تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة النور

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

محتويات

{ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } * { ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ } * { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ } * { وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ }[عدل]

هذه السورة مدنية بلا خلاف، ولما ذكر تعالي مشركي قريش ولهم أعمالمن دون ذلك أي أعمال سيئة هم لها عاملون، واستطرد بعد ذلك إلى أحوالهم، واتخاذهم الولد والشريك، وإلى مآلهم فيالنار كان من أعمالهم السيئة أنه كان لهم جوار بغايا يستحسنون عليهن ويأكلون من كسبهم من الزنا، فأنزل الله أولهذه السورة تغليظاً في أمر الزنا وكان فيما ذكر وكأنه لا يصح ناس من المسلمين هموا بنكاحهن. وقرأ الجمهور{سُورَةٌ } بالرفع فجوّزوا أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه {سُورَةٌ } أو مبتدأ محذوف الخبر، أي فيما أوحيناإليك أو فيما يتلى عليكم. وقال ابن عطية: ويجوز أن يكون مبتدأ أو الخبر {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } وما بعد ذلك،والمعنى السورة المنزلة والمفروضة كذا وكذا إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم إلاّ أن يكون المبتدأ ليسبالبين أنه الخبر إلاّ أن يقدر الخبر في السورة كلها وهذا بعيد في القياس و{أَنزَلْنَـٰهَا } في هذه الأعاريب فيموضع الصفة انتهى. وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعيسى بن عمر الثقفي البصري وعيسى بن عمر الهمداني الكوفيوابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو وأمَّ الدرداء {سُورَةٌ } بالنصب فخرج على إضمار فعل أي أتلوسورة و{أَنزَلْنَـٰهَا } صفة. قال الزمخشري: أو على دونك {سُورَةٌ } فنصب على الإغراء، ولا يجوز حذف أداة الإغراء وأجازواأن يكون من باب الاشتغال أي أنزلنا {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا } فأنزلناها مفسر لأنزلنا المضمرة فلا موضع له من الإعراب إلاّأنه فيه الابتداء بالنكرة من غير مسوغ إلاّ إن اعتقد حذف وصف أي {سُورَةٌ } معظمة أو موضحة {أَنزَلْنَـٰهَا }فيجوز ذلك. وقال الفراء: {سُورَةٌ } حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدّم عليه انتهى. فيكونالضمير المنصوب في {أَنزَلْنَـٰهَا } ليس عائداً على {سُورَةٌ } وكان المعنى أنزلنا الأحكام {*فرضناها} سورة أي في حال كونهاسورة من سور القرآن، فليست هذه الأحكام ثابتة بالسنة فقط بل بالقرآن، والسنة. وقرأ الجمهور {أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا } بتخفيفالراء أي فرضنا أحكامها وجعلناها واجبة متطوّعاً بها. وقيل: وفرضنا العمل بما فيها. وقرأ عبد الله وعمر بن عبد العزيزومجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير بتشديد الراء ما للمبالغة في الإيجاب، وإما لأن فيها فرائض شتى أو لكثرة المفروضعليهم. قيل: وكل أمر ونهي في هذه السورة فهو فرض. {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا } بينات أمثالاً ومواعظ وأحكاماً ليسفيها مشكل يحتاج إلى تأويل. وقرأ الجمهور {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } بالرفع، وعبد الله والزان بغير ياء، ومذهب سيبويه أنه مبتدأوالخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } وقوله {فَٱجْلِدُواْ } بيان لذلك الحكم، وذهب الفراء والمبرد والزجاجإلى أن الخبر {فَٱجْلِدُواْ } وجوزه الزمخشري، وسبب الخلاف هو أنه عند سيبويه لا بد أن يكون المبتدأ الداخل الفاءفي خبره موصولاً بما يقبل أداة الشرط لفظاً أو تقديراً، واسم الفاعل واسم المفعول لا يجوز أن يدخل عليه أداةالشرط وغير سيبويه ممن ذكرنا لم يشرط ذلك، وتقرير المذهبين والترجيح مذكور في النحو. وقرأ عيسى الثقفي ويحيـى بن يعمروعمرو بن فأئد وأبو جعفر وشيبة وأبو السمال ورويس {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } بنصبهما على الاشتغال، أي واجلدوا {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى }كقولك زيداً فضربه، ولدخول الفاء تقرير ذكر في علم النحو والنصب هنا أحسن منه في {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا } لأجل الأمر،وتضمنت السورة أحكاماً كثيرة فيما يتعلق بالزنا ونكاح الزواني وقذف المحصنات والتلاعن والحجاب وغير ذلك. فبدى بالزناء لقبحه وما يحدثعنه من المفاسد والعار. وكان قد نشأ في العرب وصار من إمائهم أصحاب رايات وقدّمت الزانية على الزاني لأن داعيتهاأقوى لقوة شهوتها ونقصان عقلها، ولأن زناها أفحش وأكثر عاراً وللعلوق بولد الزنا وحال النساء الحجبة والصيانة. وقال الزمخشري:فإن قلت: قدّمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً؟ قلت: سبقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا والمرأةعلى المادة التي منها نشأت الجناية، فإنها لو لم تطمع الرجل ولم تربض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن،فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك بدىء بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والخاطبومنه يبدأ الطلب انتهى. ولا يتم هذا الجواب في الثانية إلاّ إذا حمل النكاح على العقد لا على الوطء. وألفي {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } للعموم في جميع الزناة. وقال ابن سلام وغيره: هو مختص بالبكرين والجلد إصابة الجلد بالضربكما تقول: رأسه وبطنه وظهره أي ضرب رأسه وبطنه وظهره وهذا مطرد في أسماء الأعيان الثلاثية العضوية، والظاهر اندراج الكافروالعبد والمحصن في هذا العموم وهو لا يندرج في المجنون ولا الصبيّ بإجماع. وقال ابن سلام وغيره: واتفق فقهاء الأمصارعلى أن المحصن يرجم ولا يجلد. وقال الحسن وإسحاق وأحمد: يجلد ثم يرجم: وجلد عليّ رضي الله عنه شراحة الهمدانيةثم رجمها وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ، ولا حجة في كون مرجومة أنيسوالغامدية لم ينقل جلدهما لأن ذلك معلوم من أحكام القرآن فلا ينقل إلاّ ما كان زائداً على القرآن وهو الرجم،فلذلك ذكر الرجم ولم يذكر الجلد. ومذهب أبي حنيفة أن من شرط الإحصان الإسلام، ومذهب الشافعي أنه ليس بشرط، واتفقواعلى أن الأمة تجلد خمسين وكذا العبد على مذهب الجمهور. وقال أهل الظاهر: يجلد العبد مائة ومنهم من قال: تجلدالأمة مائة إلاّ إذا تزوجت فخمسين، والظاهر اندراج الذمّيين في الزانية والزاني فيجلدان عند أبي حنيفة والشافعي وإذا كانا محصنينيرجمان عند الشافعي. وقال مالك: لا حد عليهما والظاهر أنه ليس على الزانية والزاني حد غير الجلد فقط وهو مذهبالخوارج، وقد ثبت الرجم بالسنة المستفيضة وعمل به بعد الرسول خلفاء الإسلام أبو بكر وعمر وعليّ، ومن الصحابة جابر وأبوهريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد، واختلفوا في التغريب بنفي البكر بعد الجلد. وقال الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعيينفي الزاني. وقال الأوزاعي ومالك: ينفي الرجل ولا تنفى المرأة قال مالك: ولا ينفي العبد نصف سنة، والظاهر أن هذاالجلد إنما هو على من ثبت عليه الزنا فلو وجدا في ثوب واحد فقال إسحاق يضرب كل واحد منهما مائةجلدة، وروي عن عمر وعليّ. وقال عطاء والثوري ومالك وأحمد: يؤدبان على مذاهبهم في الأدب، وأما الإكراه فالمكرهة لا حدعليها وفي حد الرجل المكره خلاف وتفصيل بين أن يكرهه سلطان فلا يحد أو غيره فيحد، وهو قول أبي حنيفةوقول أبي يوسفض ومحمد والحسن بن صالح والشافعي لا يحد في الوجهين، وقول زفر يحد فيهما جميعاً. والظاهر أنه لايندرج في الزنا من أتى امرأة من دبرها ولا ذكراً ولا بهيمة. وقيل: يندرج والمأمور بالجلد أئمة المسلمين ونوابهم. واختلفوافي إقامة الخارجي المتعلب الحدود. فقيل له ذلك. وقيل: لا وفي إقامة السيد على رقيقه. فقال ابن مسعود وابن عمروعائشة وفاطمة والشافعي: له ذلك. وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: لا، وقال مالك والليث: له ذلك إلاّ في القطع فيالسرقة فإنما يقطعه الإمام، والجلد كما قلنا ضرب الجلد ولم تتعرض الآية لهيئة الجالد ولا هيئة المجلود ولا لمحل الجلدولا لصفة الآلة المجلود بها وذلك مذكور في كتب الفقه. وقال الزمخشري: فإن قلت: هذا حكم جميع الزناة والزوانيأم حكيم بعضهم؟ قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإن المحصن حكمه الرجم فإن قلت: اللفظ يقتضي تعليقالحكم بجميع الزناة والزواني لأن قوله {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } عام في الجميع يتناوله المحصن وغير المحصن قلت: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى }بدلان على الجنسين المنافيين لجنسي العفيف والعفيفة دلالة مطلقة، والجنسية قائمة في الكل والبعض جميعاً فأيهما قصد المتكلم فلا عليهكما يفعل بالأسم المشترك انتهى. وليست دلالة اللفظ على الجنسين كما ذكر دلالة مطلقة لأن دلالة عموم الاستغراق مباينة لدلالةعموم البدل وهو الإطلاق، وليست كدلالة المشترك لأن دلالة العموم هي كل فرد فرد على سبيل الاستغراق، ودلالة المشترك تدلعلى فرد فرد على الاستغراق أعني في الاستعمال وإن كان في ذلك خلاف في أصول الفقه، لكن ما ذكرته هوالذي يصح في النظر واستعمال كلام العرب. وقرأ عليّ بن أبي طالب والسلمي وابن مقسم وداود بن أبي هندعن مجاهد: ولا يأخذكم بالياء لأن تأنيث الرأفة مجاز وحسن ذلك الفصل. وقرأ الجمهور بالتاء الرأفة لفظاً. وقرأ الجمهور {رَأْفَةٌ} بسكون الهمزة وابن كثير بفتحها وابن جريج بألف بعد الهمزة. وروي هذا عن عاصم وابن كثير، وكلها مصادر أشهرهاالأول والرأفة المنهي أن تأخذ المتولين إقامة الحد. قال أبو مجلز ومجاهد وعكرمة وعطاء: هي في إسقاط الحد، أي أقيموهولا يدرأ هذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما. ومن مذهبهم أن الحد في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد.وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما: الرأفة المنهي عنها هي في تخفيف الضرب على الزناة، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الفريةوالخمر ويشدد ضرب الزنا. وقال الزمخشري: والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجد والمتانةفيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استبقاء حدوده انتهى. فهذا تحسين قول أبي مجلز ومن وافقه. وقال الزهري: يشدّد فيالزنا والفرية ويخفف في حد الشرب. وقال مجاهد والشعبي وابن زيد: في الكلام حذف تقديره {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} فتعطلوا الحدود ولا تقيموها. والنهي في الظاهر للرأفة والمراد ما تدعو إليه الرأفة وهو تعطيل الحدود أو نقصها ومعنى{فِى دِينِ ٱللَّهِ } في الإخلال بدين الله أي بشرعه. قيل: ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الحكم {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَبِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } تثبيت وحض وتهييج للغضب لله ولدينه، كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل، وأمر تعالى بحضور جلدهماطائفة إغلاظاً على الزناة وتوبيخاً لهم بحضرة الناس، وسمى الجلد عذاباً إذ فيه إيلام وافتضاح وهو عقوبة على ذلك الفعل،والطائفة المأمور بشهودها ذلك يدل الاشتقاق على ما يكون يطوف بالشيء وأقل ما يتصور ذلك فيه ثلاثة وهي صفة غالبةلأنها الجماعة الحافة بالشيء. وعن ابن عباس وابن زيد في تفسيرها أربعة إلى أربعين. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة والزهري:ثلاثة فصاعداً. وعن عكرمة وعطاء: رجلان فصاعداً وهو مشهور قول مالك. وعن مجاهد: الواحد فما فوقه واستعمال الضمير الذي للجمععائداً على الطائفة في كلام العرب دليل على أنه يراد بها الجمع وذلك كثير في القرآن. {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُإِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } الظاهر أنه خبر قصد به تشنيع الزنا وأمره، ومعنى {لاَ يَنكِحُ } لا يطأ وزاد{*المشركة} في التقسيم، فالمعنى أن الزاني في وقت زناه لا يجامع إلاّ زانية من المسلمين أو أخس منها وهي المشركة،والنكاح بمعنى الجماع مروي عن ابن عباس هنا. وقال الزمخشري: وقيل المراد بالنكاح الوطء وليس بقول لأمرين. أحدهما: أن هذهالكلمة أينما وردت في القرآن لم يرد بها إلاّ معنى العقد. والثاني: فساد المعنى وأداؤه إلى قولك الزاني لا يزنيإلاّ بزانية، والزانية لا تزني إلا بزان انتهى. وما ذكره من الأمر الأول أخذه من الزجاج قال: لا يعرف النكاحفي كتاب الله إلا بمعنى التزويج وليس كما قال، وفي القرآن حتى تنكح زوجاً غيره، وبيِّن الرسول صلى الله عليهوسلم أنه بمعنى الوطء. وأما الأمر الثاني فالمقصود به تشنيع الزنا وتشنيع أمره وأنه محرم على المؤمنين. وقال الزمخشري: وأخذهمن الضحاك وحسنه الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا، والخبث لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلافصفته، وإنما يرغب في فاسقه خبيثة من شكله، أو في مشركة. والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاءمن الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة والمشركين، ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانيةورغبته فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا محرم محظور لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور. موقع التهمة والتسببلسوء القالة فيه والغيبة وأنواع المفاسد ومجالسة الخطائين، كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب وإقدامه علىذلك انتهى. وعن ابن عمر وابن عباس وأصحابه أنها في قوم مخصوصين كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلماجاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كن من عادتهن الإنفاق على من ارتسم بزواجهن،فنزلت الآية بسببهن والإشارة بالزاني إلى أحد أولئك أطلق عليه اسم الزنا الذي كان في الجاهلية وقوله {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ} أي لا يتزوج، وعلى هذين التأويلين فيه معنى التفجع عليهم وفيه توبيخ كأنه يقول: الزاني لا يريد أن يتزوجإلا زانية أو مشركة، أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة انضباطهم، ويرد على هذين التأويلين الإجماع على أن الزانيةلا يجوز أن يتزوجها مشرك في قومه {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }. أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم أهل هذين التأويلينأن نكاحهن حرمه الله على أمّة محمد ﷺ. وقال الحسن: المراد الزاني المحدود، والزانية المحدودة قال:وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلاّ زانية. وقد روي أن محدوداً تزوج غير محدودة فردّعليّ بن أبي طالب نكاحها. {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } يريد الزنا. وروى الزهراني في هذا حديثاً من طريق أبيهريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا ينكح الزاني المحدود إلاّ مثله قال ابن عطية:وهذا حديث لا يصح، وقول فيه نظر، وإدخال المشرك في الآية يرده وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابيةفلا حيلة في لفظ المشرك انتهى. وقال ابن المسيب: هذا حكم كان في الزناة عام أن لا يتزوج زان إلاّزانية، ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله

{ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مّنكُمْ }

وقوله

{ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء }

وروي ترتيب هذا النسخ عن مجاهد إلاّ أنه قال: حرم نكاح أولئك البغايا النفر. قال ابن عطية: وذكر الإشراكفي الآية يضعف هذه المناحي انتهى. وعن الجبائي إنها منسوخة بالإجماع، وضعف بأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماعلا ينسخ ولا ينسخ به، وتلخص من هذه الأقوال أن النكاح إن أريد به الوطء فالآية وردت مبالغة في تشنيعالزنا، وإن أريد به التزويج فإما أن يراد به عموم في الزناة ثم نسخ، أو عموم في الفساق الخبيثين لايرغبون إلاّ فيمن هو شكل لهم، والفواسق الخبائث لا يرغبن إلاّ فيمن هو شكل لهن، ولا يجوز التزويج على ماقرره الزمخشري، أو يراد به خصوص في قوم كانوا في الجاهلية زناة ببغايا فأرادوا تزويجهن لفقرهم وإيسارهن مع بقائهن علىالبغاء فلا يتزوج عفيفة، ولو زنا رجل بامرأة ثم أراد تزويجها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وابن عباسوجابر وطاوس وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة ومالك والثوري والشافعي، ومنعه ابن مسعود والبراء ابن عازب وعائشةوقالا: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، ومن غريب النقل أنه لو تزوج معروف بالزنا أو بغيره من الفسوق ثبت الخيارفي البقاء معه أو فراقه وهو عيب من العيوب التي يترتب الخيار عليها، وذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وعندهمأن من زنى من الزوجين فسد النكاح بينهما وقال قوم منهم لا ينفسخ ويؤمر بطلاقها إذا زنت فإن امسكها أثمقالوا لا تجوز التزويج بالزانية ولا من الزاني فإن ظهرت التوبة جاز. وقال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بينمعنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟ قلت: معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانيةصفتها بكونها غير مرغوب فيها للأعّفاء ولكن للزناة، وهما معنيان مختلفان. وعن عمرو بن عبيد {لاَ يَنكِحُ } بالجزمعلى النهي والمرفوع فيه معنى النهي ولكن هو أبلغ وآكد كما أن رحمك الله ويرحمك الله أبلغ من ليرحمك، ويجوزأن يكون خبراً محضاً على معنى إن عادتهم جارية على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادةويتصون عنها انتهى. وقرأ أبو البرهثيم {وَحَرَّمَ } مبنياً للفاعل أي الله، وزيد بن عليّ {وَحَرَّمَ } بضم الراء وفتحالحاء والجمهور {وَحَرَّمَ } مشدداً مبنياً للمفعول. والقذف الرمي بالزنا وغيره، والمراد به هنا الزنا لاعتقابه إياه ولاشتراط أربعةشهداء وهو مما يخص القذف بالزنا إذ في غيره يكفي شاهدان. قال ابن جبير: ونزلت بسبب قصة الإفك. وقيل: بسببالقذفة عاماً، واستعير الرمي للشتم لأنه إذاية بالقول. كما قال

:وجرح اللسان كجرح اليد    

وقال

: رماني بأمر كنت منه ووالدي     بريئاً ومن أجل الطويّ رماني

و{ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } الظاهرأن المراد النساء العفائف، وخص النساء بذلك وإن كان الرجال يشركونهن في الحكم لأن القذف فيهن أشنع وأنكر للنفوس، ومنحيث هن هوى الرجال ففيه إيذاء لهن ولأزواجهن وقراباتهن. وقيل: المعنى الفروج المحصنات كما قال:

{ وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا }

وقيل: الأنفس المحصنات وقاله ابن حزم: وحكاه الزهراوي فعلى هذين القولين يكون اللفظ شاملاً للنساء وللرجال، ويدل على الثاني قوله

{ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء }

وثم محذوف أي بالزنا، وخرج بالمحصنات من ثبت زناها أو زناه، واستلزم الوصف بالإحصان الإسلاموالعقل والبلوغ والحرية. قال أبو بكر الرازي: ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في هذا المعنى، والمراد بالمحصنات غير مزوجات الرامينأو لمن زوجه حكم يأتي بعد ذلك، والرمي بالزنا الموجب للحد هو التصريح بأن يقول: يا زانية، أو يا زاني،أو يا ابن الزاني وابن الزانية، يا ولد الزنا لست لأبيك لست لهذه وما أشبه ذلك من الصرائح، فلو عرضكأن يقول: ما أنا بزان ولا أمي بزانية لم يحد في مذهب أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد وابن شبرمةوالثوري والحسن بن صالح والشافعي، ويحد في مذهب مالك، وثبت الحد فيه عن عمر بعد مشاورته الناس وقال أحمد وإسحاقهو قذف في حال الغضب دون الرضا، فلو قذف كتابياً إذا كان للمقذوف ولد مسلم. وقيل: إذا قذف الكتابية تحتالمسلم حُدّ وأتفقوا على أن قاذف الصبي لا يحُدَ وإن كان مثله يجامع، واختلفوا في قاذف الصبية. فقال مالك: يحدإذا كان مثلها يجامع. وقال مالك والليث: يحد إذا كان مثلها يجامع. وقال مالك والليث: يحد قاذف المجنون. وقال غيرهما:لا يحد. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } ظاهره الذكور وحكم الراميات حكمهم، ولو قذف الصبي أو المجنون زوجته أو أجنبية فلاحدّ عليه أو أخرس وله كناية معروفة أو إشارة مفهومة حد عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح قذفه ولالعانه ولما كانت معصية الزنا كبيرة من أمهات الكبائر وكان متعاطيها كثيراً ما يتسير بها فقلما يطلع أحد عليها، شددالله تعالى على القاذف حيث شرط فيها أربعة شهداء رحمة بعباده وستراً لهم والمعنى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ } الحكام والجمهورعلى إضافة {أَرْبَعَةِ } إلى {شُهَدَاء }. وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم {بِأَرْبَعَةِ } بالتنوين وهي قراءة فصيحة،لأنه إذا اجتمع اسم العدد والصفة كان الاتباع أجود من الإضافة، ولذلك رجح ابن جني هذه القراءة على قراءة الجمهورمن حيث أخذ مطلق الصفة وليس كذلك، لأن الصفة إذا جرت مجرى الأسماء وباشرتها العوامل جرت في العدد وفي غيرهمجرى الأسماء، ومن ذلك شهيد ألا ترى إلى قوله

{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ }

وقوله

{ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ }

وكذلك: عبد فثلاثة شهداء بالإضافة أفصح من التنوين والاتباع، وكذلك ثلاثة أعبد. وقال ابن عطية: وسيبويهيرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر انتهى. وليس كما ذكر إنما يرى ذلك سيبويه في العددالذي بعده اسم نحو: ثلاثة رجال، وأما في الصفة فلا بل الصحيح التفصيل الذي ذكرناه، وإذا نونت أربعة فشهداء بدلإذ هو وصف جرى مجرى الأسماء أو صفة لأنه صفة حقيقية، ويضعف قول من قال أنه حال أو تمييز، وهذهالشهادة تكون بالمعاينة البليغة كالمرود في المكحلة، والظاهر أنه لا يشترط شهادتهم أن تكون حالة اجتماعهم بل لو أتى بهممتفرقين صحت شهادتهم. وقال أبو حنيفة: شرط ذلك أن يشهدوا مجتمعين، فلو جاؤوا متفرقين كانوا قذفه. والظاهر أنه يجوز أنيكون أحد الشهود زوج المقذوفة لاندراجه في أربعة شهداء ولقوله

{ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ }

ولم يفرق بين كونالزوج فيهم وبين أن يكونوا أجنبيين، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وتحد المرأة، وروي ذلك عن الحسن والشعي. وقال مالكوالشافعي: يلاعن الزوج ويحد الثلاثة وروي مثله عن ابن عباس. {فَٱجْلِدُوهُمْ } أمر للإمام ونوابه بالجلد، والظاهر وجوب الجلدوإن لم يطالب المقذوف وبه قال ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي: لا يحد إلاّ بمطالبته. وقالمالك كذلك إلاّ أن يكون الإمام سمعه يقذفه فيحده إذا كان مع الإمام شهود عدول وإن لم يطالب المقذوف، والظاهرأن العبد القاذف حرّاً إذا لم يأت بأربعة شهداء حد ثمانين لاندراجه في عموم {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } وبه قال عبدالله بن مسعود والأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والثوري وعثمان البتي والشافعي: يجلد أربعين وهو قول عليّ وفعل أبيبكر وعمر وعليّ ومن بعدهم من الخلفاء قاله عبد الله بن ربيعة، ولو قذف واحد جماعة بلفظ واحد أو أفردلكل واحد حد حدّاً واحداً وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك والثوري والليث. وقال عثمان البتي والشافعي لكل واحد حد.وقال الشعبي وابن أبي ليلى: إن كان بلفظ واحد نحو يا زناة فحد واحد، أو قال: لكل واحد يا زانيفلكل إنسان حد، والظاهر من الآية أنه لا يجلد إلاّ القاذف ولم يأت جلد الشاهد إذا لم يستوف عدد الشهود،وليس من جاء للشهادة للقاذف بقاذف وقد أجراه عمر مجرى القاذف. وجلد أبا بكرة وأخاه نافعاً وشبل بن معبد البجليلتوقف الرابع وهو زيادة في الشهادة فلم يؤدها كاملة، ولو أتى بأربعة شهداء فساق. فقال زفر: يدرأ الحد عن القاذفوالشهور. وعن أبي يوسف يحد القاذف ويدرأ عن الشهود. وقال مالك وعبيد الله بن الحسن: يحد الشهود والقاذف. {وَلاَتَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } الظاهر أنه لا يقبل شهادته أبداً وإن أكذب نفسه وتاب، وهو نهي جاء بعد أمر،فكما أن حكمه الجلد كذلك حكمه رد شهادته وبه قال شريح القاضي والنخعي وابن المسيب وابن جبير والحسن والثوري وأبوحنيفة وأصحابه والحسن بن صالح: لا تقبل شهادة المحدود في القذف وإن تاب، وتقبل شهادته في غير المقذوف إذا تاب.وقال مالك: تقبل في القذف بالزنا وغيره إذا تاب وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشعي والقاسم بن محمد وسالم والزهري،وقال: لا تقبل شهادة محدود في الإسلام يعني مطلقاً، وتوبته بماذا تقبل بإكذاب نفسه في القذف وهو قول الشافعي وكذافعل عمر بنافع وشبل أكذبا أنفسهما فقبل شهادتهما، وأصر أبو بكرة فلم تقبل شهادته حتى مات. {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} الظاهر أنه كلام مستأنف غير داخل في حيز الذين يرمون، كأنه إخبار بحال الرامين بعد انقضاء الموصول المتضمن معنىالشرط وما ترتب في خبره من الجلد وعدم قبول الشهادة أبداً. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } هذا الاستثناء يعقب جملاًثلاثة، جملة الأمر بالجلد وهو لو تاب وأكذب نفسه لم يسقط عنه حد القذف، وجملة النهي عن قبول شهادتهم أبداًوقد وقع الخلاف في قبول شهادتهم إذا تابوا بناء على أن هذا الاستثناء راجع إلى جملة النهي، وجملة الحكم بالفسقأو هو راجع إلى الجملة الأخيرة وهي الثالثة وهي الحكم بفسقهم والذي يقتضيه النظر أن الاستثناء إذا تعقب جملة يصلحأن يتخصص كل واحد منها بالاستثناء أن يجعل تخصيصاً في الجملة الأخيرة، وهذه المسألة تكلم عليها في أصول الفقه وفيهاخلاف وتفصيل، ولم أر من تكلم عليها من النحاة غير المهاباذي وابن مالك فاختار ابن مالك أن يعود إلى الجملكلها كالشرط، واختار المهاباذي أن يعود إلى الجملة الأخيرة وهو الذي نختاره، وقد استدللنا على صحة ذلك في كتاب التذييلوالتكميل في شرح التسهيل. وقال الزمخشري: وجعل يعني الشافعي الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية وحق المستثنى عنده أن يكون مجرور بدلاًمن {هُمْ } في {لَهُمْ } وحقه عند أبي حنيفة النصب لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أنتكون الجمل الثلاث مجموعهن جزاء الشرط يعني الموصول المضمن معنى الشرط كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوه وردوا شهادته وفسقوهأي اجمعوا له الحد والرد والفسق. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } عن القذف {وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فينقلبونغير محدودين ولا مردودين ولا مفسقين انتهى. وليس يقتضي ظاهر الآية عود الاستثناء إلى الجمل الثلاث، بل الظاهر هو مايعضده كلام العرب وهو الرجوع إلى الجملة التي تليها والقول بأنه استثناء منقطع مع ظهور اتصاله ضعيف لا يصار إليهإلاّ عند الحاجة. ولما ذكر تعالى قذف المحصنات وكان الظاهر أنه يتناول الأزواج وغيرهن ولذلك قال سعد بن عبادة:يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتي آتي بأربعة شهداء والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، وكان رسولالله ﷺ عزم على حد هلال بن أمية حين رمى زوجته بشريك بن سحماء فنزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَأَزْوٰجَهُمْ } واتضح أن المراد بقوله {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } غير الزوجات، والمشهور أن نازلة هلال قبل نازلة عويمر. وقيل:نازلة عويمر قبل، والمعنى بالزنا ولم يكن لهم شهداء ولم يقيد بعدد اكتفاء بالتقييد في قذف غير الزوجات، والمعنى {شُهَدَاء} على صدق قولهم. وقرىء ولم تكن بالتاء. وقرأ الجمهور بالياء وهو الفصيح لأنه إذا كان العامل مفرغاً لما بعدإلاّ وهو مؤنث فالفصيح أن يقول ما قام إلاّ هند، وأماما قامت إلاّ هند فأكثر أصحابنا يخصه بالضرورة، وبعض النحويينيجيزه في الكلام على قلة. و{أَزْوٰجِهِمْ } يعم سائر الأزواج من المؤمنات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعن الزوج للانتفاء منالعمل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأحد معنيين أحدهما: أن تكون الزوجة ممن لا يجب على قاذفها الحد وإن كان أجنبياً،نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية وقد وطئت وطأ حر إما في غير ملك. والثاني: أن يكون أحدهما ليسمن أهل الشهادة بأن يكون محدوداً في قذف أو كافراً أو عبداً، فأمّا إذا كان أعمى أو فاسقاً فله أنيلاعن. وقال الثوري والحسن بن صالح: لا لعان إذا كان أحد الزوجين مملوكاً أو كافراً، ويلاعن المحدود في القذف. وقالالأوزاعي: لالعان بين أهل الكتاب ولا بين المحدود في القذف وامرأته. وقال الليث: يلاعن العبد امرأته الحرة والمحدود في القذف.وعن مالك: الأمة المسلمة والحرة الكتابية يلاعن الحر المسلم والعبد يلاعن زوجته الكتابية، وعنه: ليس بين المسلم والكافرة لعان إلاّلمن يقول رأيتها تزني فيلاعن ظهر الحمل أو لم يظهر، ولا يلاعن المسلم الكافرة ولا زوجته الأمة إلاّ في نفيالحمل ويتلاعن عن المملوكان المسلمان لا الكافران. وقال الشافعي كل زوج جاز طلاقه ولزمه الفرض يلاعن، والظاهر العموم في الرامينوزوجاتهم المرميات بالزنا، والظاهر إطلاق الرمي بالزنا سواء قال: عاينتها تزني أم قال زنيت وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وكانمالك لا يلاعن عن إلاّ أن يقول: رأيتك تزنين أو ينفي حملاً بها أو ولد منها والأعمى يلاعن. وقال الليث:لا يلاعن إلاّ أن يقول: رأيت عليها رجلاً أو يكون استبرأها، فيقول: ليس هذا الحمل مني ولم تتعرض الآية فياللعان إلاّ لكيفيته من الزوجين. وقد أطال المفسرون الزمخشري وابن عطية وغيرهما في ذكر كثير من أحكام اللعان مما لمتتعرض له الآية وينظر ذلك في كتب الفقه. وقرأ الجمهور {أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ } بالنصب على المصدر. وارتفع {فَشَهَـٰدَةُ }خبراً على إضمار مبتدأ، أي فالحكم أو الواجب أو مبتدأ على إضمار الخبر متقدماً أي فعليه أن يشهد أو مؤخراًأي كافيه أو واجبه. و{بِٱللَّهِ } من صلة {شَهَـٰدَاتٍ } ويجوز أن يكون من صلة {فَشَهَـٰدَةُ } قاله ابن عطية،وفرغ الحوفي ذلك على الأعمال، فعلى رأي البصريين واختيارهم يتعلق بشهادات، وعلى اختيار الكوفيين يتعلق بقوله {فَشَهَـٰدَةُ }. وقرأ الأخوانوحفص والحسن وقتادة والزعفراني وابن مقسم وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وأبان وابن سعدان {أَرْبَعُ } بالرفع خبرللمبتدإ، وهو {فَشَهَـٰدَةُ } و{بِٱللَّهِ } من صلة {شَهَـٰدَاتٍ } على هذه القراءة، ولا يجوز أن يتعلق بفشهادة للفصل بينالمصدر ومعموله بالجر ولا يجوز ذلك. وقرأ الجمهور {وَٱلْخَامِسَةَ } بالرفع فيهما. وقرأ طلحة والسلمي والحسن والأعمش وخالد بنأياس ويقال ابن إلياس بالنصب فيهما. وقرأ حفص والزعفراني بنصب الثانية دون الأولى، فالرفع على الابتداء وما بعده الخبر، ومننصب الأولى فعطف على {أَرْبَعُ } في قراءة من نصب {أَرْبَعُ }، وعلى إضمار فعل يدل عليه المعنى في قراءةمن رفع {أَرْبَعُ } أي وتشهد {*الخامسة} ومن نصب الثانية فعطف على {أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ } وعلى قراءة النصب في {*الخامسة}يكون {حَمِيمٍ ءانٍ } بعده على إسقاط حرف الجر، أي بأن، وجوّز أن يكون {ءانٍ } وما بعده بدلاً من{*الخامسة}. وقرأ نافع {بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ } بتخفيف {ءانٍ } ورفع {لَّعْنَةُ } و{أَنَّ غَضَبَ } بتخفيف {ءانٍ } و{غَضَبَ} فعل ماض والجلالة بعد مرفوعة، وهي ان المخففة من الثقيلة لما خففت حذف اسمها وهو ضمير الشأن. وقرأ أبورجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون والأعرج ويعقوب بخلاف عنهما، والحسن {أَن لَّعْنَةُ } كقراءة نافع، و{أَنَّ غَضَبَ }بتخفيف {ءانٍ } و{غَضَبَ } مصدر مرفوع وخبر ما وبعده وهي أن المخففة من الثقيلة. وقرأ باقي السبعة {أَن لَّعْنَةُٱللَّهِ } و{أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ } بتشديد {ءانٍ } ونصب ما بعدهما اسماً لها وخبر ما بعد. قال ابن عطية:و{ءانٍ } الخفيفة على قراءة نافع في قوله {أَنَّ غَضَبَ } قد وليها الفعل. قال أبو علي: وأهل العربيةيستقبحون أن يليها الفعل إلاّ أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله

{ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ }

وقوله

{ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا * لاَ يَرْجِعُونَ }

وأما قوله تعالى

{ وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ }

فذلك لعلة تمكنليس في الأفعال. وأما قوله

{ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ }

فبورك على معنى الدعاء فلم يجر دخول الفواصللئلا يفسد المعنى انتهى. ولا فرق بين {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ } و{أَن بُورِكَ } في كون الفعل بعد أن دعاء،ولم يبين ذلك ابن عطية ولا الفارسي، ويكون غضب دعاء مثل النحاة أنه إذا كان الفعل دعاء لا يفصل بينهوبين أن بشيء، وأورد ابن عطية {أَنَّ غَضَبَ } في قراءة نافع مورد المستغرب. {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ } أييدفع و{ٱلْعَذَابَ } قال الجمهور الحد. وقال أصحاب الرأي لا حد عليها إن لم يلاعن ولا يوجبه عليها قول الزوج.وحكى الطبري عن آخرين أن {ٱلْعَذَابَ } هو الحبس، والظاهر الاكتفاء في اللعان بهذه الكيفية المذكورة في الآية وبه قالالليث، ومكان ضمير الغائب ضمير المتكلم في شهادته مطلقاً وفي شهادتها في قوله عليها تقول عليّ. فقال الثوري وأبو حنيفةومحمد وأبو يوسف: يقول بعد {مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فيما رماها به من الزنا وكذا بعد من الكاذبين، وكذا هي بعدمن الكاذبين و{مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فإن كان هناك ولد ينفيه زاد بعد قوله فيما رماها به من الزنا في نفيالولد. وقال مالك: يقول أشهد بالله أني رأيتها تزني وهي أشهد بالله ما رآني أزني، والخامسة تقول ذلك أربعاً و{*الخامسة}لفظ الآية. وقال الشافعي: يقول أشهد بالله أني لصادق فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إنكان حاضرة أربع مرات، ثم يقعد الإمام ويذكره الله تعالى فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده علىفيه ويقول: إن قولك وعليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنا، فإن قذفها بأحديسميه بعينه واحد أو اثنين في كل شهادة، وإن نفي ولدها زاد وأن هذا الولد ما هو مني، والظاهر أنهإذا طلقها بائناً فقذفها وولدت قبل انقضاء العدة فنفي الولد أنه يحد ويلحقه الولد لأنه لا ينطلق عليها زوجة إلاّمجازاً. وعن ابن عباس: إذا طلقها تطليقة أو تطليقتين ثم قذفها حدّ. وعن ابن عمر: يلاعن. وعن الليث والشافعي: إذاأنكر حملها بعد البينونة لاعن. وعن مالك: إن أنكره بعد الثلاث لاعنها. ولو قذفها ثم بانت منه بطلاق أو غيرهفقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا حد ولا لعان. وقال الأوزاعي والليث والشافعي: يلاعن وهذا هو الظاهر لأنها كانت زوجتهحالة القذف، والظاهر من قوله {أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ } أنه يلزم ذلك فإن نكل حبس حتى يلاعن وكذلك هي، وهذامذهب أبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك والحسن بن صالح والليث والشافعي: أيهما نكل حدّ هو للقذف وهي للزنا. وعنالحسن: إذا لاعن وأبت حبست. وعن مكحول والضحاك والشعبي: ترجم ومشروعية اللعان دليل على أن الزنا والقذف ليسا بكفر منفاعلهما خلافاً للخوارج في قولهم: إن ذلك كفر من الكاذب منهما لاستحقاق اللعن من الله والغضب. قال الزمخشري: فإن قلت:لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت: تغليظاً عليها لأنها هي أصل الفجور ومتبعة بإطماعها، ولذلك كانت مقدّمة فيآية الجلد ويشهد لذلك قوله ﷺ الخويلة: والرجم أهون عليك من غضب الله {وَلَوْ* لا * فَضَّلَ ٱللَّهُ } إلى آخره. قال السدّي فضله منته ورحمته نعمته. وقال ابن سلام: فضله الإسلام ورحمتهالكتمان. ولما بين تعالى حكم الرامي الحصنات والأزواج كان في فضله ورحمته أن جعل اللعان سبيلاً إلى الستر وإلى درءالحدّ وجواب {لَوْ * لا } محذوف. قال التبريزي: تقديره لهلكتم أو لفضحكم أولعاجلكم بالعقوبة أو لتبين الكاذب. وقال ابنعطية: لكشف الزناة بأيسر من هذا أو لأخذهم بعقاب من عنده، ونحو هذا من المعاني التي يوجب تقديرها إبهام الجواب.

