تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة فصلت

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ حـمۤ } * { تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } * { بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } * { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } * { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ } * { ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } * { قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } * { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } * { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } * { فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } * { إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } * { فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } * { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } * { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ } * { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } * { حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ } * { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ } * { فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ } * { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } * { فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُون } * { وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } * { نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } * { نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } * { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } * { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } * { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } * { فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ } * { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ } * { لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } * { مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } * { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } * { مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } * { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } * { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } * { لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } * { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } * { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } * { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } * { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } * { أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ }

الصرصر: الريح الباردة المحرقة، كما تحرق النار، قاله الفراء والزجاج، ويأتي أقوالالمفسرين فيه. النحس المشؤوم: نقيض السعد، قال الشاعر:

سواء عليه أيّ حين أتيته     أساعة نحس تتقي أم بأسعد

وأنشد الفراء:

أبلغ جذاماً ولخماً أن إخوتهم     طياً وبهراء قوم نصرهم نحس

التقييض: تهيئة الشيء وتيسيره، وهذان ثوبانقيضان، إذا كانا متكافئين في الثمن، وقايضني بهذا الثوب: أي خذه وأعطني به بدله، والمقايضة: المعارضة. الأكمام، واحدها كمّ، قالالزمخشري: بكسر الكاف، وقال المبرد: هو ما يغطي الثمرة لجف الطلعة، ومن قال في الجمع أكمه، فالواحد كمام. الآفاق: النواحي،واحدها أفق، قال الشاعر:

لو نال حي من الدنيا بمنزلة     أفق السماء لنالت كفه الأفقا

{حـم * تَنزِيلٌمّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَـٰبٌ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ *وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ * قُلْ إِنَّمَاأَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْبِٱلاْخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ * أَئِنَّكُمْ * لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِىخَلَقَ ٱلاْرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَاأَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاًقَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ * سَمَـٰوَاتٍ * فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَوَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ }. هذه السورة مكية بلا خلاف، ومناسبتها لما قبلها، أنه قال في آخر ماقبلها:

{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِ }

إلى آخرها، فضمن وعيداً وتهديداً وتقريعاً لقريش، فأتبع ذلك التقريع والتوبيخ والتهديد بتوبيخ آخر،فذكر أنه نزل كتاباً مفصلاً آياته، بشيراً لمن اتبعه، ونذيراً لمن أعرض عنه، وأن أكثر قريش أعرضوا عنه. ثم ذكرقدرة الإلۤه على إيجاد العالم العلوي والسفلي. ثم قال: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً }، فكان هذا كله مناسباً لآخرسورة المؤمن من عدم انتفاع مكذبي الرسل حين التبس بهم العذاب، وكذلك قريش حل بصناديدها من القتل والأسر والنهب والسبي،واستئصال أعداء رسول الله ﷺ ما حل بعاد وثمود من استئصالهم. روي أن عتبة بن ربيعةذهب إلى رسول الله ﷺ، ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه، وليقبح عليه فيما بينه وبينه، وليبعد ماجاء به. فلما تكلم عتبة، قرأ رسول الله ﷺ: {حـم }، ومر في صدرها حتى انتهى إلىقوله: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ }، فأرعد الشيخ ووقف شعره، فأمسك على فم رسول اللهﷺ بيده، وناشده بالرحم أن يمسك، وقال حين فارقه: والله لقد سمعت شيئاً ما هو بالشعر ولابالسحر ولا بالكهانة، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي. {تَنزِيلَ }، رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذاتنزيل عند الفراء، أو مبتدأ خبره {كِتَـٰبٌ فُصّلَتْ }، عند الزجاج والحوفي، وخبر {حـم } إذا كانت اسماً للسورة، وكتابعلى قول الزجاج بدل من تنزيل. قيل: أو خبر بعد خبر. {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ }، قال السدي: بينت آياته، أي فسرتمعانيه، ففصل بين حرامه وحلاله، وزجره وأمره، ووعده ووعيده. وقيل: فصلت في التنزيل: أي لم تنزل جملة واحدة. قال الحسن:بالوعد والوعيد. وقال سفيان: بالثواب والعقاب. وقال ابن زيد: بين محمد ﷺ، ومن خالفه. وقيل: فصلت بالمواقفوأنواع، أو آخر الآي، ولم يكن يرجع إلى قافية ولا نحوها، كالشعر والسجع. وقال أبو عبد الله الرازي: ميزتآياته، وجعل تفاصيل معان مختلفة، فبعضها في وصف ذات الله تعالى، وشرح صفات التنزيه والتقديس، وشرح كمال علمه وقدرته ورحمتهوحكمته، وعجائب أحوال خلقه السموات والكواكب، وتعاقب الليل والنهار، وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان؛ وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحوالقلب ونحو الجوارح، وبعضها في الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، ودرجات أهل الجنة ودركات أهل النار؛ وبعضها في المواعظ والنصائح؛ وبعضهافي تهذيب الأخلاق ورياضة النفس؛ وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين. وبالجملة، فمن أنصف، علم أنه ليس في بدء الخلقكتاب اجتمع فيه من العلوم والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن. انتهى. وقرىء: فصلت، بفتح الفاء والصاد مخففة، أيفرقت بين الحق والباطل؛ أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قوله:

{ فُصّلَتْ العير }

: أي انفصلت، وفصل من البلد:أي انفصل منه، وانتصب {جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً } على أنه حال بنفسه، وهي مؤكدة، لأنها لا تنتقل، أو توطئة للحال بعده،وهي {عَرَبِيّاً }، أو على المصدر، أي يقرؤه قرآناً عربياً، أو على الاختصاص والمدح. ومن جعله حالاً فقيل: ذو الحالآياته، وقيل: كتاب، لأنه وصف بقوله: {فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ }، أو على إضمار فعل تقديره: فصلناه قرآناً، أو مفعول ثان لفصلت،أقوال ستة آخرها للأخفش. و{لِقَوْمٍ } متعلق بفصلت، أي يعلمون الأشياء، ويعقلون الدلائل، فكأنه فصل لهؤلاء، إذ هم ينتفعون بهفخصوا بالذكر تشريفاً، ومن لم ينتفع بالتفصيل فكأنه لم يفصل له ويبعد أن يتعلق بتنزيل لكونه وصف في أحد متعلقيه،إن كان من الرحمن في موضع الصفة، أو أبدل منه كتاب، أو كان خبر التنزيل، فيكون في ذلك البدل منالموصول، والإخبار عنه قبل أخذه متعلقه، وهو لا يجوز، وقيل: لقوم في موضع الصفة لقوله: {عَرَبِيّاً }، أي كائناً لقوميعلمون ألفاظه ويتحققون أنه لم يخرج عن نمط كلامهم، وكأنه رد على من زعم أن في القرآن ما ليس منكلام العرب. وانتصب {بَشِيراً وَنَذِيراً } على النعت لقرآناً عربياً، وقيل: حال من آياته. وقرأ زيد بن علي: بشير ونذيربرفعهما على الصفة لكتاب، أو على خبر مبتدأ محذوف، وبشارته بالجنة لمن آمن، ونذارته بالنار لمن كفر. {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ }:أي أكثر أولئك القوم، أي كانوا من أهل العلم ولكن لم ينظروا النظر التام، بل أعرضوا، {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }لإعراضهم عن ما احتوى عليه من الحجج والبراهين، أو لما لم ينتفع به ولم يقبله جعل كأنه لم يسمعه.ثم أخبر تعالى عنهم بالمقالة الدالة على امتناع قلوبهم، والناس من رجوعهم إليه ومن سماعهم لما يتلوه، وهو قوله تعالى،حكاية عنهم: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ }، تقدم الكلام على شبه ذلك في الأنعام.وقرأ طلحة: وقر بكسر الواو، وهذه تمثيلات لامتناع قبول الحق، كأن قلوبهم في غلاف، كما قالوا:

{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ }

،وكأن أسماعهم عند ذكر كلام الله بها صم. والحجاب: الستر المانع من الإجابة، وهو خلاف في الدين، لأنه يعبد اللهوهم يعبدون الأصنام، قال معناه الفراء وغيره. ويروى أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال: يا محمد، بيننا وبينكحجاب، استهزاء منه. وقيل: تمثيل بعدم الإجابة. وقيل: عبارة عن العداوة. ومن في {مّمَّا تَدْعُونَا } إليه لابتداء الغاية، وكذافي {وَمِن بَيْنِنَا }. فالمعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها،ولو لم يأت بمن لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين، والمقصود المبالغة بالتباين المفرط، فلذلك جيء بمن. وقال الزمخشري:فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى }، ليكون الكلام على نمط واحد؟ قلت: هوعلى نمط واحد، لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ }، والدليل عليه قوله تعالى:

{ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ }

. ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة، لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظةإلا في المعاني، وتقول: إن في أبلغ في هذا الموضع من على، لأنهم قصدوا إفراط عدم القبول، لحصول قلوبهم فيأكنة احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف، فلا يمكن أن يصل إليها شيء. كما تقول: المال في الكيس، بخلاف قولك:على المال كيس، فإنه لا يدل على الحصر، وعدم الحصول دلالة الوعاء. وأما في قوله: {أَنَاْ * قَدْ خَلَتْ فِىعِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ * حـم * تَنزِيلٌ مّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَـٰبٌ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَاوَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ }، قال الكلبي: في هلاكنا إنا عاملون في هلاكك. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك،فإننا عاملون لآلهتنا التي نعبدها. وقال الفراء: اعمل على مقتضى دينك، ونحن نعمل على مقتضى ديننا، وذكر الماوردي: اعمل لآخرتك،فإنا نعمل لدنيانا. ولما كان القلب محل المعرفة، والسمع والبصر معينان على تحصيل المعارف، ذكروا أن هذه الثلاثة محجوبة عنأن يصل إليها مما يلقيه الرسول شيء. واحتمل قولهم: {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ }، أي تكون متاركة محضة، وأن يكون استخفافاً.{قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ }، وقرأ الجمهور: قل على الأمر، وابن وثاب والأعمش: قال فعلاً ماضيا، وهذا صدع بالتوحيد والرسالة.وقرأ النخعي والأعمش: يوحى بكسر الحاء؛ والجمهور: بفتحها، وأخبر أنه بشر مثلهم لا ملك، لكنه أوحى إليه دونهم. وقال الحسن:علمه تعالى التواضع، وأنه ما أوحى إليه توحيد الله ورفض آلهتكم. {فَٱسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ }: أي له بالتوحيد الذي هو رأسالدين والعمل، {وَٱسْتَغْفِرُوهُ }: واسألوه المغفرة، إذ هي رأس العمل الذي بحصوله تزول التبعات. وضمن استقيموا معنى التوجه، فلذلك تعدىبإلى، أي وجهوا استقامتكم إليه، ولما كان العقل ناطقاً بأن السعادة مربوطة بأمرين: التعظيم لله والشفقة على خلقه، ذكر أنالويل والثبور والحزن للمشركين الذين لم يعظموا الله في توحيده، ونفي الشريك، ولم يشفقوا على خلقه بإيصال الخير إليهم، وأضافواإلى ذلك إنكار البعث. والظاهر أن الزكاة على ظاهرها من زكاة الأموال، قاله ابن السائب، قال: كانوا يحجون ويعتمرون ولايزكون. وقال الحسن وقتادة: وقيل: كانت قريش تطعم الحاج وتحرم من آمن منهم. وقال الحسن وقتادة أيضاً: المعنى لا يؤمنونبالزكاة، ولا يقرون بها. وقال مجاهد والربيع: لا يزكون أعمالهم. وقال ابن عباس والجمهور: الزكاة هنا لا إله إلا اللهالتوحيد، كما قال موسى عليه السلام لفرعون:

{ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ }

، ويرجح هذا التأويل أن الآية من أولالمكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، قاله ابن عطية، قال: وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهير من الشرك والمعاصي،وقاله مجاهد والربيع. وقال الضحاك ومقاتل: الزكاة هنا النفقة في الطاعة. انتهى. وإذا كانت الزكاة المراد بها إخراج المال، فإنماقرن بالكفر، لكونها شاقة بإخراج المال الذي هو محبوب الطباع وشقيق الأرواح حثاً عليها. قال بعض الأدباء:

وقالوا شقيق الروح مالك فاحتفظ     به فأجبت المال خير من الروح أرى حفظه يفضي بتحسين حالتيوتضييعه يفضي لتسآل مقبوح

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، قال السدي: نزلت في المرضى والزمني إذا عجزوا عن إكمال الطاعات،كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون. والممنون: المنقوص، قاله ابن عباس، رضي الله عنه. قال ذو الأصبغ العدواني:

إني لعمرك ما بابي بذي غلق     على الصديق ولا خيري بممنون

وقال مجاهد: غيرمحسوب، وقيل: غير مقطوع، قال الشاعر:

فضل الجواد على الخيل البطاء فلا     يعطى بذلك ممنوناً ولا نزقا

وقيل: لا يمن به لأن أعطيات الله تشريف، والمن إنما يدخل أعطيات البشر. وقيل: لا يمن به لأنه إنمابمن التفضيل، فأما الآخر فحق أداؤه، نقله الزمخشري، وفيه دسيسة الاعتزال. {قُلْ * أَئِنَّكُمْ * لَتَكْفُرُونَ }: استفهام توبيخ وتشنيععليهم، يكفر من أوجد العالم سفليه وعلويه، ووصف صورة خلق ذلك ومدته، والحكمة في الخلق في مدة هو قادر علىأن يوجد ذلك دفعة واحدة. فذكر تعالى إيجاد ذلك مرتباً، وتقدم الكلام في الخلق في مدة هو قادر على أنيوجد ذلك دفعة واحدة. فذكر تعالى إيجاد ذلك مرتب، وتقدم الكلام في أول ما ابتدىء فيه الخلق، وما خلق مرتباً.ومعنى {فِى يَوْمَيْنِ }: في مقدار يومين. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً }: أي أشباهاً وأمثالاً من الملائكة والجن والأصنام يعبدونها دونه.وقال السدي: أكفاء من الرجال يطيعونهم، وتجعلون معطوف على لتكفرون، فهو داخل في حيز الاستفهام المقتضي الإنكار والتوبيخ، {ذٰلِكَ }أي موجد الأرض ومخترعها، {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } من الأنداد التي جعلتم له وغيرهم. {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ }: إخبار مستأنف،وليس من الصلة في شيء، بل هو معطوف على قوله: {لَتَكْفُرُونَ }. {وَبَـٰرَكَ فِيهَا }: أكثر فيها خيرها. {وَقَدَّرَ فِيهَاأَقْوٰتَهَا }: أي أرزاق ساكنيها ومعايشهم، وأضافهما إلى الأرض من حيث هي فيها وعنها برزت، قاله السدي. وقال قتادة: أقواتهامن الجبال والأنهار والأشجار والصخور والمعادن، والأشياء التي بها قوام الأرض ومصالحها. وقال مجاهد: أقواتها من المطر والمياه. وقال عكرمةوالضحاك ومجاهد أيضاً: خصائصها التي قسمها في البلاد مما خص به كل إقليم، فيحتاج بعضها إلى بعض في التفوّت منالملابس والمطاعم والنبات. {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ }: أي في تمام أربعة أيام باليومين المتقدمين. وقال الزمخشري {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ }،فذلكة لمدة خلق الله وما فيها، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. وقالالزجاج: في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. انتهى، وهذا كما تقول: بنيت جدار بيتي في يوم، وأكملت جميعه فييومين، أي بالأول. وقال أبو عبد الله الرازي: ويفقه من كلام الزمخشري في أربعة أيام فائدة زائدة على قولهفي يومين، لأن قوله في يومين لا يقتضي الاستغراق لذلك العمل. أما لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثمقال في أربعة أيام سواء، دل على أن هذه الأيام مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ونقصان. انتهى. ولافرق بين يومين وأربعة أيام بالنسبة إلى الاستغراق، فإن كانت أربعة تقتضي الاستغراق، وكذلك اليومين يقتضيانه، ومتى كان الظرف معدوداً،كان العمل في جميعه، إما على سبيل التعميم، نحو: سرت يومين، وقد يكون في بعض كل يوم منها، نحو: تهجدتليلتين، فاحتمل الاستغراق، واحتمل في بعض كل واحد من الليلتين؛ وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون وقع الخلق للأرض فيبعض كل واحد من اليومين، واحتمل أن يكون اليومين مستغرقين لخلقها، فكذلك في أربعة أيام يحتمل الاستغراق، وأن يكون خلقالأرض والجبال والبركة وتقدير الأقوات وقع في بعض كل يوم من الأربعة، فما قاله أبو عبد الله الرازي لم تظهربه فائدة زائدة. وقرأ الجمهور: سواء بالنصب على الحال؛ وأبو جعفر بالرفع: أي هو سواء، وزيد بن عليّ والحسنوابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد وعيسى ويعقوب: بالخفض نعتاً لأربعة أيام. قال قتادة والسدي: معناه سواء لمن سأل عنالأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة منه، فإنه يجده كما قال تعالى. وقال ابن زيد وجماعة: معناه متسو مهيأ.أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر بالسائلين عن الطالبين لأنهم من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعونبه، إذ هم بحال حاجة. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق قوله: {لّلسَّائِلِينَ }؟ قلت: بمحذوف، كأنه قيل هذا الحصرلأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، أو يقدر، أو قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين.انتهى، وهو راجع لقول المفسرين المتقدمين. ولما شرح تخليق الأرض وما فيها، أتبعه بتخليق السماء فقال: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَىٱلسَّمَاء }: أي قصد إليها وتوجه دون إرادة تأثير في غيرها، والمعنى: إلى خلق السماء. والظاهر أن المادة التي خلقتمنها السماء كانت دخاناً. وفي أول الكتاب الذي يزعم اليهود أنه التوراة إن عرشه تعالى كان على الماء قبل خلقالسموات والأرض، فأحدث الله في ذلك سخونة، فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء، فخلق الله منه اليبوسةوأحدث منه الأرض؛ وأما الدخان فارتفع وعاد فخلق الله منه السموات. وفيه أيضاً أنه خلق السماء من أجزاء مظلمة. انتهى.وروي أنها كانت جسماً رخواً كالدخان أو البخار. قال ابن عطية: هنا لفظ متروك يدل عليه الظاهر، وتقديره: فأوجدها وأتقنهاوأكمل أمورها، وحينئذ {قَالَ * لَهَا وَلِلاْرْضِ ٱئْتِيَا }. ورجح قول من ذهب إلى أنهما نطقتا نطقاً حقيقياً، وجعل اللهلهما حياة وإدراكاً يقتضي نطقهما، بعد أن ذكر أن المفسرين منهم من ذهب إلى أن ذلك مجاز، وأنه ظهر منهماعن اختيار الطاعة والتذلل والخضوع ما هو بمنزلة القول، قال: والقول الأول أحسن، لأنه لا شيء يدفعه، وأن العبرة فيهأتم، والقدرة فيه أظهر. انتهى. وقال الزمخشري: ويعني أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما، فلم يمتنعا عليه،ووجدنا كما أرادهما، وجاءتا في ذلك كالمأمور المطيع، إذ أورد عليه فعل الآمر فيه. على أن الله تعالى كلم السماءوالأرض وقال لهما: {ٱئْتِيَا }، شئتما ذلك أو أبيتما، فقالتا: آتينا على الطوع لا على الكره. والغرض تصوير أثر قدرتهفي المقدورات لا غيره، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب، ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟قال الوتد: سل من يدقني، فلم يتركني وراء الحجر الذي ورائي. فإن قلت: لم ذكر السماء مع الأرض وانتظمهما فيالأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أولاً غير مدحوة، ثم دحاها بعد خلق السماء،كما قال:

{ وَٱلاْرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }

، فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف؛ ائت ياأرض مدحوة قراراً ومهاداً لأهلك، وائت يا سماء مقببة سقفاً لهم. ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما يقول: أتى عمله مرضياًمقبولاً. ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة، والتدبير من كون الأرض قراراً للسماء،وكون السماء سقفاً للأرض، وينصره قراءة من قرأ: أتيا وأتينا من المواتاة، وهي الموافقة، أي لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها،قالتا: وافقنا وساعدنا. ويحتمل وافقاً أمري ومشيئتي ولا تمتنعا. فإن قلت: ما معنى طوعاً أو كرهاً؟ قلت: هو مثل للزومتأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال، كما يقول الجبار لمن يحب بلوه: لتفعلن هذا شئت أو أبيت،ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً. وانتصابهما على الحال بمعنى طائعتين أو مكرهتين. فإن قلت: هلا قيل طائعتين على اللفظ أو طائعتانعلى المعنى لأنهما سموات وأرضون؟ قلت: لما جعلت مخاطبات ومجيبات، ووصفت بالطوع والكره، قيل: طائعين في موضع طائعات نحو قوله:ساجدين. انتهى. وقرأ الجمهور: ائتيا من الإتيان، أي ائتيا أمري وإرادتي. وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد: أتيا على وزنفعلا، قالتا: أتينا على وزن فعلنا، من آتى يؤتى، كذا قال ابن عطية، قال: وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما منالطاعة ما أردته منكما، والإشارة بهذا كله إلى تسخيرها وما قدره الله من أعمالها. انتهى. وتقدم في كلام الزمخشري أنهجعل هذه القراءة من المواتاة، وهي الموافقة، فيكون وزن آتيا: فاعلاً، وآتينا: فاعلنا، وتقدمه إلى ذلك أبو الفضل الرازي قال:آتينا بالمد على فاعلنا من المواتاة، ومعناه: سارعنا على حذف المفعول منه، ولا يجوز أن يكون من الإيتاء الذي هوالإعطاء لبعد حذف مفعوله. انتهى. وقرأ الأعمش: أو كرهاً بضم الكاف، والأصح أنه لغة في الإكراه على الشيء الموقوع التخييربينه وبين الطواعية، والأكثر أن الكره بالضم معناه المشقة. قال ابن عطية: وقوله قالتا، أراد الفرقتين المذكورتين: جعل السموات سماء،والأرضين أرضاً، وهذا نحو قول الشاعر:

ألم يحزنك أن حبال قومي     وقومك قد تباينتا انقطاعاً

وعبر عنها بتباينتا. انتهى. هذا وليس كما ذكر، لأنه إنما تقدم ذكر الأرض مفردة والسماء مفرد لحسن التعبير عنهمابالتثنية، والبيت هو من وضع الجمع موضع التثنية، كأنه قال: ألم يحزنك أن حبلي قومي وقومك؟ ولذلك ثنى في قوله:تباينتا، وأنث على معنى الحبل، لأنه لا يريد به الحبل حقيقة، إنما عنى به الذمة والمودة التي كانت بين قومهما.والظاهر من هذه الآية أنه خلق الأرض وجعل فيها الرواسي وبارك فيها، ثم أوجد السماء من الدخان فسواها سبعسموات، فيكون خلق الأرض متقدماً على خلق السماء، ودحو الأرض غير خلقها، وقد تأخر عن خلق السماء، وقد أورد علىهذا أن جعل الرواسي فيها والبركة. وتقدير الأقوات لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض موجودة. وقوله:{وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا } مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها، ولا يمكن ذلك إلا بعد صيرورتها منبسطة. ثمقال بعد: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء }، فاقتضى خلق السماء بعد خلق الأرض ودحوها. وأورد أيضاً أن قوله تعالى للسماءوللأرض: {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً }، كناية عن إيجادهما، فلو سبق إيجاد الأرض على إيجاد السماء لاقتضى إيجاد الموجود بأمرهللأرض بالإيجاد، وهو محال، وقد انتهى هذا الإيراد. ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماءقبل الأرض، وتأول قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ } قبل أن يخلق الأرض، فأضمر فيه كان، كما قالتعالى:

{ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ }

معناه: إن يكن سرق. انتهى. وقال أبو عبد الله الرازي:فقدر ثم كان قد استوى جمع بين ضدين، لأن ثم تقتضي التأخر، وكان تقتضي التقدم، فالجمع بينهما يفيد التناقض، ونظيره:ضربت زيداً اليوم، ثم ضربت عمراً أمس. فكما أن هذا باطل، فكذلك ما ذكر يعني من تأويل ثم كان قداستوى، قال: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض. وتأويل الآية أن الخلق ليس عبارة عن التكوين،والإيجاد يدل عليه قوله:

{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }

،وهذا محال، لا يقال للشيء الذي وجد كن، بل الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حقه تعالى حكمه أن سيوجد،وقضاؤه بذلك بمعنى خلق الأرض في يومين، وقضاؤه بأن سيحدث كذا، أي مدة كذا، لا يقتضي حدوثه ذلك في الحال،فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء. انتهى. والذي نقوله: أن الكفار وبخوا وقرعوا بكفرهم بمن صدرت عنههذه الأشياء جميعها من غير ترتيب زماني، وأن ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الزمان، والمهلة كأنه قال: فالذي أخبركم أنهخلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، ثم أخبركم أنه استوى إلى السماء، فلا تعرضفي الآية لترتيب، أي ذلك وقع الترتيب الزماني له. ولما كان خلق السماء أبدع في القدرة من خلق الأرض، ألفالأخبار فيه بثم، فصار كقوله:

{ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }

بعد قوله:

{ فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ }

. ومن ترتيب الأخبار

{ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ }

بعد قوله:

{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ }

وَيَكُونَ * قَوْلُهُ * تَعَالَى * فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ }،بعد إخباره بما أخبر به، تصويراً لخلقهما على وفق إرادته تعالى، كقولك: أرأيت الذي أثنيت عليه فقلت إنك عالم صالح؟فهذا تصوير لما أثنيت به وتفسير له. فكذلك أخبر بأنه خلق كيت وكيت، فحد ذلك إيجاداً لم يتخلف عن إرادته.ويدل على أنه المقصود الإخبار بوقوع هذه الأشياء من غير ترتيب زماني قوله في الرعد:

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ *بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا }

الآية، ثم قال بعد:

{ وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلاْرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَـٰراً }

الآية. وظاهر الآيةالتي نحن فيها جعل الرواسي، وتقدير الأقوات قبل الاستواء إلى السماء وخلقها، ولكن المقصود في الآيتين الإخبار بصدور ذلك منهتعالى من غير تعرض لترتيب زماني، وما جاء من ذلك مقصوراً على يومين أو أربعة أو ستة إنما المعنى فيمقدار ذلك عندكم، لا أنه كان وقت إيجاد ذلك زمان. {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ * سَمَـٰوَاتٍ }: أي صنعهن وأوجدهن، كقول ابنأبي ذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما     داود أو صنع السوابغ تبع

وعلى هذاانتصب سبع على الحال. وقال الحوفي: مفعول ثان، كأنه ضمن قضاهن معنى صيرهن فعداه إلى مفعولين، وقال الزمخشري: ويجوز أنيكون ضميراً مبهماً سبع سموات على التمييز. ويعني بقوله مبهماً، ليس عائداً على السماء، لا من حيث اللفظ ولا منحيث المعنى، بخلاف الحال أو المفعول الثاني، فإنه عائد على السماء على المعنى. {وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا }، قالمجاهد وقتادة: وأوحى إلى سكانها وعمرتها من الملائكة وإليها هي في نفسها ما شاء تعالى من الأمور التي هي قوامهاوصلاحها، وقاله السدي وقتادة: ومن الأمور التي هي بغيرها مثل ما فيها من جبال البرد ونحوها، وأضاف الأمر إليها منحيث هو فيها. وقال الزمخشري: أمرها ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك. {وَحِفْظاً }: أيوحفظناها حفظاً من المسترقة بالثواقب، ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظاً انتهى. ولاحاجة إلى هذا التقدير الثاني، وتكلفه مع ظهور الأول وسهولته ذلك إشارة إلى جميع ما ذكر، أي أوجده بقدرته وعزهوعلمه. {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ *خَلْقَهُمْ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ * قَالُواْ لَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ *فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلاْرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ * لَمْ * يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِىخَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِىٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلاْخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ }. {فَإِنْ أَعْرَضُواْ }: التفات خرج من ضمير الخطاب في قوله:{أَئِنَّكُمْ * لَتَكْفُرُونَ } إلى ضمير الغيبة إعراضاً عن خطابهم، إذ كانوا قد ذكروا بما يقتضي إقبالهم وإيمانهم من الحججالدالة على الوحدانية والقدرة الباهرة، {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ }: أي أعلمتكم، {صَـٰعِقَةُ } أي حلول صاعقة. قال قتادة: عذاباً مثل عذابعاد وثمود. وقال الزمخشري: عذاباً شديد الوقع، كأنه صاعقة. وقرأ الجمهور: {صَـٰعِقَةً مّثْلَ صَـٰعِقَةِ }، وابن الزبير، والسلمي، والنخعي، وابنمحيصن: بغير ألف فيهما وسكون العين، وتقدم تفسيرها في أوائل البقرة. والصعقة: المرة، يقال: صعقته الصاعقة فصعق، وهو من بابفعلت بفتح العين، ففعل بكسرها نحو: خدعته فخدع، وإذ معمولة لصاعقة لأن معناها العذاب. {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ}، قال ابن عباس: أي قبلهم وبعدهم، أي قبل هود وصالح وبعدهما. وقيل: من أرسل إلى آبائهم ومن أرسل إليهم؛فيكون {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } معناه: من قبلهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } معناه: الرسل الذين بحضرتهم. فالضمير في من خلقهم عائدعلى الرسل، قاله الضحاك، وتبعه الفراء، وسيأتي عن الطبري نحو من هذا القول. وقال ابن عطية: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ }:أي تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى عمار عاد وثمود، وبهذا الاتصال قامت الحجة. {وَمِنْ خَلْفِهِمْ }: أي جاءهم رسولبعد تقدم وجودهم في الزمن، وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمتهم خبر ومباشرة. انتهى،وهو شرح كلام ابن عباس. وقال الزمخشري: {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ }: أي آتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهموأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض. كما حكى الله عن الشيطان:

{ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ }

: أي لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة. وعن الحسن: أنذروهم من وقائعالله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرىفيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم. انتهى. وقال الطبري: الضمير في قوله: {وَمِنْ } عائد على الرسل،وفي: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } عائد على الأمم، وفيه خروج عن الظاهر في تفريق الضمائر وتعمية المعنى، إذ يصيرالتقدير: جاءتهم الرسل من بين أيديهم وجاءتهم من خلف الرسل، أي من خلف أنفسهم، وهذا معنى لا يتعقل إلا إنكان الضمير يعود في خلفهم على الرسل لفظاً، وهو يعود على رسل أخرى معنى، فكأنه قال: جاءتهم الرسل من بينأيديهم ومن خلف رسل آخرين، فيكون كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، وهذا فيه بعد. وخص بالذكر منالأمم المهلكة عاد وثمود لعلم قريش بحالهما، ولوقوعهم على بلادهم في اليمن وفي الحجر، وقال الأفوه الأودي:

أضحوا كقيل بن عنز في عشيرته     إذ أهلكت بالذي سدى لها عاد أو بعده كقدار حين تابعه

{أَن لاَّ تَعْبُدُواْ }: يصح أن تكون أن تفسيرية، لأنمجيء الرسل إليهم يتضمن معنى القول، أي جاءتهم مخاطبة؛ وأن تكون مخففة من الثقيلة، أي بأنه لا تعبدوا، والناصبة للمضارع،ووصلت بالنهي كما توصل بإلا، وفي نحو:

{ أَن طَهّرَا }

، وكتبت إليه بأن قم، ولا في هذه إلا وجه للنهي.ويجوز على بعد أن تكون لا نافية، وأن ناصبة للفعل، وقاله الحوفي ولم يذكر غيره. ومفعول شاء محذوف، وقدره الزمخشري:لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة. انتهى. وتتبعت ما جاء في القرآن وكلام العرب من هذا التركيب فوجدته لايكون محذوفاً إلا من جنس الجواب، نحو قوله تعالى:

{ وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }

: أي لو شاء جمعهمعلى الهدى لجمعهم عليه، وكذلك:

{ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً }

{ لو نشاء جعلناه أجاجاً }

{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ }

{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ }

{ لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء }

. قال الشاعر:

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد     ولو شاء ربي كنت عمر بن مرثد

وقال الراجز:

واللذ لو شاء لكنت صخرا     أو جبلاً أشم مشمخرا

فعلى هذا الذي تقرر، لا يكونتقدير المحذوف ما قاله الزمخشري، وإنما التقدير: لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسالة منه إلى الإنس لأنزلهم بها إليهم، وهذاأبلغ في الامتناع من إرسال البشر، إذ علقوا ذلك بأقوال الملائكة، وهو لم يشأ ذلك، فكيف يشاء ذلك في البشر؟{فَإِنَّمَا * بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ }: خطاب لهود وصالح ومن دعا من الأنبياء إلى الإيمان، وغلب الخطاب على الغيبة،نحو قولك: أنت وزيد تقومان. وما مصدرية، أي بإرسالكم، وبه توكيد لذلك. ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، والضمير فيبه عائد عليه، وإذا كفروا بما تضمنه الإرسال، كان كفراً بالإرسال. وليس قوله: {بِمَا أُرْسِلْتُمْ } إقراراً بالإرسال، بل هوعلى سبيل التهكم، أي بما أرسلتم على زعمكم، كما قال فرعون:

{ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ }

. ولمابين تعالى كفر عاد وثمود على الإجمال، فصل بعد ذلك، فذكر خاصية كل واحدة من الطائفتين. فقال: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ}: أي تعاظموا عن امتثال أمر الله وعن ما جاءتهم به الرسل، {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ }: أي بغير ما يستحقون. ولماذكر لهم هذا الذنب العظيم، وهو الاستكبار، وكان فعلاً قلبياً، ذكر ما ظهر عليهم من الفعل اللساني المعبر عن مافي القلب، {وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً }: أي لا أحد أشد منا، وذلك لما أعطاهم الله من عظم الخلقوشدة البطش. فرد الله تعالى عليهم بأن الذي أعطاهم ذلك هو أشد منهم قوة، ومع علمهم بآيات الله، كانوا يجحدونهاولا يعترفون بها، كما يجحد المودع الوديعة من طالبها مع معرفته بها. ولفظه كان في كثير من الاستعمال تشعر بالمداومة،وعبر بالقوة عن القدرة، فكما يقال: الله أقدر منهم، يقال: الله أقوى منهم. فالقدرتان بينهما قدر مشترك، وإن تباينت القدرتانبما لكل منهما من الخاصة. كما يوصف الله تعالى بالعلم، ويوصف الإنسان بالعلم. ثم ذكر تعالى ما أصاب بهعاداً فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } في الحديث: «أنه تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا عليهم قدر حلقة الخاتم، ولوفتحوا قدر منخر الثور لهلكت الدنيا». وروي أنها كانت تحمل العير بأوقادها، فترميهم في البحر. والصرصر، قال مجاهد: شديدة السموم.وقال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي: من الصر، أي باردة. وقال السدي أيضاً، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والطبري، وجماعة: منصرصر إذا صوت. وقال ابن الكسيت: صرصر، يجوز أن يكون من الصرة، وهي الصيحة، ومنه:

{ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ }

.وصرصر: نهر بالعراق. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو، والنخعي، وعيسى، والأعرج نحسات، بسكون الحاء، فاحتمل أن يكون مصدراً وصف به وتارةيضاف إليه، واحتمل أن يكون مخففاً من فعل. وقال الطبري: نحس ونحس: مقت. وقال الزمخشري: مخفف نحس، أو صفة علىفعل، أو وصف بمصدر. انتهى. وتتبعت ما ذكره التصريفيون مما جاء صفة من فعل اللازم فلم يذكروا فيه فعلاً بسكونالعين، قالوا: يأتي على فعل كفرح وهو فرح، وعلى أفعل حور فهو أحور، وعلى فعلان شبع فهو شبعان، وقد يجيءعلى فاعل سلم فهو سالم، وبلى فهو بال. وقرأ قتادة، وأبو رجاء، والجحدري، وشيبة، وأبو جعفر، والأعمش، وباقي السبعة: بكسرالحاء وهو القياس، وفعله نحس على فعل بكسر العين، ونحسات صفة لأيام جمع بألف وتاء، لأنه جمع صفة لما لايعقل. قال مجاهد، وقتادة، والسدّي: مشائيم من النحس المعروف. وقال الضحاك: شديدة البرد، وحتى كان البرد عذاباً لهم. وأنشد الأصمعيفي النحس بمعنى البرد:

كأن سلافة عرضت بنحس     يخيل شقيقها الماء الزلالا

وقيل: سميت بذلك لأنها ذات غبار، ومنه قول الراجز:

قد اغتدي قبل طلوع الشمس     للصيد في يوم قليل النحس

يريد: قليل الغبار. وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: متتابعات كانت آخر شوال من أربعاء إلىأربعاء. وقال السدّي: أولها غداة يوم الأحد. وقال الربيع بن أنس: يوم الجمعة. وقال يحيـى بن سلام: يوم الأحد. {لّنُذِيقَهُمْعَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا }: وهو الهلاك. وقرىء: لتذيقهم بالتاء. وقال الزمخشري: على الإذاقة للريح، أو للأيام النحسات. وأضافالعذاب إلى الخزي إضافة الموصوف إلى صفته لم يأت بلفظة أخرى التي تقتضي المشاركة والتفصيل خبراً عن قوله: {وَلَعَذَابُ ٱلاْخِرَةِ}، وهو إسناد مجازي، أو وصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به. ألا ترى تفاوت ما بين قولك: هو شاعر،وقوله: له شعر شاعر؟ وقابل استكبارهم بعذاب الخزي، وهو الذل والهوان. وبدأ بقصة عاد، لأنها أقدم زماناً، ثم ذكر ثمودفقال: {وَأَمَّا ثَمُودُ }. وقرأ الجمهور: بالرفع ممنوع من الصرف؛ وابن وثاب، والأعمش، وبكر بن حبيب: مصروفاً، وهي قراءة ابنوثاب، والأعمش في ثمود بالتنوين في جميع القرآن إلا قوله:

{ وآتينا ثمود الناقة }

، لأنه في المصحف بغير ألف. وقرىء: ثمودبالنصب ممنوعاً من الصرف، والحسن، وابن أبي إسحاق، والأعمش: ثموداً منونة منصوبة. وروى المفضل عن عاصم الوجهين. انتهى. {فَهَدَيْنَـٰهُمْ }،قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بينا لهم. قال ابن عطية: وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد. وقال الفراء، وتبعهالزمخشري: فهديناهم: فذللناهم على طريق الضلالة والرشد، كقوله تعالى:

{ وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ }

. {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }: فاختاروا الدخولفي الضلالة على الدخول في الرشد. فإن قلت: أليس معنى هديته: حصلت فيه الهدى، الدليل عليه قولك: هديته فاهتدى بمعنىتحصيل البغية وحصولها؟ كما تقول: ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ قلت: للدلالة على أنه منكنهم وأزاح عللهمولم يبق لهم عذر ولا علة، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. وقالسفيان: دعوناهم. وقال ابن زيد: أعلمناهم الهدى من الضلال. وقال ابن عطية: فاستحبوا عبارة عن تكسبهم في العمى، وإلا فهوبالاختراع الله، ويدلك على أنها إشارة إلى تكسبهم قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }. انتهى. والهون: الهوان، وصف العذاب بالمصدر أوأبدل منه.. وقرأ ابن مقسم: عذاب الهوان، بفتح الهاء وألف بعد الواو. وقال الزمخشري: ولو لم يكن في القرآن حجةعلى القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ وكفى به شاهداً إلا هذه، لكفى بهاحجة. انتهى، على عادته في سب أهل السنة. ثم ذكر قريشاً بنجاة من آمن واتقى. قيل: وكان من نجا منالمؤمنين ممن استجاب هود وصالح مائة وعشرة أنفس. {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَامَا جَاءوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىأَنطَقَ كُلَّ شَىْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا }. لما بين تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفارفي الدنيا، أردفه بكيفية عقوبة الكفار أولئك وغيرهم. وانتصب يوم باذكر. وقرأ الجمهور: {يُحْشَرُ } مبنياً للمفعول، {*وأعداء} رفعاً، وزيدبن عليّ، ونافع، والأعرج، وأهل المدينة: بالنون أعداء نصباً، وكسر الشين الأعرج؛ وتقدم معنى {فَهُمْ يُوزَعُونَ } في النمل، و{حَتَّىٰ}: غاية ليحشروا، {أَعْدَاء ٱللَّهِ }: هم الكفار من الأولين والآخرين، وما بعد إذا زائدة للتأكيد. وقال الزمخشري: ومعنى التأكيدفيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها ومثله قوله:

{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ }

: أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به. انتهى. ولا أدريأن معنى زيادة ما بعد إذ التوكيد فيها، ولو كان التركيب بغير ما، كان بلا شك حصول الشرط من غيرتأخر، لأن أداة الشرط ظرف، فالشهادة واقعة فيه لا محالة، وفي الكلام حذف، التقدير: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءوهَا }، أيالنار، وسئلوا عما أجرموا فأنكروا، {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم } بما اكتسبوا من الجرائم، وكانوا حسبوا أن لا شاهدعليهم. ففي الحديث: أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه اليسرى، ثم تنطق الجوارح فيقول: تباً لك، وعنك كنت أدافع .ولما كانت الحواس خمسة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وكان الذوق مندرجاً في اللمس، إذ بمماسة جلدة اللسان والحنكللمذوق يحصل إدراك المذوق، وكان حسن الشم ليس فيه تكليف ولا أمر ولا نهي، وهو ضعيف، اقتصر من الحواس علىالسمع والبصر واللمس، إذ هذه هي التي جاء فيها التكليف، ولم يذكر حاسة الشم لأنه لا تكليف فيه، فهذه واللهأعلم حكمة الاقتصار على هذه الثلاثة. والظاهر أن الجلود هي المعروفة. وقيل: هي الجوارح كنى بها عنها. وقيل: كنى بهاعن الفروج. قيل: وعليه أكثر المفسرين، منهم ابن عباس، كما كنى عن النكاح بالسر. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الجرائم.ثم سألوا جلودهم عن سبب شهادتها عليهم، فلم تذكر سبباً غير أن الله تعالى أنطقها. ولما صدر منها ماصدر من العقلاء، وهي الشهادة، خاطبوها بقولهم: {لِمَ شَهِدتُّمْ }؟ مخاطبة العقلاء. وقرأ زيد بن علي: لم شهدتن؟ بضمير المؤنثات؟و{كُلّ شَىْء }: لا يراد به العموم، بل المعنى: كل ناطق بما ذلك له عادة، أو كان ذلك فيه خرقعادة. وقال الزمخشري: أراد بكل شيء: كل شيء من الحيوان، كما أراد به في قوله:

{ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }

، من المقدورات. والمعنى: أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم،وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه، وإنما قالوا لهم: {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } لتعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح علىألسنة جوارحهم. وقال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: كيف تشهد عليهم أبصارهم وكيف تنطق؟ قلت: الله عز وجل ينطقها، كما أنطقالشجرة بأن يخلق فيها كلام. انتهى، وهذا الرجل مولع بمذهبه الاعتزالي، يدخله في كل ما يقدر أنه يدخل. وإنما أشاربقوله: كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاماً إلى أن الله تعالى لم يكلم موسى حقيقة، وإنما الشجرة هي التيسمع منها الكلام بأن يخلق الله فيها كلاماً خاطبته به عن الله تعالى. والظاهر أن قوله: وما كنتم تستترون منكلام الجوارح، قيل: ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى توبيخاً لهم، أو من كلام ملك يأمره تعاليه. و{أَن يَشْهَدَ}: يحتمل أن يكون معناه: خيفة أو لأجل أن يشهد إن كنتم غير عالمين بأنها تشهد، {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَلاَ يَعْلَمُ }، فانهمكتم وجاهدتم، وإلى هذا نحا مجاهد، والستر يأتي في هذا المعنى، كما قال الشاعر:

والستر دون الفاحشات وما     يلقاك دون الخير من ستر

ويحتمل أن يكون معناه: عن أنيشهد، أي وما كنتم تمتنعون، ولا يمكنكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلىهذا الحد من الشهادة عليكم، وإلى هذا نحا السدي، أو ما كنتم تتوقعون بالاختفاء والستر أن يشهد عليكم، لأن الجوارحلزيمة لكم. وعبر قتادة عن تستترون بتظنون، أي وما كنتم تظنون أن يشهد، وهذا تفسير من حيث المعنى لا منحيث مرادفة اللفظ، {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً }، وهو الخفيات من أعمالكم، وهذا الظن كفر وجهل باللهوسوء معتقد يؤدي إلى تكذيب الرسل والشك في علم الإله. {وَذَلِكُمْ }: إشارة إلى ظنهم أن الله لا يعلم كثيراًمن أعمالهم، وهو مبتدأ خبره {أَرْدَاكُمْ }، و{ظَنُّكُمُ } بدل من {ذٰلِكُمْ } أي وظنكم بربكم ذلكم أهلككم. وقال الزمخشري:وظنكم وأرداكم خبران. وقال ابن عطية: أرداكم يصلح أن يكون خبراً بعد خبر. انتهى. ولا يصح أن يكون ظنكم بربكمخبراً، لأن قوله: {وَذَلِكُمْ } إشارة إلى ظنهم السابق، فيصير التقدير: وظنكم بأن ربكم لا يعلم ظنكم بربكم، فاستفيد منالخبر ما استفيد من المبتدأ، وهو لا يجوز؛ وصار نظير ما منعه النحاة من قولك: سيد الجارية مالكها. وقال ابنعطية: وجوز الكوفيون أن يكون معنى أرداكم في موضع الحال، والبصريون لا يجيزون وقوع الماضي حالاً إلا إذا اقترن بقد،وقد يجوز تقديرها عندهم إن لم يظهر. انتهى. وقد أجاز الأخفش من البصريين وقوع الماضي حالاً بغير تقدير قد وهوالصحيح، إذ كثر ذلك في لسان العرب كثرة توجب القياس، ويبعد فيها التأويل، وقد ذكرنا كثرة الشواهد على ذلك فيكتابنا المسمى (بالتذييل والتكميل في شرح التسهيل). {فَانٍ }: خطاب للنبي عليه السلام، قيل: وفي الكلام حذف تقديره: أولاًيصبروا، كقوله:

{ فَٱصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ }

، وذلك في يوم القيامة. وقيل: التقدير: فإن يصبروا على ترك دينكواتباع أهوائهم، {فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ }: أي مكان إقامة. وقرأ الجمهور: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ } مبنياً للفاعل، {فَمَا هُم مّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}: اسم مفعول. قال الضحاك: إن يعتذروا فما هم من المعذورين؛ وقيل: وإن طلبوا العتبى، وهي الرضا، فما هم ممنيعطاها ويستوجبها. وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد، وموسى الأسواري: وإن يستعتبوا: مبنياً للمفعول، فما هم من المعتبين: اسم فاعل، أيطلب منهم أن يرضوا ربهم، فما هم فاعلون، ولا يكون ذلك لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال، كما قال صلىالله عليه وسلم: ليس بعد الموت مستعتب . وقال أبو ذؤيب:

