تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة النمل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ طسۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ } * { هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } * { ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُم بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } * { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } * { إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلِونَ } * { فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ } * { إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } * { فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } * { وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } * { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } * { حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ } * { لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } * { إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } * { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } * { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } * { ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } * { قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ } * { ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } * { قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } * { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } * { قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } * { قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } * { قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } * { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } * { فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } * { ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } * { قَالَ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } * { قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } * { قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } * { قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ } * { فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } * { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ } * { قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[عدل]

الوزع: أصله الكف والمنع، يقال: وزعه يزعه، ومنه قول عثمان رضي الله عنه:«ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن، وقول الحسن: لا بد للقاضي من وزعة، وقول الشاعر

: ومن لم يزعه لبه وحياؤه     فليس له من شيب فوديه وازع

النمل: جنس،واحدة نملة، ويقال بضم الميم فيهما، وبضم النون مع ضم الميم، وسمي بذلك لكثرة تنمله، وهو حركته. الحطم: الكسر، قالهالنحاس. التبسم: ابتداء الضحك، وتفعل فيه بمعنى المجرد، وهو بسم. قال الشاعر

: وتبسم عن ألمي كان منوّرا     تخلل حر الرمل دعص له ند

وقال آخر

:أبـدى نواجـذه لغيـر تبسـم    

التفقد: طلب ما فقدته وغاب عنك. الهدهد: طائر معروف، وتصغيره على القياس هديهد، وزعم بعضهم أن ياءهأبدلت ألفاً في التصغير، فقيل: هداهد. قال الشاعر

:كهداهـد كسـر الرمـاة جناحـه    

كما قالوا: دوابة وشوابة،يريدون: دويبة وشويبة. سبأ: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهو يصرف ولا يصرف إذا صار اسماً للحيوالقبيلة، أو البقعة التي تسمى مأرب سميت باسم الرجل. الخبء: الشيء المخبوء، من خبأت الشيء خبأ بسترته، وسمي المفعول بالمصدر.الهدية: ما سيق إلى الإنسان مما يتحف به على سبيل التكرمة. العفريت والعفر والعفرتة والعفارتة من الرجال: الخبيث المنكر الذييعفر أقرانه، ومن الشياطين: الخبيث المارد. قال الشاعر

: كأنه كوكب في إثر عفرية     مصوب في سواد الليل منقضب

الصرح: القصر، أو صحن الدار، أو ساحتها، أو البركة، أو البلاط المتخذمن القوارير، أقوال تأتي في التفسير. الساق: معروف، يجمع على أسوق في القلة، وعلى سووق وسوق في الكثرة، وهمزة لغة:الممرد: المملس، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء: لا ورق عليها. القوارير: جمع قارورة. {طس تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْقُرْءانِ وَكِتَـٰبٍ مُّبِينٍ *هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلاْخِرَةِ زَيَّنَّالَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِ هُمُ ٱلاْخْسَرُونَ * وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ مِنلَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ * إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لاِهْلِهِ إِنّى آنَسْتُ نَاراً سَـئَاتِيكُمْ مّنْهَا * بِخَيْرٍ * إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لاِهْلِهِإِنّى آنَسْتُ * فَلَمَّا جَاءهَا نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ* يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ يٰمُوسَىٰلاَ تَخَفْ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ * إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ *وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء فِى تِسْعِ ءايَـٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ }.هذه السورة مكية بلا خلاف. ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها واضحة، لأنه قال: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ }،وقبله: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }، وقال هنا: {طس تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْقُرْءانِ }: أي الذي هو تنزيل رب العالمين. وأضافالآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل التفخيم لها والتعظيم، لأن المضاف إلى العظيم عظيم. والكتاب المبين، إما اللوح، وإبانتهأن قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين، وإما السورة، وإما القرآن، وإبانتهما أنهما يبينان ما أودعاهمن العلوم والحكم والشرائع. وأن إعجازهما ظاهر مكشوف ونكر. {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ }، ليبهم بالتنكير، فيكون أفخم له كقوله:

{ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ }

وإذا أريد به القرآن، فعطفه من عطف إحدى الصفتين على الأخرى، لتغايرهما في المدلول عليه بالصفة، منحيث أن مدلول القرآن الاجتماع، ومدلول كتاب الكتابة. وقيل: القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى الله عليهوسلم، فحيث جاء بلفظ التعريف، فهو العلم، وحيث جاء بوصف النكرة، فهو الوصف، وقيل: هما يجريان مجرى العباس، وعباس فهوفي الحالين اسم العلم. انتهى. وهذا خطأ، إذ لو كان حاله نزع منه علماً، ما جاز أن يوصف بالنكرة. ألاترى إلى قوله: {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ }،

{ وقرآن مبين }

وأنت لا تقول: مررت بعباس قائم، تريد به الوصف؟ وقرأابن أبي عبلة: وكتاب مبين، برفعهما، التقدير: وآيات كتاب، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بإعرابه. وهنا تقدم القرآنعلى الكتاب، وفي الحجر عكسه، ولا يظهر فرق، وهذا كالمعاطفين في نحو: ما جاء زيد وعمرو. فتارة يظهر ترجيح كقوله:

{ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ * ٱلْعِلْمِ }

وتارة لا يظهر كقوله:

{ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا }

قال يحيـى بن سلام: {هُدًى } إلى الجنة، {وَبُشْرَىٰ } بالثواب. وقال الشعبي: هدى منالضلال، وبشرى بالجنة، وهدى وبشرى مقصوران، فاحتمل أن يكونا منصوبين على الحال، أي هادية ومبشرة. قيل: والعامل في الحال مافي تلك من معنى الإشارة، واحتمل أن يكونا مصدرين، واحتملا الرفع على إضمار مبتدأ. أي هي هدى وبشرى؛ أو علىالبدل من آيات؛ أو على خبر بعد خبر، أي جمعت بين كونها آيات وهدى وبشرى. ومعنى كونها هدى للمؤمنين: زيادةهداهم. قال تعالى:

{ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ }

وقيل: هدى لجميع الخلق، ويكون الهدى بمعنى الدلالةوالإرشاد والتبيين، لا بمعنى تحصيل الهدى الذي هو مقابل الضلال. {وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } خاصة، وقيل: هدى للمؤمنين وبشرى للمؤمنين، وخصهمبالذكر لانتفاعهم به. {وَهُم بِٱلاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }: تحتمل هذه الجملة أن تكون معطوفة على صلة {ٱلَّذِينَ }.ولما كان: {يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ } مما يتجدد ولا يستغرق الأزمان، جاءت الصلة فعلاً. ولما كان الإيمان بالآخرة بما هوثابت عندهم مستقر الديمومة، جاءت الجملة اسمية، وأكدت المسند إليه فيها بتكراره، فقيل: {وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } وجاء خبر المبتدأفعلاً ليدل على الديمومة، واحتمل أن تكون الجملة استئناف إخبار. قال الزمخشري: ويحتمل أن تتم الصلة عنده، أي عند قوله:{وَهُمْ }، قال: وتكون الجملة اعتراضية، كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنونبالآخرة، وهو الوجه، ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو هم، حتى صار معناها: وما يوقنبالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. انتهى. وقوله: وتكونالجملة اعتراضية، هو على غير اصطلاح النحاة في الجملة الاعتراضية من كونها لا تقع إلا بين شيئين متعلق بعضهما ببعض،كوقوعها بين صلة موصول، وبين جزأي إسناد، وبين شرط وجزائه، وبين نعت ومنعوت، وبين قسم ومقسم عليه، وهنا ليست واقعةبين شيئين مما ذكر وقوله الخ. حتى صار معناها فيه دسيسة الاعتزال. وقال ابن عطية: والزكاة هنا يحتمل أن تكونغير المفروضة؛ لأن السورة مكية قديمة، ويحتمل أن تكون المفروضة من غير تفسير. وقيل: الزكاة هنا بمعنى الطهارة من النقائصوملازمة مكارم الأخلاق. انتهى. ولما ذكر تعالى المؤمنين الموقنين بالبعث، ذكر المنكرين والإشارة إلى قريش ومن جرى مجراهم فيإنكار البعث. والأعمال، إما أن تكون أعمال الخير والتوحيد التي كان الواجب عليهم أن تكون أعمالهم، فعموا عنها وتردّدوا وتجيزوا،وينسب هذا القول إلى الحسن البصري؛ أو أعمال الكفر والضلال، فيكون تعالى قد حبب ذلك إليهم وزينه بأن خلقه فينفوسهم، فرأوا تلك الأعمال القبيحة حسنة. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف أسند تزين أعمالهم إلى ذاته، وأسنده إلى الشيطان فيقوله:

{ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ }

قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى اللهتعالى مجاز، وله طريقان في علم البيان: أحدهما: أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة. والثاني: أن يكون من المجازالمحكي. فالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله عليهم بذلك وإحسانه إليهم ذريعة إلىاتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الترفه ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه إشارةالملائكة بقولهم:

{ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ }

{*والطريق الثاني}: أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهمملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه، لأنه المختار المحكي ببعض الملابسات. انتهى، وهو تأويل على طريق الاعتزال. {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ}: إشارة إلى منكري البعث، و{سُوء ٱلْعَذَابِ }: الظاهر أنه ليس مقيداً بالدنيا، بل لهم ذلك في الدنيا والآخرة. وقيل:المعنى في الدنيا، وفسر بما نالهم يوم بدر من القتل والأسر والنهب. وقيل: ما ينالونه عند الموت وما بعده منعذاب القبر. وسوء العذاب: شدته وعظمه. والظاهر أن {ٱلاْخْسَرُونَ } أفعل التفضيل، وذلك أن الكافر خسر الدنيا والآخرة، كما أخبرعنه تعالى، وهو في الآخرة أكثر خسراناً، إذ مآله إلى عقاب دائم. وأما في الدنيا، فإذا أصابه بلاء، فقد يزولعنه وينكشف. فكثرة الخسران وزيادته، إنما ذلك له في الآخرة، وقد ترتب الأكثرية، وإن كان المسند إليه واحداً بالنسبة إلىالزمان والمكان، أو الهيئة، أو غير ذلك مما يقبل الزيادة. وقال الكرماني: أفعل هنا للمبالغة لا للشركة، كأنه يقول: ليسللمؤمن خسران ألبتة حتى يشركه فيه الكافر ويزيد عليه، وقد بينا كيفية الاشتراك بالنسبة إلى الدنيا والآخرة. وقال ابن عطية:والأخسرون جمع أخسر، لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف، فتقوى رتبته في الأسماء، وفي هذا نظر. انتهى. ولانظر في كونه يجمع جمع سلامة وجمع تكسير. إذا كان بأل، بل لا يجوز فيه إلا ذلك، إذا كان قبلهما يطابقه في الجمعية فيقول: الزيدون هم الأفضلون، والأفاضل، والهندات هنّ الفضليات والفضل. وأما قوله: لا يجمع إلا أن يضاف،فلا يتعين إذ ذاك جمعه، بل إذا أضيف إلى نكرة فلا يجوز جمعه، وإن أضيف إلى معرفة جاز فيه الجمعوالإفراد على ما قرر ذلك في كتب النحو. ولما تقدم: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْقُرْءانِ }، خاطب نبيه بقوله: {وَأَنَّكَ }،أي هذا القرآن الذي تلقيته هو من عند الله تعالى، وهو الحكيم العليم، لا كما ادعاه المشركون من أنه إفكوأساطير وكهانة وشعر، وغير ذلك من تقوّلاتهم. وبنى الفعل للمفعول، وحذف الفاعل، وهو جبريل عليه السلام، للدلالة عليه في قوله:

{ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلاْمِينُ }

ولقي يتعدى إلى واحد، والتضعيف فيه للتعدية، فيعدى به إلى اثنين، وكأنه كان غائباًعنه فلقيه فتلقاه. قال ابن عطية: ومعناه يعطي، كما قال:

{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ }

وقال الحسن:المعنى وإنك لتقبل القرآن. وقيل: معناه تلقن. والحكمة: العلم بالأمور العملية، والعلم أعم منه، لأنه يكون عملياً ونظرياً، وكمال العلم:تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصوناً عن كل التغيرات، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى. وهذه الآية تمهيد لما يخبر بهمن المغيبات وبيان قصص الأمم الخالية، مما يدل على تلقيه ذلك من جهة الله، وإعلامه بلطيف حكمته دقيق علمه تعالى.قيل: وانتصب {إِذْ } باذكر مضمرة، أو بعليم؛ وليس انتصابه بعليم واضحاً، إذ يصير الوصف مقيداً بالمعمول. وقد تقدمطرف من قصة موسى عليه السلام في رحلته بأهله من مدين: في سورة طه، وظاهر أهله جمع لقوله: {سَـئَاتِيكُمْ }و{تَصْطَلُونَ }، وروي أنه لم يكن معه غير امرأته. وقيل: كانت ولدت له، وهو عند شعيب، ولداً، فكان مع أمه.فإن صح هذا النقل، كان من باب خطاب الجمع على سبيل الإكرام والتعظيم. وكان الطريق قد اشتبه عليه، والوقت بارد،والسير في ليل، فتشوقت نفسه، إذ رأى النار إلى زوال ما لحق من إضلال الطريق وشدة البرد فقال: {إِذْ قَالَ* بِخَيْرٍ }: أي من موقدها بخبر يدل على الطريق، {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لاِهْلِهِ }: أي إن لم يكن هناكمن يخبر، فإني أستصحب ما تدفؤون به منها. وهذا الترديد بأو ظاهر، لأنه كان مطلوبه أولاً أن يلقي على النارمن يخبره بالطريق، فإنه مسافر ليس بمقيم. فإن لم يكن أحد، فهو مقيم، فيحتاجون لدفع ضرر البرد، وهو أن يأتيهمبما يصطلون، فليس محتاجاً للشيئين معاً، بل لأحدهما الخبر إن وجد من يخبره فيرحل، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام.فمقصوده إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، وهو معنى قوله:

{ لَّعَلّى اتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى }

وجاء هنا: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ }، وهو خبر، وفي طه:

{ لَّعَلّى اتِيكُمْ مّنْهَا بِقَبَسٍ }

وفي القصص:

{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى * بِخَيْرٍ }

وهو ترج، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر. ولكن الرجاء إذا قوي، جاز للراجيأن يخبر بذلك، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع. وأتى بسين الاستقبال، إما لأن المسافة كانت بعيدة، وإما لأنه قديمكن أن تبطىء لما قدر أنه قد يعرض له ما يبطئه. والشهاب: الشعلة، والقبس: النار المقبوسة، فعل بمعنى مفعول، وهوالقطعة من النار في عود أو غيره، وتقدم ذلك في طه. وقرأ الكوفيون: بشهاب منوناً، فقبس بدل أو صفة، لأنهبمعنى المقبوس. وقرأ باقي السبعة: بالإضافة، وهي قراءة الحسن. قال الزمخشري: أضاف الشهاب إلى القبس، ، واتبع في ذلك أباالحسن. قال أبو الحسن: الإضافة أجود وأكثر في القراءة، كما تقول: دار آجر، وسوار ذهب. والظاهر أن الضمير في {جَاءهَا} عائد على النار، وقيل: على الشجرة، وكان قد رآها في شجرة سمر. وقيل: عليق، وهي لا تحرقها، كلما قربمنها بعدت. و{نُودِىَ } المفعول الذي لم يسم فاعله، الظاهر أنه ضمير عائد على موسى عليه السلام. و{ءانٍ } علىهذا يجوز أن تكون مفسرة لوجود شرط المفسرة فيها، ويجوز أن تكون مصدرية. أما الثنائية التي تنصب المضارع، وبورك صلةلها، والأصل حرف الجر، أي بأن بورك، وبورك خبر. وأما المخففة من الثقيلة فأصلها حرف الجر. وقال الزمخشري: فإن قلت:هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وتقديره بأنه بورك، والضمير ضمير الشأن والقصة؟ قلت: لا، لأنه لا بد منقد. فإن قلت: فعلى إضمارها؟ قلت: لا يصح، لأنها علامة ولا تحذف. انتهى. ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وبوركفعل دعاء، كما تقول: بارك الله فيك. وإذا كان دعاء، لم يجز دخول قد عليه، فيكون كقوله تعالى:

{ وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا }

في قراءة من جعله فعلاً ماضياً، وكقول العرب: إما أن جزاك الله خيراً، وإما أنيغفر الله لك، وكان الزمخشري بنى ذلك على {أَن بُورِكَ } خبر لا دعاء، فلذلك لم يجز أن تكون مخففةمن الثقيلة، وأجاز الزجاج أن تكون {أَن بُورِكَ } في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، وهو على إسقاط الخافض،أي نودي بأن بورك، كما تقول: نودي بالرخص. ويجوز أن تكون أن الثنائية، أو المخففة من الثقيلة، فيكون بورك دعاء.وقيل: المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير النداء، أي نودي هو، أي النداء، ثم فسر بما بعده. وبورك معناه:قدّس وطهر وزيد خيره، ويقال: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك. وقال الشاعر

: فبوركت مولوداً وبوركت ناشئا     وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب

وقال آخر

: بورك الميت الغريب كمابورك نبع الرمان والزيتون    

وقال عبد الله بن الزبير

: فبورك في بنيك وفي بنيهم     إذا ذكروا ونحن لك الفداء

و{مِنْ}: المشهور أنها لمن يعلم، فقال ابن عباس، وابن جبير، والحسن وغيرهم: أراد تعالى بمن في النار ذاته، وعبر بعضهمبعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف، أي بوركمن قدرته وسلطانه في النار. وقيل لموسى عليه السلام: أي بورك من في المكان أو الجهة التي لاح له فيهالنار. وقال السدّي: من للملائكة الموكلين بها. وقيل: من تقع هنا على ما لا يعقل. فقال ابن عباس: أراد النور.وقيل: الشجرة التي تتقد فيها النار. وقيل: والظاهر في {وَمَنْ حَوْلَهَا } أنه لمن يعلم تفسير {حَدِيثُ مُوسَىٰ }، وفسربالملائكة، ويدل عليه قراءة أبي؛ فيما نقل أبو عمرو الداني: وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة؛ ومن حولها من الملائكة، وتحمل هذهالقراءة على التفسير، لأنها مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه، وفسر أيضاً بموسى والملائكة عليهم السلام معاً. وقيل: تكون لما لايعقل، وفسر بالأمكنة التي حول النار؛ وجدير أن يبارك من فيها ومن حواليها إذا حدث أمر عظيم، وهو تكليم اللهلموسى عليه السلام؛ وتنبيئه وبدؤه بالنداء بالبركة تبشير لموسى وتأنيس له ومقدمة لمناجاته. والظاهر أن قوله: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّٱلْعَـٰلَمِينَ } داخل تحت قوله: {نُودِىَ }. أي لما نودي ببركة من ذكر، نودي أيضاً بما يدل على التنزيه والبراءةمن صفات المحدثين مما عسى أن يخطر ببال، ولا سيما إن حمل من في النار على تفسير ابن عباس أنمن أريد به الله تعالى، فإن ذلك دال على التحيز، فأتى بما يقتضي التنزيه. وقال السدّي: هو من كلام موسى،لما سمع النداء قال: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تنزيهاً لله تعالى عن سمات المحدثين. وقال ابن شجرة: هو منكلام الله، ومعناه: وبورك من سبح الله، وهذا بعيد من دلالة اللفظ. وقيل: {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خطاب لمحمدعليه لصلاة والسلام، وهو اعتراض بين الكلامين، والمقصود به التنزيه. ولما آنسه تعالى، ناداه وأقبل عليه فقال: {ٱلْعَـٰلَمِينَ يٰمُوسَىٰإِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. والظاهر أن الضمير في إنه ضمير الشأن، وأنا الله: جملة في موضع الخبر، والعزيزالحكيم: صفتان، وأجاز الزمخشري أن يكون الضمير في إنه راجعاً إلى ما دل عليه ما قبله، يعني: إن مكلمك أنا،والله بيان لأنا، والعزيز الحكيم صفتان للبيان. انتهى. وإذا حذف الفاعل وبني الفعل مفعول، فلا يجوز أن يعود على الضميرعلى ذلك المحذوف، إذ قد غير الفعل عن بنائه له، وعزم على أن لا يكون محدثاً عنه. فعود الضمير إليهمما ينافي ذلك، إذ يصير مقصوداً معتنى به، وهذا النداء والإقبال والمخاطبة تمهيد لما أراد الله تعالى أن يظهره علىيده من المعجز، أي أنا القوي القادر على ما يبعد في الأوهام، الفاعل ما أفعله بالحكمة. وقال الزمخشري: فإن قلت:علام عطف قوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ }؟ قلت: على بورك، لأن المعنى: {نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ }. وقيل له:ألق عصاك، والدليل على ذلك قوله:

