهى. وعلى تسليم أن كلمات جمع قلة، فجموع القلة إذاتعرفت بالألف واللام غير العهدية، أو أضيفت، عمت وصارت لا تخص القليل، والعام مستغرق لجميع الأفراد. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ }:كامل القدرة، فمقدوراته لا نهاية لها. {حَكِيمٌ }: كامل العلم، فمعلوماته لا نهاية لها. ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعلمه،ذكر ما يبطل استبعادهم للحشر. {إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ }: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها، ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتي:كونوا فيكونون، فالقليل والكثير، والواحد والجمع، لا يتفاوت في قدرته. وقال النقاش: هذه الآية في أبيّ بن خلف، وأبي الأسد،ونبيه ومنبه ابني الحجاج، قالوا: يا محمد: إنا نرى الطفل يخلق بتدريج، وأنت تقول: الله يعيدنا دفعة واحدة، فنزلت. {إِنَّٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }: سميع كل صوت، بصير يبصر كل مبصر في حالة واحدة، لا يشغله إدراك بعضها عن بعض،فكذلك الخلق والبعث. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِىٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى إِلَىٰ أَجَلٍ }. {يُولِجُ ٱلَّيْلَ }: الجملتين شرحت في آل عمران وهنا. {إِلَىٰأَجَلٍ }، ويدل على الأنتهاء، أي: يبلغه وينتهي إليه. وفي الزمر:

{ لاِجَـلٍ }

ويدل على الاختصاص بجعل الجري مختصاًبإدراك أجل مسمى، وجري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر بآخر الشهر؛ فكلا المعنيين متناسب لجريهما، فلذلك عدى بهما. وقرأعياش، عن أبي عمرو: بما يعملون، بياء الغيبة. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ } الآية، تقدم شرحها في الحج وهنا. {وَأَنَّ مَايَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ }، وفي الحج

{ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ }

بزيادة هو. ولما ذكر تعالى تسخير النيرينوإمتنانه بذلك علينا، ذكر أيضاً من سخر الفلك من العالم الأرضي بجامع ما اشتركا فيه من الجريان. وقرأ الجمهور: {أَلَمْتَرَ } على الإفراد اللفظي. وقرأ الأعرج، والأعمش، وابن يعمر: بنعمات الله، بكسر النون وسكون العين جمعاً بالألف والتاء. وقرأابن أبي عبلة: بفتح النون وكسر العين بالألف والتاء والباء، وتحتمل السبية: أي تجري بسبب الريح وتسخير الله، وتحتمل الحالية،أي مصحوبة بنعمة الله، وهي ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات. وقال ابن عطية: الباء للالصاق. انتهى. وقرأ موسىبن الزبير: {ٱلْفُلْكِ }، بضم اللام. و{صَبَّارٍ شَكُورٍ }: بنيتا مبالغة، وفعال أبلغ لزيادة حروفه. ولما تقدم ذكر جريالفلك في البحر، وكأن في ذلك ما لا يخفى على راكبه من الخوف، وتقدم ذكر النعمة، ناسب الختم بالصبر علىما يحذر، وبالشكر على ما أنعم به تعالى، وشبه الموج في ارتفاعه واسوداده واضطرابه بالظلل، وهو السحاب. وقيل: كالظلل: كالجبال،أطلق على الجبل ظلة. وقرأ محمد بن الحنفية: كالظلال، وهما جمع ظلة، نحو: قلة وقلل وقلال. وقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ }،فيه التفات خرج من ضمير الخطاب في {لِيُرِيَكُمْ } إلى ضمير الغيبة في {غَشِيَهُمْ }. و{مَوْجٍ }: اسم جنس يفرقبينه وبين مفرده بتاء التأنيث، فهو يدل على الجمع، ولذلك شبهه بالجمع. {فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ }، قال الحسن: أي مؤمنيعرف حق الله في هذه النعم. وقال مجاهد: مقتصد على كفره: أي يسلم لله ويفهم أن نحو هذا من القدرة،وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها. قيل: أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر. قال الزمخشري:يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا ينبغي لأحد قط. انتهى. وكثر استعمال الزمخشري قط ظرفاً، والعامل فيه غيرماضٍ، وهو مخالف لكلام العرب في ذلك. فقبل حذف مقابل فمنهم مؤمن مقتصد تقديره: ومنهم جاحد ودل عليه، قوله: {وَمَايَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا }. وعلى هذا القول يكون مقتصد معناه: مؤمن مقتصد في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء، موف بما عاهدالله عليه في البحر، وختم هنا ببنيتي مبالغة، وهما: {خَتَّارٍ }، و{كَفُورٌ }. فالصبار الشكور معترف بآيات الله، والختار الكفوريجحد بها. وتوازنت هذه الكلمات لفظاً ومعنىً. أما لفظاً فظاهر، وأما معنىً فالختار هو الغدار، والغدر لا يكون إلا منقلة الصبر، لأن الصبارّ يفوّض أمره إلى الله، وأما الغدار فيعهد ويغدر، فلا يصبر على العهد: وأما الكفور فمقابلته معنىللشكور واضحة. ولما ذكر تعالى الدلائل على الوحدانية والحشر من أوّل السورة، أمر بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير بهذا اليومالعظيم. لا يجزي: لا يقضي، ومنه قيل للمتقاضي: المتجازي، وتقدم الكلام في ذلك في أوائل البقرة. ولما كان الوالدأكثر شفقة على الولد من الولد على أبيه، بدأ به أولاً، وأتى في الإسناد إلى الوالد بالفعل المقتضي للتجدد، لأنشفقته متجددة على الولد في كل حال، وأتى في الإسناد إلى الولد باسم الفاعل، لأنه يدل على الثبوت، والثبوت يصدقبالمرة الواحدة. والجملة من لا يجزي صفة ليوم، والضمير محذوف، أي منه، فإما أن يحذف برمته، وإما على التدريج حذفالخبر، فتعدى الفعل إلى الضمير وهو منصوب فحذف. وقرأ الجمهور: لا يجزي مضارع جزى؛ وعكرمة: بضم الياء وفتح الزاي مبنياًللمفعول؛ وأبو السماك، وعامر بن عبد الله، وأبو السوار: لا يجزىء، بضم الياء وكسر الزاي مهموزاً، وومعناه: لا يغني؛ يقال:أجزأت عنك جزاء فلان: أي أغنيت. ويجوز في {وَلاَ مَوْلُودٌ } وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على والد، والجملة منقوله: {هُوَ }، صفة مولود. والثاني: أن يكون مبتدأ، وهو مبتدأ ثان، وجاز خبره، والجملة خبر للأول، وجاز الابتداء به،وهو نكرة لوجود مسوغ ذلك، وهو النفي. وذهل المهدوي فقال: لا يكون {وَلاَ مَوْلُودٌ } مبتدأ، لأنه نكرة وما بعدهصفة، فيبقى بلا خبر و{شَيْئاً } منصوب بجاز، وهو من باب الأعمال، لأنه يطلبه {لاَّ يَجْزِى } ويطلبه {جَازٍ}، فجعلناه من أعمال الثاني، لأنه المختار. وقرأ ابن أبي إسحاق، وابن أبي عبلة، ويعقوب: نغرنكم، بالنون الخفيفة. وقرأ سماكبن حرب، وأبو حيوة: الغرور بالضم، وهو مصدر؛ والجمهور: بالفتح، وفسره ابن مجاهد والضحاك بالشيطان، ويمكن حمل قراءة الضم عليهجعل الشيطان نفس الغرور مبالغة. وقال الزمخشري: فإن قلت: قوله: {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } هووارد على طريق من التوكيد، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه. قلت: الأمر كذلك، لأن الجملة الاسمية آكد منالفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: {هُوَ }، وقوله: {مَوْلُودٌ }، والسبب في مجيئه هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين، وغالبهمقبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم،وأن يغنوا عنهم من الله شيئاً، فلذلك جيء به على الطريق الأوكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهملو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه من أجداده، لأن الولد يقععلى الولد، وولد الولد بخلاف المولود، فإنه لمن ولد منك. {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ }: يروى أن الحارثبن عمارة المحاربي قال: يا رسول الله، أخبرني عن الساعة متى قيامها؟ وإني لقد ألقيت حباتي في الأرض، وقد أبطأتعني السماء، متى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي، فقد اشتملت على ما في بطنها، أذكر أم أنثى؟ وعلمت أمس، فما أعملغداً؟ وهذا مولدي قد عرفته، فأين أموت؟ فنزلت. وفي الحديث: خمس لا يعلمهنّ إلا الله وتلا هذه الآية.وعلم: مصدر أضيف إلى الساعة، والمعنى: علم يقين، وفيها: {وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ } في آياته من غير تقديم ولا تأخير. {مَافِى ٱلاْرْحَامِ } من ذكر أم أنثى، تام أو ناقص، {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ }، برة أو فاجرة. {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} من خير أو شر، وربما عزمت على أحدهما فعلمت ضده. {بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ }: ورما أقامت بمكان ناوية أنلا تفارقه إلى أن تدفن به، ثم تدفن في مكان لم يحظر لها ببال قط. وأسند العلم إلى الله، والدرايةللنفس، لما في الدراية من معنى الختل والحيلة؛ ولذا وصف الله بالعالم، ولا يوصف بالداري. وأما قوله

:لاهم لا أدري وأنت الداري    

فقول عربي جلف جاهلي، جاهل بما يطلق على الله من الصفات، وما يجوز منهاوما يمتنع. وقرأ الجمهور: {بِأَىّ أَرْضٍ }. وقرأ موسى الأسواري، وابن أبي عبلة: بأية أرض، بتاء التأنيث لإضافتها إلى الموت،وهي لغة قليلة فيهما. كما أن كلاً إذا أضيفت إلى مؤنث قد تؤنث، تقول: كلهنّ فعلن ذلك، وتدري معلقة فيالموضعين. فالجملة من قوله: {مَّاذَا تَكْسِبُ } في موضع مفعول {تَدْرِى }، ويجوز أن يكون ماذا كلها موصولاً منصوباً بتدري،كأنه قال: وما تدري نفس الشيء التي تكسب غداً. وبأي متعلق بتموت، والباء ظرفية، أي: في أي أرض؟ فالجملة فيموضع نصب بتدري. ووقع الإخبار بأن الله استأثر بعلمه هذه الخمس، لأنها جواب لسائل سأل، وهو يستأثر بعلم أشياء لايحصيها إلا هو، وهذه الخمس.