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } * { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } * { لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } * { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } * { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[عدل]

جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يارسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، فلا يزال يدخل عليّ رجل منأهلي فنزلت {رَّقِيباً يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ } الآية. فقال أبو بكر بعد نزولها: يا رسول الله أرأيت الخاناتوالمساكن التي ليس فيها ساكن فنزل {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الآية. ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن أهل الإفكإنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة، فصارت كأنها طريق للتهمة، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرءبيت غيره إلاّ بعد الاستئذان والسلام، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة وفي ذلك من المضرة مالا خفاء به. والظاهر أنه يجوز للإنسان أن يدخل بيت نفسه من غير استئذان ولا سلام لقوله {غَيْرَ بُيُوتِكُمْ }ويروى أن رجلاً قال للنبيّ ﷺ: أأستأذن على أمي؟ قال: نعم قال: ليس لهاخادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة قال الرجل: لا، قال: وغيا النهي عنالدخول بالاستئناس والسلام على أهل تلك البيوت، والظاهر أن الاستئناس هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدريأيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من جفاء الحال إذا أذن له استأنس، فالمعنى حتى يؤذن لكم كقوله:

{ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ }

وهذا من باب الكنايات والإرداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذنفوضع موضع الإذن. وقد روي عن ابن عباس أنه قال {تَسْتَأْنِسُواْ } معناه تستأذنوا، ومن روى عن ابن عباسأن قوله {تَسْتَأْنِسُواْ } خطأ أو وهم من الكاتب وأنه قرأ حتى تستأذنوا فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين،وابن عباس بريء من هذا القول. و{تَسْتَأْنِسُواْ } متمكنة في المعنى بنية الوجه في كلام العرب. وقد قال عمر للنبيّﷺ: أستأنس يا رسول الله وعمر وأقف على باب الغرفة الحديث المشهور. وذلك يقتضي أنه طلب الأنسبه ﷺ. وقيل: هو من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف، استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراًمكشوفاً، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا، ومنه استأنس هل ترى أحداً واستأنست فلم أر أحداً،أي تعرفت واستعلمت ومنه بيت النابعة

: كان رحلى وقد زال النهار بنا    

يوم الجليل على مستأنس وحد ويجوز أن يكون من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان. وعن أبيأيوب قال: قلنا: يا رسول الله، ما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة يتنحنح يؤذن أهل البيت والتسليم أن يقول السلام عليكم وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثميدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. واحد فصدّ الله عن ذلك وعلم الأحسن الأكمل. وذهب الطبري في {تَسْتَأْنِسُواْ} إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شعربكم. قال ابن عطية: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس انتهى. وقال عطاء: الاستئذان واجب على كل محتلم، والظاهرمطلق الاستئذان فيكفي فيه المرة الواحدة. وفي الحديث: الاستئذان ثلاث يعني كماله. فإن أذن له وإلاّ فليرجع ولا يزيد على ثلاث إلاّ أن يحقق أن من في البيت لم يسمع والظاهر تقديم الاستئذان على السلام. وفيحديث أبي داود: قل السلام عليكم أأدخل؟ والواو في {وَتُسَلّمُواْ } لا تقتضي ترتيباً فشرع النداء بالسلام على الإذن لمافي السلام من التفاؤل بالسلامة. {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى المصدر المفهوم من {تَسْتَأْنِسُواْ } و{*تسلموا} أي {ٱلاْخِرِذٰلِكُمْ } الاستئناس والتسليم {خَيْرٌ لَّكُمْ } من تحية الجاهلية. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي شرعنا ذلك ونبهناكم على ما فيهمصلحتكم من الستر وعدم الاطلاع على ما تكرهون الإطلاع عليه {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } اعتناء بمصالحكم. {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَاأَحَداً } أي يأذن لكم فلا تقدموا على الدخول في ملك غيركم {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ } إذ قد يكون لربالبيت فيه ما لا يحب أن يطلع عليه. {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ } وهذا عائد إلى من استأذن فيدخول بيت غيره فلم يؤذن له سواء كان فيه من يأذن أم لم يكن، أي لا تلحوا في طلب الإذنولا في الوقوف على الباب منتظرين. {هُوَ أَزْكَىٰ } أي الرجوع أطهر لكم وأنمى خيراً لما فيه من سلامة الصدروالبعد عن الريبة. ثم أخبر أنه تعالى {بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } أي بما تأتون وما تذرون مما خوطبتم به فيجازيكمعليه، وفي ذلك توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غيره والنظر لما لا يحل. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} قال الزمخشري: استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها نحو الفنادق وهي الخانات والربطوحوانيت البياعين، والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع انتهى. وما ذكره الزمخشري من أنه استثناءمن البيوت كما ذكر هو مروي عن ابن عباس وعكرمة والحسن، ولا يظهر أنه استثناء لأن الآية الأولى في البيوتالمسكونة والمملوكة، ولذلك قال {بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } وهذا الآية الثانية هي في البيوت المباحة، وقد مثل العلماء لهذه البيوتأمثلة. فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد: هي في الفنادق التي في طرق المسافرين. قال مجاهد: لا يسكنها أحد بلهي موقوفة يأوي إليها كل ابن سبيل. و{فِيهَا مَتَاعٌ } لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء بالخرب التي تدخل للتبرز.وقال ابن زيد والشعبي: هي حوانيت القيسارية والسوق. قال ابن الحنيفة أيضاً: هي دور مكة، وهذا لا يسوغ إلا علىالقول بأن دور مكة غير مملوكة، وأن الناس فيها شركاء وأن مكة فتحت عنوة. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} وعيد للذين يدخلون البيوت غير المسكونة من أهل الريب. و{مِنْ } في {مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } عند الأخفش زائدةأي {يَغُضُّواْ } {أَبْصَـٰرَهُمْ } عما يحرم، وعند غيره للتبعيض وذلك أن أول نظرة لا يملكها الإنسان وإنما يغض فيمابعد ذلك، ويؤيده قوله لعليّ كرم الله وجهه: لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك وليست لك الثانية. وقال ابنعطية: يصح أن تكون {مِنْ } لبيان الجنس، ويصح أن تكون لابتداء الغاية انتهى. ولم يتقدم مبهم فتكون {مِنْ }لبيان الجنس على أن الصحيح أن من ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس. {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } أي من الزناومن التكشف. ودخلت {مِنْ } في قوله {مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } دون الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترىأن الزوجة ينظر زوجها إلى محاسنها من الشعر والصدور والعضد والساق والقدم، وكذلك الجارية المستعرضة وينظر من الأجنبية إلى وجههاوكفيها وأما أمر الفرج فمضيق. وعن أبي العالية وابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزناإلاّ هذا فهو من الاستتار، ولا يتعين ما قاله بل حفظ الفرج يشمل النوعين. {ذٰلِكَ } أي غض البصر وحفظالفرج أطهر لهم {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } من إحالة النظر وانكشاف العورات، فيجازي على ذلك. وقدم غض البصرعلى حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر لا يكاد يقدر على الاختزاز منه، وهوالباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه ويكثر السقوط من جهته. وقال بعض الأدباء

: وما الحب إلا نظرة إثر نظرة     تزيد نمواً إن تزده لجاجاً

ثم ذكر تعالى حكم المؤمنات فيتساويهنّ مع الرجال في الغض من الأبصار وفي الحفظ للفروج. ثم قال {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } واستثنى ما ظهر منالزينة، والزينة ما تتزين به المرأة من حليّ أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضابفلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لمن استثنى. وذكرالزينة دون مواضعها مبالغة في الأمر بالتصون والتستر لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الحسد لا يحل النظر إليهالغير هؤلاء وهي الساق والعضد والعنق والرأس والصدر والآذان، فنهى عن إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر لا يحل إليهالملابستها تلك المواقع بدليل النظر إليها غير ملابسة لها، وسومح في الزينة الظاهرة لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لاتجديدّاً من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقاتوظهور قدميها خاصة الفقيرات منهنّ وهذا معنى قوله {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } يعني إلاّ ما جرت العادة والجبلة علىظهوره، والأصل فيه الظهور وسومح في الزينة الخفيفة. أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهمولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ولما في الطباع من النفر عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزولوالركوب وغير ذلك. وقال ابن مسعود {مَا ظَهَرَ مِنْهَا } هو الثياب، ونص على ذلك أحمد قال: الزينة الظاهرة الثياب،وقال تعالى

{ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ }

وفسرت الزينة بالثياب. وقال ابن عباس: الكحل والخاتم. وقال الحسن فيجماعة: الوجه والكفان. وقال ابن جريج: الوجه والكحل والخاتم والخضاب والسوار. وقال الحسن أيضاً: الخاتم والسور. وقال ابن عباس: الكحلوالخاتم فقط. وقال المسور بن مخرمة: هما والسوار. وقال الحسن أيضاً: الخاتم والسوار. وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسنالخلق التي فعلها الله وعلى ما يتزين به من فضل لباس، فنها هنّ الله عن إبداءً ذلك لمن ليس بمحرمواستثنى ما لا يمكن اخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف على غير التلذذ. وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة والأقربدخوله في الزينة وأي زينة أحسن من خلق العضو في غاية الاعتدال والحسن. وفي قوله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} دليل على أن الزينة ما يعم الخلقة وغيرها، منعهنّ من إظهار محاسن خلقهنّ فأوجب سترها بالخمار. وقد يقال لماكان الغالب من الوجه والكفين ظهورها عادة وعبادة في الصلاة والحج حسن أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما، وفي السنن لأبيداود أنه عليه السلام قال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا: وأشار إلى وجهه وكفيه وقال ابن خويز منداد: إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك،وكان النساء يغطين رؤوسهنّ بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهر فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهنّ وضمن {وَلْيَضْرِبْنَ } معنىوليلقين وليضعن، فلذلك عداه بعلى كما تقول ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه. وقرأ عياش عن أبي عمرو {وَلْيَضْرِبْنَ} بكسر اللام وطلحة {بِخُمُرِهِنَّ } بسكون الميم وأبو عمرو ونافع وعاصم وهشام {جُيُوبِهِنَّ } بضم الجيم وباقي السبعة بكسرالجيم. وبدأ تعالى بالأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من الزينة، ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينةولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر، فالأب والأخ ليس كابن الزوج فقد يُبدي للأب ما لايبدى لابن الزوج. ولم يذكر تعالى هنا العم ولا الخال. وقال الحسن: هما كسائر المحارم في جواز النظر قال: لأنالآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب، وقال في سورة الأحزاب

{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ }

ولم يذكرفيها البعولة وذكرهم هنا، والإضافة في {نِسَائِهِنَّ } إلى المؤمنات تقتضي تعميم ما أضيف إليهن من النساء من مسلمة وكافرةكتابية ومشركة من اللواتي يكن في صحبة المؤمنات وخذمتهن، وأكثر السلف على أن قوله {أَوْ نِسَائِهِنَّ } مخصوص بمن كانعلى دينهن. قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلاّ ما تبديللأجانب إلاّ أن تكون أَمة لقوله {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن امنع نساء أهلالذمة من دخول الحمام مع المؤمنات. والظاهر العموم في قوله {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } فيشمل الذكور والإناث، فيجوز للعبدأن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون وهو مذهب عائشة وأم سلمة. وعن مجاهد: كان أمهات المؤمنين لا يحتجبنعن مكاتبهن ما بقي عليه درهم، وروي أن عائشة كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها. وعن سعيد بن المسيب مثله ثمرجع عنه. وقال ابن مسعود والحسن وابن المسيب وابن سيرين: لا ينظر العبد إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة.وفي الحديث: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلاّ مع ذي محرم والعبد ليس بذي محرم. وقال سعيد بن المسيب: لا يغرنكم آية النور فإن المراد بها الإماء. قال الزمخشري: وهذا هوالصحيح لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصياً كان أو فحلاً. وعن ميسون بنت بحدل الكلابية: إن معاوية دخل عليهاومعه خصي فتقنعت منه، فقال: هو خصي فقالت: يا معاوية أترى المثلة تحلل ما حرم الله. وعند أبي حنيفة لايحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم انتهى. والإربة الحاجة إلى الوطء لأنهم بلهلا يعرفون شيئاً من أمر النساء، ويتبعون لأنهم يصيبون من فضل الطعام. قال ابن عطية: ويدخل في هذه الصفة المجنونوالمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته. وقرأ ابن عامر وأبو بكر بالنصب على الحال أو الاستثناء وباقيالسبعة بالجر على النعت وعطف {أَوِ ٱلطّفْلِ } على {مِنَ ٱلرّجَالِ } قسم التابعين غير أولي الحاجة للوطء إلى قسمينرجال وأطفال، والمفرد المحكي بأل يكون للجنس فيعم، ولذلك وصف بالجمع في قوله {ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ } ومن ذلك قولالعرب: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض يريد الدنانير والدراهم فكأنه قال: أو الأطفال. و {ٱلطّفْلِ } ما لم يبلغالحلم وفي مصحف حفصة أو الأطفال جمعاً. وقال الزمخشري: وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس ويبين ما بعده أنهيراد به الجمع ونحوه

{ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }

انتهى. ووضع المفرد موضع الجمع لا ينقاس عند سيبويه وإنما قوله {ٱلطّفْلِ} من باب المفرد المعرف بلام الجنس فيعم كقوله

{ إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ * لَفِى * خُسْرٍ }

ولذلك صح الاستثناءمنه والتلاوة ثم يخرجكم بثم لا بالواو. وقوله ونحوه ليس نحوه لأن هذا معرف بلام الجنس وطفلاً نكره، ولا يتعينحمل طفلاً هنا على الجمع الذي لا يقيسه سيبويه لأنه يجوز أن يكون المعنى ثم يخرج كل واحد منكم كماقيل في قوله تعالى

{ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ }

أي لكل واحدة منهن. وكما تقول: بنو فلان يشبعهم رغيف أييشبع كل واحد منهم رغيف. وقوله {ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ } إما من قولهم ظهر على الشيء إذا اطّلع عليه أيلا يعرفون ما العورة ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان إذا قوي عليه وظهر على القرنأخذه. ومنه

{ فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ }

أي غالبين قادرين عليه، فالمعنى لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء. وقرأ الجمهور{عَوْرٰتِ } بسكون الواو وهي لغة أكثر العرب لا يحركون الواو والياء في نحو هذا الجمع. وروي عن ابن عباستحريك واو {عَوْرٰتِ } بالفتح. والمشهور في كتب النحو أن تحريك الواو والياء في مثل هذا الجمع هو لغة هذيلبن مدركة. ونقل ابن خالويه في كتاب شواذ القراءات أن ابن أبي إسحاق والأعمش قرأ {عَوْرٰتِ } بالفتح. قال: وسمعناابن مجاهد يقول: هو لحن وإنما جعله لحناً وخطأ من قبل الرواية وإلاّ فله مذهب في العربية بنو تميم يقولون:روضات وجورات وعورات، وسائر العرب بالإسكان. وقال الفراء: العرب على تخفيف ذلك إلاّ هذيلاً فتثقل ما كان من هذا النوعمن ذوات الياء والواو. وأنشدني بعضهم

: أبو بيضات رائح متأوب     رفيق بمسح المنكبين سبوح{

{وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذاتخلخال. وقال ابن عباس: هو قرع الخلخال بالإجراء وتحريك الخلاخل عند الرجال. وزعم حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالاً من فضةواتخذت جزعاً فجعلته في ساقها، فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية. وقالالزجاج: وسماع صوت ذي الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها انتهى. وقال أبو محمد بن حزم ما معناه أنه تعالىنهاهن عن ذلك لأن المرأة إذا مرت على الرجال قد لا يلتفت إليها ولا يشعر بها: وهي تكره أن لاينظر إليها، فإذا فعلن ذلك نبهن على أنفسهن وذلك بحبهن في تعلق الرجال بهن، وهذا من خفايا الإعلام بحالهن. وقالمكي: ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع. وقالالزمخشري: وإنما نهى عن إظهار صوت الحلّي بعد ما نهى عن إظهار الحلّي علم بذلك أن النهي عن إظهار مواقعالحلّي أبلغ. {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } لما سبقت أوامر منه تعالى ومناه، وكان الإنسان لا يكاديقدر على مراعاتها دائماً وإن ضبط نفسه واجتهد فلا بد من تقصير أمر بالتوبة وبترجي الفلاح إذا تابوا. وعن ابنعباس {تُوبُواْ } مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. وقرأ ابن عامر {ءايَةً * ٱلْمُؤْمِنُونَ }ويا أية الساحر يا أيه الثقلان بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف بالتقاء الساكنيناتبعت حركتها حركة ما قبلها وضمها التي للتنبيه بعد أي لغة لبني مالك رهط شقيق ابن سلمة، ووقف بعضهم بسكونالهاء لأنها كتبت في المصحف بلا ألف بعدها ووقف بعضهم بالألف.

{ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } * { وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }[عدل]

لما تقدمت أوامر ونواةٍ في غض البصر وحفظ الفرج وإخفاء الزينة وغيرذلك وكان الموجب للطموح من الرجال إلى النساء ومن النساء إلى الرجال هو عدم التزوج غالباً لأن في تكاليف النكاحوما يجب لكل واحد من الزوجين ما يشغل أمر تعالى بإنكاح الأيامى، وهم الذين لا أزواج لهم من الصنفين حتىيشتغل كل منهما بما يلزمه، فلا يلتفت إلى غيره. والظاهر أن الأمر في قوله {وَأَنْكِحُواْ } للوجوب، وبه قال أهلالظاهر، وأكثر العلماء على أنه هنا للندب ولم يخل عصر من الأعصار من وجود {ٱلايَـٰمَىٰ } ولم ينكر ذلك ولاأمر الأولياء بالنكاح. وقال الزمخشري: {ٱلايَـٰمَىٰ } واليتامى أصلهما أيائم ويتائم فقلبا انتهى. وفي التحرير قال أبو عمر: وأيامىمقلوب أيائم، وغيره من النحويين ذكر أن أيماً ويتيماً جمعاً على أيامي ويتامى شذوذاً يحفظ ووزنه فعالى، وهو ظاهر كلامسيبويه. قال سيبويه في أواخر هذا باب تكسير ما كان من الصفات. وقالوا: وج ووجياً كما قالوا: زمن وزمنى فأجروهعلى المعنى كما قالوا: يتيم ويتامى وأيم وأيامى فأجروه مجرى رجاعي انتهى. وتقدم في المفردات الأيم من لا زوج لهمن ذكر أو أنثى. وفي شرح كتاب سيبويه لأبي بكر الخفاف: الأيم التي لا زوج لها، وأصله في التي كانتمتزوجة ففقدت زوجها برزءٍ طرأ عليها فهو من البلايا، ثم قبل في البكر مجازاً لأنها لا زوج لها انتهى.{مّنكُمْ } خطاب للمؤمنين، أمر تعالى بإنكاح من تأيم من الأحرار والحرائر ومن فيه صلاح من العبيد والإماء، واندرج المؤنثفي المذكر في قوله {وَٱلصَّـٰلِحِينَ } وخص الصالحين ليحصن لهم دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن {ٱلصَّـٰلِحِينَ } من الأرقاء همالذين يشفق مواليهم عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة والمودة، فكانوا مظنة للاهتمام بشأنهم وتقبل الوصية فيهم، والمفسدون منهم حالهمعند مواليهم على عكس ذلك. وقيل: معنى {وَٱلصَّـٰلِحِينَ } أي للنكاح والقيام بحقوقه. وقرأ مجاهد والحسن من عبيدكم بالياء مكانالألف وفتح العين وأكثر استعماله في المماليك. و {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } هذا مشروط بالمشيئةالمذكورة في قوله:

{ وَإِنْ خِفْتُمْ * عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء }

{وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } أيذو غنى وسعة، يبسط الله لمن يشاء {عَلَيْهِمْ } بحاجات الناس، فيجري عليهم ما قدر من الرزق. {وَلْيَسْتَعْفِفِ } أيليجتهد في العفة وصون النفس وهو استفعل بمعنى طلب العفة من نفسه وحملها عليها، وجاء الفك على لغة الحجاز ولايعلم أحد قرأ وليستعف بالإدغام {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً }. قيل النكاح هنا اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحافواللباس لما يلتحف به ويلبس، ويؤيده قوله {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } فالمأمور بالاستعفاف هو من عدم المال الذييتزوج به ويقوم بمصالح الزوجية. والظاهر أنه أمر ندب لقوله قبل {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }.ومعنى {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } أي لا يتمكنون من الوصول إليه، فالمعنى أنه أمر بالاستعفاف كل من تعذر عليه النكاحولا يجده بأي وجه تعذر، ثم أغلب الموانع عن النكاح عدم المال و {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ } ترجئة للمستعففين وتقدمة للوعدبالتفضل عليهم، فالمعنى ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً في استعفافهم وربطاً على قلوبهم، وما أحسن ما ترتبت هذه الأوامر حيثأمر أولاً بما يعصم عن الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقعبه الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاحإلى أن يرزق القدرة عليه انتهى. وهو من كلام الزمخشري وهو حسن، ولما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيدوالإماء رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحراراً فيتصرفون في أنفسهم. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } أي المكاتبةكالعتاب والمعاتبة. {مِمَّا مَلَكَتْ } يعم المماليك الذكور والإناث. و {ٱلَّذِينَ } يحتمل أن يكون مبتدأ وخبره الجملة، والفاء دخلتفي الخبر لما تضمن الموصول من معنى اسم الشرط، ويحتمل أن يكون منصوباً كما تقول: زيداً فاضربه لأنه يجوز أنتقول زيداً فاضرب، وزيداً اضرب، فإذا دخلت الفاء كان التقدير بنية فاضرب زيداً فالفاء في جواب أمر محذوف، وهذا يوضحفي النحو بأكثر من هذا. قال الأزهري: وسمي هذا العقد مكاتبة لما يكتب للعبد على السيد من العتق إذا أدىما تراضيا عليه من المال، وما يكتب للسيد على العبد من النجوم التي يؤديها، والظاهر وجوب المكاتبة لقوله {فَكَـٰتِبُوهُمْ }وهذا مذهب عطاء وعمرو بن دينار والضحاك وابن سيرين وداود، وظاهر قول عمر لأنه قال لأنس حين سأل سيرين الكتابةفتلكأ أنس كاتبه، أو لأضربنك بالدرة، وذهب مالك وجماعة إلى أنه أمر ندب وصيغتها كاتبتك على كذا، ويعين ما كاتبهعليه، وظاهر الأمر يقتضي أنه لا يشترط تنجيم ولا حلول بل يكون حالاً ومؤجلاً ومنجماً وغير منجم، وهذا مذهب أبيحنيفة. وقال الشافعي: لا يجوز على أقل من ثلاثة أنجم. وقال أكثر العلماء: يجوز على نجم واحد. وقال ابنخويز منداد: إذا كاتب على مال معجل كان عتقاً على مال ولم تكن كتابة، وأجاز بعض المالكية الكتابة الحالية وسماهاقطاعة. والخير المال قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك، أو الحيلة التي تقتضي الكسب قاله ابن عباس أيضاً أو الدينقاله الحسن، أو إقامة الصلاة قاله عبيدة السلماني، أو الصدق والوفاء والأمانة قاله الحسن وإبراهيم أو إرادة خير بالكتابة قالهسعيد بن جبير. وقال الشافعي: الأمانة والقوة على الكسب والذي يظهر من الاستعمال أنه الدين يقول: فلان فيه خير فلايتبادر إلى الذهن إلاّ الصلاح، والأمر بالكتابة مقيد بهذا الشرط، فلو لم يعلم فيه خيراً لم تكن الكتابة مطلوبة بقوله{فَكَـٰتِبُوهُمْ } والظاهر في {وَءاتُوهُم } أنه أمر للمكاتبين وكذا قال المفسرون وجمهور العلماء، واختلفوا هل هو على الوجوب أوعلى الندب؟ واستحسن ابن مسعود والحسن أن يكون ثلث الكتابة وَعلى ربعها، وقتادة عشرها. وقال عمر: من أول نجومه مبادرةإلى الخير. وقال مالك: من آخر نجم. وقال بريدة والحسن والنخعي وعكرمة والكلبي والمقاتلان: أمر الناس جميعاً بمواساة المكاتب وإعانته.وقال زيد بن أسلم: الخطاب لولاة الأمور أن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حقهم وهو الذي تضمنه قوله {وَفِي ٱلرّقَابِ}. وقال صاحب النظم: لو كان المراد بالإيتاء الحط لوجب أن تكون العبارة العربية ضعوا عنهم أو قاصوهم، فلماقال {وَءاتُوهُم } دل على أنه من الزكاة إذ هي مناولة وإعطاء، ويؤكده أنه أمر بإعطاء وما أطلق عليه الإعطاءكان سبيله الصدقة. وقوله {مِن فَضْلِهِ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } هو ما ثبت ملكه للمالك أمر بإخراج بعضه، ومال الكتابةليس بدين صحيح لأنه على عبده، والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح، وأيضاً ما آتاه الله هو الذييحصل في يده ويملكه وما يسقطه عقيب العقد لا يحصل له عليه ملك فلا يستحق الصفة بأنه من مالك اللهالذي آتاه. {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء } في صحيح مسلم عن جابر إن جارية لعبد الله بن أُبَيّيقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة كان يكرههما على الزنا، فشكيا ذلك إلى رسول الله ﷺفنزلت. وقيل: كانت له ست معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة جاءته إحداهن ذات يوم بدينار وأخرى ببرد، فقال لهماارجعا فازنيا، فقالتا: والله لا نفعل ذلك وقد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا، فأتتا رسول الله ﷺوشكتا فنزلت والفتاة المملوكة وهذا خطاب للجميع، ويؤكد أن يكون {وَءاتُوهُم } خطاباً للجميع والنهي عن الإكراه على الزنا مشروطبإرادة التعفف منهن، لأنه لا يمكن الإكراه إلاّ مع إرادة التحصن، أما إذا كانت مريدة للزنا فإنه لا يتصور الإكراه.وكلمه {ءانٍ } وايثارها على إذا إيذان بأن المسافحات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذةومسيكة من خبر الشاذ النادر. وقد ذهب هذا النظر على كثير من المفسرين فقال بعضهم {إِنْ أَرَدْنَ } راجع إلىقوله {وَأَنْكِحُواْ ٱلايَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } وهذا فيه بعد وفصل كثير، وأيضاً فالأيامى يشمل الذكور والإناث، فكان لو أريد هذا المعنىلكان التركيب: إن أرادوا تحصناً فيغلب المذكر على المؤنث. وقال بعضهم: هذا الشرط ملغى. وقال الكرماني: هذا شرط في الظاهروليس بشرط كقوله {ءانٍ * ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا } ومع أنه وإن كان لم يعلم خيراً صحت الكتابة. وقالابن عيسى: جاء بصيغة الشرط لتفحيش الإكراه على ذلك، وقال: لأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة انتهى.و {عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } هو ما يكسبنه بالزنا. وقوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ } جواب للشرط. والصحيح أن التقدير {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذين هو اسم الشرط، ويكون ذلك مشروطاً بالتوبة. ولما غفلالزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم قدروا {فَإِنَّ ٱللَّهَ } {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لهن أي للمكرهات، فعريت جملةجواب الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط. وقد ضعف ما قلناه أبو عبد الله الرازي فقال: فيه وجهان أحدهما:فإن الله غفور رحيم لهنّ لأن الإكراه يزيل الإثم والعقوبة من المكره فيما فعل، والثاني: فإن الله غفور رحيم للمكرهبشرط التوبة، وهذا ضعيف لأنه على التفسير الأول لا حاجة لهذا الإضمار. وعلى الثاني يحتاج إليه انتهى. وكلامهم كلام منلم يمعن في لسان العرب. فإن قلت: قوله {إِكْرَاهِهِنَّ } مصدر أضيف إلى المفعول والفاعل مع المصدر محذوف، والمحذوفكالملفوظ والتقدير من بعد إكراههم إياهنّ والربط يحصل بهذا المحذوف المقدر فلتجز المسألة قلت: لم يعدوا في الروابط الفاعل المحذوف،تقول: هند عجبت من ضربها زيداً فتجوز المسألة، ولو قلت هند عجبت من ضرب زيداً لم تجز. ولما قدر الزمخشريفي أحد تقدير أنه لهن أورد سؤالاً فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن لأن المكرهة على الزنا بخلافالمكره عليه في أنها غير آثمة قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخافمنه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف وغيره حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيهفتكون آثمة انتهى. وهذا السؤال والجواب مبنيان على تقدير لهنّ. وقرأ {مُبَيّنَـٰتٍ } بفتح الياء الحرميان وأبو عمرو وأبوبكر أي بيَّن الله في هذه السورة وأوضح آيات تضمنت أحكاماً وحدوداً وفرائض، فتلك الآيات هي المبينة، ويجوز أن يكونالمراد مبيناً فيها ثم اتسع فيكون المبين في الحقيقة غيرها. وهي ظرف للمبين. وقرأ باقي السبعة والحسن وطلحة والأعمشبكسر الياء، فإما أن تكون متعدية أي {مُبَيّنَـٰتٍ } غيرها من الأحكام والحدود، فأسند ذلك إليها مجاذاً، وإما أن تكونلا تتعدى أي بينات في نفسها لا تحتاج إلى موضح بل هي واضحة لقولهم في المثل. قد بيَّن الصبح لذيعينين. أي قد ظهر ووضح. وقوله {وَمَثَلاً } معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون المعنى {وَمَثَلاً } من أمثال الذينمن قبلكم، أي قصة غريبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم في براءتهما لبراءة من رميت بحديث الإفك لينظروا قدرة اللهفي خلقه وصنعه فيه فيعتبروا. وقال الضحاك: والمراد بالمثل ما في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود، فأنزل في القرآن مثله.وقال مقاتل: أي شبهاً من حالهم في تكذيب الرسل أي بينا لكم ما أحللنا بهم من العذاب لتمردهم، فجعلنا ذلكمثلاً لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم مثلهم في استحقاق العقاب. {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } أي ما وعظ فيالآيات والمثل من نحو قوله

{ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ }

{ وَلا أَذًى * سَمِعْتُمُوهُ * يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً }

وخص المتقين لأنهم المنتفعون بالموعظة.

{ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ } * { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ } * { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ } * { لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }[عدل]

النور في كلام العرب الضوء المدرك بالبصر، فإسناده إلى الله تعالى مجازكما تقول زيد كرم وجود وإسناده على اعتبارين، إما على أنه بمعنى اسم الفاعل أي منوّر السموات والأرض، ويؤيد هذاالتأويل قراءة عليّ بن أبي طالب وأبي جعفر وعبد العزيز المكي وزيد بن عليّ وثابت بن أبي حفصة والقورصي ومسلمةبن عبد الملك وأبي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة {نُورٍ } فعلاً ماضياً و {ٱلاْرْضِ} بالنصب. وإما على حذف أي ذو نور، ويؤيده قوله {مَثَلُ نُورِهِ } ويحتمل أن يجعل نوراً على سبيل المدح،كما قالوا فلان شمس البلاد ونور القبائل وقمرها، وهذا مستفيض في كلام العرب وأشعارها. قال الشاعر

: كأنك شمس والملوك كواكب©†    

وقال

:     قمر القبائل خالد بن زيد©†

وقال

إذا سار عبد الله من مرو ليلة     فقد سار منها بدرها وجمالها

ويروى نورها، وأضاف النور إلى {ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } لدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى يضيء له السموات والأرض،أو يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به. وقال ابن عباس: {نُورٍ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ } أي هادي أهل السموات. وقالمجاهد: مدبر أمور السموات. وقال الحسن: منور السموات. وقال أبي: الله به نور السموات أو منه نور السموات أي ضياؤها.وقال أبو العالية: مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء. وقيل: المنزه من كل عيب امرأة نوار بريئةمن الريبة والفحشاء. وقال الكرماني: هو الذي يرى ويرى به مجاز وصف الله به لأنه يرى ويرى بسببه مخلوقاته لأنهخلقها وأوجدها. والظاهر أن الضمير في {مَثَلُ نُورِهِ } عائد على الله تعالى. واختلفوا في هذا القول ما المرادبالنور المضاف إليه تعالى. فقيل: الآيات البينات في قوله

{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ }

وقيل: الإيمان المقذوف فيقلوب المؤمنين. وقيل: النور هنا هو رسول الله ﷺ. وقيل: النور هنا المؤمن. وقال كعب وابن جبير:الضمير في {نُورِهِ } عائد على محمد ﷺ، أي مثل نور محمد. وقال أبيّ: هو عائد علىالمؤمنين وفي قراءته مثل نور المؤمن. وروي أيضاً فيها مثل نور من آمن به. وقال الحسن: يعود على القرآن والإيمانوهذه الأقوال الثلاثة عاد فيها الضمير على غير مذكور، ونقلت المعنى المقصود بالآية بحلاف عوده على الله تعالى، ولذلك قالمكي يوقف على {وٱلاْرْضِ } في تلك الأقوال الثلاثة. واختلفوا في هذا التشبيه أهو تشبيه جملة بجملة لا يقصد فيهاإلى تشبيه جزء بجزء ومقابلة شيء بشيء، أو مما قصد به ذلك أي مثل نور الله الذي هو هداه واتقانهصنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغصفات النور الذي بين أيدي الناس، أي مثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر. وقيل: هومن التشبيه المفصل المقابل جزءاً بجزء، وقرروه على تلك الأقوال الثلاثة أي {مَثَلُ نُورِهِ } في محمد أو في المؤمنأو في القرآن والإيمان {كَمِشْكَاةٍ } فالمشكاة هو الرسول أو صدره {*والمصباح} هو النبوة وما يتصل بها من علمه وهداهو {زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ } قلبه. والشجرة المباركة الوحي والملائكة رسل الله إليه، وشبه الفصل به بالزيت وهو الحجج والبراهين والآياتالتي تضمنها الوحي وعلى قول المؤمن فالمشكاة صدره و {ٱلْمِصْبَاحُ } الأيمان والعلم. و {ٱلزُّجَاجَةُ } قلبه والشجرة القرآن وزيتهاهو الحجج والحكمة التي تضمنها. قال أبيّ: فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات،وعلى قول الإيمان والقرآن أي مثل الإيمان والقرآن في صدر المؤمن في قلبه {كَمِشْكَاةٍ } وهذا القول ليس في مقابلةالتشبيه كالأولين، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان. وقال الزمخشري: أي صفة {نُورِهِ } لعجيبة الشأن في الإضاءة {كَمِشْكَاةٍ }أي كصفة مشكاة انتهى. ويظهر لي أن قوله {كَمِشْكَاةٍ } هو على حذف مضاف أي {مَثَلُ نُورِهِ } مثل نورمشكاة وتقدّم في المفردات أن المشكاة هي الكوة غير النافذة، وهو قول ابن جبير وسعيد بن عياض والجمهور. وقالأبو موسى: المشكاة الحديدة والرصاصة التي تكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة. وقال مجاهد: المشكاة العمود الذي يكون المصباح علىرأسه، وقال أيضاً الحدائد التي تعلق فيها القناديل. {فِيهَا مِصْبَاحٌ } أي سراج ضخم، والظاهر أن {ٱلزُّجَاجَةُ } ظرفللمصباح لقوله {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ } وقدره الزمخشري في زجاج شامي، وكان عنده أصفى الزجاج هو الشامي ولم يقيد فيالآية. وقرأ أبو رجاء ونصر بن عاصم {فِى زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ } بكسر الزاي فيهما، وابن أبي عبلة ونصر بن عاصمفي رواية ابن مجاهد بفتحها. {كَأَنَّهَا } أي كأن الزجاجة لصفاء جوهرها وذاتها وهو أبلغ في الإنارة، ولما احتوت عليهمن نور المصباح. {كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } قال الضحاك: هو الزهرة شبه الزجاجة في زهرتها بأحد الدراري من الكواكب المشاهير،وهي المشتري، والزهرة، والمريخ، وسهيل ونحو ذلك. وقرأ الجمهور من السبعة نافع وابن عامر وحفص وابن كثير {دُرّىٌّ } بضمالدال وتشديد الراء والياء، والظاهر نسبة الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، ويحتمل أن يكون أصله الهمز فأبدل وأدغم. وقرأ قتادةوزيد بن عليّ والضحاك كذلك إلاّ أنهما فتحا الدال. وروى ذلك عن نصر بن عاصم وأبي رجاء وابن المسيب. وقرأالزهري كذلك إلاّ أنه كسر الدال. وقرأ حمزة كذلك إلاّ أنه همز من الدرء بمعنى الدفع، أي يدفع بعضها بعضاً،أو يدفع ضوؤها خفاءها ووزنها فعيل. قيل: ولا يوجد فعيل إلاّ قولهم مريق للعصفر ودريء في هذه القراءة. قيل: وسريةإذا قيل إنها مشتقة من السرور، وأبدل من أحد المضعفات الياء فأدغمت فيها ياء فعيل، وسمع أيضاً مريخ للذي فيداخل القرن اليابس بضم الميم وكسرها. وقيل: منه عليه. وقيل: {دُرّىٌّ } ووزنه في الأصل فعول كسبوح فاستثقل الضم فردإلى الكسر، وكذا قيل في سرته ودرته. وقرأ أبو عمرو والكسائي كذلك إلاّ أنه كسر الدال وهو بناء كثير فيالأسماء نحو سكين وفي الأوصاف سكير. وقرأ قتادة أيضاً وأبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وعمرو بن فائد والأعمشونصر بن عاصم كذلك إلاّ أنه بفتح الدال. قال ابن جني: وهذا عزيز لم يحفظ منه إلاّ السكينة بفتح السينوشدّ الكاف انتهى. وفي الأبنية حكى الأخفش كوكب دريء من درأته ودرية وعليك بالسكينة والوقار عن أبي زيد. وحكى الفراءبكسر السين. وقرأ الأخوان وأبو بكر والحسن وزيد بن عليّ وقتادة وابن وثاب وطلحة وعيسى والأعمش {*تُوقد} بضم التاءأي {زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ } مضارع أوقدت مبيناً للمفعول، ونافع وابن عامر وحفص كذلك إلاّ أنه بالياء أي {ٱلْمِصْبَاحُ } وابنكثير وأبو عمرو {*توقد} بفتح الأربعة فعلاً ماضياً أي {مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ }. والحسن والسلمي وقتادة وابن محيصن وسلام ومجاهد وابنأبي إسحاق والمفضل عن عاصم كذلك إلاّ أنه بضم الدال مضارع {*توقد} وأصله تتوقد أي {زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ }. وقرأ عبدالله وقد بغير تاء وشدد القاف جعله فعلاً ماضياً أي وقد المصباح. وقرأ السلمي وقتادة وسلام أيضاً كذلك إلاّ أنهبالياء من تحت. وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن، وأصله يتوقد أي {ٱلْمِصْبَاحُ } إلاّ أن حذف الياء في يتوقدمقيس لدلالة ما أبقى على ما حذف. وفي {يُوقَدُ } شاذ جدّاً لأن الياء الباقية لا تدل على التاء المحذوفة،وله وجه من القياس وهو حمله على يعد إذ حمل يعد وتعد وأعد في حذف الواو كذلك هذ لما حذفوامن تتوقد بالتاءين حذفوا التاء مع الياء وإن لم يكن اجتماع التاء والياء مستثقلاً. {مِن شَجَرَةٍ } أي منزيت شجرة، وهي شجرة الزيتون. {مُّبَـٰرَكَةٍ } كثيرة المنافع أو لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. وقيل: باركفيها للعالمين. وقيل: بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام، والزيتون من أعظم الشجر ثمراً ونماء واطراد أفنان ونضارةأفنان. وقال أبو طالب