{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ }

بعد قوله:

{ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ * مُوسَىٰ إِنّى * أَنَا ٱللَّهُ }

على تكرير حرف التفسير، كما تقول: كتبت إليه أن حج واعتمر، وإن شئت أن حج وأن اعتمر.انتهى. وقوله: {أَنَّهُ }، معطوف على بورك مناف لتقديره. وقيل له: ألق عصاك، لأن هذه جملة معطوفة على بورك، وليسجزؤها الذي هو. وقيل: معطوفاً على بورك، وإنما احتيج إلى تقدير. وقيل له: ألق عصاك، لتكون الجملة خبرية مناسبة للجملةالخبرية التي عطفت عليها، كأنه يرى في العطف تناسب المتعاطفين، والصحيح أنه لا يشترط ذلك، بل قوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ }معطوف على قوله: {إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }، عطف جملة الأمر على جملة الخبر. وقد أجاز سيبويه: جاء زيدومن عمرو. {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ }: ثم محذوف تقديره: فألقاها من يده. وقرأ الحسن، والزهري، وعمرو بن عبيد: جأن،بهمزة مكان الألف، كأنه فر من التقاء الساكنين؛ وقد تقدم الكلام في نحو ذلك في قوله: ولا الضألين، بالهمز فيقراءة عمرو بن عبيد. وجاء:

{ فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ }

{ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ }

وهذا إخبار من اللهبانقلابها وتغيير أوصافها وإعراضها، وليس إعداماً لذاتها وخلقها لحية وثعبان، بل ذلك من تغيير الصفات لا تغيير الذات. وهنا شبههاحالة اهتزازها بالجان، فقيل: وهو صغار الحيات، شبهها بها في سرعة اضطرابها وحركتها، مع عظم جثتها. ولما رأى موسى هذاالأمر الهائل، {وَلِيُّ * مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ }. قال مجاهد: ولم يرجع. وقال السدّي: لم يمكث. وقال قتادة: ولم يلتفت،يقال: عقب الرجل: توجه إلى شيء كان ولى عنه، كأنه انصرف على عقبيه، ومنه: عقب المقاتل، إذا كر بعد الفرار.قال الشاعر

: فما عقبوا إذ قيل هل من معقب     ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا

ولحقه ما لحق طبع البشرية إذا رأى الإنسان أمراً هائلاً جداً، وهو رؤية انقلاب العصا حية تسعى، ولم يتقدمهفي ذلك تطمين إليه عند رؤيتها. قال الزمخشري: وإنما رغب لظنه أن ذلك لأمرٍ أريد به، ويدل عليه: {إِنّى لاَيَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ }. انتهى. وقال ابن عطية: وناداه الله تعالى مؤنساً ومقوياً على الأمر: {خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ }،فإن رسلي الذين اصطفيتم للنبوة لا يخافون غيري. فأخذ موسى عليه السلام الحية، فرجعت عصا، ثم صارت له عادة. انتهى.وقيل:لّالمعنى لا يخاف المرسلون في الموضع الذي يوحى إليهم فيه، وهم أخوف الناس من الله. وقيل: إذا أمرتهم بإظهار معجز،فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، فالمرسل يخاف الله لا محالة. انتهى. والأظهر أن قوله: {إَلاَّ مَنظَلَمَ }، استثناء منقطع، والمعنى: لكن من ظلم غيرهم، قاله الفراء وجماعة، إذ الأنبياء معصومون من وقوع الظلم الواقع منغيرهم. وعن الفراء: إنه استثناء متصل من جمل محذوفة، والتقدير: وإنما يخاف غيرهم إلا من ظلم. ورده النحاس وقال: الاستثناءمن محذوف محال، لو جاز هذا لجاز أن لا يضرب القوم إلا زيداً، بمعنى: وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً، وهذاضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه. انتهى. وقالت فرقة: إلا بمعنى الواو، والتقدير: ولا من ظلم، وهذا ليس بشيء،لأن معنى إلا مباين لمعنى الواو مباينة كثيرة، إذ الواو للإدخال، وإلا للإخراج، فلا يمكن وقوع أحدهما موقع الآخر. ورويعن الحسن، ومقاتل، وابن جريج، والضحاك، ما يقتضي أنه استثناء متصل. قال ابن عطية: وأجمع العلماء على أن الأنبياءعليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، واختلف فيما عداها، فعسى أن يشير الحسن وابن جريجإلى ما عدا ذلك. انتهى. وقال الزمخشري: وإلا بمعنى لكن، لأنه لما أطلق نفي الخوف عن المرسل كان ذلك مظنةلطرو الشبهة فاستدرك ذلك، والمعنى: ولكن من ظلم منهم، أي فرطت منهم صغيرة مما لا يجوز على الأنبياء، كالذي فرطمن آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى، بوكزة القبطي. ويوشك أن يقصد بهذا التعريض ما وجد من موسى،وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها، وسماه ظلماً؛ كما قال موسى:

{ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى }

انتهى.وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: ألا من ظلم، بفتح الهمزة وتخفيف اللام، حرف استفتاح. ومن: شرطية. والحسن: حسن التوبة،والسوء: الظلم الذي ارتكبه. وقرأ الجمهور: حسناً، بضم الحاء وإسكان السين منوناً. وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني: كذلك، إلا أنهلم ينون، جعله فعلى، فامتنع الصرف؛ وابن مقسم: بضم الحاء والسين منوناً. ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي ليلى، والأعمش، وأبوعمرو في رواية الجعفي، وأبو زيد، وعصمة، وعبد الوارث، وهارون، وعياش: بفتحهما منوناً. {وَأُدْخِلَ }: أمر بما يترتب عليهمن ظهور المعجز العظيم، لما أظهر له معجزاً في غيره، وهو العصا، أظهر له معجزاً في نفسه، وهو تلألؤ يدهكأنها قطعة نور، إذا فعل ما أمر به. وجواب الأمر الظاهر أنه تخرج، لأن خروجها مترتب على إدخالها. وقيل: فيالكلام حذف تقديره: وأدخل يدك في جيبك تدخل، وأخرجها تخرج، فحذف من الأول ما أثبت مقابله في الثاني، ومن الثانيما أثبت مقابله في الأول. قال قتادة: {فِى جَيْبِكَ }:قميصك، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها. وقال ابنعباس، ومجاهد: كان كمها إلى بعض يده. وقال السدي: في جيبك: أي تحت إبطك. والظاهر أن قوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِىجَيْبِكَ تَخْرُجْ } متعلق بمحذوف تقديره: اذهب بهاتين الآيتين: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ }، ويدل عليه قوله بعد: {فَلَمَّاجَاءتْهُمْ ءايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً }، وهذا الحذف مثل قوله

: أتوا ناري فقلت منون أنتم     فقالوا الجن قلت عموا ظلاماً وقلت إلى الطعام فقال منهم

التقدير: هلموا إلى الطعام. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك، وأدخل يدك، في {تِسْعِ ءايَـٰتٍ }،أي في جملة تسع آيات. ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة، ثنتان منها: اليد والعصا، والتسع: الفلق، والطوفان، والجراد،والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجذب في بواديهم، والنقصان من مزارعهم. انتهى. فعلى الأول يكون العصا واليد داخلتين في التسع، وعلىالثاني تكون في بمعنى مع، أي مع تسع آيات. وقال ابن عطية: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى } متصل بقوله: {أَلْقِ *وَأُدْخِلَ }، وفيه اقتضاب وحذف تقديره: نمهد ذلك وتيسر لك في جملة تسع آيات وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل،والضفادع، والدم، والطمس، والحجر؛ وفي هذين الأخيرين اختلاف، والمعنى: يجيء بهنّ إلى فرعون وقومه. وقال الزجاج: في تسع آيات، أيمن تسع آيات، كما تقول: خذ {لِى } عشراً من الإبل فيها فحلان، أي منها إلى فرعون، أي مرسلاً إلىفرعون. انتهى. وانتصب {مُبْصِرَةً } على الحال، أي بينة واضحة، ونسب الإبصار إليها على سبيل المجاز، لما كان يبصر بهاجعلت مبصرة، أو لما كان معها الإبصار والوضوح. وقيل: لجعلهم بصراء، من قولل: أبصرته المتعدية بهمزة النقل من بصر. وقيل:فاعل بمعنى مفعول، كماء دافق. وقرأ قتادة، وعلي بن الحسين: مبصرة، بفتح الميم والصاد، وهو مصدر، كما تقول: الولد مجبنة،وأقيم مقام الاسم، وانتصب أيضاً على الحال، وكثر هذا الوزن في صفات الأماكن نحو: أرض مسبعة، ومكان مضنية. قال الزمخشري:أي مكاناً يكثر فيه التبصر. انتهى. والأبلغ في: {وَٱسْتَيْقَنَتْهَا } أن تكون الواو واو الحال، أي كفروا بها وأنكروها فيالظاهر، وقد استيقنت أنفسهم في الباطن أنها آيات من عند الله، وكابروا وسموها سحراً. وقال تعالى، حكاية عن موسى فيمحاورته لفرعون:

{ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * بَصَائِرَ }

{ظُلْماً }: مجاوزةالحد، {وَعُلُوّاً }: ارتفاعاً وتكبراً عن الإيمان، وانتصبا على أنهما مصدران في موضع الحال، أي ظالمين عالين؛ أو مفعولان منأجلهما، أي لظلمهم وعلوهم، أي الحامل لهم على الإنكار والجحود، مع استيقان أنها آيات من عند الله هو الظلم والعلو.واستفعل هنا بمعنى تفعل نحو: استكبر في معنى تكبر. وقرأ عبد الله، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وأبان بن تغلب، وعلياً:تقلب الواو ياء، وكسر العين واللام، وأصله فعول، لكنهم كسروا العين اتباعاً؛ وروي ضمها عن ابن وثاب والأعمش وطلحة، وتقدمالخلاف في كفر العناد، هل يجوز أن يقع أم لا؟ والعاقبة: ما آل إليه قوم فرعون من سوء المنقلب، وماأعد لهم في الآخرة أشد، وفي هذا تمثيل لكفار قريش، إذ كانوا مفسدين مستعلين، وتحذيرهم أن يحل بهم مثل ماحل بمن كان قبلهم. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا * دَاوُودُ * وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْعِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ * دَاوُودُ * وَقَالَ يأَبَتِ * أَيُّهَا ٱلنَّاسُ * عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّشَىْء إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسْلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْاعَلَىٰ وَادِى * ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا * أَيُّهَا * ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضَـٰحِكاً مّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ}. هذا ابتداء قصص وأخبار بمغيبات وعبر ونكر. {عِلْمًا } لأنه طائفة من العلم. وقال قتادة: علماً: فهماً. وقالمقاتل: علماً بالقضاء. وقال ابن عطاء: علماً بالله تعالى. وقال الزمخشري: أو علماً سنياً عزيزاً. {وَقَالاَ } قال: فإن قلت:أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك: أعطيته فشكر ومنعته فصبر؟ قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاهبعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه، فأضمر ذلك، ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً،فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ }، والكثير المفضل عليه من لم يؤت علماً، أومن يؤت مثل علمهما، وفي الآية دليل على شرف العلم. انتهى. والموروث: الملك والنبوّة، بمعنى: صار ذلك إليه بعد موتأبيه فسمي ميراثاً تجوزاً، كما قيل: العلماء ورثة الأنبياء. وحقيقة الميراث في المال والأنبياء لا نورث مالاً، وكان لداود تسعةعشر ولداً ذكراً، فنبىء سليمان من بينهم وملك. وقيل: ولاه على بني إسرائيل في حياته من بين سائر أولاده، فكانتالولاية في معنى الوراثة. وقال الحسن: ورث المال لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث. وقيل: الملك والسياسة. وقيل: النبوة فقط،والأظهر القول الأول، ويؤيده قوله: {عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ }، فهذا يدل على النبوة؛ {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } يدل علىالملك، وكان هذا شرحاً للميراث. وقوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ } يقوي ذلك، ولا يناسب شيء من هذا وراثةالمال. وقوله: {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } تشهير لنعمة الله، وتنويه بها واعتراف بمكانها، ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزةالتي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور. و{مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ }: استعارة لما يسمع منها منالأصوات، وهو حقيقة في بني آدم، لما كان سليمان يفهم منه ما يفهم من كلام بني آدم، كما يفهم بعضالطير من بعض، أطلق عليه منطق. وقيل: كانت الطير تكلمه معجزة له، كقصة الهدهد، والظاهر أنه علم منطق الطير وعمومالطير. وقيل: علم منطق الحيوان. قيل: والنبات، حتى كان يمر على الشجرة فتذكر له منافعها ومضارها، وإنما نص على الطير،لأنه كان جنداً من جنوده، يحتاج إليه في التظليل من الشمس، وفي البعث في الأمور. وقال قتادة: والشعبي: وكذلك كانتهذه النملة القائلة ذات جناحين. وأورد المفسرون مما ذكروا بأن سليمان عليه السلام أخبر عن كثير من الطير بأنواع منالكلام، تقديس لله تعالى وعظات، وعبر ما الله أعلم بصحته. {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء }: ظاهره العموم، والمراد الخصوص،أي من كل شيء يصلح لنا ونتمناه، وأريد به كثرة ما أوتي، فكأنه مستغرق لجميع الأشياء. كما تقول: فلان يقصدهكل أحد، يريد كثرة فصاده، وهذا كقوله تعالى في قصة بلقيس:

{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء }

وبنى علمنا وأوتيناللمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وهو الله تعالى. وكانا مسندين لنون العظمة لا لتاء المتكلم، لأنه إما إن أراد نفسهوأباه، أو لما كان ملكاً مطاعاً خاطب أهل طاعته ومملكته بحاله التي هو عليها، لا على سبيل التعاظم والتكبر.{إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ }: إقرار بالنعمة وشكر لها ومحمدة. روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائةخمسة وعشرون للجن، ومثلها للإنس، ومثلها للطير، ومثلها للوحش، وألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية،وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ، ومنبره في وسطه من ذهب، فيصعد عليه وحوله ستمائةألف كرسي من ذهب وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتىلا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، وتفصيل هذه الأشياء يحتاج إلى صحة نقل، وكانملكه عظيماً، ملأ الأرض، وانقاد له أهل المعمور منها. وتقدم لنا أنه ملك الأرض بأسرها أربعة: مؤمنان: سليمان وذو القرنين،وكافران: بختنصر ونمروذ. وحشر الجنود يقتضي سفراً وفسر الجنود أنهم الجن والإنس والطير، وذكر المفسرون الوحش رابعاً. {فَهُمْ يُوزَعُونَ}: يحشر أولهم على آخرهم، أي يوقف متقدمو العسكر حتى يأتي آخرهم فيجتمعون، لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة،أو يكفون عن المسير حتى يجتمعوا. وقيل: يجتمعون من كل جهة. وقيل: يساقون. وقيل: يدفعون. وقيل: يحبسون. كانت الجيوش تسيرمعه إذا سار، تنزل إذا نزل. {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا }: هذه غاية لشيء مقدر، أي وساروا حتى إذا أتوا،أو يضمن يوزعون معنى فعل يقتضي أن تكون حتى غاية له، أي فهم يسيرون مكنوفاً بعضهم من مفارقة بعض. وعدىأتوا بعلى، إما لأن إتيانهم كان من فوق، وإما أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم: أتى على الشيء،إذا أتى على آخره وأنفذه، كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا يخاف حطمهم،قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: والظاهر أن سليمان وجنوده كانوا مشاة في الأرض، ولذلك يتهيأ حطم النمل بنزولهم فيوادي النمل. ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح، فأحست النمل بنزولهم في وادي النمل، ووادي النمل قيل بالشام. وقيل:بأقصى اليمن، وهو معروف عند العرب مذكور في أشعارها. وقال كعب: وادي السدر من الطائف. والظاهر صدور القول من النملة،وفهم سليمان كلامها، كما فهم منطق الطير. قال مقاتل: من ثلاثة أميال. وقال الضحاك بلغته: الريح كلامها. وقال ابن بحر:نطقت بالصوت معجزة لسليمان، ككلام الضب والذراع للرسول. وقيل: فهمه إلهاماً من الله، كما فهمه جنس النمل، لا أنه سمعقولاً. وقال الكلبي: أخبره ملك بذلك. قال الشاعر

: لو كنت أوتيت كلام الحكل     علم سليمان كلام النمل

والحكل: ما لا يسمع صوته. وذكروا اختلافاً في صغر النملة وكبرها، وفياسمها العلم ما لفظه. وليت شعري، من الذي وضع لها لفظاً يخصها، أبنو آدم أم النمل؟ وقالوا: كانت نملة عرجاء،ولحوق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنث، بل يصح أن يقال في المذكر: قالت نملة، لأن نملة،وإن كان بالتاء، هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث. وما كان كذلك، كالنملة والقملة، مما بينه في الجمعوبين واحدة من الحيوان تاء التأنيث، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث، ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على أنهذكر أو أنثى، لأن التاء دخلت فيه للفرق، لا دالة على التأنيث الحقيقي، بل دالة على الواحد من هذا الجنس.وقال الزمخشري، وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم. وكان أبو حنيقة حاضراً، وهوغلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكراً أم أنثى: فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له:من أين عرفت؟ فقال: من كتاب الله، وهو قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ }، ولو كان ذكراً لقال قال نملة. قال الزمخشري:وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى،وهو وهي. انتهى. وكان قتادة بن دعامة السدوسي بصيراً بالعربية، وكونه أفحم، يدل على معرفته باللسان، إذ علم أن النملةيخبر عنها إخبار المؤنث، وإن كانت تنطلق على الأنثى والذكر، إذ هو مما لا يتميز فيه أحد هذين، فتذكيره وتأنيثهلا يعلم ذلك من إلحاق العلامة للفعل فتوقف، إذ لا يعلم ذلك إلا بوحي من الله. وأما استنباط تأنيثه منكتاب الله من قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ }، ولو كان ذكراً لقال: قال نملة، وكلام النحاة على خلافه، وأنه لا يخبرعنه إلا إخبار المؤنث، سواء كان ذكراً أم أنثى. وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة، فبينهما قدره مشترك، وهو إطلاقهماعلى الذكر والمؤنث، وبينهما فرق، وهو أن الحمامة والشاة يتميز فيهما المذكر من المؤنث، فيمكن أن تقول: حمامة ذكر وحمامةأنثى، فتميز بالصفة. وأما تمييزه بهو وهي، فإنه لا يجوز. لا تقول: هو الحمامة، ولا هو الشاة؛ وأما النملة والقملةفلا يتيمز فيه المذكر من المؤنث، فلا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث، وحكمه حكم المؤنث بالتاء من الحيوان العاقلنحو: المرأة، أو غير العاقل كالدابة، إلا أن وقع فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه من ذلك، فيجوز أنتلحق العلامة الفعل، ويجوز أن لا تلحق، على ما قرر ذلك في باب الإخبار عن المؤنث في علم العربية.وقرأ الحسن، وطلحة، ومعتمر بن سليمان، وأبو سليمان التيمي: نملة، بضم الميم كسمرة، وكذلك النمل، كالرجلة والرجل لعتان. وعن سليمانالتيمي: نمل ونمل بضم النون والميم، وجاء الخطاب بالأمر، كخطاب من يعقل في قوله: {أَدْخِلُواْ } وما بعده، لأنها أمرتالنمل كأمر من يعقل، وصدر من النمل الامتثال لأمرها. وقرأ شهر بن حوشب: مسكنكم، على الإفراد. وعن أبي: أدخلن مساكنكنلا يحطمنكم: مخففة النونن التي قبل الكاف. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وقتادة، وعيسى بن عمر الهمداني، الكوفي، ونوح القاضي: بضمالياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون، مضارع حطم مشدداً. وعن الحسن: بفتح الياء وإسكان الحاء وشد الطاء، وعنه كذلك معكسر الحاء، وأصله: لا يحطتمنكم من الاحتطام. وقرأ ابن أبي إسحاق، وطلحة، ويعقوب، وأبو عمرو في رواية عبيد: كقراءة الجمهور،إلا أنهم سكنوا نون التوكيد. وقرأ الأعمش: بحذف النون وجزم الميم، والظاهر أن قوله: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ }، بالنون خفيفة أوشديدة، نهي مستأنف، وهو من باب: لا أرينك ههنا، بهن غير النمل، والمراد النمل، أي لا تظهروا بأرض الوادي فيحطمكم،ولا تكن هنا فأراك. وقال الزمخشري: فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وأن يكونهنا بدلاً من الأمر، والذي جوز أن يكون بدلاً منه، لأنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقةلا أرينك ههنا، أرادت لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاءت بما هو أبلغ ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها. انتهى. وأماتخريجه على أنه أمر، فلا يكون ذلك إلا على قراءة الأعمش، إذ هو مجزوم، مع أنه يحتمل أن يكون استئنافنفي، وأما مع وجود نون التوكيد، فإنه لا يجوز ذلك إلا إن كان في الشعر. وإذا لم يجز ذلك فيجواب الشرط إلا في الشعر، فأحرى أن لا يجوز في جواب الأمر إلا في الشعر. وكونه جواب الأمر متنازع فيهعلى ما قرر في النحو، ومثال مجيء نون التوكيد في جواب الشرط، قول الشاعر