أمن المنون وريبها تتوجع     والدهر ليس بمعتب من يجزع

ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. ولما ذكرتعالى الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفرة، أردفه بذكر السبب الذي أوقعهم في الكفر فقال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْقُرَنَاء }: أي سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا. وقيل: سلطنا ووكلنا عليهم. وقيل: قدرنا لهم. وقرناء: جمع قرين، أيقرناء سوء من غواة الجن والإنس؛ {فَزَيَّنُواْ لَهُم }: أي حسنوا وقد روا في أنفسهم؛ {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }، قالابن عباس: من أمر الآخرة، أنه لا جنة ولا نار ولا بعث. {وَمَا }، قال ابن عباس: من أمر الدنيا،من الضلالة والكفر ولذات الدنيا. وقال الكلبي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }: أعمالهم التي يشاهدونها، {وَمَا خَلْفَهُمْ }: ما همعاملوه في المستقبل. وقال ابن عطية: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }، من معتقدات السوء في الرسل والنبوات ومدح عبادة الأصنام واتباعفعل الآباء، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ }: ما يأتي بعدهم من أمر القيامة والمعاد. انتهى، ملخصاً، وهو شرح قول الحسن، قال: {مَابَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الدنيا، {وَمَا خَلْفَهُمْ } من أمر الآخرة. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يقيضلهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت: معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبقلهم قرناء سوى الشياطين، والدليل عليه:

{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً }

. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال.{وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ }: أي كلمة العذاب، وهو القضاء المختم، بأنهم معذبون. {فِى أُمَمٍ }: أي في جملة أمم، وعلىهذا قول الشاعر:

إن تك عن أحسن الصنيعة مأفو     كاً ففي آخرين قد أفكوا

أي: فأنت في جملة آخرين، أو فأنت في عدد آخرين، لست في ذلك بأوحد. وقيل: في بمعنى مع، ولا حاجةللتضمين مع صحة معنى في. وموضع في {أُمَمٌ } نصب على الحال، أي كائنين في جملة أمم، وذو الحال الضميرفي عليهم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ }: الضمير لهم وللأمم، وهذا تعليل لاستحقاقهم العذاب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ }:أي لا تصغوا، {لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ }: إذا تلاه محمد ﷺ. قال أبو العالية: وقعوا فيهوعيبوه. وقال غيره: كان الرسول عليه السلام إذا قرأ في المسجد أصغى إليه الناس من مؤمن وكافر، فخشي الكفار استمالةالقلوب بذلك فقالوا: متى قرأ محمد ﷺ، فلنلغط نحن بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأرجاز حتى يخفىصوته، وهذا الفعل هو اللغو. وقرأ الجمهور والفراء: بفتح الغين مضارع لغى بكسرها؛ وبكر بن حبيب السهمي كذا في كتابابن عطية، وفي كتاب اللوامح. وأما في كتاب ابن خالويه، فعبد الله بن بكر السهمي وقتادة وأبو حيوة والزعفراني وابنأبي إسحاق وعيسى: بخلاف عنهما، بضم الغين مضارع لغى بفتحها، وهما لغتان، أي ادخلوا فيه اللغو، وهو اختلاف القول بمالا فائدة فيه. وقال الأخفش: يقال لغا يلغى بفتح الغين وقياسه الضم، لكنه فتح لأجل حرف الحلق، فالقراءة الأولى منيلغى. والثانية من يلغو. وقال صاحب اللوامح: ويجوز أن يكون الفتح من لغى بالشيء يلغى به إذا رمى به، فيكونفيه بمعنى به، أي ارموا به وانبذوه. {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }: أي تطمسون أمره وتميتون ذكره. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }:وعيد شديد لقريش، والعذاب الشديد في الدنيا كوقعة بدر وغيرها، والأسوأ يوم القيامة. أقسم تعالى على الجملتين، وشمل الذين كفرواالقائلين والمخاطبين في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ }. {ذٰلِكَ }: أي جزاؤهم في الآخرة، فالنار بدل أو خبرمبتدأ محذوف. وجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، وجزاء مبتدأ والنار خبره. {فِيهَا دَارُ الخُلْدِ }:أي فكيف قيل فيها؟ والمعنى أنها دار الخلد، كما قال تعالى:

{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حسنة }

، والرسولنفسه هو الأسوة، وقال الشاعر:

وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل}    

والمعنى أن الله هو الحكمالعدل، ومجاز ذلك أنه قد يجعل الشيء ظرفاً لنفسه، باعتبار متعلقه على سبيل المبالغة، كأن ذلك المتعلق صار الشيء مستقراًله، وهو أبلغ من نسبة ذلك المتعلق إليه على سبيل الإخبارية عنه. {VVV} والمعنى أن الله هوالحكم العدل، ومجاز ذلك أنه قد يجعل الشيء ظرفاً لنفسه، باعتبار متعلقه على سبيل المبالغة، كأن ذلك المتعلق صار الشيءمستقراً له، وهو أبلغ من نسبة ذلك المتعلق إليه على سبيل الإخبارية عنه. {جَزَاء أَعْدَاء ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ }، قالالزمخشري: إن جزاءهم بما كانوا يلغون فيها، فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو. ولما رأى الكفار عظم ما حل بهممن عذاب النار، سألوا من الله تعالى أن يريهم من كان سبب إغوائهم وإضلالهم. والظاهر أن {ٱللَّذَيْنِ } يراد بهماالجنس، أي كل مغو من هذين النوعين، وعن علي وقتادة: أنهما إبليس وقابيل، إبليس سن الكفر، وقابيل سن القتل بغيرحق. قيل: وهل يصح هذا القول؟ عن علي: وقابيل مؤمن عاص، وإنما طلبوا المضلين بالكفر المؤدي إلى الخلود، وقد أصلحهذا القول بأن قال: طلب قابيل كل عاص من أهل الكبائر، وطلب إبليس كل كافر، ولفظ الآية ينبو عن هذاالقول وعن إصلاحه، وتقدم الخلاف في قراءة {أَرِنَا } في قوله:

{ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا }

. وقال الزمخشري: حكوا عن الخليل أنك إذاقلت: أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى: بصرنيه، وإذا قلته بالسكون، فهو استعطاء معناه: أعطني ثوبك؛ ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء،وأصله الإحضار. انتهى. {نجعلهما تحت أقدامنا: يريدون في أسفل طبقة من النار، وهي أشد عذاباً، وهي درك المنافقين. وتشديد النونفي اللذين واللتين وهذين وهاتين حالة كونهما بالياء لا تجيزه البصريون، والقراءة بذلك في السبعة حجة عليهم. {إن الذينقالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكمفي الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلاً من غفور رحيم، ومن أحسنقوفلا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسنفإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وإماينزغنك من الشيطان فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ستجدوا للشمس ولا للقمرواسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون، فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون،ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيـي الموتى إنه على كلشيء قدير}. قال ابن عباس: نزلت في الصديق، قال المشركون: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عنده. واليهود: ربناالله، والعزير ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم يستقيما، والصديق قال: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد عبده ورسوله، فاستقام.ولما أطنب تعالى في وعيد الكفار، أردفه بوعيد المؤمنين؛ وليس المراد التلفظ بالقول فقط، بل لا بد من الاعتقاد المطابقللقول اللساني. وبدأ أولاً بالذي هو أمكن في الإسلام، وهو العلم بربوبية الله، ثم أتبعه بالعمل الصالح، وهو الاستقامة. وعنسفيان بن عبد الله الثقفي، قلت للنبي/ ﷺ: أخبرني بأمر أعتصم به، قال: قل ربي الله ثم استقم قلت: ما أخوف ما تخاف علي، فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه وقال: «هذا» وعن الصديق:ثم استقاموا على التوحيد، لم يضطرب إيمانهم. وعن عمر: استقاموا لله بطاعته لم يرو غوار وغان الثعالب. وعن عثمان: أخلصواالعمل. وعن علي: أدوا الفرائض. وقال أبو العالية، والسدي: استقاموا على الإخلاص والعمل إلى الموت. وقال الثوري: عملوا على وفاقما قالوا. وقال الفضل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. وقال الربيع: أعرضوا عن ما سوى الله تعالى. وقيل: استقاموافعلا كما استقاموا قولاً. وعن الحسن وقتادة وجماعة: استقاموا بالطاعات واجتناب المعاصي. قال الزمخشري: وثم لتراخي الاستقامة عن الإقرار فيالمرتبة وفضلها عليه، لأن الاستقامة لها الشأن كله، ونحوه قوله تعالى:

{ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ }

، والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته. وعن الصديق رضي الله عنه أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا:لم يذنبوا، قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. انتهى. {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُٱلْمَلَـئِكَةُ }، قال مجاهد والسدي: عند الموت. وقال مقاتل: عند البعث. وقيل: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث. وأن ناصبةللمضارع، أي بانتفاء خوفكم وحزنكم، قال معناه الحوفي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: بمعنى أي أو المخففة من الثقيلة، وأصله بأنهلا تخافوا، والهاء ضمير الشأن. انتهى. وعلى هذين التقديرين يكون الفعل مجزوماً بلا الناهية، وهذه آية عامة في كل هممستأنف وتسلية تامة عن كل فائت ماض، ولذلك قال مجاهد: لا تخافوا ما تقدرون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتممن دنياكم. وقال عطاء بن أبي رباح: {لا * تَخَافُواْ } رد ثوابكم، فإنه مقبول؛ {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ذنوبكم،فإني أغفرها لكم. وفي قراءة عبد الله: لا تخافوا، بإسقاط أن، أي تتنزل عليهم الملائكة قائلين: لا تخافوا ولا تحزنوا.ولما كان الخوف مما يتوقع من المكروه أعظم من الحزن على الفائت قدمه، ثم لما وقع الأمن لهم، بشروا بمايؤولون إليه من دخول الجنة، فحصل لهم من الأمن التام والسرور العظيم بما سيفعلون من الخير. {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ }:الظاهر أنه من كلام الملائكة، أي يقولون لهم. وفي قراءة عبد الله: يكون من جملة المقول قبل، أي نحن كناأولياءكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة. لما كان أولياء الكفار قرناؤهم من الشياطين، كان أولياء المؤمنين الملائكة. وقال السدي:نحن حفظتكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة. وقيل: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ } من كلام الله تعالى، أولياؤكم بالكفاية والهداية، {وَلَكُمْ فِيهَا}: الضمير عائد على الآخرة، قاله ابن عطية. وقال الحوفي: على الجنة، {مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } من الملاذ، {وَلَكُمْ فِيهَامَا تَدَّعُونَ }. قال مقاتل: ما تتمنون. وقيل: ما تريدون. وقال ابن عيسى: ما تدعي أنه لك، فهو لك بحكمربك. قال ابن عطية: ما تطلبون. {نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } النزل: الرزق المقدم للنزيل وهو الضيف، قال معناه ابنعطاء، فيكون نزلاً حالاً، أي تعطون ذلك في حال كونه نزولاً لا نزلاً، وجعله بعضهم مصدراً لأنزل. وقيل نزل جمعنازل، كشارف وشرف، فينتصب على الحال، أي نازلين، وذو الحال الضمير المرفوع في يدعون. وقال الحسن: معنى نزلاً منا، وقيل:ثواباً. وقرأ أبو حيوة: نزلاً بإسكان الزاي. ولما تقدم قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ }،ذكر من دعا إلى ذلك فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً }: أي لا أحد أحسن قولاً ممن يدعو إلى توحيد الله،ويعمل العمل الصالح، ويصرح أنه من المستسلمين لأمر الله المنقادين له، والظاهر العموم في كل داع إلى الله، وإلى العمومذهب الحسن ومقاتل وجماعة. وقيل بالخصوص، فقال ابن عباس: هو رسول الله ﷺ، دعا إلى الإسلام، وعملصالحاً فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة. وعنه أيضاً: هم أصحاب رسول الله ﷺ. وقالت عائشة،وقيس بن أبي حازم، وعكرمة، ومجاهد: نزلت في المؤذنين، وينبغي أن يتأول قولهم على أنهم داخلون في الآية، وإلا فالسورةبكمالها مكية بلا خلاف. ولم يكن الأذان بمكة، إنما شرع بالمدينة، والدعاء إلى الله يكون بالدعاء إلى الإسلام وبجهاد الكفاروكف الظلمة. وقال زيد بن علي: دعا إلى الله بالسيف، وهذا، والله أعلم، هو الذي حمله على الخروج بالسيف علىبعض الظلمة من ملوك بني أمية. وكان زيد هذا عالماً بكتاب الله، وقد وقفت على جملة من تفسيره كتاب اللهوإلقائه على بعض النقلة عنه وهو في حبس هشام بن عبد الملك، وفيه من العلم والاستشهاد بكلام العرب حظ وافر،يقال: إنه كان إذا تناظر هو وأخوه محمد الباقر اجتمع الناس بالمحابر يكتبون ما يصدر عنهما من العلم، رحمهما اللهورضي عنهما. وقال أبو العالية: {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً }: صلى بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: صلى وصام. وقال الكلبي: أدّى الفرائض.وقال مجاهد: هي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاثة أن يكون موحداً معتقداً لدين الإسلام، عاملاً بالخير داعياًإليه، ومآلهم إلى طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد الدعاة إلى دين الإسلام. انتهى، ويعني بذلك المعتزلة، يسمون أنفسهمأهل العدل والتوحيد، ويوجد ذلك في أشعارهم، كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي، صاحب كتاب (الفلك الدائر في الرد علىكتاب المثل السائر)، قال من كلامه: أنشدنا عنه الإمام الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله تعالى:

لولا ثلاث لم أخف صرعتي     ليست كما قال فتى العبد أن أنصر التوحيد والعدل في
كل مقام باذلاً جهدي وأن أناجي الله مستمتعا     بخلوة أحلى من الشهد وأن أصول الدهر كبراً على

{وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }: ليس المعنى أنه تكلم بهذا، بلجعل الإسلام معتقده. كما تقول: هذا قول الشافعي، أي مذهبه. وقرأ ابن أبي عبلة، وإبراهيم بن نوح عن قتيبة الميال:وقال إني، بنون مشددة واحدة؛ والجمهور: إنني بها وبنون الوقاية. وقال أبو بكر بن العربي: لم يشترط إلا إن شاءالله، ففيه رد على من يقول: أنا مسلم إن شاء الله. ولما ذكر تعالى أنه لا أحد أحسن ممن دعاإلى الله، ذكر ما يترتب على ذلك من حسن الأخلاق، وأن الداعي إلى الله قد يجافيه المدعو، فينبغي أن يرفقبه ويتلطف في إيصال الخير فيه. قيل: ونزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوًّا لرسول الله صلى الله عليهوسلم، فصار ولياً مصافياً. وقال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. وقال الكلبي: الدعوتان إليهما. وقال الضحاك:الحلم والفحش. وعن علي: حب الرسول وآله وبغضهم. وقيل: الصبر والنفور. وقيل: المداراة والغلظة. وقيل: العفو والاقتصاد، وهذه أمثلة للحسنةوالسيئة، لا على طريق الحصر. ولما تفاوتت الحسنة والسيئة، أمر أن يدفع السيئة بالأحسن، وذلك مبالغة، ولم يقل: ادفعبالحسنة السيئة، لأن من هان عليه الدفع بالأحسن هان عليه الدفع بالحسن، أي وإذا فعلت ذلك، {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُعَدَاوَةٌ } صار لك كالولي: الصديق الخالص الصداقة، ولا في قوله: {وَلاَ ٱلسَّيّئَةُ } زائدة للتوكيد، كهي في قوله:

{ وَلاَ ٱلظّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ }

، لأن استوى لا يكتفي بمفرد، فإن إحدى الحسنة والسيئة جنس لم تكن زيادتها كزيادتها في الوجهالذي قبل هذا، إذ يصير المعنى: ولا تستوي الحسنات، إذ هي متفاوتات في أنفسها، ولا السيئات لتفاوتها أيضاً. قال ابنعطية: دخلت كأن للتشبيه، لأن الذي عند عداوة لا يعود ولياً حميماً، وإنما يحسن ظاهره، فيشبه بذلك الولي الحميم، وعنابن عباس: {بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. وقال مجاهد، وعطاء: السلام عنداللقاء. انتهى، أي هو مبدأ الدفع بالأحسن، لأنه محصور فيه. وعن مجاهد أيضاً: أعرض عن أذاهم. وقال أبو فراس الهمداني:

يجني عليّ وأجنو صافحاً أبدا     لا شيء أحسن من جان على جان

{وَمَا يُلَقَّاهَا}: الضمير عائد على الفعلة والسجية التي هي الدفع بالأحسن. وقرأ طلحة بن مصرف، وابن كثير في رواية: وما يلاقاها:من الملاقاة. وقرأ الجمهور: من التلقي، وكأن هذه الخصلة الشريفة غائبة، فما يصادفها ويلقيها الله إلا لمن كان صابراً علىالطاعات، صارفاً عن الشهوات، ذا حظ عظيم من خصال الخير، قاله ابن عباس، فيكون مدحاً؛ أو {ذُو حَظّ عَظِيمٍ }من ثواب الآخرة، قاله قتادة، فيكون وعداً. وقيل: إلا ذو عقل. وقيل: ذو خلق حسن، وكرر {وَمَا يُلَقَّاهَا } تأكيداًلهذه الفعلة الجميلة الجليلة. وقيل: الضمير في يلقاها عائد على الجنة. وحكى مكي: {وَمَا يُلَقَّاهَا }: أي شهادة أن لاإله إلا الله، وفيه بعد. ولما أمر تعالى بدفع السيئة بالأحسن، كان قد يعرض للمسلم في بعض الأوقات مقابلةمن أساء بالسيئة، فأمره، إن عرض له ذلك، أن يستعيذ بالله، فإن ذلك من نزغ الشيطان، وتقدم تفسير نظير هذهالآية في أواخر الأعراف. ولما بين تعالى أن أحسن الأعمال والأقوال هو نظير هذه الآية الدعوة إلى الله، أردفهبذكر الدلائل العلوية والسفلية، وعلى قدرته الباهرة وحكمته البالغة وحجته القاطعة، فبدأ بذكر الفلكيات بالليل والنهار، وقدم ذكر الليل، قيلتنبيهاً على أن الظلمة عدم والنور وجود، وناسب ذكر الشمس بعد النهار، لأنها سبب لتنويره ويظهر العالم فيه، ولأنها أبلغفي التنوير من القمر، ولأن القمر فيما يقولون مستفاد نوره من نور الشمس. ثم نهى تعالى عن السجود لهما، وأمربالسجود للخالق تعالى. وكان ناس يعبدون الشمس، كما جاء في قصة بلقيس وقومها. والضمير في {خَلَقَهُنَّ } عائد على الليلوالنهار والشمس والقمر. قال الزمخشري: لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى، أي الإناث، يقال: الأقلام بريتها وبريتهن. انتهى،يريد ما لا يعقل من الذكر، وكان ينبغي أن يفرق بين جمع القلة من ذلك، فإن الأفصح أن يكون كضميرالواحدة، تقول: الأجذاع انكسرت على الأفصح، والجذوع انكسرن على الأفصح. والذي تقدّم في الآية ليس بجمع قلة، أعني بلفظواحد، ولكنه ذكر أربعة متعاطفة، فتنزلت منزلة الجمع المعبر عنها بلفظ واحد. وقال الزمخشري: ولما قال: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ }، كنفي معنى الآيات، فقيل: {خَلَقَهُنَّ }. انتهى، يعني أن التقدير والليل والنهار والشمس والقمر آيات من آياته، فعاد الضمير علىآيات الجمع المقدر في المجرور. وقيل: يعود على الآيات المتقدم ذكرها. وقيل: على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وجمع ما لايعقل يؤنث، ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام والليالي، ساغ أن يعود الضمير مجموعاً. {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }:أي إن كنتم موحدين غير مشركين، والسجدة عند الشافعي عند قوله: {تَعْبُدُونَ }، وهي رواية مسروق عن عبد الله لذكرلفظ السجدة قبلها، وعند أبي حنيفة عند قوله: {لاَ يَسْـئَمُونَ }، لأنها تمام المعنى، وفي التحرير: كان على وابن مسعوديسجدان عند {تَعْبُدُونَ }. وقال ابن وهب والشافعي: عند {يَسْـئَمُونَ }، وبه قال أبو حنيفة، وسجد عندها ابن عباس وابنعمر وأبو وائل وبكر بن عبد الله، وكذلك روي عن مسروق والسلمي والنخعي وأبي صالح وابن سيرين. انتهى ملخصاً.{فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ }: أي تعاظموا على اجتناب ما نهيت من السجود لهذين المحدثين المربوبين، وامتثال ما أمرت به من السجودللخالق لهن؛ فإن الملائكة الذين هم عند الله بالمكانة والرتبة الشريفة ينزهونه عن ما لا يليق بكبريائه، {وَهُمْ لاَ يَسْـئَمُونَ}: أي لا يملون ذلك، وهم خير منكم، مع أنه تعالى غني عن عبادتكم وعبادتهم. ولما ذكر شيئاً من الدلائلالعلوية، ذكر شيئاً من الدلائل السفلية فقال: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلاْرْضَ خَـٰشِعَةً }: أي غبراء دارسة، كما قال:

ونؤى كجـذم الحوض أبلـم خـاشع    

استعير الخشوع لها، وهو التذلل لما ظهر بها من القحط وعدم النبات وسوء العيش عنها، بخلافأن تكون معشبة وأشجاراً مزهرة ومثمرة، فذلك هو حياتها. وقال السدّي: خاشعة ميتة يابسة، وتقدّم الكلام على قوله: {فَإِذَا أَنزَلْنَاعَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسيراً وقراءة في أوائل سورة الحج. {إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا * فَٱنظُرْ إِلَىٰ }: يرد الأرواحإلى الأجساد، إنه على كل شيء قدير: لا يعجزه شيء تعلقت به إرادته. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا لاَيَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن * يُلْقِى *إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّنيَأْتِى * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْخَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ * مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَوَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ * وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ * أَعْجَمِىٌّ * وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْلَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ ءاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }. لما بين تعالى أنالدعاء إلى دين الله أعظم القربات، وأنه يحصل ذلك بذكر دلائل التوحيد والعدل والبعث، عاد إلى تهديد من ينازع فيتلك الآيات ويجادل، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا }، وتقدم الكلام على الإلحاد في قوله:

{ وَذَرُواْ * وَٱلَّذِينَ * يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـئِهِ }

، وذكر تعالى أنهم لا يخفون عليه، وفي ذلك تهديد لهم. وقال قتادة: هنا الإلحاد: التكذيب، ومجاهد:المكاء والصفير واللغو. وقال ابن عباس: وضع الكلام غير موضعه. وقال أبو مالك: يميلون عن آياتنا. وقال السدي: يعاندون رسلنافيما جاءوا فيه من البينات والآيات. ثم استفهم تقريراً: {أَفَمَنِ * يُلْقِى * فِى ٱلنَّارِ }، بإلحاده في آياتنا، {خَيْرٌأَم مَّن يَأْتِى ءامِناً }، ولا اشتراك بين الإلقاء في النار والإتيان آمناً، لكنه، كما قلنا، استفهام تقرير، كما يقررالمناظر خصمه على وجهين، أحدهما فاسد يرجو أن يقع في الفاسد فيتضح جهله، ونبه بقوله: {يُلْقِى * فِى ٱلنَّارِ }على مستقر الأمر، وهو الجنة، وبقوله: {مِنَ } على خوف الكافر وطول وجله، وهذه الآية، قال ابن بحر: عامة فيكل كافر ومؤمن. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل وعثمان بن عفان. وقيل: فيه وفي عمار بن ياسر. وقيل: فيهوفي عمر. وقيل: في أبي جهل وحمزة بن عبد المطلب. وقال الكلبي: وأبو جهل والرسول ﷺ.ولما تقدم ذكر الإلحاد، ناسب أن يتصل به من التقرير من اتصف به. ولم يكن التركيب: أم من يأتي آمناًيوم القيامة كمن يلقي في النار، كما قدم ما يشبهه في قوله:

{ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ }

، وكما جاء في سورة القتال:

{ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ }

. {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }: وعيد وتهديد بصيغة الأمر، ولذا جاء {إِنَّهُ بِمَا * تَعْلَمُونَ * بَصِيرٌ } فيجازيكم بأعمالكم.{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ }: هم قريش ومن تابعهم من الكفار غيرهم، والذكر: القرآن هو بإجماع، وخبرإن اختلفوا فيه أمذكور هو أو محذوف؟ فقيل: مذكور، وهو قوله: {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }، وهو قول أبيعمرو بن العلاء في حكاية جرت بينه وبين بلال بن أبي بردة. سئل بلال في مجلسه عن هذا فقال: لمأجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو: وإنه منك لقريب {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ }. وقال الحوفي: ويرد على هذا القول كثرةالفصل، وأنه ذكر هناك من تكون الإشارة إليهم، وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـئِكَيُنَادَوْنَ }. وقيل: محذوف، وخبر إن يحذف لفهم المعنى. وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن ذلك فقال عمرو:معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به، وإنه لكتاب، فقال عيسى: أجدت يا أبا عثمان. وقالقوم: تقديره معاندون أو هالكون. وقال الكسائي: قد سد مسده ما تقدم من الكلام قبل إن، وهو قوله: {أَفَمَنِ *يُلْقِى * فِى ٱلنَّارِ }. انتهى، كأنه يريد: دل عليه ما قبله، فيمكن أن يقدر يخلدون في النار. وقال الزمخشري:فإن قلت: بم اتصل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ }؟ قلت: هو بدل من قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا}. انتهى. ولم يتعرض بصريح الكلام في خبر إن أمذكور هو أو محذوف، لكن قد ينتزع من كلامه هذا أنهتكلم فيه بطريق الإشارة إليه، لأنه ادّعى أن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ } بدل من قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ}، فالمحكوم به على المبدل منه هو المحكوم به على البدل، فيكون التقدير: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءايَـٰتِنَا }، {إِنَّٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ }، لا يخفون علينا. وقال ابن عطية: والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر بعد{حَكِيمٍ حَمِيدٍ }، وهو أشد إظهاراً، لأن قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ } داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتمذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه. انتهى، وهو كلام حسن. والذي أذهب إليه أن الخبر مذكور، لكنه حذفمنه عائد يعود على اسم إن، وذلك في قوله: {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ }: أي الباطل منهم، أي الكافرون به، وحالةهذه لا يأتيه باطلهم، أي متى رامو فيه أن يكون ليس حقاً ثابتاً من عند الله وإبطالاً له لم يصلواإليه، أو تكون أل عوضاً من الضمير على قول الكوفيين، أي لا يأتيه باطلهم، أو يكون الخبر قوله: {مَّا يُقَالُلَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ }، أي أوحى إليك في شأن هؤلاء المكذبين لك. ولما جئت بهمثل ما أوحى إلي من قبلك من الرسل، وهو أنهم عاقبتهم سيئة في الدنيا بالهلاك، وفي الآخرة بالعذاب الدائم. وغايةما في هذين التوجهين حذف الضمير العائد على اسم إن، وهو موجود، نحو قوله: السمن منوان بدرهم: أي منوان منهوالبركرّ بدرهم: أي كر منه. وعن بعض نحاة الكوفة: الخبر في قوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ }، وهذا لا يتعقل. {وَإِنَّهُلَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ }: جملة حالية، كما تقول: جاء زيد وأن يده على رأسه، أي كفروا به، وهذه حاله وعزته كونهعديم النظير لما احتوى عليه من الإعجاز الذي لا يوجد في غيره من الكتب، أو غالب ناسخ لسائر الكتب والشرائع.وقال ابن عباس: عزيز كريم على الله تعالى. وقال مقاتل: ممتنع من الشيطان. وقال السدي: غير مخلوق. وقيل: وصف بالعزةلأنه لصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله، {لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ } من جعل خبر إنمحذوفاً، أو قوله: {أُوْلَـئِكَ يُنَادَوْنَ }، كانت هذه الجملة في موضع الصفة على ما اخترناه من أحد الوجهين تكون الجملةفي موضع خبر إن، والمعنى أن الباطل لا يتطرق إليه {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ }، تمثيل: أي لايجد الطعن سبيلاً إليه من جهة من الجهات، فيتعلق به. وأما ظهر من بعض الحمقى من الطعن على زعمهم،ومن تأويل بعضهم له، كالباطنية، فقد رد عليهم علماء الإسلام وأظهروا حماقاتهم. وقال قتادة: الباطل الشيطان، واللفظ لا يخص الشيطان.وقال ابن جبير والضحاك: {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ }: أي كتاب من قبله فيبطله، ولا من بعده فيكون على هذا الباطلفي معنى المبطل نحو: أورس النبات فهو وارس، أي مورس، أو يكون الباطل بمعنى المبطل مصدراً، فيكون كالعافية. وقيل: {مِنبَيْنِ يَدَيْهِ }: أي قبل أن يتم نزوله، {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ }: من بعد نزوله. وقيل عكس هذا. وقيل: {مِنبَيْنِ يَدَيْهِ }: قبل أن ينزل، لأن الأنبياء بشرت به، فلم يقدر الشيطان أن يدحض ذلك، {وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ }:بعد أن أنزل. وقال الطبري: {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ }: لا يقدر ذو باطل أن يكيده بتغيير ولا تبديل، ولا منخلفه: لا يستطيع ذو باطل أن يلحد فيه. {تَنزِيلَ }: أي هو تنزيل، {مّنْ حَكِيمٍ }: أي حاكم أو محكملمعانية، {حَمِيدٌ }: محمود على ما أسدى لعباده من تنزيل هذا الكتاب وغيره من النعم. {مَّا يُقَالُ لَكَ }:يقال مبني للمفعول، فاحتمل أن يكون القائل الله تعالى، كما تقدم تأويلها فيه، أي ما يوحي إليك الله إلا مثلما أوحى إلى الرسل في شأن الكفار، كما تأولناه على أحد الوجهين أو في الشرائع. وجوزوا على أن القائل هوالله أن يكون. {إِنَّ رَبَّكَ }: تفسير لقوله: {مَا قَدْ قِيلَ }، فالمقول {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو * وَمَغْفِرَةٌ } للمطائعين،{وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } للعاصين، وهذا التأويل فيه بعد، لأنه حصر ما أوحى الله إليه وإلى الرسل في قوله: {إِنَّرَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }، وهو تعالى قد أوحى إليه وإليهم أشياء كثيرة. فإذا أحذناه على الشرائع أوعلى عاقبة المكذبين كان الحصر صحيحاً، وكان قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ } استئناف إخبار عنه تعالى لا تفسير لما قدقيل. ويحتمل أن يكون القائل الكفار، أي مايقول لك كفار قومك إلا ما قد قال كفار الرسل لهم من الكلامالمؤذي والطعن فيما أنزل الله عليهم من الكتب. ثم أخبر تعالى أنه ذو مغفرة وذو عقاب أليم، وفيه الترجئة بالغفران،والزجر بالعقاب، وهو وعظ وتهديد. وقال قتادة: عزى الله نبيه وسلاه بقوله: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِمِن قَبْلِكَ }، ومثله كذلك:

{ مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ }

. ولماذكر تعالى الملحدين في آياته، وأنهم لا يخفون عليه، والكافرين بالقرآن ما دل على تعنتهم وما ظهر من تكذيبهم، وقولهم:هل أنزل بلغة العجم؟ فقال: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً }: أي لا يفصح ولا تبين معانيه لهم لكونه بلغة العجمأو بلغة غير العرب، لم يتركوا الاعتراض، و{لَّقَالُواْ لَوْلاَ * لا *فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ }: أي بينت لنا، وأوصحت حتى نفهمها.وقرأ الجمهور: آعجمي بهمزة الاستفهام بعدها مدة هي همزة أعجمي، وقياسها في التخفيف التسهيل بين بين. وقرأ الإخوان، والأعمش، وحفص:بهمزتين، أي وقالوا منكرين: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ أو مرسل إليه عربي؟ وتأوله ابن جبير أن معنى قوله: {أَعْجَمِىٌّ }،ونحن عرب ما لنا وللعجمة. وقال ابن عطية: لانهم ينكرون ذلك فيقولون: لولا بين أعجمي وعربي مختلط هذا لا يحسن.انتهى. ولا يصح هذا التقسيم لأنه بالنسبة للقرآن، وهم إنما قالوا ما دل عليه قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً أعْجَمِيّاً}، من اقتراحهم أن يكون أعجمياً، ولم يقترحوا أن يكون القرآن أعجمياً وعربياً. وقرأ الحسن، وأبو الاسود، والجحدري، وسلام، والضحاك،وابن عباس، وابن عامر بخلاف عنهما: أعجمي وعربي دون استفهام وسكون العين، فقيل معناه: أنهم قالوا: أعجمة وأعرب، إن هذالشاذ. وقال ابن جبير معناه: لولا فصل فصلين، فكان بعضه أعجمياً بفهمه العجم، وبعضه عربياً يفهمه العرب. وقال صاحب اللوامح:لأنهم لما قالوا: {لَوْلاَ فُصّلَتْ ءايَـٰتُهُ }، أعادوا القول ثانياً فقالوا: {أَعْجَمِىٌّ }، وأضمر المبتدأ، أي هو أعجمي، والقرآن، أوالكلام، أو نحوها، والذي أتى به، أو الرسول عربي، كأنهم كانوا ينكرون ذلك. وقرأ عمرو بن ميمون: أعجمي بهمزة استفهاموفتح العين أن القرآن لو جاء على طريقة كائنة كانوا تعنتوا، لأنهم لا يطلبون الحق. وقال صاحب اللوامح: والعجمي المنسوبإلى العجم، والياء للنسب على الحقيقة؛ وأما إذا سكنت العين فهو الذي لا يفصح، والياء فيه بلفظ النسب دون معناه،فهو بمنزلة ياء كرسي وبختي، والله أعلم. انتهى، وليست كياء كرسي بنيت الكلمة عليها، وياء أعجمي لم تبن الكلمة عليها.تقول العرب: رجل أعجم ورجل أعجمي، فالياء للنسبة الدالة على المبالغة في الصفة، نحو: أحمري ودواري مبالغة في أحمر ودوار.وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمة العرب؟ قلت: هو على ما يجب أنيقع في إنكار المنكر لو رأى كتاباً عجمياً كتب إلى قوم من العرب يقول: أكتاب عجمي والمكتوب إليه عربي؟ لأننسخ الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد وجماعة؛ فوجب أن يجرد لما سيقله من الغرض، ولا يوصل به غرضاً آخر. ألا تراك تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة، اللباس طويلواللابس قصير؟ ولو قلت: واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول، لإن الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته،إنما وقع في غرض وراءهما. انتهى، وهو حسن، إلا أن فيه تكثيراً على عادته في حب الشقشقة والتفهيق. {قُلْهُوَ }: أي القرآن، {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء }، هدى: أي إرشاد إلى الحق، وشفاء: أي لما في الصدور منالظن والشك. والظاهر أن {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } مبتدأ، و{وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً } هو موضع الخبر. وقال الزمخشري: هو فيآذانهم وقر على حذف المبتدأ لما أخبر أنه هدى وشفاء للمؤمنين، أخبر أنه وقر وصمم في آذانهم، أي الكافرين، ولايضطر إلى إضمار هو، فالكلام تام دونه أخبر أن في آذانهم صمماً عن سماعهم. ثم أخبر أنه عليهم عمى، يمنعهممن إبصار حكمته والنظر في معانيه والتقرير لآياته، وجاء بلفظ عليهم الدالة على استيلاء العمى عليهم، وجاء في حق المؤمنينباللام الدالة على الاختصاص، وكون والذين في موضع جر عطفاً على قوله: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }، والتقدير: وللذين لا يؤمنون وقرفي آذانهم إعراب متكلف، وهو من العطف على عاملين، وفيه مذاهب كثيرة في النحو، والمشهور منع ذلك. وقرأ الجمهور: عمىبفتح الميم منوناً: مصدر عمى. وقرأ ابن عمرو، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وابنهرمز: بكسر الميم وتنوينه. وقال يعقوب القارىء، وأبو حاتم: لا ندري نونوا أم فتحوا الياء، على أنه فعل ماض وبغيرتنوين، رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتيبة عن ابن عباس. والظاهر أن الضمير في {وَهُوَ عَلَيْهِمْ } عائد علىالقرآن، وقيل: يعود على الوقر. {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الذين لا يؤمنون، ومن جعله خبراً، لأن الذين كفروا كانت الإشارةإليهم. {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }، قيل: هو حقيقة. قال الضحاك: ينادون بكفرهم وقبح أعمالهم بأقبح أسمائهم من بعد حتىيسمع ذلك أهل الموقف فتعظم السمعة عليهم ويحل المصاب. وقال علي ومجاهد: استعارة لقلة فهمهم، شبههم بالرجل ينادي من بعد،فيسمع الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه. وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي لا يفهم: أنت تنادي من بعيد، أيكأنه ينادي من موضع بعيد، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه. وحكى النقاش: كأنما ينادون من السماء. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَامُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } تسلية للرسول في كون قومه اضطربوا فيما جاء به من الذكر، فذكر أن موسى عليه السلام أوتيالكتاب، وهو التوراة؛ فاختلف فيه. وتقدم شرح هذه الآية في أواخر سورة هود عليه السلام، والكلام على نظير {وَمَا رَبُّكَبِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } في قوله في سورة الحج:

{ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }

. {وَإِلَيْهِ * يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِوَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرٰتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ }. لما ذكرتعالى {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } الآية، كان في ذلك دلالة على الجزاء يوم القيامة، وكأن سائلاً قال: ومتى ذلك؟ فقيل:لا يعلمها إلا الله، ومن سئل عنها فليس عنده علم بتعين وقتها، وإنما يرد ذلك إلى الله. ثم ذكر سعةعلمه وتعلقه بما لا يعلمه إلا هو تعالى. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، وشيبة، وقتادة، والحسن بخلاف عنه؛ ونافع، وابن عامر،في غير رواية: أي جلية؛ والمفضل، وحفص، وابن مقسم: {مِن ثَمَرٰتٍ } على الجمع. وقرأ باقي السبعة، والحسن في روايةطلحة والأعمش: بالإفراد. ولما كان ما يخرج من أكمام الشجرة وما تحمل الإنات وتضعه هو إيجاد أشياء بعد العدم، ناسبأن يذكر مع علم الساعة، إذ في ذلك دليل على البعث، إذ هو إعادة بعد إعدام، وناسب ذكر أحوال المشركينفي ذلك اليوم، وسؤالهم سؤال الوتبيخ فقال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى }: أي الذين نسبتموهم إليّ وزعمتم أنهم شركاء لي،وفي ذلك تهكم بهم وتقريع. والضمير في يناديهم عام في كل من عبد غير الله، فيندرج فيه عباد الأوثان. {قَالُواْءاذَنَّاكَ }: أي أعلمناك، قال الشاعر:

آذنتنا ببينها أسماء     رب ثاو يملّ منه الثواء

وقال ابن عباس: أسمعناك، كأنه استبعد الإعلام لله، لأن أهل القيامة يعلمون أن الله يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام فيحقه محال. والظاهر أن الضمير في قالوا عائد على المنادين، لأنهم المحدث معهم. {مَا مِنَّا } أحد اليوم، وقد أبصرناوسمعنا. يشهد أن لك شريكاً، بل نحن موحدون لك: وما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم، لايبصرونها في ساعة التوبيخ. وقيل: الضمير في قالوا عائد على الشركاء، أي قالت الشركاء: {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ * بِمَا} أضافوا إلينا من الشرك، وآذناك معلق لأنه بمعنى الإعلام. والجملة من قوله: {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } في موضعالمفعول. وفي تعليق باب أعلم رأينا خلافه، والصحيح أنه مسموع من كلام العرب. والظاهر أن قولهم: {ءاذَنَّاكَ } إنشاء، كقولك:أقسمت لأضربن زيداً، وإن كان إخباراً سابقاً، فتكون إعادة السؤال توبيخاً لهم. {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ }:أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة، أو {وَضَلَّ عَنْهُم }: أي تلفت أصنامهم وتلاشت، فلم يجدوامنها نصراً ولا شفاعة، {وَظَنُّواْ }: أي أيقنوا. قال السدي: {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ }: أي من حيدة ورواغ منالعذاب. والظاهر أن ظنوا معلقة، والجملة المنفية في موضع مفعولي ظنوا. وقيل: تم الكلام عند قوله: {وَظَنُّواْ }، أي وترجحعندهم أن قولهم: {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } منجاة لهم، أو أمر يموهون به. والجملة بعد ذلك مستأنفة، أي يكونلهم منجماً، أو موضع روغان. {لاَّ يَسْـئَمُ ٱلاْنْسَـٰنُ مِن دُعَاء ٱلْخَيْرِ }: هذه الآيات نزلت في كفار، قيل: فيالوليد بن المغيرة؛ وقيل: في عتبة بن ربيعة، وكثير من المسلمين يتصفون بوصف أولها من دعاء الخير، أي من طلبالسعة والنعمة ودعاء مصدر مضاف للمفعول. وقرأ عبد الله: من دعاء بالخير، بباء داخلة على الخير، وفاعل المصدر محذوف تقديره:من دعاء للخير، وهو وإن مسه الشر، أي الفقر والضيق، {فَيَئُوسٌ }: أي فهو يؤوس قنوط، وأتى بهما صيغتي مبالغة.واليأس من صفة القلب، وهو أن يقطع رجاءه من الخير؛ والقنوط: أن يظهر عليه آثار اليأس فيتضاءل وينكسر. وبدأ بصيغةالقلب لأنها هي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من الإنكسار. {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مّنَّا }: سمي النعمة رحمة، إذ هيمن آثار رحمة الله. {مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى }: أي بسعيـي واجتهادي، ولا يراها أنها من الله،أو هذا لي لا يزول عني. {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً }: أي ظننا أننا لا نبعث، وأن ما جاءت بهالرسل من ذلك ليس بواقع، كما قال تعالى حكاية عنهم: { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } . {وَلَئِنرُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى }: ولئن كان كما أخبرت الرسل، {إِنَّ لِى عِندَهُ }: أي عند الله، {لَلْحُسْنَىٰ }: أي الحالةالحسنى من الكرامة والنعمة، كما أنعم عليّ في الدنيا، وأكدوا ذلك باليمين وبتقديم لي عنده على اسم إن، وتدخل لامالتأكيد عليه أيضاً، وبصيغة الحسنى يؤنث الأحسن الذي هو أفعل التفضيل. ولم يقولوا للحسنة، أي الحالة الحسنة. وقال الحسن بنمحمد بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم: للكافر أمنيتان، أما في الدنيا فهذه {إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }،وأما في الآخرة {ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً }. {فَلَنُنَبّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا * عَلِمُواْ } من الأفعال السيئة، وذلك كنايةعن جزائهم بأعمالهم السيئة. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } في مقابلة {إِنَّ لِى عِندَهُ }. وكني بغليظ: العذاب عن شدته.{خَسَارًا وَإِذَا أَنْعَمْنَا }: تقدم الكلام على نظيره هذه الجملة في { سُبْحَانَ } ، إلا أن في أواخر تلك كان يؤوساً،وآخر هذه {فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ }: أي فهو ذو دعاء بإزالة الشر عنه وكشف ضره. والعرب تستعمل الطول والعرض فيالكثرة. يقال: أطال فلان في الظلم، وأعرض في الدعاء إذا كثر، أي فذو تضرع واستغاثة. وذكر تعالى في هذه الآيةنوعاً من طغيان الإنسان، إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة، وإذا مسه الشر ابتهل إلى الله وتضرع. {قُلْ *قُلْ إِن كَانَ }: أي القرآن، {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }: أبرزه في صورة الاحتمال، وهو من عند الله بلا شك،ولكنه تنزل معهم في الخطاب. والضمير في {أَرَءيْتُمْ } لكفار قريش. وتقدم أن معنى أرأيتم: أخبروني عن حالكم إن كانهذا القرآن من عند الله، وكفرتم به وشاققتم في اتباعه. {مَنْ أَضَلَّ * مّنكُمْ }، إذ أنتم المشاقون فيه والمعرضونعنه والمستهزئون بآيات الله. وتقدم أن أرأيتم هذه تتعدى إلى مفعول مذكور، أو محذوف، وإلى ثانٍ الغالب فيه أن يكونجملة استفهامية. فالمفعول الأول محذوف تقديره: أرأيتم أنفسكم، والثاني هو جملة الاستفهام، إذ معناه: من أضل منكم أيها الكفار، إذمآلكم إلى الهلاك في الدنيا والآخرة. ثم توعدهم بما هو كائن لا محالة فقال: {سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلاْفَاقِ }.قال أبو المنهال، والسدي، وجماعة: هو وعيد للكفار بما يفتحه الله على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلكمن الأرض كخيبر. {وَفِى أَنفُسِهِمْ }: أراد به فتح مكة، وتضمن ذلك الإخبار بالغيب، ووقع كما أخبر. وقال الضحاك، وقتادة:{فِى ٱلاْفَاقِ }: ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديماً، {وَفِى أَنفُسِهِمْ }: يوم بدر. وقال عطاء، وابن زيد:في آفاق السماء، وأراد الآيات في الشمس والقمر والرياح وغير ذلك، وفي أنفسهم عبرة الإنسان بجمسه وحواسه ويغريب خلقته وتدريجهفي البطن ونحو ذلك. ونبهوا بهذين القولين عن لفظ سنريهم، لأن هلاك الأمم المكذبة قديماً، وآيات الشمس والقمر وغير ذلك،قد كان ذلك كله مريباً لهم، فالقول الأول أرجح. وأخذ الزمخشري هذا القول وذيله فقال: يعني ما يسر اللهعز وجل لرسول الله ﷺ، وللخلفاء من بعده، وأنصار دينه في آفاق الدنيا، وبلاد المشرق والمغرب عموماً،وفي ناحية العرب خصوصاً من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلق الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة،وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة عن المعهود خارقة للعادة، ونشر دعوة الإسلامفي الأقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله، وأيامهم على عجائب لاترى وقعة من وقائعهم إلا علم من أعلام الله وآية من آياته تقوى معها النفس ويزداد بها الإيمان ويتبين أندين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر خبيث مغالط نفسه. انتهى ما كتبناه مقتصراً عليه. {حَتَّىٰيَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ }: أي القرآن، وما تضمنه من الشرع هو الحق، إذ وقع وفق ما أخبر به من الغيب،و{بِرَبّكَ }: الباء زائد، التقدير: أو لم يكفك أو يكفهم ربك، و{أَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } بدل من ربك.أما حالة كونه مجروراً بالباء، فيكون بدلاً على اللفظ. وأما حالة مراعاة الموضع، فيكون بدلاً على الموضع، وقيل: إنه علىإضمار الحرف أي أو لم يكف ربك بشهادته، فحذف الحرف، وموضع أن على الخلاف، أهو في موضع نصب أو فيموضع جر؟ ويبعد قول من جعل بربك في موضع نصب، وفاعل كفى إن وما بعدها، والتقدير عنده: أو لم يكفربك شهادته؟ وقرىء: إن بكسر الهمزة على إضمار القول، وألا استفتاح تنبه السامع على ما يقال. وقرأ السلمي والحسن: فيمرية بضم الميم، وإحاطته تعالى بالأشياء علمه بها جملة وتفصيلاً، فهو يجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.