: بورك الميت الغريب كما     بورك نضر الرمان والزيتون {

لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ }. قال ابن زيد: هي من شجر الشام فهي ليست من شرق الأرض ولا منغربها، لأن شجر الشام أفضل الشجر. وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم: هي في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طولالنهار تستدير عليها، فليست خالصة للشرق فتسمى {شَرْقِيَّةٍ }، ولا للغرب فتسمى {غَرْبِيَّةٍ } وقال الحسن: هذا مثل وليست منشجر الدنيا إذ لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية. وعن ابن عباس: أنها في درجة أحاطت بها فليستمنكشفة لا من جهة الشرق ولا من جهة الغرب، وهذا لا يصح عن ابن عباس لأنها إذا كانت بهذه الصفةفسد جناها. وقال ابن عطية: إنها في وسط الشجر لا تصيبها الشمس طالعة ولا غاربة، بل تصيبها بالغداة والعشي. وقالعكرمة: هي من شجر الجنة. وقال ابن عمر: الشجرة مثل أي إنها ملة إبراهيم ليست بيهودية ولا نصرانية. وقيل: ملةالإسلام ليست بشديدة ولا لينة. وقيل: لا مضحى ولا مفيأة، ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها، وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها.و {زَيْتُونَةٍ } بدل من {شَجَرَةٍ } وجوز بعضهم فيه أن يكون عطف بيان، ولا يجوز على مذهب البصريينلأن عطف البيان عندهم لا يكون إلاّ في المعارف، وأجاز الكوفيون وتبعهم الفارسي أنه يكون في النكرات. و {لاَّ شَرْقِيَّةٍ} {وَلاَ } على {غَرْبِيَّةٍ } على قراءة الجمهور بالخفض صفة لزيتونة. وقرأ الضحاك بالرفع أي لا هي شرقية ولاغربية، والجملة في موضع الصفة. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } مبالغة في صفاء الزيت وأنه لإشراقهوجودته يكاد يضيء من غير نار. والجملة من قوله {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } حالية معطوفة على حال محذوفة أي{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء } في كل حال ولو في هذه الحال التي تقتضي أنه لا يضيء لانتفاء مس النار له،وتقدم لنا أن هذا العطف إنما يأتي مرتباً لما كان لا ينبغي أن يقع لامتناع الترتيب في العادة وللاستقصاء حتىيدخل ما لا يقدر دخوله فيما قبله نحو: «أعطوا السائل ولو جاء على فرس، ردوا السائل ولو بظلف محرق». وقرأالجمهور: {تَمْسَسْهُ } بالتاء وابن عباس والحسن بالياء من تحت، وحسنه الفصل وأن تأنيث النار مجازي وهو مؤنث بغير علامة.{نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أي متضاعف تعاون عليه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، فلم يبق مما يقوى النور ويزيده إشراقاًشيء لأن المصباح إذا كان في مكان ضيق كان أجمع لنوره بخلاف المكان المتسع، فإنه ينشر النور، والقنديل أعون شيءعلى زيادة النور وكذلك الزيت وصفاؤه، وهنا تم المثال. ثم قال {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء } أي لهداهوالإيمان من يشاء هدايته ويصطفيه لها. ومن فسر {ٱلنُّورُ } في {مَثَلُ نُورِهِ } بالنبوة قدر يهدي الله إلى نبوته.وقيل: إلى الاستدلال بالآيات، ثم ذكر تعالى أنه يضرب الأمثال للناس ليقع لهم العبرة والنظر المؤدّي إلى الإيمان، ثم ذكرإحاطة علمه بالأشياء فهو يضع هداه عند من يشاء. {فِى بُيُوتٍ } متعلق بيوقد قاله الرماني، أو في موضع الصفةلقوله {كَمِشْكَاةٍ } أي كمشكاة في بيوت قاله الحوفي، وتبعه الزمخشري قال {كَمِشْكَاةٍ } في بعض بيوت الله وهي المساجد.وقال {مَثَلُ نُورِهِ } كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت انتهى. وقوله كأنه إلى آخرهتفسير معنى لا تفسير إعراب أو في موضع الصفة لمصباح أي مصباح {فِى بُيُوتٍ } قاله بعضهم أو في موضعالصفة لزجاجة قاله بعضهم، وعلى هذه الأقوال الأربعة لا يوقف على قوله {عَلِيمٌ }. وقيل: {فِى بُيُوتٍ } مستأنف والعاملفيه {يُسَبّحُ } حكاه أبو حاتم وجوزه الزمخشري. فقال: وقد ذكر تعلقه بكمشكاة قال: أو بما بعده وهو {يُسَبّحُ }أي {يُسَبّحُ لَهُ } رجال في بيوت وفيها تكرير كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف كقوله

{ في تسع آيات }

أي سبحوا في بيوت انتهى. وعلى هذا الأقوال الثلاثة يوقف على قوله {عَلِيمٌ } والذي اختاره أنيتعلق {فِى بُيُوتٍ } بقوله {يُسَبّحُ } وإن ارتباط هذه بما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر أنه يهدي لنورهمن يشاء ذكر حال من حصلت له الهداية لذلك النور وهم المؤمنون، ثم ذكر أشرف عبادتهم القلبية وهو تنزيههم اللهعن النقائص وإظهار ذلك بالتلفظ به في مساجد الجماعات، ثم ذكر سائر أوصافهم من التزام ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاءالزكاة وخوفهم ما يكون في البعث. ولذلك جاء مقابل المؤمنين وهم الكفار في قوله

{ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }

وكأنه لماذكرت الهداية للنور جاء في التقسيم لقابل الهداية وعدم قابلها، فبدىء بالمؤمن وما تأثر به من أنواع الهدى ثم ذكرالكافر. والظاهر أن قوله {فِى بُيُوتٍ } أريد به مدلوله من الجمعية. وقال الحسن: أريد به بيت المقدس، وسمىبيوتاً من حيث فيه يتحيز بعضها عن بعض، ويؤثر أن عادة بني إسرائيل في وقيده في غاية التهمم والزيت مختومعلى ظروفه وقد صنع صنعة وقدس حتى لا يجري الوقيد بغيره، فكان أضوأ بيوت الأرض. والظاهر أن {فِى بُيُوتٍ }مطلق فيصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم. وقال مجاهد: بيوت الرسول ﷺ. وقال ابنعباس والحسن أيضاً ومجاهد: هي المساجد التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح. وقيل: الكعبة وبيت المقدس ومسجدالرسول عليه الصلاة والسلام ومسجد قباء. وقيل: بيوت الأنبياء. ويقوي أنها المساجد قوله {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلاْصَالِ } وإذنهتعالى وأمره بأن {تُرْفَعَ } أي يعظم قدرها قاله الحسن والضحاك. وقال ابن عباس ومجاهد: تبنى وتعلى من قوله

{ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ }

وقيل: {تُرْفَعَ } تظهر من الأنجاس والمعاصي. وقيل: {تُرْفَعَ } أي ترفعفيها الحوائج إلى الله. وقيل: {تُرْفَعَ } الأصوات بذكر الله وتلاوة القرآن. {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } ظاهره مطلق الذكرفيعم كل ذكر عموم البدل. وعن ابن عباس: توحيده وهو لا إلۤه إلاّ الله. وعنه: يتلى فيها كتابه. وقيل: أسماؤهالحسنى. وقيل: يصلى فيها. وقرأ الجمهور {يُسَبّحُ } بكسر الباء وبالياء من تحت، وابن وثاب وأبو حيوة كذلك إلاّ أنهبالتاء من فوق، وابن عامر وأبو بكر والبحتري عن حفص ومحبوب عن أبي عمرو والمهال عن يعقوب والمفضل وأبان بفتحهاوبالياء من تحت واحد المجرورات في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، والأولى الذي يلي الفعل لأن طلب الفعل للمرفوعأقوى من طلبه للمنصوب الفضلة. وقرأ أبو جعفر: تسبح بالتاء من فوق وفتح الباء. وقال الزمخشري: ووجهها أن تسندإلى أوقات الغدو والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة. والمراد بها كصيد عليه يومان والمراد وحشهما انتهى. ويجوز أنيكون المفعول الذي لم يسم فاعله ضمير التسبيحة الدال عليه {تُسَبّحُ } أي تسبح له هي أي التسبيحة كما قالوا

{ لِيَجْزِىَ قَوْماً }

في قراءة من بناء للمفعول أي ليجزي هو أي الجزاء. وقرأ أبو مجلز: والإيصال وتقدمنظيره وارتفع {رِجَالٌ } على هاتين القراءتين على الفاعلية بإضمار فعل أي {يُسَبّحُ } أو يسبح له رجال. واختلف فياقتياس هذا، فعلى اقتياسه نحو ضربت هند زيد أي ضربها زيد، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي المسبح رجال.وتقدم الكلام في تفسير الغدو والآصال والمراد بهما. ثم ذكر تعالى وصف المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله وطلبهم رضاهلا يشتغلون عن ذكر الله واحتمل قوله {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ } وجهين: أحدهما: أنهم لا تجارة لهم ولابيع فيلهيهم عن ذكر الله كقوله

: على لا حب لا يهتدى بمناره©†    

أي لا منارله فيهتدى به. والثاني: أنهم ذوو تجارة وبيع ولكن لا يشغلهم ذلك عن ذكر الله وعما فرض عليهم، والظاهر مغايرةالتجارة والبيع، ولذلك عطف فاحتمل أن تكون تجارة من إطلاق العام ويراد به الخاص، فأراد بالتجارة الشراء ولذلك قابله بالبيع،أو يراد تجارة الجلب ويقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه وبالبيع البيع بالأسواق، ويحتمل أن يكون {وَلاَ بَيْعٌ }من ذكر خاص بعد عام، لأن التجارة هي البيع والشراء طلباً للريح. ونبه على هذا الخاص لأنه في الإلهاء أدخلمن قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته ألهته ما لا يلهيه شيء يتوقعفيه الريح لأن هذا يقين وذاك مطنون . قال الزمخشري: التاء في إقامة عوض من العينالساقطة للإعلال والأصل أقوام، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت ونحوه

: وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا©†    

انتهى. وهذا الذي ذكر من أن التاء سقطت لأجل الإضافة هو مذهب الفراء ومذهب البصريين،أن التاء من نحو هذا لا تسقط للإضافة وتقدم لنا الكلام على {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ } في الأنبياء وصدر البيت الذيأنشد عجزه قوله

:     إن الخليط أجدوا البين فانجردوا©†

وقد تأول خالد بن كلثومقوله عدا الأمر على أنه جمع عدوة، والعدوة الناحية كأن الشاعر أراد نواحي الأمر وجوانبه. {يَخَـٰفُونَ يَوْماً} هو يوم القيامة، والظاهر أن معنى {تَتَقَلَّبُ } تضطرب من هول ذلك اليوم كما قال تعالى

{ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلاْبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ }

فتقلبها هو قلقها واضطرابها، فتتقلب من طمع في النجاة إلى طمع ومن حذر هلاك إلىهلاك. وهذا المعنى تستعمله العرب في الحروب كقوله

: بل كان قلبك في جناحي طائر©†    

ويبعدقول من قال {تَتَقَلَّبُ } على جمر جهنم لأن ذلك ليس في يوم القيامة بل بعده. وقول من قال إنتقلبها ظهور الحق لها أي فتتقلب عن معتقدات الضلال إلى اعتقاد الحق على وجهه فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاًعليها، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عمياً والقول الأول أبلغ في التهويل. وقرأ ابن محيصن: تُقلب بإدغام التاء في التاء.واللام في {لِيَجْزِيَهُمُ } متعلقة بمحذوف أي فعلوا ذلك {لِيَجْزِيَهُمُ } ويجوز أن تتعلق بيسبح وهو الظاهر.وقال الزمخشري: والمعنى يسبحون ويخافون {لِيَجْزِيَهُمُ } انتهى. والظاهر أن قوله {يَخَافُونَ } صفة لرجال كما أن {لاَّ تُلْهِيهِمْ }كذلك. {أَحْسَنُ } هو على حذف مضاف أي ثواب أحسن ما عملوا، أو {أَحْسَنُ } جزاء ما عملوا. {وَيَزِيدَهُم مّنفَضْلِهِ } على ما تقتضيه أعمالهم، فأهل الجنة أبداً في مزيد. وقال الزمخشري: {لِيَجْزِيَهُمُ } ثوابهم مضاعفاً {وَيَزِيدُهُمْ } علىالثواب تفضيلاً وكذلك معنى قوله { ٱلْحُسْنَىٰ } وزيادة المثوبة الحسنى، وزيادة عليها من التفضل وعطاء الله عز وجلإما تفضل وإما ثواب وإما عوض. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء } ما يتفضل به {بِغَيْرِ حِسَابٍ } فأما الثوابفله حسنات لكونه على حسب الاستحقاق انتهى. وفي قوله على حسب الاستحقاق دسيسة اعتزال.

{ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } * { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ }[عدل]

لما ذكر تعالى حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم ووصفهم بما وصفهم منالأعمال النافعة في الآخرة أعقب ذلك بذكر مقابلهم الكفرة وأعمالهم، فمثل لهم ولأعمالهم مثلين أحدهما يقتضي بطلان أعمالهم في الآخرةوأنهم لا ينتفعون بها. والثاني يقتضي حالها في الدنيا من ارتباكها في الضلال والظلمة شبه أولاً أعمالهم في اضمحلالها وفقدانثمرتها بسراب في مكان منخفض ظنه العطشان ماء فقصده وأتعب نفسه في الوصول إليه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ } أي جاءموضعه الذي تخيله. فيه {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } أي فقده لأنه مع الدنو لا يرى شيئاً. كذلك الكافر يظن أنعمله في الدنيا نافعه حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ينفعه عمله بل صار وبالاً عليه. وقرأ مسلمة بنمحارب: بقيعات بتاء ممطوطة جمع قيعة كديمات وقيمات في ديمة وقيمة، وعنه أيضاً بتاء شكل الهاء ويقف عليها بالهاء فيحتملأن يكون جمع قيعة، ووقف بالهاء على لغة طيء كما قالوا البناه والأخواه في الوقف على البنات والأخوات. قال صاحباللوامح: ويجوز أن يريد قيعة كالعامة أي كالقراءة العامة، لكنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف مثل مخر نبق لينباع. وقالالزمخشري: وقد جعل بعضهم بقيعات بتاء ممدودة كرجل عزهاة. وقال صاحب اللوامح: ويجوز أنه جعله مثل سعلة وسعلاة وليلة وليلاة،والقيعة مفرد مرادف للقاع أو جمع قاع كنار ونيرة، فتكون على هذا قراءة قيعات جمع صحة تناول جمع تكسير مثلرجالات قريش وجمالات صفر. وقرأ شيبة وأبو جعفر ونافع بخلاف عنهما {ٱلظَّمْانُ } بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم،والظاهر أن قوله {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْانُ } هو من صفات السراب ولا يعني إلاّ مطلق {ٱلظَّمْانُ } لا الكافر {ٱلظَّمْانُ }وقال الزمخشري: شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها أن تنفعه عندالله وتنجيه من عذابه يوم القيامة، ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة وقدغلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد ربانية الله عنده، يأخذونه ويعتلونه ويسقونه الحميم والغساقوهم الذين قال الله فيهم

{ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ }

{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }

{ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً }

وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوحوالتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام انتهى. فجعل {ٱلظَّمْانُ } هو الكافر حتى تطرد الضمائر في {جَاءهُ }و {لَمْ يَجِدْهُ } {وَوَجَدَ } و {عِندَهُ } و {فَوَفَّـٰهُ } لشخص واحد، وغيره غاير بين الضمائر فالضمير في{جَاءهُ } و {لَمْ يَجِدْهُ } للظمآن. وفي {وَوَجَدَ } للكافر الذي ضرب له مثلاً بالظمآن، أي ووجد هذا الكافروعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد {فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ } عمله الذي جازاه عليه. وهذا معنى قول أبي وابن عباس ومجاهدوالحسن وقتادة وأفرد الضمير في {وَوَجَدَ } بعد تقدم الجمع حملاً على كل واحد من الكفار. وقال ابن عطية:يحتمل أن يعود الضمير في {جَاءهُ } على السراب. ثم في الكلام متروك كثير يدل عليه الظاهر تقديره وكذلك الكافريوم القيامة يظن عمله نافعاً {حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } ويحتمل الضمير أن يعود على العمل الذي يدلعليه قوله {أَعْمَـٰلَهُمْ } ويكون تمام المثل في قوله {مَاء } ويستغني الكلام عن متروك على هذا التأويل، لكن يكونفي المثل إيجاز واقتضاب لوضوح المعنى المراد به. {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } أي بالمجازاة، والضمير في {عِندَهُ } عائدعلى العمل انتهى. والذي يظهر لي أنه تعالى شبه أعمالهم في عدم انتفاعهم بها بسراب صفته كذا، وأن الضمائر فيمابعد {ٱلظَّمْانُ } له. والمعنى في {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } أي {وَوَجَدَ } مقدور {ٱللَّهِ } عليه من هلاك بالظمأ{عِندَهُ } أي عند موضع السراب {فَوَفَّـٰهُ } ما كتب له من ذلك. وهو المحسوب له، والله معجل حسابه لايؤخره عنه فيكون الكلام متناسقاً آخذاً بعضه بعنق بعض. وذلك باتصال الضمائر لشيء واحد، ويكون هذا التشبيه مطابقاً لأعمالهم منحيث أنهم اعتقدوها نافعة فلم تنفعهم وحصل لهم الهلاك بأثر ما حوسبوا. وأما في قول الزمخشري: فإنه وإن جعل الضمائرللظمآن لكنه جعل {ٱلظَّمْانُ } هو الكافر وهو تشبيه الشيء بنفسه كما قال. وشبه الماء بعد الجهد بالماء. وأما فيقول غيره: ففيه تفكيك الكلام إذ غاير بين الضمائر وانقطع ترصيف الكلام بجعل بعضه مفلتاً من بعض. {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ} هذا التشبيه الثاني لأعمالهم فالأول فيما يؤول إليه أعمالهم في الآخرة، وهذا الثاني فيما هم عليه في حال الدنيا.وبدأ بالتشبيه الأول لأنه آكد في الإخبار لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم والعذاب السرمدي.ثم أتبعه بهذا التمثيل الذي نبههم على ما هي أعمالهم عليه لعلهم يرجعون إلى الإيمان ويفكرون في نور الله الذيجاء به الرسول ﷺ، والظاهر أنه تشبيه لأعمالهم وضلالهم بالظلمات المتكاثفة. وقال أبو علي الفارسي: التقديرأو كذي ظلمات، قال: ودل على هذا المضاف قوله {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف، فالتشبيه وقععند أبي عليّ للكافر لا للأعمال وهو خلاف الظاهر، ويتخيل في تقرير كلامه أن يكون التقدير أو هم كذي ظلماتفيكون التشبيه الأول لأعمالهم. والثاني لهم في حال ضلالهم. وقال أبو البقاء: في التقدير وجهان أحدهما: أو كأعمال ذي ظلمات،فيقدر ذي ظلمات ليعود الضمير من قوله {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } إليه، ويقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحبالظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات. والثاني: لا حذف فيه، والمعنى أنه شبه أعمال الكفار بالظلمة في حيلولتهابين القلب وبين ما يهتدى إليه، فأما الضمير في قوله {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } فيعود إلى مذكور حذف اعتماداً علىالمعنى تقديره إذا أخرج من فيها يده. وقال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار. والثانية في ذكر كفرهمونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضاً من أعمالهم، وقد قال تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور. من الكفر إلىالإيمان، فيكون التمثيل قد وقع لأعمالهم بكفر الكافر و {أَعْمَـٰلَهُمْ } منها كفرهم، فيكون قد شبه {أَعْمَـٰلَهُمْ } بالظلمات، والعطفبأو هنا لأنه قصد التنويع والتفصيل لا أن {أَوْ } للشك. وقال الكرماني: {أَوْ } للتخيير على تقدير شبه أعمالالكفار بأيهما شئت. وقرأ سفيان بن حسين {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ } بفتح الواو جعلها واو عطف تقدّمت عليها الهمزة التيلتقرير التشبيه الخالي عن محض الاستفهام. والظاهر أن الضمير في {يَغْشَـٰهُ } عائد على {بَحْرٍ لُّجّىّ } أي يغشى ذلكالبحر أي يغطي بعضه بعضاً، بمعنى أن تجيء موجة تتبعها أخرى فهو متلاطم لا يسكن، وأخوف ما يكون إذا توالتأمواجه، وفوق هذا الموج {سَحَابٌ } وهو أعظم للخوف لإخفائه النجوم التي يهتدى بها، وللريح والمطر الناشئين مع السحاب. ومنقدر أو كذي ظلمات أعاد الضمير في {يَغْشَـٰهُ } على ذي المحذوف، أي يغشى صاحب الظلمات. وقرأ الجمهور {سَحَابٌ} بالتنوين {ظُلُمَـٰتِ } بالرفع على تقدير خبر لمبتدأ محذوف، أي هذه أو تلك {ظُلُمَـٰتِ } وأجاز الحوفي أن تكونمبتدأ و {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } مبتدأ وخبره في موضع خبر {ظُلُمَـٰتِ }. والظاهر أنه لا يجوز لعدم المسوغ فيهللابتداء بالنكرة إلاّ إن قدرت صفة محذوفة أي ظلمات كثيرة أو عظيمة {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ }. وقرأ البزي {سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ} بالإضافة. وقرأ قنبل {سَحَابٌ } بالتنوين {ظُلُمَـٰتِ } بالجر بدلاً من {ظُلُمَـٰتِ } و {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } مبتدأوخبر في موضع الصفة لكظلمات. قال الحوفي: ويجوز على رفع {ظُلُمَـٰتِ } أن يكون {بَعْضَهَا } بدلاً منها، وهولا يجوز من جهة المعنى لأن المراد والله أعلم الأخبار بأنها ظلمات، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض أي هيظلمات متراكمة وليس على الأخبار بأن بعض ظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلمات متراكمة. وتقدمالكلام في كاد إذا دخل عليها حرف نفي مشبعاً في البقرة في قوله

{ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }

فأغنى عنإعادته، والمعنى هنا انتفاء مقاربة الرؤية، ويلزم من ذلك انتفاء الرؤية ضرورة وقول من اعتقد زيادة يكد أو أنه يراهابعد عسر ليس بصحيح، والزيادة قول ابن الأنباري وأنه لم يرها إلاّ بعد الجهد قول المبرد والفراء. وقال ابنعطية ما معناه: إذا كان الفعل بعد كان منفياً دل على ثبوته نحو كاد زيد لا يقوم، أو مثبتاً دلعلى نفيه كاد زيد يقوم، وإذا تقدم النفي على كاد احتمل أن يكون منفياً تقول: المفلوخ لا يكاد يسكن فهذاتضمن نفي السكون. وتقول: رجل منصرف لا يكاد يسكن فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جهد انتهى. والظاهر أن هذا التشبيهالثاني هو تشبيه أعمال الكفار بهده الظلمات المتكاثفة من غير مقابلة في المعنى بأجزائه لا جزاء المشبه. قال الزمخشري:وشبهها يعني أعماله في ظلمتها وسوادها لكونا باطلة، وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب،ومنهم من لاحظ التقابل فقال: الظلمات الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة. والبحر اللجيّ صدر الكافر وقلبه، والموج الضلال والجهالة التي غمرتقلبه والفكر المعوجة والسحاب شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان. وقال الفراء: هذا مثل لقلب الكافر أي إنه يعقلولا يبصر. وقيل: {ٱلظُّلُمَـٰتِ } أعماله والبحر هواه. القيعان القريب الغرق فيه الكثير الخطر، والموج ما يغشى قلبه من جهلوغفلة، والموج الثاني ما يغشاه من شك وشبهة، والسحاب ما يغشاه من شرك وحيرة فيمنعه من الاهتداء على عكس مافي مثل نور الدين انتهى. والتفسير بمقابلة الأجزاء شبيه بتفسير الباطنية، وعدول عن منهج كلام العرب. ولما شبه أعمالالكفار بالظلمات المتراكمة وذكر أنه لا يكاد يرى اليد من شدة الظلمة قال {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً }أي من لم ينور قلبه بنور الإيمان ويهده إليه فهو في ظلمة ولا نور له، ولا يهتدي أبداً. وهذا النورهو في الدنيا. وقيل: هو في الآخرة أي من لم ينوره الله بعفوه ويرحمه برحمته له، وكونه في الدنيا أليقبلفظ الآية وأيضاً فذلك متلازم لأن نور الآخرة هو لمن نور الله قلبه في الدنيا. وقال الزمخشري: ومن لم يولهنور توفيقه وعصمته ولطفه فهو في ظلمة الباطل لا نور له. وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات لأن الألطاف إنما نردفالإيمان والعمل الصالح أو كونهما مرتقبين، ألا ترى إلى قوله

{ وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }

وقوله

{ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ }

انتهى. وهو على طريقة الاعتزال.

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } * { وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ } * { يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ } * { وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[عدل]

لما ذكر تعالى مثل المؤمن والكافر وأن الإيمان والضلال أمرهما راجع إليهأعقب بذكر الدلائل على قدرته وتوحيده، والظاهر حمل التسبيح على حقيقته وتخصيص {مِنْ } في قوله ومن في الأرض بالمطيعلله تعالى من الثقلين. وقيل: {مِنْ } عام لكل موجود غلب من يعقل على ما لا يعقل، فأدرج ما لايعقل فيه ويكون المراد بالتسبيح دلالته بهده الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص موصوفاً بنعوت الكمال. وقيل: المراد بالتسبيحالتعظيم فمن ذي الدين بالنطق والصلاة ومن غيرهم من مكلف وجماد بالدلالة، فيكون ذلك قدراً مشتركاً بينهما وهو التعظيم. وقالسفيان: تسبيح كل شيء بطاعته وانقياده. {وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ } أي صفت أجنحتها في الهواء للطيران، وإنما خص الطير بالذكرلأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت فهي خارجة من جملة {مَن فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } حالة طيرانها. وقرأالجمهور {وَٱلطَّيْرُ } مرفوعاً عطفاً على {مِنْ } و {صَافَّـٰتٍ } نصب على الحال. وقرأ الأعرج {وَٱلطَّيْرُ } بالنصب علىأنه مفعول معه. وقرأ الحسن وخارجة عن نافع {وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ } برفعهما مبتدأ وخبر تقديره يسبحن. قيل: وتسبيح الطير حقيقيقاله الجمهور. قال الزمخشري: ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكادالعقلاء يهتدون إليها. وقال الحسن وغيره: هو تجوّز إنما تسبيحه ظهور الحكمة فيه فهو لذلك يدعو إلى التسبيح. {كُلٌّ} أي كل ممن ذكر، فيشمل الطير والظاهر أن الفاعل المستكن في {عِلْمٍ } وفي {صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } عائد على{كُلٌّ } وقاله الحسن قال: فهو مثابر عليهما يؤديهما. وقال الزجاج: الضمير في {عِلْمٍ } وفي {صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } لكل.وقيل: الضمير في {عِلْمٍ } لكل وفي {صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } لله أي صلاة الله وتسبيحه اللذين أمر بهما وهدى إليهما،فهذه إضافة خلق إلى خالق. وقال مجاهد: الصلاة للبشر والتسبيح لما عداهم. وقرأ الحسن وعيسى وسلام وهارون عن أبيعمر وتفعلون بتاء الخطاب، وفيه وعيد وتخويف. و{وَللَّهِ مُلْكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } إخبار بأن جميع المخلوقات تحت ملكه يتصرففيهم بما يشاء تصرف القاهر الغالب. وإليه {ٱلْمَصِيرُ } أي إلى جزائه من ثواب وعقاب. وفي ذلك تذكير وتخويف.ولما ذكر انقياد من في السموات والأرض والطير إليه تعالى وذكر ملكه لهذا العالم وصيرورتهم إليه أكد ذلك بشيء عجيبمن أفعاله مشعر بانتقال من حال إلى حال. وكان عقب قوله وإليه المصير فاعلم بانتقال إلى المعاد فعطف عليه مايدل على تصرفه في نقل الأشياء من حال إلى حال ومعنى {يُزْجِى } يسوق قليلاً قليلاً ويستعمل في سوق الثقيلبرفق كالسحاب والإبل، والسحاب اسم جنس واحده سحابة، والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة. {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } أي بين أجزائهلأنه سحابة تتصل بسحابة فجعل ذلك ملتئماً بتأليف بعض إلى بعض. وقرأ ورش يولف بالواو، وباقي السبعة بالهمز وهو الأصل.فيجعله {رُكَاماً } أي متكاثفاً يجعل بعضه إلى بعض، وانعصاره بذلك {مِنْ خِلاَلِهِ } أي فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكموالانعصار. والخلال: قيل مفرد. وقيل: جمع خلل كجبال وجبل. وقرأ ابن مسعود وابن عباس والضحاك ومعاذ العنبري عن أبي عمرووالزعفراني من خلله بالإفراد، والظاهر أن في السماء جبالاً من برد قاله مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين: خلقها الله كما خلقفي الأرض جبالاً من حجر. وقيل: جبال مجاز عن الكثرة لا أن في السماء جبالاً كما تقول: فلان يملك جبالاًمن ذهب، وعنده جبال من العلم يريد الكثرة. قيل: أو هو على حذف حرف التشبيه. و {ٱلسَّمَاء } السحابأي {مّنَ ٱلسَّمَاء } التي هي جبال أي كجبال كقوله

{ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً }

أي كنار قاله الزجاج،فجعل السماء هو السحاب المرتفع سمي بذلك لسموه وارتفاعه. وعلى القول الأول المراد بالسماء الجسم الأزرق المخصوص وهو المتبادر للذهن،ومن استعماله الجبال في الكثرة مجازاً قول ابن مقبل

: إذا مت عن ذكر القوافي فلن     ترى لها شاعراً مني أطلب وأشعرا وأكثر بيتاً شاعراً ضربت له

واتفقواعلى أن {مِنْ } الأولى لابتداء الغاية. وأما {مِن جِبَالٍ }. فقال الحوفي: هي بدل من {ٱلسَّمَاء } ثم قال:وهي للتبعيض، وهذا خطأ لأن الأولى لابتداء الغاية في ما دخلت عليه، وإذ كانت الثانية بدلاً لزم أن يكون مثلهالابتداء الغاية، لو قلت: خرجت من بغداد من الكرخ لزم أن يكونا معاً لابتداء الغاية. وقال الزمخشري وابن عطية: هيللتبعيض فيكون على قولهما في موضع المفعول لينزل. قال الحوفي والزمخشري: والثانية للبيان انتهى. فيكون التقدير وينزل من السماء بعضجبال فيها التي هي البرد فالمنزل برد لأن بعض البرد برد فمفعول {يُنَزّلٍ } {مِن جِبَالٍ }. قال الزمخشري:أو الأولان للابتداء والأخيرة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها انتهى. فيكون {مِن جِبَالٍ } بدلاً{مّنَ ٱلسَّمَاء }. وقيل: {مِنْ } الثانية والثالثة زائدتان وقاله الأخفش، وهما في موضع نصب عنده كأنه قال: وينزلمن السماء جبالاً فيها أي في السماء برداً وبرداً بدل أي برد جبال. وقال الفراء: هما زائدتان أي جبالاًفيها برد لا حصى فيها ولا حجر، أي يجتمع البرد فيصير كالجبال على التهويل فبرد مبتدأ وفيها خبره. والضمير في{فِيهَا } عائد على {ٱلْجِبَالُ } أو فاعل بالجار والمجرور لأنه قد اعتمد بكونه في موضع الصفة لجبال. وقيل: {مِنْ} الأولى والثانية لابتداء الغاية، والثالثة زائدة أي {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ } السماء برداً. وقال الزجاج: معناه {وَيُنَزّلُمِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ } برد فيها كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي،وإنما جئت في هذا وفي الآية بمن لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم حديد كان المعنى واحداً انتهى. فعلىهذا يكون {مِن بَرَدٍ } في موضع الصفة لجبال، كما كان من في من حديد صفة لخاتم، فيكون في موضعجر ويكون مفعول {يُنَزّلٍ } هو {مِن جِبَالٍ } وإذا كانت الجبال {مِن بَرَدٍ } لزم أن يكون المنزل برداً.والظاهر إعادة الضمير في {بِهِ } على البرد، ويحتمل أن يكون أريد به الودق والبرد وجرى في ذلك مجرى اسمالإشارة. وكأنه قال: فيصيب بذلك والمطر هو أعم وأغلب في الإصابة والصرف أبلغ في المنفعة والامتنان. وقرأ الجمهور {سَنَا} مقصوراً {بَرْقِهِ } مفرداً. وقرأ طلحة بن مصرف سناء ممدوداً {بَرْقِهِ } بضم الباء وفتح الراء جمع برقه بضمالباء، وهي المقدار من البرق كالغرفة واللقمة، وعنه بضم الباء والراء اتبع حركة الراء لحركة الباء كما اتبعت في {ظُلُمَـٰتِ} وأصلها السكون. والسناء بالمدّ ارتفاع الشأن كأنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان، فإنذلك صيب لا يحس به بصر. وقرأ الجمهور {يَذْهَبُ } بفتح الياء والهاء وأبو جعفر {يَذْهَبُ } بضم الياء وكسرالهاء. وذهب الأخفش وأبو حاتم إلى تخطئة أبي جعفر في هذه القراءة قالا: لأن الياء تعاقب الهمزة وليس بصواب لأنهلم يكن ليقرأ إلاّ بما روي. وقد أخذ القراءة عن سادات التابعين الآخذين عن جلة الصحابة أُبيّ وغيره، ولم ينفردبها أبو جعفر بل قرأه شيبة كذلك وخرج ذلك على زيادة الباء أي يذهب الأبصار. وعلى أن الباء بمعنى منوالمفعول محذوف تقديره يذهب النور من الأبصار كما قال

:¤شع شرب النزيف ببرد ماء الحشرج©†    

يريدمن برد. وتقليب الليل والنهار آيتان أحدهما بعد الآخر أو زيادة هذا وعكسه، أو يغير النهار بظلمة السحاب مرة وضوءالشمس أخرى، ويغير الليل باشتداد ظلمته مرة وضوء القمر أخرى، أو باختلاف ما يقدر فيهما من الخير والنفع والشدة والنعمةوالأمن ومقابلاتها ونحو ذلك أقوال أربعة إن في ذلك إشارة إلى ما تقدم من الدلائل الدالة على وحدانيته من تسبيحمن ذكر وتسخير السحاب.وما يحدثه تعالى فيه من أفعاله حتى ينزل المطر فيقسم رحمته بين خلقه وإراءتهم البرق في السحابالذي يكاد يخطف الأبصار ويقلب الليل والنهار. {لَعِبْرَةً } أي اتّعاظاً. وخص أولو الأبصار بالاتّعاظ لأن البصر والبصيرة إذااستعملا وصلا إلى إدراك الحق كقوله

{ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ٱلاْلْبَـٰبِ }

وقرأ الجمهور {خُلِقَ } فعلاً ماضياً. {كُلٌّ} نصب. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش خالق اسم فاعل مضاف إلى {كُلٌّ }. والدابة: ما يحرك أمامه قدماًويدخل فيه الطير. قال الشاعر

: دبيب قطا البطحاء في كل منهل©†    

والحوت وفي الحديث: دابة من البحر مثل الظرب واندرج في {كُلَّ دَابَّةٍ } المميز وغيره، فسهل التفصيل بمن التي لمن يعقل ومالا يعقل إذا كان مندرجاً في العام، فحكم له بحكمه كان الدواب كلهم مميزون. والظاهر أن {مِن مَّاء } متعلقبخلق. و {مِنْ } لابتداء الغاية، أي ابتدأ خلقها من الماء. فقيل: لما كان غالب الحيوان مخلوقاً من الماء لتولدهمن النطفة أو لكونه لا يعيش إلاّ بالماء أطلق لفظ {كُلٌّ } تنزيلاً للغالب منزلة العام، ويخرج عما خلق منماء ما خلق من نور وهم الملائكة، ومن نار وهم الجنّ، ومن تراب وهم آدم. وخلق عيسى من الروح وكثيرمن الحيوان لا يتولد من نطفة. وقيل {كُلَّ دَابَّةٍ } على العموم في هذه الأشياء كلها وإن أصل جميع المخلوقاتالماء، فروي أن أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماءً، ثم خلق من ذلك الماء الناروالهواء والنور، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء قال: {خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍمّن مَّاء }. وقال القفال: ليس {مِن مَّاء } متعلقاً بخلق وإنما هو في موضع الصفة لكل دابة، فالمعنى الإخبارأنه تعالى خلق كل دابة متولدة من الماء أي متولدة من الماء مخلوقة لله تعالى. ونكر الماء هنا وعرف في

{ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } لأن المعنى هنا {خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ } من نوع من الماء مختصبهذه الدابة، أو {مِن مَّاء } مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة هوامّ وبهائم وناس كما قال { يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلاْكُلِ } وهنا قصد أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذاالجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينها وبينه وسائط كما قيل: إن أصل النور والناروالتراب الماء. وسمي الزحف على البطن مشياً لمشاكلته ما بعده من ذكر الماشين أو استعارة، كما قالوا:قد مشى هذا الأمر وما يتمشى لفلان أمر، كما استعاروا المشفر للشفة والشفة للجحفلة. والماشي {عَلَىٰ بَطْنِهِ } الحيات والحوتونحو ذلك من الدود وغيره. و {عَلَىٰ رِجْلَيْنِ } الإنسان والطير والأربع لسائر حيوان الأرض من البهائم وغيرها، فإن وجدمن له أكثر من أربع. فقيل: اعتماده إنما هو على أربع ولا يفتقر في مشيه إلى جميعها وقد ما هوأعرف في القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة مشى من له رجل وقوائم، ثم الماشي على رجلين ثم الماشي علىأربع. وفي مصحف أُبيّ ومنهم من يمشي على أكثر، فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان لكنه لم يثبت قرآناً ولعله ماأورده قرآن بل تنبيهاً على أن الله خلق من يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت والعقرب والرتيلاء وذي أربع وأربعينرجلاً وتسمى الاذن وهذا النوع لندوره لم يذكر. {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء } إشارة إلى أنه تعالى ما تعلقتبه إرادة خلقه أنشأه واخترعه، وفي ذلك تنبيه على كثرة الحيوان وأنها كما اختلفت بكيفية المشيء اختلفت بأمور أخر.

{ وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } * { وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } * { أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } * { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون } * { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } * { قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } * { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } * { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } * { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }[عدل]

نزلت إلى قوله {إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } في المنافقين بسبب منافق اسمهبشر، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى الرسول ﷺ، ودعا هو إلى كعب بن الأشرف فنزلت.ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبع ذلك بذمّ قوم آمنوا بألسنتهم دون عقائدهم. {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } عن الإيمان.{بَعْدَ ذَلِكَ } أي بعد قولهم {مِنَ } {وَمَا أُوْلَـئِكَ } إشارة إلى القائلين فينتفي عن جميعهم الإيمان، أو إلىالفريق المتولي فيكون ما سبق لهم من الإيمان ليس إيماناً إنما كان ادّعاء باللسان من غير مواطأة بالقلب. وأفرد الضميرفي {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وقد تقدم قوله {إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } لأن حكم الرسول هو عن الله. قال الزمخشري: كقولكأعجبني زيد وكرمه يريد كرم زيد ومنه

: ومنهل من الفلافي أوسطه     غلسته قبل القطا وفرطه

أراد قبل فرط القطا انتهى. أي قبل تقدم القطا إليه. وقرأ أبو جعفر {لِيَحْكُمَ } في الموضعين مبنياًللمفعول و {إِذَا } الثانية للفجاءة. جواب {إِذَا } الأولى الشرطية، وهذا أحد الدلائل على أن الجواب لا يعمل فيإذا الشرطية خلافاً للأكثرين من النحاة، لأن إذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقد أحكم ذلك في علمالنحو. والظاهر أن {إِلَيْهِ } متعلق بيأتوا. والضمير في {إِلَيْهِ } عائد على الرسول ﷺ. وأجاز الزمخشريأن يتعلق {إِلَيْهِ } بمذعنين قال: لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة وهذا أحسن لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص. وقد رددناعليه ذلك وفي ما رجح تهيئة العامل للعمل وقطعه عن العمل وهو مما يضعف، والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معهإلا الحق المرّ والعدل البحت يزورون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنزعه منهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبتلهم الحق على خصم أسرع إليك كلهم ولم يرضوا إلا بحكومتك. {أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ * أَوْ ٱرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ} {أَمْ } هنا منقطعة والتقدير: بل ارتابوا بل أيخافون وهو استفهام توقيف وتوبيخ، ليقروا بأحد هذه الوجوه التي عليهمفي الإقرار بها ما عليهم، وهذا التوقيف يستعمل في الأمور الظاهرة مما يوبخ به ويذم، أو مما يمدح به وهوبليغ جداً فمن المبالغة في الذم. قول الشاعر

: ألست من القوم الذين تعاهدوا     على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر

ومن المبالغة في المدح. قول جرير

: ألستم خير من ركب المطايا     وأندى العالمين بطون راح

وقسم تعالى جهات صدودهم عن حكومته فقال {أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي نفاقوعدم إخلاص {أَمِ ٱرْتَابُواْ } أي عرضت لهم الريبة والشك في نبوته بعد أن كانوا مخلصين {أَمْ يَخَافُونَ } أييعرض لهم الخوف من الحيف في الحكومة، فيكون ذلك ظلماً لهم. ثم استدرك ببل أنهم {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }. وقرأعليّ وابن أبي إسحاق والحسن {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ } بالرفع والجمهور بالنصب. قال الزمخشري: والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونهاسماً لكان أو غلهما في التعريف و {أَن يَقُولُواْ } أو غل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.وكان هذا من قبيل كان في قوله

{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ }

{ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا }

انتهى. ونص سيبويه على أن اسم كان وخبرها إذا كانتا معرفتين فأنت بالخيار في جعل ماشئت منهما الاسم والآخر الخبر من غير اعتبار شرط في ذلك ولا اختيار. وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بنالياس {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } مبنياً للمفعول، والمفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير المصدر أي {لِيَحْكُمَ } هو أي الحكم،والمعنى ليفعل الحكم {بَيْنَهُمْ } ومثله قولهم: جمع بينهما وألف بينهما وقوله تعالى

{ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ }

قال الزمخشري: ومثله

{ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ }

فيمن قرأ {بَيْنِكُمْ } منصوباً أي وقع التقطع بينكم انتهى. ولا يتعين ما قاله فيالآية إذ يجوز أن يكون الفاعل ضميراً يعود على شيء قبله وتقدم الكلام في ذلك في موضعه. {أَن يَقُولُواْسَمِعْنَا } أي قول الرسول {وَأَطَعْنَا } أي أمره. وقرىء {وَيَتَّقْهِ } بالإشباع والاختلاس والإسكان. وقرىء {وَيَتَّقْهِ } بسكون القافوكسر الهاء من غير إشباع أجرى خبر كان المنفصل مجرى المتصل، فكما يسكن علم فيقال علم كذلك سكن ويتقه لأنهتقه كعلم وكما قال السالم

: قالت سليمى اشتر لنا سويقاً©†    

يريد اشتر لنا {وَمَن يُطِعِٱللَّهَ } في فرائضه {وَرَسُولُهُ } في سننه و {يَخْشَى ٱللَّهَ } على ما مضى من ذنوبه {وَيَتَّقْهِ } فيمايستقبل. وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه. ولما بلغ المنافقين ما أنزلتعالى فيهم أتوا إلى الرسول ﷺ وأقسموا إلى آخره أي {لَيُخْرِجَنَّ } عن ديارهم وأموالهم ونسائهم و{لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } بالجهاد {لَيُخْرِجَنَّ } إليه وتقدم الكلام في {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } في الأنعام. ونهاهم تعالى عن قسمهم لعلمهتعالى أنه ليس حقاً. {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أي معلومة لا شك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين المطابق باطنهملظاهرههم، لا أيمان تقسموا بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة بالقول دون الفعل، أو طاعة معروفة أمثلوأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: يحتمل معاني. أحدها: النهي عن القسم الكاذب إذقد عرف أن طاعتهم دغلة رديئة فكأنه يقول: لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه. والثاني: لا تتكلفوا القسمطاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأجدى عليكم، وفي هذا الوجه إبقاء عليهم. والثالث: لا تقنعوا بالقسم طاعةتعرف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم. والرابع: لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسمة طاعة الله معروفة وجهاد عدوه مهيعلائح انتهى. و {طَاعَةٌ } مبتدأ و {مَّعْرُوفَةٌ } صفة والخبر محذوف، أي أمثل وأولى أو خبر مبتدأ محذوفأي أمرنا أو المطلوب {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ }. وقال أبو البقاء: ولو قرىء بالنصب لكان جائزاً في العربية وذلك على المصدرأي أطيعوا طاعة انتهى. وقدراه بالنصب زيد بن عليّ واليزيدي وتقدير بعضهم الرفع على إضمار ولتكن {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } ضعيفلأنه لا يحذف الفعل ويبقى الفاعل، إلاّ إذا كان ثم مشعر به نحو {رِجَالٌ } بعد {يُسَبّحُ } مبنياً للمفعولأي يسبحه رجال، أو يجاب به نفي نحو: بلى زيد لمن قال: ما جاء أحد. أو استفهام نحو قوله

: ألا هل أتى أم الحويرث مرسل     بلى خالد إن لم تعقه العوائق

أي أتاها خالد.{إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي مطلع على سرائركم ففاضحكم. والتفت من الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في تبكيتهم.ولما بكتهم بأن مطلع على سرائرهم تلطف بهم فأمرهم بطاعة الله والرسول وهو أمر عام للمنافقين وغيرهم. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإن تتولوا. {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ } أي على الرسول {مَا حُمّلَ } وهو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهدفي إنذارهم. {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } وهو السمع والطاعة واتّباع الحق. ثم علق هدايتهم على طاعته فلا يقع إلا بطاعته{وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } تقدم الكلام على مثل هذه الجملة في المائدة. روي أي بعض الصحابةشكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزل {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ }.وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما قال بعضهم ما أتى علينا يوم نأمن من فيه ونضع السلاح، فقال النبي صلىالله عليه وسلم: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليسمعه حديدة قالابن عباس: وهذا الوعد وعده الله أمّة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل. والخطاب في {مّنكُمْ } للرسولوأتباعه و {مِنْ } للبيان أي الذين هم أنتم وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم خلفاء.وقوله {فِى ٱلاْرْضِ } هي البلاد التي تجاورهم وهي جزيرة العرب، ثم افتتحوا بلاد الشرق والغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكواخزائنهم واستولوا على الدنيا. وفي الصحيح: زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي عنها قال بعض العلماء: ولذلك اتسع نطاق الإسلام في الشرق والغرب دون اتساعه في الجنوب والشمال. قلت: ولا سيما فيعصرنا هذا بإسلام معظم العالم في المشرق كقبائل الترك، وفي المغرب كبلاد السودان التكرور والحبشة وبلاد الهند. {كَمَا ٱسْتَخْلَفَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي بني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد هلاك الجبابرة. وقيل: هو ما كان في زمانداود وسليمان عليهما السلام، وكان الغالب على الأرض المؤمنون. وقرىء {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ } مبنياً للمفعول. واللام في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } جوابقسم محذوف، أي وأقسم {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } أو أجرى وعد الله لتحققه مجرى القسم فجووب بما يجاوب به القسم. وعلى التقديرحذف القسم بكون معمول {وَعْدُ } محذوفاً تقديره استخلافكم وتمكين دينكم. ودل عليه جواب القسم المحذوف. وقال الضحاك: هذه الآيةتتضمن خلافه أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات. وقال ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون انتهى. ونيدرج من جرى مجراهم في العدل من استخلف من قريش كعمر بن عبد العزيز من الأمويين، والمهتدينبالله في العباسيين. {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ } أي يثبته ويوطده بإظهاره وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. و {ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰلَهُمْ } صفة مدح جليلة وقد بلغت هذه الأمة في تمكين هذا الدين الغاية القصوى مما أظهر الله على أيديهممن الفتوح والعلوم التي فاقوا فيها جميع العالم من لدن آدم إلى زمان هذه الملة المحمدية. وقرأ الجمهور {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ }بالتشديد وابن كثير وأبو بكر والحسن وابن محيصن بالتخفيف. وقال أبو العالية: لما أظهر الله عز وجل رسوله صلى اللهعليه وسلم على جزيرة العرب وضعوا السلاح وآمنوا، ثم قبض الله نبيه عليه السلام فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبيبكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة، فأدخل الله عليهم الخوف فغيروا فغير الله ما بهم.{يَعْبُدُونَنِى } الظاهر أنه مستأنف فلا موضع له من الإعراب كأنه قيل: ما لهم يستخلفون ويؤمنون فقال {يَعْبُدُونَنِى } قالهالزمخشري. وقال ابن عطية: {يَعْبُدُونَنِى } فعل مستأنف أي هم {يَعْبُدُونَنِى } ويعني بالاستئناف الجملة لا نفس الفعل وحده وقالهالحوفي قال: ويجوز أن يكون مستأنفاً على طريق الثناء عليهم أي هم {يَعْبُدُونَنِى }. وقال الزمخشري: وإن جعلته حالاً عنوعدهم أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم فمحله النصب انتهى. وقال الحوفي قبله. وقال أبو البقاء: {يَعْبُدُونَنِى }حال من {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } و {*ليبدلنهم} {بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } بدل من {يَعْبُدُونَنِى } أو حال من الفاعل في {يَعْبُدُونَنِى} موحدين انتهى. والظاهر أنه متى أطلق الكفر كان مقابل الإسلام والإيمان وهو ظاهر قول حذيفة قال: كان النفاق علىعهد النبيّ ﷺ، وقد ذهب ولم يبق إلاّ كفر بعد إيمان. قال ابن عطية: يحتمل أن يريدكفر هذه النعم إذا وقعت ويكون الفسق على هذا غير مخرج عن الملة. قيل: ظهر في قتلة عثمان. وقالالزمخشري: {وَمَن كَفَرَ } يريد كفران النعمة كقوله {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي هم الكاملون فيفسقهم حيث كفروا تلك النعمة العظيمة. والظاهر أن قوله {وَأَقِيمُواْ } التفات من الغيبة إلى الخطاب ويحسنه الخطاب في منكم.وقال الزمخشري: {وَإِذْ أَخَذْنَا } معطوف على {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه.فاصل. وإن طال لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه وكررت طاعة الرسول توكيداً لوجوبها انتهى. وقرأ الجمهور{لاَ تَحْسَبَنَّ } بتاء الخطاب والتقدير، {لاَ تَحْسَبَنَّ } أيها المخاطب ولا يندرج فيه الرسول، وقالوا: هو خطاب للرسول وليسبجيد لأن مثل هذا الحسبان لا يتصوّر وقوعه فيه عليه السلام. وقرأ حمزة وابن عامر لا يحسبن بالياء للغيبة، والتقديرلا يحسبن حاسب، والرسول لا يندرج في حاسب وقالوا: يكون ضمير الفاعل للرسول لتقدم ذكره في {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } قالهأبو عليّ والزمخشري وليس بجيد لما ذكرناه في قراءة التاء. وقال النحاس: ما علمت أحداً من أهل العربية بصرياً ولاكوفياً إلاّ وهو يخطىء قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن لأنه لم يأت إلاّ بمفعول واحد ليحسبن، وممن قالهذا أبو حاتم انتهى. وقال الفرّاء: هو ضعيف وأجازه على حذف المفعول الثاني وهو قول البصريين تقديره أنفسهم. و {مُعَـٰجِزِينَ} المفعول الثاني. وقال عليّ بن سليمان: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في موضع نصب قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلاْرْضِ }. وقال الكوفيون: {مُعَـٰجِزِينَ } المفعول الأول. و {فِى ٱلاْرْضِ } الثاني قيل: وهو خطأوذلك لأن ظاهر في {ٱلاْرْضِ } تعلقه بمعجزين، فلا يكون مفعولاً ثانياً. وخرج الزمخشري ذلك متبعاً قول الكوفيين. فقال {مُعْجِزِينَفِى ٱلاْرْضِ } هما المفعولان والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا لهم في مثلذلك، وهذا معنى قوي جيد انتهى. وقال أيضاً: يكون الأصل: لا يحسبنهم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ } ثم حذف الضمير الذيهو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت كالشيء الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالثانتهى. وقد رددنا هذا التخريج في آل عمران في قوله

{ لا * يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ * يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }

في قراءة من قرأ بياء الغيبة، وجعل الفاعل {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ } وملخصه أنه ليس هذا من الضمائر التي يفسرها مابعدها فلا يتقدر لا يحسبنهم إذ لا يجوز ظنه زيد قائماً على تقدير رفع زيد بظنه. {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ }قال الزمخشري: عطف على {لاَ تَحْسَبَنَّ } كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } والمراد بهم المقسمونجهد أيمانهم انتهى. وقال صاحب النظام لا يحتمل أن يكون {وَمَأْوَاهُمُ } متصلاً بقوله {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِىٱلاْرْضِ } بل هم مقهورون {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } انتهى. واستبعد العطف من حيث إن {لاَ تَحْسَبَنَّ } نهي {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} جملة خبرية فلم يناسب عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما وهذا مذهب قوم. ولما أحسن الزمخشريبهذا قال: كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله فتأول جملة النهي بجملة خبرية حتى تقع المناسبة، والصحيح أن ذلكلا يشترط بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضاً على بعض وإن لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبويه.

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلاٌّيَـٰتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } * { وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } * { وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ } * { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[عدل]

روي أن عمر بعث إليه رسول الله ﷺ غلاماًمن الأنصار يقال له مدلج، وكان نائماً فدق عليه الباب ودخل، فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر: وددت أنالله نهى أبناءنا ونساءنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلاّ بإذن. ثم انطلق إلى الرسول فوجد هذه الآية قدنزلت فخرّ ساجداً. وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قيل: دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله،فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا حالاً نكرهها. {لِيَسْتَأْذِنكُمُ } أمر والظاهرحمله على الوجوب والجمهور على الندب. وقيل: بنسخ ذلك إذ صار للبيوت أبواب روي ذلك عن ابن عباس وابن المسيبوالظاهر عموم {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } في العبيد والإماء دون العبيد. {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } عام في الأطفالعبيد كانوا أو أحراراً. وقرأ الحسن وأبو عمر وفي رواية وطلحة {ٱلْحُلُمَ } بسكون اللام وهي لغة تميم. وقيل {مّنكُمْ} أي من الأحرار ذكوراً كانوا أو إناثاً. والظاهر من قوله {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ثلاث استئذانات لأنك إذا ضربت ثلاثمرات لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضربات ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: الاستئذان ثلاث والذي عليه الجمهور أنمعنى {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ثلاث أوقات وجعلوا ما بعده من ذكر تلك الأوقات تفسيراً لقوله {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ولا يتعينذلك بل تبقى {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } على مدلولها. {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ } لأنه وقت القيام من المضاجع وطرحما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة وقد ينكشف النائم. {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } لأنه وقت وضعالثياب للقائلة لأن النهار إذ ذاك يشتد حره في ذلك الوقت. و {مِنْ } في {مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } قال أبوالبقاء: لبيان الجنس أي حين ذلك هو الظهيرة، قال: أو بمعنى من أجل حر الظهيرة و {حِينٍ } معطوف علىموضع {مِن قَبْلُ } {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء } لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍلَّكُمْ } سمى كل واحد منها عورة لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها، والعورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان،والأعور المختل العين. وقرأ حمزة والكسائي {ثَلَـٰثٍ } بالنصب قالوا: بدل من {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } وقدره الحوفي والزمخشري وأبو البقاءأوقات {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } وقال ابن عطية: إنما يصح يعنى البدل بتقدير أوقات {عَوْرٰتِ } فحذف المضاف وقيم المضاف إليهمقامه. وقرأ باقي السبعة بالرفع أي هن {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } وقرأ الأعمش {عَوْرٰتِ } بفتح الواو وتقدم أنها لغةهذيل بن مدركة وبني تميم وعلى رفع {ثَلَـٰثٍ }. قال الزمخشري: يكون {لَيْسَ عَلَيْكُمْ } الجملة في محل رفععلى الوصف والمعنى هن {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً بالاستئذان فيتلك الأحوال خاصة. {بَعْدَهُنَّ } أي بعد استئذانهم فيهن حذف الفاعل وحرف الجر بفي بعد استئذانهن ثم حذف المصدروقيل {لَّيْسَ } على العبيد والإماء ومن لم يبلغ الحلم في الدخول {عَلَيْكُمْ } بغير استئذان {جُنَاحٌ } بعد هذهالأوقات الثلاث {طَوفُونَ عَلَيْكُمْ } يمضون ويجيؤون وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم {طَوفُونَ } أي المماليك والصغار {طَوفُونَ عَلَيْكُمْ} أي يدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن إلاّ في تلك الأوقات. وجوّزوا في {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }أن يكون مبتدأ وخبراً لكن الجر قدروه طائف على بعض وهو كون مخصوص فلا يجوز حذفه. قال الزمخشري: وحذف لأنطوافون يدل عليه وأن يكون مرفوعاً بفعل محذوف تقديره يطوف بعضكم. وقال ابن عطية {بَعْضُكُمْ } بدل من قوله {طَوفُونَ} ولا يصح لأنه إن أراد بدلاً من {طَوفُونَ } نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير هم {بَعْضَكُمْ عَلَىٰبَعْضٍ } وهذا معنى لا يصح. وإن جعلته بدلاً من الضمير في {طَوفُونَ } فلا يصح أيضاً إن قدر الضميرضمير غيبة لتقدير المبتدأ هم لأنه يصير التقدير هم يطوف {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } وهو لا يصح. فإن جعلت التقديرأنتم يطوف {عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } فيدفعه أن قوله {عَلَيْكُمْ } بدل على أنهم هم المطوف عليهم، وأنتم طوافون،يدل على أنهم طائفون فتعارضا. وقرأ ابن أبي عبلة طوافين بالنصب على الحال من ضمير {عَلَيْهِمْ }. وقال الحسن: إذابات الرجل خادمه معه فلا استئذان عليه ولا في هذه الأوقات الثلاثة. {وَإِذَا بَلَغَ ٱلاْطْفَالُ } أي من أولادكموأقربائكم {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ } أي في كل الأوقات فإنهم قبل البلوغ كانوا يستأذنون في ثلاث الأوقات. {كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني البالغين. وقيل: الكبار من أولاد الرجل وأقربائه. ودل ذلك على أن الابن والأخ البالغين كالأجنبي في ذلك وتكلمواهنا فيما به البلوغ وهي مسألة تذكر في الفقه. كذلك الإشارة إلى ما تقدم ذكره من استئذان المماليك وغير البلغ.ولما أمر تعالى النساء بالتحفظ من الرجال ومن الأطفال غير البلغ في الأوقات التي هي مظنة كشف عورتهن استثنى{ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ * ٱلنّسَاء } اللاتي كبرن وقعدن عن الميل إليهن والافتتان بهن فقال {وَٱلْقَوَاعِدُ } وهو جمع قاعد منصفات الإناث. وقال ابن السكيت: امرأة قاعد قعدت عن الحيض. وقال ابن قتيبة: سُميِّن بذلك لأنهن بعد الكبر يكثرن القعود.وقال ربيعة لقعودهن عن الاستمتاع بهن فأيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج. وقيل قعدن عن الحيض والحبل. و {ثِيَابَهُنَّ} الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار والملاء الذي فوق الثياب أو الخمر أو الرداء والخمار أقوال، ويقال للمرأة إذاكبرت امرأة واضع أي وضعت خمارها. {غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ } أي غير متظاهرات بالزينة لينظر إليهن، وحقيقة التبرج إظهار مايجب إخفاؤه أو غير قاصدات التبرج بالوضع، ورب عجوز يبدو منها الحرص على أن يظهر بها جمال. {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} عن وضع الثياب ويتسترن كالشباب أفضل لهن. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لما يقول كل قائل {عَلِيمٌ } بالمقاصد. وفي ذكرهاتين الصفتين توعد وتحذير. عن ابن عباس لما نزل