: نبتم نبات الخيزرانة في الثرى     حديثاً متى يأتك الخير ينفعا

وقول الآخر

: مهما تشا منه فزارة يعطه     ومهما تشا منه فزارة يمنعا

قال سيبويه: وذلك قليلفي الشعر، شبهوه بالنفي حيث كان مجزوماً غير واجب. انتهى. وقد تنبه أبو البقاء لشيء من هذا قال: وقيل هوجواب الأمر، وهو ضعيف، لأن جواب الشرط لا يؤكد بالنون في الاختيار. وأما تخريجه على البدل فلا يجوز، لأن مدلول{لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } مخالف لمدلول {أَدْخِلُواْ }. وأما قوله: لأنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم، فهذا تفسير معنىلا تفسير إعراب، والبدل من صفة الألفاظ. نعم لو كان اللفظ القرآني لا تكونوا حيث أنتم لا يحطمنكم لتخيل فيهالبدل، لأن الأمر بدخول المساكن نهى عن كونهم في ظاهر الأرض. وأما قوله: أنه أراد لا يحطمنكم جنود سليمان إلىآخر، فيسوغ زيادة الأسماء، وهو لا يجوز، بل الظاهر إسناد الحطم إليه وإلى جنوده، وهو على حذف مضاف، أي خيلسليمان وجنوده، أو نحو ذلك مما يصح تقديره. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }: جملة حالية، أي إن وقع حطم، فليس ذلكبتعمد منهم، إنما يقع وهم لا يعلمون بحطمنا، كقوله:

{ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ }

وهذا التفات حسن، أيمن عدل سليمان وأتباعه ورحمته ورفقه أن لا يحطم نملة فما فوقها إلا بأن لا يكون لهم شعور بذلك.وما أحسن ما أتت به هذه النملة في قولها وأغربه وأفصحه وأجمعه للمعاني، أدركت فخامة ملك سليمان، فنادت وأمرت وأنذرت.وذكروا أنه جزى بينها وبين سليمان محاورات، وأهدت له نبقة، وأنشدوا أبياتاً في حقارة ما يهدى إلى العظيم، والاستعذار منذلك، ودعاء سليمان للنمل بالبركة، والله أعلم بصحة ذلك أو افتعاله. والنمل حيوان قوي الحس شمام جداً، يدخر القوت، ويشقالحبة قطعتين لئلا تنبت، والكزبرة بأربع، لأنها إذا قطعت قطعتين أنبتت، وتأكل في عامها بعض ما تجمع، وتدخر الباقي عدة.وفي الحديث: النهي عن قتل أربع من الدواب: الهدهد والصرد والنملة والنحلة خرجه أبو داود عن ابن عباس.وروي من حديث أبي هريرة: وتبسم سليمان عليه السلام، إما للعجب بما دل عليه قولها: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }، وهوإدراكها رحمته وشفقته ورحمة عسكره، وإما للسرور بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً، وهو إدراكه قول ما همس به،الذي هو مثل في الصغر، ولذلك دعا أن يوزعه الله شكر ما أنعم به عليه. وانتصب ضاحكاً على الحال، أيشارعاً في الضحك ومتجاوزاً حد التبسم إلى الضحك، ولما كان التبسم يكون للاستهزاء وللغضب، كما يقولون، تبسم تبسم الغضبان، وتبسمتبسم المستهزىء، وكان الضحك إنما يكون للسرور والفرح، أتى بقوله: {ضَـٰحِكاً }. وقرأ ابن السميفع: ضحكاً، جعله مصدراً، لأن تبسمفي معنى ضحك، فانتصابه على المصدر به، أو على أنه مصدر في موضع الحال، كقراءة ضاحكاً. {وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى}: أي اجعلني شكر نعمتك وآلفه وأرتبطه، حتى لا ينفلت عني، حتى لا أنفك شاكراً لك. وقال ابن عباس: أوزعني:اجعلني أشكر. وقال ابن زيد: حرضني. وقال أبو عبيدة: أولعني. وقال الزجاج: امنعني عن الكفران. وقيل: ألهمني الشكر، وأدرج ذكرنعمة الله على والديه في أن يشكرهما، كما يشكر نعمة الله على نفسه، لما يجب للوالد على الولد من الدعاءلهما والبر بهما، ولا سيما إذا كان الولد تقياً لله صالحاً، فإن والديه ينتفعان بدعائه وبدعاء المؤمنين لهما بسببه، كقولهم:رحم الله من خلفك، رضي الله عنك وعن والديك. ولما سأل ربه شيئاً خاصاً، وهو شكر النعمة، سأل شيئاً عاماً،وهو أن يعمل عملاً يرضاه الله تعالى، فاندرج فيه شكر النعمة، فكأنه سأل إيزاع الشكر مرتين، ثم دعا أن يلحقبالصالحين. قال ابن زيد: هم الأنبياء والمؤمنون، وكذا عادة الأنبياء أن يطلبوا جعلهم من الصالحين، كما قال يوسف عليه السلام:

{ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ }

وقال تعالى، عن إبراهيم عليه السلام:

{ وَإِنَّهُ فِى ٱلاْخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }

قيل:لأن كمال الصلاح أن لا يعصي الله تعالى ولا يهم بمعصية، وهذه درجة عالية. {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ *لِىَ لاَ *أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَائِبِينَ * لاعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَغَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنكُلّ شَىْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِفَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْء * فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ * وَٱلاْرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ * ٱذْهَب بّكِتَابِىهَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ * ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }. الظاهر أنه تفقد جميع الطير، وذلك بحسب ماتقتضيه العناية بأمور الملك والاهتمام بالرعايا. قيل: وكان يأتيه من كل صنف واحد، فلم ير الهدهد. وقيل: كانت الطير تظلهمن الشمس، وكان الهدهد يستر مكانه الأيمن، فمسته الشمس، فنظر إلى مكان الهدهد، فلم يره. وعن عبد الله بن سلام:أن سليمان عليه السلام نزل بمفازة لا ماء فيها، وكان الهدهد يرى ظاهر الأرض وباطنها، وكان يخبر سليمان بذلك، فكانتالجن تخرجه في ساعة تسلخ الأرض كما تسلخ الشاة، فسأل عنه حين حلوا تلك المفازة، لاحتياجهم إلى الماء. وفي قوله{وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ } دلالة على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم. وقال عمر رضي الله عنه: لو أن سخلة علىشاطىء الفرات أخذها الذئب لسئل عنها عمر، وفي الكلام محذوف، أي فقد الهدهد حين تفقد الطير. قال ابن عطيةوقوله: {مَا لِى * لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ }، مقصد الكلام الهدهد، غاب ولكنه أخذ اللازم عن مغيبه، وهو أن لايراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز والاستفهام الذي في قوله: {مَا لِى }، ناب منابألف الاستفهام، فمعناه عنده: أغاب عني الآن فلم أره حالة التفقد؟ أم كان ممن غاب قبل ولم أشعر بغيبته؟ وقالالزمخشري: أم هي المنقطعة، نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال: {مَا لِى * لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ }؟ على معنى:أنه لا يراه، وهو حاضر، لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول:أهو غائب؟ كأنه سأل صحة ما لا ح له، ونحوه قولهم: إنها لإبل أم شاء؟ انتهى. والصحيح أن أم فيهذا هي المنقطعة، لأن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام، فلو تقدمها أداة الاستفهام غير الهمزة، كانت أم منقطعة، وهنا تقدمما، ففارت شرط المتصلة. وقيل: يحتمل أن تكون من المقلوب وتقديره: ما للهدهد لا أراه؟ ولا ضرورة إلى ادعاء القلب.وفي الكشاف، أن سليمان لما تم له بناء بيت المقدس، تجهز للحج، فوافى الحرم وأقام به ما شاء، ثم عزمعلى المسير إلى اليمن، فخرج من مكة صباحاً يؤم سهيلاً، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناءأعجبته خضرتها، فنزل ليتغذى ويصلي، فلم يجد الماء، وكان الهدهد يأتيه، وكان يرى الماء من تحت الأرض. وذكر أنه كانالجن يسلخون الأرض حتى يظهر الماء. {لاعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً }: أبهم العذاب الشديد، وفي تعيينه أقوال متعارضة، والأجود أنيجعل أمثلة. فعن ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج: نتف ريشه. وقال ابن جريج: ريشه كله. وقال يزيد بن رومان: جناحه.وقال ابن وهب: نصفه ويبقى نصفه. وقيل: يراد مع نتفه تركه للشمس. وقيل: يحبس في القفص. وقيل: يطلى بالقطران ويشمس.وقيل: ينتف ويلقى للنمل. وقيل: يجمع مع غير جنسه. وقيل: يبعد من خدمة سليمان عليه السلام. وقيل: يفرق بينه وبينإلفه. وقيل: يلزم خدمة امرأته، وكان هذا القول من سليمان غضباً لله، حيث حضرت الصلاة وطلب الماء للوضوء فلم يجده،وأباح الله له ذلك للمصلحة، كما أباح البهائم والطيور للأكل، وكما سخر له الطير، فله أن يؤدّيه إذا لم يأتما سخر له. وقرأ الجمهور: أو ليأتيني، بنون مشددة بعدها ياء المتكلم، وابن كثير: بنون مشددة بعدها نون الوقايةبعد الياء؛ وعيسى بن عمر: بنون مشددة مفتوحة بغير ياء. والسلطان المبين: الحجة والعذر، وفيه دليل على الإغلاط على العاصينوعقابهم. وبدأ أولاً بأخف العقابين، وهو التعذيب؛ ثم أتبعه بالأشد، وهو إذهاب المهجة بالذبح، وأقسم على هذين لأنهما من فعله،وأقسم على الإتيان بالسلطان وليس من فعله لما نظم الثلاثة في الحكم بأو، كأنه قال: ليكونن أحد الثلاثة، والمعنى: إنأتى بالسلطان، لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإلا كان أحدهما. ولا يدل قسمه على الإتيان على ادعاء دراية، على أنهيجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنه يأتيه بسلطان، فيكون قوله: {أَوْ لَيَأْتِيَنّى بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } عن درايةوإيقان. وقرأ الجمهور: فمكث، بضم الكاف؛ وعاصم، وأبو عمرو في رواية الجعفي، وسهل، وروح:حّبضمها. وفي قراءة أبيّ: فيمكث، ثمقال: وفي قراءة عبد الله: فيمكث، فقال: وكلاهما في الحقيقة تفسير لا قراءة، لمخالفة ذلك سواد المصحف، وما روي عنهمابالنقل الثابت. والظاهر أن الضمير في فمكث عائد على الهدهد، أي غبر زمن بعيد، أي عن قرب. ووصف مكثه بقصرالمدة، للدلالة على إسراعه، خوفاً من سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخراً له، ولبيان ما أعطى من المعجزة الدالة علىنبوته وعلى قدرة الله. وقيل: وقف مكاناً غير بعيد من سليمان، وكأنه فيما روي، حين نزل سليمان حلق الهدهد، فرأىهدهداً، فانحط عليه ووصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس وعظم منه،وذهب معه لينظر، فما رجع إلا بعد العصر. وقيل: الضمير في فمكث لسليمان. وقيل: يحتمل أن يكون لسليمان وللهدهد، وفيالكلام حذف، فإن كان غير بعيد زماناً، فالتقدير: فجاء سليمان، فسأله: ما غيبك؟ فقال: أحطت؛ وإن كان مكاناً، فالتقدير: فجاءفوقف مكاناً قريباً من سليمان، فسأله: ما غيبك؟ وكان فيما روي قد علم بما أقسم عليه سليمان، فبادر إلى جوابهبما يسكن غيظه عليه، وهو أن غيبته كانت لأمر عظيم عرض له، فقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }، وفيهذا جسارة من لديه علم، لم يكن عند غيره، وتبجحه بذلك، وإبهام حتى تتشوف النفس إلى معرفة ذلك المهم ماهو. ومعنى الإحاطة هنا: أنه علم علماً ليس عند نبي الله سليمان. قال الزمخشري: ألهم الله الهدهد، فكافح سليمانبهذا الكلام، على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه، وتنبيهاً علىأن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به سليمان، لتتحاقر إليه نفسه ويصغر إليه علمه، ويكونلطفاً له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علماً أن يعلم من جميع جهاته،لا يخفى منه معلوم، قالوا: وفيه دليل على بطلان قول الرافضة إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون فيزمانه أعلم منه. انتهى. ولما أبهم في قوله: {بِمَا لَمْ تُحِطْ }، انتقل إلى ما هو أقل منه إبهاماً،وهو قوله: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ }، إذ فيه إخبار بالمكان الذي جاء منه، وأنه له علم بخبر مستيقنله. وقرأ الجمهور: من سبأ، مصروفاً، هذا وفي:

{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ }

وابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الهمزة، غيرمصروف فيهما، وقنبل من طريق النبال: بإسكانها فيهما. فمن صرفه جعله اسماً للحي أو الموضع أو للأب، كما في حديثفروة بن مسيك وغيره، عن رسول الله ﷺ: أنه اسم رجل ولد عشرة من الولد، تيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة. والستة: حمير، وكندة، والأزد، وأشعر، وخثعم، وبجيلة؛ والأربعة: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان وكان سبأ رجلاًمن قحطان اسمه عبد شمس. وقيل: عامر، وسمي سبأ لأنه أول من سبأ، ومن منعه الصرف جعله اسماً للقبيلة أوالبقعة، وأنشدوا على الصرف

: الواردون وتيم في ذرى سبأ     قد عض أعناقهم جلد الجواميس

ومن سكن الهمزة، فلتوالي الحركات فيمن منع الصرف، وإجراء للوصل مجرى الوقف. وقال مكي: الإسكان فيالوصل بعيد غير مختار ولا قوي. انتهى. وقرأ الأعمش: من سبأ، بكسر الهمزة من غير تنوين، حكاها عنه ابن خالويهوابن عطية، ويبعد توجيهها. وقرأ ابن كثير في رواية: من سبأ، بتنوين الباء على وزن رحى، جعله مقصوراً مصروفاً. وذكرأبو معاذ أنه قرأ من سبأ: بسكون الباء وهمزة مفتوحة غير منونة، بناه على فعلى، فامتنع الصرف للتأنيث اللازم. وروىابن حبيب، عن اليزيدي: من سبأ، بألف ساكنة، كقولهم: تفرقوا أيدي سبا. وقرأت فرقة: بنبأ، بألف عوض الهمزة، وكأنها قراءةمن قرأ: لسبا، بالألف، لتتوازن الكلمتان، كما توازنت في قراءة من قرأهما بالهمز المكسور والتنوين. وقال في التحرير: إن هذاالنوع في علم البديع يسمى بالترديد، وفي كتاب التفريع بفنون البديع. إن الترديد رد أعجاز البيوت على صدورها، أو ردكلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني، ويسمى أيضاً التصدير، فمثال الأول قوله

: سريع إلى ابن العم يجبر كسره     وليس إلى داعي الخنا بسريع

ومثال الثاني قوله

: والليالي إذا نأيتم طوال     والليالي إذا دنوتم قصار

وذكر أن مثل: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ}، يسمى تجنيس التصريف، قال: وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكُمْ بِمَاكُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلاْرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ }، وما ورد في الحديث: الخيل معقود في نواصيها الخير وقال الشاعر