{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ }

تحرج المسلمون عنمواكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاءالطعام فأنزل الله هذه الآية قيل: وتحرجوا عن أكل طعام القرابات فنزلت مبيحة جميع هذه المطاعم ومبينة أن تلك إنماهي في التعدي والقمار وما يأكله المؤمن من مال من يكره أهله أو بصفقة فاسدة ونحوه. وقال عبيد الله بنعبد الله بن عتبة بن مسعود وابن المسيب كانوا إذا نهضوا ءلى الغزو وخلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم تحرجوامن أكل مال الغائب فنزلت مبيحة لهم ما تمس إليه حاجتهم من مال الغائب إذا كان الغائب قد بنى علىذلك. وقال مجاهد: كان الرجل إذا ذهب بأهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئاً ذهب بهم إلى بيوت قراباتهفتحرج أهل الأعذار من ذلك فنزلت. وقيل: كانت العرب ومن بالمدينة قبل البعث تجتنب الأكل مع أهل هذه الأعذار فبعضهمتقذراً لمكان جولان يد الأعمى، ولانبساط الجلسة مع الأعرج، ولرائحة المريض وهي أخلاق جاهلية وكبر. فنزلت واستبعد هذا لأنه لوكان هذا السبب لكان التركيب ليس عليكم حرج أن تأكلوا معهم ولم يكن {لَّيْسَ عَلَى ٱلاْعْمَىٰ حَرَجٌ } وأجاب بعضهم:بأن {عَلَىٰ } في معنى أي في مواكلة الأعمى وهذا بعيد جداً. وفي كتاب الزهراوي عن ابن عباس أن أهلهذه الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم فنزلت. وعلى هذه الأقوال كلها يكون نفي الحرج عن أهلالعذر ومن بعدهم في المطاعم. وقال الحسن وعبد الرحمن بن زيد الحرج المنفي عن أهل العذر هو في القعود عنالجهاد وغيره مما رخص لهم فيه، والحرج المنفي عمن بعدهم في الأكل مما ذكر وهو مقطوع مما قبله إذ متعلقالحرجين مختلف. وإن كان قد اجتمعا في انتفاء الحرج. وهذا القول هو الظاهر. ولم يذكر بيوت الأولاد اكتفاء بذكر بيوتكملأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه، وبيته بيته. وفي الحديث إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه ومعنى {مِن بُيُوتِكُمْ }. من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم، والولد أقرب من عدد منالقرابات فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى. وقرأ طلحة إمهاتكم بكسر الهمزة. {أَوْ مَامَلَكْتُم }. قال ابن عباس: هو وكيل الرجل أن يتناول من التمر ويشرب من اللبن. وقال قتادة: العبد لأن مالهلك. وقال مجاهد والضحاك: خزائن بيوتكم إذا ملكتم مفاتيحها. وقال ابن جرير: الزمنى ملكوا التصرف في البيوت التي سلمت إليهممفاتيحها. وقيل: ولي اليتيم يتناول من ماله بقدر مّا قال تعالى

{ فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }

ومفاتحهبيده. وقرأ الجمهور {مَلَكْتُم } بفتح الميم واللام خفيفة. وقرأ ابن جبير بضم الميم وكسر اللام مشددة، والجمهور {مَّفَاتِحهُ} جمع مفتح وابن جبير مفاتيحه جمع مفتاح، وقتادة وهارون عن أبي عمرو مفتاحه مفرداً. {أَوْ صَدِيقِكُمْ } قرىء بكسرالصاد إتباعاً لحركة الدال حكاه حميد الخزاز، قرن الله الصديق بالقرابة المحضة. قيل لبعضهم: من أحب إليك أخوك أم صديقك؟فقال: لا أحب أخي إلاّ إذا كان صديقي. وقال معمر: قلت لقتادة ألا أشرب من هذا الحب؟ قال: أنت ليصديق فما هذا الاستئذان. وقال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة لا ترى استغاثة الجهنميين

{ فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ }

ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات ومعنى {أَوْ صَدِيقِكُمْ } أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون للواحد والجمعكالخليط والقطين، وقد أكل جماعة من أصحاب الحسن من بيته وهو غائب فجاء فسر بذلك وقال: هكذا وجدناهم يعني كبراءالصحابة، وكان الرجل يدخل بيت صديقه فيأخذ من كيسه فيعتق جاريته التي مكنته من ذلك. وعن جعفر الصادق: من عظمحرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وترك الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ. وقال هشام بن عبدالملك: نلت ما نلت حتى الخلافة وأعوزني صديق لا أحتشم منه. وقال أهل العلم: إذا دل ظاهر الحال على رضاالمالك قام ذلك مقام الإذن الصريح. وانتصب {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } على الحال أي مجتمعين أو متفرقين. قال الضحاكوقتادة: نزلت في حي من كنانة تحرجوا أن يأكل الرجل وحده فربما قعدوا لطعام بين يديه لا يجد من يؤاكلهحتى يمسي فيضطر إلى الأكل وحده. وقال بعض الشعراء

: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له     أكيلاً فإني لست آكله وحدي

وقال عكرمة في قوم من الأنصار: إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون لاّ معه.وقيل في قوم: تحرجوا أن يأكلوا جميعاً مخافة أن يزيد أحدهم على الآخرة في الأكل. وقيل {أَوْ صَدِيقِكُمْ } هوإذا دعاك إلى وليمة فحسب. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام وبقوله عليه السلام من حديث ابن عمر: لا يحلبن أحد ماشية أحد إلاّ بإذنه وبقوله تعالى

{ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ }

{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }. قال ابن عباس والنخعي: المساجدفسلموا على من فيها فإن لم يكن فيها أحد قال السلام على رسول الله. وقيل: يقول السلام عليكم يعني الملائكة،ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال جابر وابن عباس وعطاء: البيوت المسكونة وقالوا يدخل فيها غير المسكونة،فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال ابن عمر: بيوتاً خالية. وقال السدّي {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } على أهل دينكم.وقال قتادة: على أهاليكم في بيوت أنفسكم.وقيل: بيوت الكفار {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } وقال الزمخشري {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } منهذه البيوت لتأكلوا، فابدؤوا بالسلام على أهلها الذين هم فيها منكم ديناً وقرابة. و {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } أيثابتة بأمره مشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب للسلامة وحياة للمسلم عليه ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمنلمؤمن يرجى بها من الله زيادة وطيب الرزق انتهى. وقال مقاتل: مباركة بالأجر. وقيل: بورك فيها بالثواب. وقال الضحاك: فيالسلام عشر حسنات، ومع الرحمة عشرون، ومع البركات ثلاثون. وانتصب {تَحِيَّةً } بقوله {فَسَلّمُواْ } لأن معناه فيحوا كقولك: قعدتجلوساً.

{ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ }[عدل]

لما افتتح السورة بقوله

{ سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا }

وذكر أنواعاً من الأوامروالحدود مما أنزله على الرسول عليه السلام اختتمها بما يجب له عليه السلام على أمته من التتابع والتشايع على مافيه مصلحة الإسلام ومن طلب استئذانه إن عرض لأحد منهم عارض، ومن توقيره في دعائهم إياه. وقال الزمخشري: أراد عزوجل أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن رسول الله ﷺ بغير إذنه. {إِذَا *كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } فجعل ترك ذهابهم {حَتَّىٰ } ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله ﷺ،وجعلهما كالتسبيب له والنشاط لذكره. وذلك مع تصدير الجملة بإنما وارتفاع المؤمنين مبتدأ ومخبر عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين،ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتسديداً بحيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ * يَسْتَـذِنُونَكَ أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَبِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرّض بحال الماضين وتسللهم لو إذاً.ومعنى قوله {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَـذِنُوهُ } لم يذهبوا حتى يستأذنوه وبأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجوداستئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن بأذن له، والأمر الجامع الذي يجمع له الناس، فوصف بالجمع على المجاز وذلك نحومقابلة عدو وتشاور في أمرهم أو تضام لإرهاب مخالف، أو ما ينتج في حلف وغير ذلك. والأمر الذي يعم بضررهأو بنفعه وفي قوله {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } أنه خطب جليل لا بد لرسول الله صلى اللهعليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوة يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفاءته، فمفارقة أحدهم في مثلهذه الحالة مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه. فمن ثم غلظ عليهم وضيق الأمر في الاستئذان مع العذر المبسوطومساس الحاجة إليه واعتراض ما يهمهم ويعينهم، وذلك قوله {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأحسن الأفضلأن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه. وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن لذلكينبغي أن يكون الناس مع أثمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل، ولا يتفرقون عنهم،والأمر في الإذن مفوض إلى الإمام إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن على حسب ما اقتضاه رأيه انتهى. وهوتفسير حسن ويجري هذا المجرى إمام الأمرة إذا كان الناس معه مجتمعين لمراعاة مصلحة دينية فلا يذهب أحد منهم عنالمجمع إلاّ بإذن منه إذ قد يكون له رأي في حضور ذلك الذاهب. وقال مكحول والزهري: الجمعة من الأمر الجامع،فإذا عرض للحاضر ما يمنعه الحضور من سبق رعاف فليستأذن حتى يذهب عنه سوء الظن به. وقال ابن سيرين:كانوا يستأذنون الإمام على المنبر، فلما كثر ذلك قال زياد: من جعل يده على أنفه فليخرج دون إذن وقد كانهذا بالمدينة حتى إنّ سهيل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام. وقال ابن سلام: هو كل صلاة فيهاخطبة كالجمعة والعيدين والاستسقاء. وقال ابن زيد: في الجهاد. وقال مجاهد: الاجتماع في طاعة الله. قيل: في قوله {فَأْذَن لّمَنشِئْتَ مِنْهُمْ } أريد بذلك عمر بن الخطاب. وقرأ اليماني على أمر جميع. {لاَّ تَجْعَلُواْ } خطاب لمعاصري الرسولعليه السلام لما كان التداعي بالأسماء على عادة البداوة، أمروا بتوقير رسول الله ﷺ بأحسن ما يدعىبه نحو: يا رسول الله، يا نبي الله، ألا ترى إلى بعض جفاة من أسلم كان يقول: يا محمد وفيقوله {كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } إشارة إلى جواز ذلك مع بضعهم لبعض إذ لم يؤمر بالتوقير والتعظيم في دعائه عليهالسلام إلاّ من دعاه لا من دعا غيره. وكانوا يقولون: يا أبا القاسم يا محمد فنهوا عن ذلك. وقيل: نهاهمعن الإبطاء والتأخر إذا دعاهم، واختارهم المبرد والقفال ويدل عليه {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } وهذا القول موافق لمساقالآية ونظمها. وقال الزمخشري: إذا احتاج إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تتفرّقوا عنه إلاّ بإذنه، ولا تقيسوا دعاءهعلى دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي انتهى. وهو قريب مما قبله. وقال أيضاً: ويحتمل {لاَّ تَجْعَلُواْ} دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم، يسأله حاجة فربما أجابه وربما رده، وإن دعوات رسولالله ﷺ مسموعة مستجابة انتهى. وقال ابن عباس: إنما هو لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكمعلى بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه. قال ابن عطية: ولفظ الآية يدفع هذا المعنى انتهى. وقرأ الحسن ويعقوبفي رواية نبيكم بنون مفتوحة وباء مكسورة وياء مشددة بدل قوله {بَيْنِكُمْ } ظرفاً قراءة الجمهور. قال صاحب اللوامح: وهوالنبيّ عليه السلام على البدل من {ٱلرَّسُولَ } فإنما صار بدلاً لاختلاف تعريفهما باللام مع الإضافة، يعني أن الرسول معرفةباللام ونبيكم معرفة بالإضافة إلى الضمير فهو في رتبة العلم، فهو أكثر تعريفاً من ذي اللام فلا يصح النعت بهعلى المذهب المشهور، لأن النعت يكون دون المنعوت أو مساوياً له في التعريف. ثم قال صاحب اللوامح: ويجوز أن يكوننعتاً لكونهما معرفتين انتهى. وكأنه مناقض لما قرر من اختياره البدل وينبغي أن يجوز النعت لأن الرسول قد صار علماًبالغلبة كالبيت للكعبة إذ ما جاء في القرآن والسنة من لفظ الرسول إنما يفهم منه أنه محمد صلى الله عليهوسلم، فإاذ كان كذلك فقد تساوياً في التعريف. ومعنى {يَتَسَلَّلُونَ } ينصرفون قليلاً قليلاً عن الجماعة في خفية، ولواذ بعضهمببعض أي هذا يلوذ بهذا وهذا بذاك بحيث يدور معه حيث دار استتاراً من الرسول. وقال الحسن {لِوَاذاً }فراراً من الجهاد. وقيل: في حفر الخندق ينصرف المنافقون بغير إذن ويستأذن المؤمنون إذا عرضت لهم حاجة. وقال مجاهد لوذاًخلافاً. وقال أيضاً {يَتَسَلَّلُونَ } من الصف في القتال وقيل: {يَتَسَلَّلُونَ } على رسول الله ﷺ وعلىكتابه وعلى ذكره. وانتصب {لِوَاذاً } على أنه مصدر في موضع الحال أي متلاوذين، و {لِوَاذاً } مصدر لاوذ صحتالعين في الفعل فصحت في المصدر، ولو كان مصدر لاذ لكان لياذاً كقام قياماً. وقرأ يزيد بن قطيب {لِوَاذاً }بفتح اللام، فاحتمل أن يكون مصدر لاذ ولم يقبل لأنه لا كسرة قبل الواو فهو كطاف طوافاً. واحتمل أن يكونمصدر لاوذ وكانت فتحة اللام لأجل فتحة الواو وخالف يتعدى بنفسه تقول: خالفت أمر زيد وبالي تقول: خالفت إلى كذافقوله {عَنْ أَمْرِهِ } ضمن خالف معنى صدّ وأعرض فعاده بعن. وقال ابن عطية: معناه يقع خلافهم بعد أمره كماتقول كان المرط عن ريح و {عَنْ } هي لما عدا الشيء. وقال أبو عبيدة والأخفش {عَنْ } زائدة أي{أَمَرَهُ } والظاهر أن الأمر بالحذر للوجوب وهو قول الجمهور، وأن الضمير في {أَمَرَهُ } عائد على الله. وقيل علىالرسول. وقرىء يخلفّون بالتشديد أي يخلفون أنفسهم بعد أمره، والفتنة القتل قاله ابن عباس أيضاً أو بلاء قاله مجاهد،أو كفر قاله السدي ومقاتل، أو إسباغ النعم استدراجاً قاله الجراح، أو قسوة القلب عن معرفة المعروف والمنكر قاله الجنيد،أو طبع على القلوب قاله بعضهم. وهذه الأقوال خرجت مخرج التمثيل لا الحصر وهي في الدنيا. أو {عَذَابٌ أَلِيمٌ }.قيل: عذاب الآخرة. وقيل: هو القتل في الدنيا. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } هذا كالدلالةعلى قدرته تعالى عليهما وعلى المكلف فيما يعامله به من المجازاة من ثوابه وعقابه. {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ }أي من مخالفة أمر الله وأمر رسوله وفيه تهديد ووعيد، والظاهر أنه خطاب للمنافقين. وقال الزمخشري: ادخل {قَدْ } ليؤكدعلمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد وذلك أن قد إذا دخلتعلى المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التنكير في نحو قوله

: فإن يمس مهجور الفناء فربما     أقام به بعد الوفود وفود

ونحو من ذلك قول زهير

: أخي ثقة لا يهلك الخمر ماله     ولكنه قد يهلك المال نائله

انتهى. وكون قد إذادخلت على المضارع أفادت التكثير قول بعض النحاة وليس بصحيح، وإنما التكثير مفهوم من سياقة الكلام في المدح والصحيح فيرب إنها لتقليل الشيء أو تقليل نظيره فإن فهم تكثير فليس ذلك من رب. ولا قد إنما هو من سياقهالكلام، وقد بين ذلك في علم النحو. وقرأ الجمهور {يَرْجِعُونَ } مبنياً للمفعول. وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاقوأبو عمرو مبنياً للفاعل. والتفت من ضمير الخطاب في {أَنتُمْ } إلى ضمير الغيبة في {يَرْجِعُونَ } ويجوز أن يكون{مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } خطاباً عاماً ويكون {يَرْجِعُونَ } للمنافقين. والظاهر عطف {وَيَوْمَ } على {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } فنصبهنصب المفعول. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون التقديم والعلم الظاهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون النصب على الظرف.{لّلنَّاسِوَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ } الهباء قال أبو عبيدة والزجاج: مثل الغبار يدخل الكوة مع ضوء الشمس. وقال ابن عرفة: الهبوةوالهباء التراب الدقيق. وقال الجوهري يقال منه إذا ارتفع هبا يهبو هبواً، وأهبيتُه أنا إهباءً. وقيل: هو الشرر الطائر منالنار إذا أضرمت. النثرب: التفريق. العض: وقع الأسنان على المعضوض بقوة وفعله على وزن فعل بكسر العين، وحكى الكسائي عضضتبفتح عين الكلمة. فلان كناية عن علم من يعقل. الجملة من الكلام هو المجتمع غير المفرق. الترتيل سرد اللفظ بعداللفظ يتخلل بينهما زمن يسير من قولهم: ثغر مرتل أي مفلج الأسنان. السبات: الراحة، ومنه يوم السبت لما جرت العادةمن الاستراحة فيه ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت قاله أبو مسلم. وقال الزمخشري: السبات الموت والمسبوت الميتلأنه مقطوع الحياة. مرج: قال ابن عرفة خلط ومرج الأمر اختلط واضطرب. وقيل: مرج وأمرج أجرى، ومرج لغة الحجاز وأمرجلغة نجد. العذب: الحلو. والفرات البالغ في الحلاوة. الملح: المالح. والأجاج البالغ في الملوحة. وقيل: المر. وقيل: الحار. الصهر، قالالخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلاّ أصهار، ولأهل بيت الرجل إلاّ أختان، ومن العرب من يجعلهم أصهاراً كلهم. السراج:الشمس. الهون: الرفق واللبن. الغرفة: العلية وكل بناء عال فهو غرفة. عباءً من العبء وهو الثقيل، يقال: عبأت الجيش بالتخفيفوالتثقيل هيأته للقتال، ويقال: ما عبأت به أي ما اعتددت به كقولك: ما اكترثت به.