: لله ما صنعت بنا     تلك المعاجر والمحاجر

وقال الزمخشري: وقوله: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ }، من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلامالذي يتعلق باللفظ، بشرط أن يجيء مطبوعاً، أو بصيغة عالم بجوهر الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده. ولقد جاء هنازائداً على الصحة، فحسن وبدع لفظاً ومعنى. ألا ترى لو وضع مكان بنبأ بخبر لكان المعنى صحيحاً؟ وهو كما جاءأصح، لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. انتهى. والزيادة التي أشار إليها هي أن النبأ لا يكونإلا الخبر الذي له شأن، ولفظ الخبر مطلق، ينطلق على ماله شأن وما ليس له شأن. ولما أبهم الهدهدأولاً، ثم أبهم ثانياً دون الإبهام، صرح بما كان أبهمه فقال: {إِنّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ }. ولا يدل قوله: {تَمْلِكُهُمْ} على جواز أن تكون المرأة ملكة، لأن ذلك كان من فعل قوم بلقيس، وهم كفار، فلا حجة في ذلك.وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ، لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوابنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ونقل عن محمد بن جرير أنه يجوز أن تكونالمرأة قاضية، ولم يصح عنه. ونقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، لا على الإطلاق، ولا أن يكتبلها مسطور بأن فلانة مقدمة على الحكم، وإنما ذلك على سبيل التحكم والاستنابة في القضية الواحدة. ومعنى وجدت هنا: أصبت،والضمير في تملكهم عائد على سبأ، إن كان أريد القبيلة، وإن أريد الموضع، فهو على حذف، أي وجئتك من أهلسبأ. والمرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك اليمن كلها، وقد ولد له أربعون ملكاً، ولم يكن له ولدغيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس. واختلف في اسم أبيها اختلافاً كثيراً. قيل: وكانت أمها جنيةتسمى ريحانة بنت السكن، تزوجها أبوها، إذ كان من عظميه لم ير أن يتزوج أحداً من ملوك زمانه، فولدت لهبلقيس، وقد طولوا في قصصها بما لم يثبت في القرآن، ولا الحديث الصحيح. وبدأ الهدهد بالإخبار عن ملكها، وأنهاأوتيت من كل شيء، وهذا على سبيل المبالغة، والمعنى: من كل شيء احتاجت إليه، أو من كل شيء في أرضها.وبين قول الهدهد ذلك، وبين قول سليمان: {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } فرق، وذلك أن سليمان عطف على قوله: {عُلّمْنَامَنطِقَ ٱلطَّيْرِ }، وهو معجزة، فيرجع أولاً إلى ما أوتي من النبوة والحكمة وأسباب الدين، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا،وعطف الهدهد على الملك، فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها. {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }، قال ابنزيد: هو مجلسها. وقال سفيان: هو كرسيها، وكان مرصعاً بالجواهر، وعليه سبعة أبواب. وذكروا من وصف عرشها أشياء، الله هوالعالم بحقيقة ذلك، واستعظام الهدهد عرشها، إما لاستصغار حالها أن يكون لها مثل هذا العرش، وإما لأن سليمان لم يكنله مثله، وإن كان عظيم المملكة في كل شيء، لأنه قد يوجد لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذيهو تحت طاعته. ولما كان سليمان قد آتاه الله من كل شيء، وكان له عرش عظيم، أخبره بهذا النبأالعظيم، حيث كان في الدنيا من يشاركه فيما يقرب من ذلك. ولم يلتفت سليمان لذلك، إذ كان معرضاً عن أمورالدنيا. فانتقل الهدهد إلى الإخبار إلى ما يتعلق بأمور الدين، وما أحسن انتقالات هذه الأخبار بعد تهدد الهدهد وعلمه بذلك،أخبر أولاً باطلاعه على ما لم يطلع عليه سليمان، تحصناً من العقوبة، بزينة العلم الذي حصل له، فتشوف السامع إلىعلم ذلك. ثم أخبرنا ثانياً يتعلق ذلك العلم، وهو أنه من سبأ، وأنه أمر متيقن لا شك فيه، فزاد تشوفالسامع إلى سماع ذلك النبأ. ثم أخبر ثالثاً عن الملك الذي أوتيته امرأة، وكان سليمان عليه السلام قد سأل اللهأن يؤتيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. ثم أخبر رابعاً ما ظاهره الإشتراك بينه وبين هذه المرأة التي ليسمن شأنها ولا شأن النساء أن تملك فحول الرجال، وهو قوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء }، وقوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}، وكان سليمان له بساط قد صنع له، وكان عظيماً. ولما لم يتأثر سليمان للإخبار بهذا كله، إذ هو أمردنياوي، أخبره خامساً بما يهزه لطلب هذه الملكة، ودعائها إلى الإيمان، وإفراده بالعبادة فقال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِٱللَّهِ }، وقد تقدم القول: إنهم كانوا مجوساً يعبدون الأنوار، وهو قول الحسن. وقيل: كانوا زنادقة. وهذه الإخبارات منالهدهد كانت على سبيل الاعتذار عن غيبته عن سليمان، وعرف أن مقصد سليمان الدعاء إلى توحيد الله والإيمان به، فكانذلك عذراً واضحاً أزال عنه العقوبة التي كان سليمان قد توعده بها. وقام ذلك الإخبار مقام الإيقان بالسلطان المبين، إذكان في غيبته مصلحة لإعلام سليمان بما كان خافياً عنه، ومآله إلى إيمان الملكة وقومها. وفي ملك هذه المرأة ومكانهاعلى سليمان، وإن كانت المسافة بينهما قريبة، كما خفي ملك يوسف على يعقوب، وذلك لأمر أراده الله تعالى. قال الزمخشري:ومن نوكي القصاص من يقف على قوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }، وجدتها يريد أمر عظيم، إن وجدتها فر من استعظامالهدهد عرشها، فوقع في عظيمة وهي نسخ كتاب الله. انتهى. وقال أيضاً فإن قلت: من أين للهدهد الهدى إلى معرفةالله ووجوب السجود له، وإنكار السجود للشمس، وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ قلت: لا يبعد أن يلهمه الله ذلك، كما ألهمهوغيره من الطيور وسائر الحيوانات المعارف اللطيفة الت لا تكاد العقلاء يهتدون لها. ومن أراد استقراء ذلك فعليه بكتاب الحيوانخصوصاً في زمان بني سخرت له الطيور وعلم منطقها، وجعل ذلك معجزة له. انتهى. وأسند التزيين إلى الشيطان، إذكان هو المتسبب في ذلك بأقدار الله تعالى. {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ }، أي الشيطان، أو تزيينه عن السبيل وهو الإيمانبالله وإفراده بالعبادة. {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ }، أي إلى الحق. وقرأ ابن عباس، وأبو جعفر، والزهري، والسلمي، والحسن، وحميد، والكسائي:ألا، بتخفيف لام الألف، فعلى هذا له أن يقف على: {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ }، ويبتدىء على: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ }. قالالزمخشري: وإن شاء وقف على ألا يا، ثم ابتدأ اسجدوا، وباقي السبعة: بتشديدها، وعلى هذا يصل قوله: {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} بقوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ }. وقال الزمخشري: وفي حرف عبد الله، وهي قراءة الأعمش: هلا وهلا، بقلب الهمزتين هاء، وعنعبد الله: هلا يسجدون، بمعنى: ألا تسجدون، على الخطاب. وفي قراءة أبي: ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السمائوالأرض ويعلم سركم وما تعلنون، انتهى. وقال بن عطية: وقرأ الأعمش: هلا يسجدون؛ وفي حرف عبد الله: ألا هل تسجدون،بالتاء، وفي قراءة أبي: ألا تسجدون، بالتاء أيضاً؛ فأما قراءة من أثبت النون في يسجدون، وقرأ بالتاء أو الياء، فتخريجهاواضح. وأما قراءة باقي السبعة فخرجت على أن قوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ } في موضع نصب، على أن يكون بدلاً منقوله: {أَعْمَـٰلَهُمْ }، أي فزين لهم الشيطان أن لا يسجدوا. وما بين المبدل منه والبدل معترض، أو في موضع جر،على أن يكون بدلاً من السبيل، أي قصدهم عن أن لا يسجدوا. وعلى هذا التخريج تكون لا زائدة، أي فصدهمعن أن يسدجوا لله، ويكون {فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } معترضاً بين المبدل منه والبدل، ويكون التقدير: لأن لا يسجدوا. وتتعلقاللام إما بزين، وإما بقصدهم، واللام الداخلة على أن داخلة على مفعول له، أي علة تزيين الشيطان لهم، أو صدهمعن السبيل، هي انتفاء سجودهم لله، أو لخوفه أن يسجدوا لله. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون لا فريدة، ويكون المعنىفهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. انتهى. وأما قراءة ابن عباس ومن وافقه، فخرجت على أن تكون ألا حرف استفتاح،ويا حرف نداء، والمنادى محذوف، واسجدوا فعل أمر، وسقطت ألف يا التي للنداء، وألف الوصل في اسجدوا، إذ رسم المصحفيسجدوا بغير ألفين لما سقط لفظاً سقطا خطاً. ومجيء مثل هذا التركيب موجود في كلام العرب. قال الشاعر

:ألا يا اسلمي ذات الدمالج والعقد    

وقال

:ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال    

وقال

:ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى    

وقال

: فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة     فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي

وقال

:ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدروإن كان جباناً عدا آخر الدهر    

وسمع بعض العرب يقول

:ألا يا ارحمونا ألا تصدّقوا علينا    

ووقف الكسائي في هذه القراءة على يا، ثم يبتدىء اسجدوا، وهو وقف اختيار لا اختبار، والذيأذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يافيه للنداء، وحذف المنادى، لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه،لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه. ولو حذفنا المنادى، لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذفمتعلقه وهو المنادي، فكان ذلك إخلالاً كبيراً. وإذا أبقينا المنادي ولم نحذفه، كان ذلك دليلاً على العامل فيه جملة النداء.وليس حرف النداء حرف جواب، كنعم، ولا، وبلى، وأجل؛ فيجوز حذف الجمل بعدهنّ لدلالة ما سبق من السؤال على الجملالمحذوفة. فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين، ولقصد المبالغة فيالتوكيد، وإذا كان قد وجد التأكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله

:فأصبحن لا يسألنني عن بما به    

والمتفقي اللفظ العاملين في قوله

:ولا للما بهم أبداً دواء    

وجازذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلا، فاجتماع غير العاملين، وهما مختلفا اللفظ، يكون جائزاً، وليس يا في قوله

:يا لعنة الله والأقوام كلهم    

حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منهالمنادى لما ذكرناه. وقال الزمخشري: فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعاً، أو في واحدة منهما: قلت: هي واجبةفيهما، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذمّ للتارك؛ وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوعإليه، انتهى. والخبء: مصدر أطلق على المخبوء، وهو المطر والنبات وغيرهما مما خبأه تعالى من غيوبه. وقرأ الجمهور: الخبء، بسكونالباء والهمزة. وقرأ أبيّ، وعيسى: بنقل حركة الهمزة إلى الباء وحذف الهمزة. وقرأ عكرمة: بألف بدل الهمزة، فلزم فتح ماقبلها، وهي قراءة عبد الله، ومالك بن دينار. ويخرج على لغة من يقول في الوقف: هذا الخبو، ومررت بالخبي، ورأيتالخبا، وأجرى الوصل مجرى الوقف. وأجاز الكوفيون أن تقول في المرأة والكمأة: المرأة والكمأة، فيبدل من الهمزة ألفاً، فتفتح ماقبلها، فعلى قولهم هذا يجوز أن يكون الخبأ منه. قيل: وهي لغة ضعيفة، وإجراء الوصل مجرى الوقف أيضاً نادر قليل،فيعادل التخريجان. ونقل الحركة إلى الباء، وحذف الهمزة، حكاه سيبويه، عن قوم من بني تميم وبني أسد. وقراءة الخب بالألف،طعن فيها أبو حاتم وقال: لا يجوز في العربية، قال: لأنه إن حذف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال: الخب،وإن حولها قال: الخبي، بسكون الباء وياء بعدها. قال المبرد: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو، ولم يلحق بهم،إلا أنه إذا خرج من بلدتهم لم يلق أعلم منه. والظاهر أن {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } متعلق بالخب، أي المخبوء فيالسموات. وقال الفراء في ومن يتعاقبان بقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، يريد منكم. انتهى. فعلى هذا يتعلق بيخرج، أي منفي السموات.( ولما كان الهدهد قد أوتي من معرفة الماء تحت الأرض ما لم يؤت غيره، وألهمه الله تعالىذلك، كان وصفه ربه تعالى بهذا الوصف الذي هو قوله: {ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْء }، إذ كل مختص بوصف من علمأو صناعة، يظهر عليه مخايل ذلك الوصف في روائه ومنطقه وشمائله، ولذلك ورد ما عمل عبد عملاً إلا ألقى الله عليه رداء عمله وقرأ الحرميان والجمهور: ما يخفون وما يعلنون، بياء الغيبة، والضمير عائد على المرأة وقومها.وقرأ الكسائي وحفص: بتاء الخطاب، فاحتمل أن يكون خطاباً لسليمان عليه السلام والحاضرين معه، إذ يبعد أن تكون محاورة الهدهدلسليمان، وهما ليس معهما أحد. وكما جاز له أن يخاطبه بقوله: {أَحَطتُ * مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }، جاز أنيخاطبه والحاضرين معه بقوله: {مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }، بل خطابه بهذا ليس فيه ظهور شغوف بخلاف ذلك الخطاب. والظاهرأن قوله: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ } إلى العظيم من كلام الهدهد. وقيل: من كلام الله تعالى لأمة رسول الله صلى اللهعليه وسلم. وقال ابن عطية: القراءة بياء الغيبة تعطي أن الأية من كلام الهدهد، وبتاء الخطاب تعطي أنها من خطابالله عز وجل لأمة محمد ﷺ. وقال صاحب الغنيان: لما ذكر الهدهد عرش بلقيس ووصفه بالعظم،رد الله عز وجل عليه وبين أن عرشه تعالى هو الموصوف بهذه الصفة على الحقيقة، إذ لا يستحق عرش دونهأن يوصف بالعظمة. وقيل: إنه من تمام كلام الهدهد، كأنه استدرك ورد العظمة من عرش بلقيس إلى عرش الله. وقالالزمخشري: فإن قلت: كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟ قلت: بين الوصفين فرق، لأن وصفعرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائرما خلق من السموات والأرض. انتهى. وقرأ ابن محيصن وجماعة: العظيم بالرفع، فاحتمل أن تكون صفة للعرش، وقطع على إضمارهو على سبيل المدح، فتستوي قراءته وقراءة الجمهور في المعنى. واحتمل أن تكون صفة للرب، وخص العرش بالذكر، لأنه أعظمالمخلوقات، وما عداه في ضمنه. ولما فرغ الهدهد من كلامه، وأبدى عذره في غيبته، أخر سليمان أمره إلى أنيتبين له صدقه من كذبه فقال: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ } في أخبارك أم كذبت. والنظر هنا: التأمل والتصفح، وأصدقت: جملة معلقعنها سننظر، وهي في موضع نصب على إسقاط حرف الجر، لأن نظر، بمعنى التأمل والتفكر، إنما يتعدى بحرف الجر الذيهو في. وعادل بين الجملتين بأم، ولم يكن التركيب أم كذبت، لأن قوله: {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } أبلغ فينسبة الكذب إليه، لأن كونه من الكاذبين يدل على أنه معروف بالكذب، سابق له هذا الوصف قبل الإخبار بما أخبربه. وإذا كان قد سبق له الوصف بالكذب، كان متهماً فيما أخبر به، بخلاف من يظن ابتداء كذبه فيما أخبربه. وفي الكلام حذف تقديره: فأمر بكتابة كتاب إليهم، وبذهاب الهدهد رسولاً إليهم بالكتاب، فقال: {ٱذْهَب بّكِتَابِى هَـٰذَا }: أيالحاضر المكتوب الآن. {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ }: أي تنح عنهم إلى مكان قريب، بحيث تسمع ما يصدرمنهم وما يرجع به بعضهم إلى بعض من القول. وفي قوله: {ٱذْهَب بّكِتَابِى هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } دليل علىإرسال الكتب إلى المشركين من الإمام، يبلغهم الدعوة ويدعوهم إلى ازسلام. وقد كتب رسول الله ﷺ إلىكسرى وقيصر وغيرهما ملوك العرب. وقال وهب: أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدّب به الملوك، بمعنى: وكن قريباًبحيث تسمع مراجعاتهم. وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه، أي ألقه وارجع. قال: وقوله: {فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }في معنى التقديم على قوله: {ثُمَّ * أَغْنَتْ عَنْهُمْ }. انتهى. وقاله أبو علي، ولا ضرورة تدعو إلى التقديم والتأخير،بل الظاهر أن النظر معتقب التولي عنهم. وقرىء في السبعة: فألقه، بكسر الهاء وياء بعدها، وباختلاس الكسرة وبسكون الهاء. وقرأمسلم بن جندب: بضم الهاء وواو بعدها، وجمع في قوله: {إِلَيْهِمُ } الهدهد قال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا }. وفي الكتاب أيضاًضمير الجمع في قوله:

{ أَن لا * تَعْلُواْ عَلَىَّ }

والكتاب كان فيه الدعاء إلى الإسلام لبلقيس وقومها. ومعنى:{فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }: أي تأمل واستحضره في ذهنك. وقيل معناه: فانتظر. ماذا: إن كان معنى فانظر معنى التأمل بالفكر،كان انظر معلقاً، وماذا: إما كلمة استفهام في موضع نصب، وإما أن تكون ما استفهاماً وذا موصول بمعنى الذي. فعلىالأول يكون يرجعون خبراً عن ماذا، وعلى الثاني يكون ذا هو الخبر ويرجعون صلة ذا. وإن كان معنى فانظر: فانتظر،فليس فعل قلب فيعلق، بل يكون ماذا كله موصولاً بمعنى الذي، أي فانتظر الذي يرجعون، والمعنى: فانظر ماذا يرجعون حتىترد إلى ما يرجعون من القول. {قَالَتْ يٰأَيُّهَا * أَيُّهَا * ٱلْمَلا إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُمِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَن لا * تَعْلُواْ عَلَىَّ * عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يٰأَيُّهَاٱلْمَلاَ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ * قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلاْمْرُ إِلَيْكِفَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنّى مُرْسِلَةٌإِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا ءاتَـٰنِى ٱللَّهُ خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـٰكُمْ بَلْأَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَـٰغِرُونَ }. فيالكلام حذف تقديره: فأخذ الهدهد الكتاب وذهب به إلى بلقيس وقومها وألقاه إليهم، كما أمره سليمان. فقيل: أخذه بمنقاره. وقيل:علقه في عنقه، فجاءها حتى وقف على رأسها، وحولها جنودها، فرفرف بجناحيه، والناس ينظرون إليه، حتى رفعت رأسها، فألقى الكتابفي حجرها. وقيل: كانت في قصرها قد غلقت الأبواب واستلقت على فراشها نائمة، فألقي الكتاب على نحرها. وقيل: كانت فيالبيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم، فإذا نظرت إليها سجدت، فجاء الهدهد فسدها بجناحه، فرأت ذلك وقامت إليه، فألقىالكتاب إليها، وكانت قارئة عربية من قوم تبع. وقيل: ألقاه من كوة وتوارى فيها. فأخذت الكتاب ونادت أشراف قومها:{قَالَتْ يٰأَيُّهَا * أَيُّهَا *ٱلْمَلاَ }. وكرم الكتاب لطبعه بالخاتم، وفي الحديث: كرم الكتاب ختمه أو لكونه منسليمان، وكانت عالمة بملكه، أو لكون الرسول به الطير، فظنته كتاباً سماوياً؛ أو لكونه تضمن لطفاً وليناً، لا سباً ولاما يغير النفس، أو لبداءته باسم الله، أقوال. ثم أخبرتهم فقالت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ }، كأنها قيل لها: ممن الكتابوما هو؟ فقالت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ }، وإنه كيت وكيت. أبهمت أولاً ثم فسرت، وفي بنائها ألقي للمفعول دلالة علىجهلها بالملقي، حيث حذفته، أو تحقيراً له، حيث كان طائراً، إن كانت شاهدته. والظاهر أن بداءة الكتاب من سليمان باسمالله الرحمن الرحيم، إلى آخر ما قص الله منه خاصة، فاحتمل أن يكونن من سليمان مقدماً على بسم الله، وهوالظاهر، وقدمه لاحتمال أن يندر منها ما لا يليق، إذ كانت كافرة، فيكون اسمه وقاية لاسم الله تعالى. أو كانعنواناً في ظاهر الكتاب، وباطنه فيه بسم الله إلى آخره. واحتمل أن يكون مؤخراً في الكتابة عن بسم الله، وإنابتدأ الكتاب باسم الله، وحين قرأته عليهم بعد قراءتها له في نفسها، قدمته في الحكاية، وإن لم يكن مقدماً فيالكتابة. وقال أبو بكر بن العربي: كانت رسل المتقدمين إذا كتبوا كتاباً بدؤوا بأنفسهم، من فلان إلى فلان، وكذلكجاءت الإشارة. وعن أنس: ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله ﷺ، وكان أصحابه إذا كتبواإليه كتاباً بدؤوا بأنفسهم. وقال أبو الليث في (كتاب البستان) له: ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز، لأن الأمة قد أجمعتعليه وفعلوه. وقرأ الجمهور: إنه من سليمان، وإنه بكسر الهمزة فيهما. وقرأ عبد الله: وإنه من سليمان، بزيادة واو عطفاًعلى {إِنّى أُلْقِىَ }. وقرأ عكرمة، وابن أبي عبلة: بفتحهما، وخرج على البدل من كتاب، أي ألقى إليّ أنه، أوعلى أن يكون التقدير لأنه كأنها. عللت كرم الكتاب لكونه من سليمان وتصديره ببسم الله. وقرأ أبي: أن من سليمانوأن بسم الله، بفتح الهمزة ونون ساكنة، فخرج على أن أن هي المفسرة، لأنه قد تقدمت جملة فيها معنى القول،وعلى أنها أن المخففة من الثقيلة، وحذفت الهاء وبسم الله الرحمن الرحيم، استفتاح شريف بارع المعنى مبدوء به في الكتبفي كل لغة وكل شرع. وأن في قوله: {أَن لا * تَعْلُواْ }، قيل: في موضع رفع على البدل منكتاب. وقيل: في موضع نصب على معنى بأن لا تعلوا، وعلى هذين التقديرين تكون أن ناصبة للفعل. وقال الزمخشري: وأنفي {أَن لا * تَعْلُواْ عَلَىَّ } مفسرة، فعلى هذا تكون لا في لا تعلوا للنهي، وهو حسن لمشاكلة عطفالأمر عليه. وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير هو أن لا تعلوا، فيكون خبر مبتدأ محذوف. ومعنى لا تعلوا: لاتتكبروا، كما يفعل الملوك. وقرأ ابن عباس، في رواية وهب بن منبه والأشهب العقيلي: أن لا تعلوا، بالغين المعجمة، أيألا تتجاوزوا الحد، وهو من الغلو. والظاهر أنه طلب منهم أن يأتوه وقد أسلموا، وتركوا الكفر وعبادة الشمس. وقيل: معناهمذعنين مستسلمين من الانقياد والدخول في الطاعة، وما كتبه سليمان في غاية الإيجاز والبلاغة، وكذلك كتب الأنبياء. والظاهر أنالكتاب هو ما نص الله عليه فقط. واحتمل أن يكون مكتوباً بالعربي، إذ الملوك يكون عندهم من يترجم بعدة ألسن،فكتب بالخط العربي واللفظ العربي، لأنها كانت عربية من نسل تبع بن شراحيل الحميري. واحتمل أن يكون باللسان الذي كانسليمان يتكلم به، وكان عندها من يترجم لها، إذ كانت هي عارفة بذلك اللسان. وروي أن نسخة الكتاب من عبدالله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين.وكانت كتب الأنبياء جملاً لا يطيلون ولا يكثرون، وطبع الكتاب بالمسك، وختمه بخاتمة. وروي أنه لم يكتب أحد بسم اللهالرحمن الرحيم قبل سليمان، ولما قرأت على الملأ الكتاب، ورأت ما فيه من الانتقال إلى سليمان، استشارتهم في أمرها. قالقتادة: وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر، وعنه: وثلاثة عشر، كل رجل منهم على عشرة آلاف، وكانت بأرض مأرب منصنعاء على ثلاثة أيام، وذكر عن عسكرها ما هو أعظم وأكثر من هذا، والله أعلم بذلك. وتقدم الكلام في الفتوىفي سورة يوسف، والمراد هنا: أشيروا عليّ بما عندكم في ما حدث لها من الرأي السديد والتدبير. وقصدت بإشارتهم: استطلاعآرائهم واستعطافهم وتطييب أنفسهم ليمالئوها ويقوموا. {مَا كُنتُ قَـٰطِعَةً أَمْراً }: أي مبرمة وفاصلة أمراً، {حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ }: أيتحضروا عندي، فلا أستبد بأمر، بل تكونون حاضرين معي. وفي قراءة عبد الله: ما كنت قاضية أمراً، أي لا أبتإلا وأنتم حاضرون معي. وما كنت قاطعة أمراً، عام في كل أمر، أي إذا كانت عادتي هذه معكم، فكيف لاأستشيركم في هذه الحادثة الكبرى التي هي الخروج من الملك والانسلاك في طاعة غيري والصيرورة تبعاً؟ فراجعها الملأ بما أقرعينهامن قولهم: إنهم {أُوْلُواْ قُوَّةٍ }، أي قوة بالعدد والعدد، {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ }: أي أصحاب شجاعة ونجدة. أظهروا القوةالعرضية، ثم القوة الذاتية، أي نحن متهيؤون للحرب ودفع هذا الحادث. ثم قالوا: {وَٱلاْمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ }، وذلكمن حسن محاورتهم، إذ وكلوا الأمر إليها، وهو دليل على الطاعة المفرطة، أي نحن ذكرنا ما نحن عليه، ومع ذلكفالأمر موكول إليك، كأنهم أشاروا أولاً عليه بالحرب، أو أرادوا: نحن أبناء الحرب لا أبناء الاستشارة، وأنت ذات الرأي والتدبيرالحسن. فانظري ماذا تأمرين به، نرجع إليك ونتبع رأيك، وفانظري من التأمل والتفكر، وماذا هو المفعول الثاني لتأمرين، والمفعول الأولمحذوف لفهم المعنى، أي تأمريننا. والجملة معلق عنها انظري، فهي في موضع مفعول لا نظري بعد إسقاط الحرف من اسمالاستفهام. ولما وصل إليها كتاب سليمان، لا على يد رجل بل على طائر، استعظمت ملك سليمان، وعلمت أن منسخر له الطير حتى يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب، غير ممتنع عليه تدويخ الأرض وملوكها، فأخبرتبحال الملوك ومالت إلى المهاداة والصلح فقالت: {إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً }: أي تغلبوا عليها، {أَفْسَدُوهَا }: أيخربوها بالهدم والحرق والقطع، وأذلوا أعزة أهلها بالقتل والنهب والأسر، وقولها فيه تزييف لآرائهم في الحرب، وخوف عليهم وحياطة لهم،واستعظام لملك سليمان. والظاهر أن {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ } هو من قولها، أي عادة الملوك المستمرة تلك من الإفساد والتذليل، وكانتناشئة في بيت الملك، فرأت ذلك وسمعت. ذكرت ذلك تأكيداً لما ذكرت من حال الملوك. وقيل: هو من كلام اللهإعلاماً لرسوله ﷺ وأمته، وتصديقاً لإخبارها عن الملوك إذا تغلبوا. ولما كانت عادة الملوك قبول الهدايا،وأن قبولها يدل على الرضا والإلفة، قالت: {وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ }، أي إلى سليمان ومن معه، رسلاً بهدية، وجاء لفظالهدية مبهماً. وقد ذكروا في تعيينها أقوالاً مضطربة متعارضة، وذكروا من حالها ومن حال سليمان حين وصلت إليه الهدية، وكلامهمع رسولها ما الله أعلم به. و{فَنَاظِرَةٌ } معطوف على {مُرْسِلَةٌ }. و{بِمَ } متعلق بيرجع. ووقع للحوفي أن البائمتعلقة بناظرة، وهو وهم فاحش، والنظر هنا معلق أيضاً. والجملة في موضع مفعول به، وفيه دلالة على أنها لم تثقبقبول الهدية، بل جوزت الرد، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان. والهدية: اسم لما يهدي، كالعطية هي اسم لمايعطى. وروي أنها قالت لقومها: إن كان ملكاً دنياوياً، أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبياً، لم يرضهالمال وينبغي أن نتبعه على دينه، وفي الكلام حذف تقديره: فأرسلت الهدية، فلما جاء، أي الرسول سليمان، والمراد بالرسول الجنسلا حقيقة المفرد، وكذلك الضمير في ارجع والرسول يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث. وقرأ عبد الله: فلما جاءوا، قرأ:ارجعوا، جعله عائداً على قوله: {ٱلْمُرْسَلُونَ }. و{أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ }: استفهام إنكار واستقلال، وفي ذلك دلالة على عزوفه عن الدنيا،وعدم تعلق قلبه عليه الصلاة والسلام بها. ثم ذكر نعمة الله عليه، وإن ما آتاه الله من النبوة وسعةالملك خير مما آتاكم، بل أنتم بما يهدى إليكم تفرحون بحبكم الدنيا، والهدية تصح إضافتها إلى المهدي وإلى المهدي إليه،وهي هنا مضافة للمهدي إليه، وهذا هو الظاهر. ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي، أي بل أنتم بهديتكم هذه التيأهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك، فإنكم قدرتم على إهداء مثلها. ويجوز أن تكون عبارة عن الرد، كأنه قال: بلأنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها. وقرأ جمهور السبعة: أتمدونني، بنونين، وأثبت بعض الياء. وقرأ حمزة: بإدغام نونالرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم. وقرأ المسيبي، عن نافع: بنون واحدة خفيفة. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرقبين قولك: أتمدونني بمال وأنا أغني منكم، وبين أن يقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبي عالماً بزيادتيعليه في الغنى، وهو مع ذلك يمدني بالمال، وإذا قلته بالفاء، فقد جعلته ممن خفيت عنه حالي، وأنا أخبره الساعةبما لا أحتاج معه إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت، فإني غني عنه وعليه. ورد قوله: {فَمَاءاتَـٰنِى ٱللَّهُ }. فإن قلت: فما وجه الإضراب؟ قلت: لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيانالسبب الذي حملهم عليه، وهو أنهم لا يعرفون سبب رضاً ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من الدنيا التيلا يعلمون غيرها. انتهى. {ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ }: هو خطاب للرسول الذي جاء بالهدية، وهو المنذر بن عمرو أمير الوفد،والمعنى: ارجع إليهم بهديتهم، وتقدمت قراءة عبد الله: ارجعوا إليهم، وارجعوا هنا لا تتعدى، أي انقلبوا وانصرفوا إليهم. وقيل: الخطاببقوله: ارجع، للهدهد محملاً كتاباً آخر. ثم أقسم سليمان فقال: {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ }، متوعداً لهم، وفيه حذف، أي إن لميأتوني مسلمين. ودل هذا التوعد على أنهم كانوا كفاراً باقين على الكفر إذ ذاك. والضمير في {بِهَا } عائد علىالجنود، وهو جمع تكسير، فيجوز أن يعود الضمير عليه، كما يعود على الواحدة، كما قالت العرب: الرجال وأعضادها. وقرأ عبدالله: بهم. ومعنى {لاَّ قِبَلَ }: لا طاقة، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا تقدرون أن تقابلوهم. والضمير فيمنها عائد على سبأ، وهي أرض بلقيس وقومها. وانتصب {أَذِلَّةٍ } على الحال. {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ }: حال أخرى. والذل: ذهابما كانوا فيه من العز، والصغار: وقوعهم في أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانواملوكاً. وفي مجيء هاتين الحالتين دليل على جواز أن يقضي العامل حالين الذي حال واحد، وهي مسألة خلاف، ويمكن أنيقال: إن الثانية هنا جاءت توكيداً لقوله: {أَذِلَّةٍ }، فكأنهما حال واحدة. {قَالَ يَـاءادَمُ * أَيُّهَا * ٱلْمَلاَ أَيُّكُمْيَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ٱلْجِنّ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنّىعَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ * قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءاهُمُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ }. في الكلام حذف تقديره: فرجع المرسل إليها بالهدية، وأخبرها بما أقسم عليه سليمان، فتجهزت للمسيرإليه، إذ علمت أنه نبي ولا طاقة لها بقتال نبي. فروي أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان، فجعل عرشها فيآخر سبعة أبيات، بعضها في جوف بعض، في آخر قصر من قصورها، وغلقت الأبواب ووكلت به حراساً يحفظونه، وتوجهت إلىسليمان في أقيالها وأتباعهم. قال عبد الله بن شداد: فلما كانت على فرسخ من سليمان، قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا}؟ وقال ابن عباس: كان سليمان مهيباً، لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فنظر ذات يوم رهجاًقريباً منه فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس، فقال ذلك. واختلفوا في قصد سليمان استدعاء عرشها. فقال قتادة، وابن جريج: لماوصف له عظم عرشها وجودته، أراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويمنع أخذ أموالهم، والإسلام على هذا الدين، وهذافيه بعد أن يقع ذلك من نبي أوتي ملكاً لم يؤته غيره. وقال ابن عباس، وابن زيد: استدعاه ليريها القدرةالتي هي من عند الله، وليغرب عليها سليمان والإسلام على هذا الاستسلام. وأشار الزمخشري لقول فقال: ولعله أوحي إليه عليهالسلام باستيثاقها من عرشها، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه به من إجراء العجائب على يده، معاطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان ويصدقها. انتهى. وقال الطبري: أراد أن يختبر صدق الهدهدفي قوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }، وهذا فيه بعد، لأنه قد ظهر صدقة في حمل الكتاب، وما ترتب على حملهمن مشورة بلقيس قومها وبعثها بالهدية. وقيل: أراد أن يؤتي به، فينكر ويغير، ثم ينظر أتثبته أم تنكره، اختباراً لعقلها.والظاهر ترتيب هذه الأخبار على حسب ما وقعت في الوجود، وهو قول الجمهور. وعن ابن عباس أنه قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِىبِعَرْشِهَا }؟ حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }. ففي ترتيب القصص تقديموتأخير، وفي قوله: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } دليل على جواز الاستعانة ببعض الاتباع في مقاصد الملوك، ودليل على أنه قديخص بعض أتباع الأنبياء بشيء لا يكون لغيرهم، ودليل على مبادرة من طلبه منه الملوك قضاء حاجة، وبداءة الشياطين فيالتسخير على الإنس، وقدرتهم بأقدار الله على ما يبعد فعله من الإنس. وقرأ الجمهور: عفريت، وأبو حيوة: بفتح العين. وقرأأبو رجاء، وأبو السمال، وعيسى، ورويت عن أبي بكر الصديق: عفرية، بكسر العين، وسكون الفاء، وكسر الراء، بعدها ياء مفتوحة،بعدها تاء التأنيث. وقال ذو الرمة

: كأنه كوكب في إثر عفرية     مصوّب في سواد الليل مقتضب

وقرأت فرقة: عفر، بلا ياء ولا تاء، ويقال في لغة طيـىء وتميم: عفراة بالألفوتاء التأنيث، وفيه لغة سادسة عفارية، ويوصف بها الرجل، ولما كان قد يوصف به الإنس خص بقوله من الجن. وعنابن عباس: اسمه صخر. وقيل: كوري. وقيل: ذكران. و{ءاتِيكَ }: يحتمل أن يكون مضارعاً واسم فاعل. وقال قتادة، ومجاهد، ووهب:{مِن مَّقَامِكَ }: أي من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم. وقيل: قبل أنتستوي من جلوسك قائماً. {وَإِنّى عَلَيْهِ }: أي على الإتيان به لقوي على حمله؛ {أَمِينٌ }: لا أختلس منه شيئاً.قال الحسن: كان كافراً، لكنه كان مسخراً، والعفريت لا يكون إلا كافراً. {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }،قيل: هو من الملائكة، وهو جبريل، قاله النخعي. والكتاب: اللوح المحفوظ، أو كتاب سليمان إلى بلقيس. وقيل: ملك أيد اللهبه سليمان. وقيل: هو رجل من الإنس، واسمه آصف بن برخيا، كاتب سليمان، وكان صديقاً عالماً قاله الجمهور. أو اسطوام،أو هود، أو مليخا، قاله قتادة. أو اسطورس، أو الخضر عليه السلام، قاله ابن لهيعة. وقالت جماعة: هو ضبة بناد جد بني ضبة، من العرب، وكان فاضلاً يخدم سليمان، كان على قطعة من خيله، وهذه أقوال مضطربة، وقد أبهمالله اسمه، فكان ينبغي أن لا يذكر اسمه حتى يخبر به نبي. ومن أغرب الأقوال أنه سليمان عليه السلام، كأنهيقول لنفسه: {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَاْ ءاتِيكَ }، أو يكون خاطب بذلك العفريت، حكى هذا القول الزمخشريوغيره، كأنه استبطأ ما قال العفريت، فقال له سليمان ذلك على تحقير العفريت. والكتاب: هو المنزل من عند الله، أواللوح المحفوظ، قولان. والعلم الذي أوتيه، قال: اسم الله الأعظم وهو: يا حي يا قيوم. وقيل: يا ذا الجلال والإكرام.وقيل بالعبرانية: أهيا شراهيا. وقال الحسن: الله ثم الرحمن. والظاهر أن ارتداد الطرف حقيقة، وأنه أقصر في المدةمن مدة العفريت،ولذلك روي أن سليمان قال: أريد أسرع من ذلك حين أجابه العفريت، ولما كان الناظر موصوفاً بإرسال البصر، كما قالالشاعر

: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا     لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. فالمعنى أنك ترسل طرفك، فقبل أن ترده أتيتك به، وصار بين يديك. فروي أنآصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد طرفه فنظر نحو اليمن، فدعا آصف فغاب العرش فيمكانه بمأرب، ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله، قبل أن يرد طرفه. وقال ابن جبير، وقتادة: قبل أنيصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى. وقال مجاهد: قبل أن تحتاج إلى التغميض، أي مدة مايمكنك أن تمد بصرك دون تغميض، وذلك ارتداده. قال ابن عطية: وهذان القولان يقابلان قول من قال: إن القيام هومن مجلس الحكم، ومن قال: إن القيام هو من الجلوس، فيقول في ارتداد الطرف هو أن تطرف، أي قبل أنتغمض عينيك وتفتحهما، وذلك أن الثاني يعطي الأقصر في المدة ولا بد. انتهى. وقيل: طرفك مطروفك، أي قبل أن يرجعإليك من تنظر إليه من منتهى بصرك، وهذا هو قول ابن جبير وقتادة المتقدم، لأن من يقع طرفك عليه هومطروفك. وقال الماوردي: قبل أن ينقبض إليك طرفك بالموت، فخبره أنه سيأتيه قبل موته، وهذا تأويل بعيد، بل المعنى آتيكبه سريعاً. وقيل: ارتداد الطرف مجاز هنا، وهو من باب مجاز التمثيل، والمراد استقصار مدة الإتيان به، كما تقول لصاحبك:افعل كذا في لحظة، وفي ردة طرف، وفي طرفة عين، تريد به السرعة، أي آتيك به في مدة أسرع منمدة العفريت. {فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً } عنده: في الكلام حذف تقديره: فدعا الله فأتاه به، فلما رآعه: أي عرشبلقيس. قيل: نزل على سليمان من الهواء. وقيل: نبع من الأرض. وقيل: من تحت عرش سليمان، وانتصب مستقراً على الحال،وعنده معمول له. والظرف إذا وقع في موضع الحال، كان العامل فيه واجب الحذف. فقال ابن عطية: وظهر العامل فيالظرف من قوله: {مُسْتَقِرّاً }، وهذا هو المقدر أبداً في كل ظرف وقع في موضع الحال. وقال أبو البقاء: ومستقراً،أي ثابتاً غر متقلقل، وليس بمعنى الحضور المطلق، إذ لو كان كذلك لم يذكر. انتهى. فأخذ في مستقراً أمراً زائداًعلى الاستقرار المطلق، وهو كونه غير متقلقل، حتى يكون مدلوله غير مدلول العندية، وهو توجيه حسن لذكر العامل في الظرفالواقع حالاً؛ وقد رد ذكر العامل في ما وقع خبراً من الجار والمجرور التام في قول الشاعر

: لك العزان مولاك عزوان يهن     فأنت لدى بحبوحة الهون كائن {

قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبّى }: أي هذا الإتيان بعرشها، وتحصيل ما أردت من ذلك، هو من فضل ربي عليّوإحسانه، ثم علل ذلك بقوله: {قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ }. قال ابن عباس: المعنى أأشكر على السرير وسوقه أم أكفر؟إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني. انتهى. وتلقى سليمان النعمة وفضل الله بالشكر، إذ ذاك نعمة متجددة،والشكر قيد للنعم. وأأشكر أم أكفر في موضع نصب ليبلوني، وهو معلق، لأنه في معنى التمييز، والتمييز في معنى العلم،وكثير التعليق في هذا الفعل إجراء له مجرى العلم، وإن لم يكن مرادفاً له، لأن مدلوله الحقيقي هو الاختبار. {وَمَنشَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ }: أي ذلك الشكر عائد ثوابه إليه، إذ كان قد صان نفسه عن كفران النعمة، وفعلما هو واجب عليه من شكر نعمة الله عليه. {وَمَن كَفَرَ }: أي فضل الله ونعمته عليه، فإن ربي غنيعن شكره، لا يعود منفعتها إلى الله، لأنه هو الغني المطلق الكريم بالإنعام على من كفر نعمته. والظاهر أن قوله:{فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ } هو جواب الشرط، ولذلك أضمر فاء في قوله: {غَنِىٌّ }، أي عن شكره. ويجوز أنيكون الجواب محذوفاً دل عليه ما قبله من قسيمة، أي ومن كفر فلنفسه، أي ذلك الكفر عائد عقابه إليه. ويجوزأن تكون ما موصولة، ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط. {قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا }. روي أن الجنأحست من سليمان، أو ظنت به أنه ربما تزوج بلقيس، فكرهوا ذلك ورموها عنده بأنها غير عاقلة ولا مميزة، وأنرجلها كحافر دابة، فجرب عقلها وميزها بتنكير العرش، ورجلها بالصرح، لتكشف عن ساقيها عنده. وتنكير عرشها، قال ابن عباس ومجاهدوالضحاك: بأن زيد فيه ونقص منه. وقيل: بنزع ما عليه من الفصوص والجواهر. وقيل: يجعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره. والتنكير:جعله متنكراً متغيراً عن شكله وهيئته، كما يتنكر الرجل للناس حتى لا يعرفوه. وقرأ الجمهور: ننظر: بالجزم على جواب الأمر.وقرأ أبو حيوة: بالرفع على الاستئناف. أمر بالتنكير، ثم استأنف الإخبار عن نفسه بأنه ينظر، ومتعلق أتهتدي محذوف. والظاهر أنهأتهتدي لمعرفة عرشها ولا يجعل تنكيره قادحاً في معرفتها له فيظهر بذلك فرط عقلها وأنها لم يخف عليه حال عرشهاوإن كانوا قد راموا الإخفاء أو أتهتدي للجواب المصيب إذا سئلت عنه، أو أتهتدي للإيمان بنبوة سليمان عليه السلام إذارأت هذا المعجز من نقل عرشها من المكان الذي تركته فيه وغلقت الأبواب عليه وجعلت له حراساً. {فَلَمَّا جَاءتْ}، في الكلام حذف، أي فنكروا عرشها ونظروا ما جوابها إذا سئلت عنه. {فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ }: أيمثل هذا العرش الذي أنت رأيتيه عرشك الذي تركتيه ببلادك؟ ولم يأت التركيب: أهذا عرشك؟ جاء بأداة التشبيه، لئلا يكونذلك تلقيناً لها. ولما رأته على هيئة لا تعرفها فيه، وتميزت فيه أشياء من عرشها، لم تجزم بأنه هو، ولانفته النفي البالغ، بل أبرزت ذلك في صورة تشبيهية فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ }، وذلك من جودة ذهنها، حيث لم تجزمفي الصورة المحتملة بأحد الجائزين من كونه إياه أو من كونه ليس إياه، وقابلت تشبيههم بتشبيهها. والظاهر أن قوله: {وَأُوتِينَاٱلْعِلْمَ } إلى قوله: {مِن قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ } ليس من كلام بلقيس، وإن كان متصلاً بكلامها. فقيل: من كلام سليمان.وقيل: من كلام قوم سليمان وأتباعه. فإن كان من قول سليمان فقيل: العلم هنا مخصوص، أي وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئهاطائعة. {مِن قَبْلِهَا } أي من قبل مجيئها. {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ }: موحدين خاضعين. وقال ابن عطية: وفي الكلام حذف تقديرهكأنه هو، وقال سليمان عند ذلك: {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا } الآية، قال ذلك على جهة تعديد نعم الله تعالى،وإنما قال ذلك بما علمت هي وفهمت، ذكر هو نعمة الله عليه وعلى آبائه. انتهى ملخصاً. وقال الزمخشري: وأوتينا العلممن كلام سليمان وملائه، فإن قلت: علام عطف هذا الكلام وبما اتصل؟ قلت: لما كان المقام الذي سئلت فيه عنعرشها، وأجابت بما أجابت به مقاماً، أجرى فيه سليمان وملأه ما يناسب قولهم: {وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ }، نحو أن يقولوا عندقولها: {كَأَنَّهُ هُوَ }، قد أصابت في جوابها، فطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحةالنبوّة بالآيات التي تقدمت عند وفدة المنذر. وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحنالعلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان ما جاء من عنده قبل علمها، ولم نزل نحن على دين الإسلام، شكروا اللهعلى فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها وصدها عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة.ويجوز أن يكون من كلام بلقيس موصولاً بقولها {كَأَنَّهُ هُوَ }، والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبلهذه المعجزة، أو قبل هذه الحالة، يعني ما تبينت من الآيات عند وفدة المنذر ودخلنا في الإسلام. ثم قال اللهتعالى: {وَصَدَّهَا } قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل. وقيل: وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبدبتقدير حذف الجار واتصال الفعل. انتهى. أما قوله: ويجوز أن يكون من كلام بلقيس، فهو قول قد تقدم إليه علىسبيل التعيين لا الجوار. قيل: والمعنى وأوتينا العلم بصحة نبوته بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبل هذه المعجزة،يعني إحضار العرش. وكنا مسلمين مطيعين لأمرك منقادين لك. والظاهر أن الفاعل بصدّها هو قوله: {مَا كَانَت تَّعْبُدُ }، وكونهالله أو سليمان، وما مفعول صدّها على إسقاط حرف الجر، قاله الطبري، وهو ضعيف لا يجوز إلا في ضرورة الشعر،نحو قوله

:تمـرون الديـار ولـم تعوجوا    

أي عن الديار، وليس من مواضع حذف حرف الجر. وإذاكان الفاعل هو ما كانت بالمصدود عنه، الظاهر أنه الإسلام. وقال الرماني: التقدير التفطن للعرش، لأن المؤمن يقظ والكافر خبيث.والظاهر أن قوله: {وَصَدَّهَا } معطوف على قوله: {وَأُوتِينَا }، إذا كان من كلام سليمان، وإن كان يحتمل ابتداء إخبارمن الله تعالى لمحمد نبيه ولأمته. وإن كان وأوتينا من كلام بلقيس، فالظاهر أنه يتعين كونه من قول الله تعالىوقول من قال إنه متصل بقوله: {أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ }. والواو في صدها للحال، وقد مضمرةمرغوب عنه لطول الفصل بينهما، ولأن التقديم والتأخير لا يذهب إليه إلا عند الضرورة. وقرأ الجمهور: إنها بكسر الهمزة، وسعيدبن جبير، وابن أبي عبلة: بفتحها، فإما على تقدير حرف الجر، أي لأنها، وإما على أن يكون بدلاً من الفاعلالذي هو ما كانت تعبد. قال محمد بن كعب القرظي وغيره: لما وصلت بلقيس، أمر سليمان الجن فصنعت لهصرحاً، وهو السطح في الصحن من غير سقف، وجعلته مبنياً كالصهريج ومليء ماء، وبث فيه السمك والضفادع، وجعل لسليمان فيوسطه كرسي. فلما وصلته بلقيس، {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى } إلى النبي عليه السلام، فرأت اللجة وفزعت، ولم يكن لها بدمن امتثال الأمر، فكشفت عن ساقيها، فرأى سليمان ساقيها سليمتين مما قالت الجن. فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان:{إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مّن قَوارِيرَ }، وعند ذلك استسلمت بلقيس وأدغنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم. وفي هذه الحكاية زيادة،وهو أنه وضع سريره في وصدره وجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس. قال الزمخشري: وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماًلأمره وتحققاً لنبوته وثباتاً على الدين. انتهى. والصرح: كل بناء عال، ومنه:

{ ٱبْنِ لِى صَرْحاً لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلاْسْبَـٰبَ }

وهو من التصريح، وهو الإعلان البالغ. وقال مجاهد: الصرح هنا: البركة. وقال ابن عيسى: الصحن، وصرحة الدار: ساحتها. وقيل:الصرح هنا: القصر من الزجاج؛ وفي الكلام حذف، أي فدخلته امتثالاً للأمر. واللجة: الماء الكثير. وكشف ساقيها عادة من كانلابساً وأراد أن يخوض الماء إلى مقصد له، ولم يكن المقصود من الصرح إلا تهويل الأمر، وحصل كشف الساق علىسبيل التبع، إلا أن يصح ما روي عن الجن أن ساقها ساق دابة بحافر، فيمكن أن يكون استعلام ذلك مقصوداً.وقرأ ابن كثير: قيل في رواية الأخريط وهب بن واضح عن سأقيها بالهمز، قال أبو علي: وهي ضعيفة، وكذلك فيقراءة قنبل: يكشف عن سأق، وأما همز السؤق وعلى سؤقه فلغة مشهورة في همز الواو التي قبلها ضمة. حكى أبوعلي أن أبا حية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة، وأنشد

:أحب المؤقديـن إلى موسى    

والظاهر أن الفاعل قال هو سليمان، ويحتمل أن يكون الفاعل هو الذي أمرها بدخول الصرح. وظلمها نفسها، قيل: بالكفر،وقيل: بحسبانها أن سليمان أراد أن يعرفها. وقال ابن عطية: ومع، ظرف بني على الفتح، وأما إذا أسكنت العين فلاخلاف أنه حرف جاء لمعنى. انتهى، والصحيح أنها ظرف، فتحت العين أو سكنت، وليس التسكين مخصوصاً بالشعر، كما زعم بعضهم،بل ذلك لغة لبعض العرب، والظرفية فيها مجاز، وإنما هو اسم يدل على معنى الصحبة.

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } * { قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } * { قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } * { وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } * { قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } * { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } * { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } * { وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } * { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } * { أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } * { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } * { فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } * { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ } * { قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } * { أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } * { أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } * { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } * { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } * { أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } * { بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ } * { لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } * { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } * { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } * { وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } * { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } * { وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ } * { إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } * { فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ } * { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } * { وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ } * { وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ } * { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ } * { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ } * { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } * { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } * { وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } * { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ } * { وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ } * { وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[عدل]

والحديقة: البستان، كان عليه جدار أو لم يكن. الحاجز: الفاصل بين الشيئين. الفوج:الجماعة. الجمود: سكون الشيء وعدم حركته. الإتقان: الإتيان بالشيء على أحسن حالاته من الكمال والإحكام في الخلق، وهو مشتق منقول العرب: تقنوا أرضهم إذا أرسلوا فيها الماء الخاثر بالتراب فتجود، والتقن: ما رمي به الماء في الغدير، وهو الذييجيء به الماء من الخثورة. كبيت الرجل: ألقيته لوجهه. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَاهُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَـاءادَمُ * قَوْمٍ لَّمْ * تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَفِى ٱلاْرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ *وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْخَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }. ثمود هي عادالأولى، وصالح أخوهم في النسب. لما ذكر قصة موسى وداود وسليمان، وهم من بني إسرائيل، ذكر قصة من هو منالعرب، يذكر بها قريشاً والعرب، وينبههم أن من تقدم من الأنبياء من العرب كان يدعو إلى إفراد الله تعالى بالعبادة،ليعلموا أنهم في عبادة الأصنام على ضلالة، وأن شأن الأنبياء عربهم وعجمهم هو الدعاء إلى عبادة الله، وإن في: {أَنِٱعْبُدُواْ } يجوز أن تكون مفسرة، لأن {أَرْسَلْنَا } تتضمن معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية، أي بأن اعبدوا، فحذفحرف الجر، فعلى الأول لا موضع لها من الإعراب، وعلى الثاني ففي موضعها خلاف، أهو في موضع نصب أم فيموضع جر؟ والظاهر أن الضمير في {فَإِذَا هُم } عائد على {ثَمُودُ }، وأن قومه انقسموا فريقين: مؤمناً وكافراً، وقدجاء ذلك مفسراً في سورة الأعراف في قوله:

{ قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ }

وقال الزمخشري: أريد بالفريقين: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد. انتهى. فجعل الفريق الواحد هو صالح، والفريق الآخرقومه، وإذا هنا هي الفجائية، وعطف بالفاء التي تقتضي التعقيب لا المهلة، فكان المعنى: أنهم بادروا بالاختصام، متعقباً دعاء صالحإياهم إلى عبادة الله. وجاء {يَخْتَصِمُونَ } على المعنى، لأن الفريقين جمع، فإن كان الفريقان من آمن ومن كفر، فالجمعيةحاصلة في كل فريق، ويدل على أن فريق المؤمن جمع قوله:

{ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِٱلَّذِى }

فقال: آمنتم،وهو ضمير الجمع. وإن كان الفريق المؤمن هو صالح وحده، فإنه قد انضم إلى قومه، والمجموع جمع، وأوثر يختصمون علىيختصمان، وإن كان من حيث التثنية جائرا فصيحاً، لأنه مقطع فصل، واختصاصهم دعوى كل فريق أن الحق معه، وقد ذكرالله تخاصمهم في سورة الأعراف. ثم تلطف صالح بقومه ورفق بهم في الخطاب فقال منادياً لهم على جهة التحننعليهم: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيّئَةِ }، أي بوقوع ما يسوؤكم قبل الحالة الحسنة، وهي رحمة الله. وكان قد قال لهم فيحديث الناقة:

{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

فقالوا له:

{ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ }

وقيل: لمتستعجلون بوقوع المعاصي منكم قبل الطاعة؟ قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة؟ وإنما يكون ذلك إذاكانتا متوقعتين إحداهما قبل الأخرى؟ قلت: كانوا يقولون بجهلهم: إن العقوبة التي يعدنا صالح، إن وقعت على زعمه، تبنا حينئذواستغفرنا، مقدرين أن التوبة مقبولة في ذلك الوقت، وإن لم تقع، فنحن على ما نحن عليه، فخاطبهم صالح عليه السلامعلى حسب قولهم واعتقادهم. انتهى. ثم حضهم على ما فيه درء السيئة عنهم، وهو الإيمان واستغفار الله مما سبق منالكفر، وناط ذلك يترجى الرحمة، ولم يجزم بأنه يترتب على استغفارهم. وكان في التحضيض تنبيه على الخطأ منهم في استعجالالعقوبة، وتجهيل لهم في اعتقادهم. ولما لاطفهم في الخطاب أغلظوا له وقالوا: {ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ }: أي تشاءمنا بك وبالذين آمنوا معك. ودل هذا العطف على أن الفريقين كانوا مؤمنين وكافرين لقوله: {وَبِمَن مَّعَكَ }، وكانوا قدقحطوا. وتقدم الكلام في معنى التطير في سورة الأعراف، جعلوا سبب قحطهم هو ذات صالح ومن آمن معه، فرد عليهمبقوله: {طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ }: أي حظكم في الحقيقة من خير أو شر هو عند الله وبقضائه، إن شاء رزقكم،وإن شاء حرمكم. وقال الزمخشري: ويجوز أن يريد عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة،ومنه طائركم معكم، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه. وقرىء: تطيرنا بك على الأصل، ومعنى تطير به: تشاءم به، وتطيرمنه: نفر عنه. انتهى. ثم انتقل إلى الإخبار عنهم بحالهم فقال: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ }، أي تختبرون، أو تعذبون،أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة، أو تفتنون بشهواته: أي تشفعون بها، كما يقال: فتن فلان بفلان. وقال الشاعر

: داء قديم في بني آدم     فتنة إنسان بإنسان

وهذهأقوال يحتملها لفظ تفتنون، وجاء تفتنون بتاء الخطاب على مراعاة أنتم، وهو الكثير في لسان العرب. ويجوز يفتنون بياء الغيبةعلى مراعاة لفظ قوم، وهو قليل. تقول العرب: أنت رجل تأمر بالمعروف، بتاء الخطاب وبياء الغيبة. والمدينة مجتمع ثمود وقريتهم،وهي الحجر. وذكر المفسرون أسماء التسعة، وفي بعضها اختلاف، ورأسهم: قدار بن سالف، وأسماؤهم لا تنضبط بشكل ولا تتعين، فلذلكضربنا صفحاً عن ذكرها، وكانوا عظماء القرية وأغنياءها وفساقها. والرهط: من الثلاثة إلى العشرة، والنفر: من الثلاثة إلى التسعة، واتفقالمفسرون على أن المعنى: تسعة رجال. وقال الزمخشري: إنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل: تسعةأنفس. انتهى. وتقدير غيره: تسعة رجال هو الأولى، لأنه من حيث أضاف إلى أنفس كان ينبغي أن يقول: تسع أنفس،على تأنيث النفس، إذ الفصيح فيها التأنيث. ألا تراهم عدواً من الشذوذ قول الشاعر

:ثلاثـة أنفس وثـلاث ذود    

فأدخل التاء في ثلاثة؛ وكان الفصيح أن يقول: ثلاث أنفس. وقال أبو عبد الله الرازي: الأقرب أن يكونالمراد تسعة جمع، إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد،لاختلاف صفاتهم وأحوالهم، لا لاختلاف أجناسهم. انتهى. قيل: والرهط اسم الجماعة، وكأنهم كانوا رؤساء، مع كل واحد منهم رهط. وقالالكرماني: وأصله من الترهيط، وهو تعظيم اللقم وشدة الأكل. انتهى. ورهط: اسم جمع، واتفقوا على أن فصله بمن هو الفصيحكقوله تعالى:

{ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ }

واختلفوا في جواز إضافة العدد إليه، فذهب الأخفش إلى أنه لا ينقاس،وما ورد من الإضافة إليه فهو على سبيل الندور. وقد صرح سيبويه أنه لا يقال: ثلاث غنم، وذهب قوم إلىأنه يجوز ذلك وينقاس، وهو مع ذلك قليل، وفصل قوم بين أن يكون اسم الجمع للقليل، كرهط ونفر وذود، فيجوزأن يضاف إليه، أو للتكثير، أو يستعمل لهما، فلا تجوز إضافته إليه، وهو قول المازني، وقد أطلنا الكلام في هذهالمسألة في (شرح التسهيل). و{يُفْسِدُونَ }: صفة لتسعة رهط، والمعنى: أنهم يفسدون الفساد العظيم الذي لا يخالطه شيء منالإصلاح، فلذلك قال: {وَلاَ يُصْلِحُونَ }، لأن بعض من يقع منه إفساد قد يقع منه إصلاح في بعض الأحيان. وقرأالجمهور: تقاسموا، وابن أبي ليلى: تقسموا، بغير ألف وتشديد السين، وكلاهما من القسم والتقاسم والتقسيم، كالتظاهر والتظهير. والظاهر أن قوله{تَقَاسَمُواْ } فعل أمر محكي بالقول، وهو قول الجمهور، أشار بعضهم على بعض بالحلف على تبييت صالح. وأجاز الزمخشري وابنعطية أن يكون تقاسموا فعلاً ماضياً في موضع الحال، أي قالوا متقاسمين. قال الزمخشري: تقاسموا يحتمل أن يكون أمراً وخبراًعلى محل الحال بإضمار قد، أي قالوا: متقاسمين. انتهى. أما قوله: وخبراً، فلا يصح لأن الخبر هو أحد قسمي الكلام،إذ هو منقسم إلى الخبر والإنشاء، وجميع معانيه إذا حققت راجعة إلى هذين القسمين. وقال بعد ذلك وقرىء لنبيتنه بالياءوالتاء والنون، فتقاسموا مع النون والتاء يصح فيه الوجهان، يعني فيه: أي في تقاسموا بالله، والوجهان هما الأمر والخبر عنده.قال: ومع الياء لا يصح إلا أن يكون خبراً. انتهى. والتقييد بالحال ليس إلا من باب نسبة التقييد، لا مننسبة الكلام التي هي الإسناد، فإذا أطلق عليها الخير، كان ذلك على تقدير أنها لو لم تكن حالاً لجاز أنتستعمل خبراً، وكذلك قولهم في الجملة الواقعة قبله صلة أنها خبرية هو مجاز، والمعنى: أنها لو لم تكن صلة، لجازأن تستعمل خبراً، وهذا شيء فيه غموض، ولا يحتاج إلى الإضمار، فقد كثر وقوع الماضي حالاً بغير قد كثرة ينبغيالقياس عليها. وعلى هذا الإعراب، احتمل أن يكون {بِٱللَّهِ } متعلقاً بتقاسموا الذي هو حال، فهو من صلته ليس داخلاًتحت القول. والمقول: {لَنُبَيّتَنَّهُ } وما بعده احتمل أن يكون هو وما بعده هو المقول. وقرأ الجمهور: {لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُثُمَّ لَنَقُولَنَّ } بالنون فيهما، والحسن، وحمزة، والكسائي: بتاء خطاب الجمع؛ ومجاهد، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش: بياء الغيبة، والفعلان مسندانللجمع؛ وحميد بن قيس: بياء الغيبة في الأول مسنداً للجمع، أي ليبيتنه، أي قوم منا، وبالنون في الثاني، أي جميعناما يقول لوليه، والبيات: مباغتة العدو. وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من عادة الملوك استراق الظفر، ووليهطالب ثأره إذا قتل. وقرأ الجمهور: مهلك، بضم الميم وفتح اللام من أهلك. وقرأ حفص: مهلك، بفتح الميم وكسر اللام،وأبو بكر: بفتحهما. فأما القراءة الأولى فتحتمل المصدر والزمان والمكان، أي ما شهدنا إهلاك أهله، أو زمان إهلاكهم، أو مكانإهلاكهم. ويلزم من هذين أنهم إذا لم يشهدوا الزمان ولا المكان أن لا يشهدوا الإهلاك. وأما القراءة الثانية فالقياس يقتضيأن يكون للزمان والمكان، أي ما شهدنا زمان هلاكهم ولا مكانة. والثالثة: تقتضي القياس أن يكون مصدراً، أي ما شهدناهلاكه. وقال الزمخشري: وقد ذكروا القراءات الثلاثة، قال: ويحتمل المصدر والزمان والمكان. انتهى. والظاهر في الكلام حذف معطوف بدل عليهما قبله، والتقدير: ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه، ودل عليه قولهم: {لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ }، وما روي أنهم كانوا عزموا علىقتله وقتل أهله، وحذف مثل هذا المعطوف جائز في الفصيح، كقوله: سرابيل تقيكم الحر، أي والبرد، وقال الشاعر

: لما كان بين الخير لو جاء سالما     أبو حجر إلا ليال قلائل

أيبين الخير وبيني، ويكون قولهم: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } كذباً في الإخبار، أوهموا قومهم أنهم إذا قتلوه وأهله سراً، ولم يشعربهم أحد، وقالوا تلك المقالة، أنهم صادقون وهم كاذبون. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوافأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ قلت: كأنهم اعتقدوا إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله، فجمعوا بين البياتين، ثم قالوا: {مَاشَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ }، فذكروا أحدهما كانوا صادقين، فإنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما. وفي هذا دليل قاطع على أنالكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه، ولا يخطر ببالهم. ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله، ولميروا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سوّوا الصدق في أنفسهم حيلة ينقصون بها عن الكذب؟ انتهى. والعجب من هذاالرجل كيف يتخيل هذه الحيل في جعل إخبارهم {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } إخباراً بالصدق؟ وهو يعلم أنهم كذبوا صالحاً، وعقروا الناقةالتي كانت من أعظم الآيات، وأقدموا على قتل نبي وأهله؟ ولا يجوز عليهم الكذب، وهو يتلو في كتاب الله كذبهمعلى أنبيائهم. ونص الله ذلك، وكذبهم على من لا تخفى عليه خافية،

{ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ }

وهو قولهم،

{ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }

وقول الله تعالى:

{ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ }

وإنما هذا منهتحريف لكلام الله تعالى، حتى ينصر مذهبه في قوله: إن الكذب قبيح عند الكفرة، ويتحيل لهم هذا التحيل حتى يجعلهمصادقين في إخبارهم. وهذا الرجل، وإن كان أوتي من علم القرآن، أوفر حظ، وجمع بين اختراع المعنى وبراعة اللفظ. ففيكتابه في التفسير أشياء منتقدة، وكنت قريباً من تسطير هذه الأحرف قد نظمت قصيداً في شغل الإنسان نفسه بكتاب الله،واستطردت إلى مدح كتاب الزمخشري، فذكرت شيئاً من محاسنه، ثم نبهت على ما فيه مما يجب تجنبه، ورأيت إثبات ذلكهنا لينتفع بذلك من يقف على كتابي هذا ويتنبه على ما تضمنه من القبائح، فقلت بعد ذكر ما مدحته به

: ولكنه فيه مجال لناقد     وزلات سوء قد أخذن المخانقا فيثبت موضوع الأحاديث جاهلا
ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا ويشتم أعلام الأئمة ضلة     ولا سيما إن أولجوه المضايقا ويسهب في المعنى الوجيز دلالة
بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا يقول فيها الله ما ليس قائلا     وكان محباً في الخطابة وامقا ويخطىء في تركيبه لكلامه
فليس لما قد ركبوه موافقا وينسب إبداء المعاني لنفسه     ليوهم أغماراً وإن كان سارقا ويخطىء في فهم القرآن لأنه
يجوز إعراباً أبى أن يطابقا وكم بين من يؤتى البيان سليقة     وآخر عاناه فما هو لاحقا ويحتال للألفاظ حتى يديرها
لمذهب سوء فيه أصبح مارقا فيا خسرة شيخاً تخرق صيته     مغارب تخريق الصبا ومشارقا لئن لم تداركه من الله رحمة

ومكرهم: ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيلالاستعارة، ومكرهم: أنبائهم أنهم مسافرون واختفاؤهم في غار. قيل: أو شعب، أو عزمهم على قتله وقتل أهله، وحلفهم أنهم ماحضروا ذلك. ومكر الله بهم: إطباق صخرة على فم الغار والشعب وإهلاكهم فيه، أو رمي الملائكة إياهم بالحجارة، يرونها ولايرون الرامي حين شهروا أسيافهم بالليل ليقتلوه، قولان. وقيل: إن الله أخبر صالحاً بمكرهم فيخرج عنه، فذلك مكر الله فيحقهم. وروي أن صالحاً، بعد عقر الناقة، أخبرهم بمجيء العذاب بعد ثلاثة أيام، فاتفق هؤلاء التسعة على قتل صالح وأهلهليلاً وقالوا: إن كان كاذباً في وعيده، كنا قد أوقعنا به ما يستحق؛ وإن كان صادقاً، كنا قد عجلناه قبلناوشفينا نفوسنا. واختفوا في غار، وأهلكم الله، كما تقدم ذكره، وأهلك قومهم، ولم يشعر كل فريق بهلاك الآخر. والظاهر أنكيف خبر كان، وعاقبة الاسم، والجملة في موضع نصب بانظر، وهي معلقة، وقرأ الجمهور: إنا، بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأالحسن، وابن أبي إسحاق، والكوفيون: بفتحها، فأنا بدل من عاقبة، أو خبر لكان، ويكون في موضع الحال، أو خبر مبتدأمحذوف، أي هي، أي العاقبة تدميرهم. أو يكون التقدير: لأنا وحذف حرف الجر. وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون {كَانَ} تامة و{عَـٰقِبَةُ } فاعل بها، وأن تكون زائدة وعاقبة مبتدأ خبره {كَيْفَ }. وقرأ أبي: أن دمّرناهم، وهي أنالتي من شأنها أن تنصب المضارع، ويجوز فيها الأوجه الجائزة في أنا، بفتح الهمزة. وحكى أبو البقاء: أن بعضهم أجازفي {أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ } في قراءة من فتح الهمزة أن تكون بدلاً من كيف، قال: وقال آخرون: لا يجوز، لأنالبدل من الاستفهام يلزم فيه إعادة حرفه، كقوله: كيف زيد، أصحيح أم مريض؟ ولما أمر تعالى بالنظر فيما جرىلهم من الهلاك في أنفسهم، بين ذلك بالإشارة إلى منازلهم وكيف خلت منهم، وخراب البيوت وخلوها من أهلها، حتى لايبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة، إذ يدل ذلك على استئصالهم. وفي التوراة: ابن آدم لا تظلم يخرب بيتك،وهو إشارة إلى هلاك الظالم، إذ خراب بيته متعقب هلاكه، وهذه البيوت هي التي قال فيها رسول الله صلى اللهعليه وسلم لأصحابه، عام تبوك: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين الحديث. وقرأ الجمهور: خاوية،بالنصب على الحال. قال الزمخشري: عمل فيها ما دل عليه تلك. وقرأ عيسى بن عمر: خاوية، بالرفع. قال الزمخشري: علىخبر المبتدأ المحذوف، وقاله ابن عطية، أي هي خاوية، قال: أو على الخبر عن تلك، وبيوتهم بدل، أو على خبرثان، وخاوية خبرية بسبب ظلمهم، وهو الكفر، وهو من خلو البطن. وقال ابن عباس: خاوية، أي ساقط أعلاها على أسفلها.{إِنَّ فِى ذَلِكَ }: أي في فعلنا بثمود، وهو استئصالنا لهم بالتدمير، وخلاء مساكنهم منهم، وبيوتهم هي بوادي القرى بينالمدينة والشام. {وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، أي بصالح من العذاب الذي حل بالكفار، وكان الذين آمنوا به أربعة آلاف،خرج بهم صالح إلى حضرموت، وسميت حضرموت لأن صالحاً عليه السلام لما دخلها مات بها، وبنى المؤمنون بها مدينة يقاللها: حاضورا. وأما الهالكون فخرج بأبدانهم خراج مثل الحمص، احمر في اليوم الأول، ثم اصفر في الثاني، ثم اسود فيالثالث، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلكوا يوم الأحد. قال مقاتل: تفتقت تلك الخراجات، وصاح جبريل عليه السلام بهم صيحةفحمدوا. {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ * شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَاء بَلْأَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ *فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ }. {وَلُوطاً }: عطف على{صَـٰلِحاً }، أي وأرسلنا لوطاً، أو على {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، أي وأنجينا لوطاً، أو باذكر مضمرة، وإذ بدل منه، أقوال.و{أَتَأْتُونَ }: استفهام إنكار وتوبيخ، وأبهم أولاً في قوله: {ٱلْفَـٰحِشَةُ }، ثم عينها في قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ }، وقوله:{وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ }: أي تعلمون قبح هذا الفعل المنكر الذي أحدثتموه، وأنه من أعظم الخطايا، والعلم بقبح الشيء مع إتيانهأعظم في الذنب، أو آثار العصاة قبلكم، أو ينظر بعضكم إلى بعض لا يستتر ولا يتحاشى من إظهار ذلك مجانةوعدم اكتراث بالمعصية الشنعاء، أقوال ثلاثة. وانتصب {شَهْوَةً } على أنه مفعول من أجله، و{تَجْهَلُونَ } غلب فيه الخطاب، كماغلب في {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ }. ومعنى: {تَجْهَلُونَ }، أي عاقبة ما أنتم عليه، أو تفعلون فعل السفهاء المجان،أو فعل من جهل أنها معصية عظيمة مع العلم أقوال. ولما أنكر عليهم ونسب إلى الجهل، ولم تكن لهم حجةفيما يأتونه من الفاحشة، عدلوا إلى المغالبة والإيذاء، وتقدم معنى يتطهرون في الأعراف. وقرأ الجمهور: {جَوَابَ } بالنصب؛ والحسن، وابنأبي إسحاق: بالرفع، والجمهور: {قَدَّرْنَـٰهَا }، بتشديد الدال؛ وأبو بكر بتخفيفها، وباقي الآية تقدم تفسير نظيره في الأعراف. وساء: بمعنىبئس، والمخصوص بالذم محذوف، أي مطرهم. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى * ٱللَّهِ خَيْرٌ *أَمَّا يُشْرِكُونَ* أَمَّنْ خَلَقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْأَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ }. لما فرغ من قصص هذه السورة، أمر رسوله ﷺبحمده تعالى والسلام على المصطفين، وأخذ في مباينة واجب الوجود، الله تعالى، ومباينة الأصنام والأديان التي أشركوها مع الله وعبدوها.وابتدأ في هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمدلة، وكأنها صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة. وقداقتدى بذلك المسلمون في تصانيف كتبهم وخطبهم ووعظهم، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على محمد رسول الله ﷺ،وتبعهم المترسلون في أوائل كتب الفتوح والتهاني والحوادث التي لها شأن. وقيل: هو متصل بما قبله، وأمر الرسول عليه السلامبتحميد الله على هلاك الهالكين من كفار الأمم، والسلام على الأنبياء وأتباعهم الناجين. وقيل: {قُلْ }، خطاب للوط عليهالسلام أن يحمد الله على هلاك كفار قومه، {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى }. وعزا هذا القول ابن عطية للفراء،وقال: هذه عجمة من الفراء. وقرأ أبو السمال: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ }، وكذا: قل الحمد لله سيريكم، بفتح اللام، وعبادهالمصطفون، يعم الأنبياء وأتباعهم. وقال ابن عباس: العباد المسلم عليهم هم أصحاب رسول الله ﷺ، اصطفاهم لنبيه،وفي اختصاصهم بذلك توبيخ للمعاصرين من الكفار. وقال أبو عبد الله الرازي: لما ذكر تعالى أحوال الأنبياء، وأن من كذبهماستؤصل بالعذاب، وأن ذلك مرتفع عن أمة الرسول، أمره تعالى بحمده على ما خصه من هذه النعمة، وتسليمه على الأنبياءالذين صبروا على مشاق الرسالة. انتهى، وفيه تلخيص. وقوله: {ٱللَّهِ خَيْرٌ * أَمَّا يُشْرِكُونَ }: استفهام فيه تبكيتوتوبيخ وتهكم بحالهم، وتنبيه على موضع التباين بين الله تعالى وبين الأوثان، إذ معلوم عند من له عقل أنه لاشركة في الخيرية بين الله تعالى وبينهم، وكثيراً ما يجيء هذا النوع من أفعل التفضيل حيث يعلم ويتحقق أنه لاشركه فيها وإنما يذكر على سبيل إلزام الخصم وتنبيهه على خطا مرتكبه. والظاهر أن هذا الاستفهام هو عن خبرية الذوات،فقيل: جاء على اعتقاد المشركين حيث اعتقدوا في آلهتهم خيراً بوجه مّا، وقيل: في الكلام حذف في موضعين، التقدير: أتوحيدالله خير أم عبادة ما يشركون؟ فيما في أم ما بمعنى الذي. وقيل: ما مصدرية، والحذف من الأول، أي أتوحيدالله خير أم شرككم؟ وقيل: خير ليست للتفضيل، فهي كما تقول: الصلاة خير، يعني خيراً من الخيور. وقيل: التقدير ذوخير. والظاهر أن خيراً أفعل التفضيل، وأن الاستفهام في نحو هذا يجيء لبيان فساد ما عليه الخصم، وتنبيهه على خطئه،وإلزامه الإقرار بحصر التفضيل في جانب واحد، وانتفائه عن الآخر، وقرأ الجمهور: تشركون، بتاء الخطاب؛ والحسن، وقتادة، وعاصم، وأبو عمرو:بياء الغيبة. وأم في أم ما متصلة، لأن المعنى: أيهما خير؟ وفي {أَم مَّنْ خَلَقْنَا } وما بعده منفصلة. ولماذكر الله خيراً، عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عدّدها في غير موضع من كتابه، توقيفاًلهم على ما أبدع من المخلوقات، وأنهم لا يجدون بداً من الإقرار بذلك لله تعالى. وقرأ الجمهور: {أَمَّنْ خَلَقَ}، وفي الأربعة بعدها بشد الميم، وهي ميم أم أدغمت في ميم من. وقرأ الأعمش: بتخفيفها جعلها همزة الاستفهام، أدخلتعلى من، ومن في القراءتين مبتدأ وخبره. قال ابن عطية: تقديره: يكفر بنعمته ويشك به، ونحو هذا من المعنى. وقدرهالزمخشري: خير أما يشركون، فقدّر ما أثبت في الاستفهام الأول؛ بدأ أولاً في الاستفهام باسم الذات، ثم انتقل فيه إلىالصفات. وقال أبو الفضل الرازي في (كتاب اللوامح) له: ولا بد من إضمار جملة معادلة، وصار ذلك المضمر كالمنطوق بهلدلالة الفحوى عليه. وتقدير تلك الجملة: أمن خلق السموات كمن لم يخلق، وكذلك أخواتها، وقد أظهر في غير هذا الموضعما أضمر فيها لقوله تعالى:

{ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ }

انتهى. وتسمية هذا المقدّر جملة، إن أراد بهاجملة من الألفاظ فهو صحيح، وإن أراد الجملة المصطلح عليها في النحو فليس كذلك، بل هو مضمر من قبيل المفرد.وبدأ تعالى بذكر إنشاء مقر العالم العلوي والسفلي، وإنزال ما به قوام العالم السفلي وقال: {لَكُمْ }، أي لأجلكم، علىسبيل الامتنان، وأن ذلك من أجلكم. ثم قال: {فَأَنبَتْنَا }، وهذا التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة دالاً علىاختصاصه بذلك، وأنه لم ينبت تلك الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح بماء واحد إلا هو تعالى. وقد رشح هذاالاختصاص بقوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا }. ولما كان خلق السموات والأرض، وإنزال الماء من السماء، لاشبهة للعاقل في أن ذلك لا يكون إلا لله، وكان الإنبات مما قد يتسبب فيه الإنسان بالبذر والسقي والتهيئة، ويسوغلفاعل السبب نسبة فعل المسبب إليه، بين تعالى اختصاصه بذلك بطريق الالتفات وتأكيد ذلك بقوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْشَجَرَهَا }. ألا ترى أن المتسبب لذلك قد لا يأتي على وفق مراده؟ ولو أتى فهو جاهل بطبعه ومقداره وكيفيته،فكيف يكون فاعلاً لها؟ والبهجة: الجمال والنضرة والحسن، لأن الناظر فيها يبتهج، أي يسر ويفرح. وقرأ الجمهور: {ذَاتُ }، بالإفراد،{بَهْجَةٍ }، بسكون الهاء، وجمع التكسير يجري في الوصف مجرى الواحدة، كقوله:

{ أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ }

وهو على معنى جماعة.وقرأ ابن أبي عبلة، ذوات، بالجمع، بهجة بتحريك الهاء بالفتح. {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا }: قد تقدمأن نفي مثل هذه الكينونة قد يكون ذلك لاستحالة وقوعه كهذا، أو لامتناع وقوعه شرعاً، أو لنفي الأولوية. والمعنى هنا:أن إنبات منكم محال، لأنه إبراز شيء من العدم إلى الوجود، وهذا ليس بمقدور إلا لله تعالى. ولما ذكر منتهعليهم، خاطبهم بذلك؛ ثم لما ذكر ذمّهم، عدل من الخطاب إلى الغيبة فقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }، إما التفاتاً،وإما إخباراً للرسول ﷺ بحالهم، أي يعدلون عن الحق، أو يعدلون به غيره، أي يجعلون له عديلاًومثيلاً. وقرىء: إلهاً، بالنصب، بمعنى: أتدعون أو أتشركون؟ وقرىء: أإله، بتخفيف الهمزتين وتليين الثانية، والفصل بينهما بألف. ولما ذكر تعالىأنه منشىء السموات والأرض، ذكر شيئاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهو إنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق بالأرض، ذكر شيئاًمختصاً بالأرض، وهو جعلها قراراً، أي مستقراً لكم، بحيث يمكنكم الإقامة بها والاستقرار عليها، ولا يديرها الفلك، قيل: لأنها مضمحلةفي جنب الفلك، كالنقطة في الرحى. {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا }: أي بين أماكنها، في شعابها وأوديتها، {أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ}: أي جبالا ثوابت حتى لا تتكفأ بكم وتميد. والبحران: العذب والملح، والحاجز: الفاصل، من قدرته تعالى، قاله الضحاك. وقالمجاهد: بحر السماء والأرض، والحاجز من الهواء. وقال الحسن: بحر فارس والروم، وقال السدّي: بحر العراق والشام، والحاجز من الأرض.قال ابن عطية: مختاراً لهذا القول في الحاجز: هو ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها، على رقتها فيبعض المواضع، ولطافتها التي لولا قدرته لبلع الملح العذب. وكان ابن عطية قد قدم أن البحرين: العذب بجملته، والماء الأجاجبجملته؛ ولما كانت كل واحدة منه عظيمة مستقلة، تكرر فيها العامل في قوله: {وَجَعَلَ }، فكانت من عطف الجمل المستقلكل واحدة منها بالامتنان، ولم يشرك في عامل واحد فيكون من عطف المفردات. ولأبي عبد الله الرازي في ذكر هذهالامتنانات الأربع كلام من علم الطبيعة، والحكماء على زعمه، خارج عن مذاهب العرب، يوقف عليه في كتابه. والمضطر: اسم مفعول،وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادث من حوادث الدهر إلى الالتجاء إلى الله والتضرع إليه، فيدعوه لكشف مااعتراه من ذلك وإزالته عنه. وقال ابن عباس: هو المجهود. وقال السدّي: هو الذي لا حول ولا قوة له. وقيل:هو المذنب إذا استغفر، وإجابته إياه مقرونة بمشيئته تعالى، فليس كل مضطر دعا يجيبه الله في كشف ما به. وقالالزمخشري: الإجابة موقوفة على أن يكون المدعو به مصلحة، ولهذا لا يحسن الدعاء إلا شارطاً فيه المصلحة. انتهى، وهو علىطريق الاعتزال في مراعاة المصلحة من الله تعالى. {وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء }: هو كل ما يسوء، وهو عام في كلضر انتقل من حالة المضطر، وهو خاص إليّ أعم، وهو ما يسوء، سواء كان المكشوف عنه في حالة الاضطرار أوفيما دونها. وخلفاء: أي الأمم السالفة، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو خلفاء النبي ﷺمن بعده، أو خلفاء الكفار في أرضهم، أو الملك والتسلط، أقوال. وقرأ الحسن في رواية: ونجعلكم بنون المتكلم، كأنه استئنافإخبار ووعد، كما قال تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاْرْضِ }. وقوله: {وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ٱلاْرْضِ }: انتقال من حالة المضطر إلىرتبة مغايرة لحالة الاضطرار، وهي حالة الخلافة، فهما ظرفان. وكم رأينا في الدنيا ممن بلغ حالة الاضطرار ثم صار ملكاًمتسلطاً. وقرأ الجمهور: تذكرون، بتاء الخطاب؛ والحسن، والأعمش، وأبو عمرو: بياء الغيبة، والذال في القراءتين مشددة لإدغام التاء فيها. وقرأأبو حيوة: تتذكرون، بتاءين. وظلمة البر هي ظلمة الليل، وهي الحقيقة، وتنطلق مجازاً على الجهل وعلى انبهام الأمر فيقال: أظلمعليّ الأمر. وقال الشاعر

:تجلت عمـايـات الرجـال عـن الصبـا    

أي جهالات الصبا وهداية البر تكون بالعلامات،وهداية البحر بالنجوم. {وَمَن يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ }: تقدم تفسير نظير هذه الجملة. وقرىء: عما تشركون،بتاء الخطاب. {أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ }: الظاهر أن الخلق هو المخلوق، وبدؤه: اختراعه وإنشاؤه. ويظهر أن المقصود هو من يعيدهالله في الآخرة من الإنس والجن والملك، لا عموم المخلوق. وقال ابن عطية: والمقصود بنو آدم من حيث ذكر الإعادة،والإعادة البعث من القبور، ويحتمل أن يريد بالخلق مصدر خلق، ويكون يبدأ ويعيد استعارة للإتقان والإحسان، كما تقول: فلان يبدىءويعيد في أمركذا إذا كان يتقنه. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف قال لهم أمن يبدأ الخلق ثم يعيده وهم منكرونالإعادة؟ قلت: قد أنعم عليهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار. انتهى. ولما كان إيجادبني آدم إنعاماً إليهم وإحساناً، ولا تتم النعمة إلا بالرزق قال: {وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء } بالمطر، {وٱلاْرْضِ } بالنبات؟{قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ }: أي أحضروا حجتكم ودليلكم على ما تدعون من إنكار شيء مما تقدم تقريره {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في أن مع الله إلهاً آخر. فأين دليلكم عليه؟ وهذا راجع إلى ما تقدم من جميع الاستفهام الذي جيءبه على سبيل التقرير، وناسب ختم كل استفهام بما تقدمه. لما ذكر إيجاد العالم العلوي والسفلي، وما امتن بهمن إنزال المطر وإنبات الحدائق، اقتضى ذلك أن لا يعبد إلا موجد العالم والممتن بما به قوام الحياة، فختم بقوله:{بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ }، أي عن عبادته، أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق مخترع. ولما ذكر جعل الأرضمستقراً، وتفجير الأنهار، وإرساء الجبال، وكان ذلك تنبيهاً على تعقل ذلك والفكر فيه، ختم بقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }،إذ كان فيهم من يعلم ويفكر في ذلك. ولما ذكر إجابة دعاء المضطر، وكشف السوء، واستخلافهم في الأرض، ناسب أنيستحضر الإنسان دائماً هذه المنة، فختم بقوله: قليلاً ما تذكرون، إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطرارهوكشف السوء عنه، كما قال:

{ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ }

ولما ذكر الهداية في الظلمات، وإرسالالرياح نشراً، ومعبوداتهم لا تهدي ولا ترسل، وهم يشركون بها الله، قال تعالى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ }. واعتقب كل واحدة منهذه الجمل قوله: {مَّعَ ٱلله بَلْ }، على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى. قيل: سألالكفار عن وقت القيامة التي وعدهم الرسول ﷺ، وألحوا عليه، فنزل: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى *ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }، الآية. والمتبادر إلى الذهن أن من فاعل يعلم، والغيب مفعول، وإلا الله استثناء منقطع لعدم اندراجه فيمدلول لفظ من، وجاء مرفوعاً على لغة تميم، ودلت الآية على أنه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب. وعن عائشة، رضيالله عنها: من زعم أن محمداً يعلم ما في غد، فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول: {قُل لاَّيَعْلَمُ مَن فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ *ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }، ولا يقال: إنه مندرج في مدلول من، فيكون في السمواتوالأرض ظرفاً حقيقياً للمخلوقين فيهما، ومجازياً بالنسبة إليه تعالى، أي هو فيها بعلمه، لأن في ذلك جمعاً بين الحقيقة والمجاز،وأكثر العلماء ينكر ذلك، وإنكاره هو الصحيح. ومن أجاز ذلك فيصح عنده أن يكون استثناء متصلاً، وارتفع على البدل أوالصفة، والرفع أفصح من النصب على الاستثناء، لأنه استثناء من نفي متقدم، والظاهر عموم الغيب. وقيل: المراد غيب الساعة.وقال الزمخشري: فإن قلت: ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟ يعني في كونه استثناء منقطعاً، إذ ليس مندرجاًتحت من، ولم أختر الرفع على لغة تميم، ولم نختر النصب على لغة الحجاز، قال: قلت: دعت إلى ذلك نكتةسرية، حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلا اليعافير، بعد قوله: ليس بها أنيس، ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان اللهممن في السموات والأرض، فهم يعلمون الغيب، يعني أن علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم. كما أنمعنى: ما في البيت إن كانت اليعافير أنيساً، ففيها أنيس بناء للقول بخلوها عن الأنيس. انتهى. وكان الزمخشري قد قدمقوله: فإن قلت: لم أرفع اسم الله، والله سبحانه أن يكون ممن في السموات والأرض؟ قلت: جاء على لغة بنيتميم، حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، كان أحداً لم يذكر، ومنه قوله

: عشية ما تغني الرماح مكانها     ولا النبل إلا المشرفي المصمم

وقوله: ما أتاني زيد إلاعمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه. انتهى. وملخصه أنه يقول: لو نصب لكان مندرجاً تحت المستثنى منه، وإذا رفع كانبدلاً، والمبدل منه في نية الطرح، فصار العامل كأنه مفرغ له، لأن البدل على نية تكرار العامل، فكأنه قيل: قللا يعلم الغيب إلا الله. ولو أعرب من مفعولاً، والغيب يدل منه، وإلا الله هو الفاعل، أي لا يعلم غيبمن في السموات والأرض إلا الله، أي الأشياء الغائبة التي تحدث في العالم، وهم لا يعلمون بحدوثها، أي لا يسبقعلمهم بذلك، لكان وجهاً حسناً، وكان الله تعالى هو المخصوص بسابق علمه فيما يحدث في العالم. وأيان: تقدم الكلام فيهافي أواخر الأعراف، وهي هنا اسم استفهام بمعنى متى، وهي معمولة ليبعثون ويشعرون معلق، والجملة التي فيها استفهام في موضعنصب به. وقرأ السلمي: إيان، بكسر الهمزة، وهي لغة قبيلته بني سليم. ولما نفى علم الغيب عنهم على العموم، نفىعنهم هذا الغيب المخصوص، وهو وقت الساعة والبعث، فصار منتفياً مرتين، إذ هو مندرج في عموم الغيب ومنصوص عليه بخصوصه.وقرأ الجمهور: {بَلِ ٱدرَكَ }، أصله ادارك، فأدغمت التاء في الدال فسكنت، فاجتلبت همزة الوصل. وقرأ أبي: أم تدارك،على الأصل، وجعل أم بدل. وقرأ سليمان بن يسار أخوه: بل ادّرك، بنقل حركة الهمزة إلى اللام، وشدّ الدال بناءعلى أن وزنه افتعل، فأدغم الدال، وهي فاء الكلمة في التاء بعد قلبها دالاً، فصار قلب الثاني للأول لقولهم: اثرد،وأصله اثترد من الثرد، والهمزة المحذوفة المنقول حركتها إلى اللام هي همزة الاستفهام، أدخلت على ألف الوصل فانحذفت ألف الوصل،ثم انحذفت هي وألقيت حركتها على لام بل. وقرأ أبو رجاء والأعرج، وشيبة، وطلحة، وتوبة العنبري: كذلك، إلا أنهمكسروا لام بل؛ وروي ذلك عن ابن عباس، وعاصم، والأعمش . وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وأهل مكة:بل ادرك، على وزن أفعل، بمعنى تفاعل، ورويت عن أبي بكر، عن عاصم. وقرأ عبد الله في رواية، وابن عباسفي رواية، وابن أبي جمرة، وغيره عنه، والحسن، وقتادة، وابن محيصن: بل آدرك، بمدة بعد همزة الاستفهام، وأصله أأدرك، فقلبالثانية ألفاً تخفيفاً، كراهة الجمع بين همزتين، وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه الرواية ووجهها. وقال أبو حاتم: لا يجوزالاستفهام بعد بل، لأن بل إيجاب، والاستفهام في هذا الموضع إنكار بمعنى: لم يكن كقوله تعالى:

{ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ }

أي لم يشهدوا، فلا يصح وقوعهما معاً للتنافي الذي بين الإيجاب والإنكار. انتهى. وقد أجاز بعض المتأخرين الاستفهام بعد بل،وشبهه بقول القائل: أخيراً أكلت بل أماء شربت؟ على ترك الكلام الأول والأخذ في الثاني. وقرأ مجاهد: أم ادرك، جعلأم بدل بل، وادرك على وزن أفعل. وقرأ ابن عباس أيضاً: بل إدّارك، بهمزة داخلة على ادارك، فيسقط همزة الوصلالمجتلبة، لأجل الإدغام والنطق بالساكن. وقرأ ابن مسعود أيضاً: بل أأدرك، بهمزتين، همزة الاستفهام وهمزة أفعل. وقرأ الحسن أيضاً، والأعرج:بل ادرج، بهمزة وإدغام فاء الكلمة، وهي الدال في تاء افتعل، بعد صيرورة التاء دالاً. وقرأ ورش في رواية: بلادّرك، بحذف همزة ادرك ونقل حركتها إلى اللام. وقرأ ابن عباس أيضاً: بلى ادرك، بحرف الإيجاب الذي يوجب به المستفهمالمنفي. وقرىء: بل آأدرك، بألف بين الهمزتين. فأما قراءة من قرأ بالاستفهام، فقال ابن عباس: هو للتقريع بمعنى لم يدركعلمهم على الإنكار عليهم. وقال الزمخشري: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك قراءة من قرأ: أم ادّرك، وأمتدارك، لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة. انتهى. وقال ابن عطية: هو على معنى الهزء بالكفرة والتقرير لهم على ماهو في غاية البعد عنهم، أي اعلموا أمر الآخرة وادّركها علمهم. وأما قراءة من قرأ على الخبر، فقال ابن عباس:المعنى: بل تدارك علمهم ما جهلوه في الدنيا، أي علموه في الآخرة، بمعنى: تكامل علمهم في الآخرة بأن كل ماوعدوا به حق، وهذا حقيقة إثبات العلم لهم، لمشاهدتهم عياناً في الآخرة ما وعدوا به غيباً في الدنيا، وكونه بمعنىالمضي، ومعناه الاستقبال، لأن الإخبار به صدق، فكأنه قد وقع. وقال ابن عطية: يحتمل معنيين: أحدهما: أنه تناهي علمهم، كماتقول: أدرك النبات وغيره، أي تناهى وتتابع علمهم بالآخرة إلى أن يعرفوا لها مقداراً فيؤمنوا، وإنما لهم ظنون كاذبة؛ أوإلى أن لا يعرفوا لها وقتاً، وتكون في بمعنى الباء متعلقة بعلمهم، وقد تعدّى العلم بالباء، كما تقول: علمي بزيدكذا، ويسوغ حمل هذه القراءة على معنى التوقيف الاستفهام، وجاء إنكاراً لأنهم لم يدركوا شيئاً نافعاً. والثاني: أن أدرك: بمعنىيدرك، أي علمهم في الآخرة يدرك وقت القيامة، ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا بها، وأما في الدنيا فلا. وهذا تأويلابن عباس، ونحا إليه الزجاج، وفي على بابها من الظرفية متعلقة بتدارك. انتهى، وفيه بعض تلخيص وزيادة. وقال الزمخشري: هوعلى وجهين: أحدهما: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتهوهم شاكون جاهلون، وذلك قوله: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ }، يريد المشركين ممن في السمواتوالأرض، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسل فعلهم إلى الجميع، كما يقال: بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله ناس منهم.والوجه الثاني: أن وصفهم باستحكامه وتكامله تهكم بهم، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك، على سبيل الهزء به، وذلك حيثشكوا وعموا عن إتيانه الذي هو طريق إلى علم مشكوك، فضلاً عن أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلىمعرفته. وفي ادرك علمهم وادارك وجه آخر، وهو أن يكون ادرك بمعنى انتهى وفني، من قولهم: أدركت الثمرة، لأن تلكغايتها التي عندها تعدم. وقد فسر الحسن باضمحل علمهم وتدارك، من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك. انتهى.وقال الكرماني: العلم هنا بمعنى الحكم والقول، أي تتابع منهم القول والحكم في الآخرة، وكثرة منهم الخوض فيها، فنفاها بعضهم،وشك فيها بعضهم، واستبعدها بعضهم. وقال الفراء: بل ادرك، فيصير بمعنى الجحد، ولذلك نظائر؛ أي لم يعلموا حدوثها وكونها، ودلعلى ذلك {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا }، فصارت في في الكلام بمعنى الباء، أي لم يدرك علمهم بالآخرة. قالالفراء: ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ: أدرك، بالاستفهام. انتهى. وأما قراءة من قرأ بلى بحرف الجواب بدل بل، فقالأبو حاتم: إن كان بلى جواباً لكلام تقدم، جاز أن يستفهم به، كأن قوماً أنكروا ما تقدم من القدرة، فقيللهم: بلى إيجاباً لما نفوا،د ثم استؤنف بعده الاستفهام وعودل بقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا }، بمعنى: أمهم في شك منها، لأن حروف العطف قد تتناوب، وكف عن الجملتين بقوله تعالى: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ }. انتهى.يعني أن المعنى: ادّرك علمهم بالآخرة أم شكو؟ ف(بل) بمعنى أم، عودل بها الهمزة، وهذا ضعيف جداً، وهو أن تكونبل بمعنى أم وتعادل همزة الاستفهام. قال الزمخشري: فإن قلت: فمن قرأ بلى ادرك؟ قلت: لما جاء ببلى بعدقوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ }، كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: ادرك علمهم في الآخرة، على سبيل التهكم الذيمعناه المبالغة في نفي العلم، فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون، كونها، فيرجع إلى المبالغة في نفي الشعورعلى أبلغ ما يكون. وأما من قرأ: بلى أدّرك، على الاستفهام فمعناه: يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذاأنكر علمهم بكونها، لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها، لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن. فإن قلت: هذهالإضرابات الثلاث ما معناه؟ قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لايعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة، وقد جعل الآخر مبدأ عما همومنشأه، فلذلك عداه بمن دون عن، لأن العاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يبصرون. انتهى. {وَقَالَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُٱلاْوَّلِينَ * قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ مِمَّايَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ * قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ *وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ *وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ * إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِىهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ * إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَىٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقّ ٱلْمُبِينِ * إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنتَبِهَادِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ * وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةًمّنَ ٱلاْرْضِ تُكَلّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِـئَايَـٰتِنَا لاَ يُوقِنُونَ }. لما تقدم أنه تعالى منفرد بعلم الغيب، ومن جملتهاوقت الساعة، وأنهم لا شعور لهم بوقتها، وأن الكفار في شك منها عمون، ناسب ذكر مقالاتهم في استبعادها، وأن ماوعدوا به من ذلك ليس بصحيح، إنما ذلك ما سطر الأولون من غير إخبار بذلك عن حقيقة. وقرأ ابنكثير، وأبو عمرو: {*أئذا، أئنا} بالجمع بين الاستفهامين؛ وقلب الثانية ياء، وفصل بينهما بألف أبو عمرو، وقرأهما عاصم وحمزة: بهمزتين،ونافع: إذا بهمزة مكسورة، آينا بهمزة الاستفهام، وقلب الثانية ياء، وبينهما مدة، والباقون: آئذا، باستفهام ممدود، إننا: بنونين من غيراستفهام، والعامل في إذا محذوف دل على مضمون الجملة الثانية تقديره: يخرج ويمتنع إعمال لمخرجون فيه، لأن كلاًّ من إنولام الابتداء والاستفهام يمنع أن يعمل ما بعده فيما قبله، إلا اللام الواقعة في خبر إن، فإنه يتقدم معمول الخبرعليها وعلى الخبر على ما قرر في علم النحو. وآباؤنا: معطوف على اسم كان، وحسن ذلك الفصل بخبر كان.والإخراج هنا من القبور أحياء، مردوداً أرواحهم إلى الأجساد، والجمع بين الاستفهام في إذا وفي إنا إنكار على إنكار، ومبالغةفي كون ذلك لا يكون، والضمير في إننا لهم وآبائهم، لأن صيرورتهم تراباً، شامل للجميع. ثم ذكروا أنهم وعدوا ذلكهم وآباؤهم، فلم يقع شيء من هذا الموعود، ثم جزموا وحصروا أن ذلك من أكاذيب من تقدم. وجاء هنا تقديمالموعود به، وهو هذا، وتأخر في آية أخرى على حسب ما سيق الكلام لأجله. فحيث تأكد الإخبار عنهم بإنكار البعثوالآخرة، عمدوا إليها بالتقديم على سبيل الاعتناء، وحيث لم يكن ذلك، عمدوا إلى إنكار إيجاد المبعوث، فقدموه وأخروا الموعود به،ثم أمر نبيه أن يأمرهم بالسير في الأرض؛ وتقدم الكلام في نظير هذه الآية في أوائل الأنعام. وأراد بالمجرمين: الكافرين،ثم سلي نبيه فقال: {أَزْوَاجًا مّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ }: أي في كونهم لم يسلموا ولم يذعنوا إلى ما جئتبه، {وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ }: أي في حرج وأمر شاق عليك مما يمكرون}، فإن مكرهم لاحق بهم، لا بك،والله يعصمك منهم. وتقدّمت قراءة ضيق، بكسر الضاد وفيتحها، وهما مصدران. وكره أبو علي أن يكون المفتوح الضاد، أصله ضيق،بتشديد الياء فخفف، كلين في لين، لأن ذلك يقتضي حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وليست من الصفات التي تقوم مقامالموصوف باطراد. وأجاز ذلك الزمخشري، قال: ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم. ولما استعجلت قريش بأمر الساعة،أو بالعذاب الموعود به هم، وسألوا عن وقت الموعود به على سبيل الاستهزاء، قيل له: قل عسى أن يكون ردفكمبعضه: أي تبعكم عن قرب وصار كالرديف التابع لكم بعض ما استعجلتم به، وهو كان عذاب يوم بدر. وقيل: عذابالقبر. وقرأ الجمهور: ردف، بكسر الدال. وقرأ ابن هرمز: بفتحها، وهما لغتان، وأصله التعدي بمعنى تبع ولحق، فاحتمل أن يكونمضمناً معنى اللازم، ولذلك فسره ابن عباس وغيره بأزف وقرب لما كان يجيء بعد الشيء قريباً منه ضمن معناه، أومزيداً اللام في مفعوله لتأكيد وصول الفعل إليه، كما زيدت الباء في: {*}، فإن مكرهم لاحق بهم، لا بك، واللهيعصمك منهم. وتقدّمت قراءة ضيق، بكسر الضاد وفيتحها، وهما مصدران. وكره أبو علي أن يكون المفتوح الضاد، أصله ضيق، بتشديدالياء فخفف، كلين في لين، لأن ذلك يقتضي حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وليست من الصفات التي تقوم مقام الموصوفباطراد. وأجاز ذلك الزمخشري، قال: ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم. ولما استعجلت قريش بأمر الساعة، أوبالعذاب الموعود به هم، وسألوا عن وقت الموعود به على سبيل الاستهزاء، قيل له: قل عسى أن يكون ردفكم بعضه:أي تبعكم عن قرب وصار كالرديف التابع لكم بعض ما استعجلتم به، وهو كان عذاب يوم بدر. وقيل: عذاب القبر.وقرأ الجمهور: ردف، بكسر الدال. وقرأ ابن هرمز: بفتحها، وهما لغتان، وأصله التعدي بمعنى تبع ولحق، فاحتمل أن يكون مضمناًمعنى اللازم، ولذلك فسره ابن عباس وغيره بأزف وقرب لما كان يجيء بعد الشيء قريباً منه ضمن معناه، أو مزيداًاللام في مفعوله لتأكيد وصول الفعل إليه، كما زيدت الباء في:

{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ }

قاله الزمخشري، وقد عدىبمن على سبيل التضمين لما يتعدى بها، وقال الشاعر

: فلما ردّفنا من عمير وصحبه     تولوا سراعاً والمنية تعنق

أي دنوا من عمير. وقيل: ردفه وردف له، لغتان. وقيل: الفعل محمولعلى المصدر، أي الرادفة لكم. وبعض على تقدير ردافة بعض ما تستعجلون، وهذا فيه تكلف ينزه القرآن عنه. وقيل: اللامفي لكم داخلة على المفعول من أجله، والمفعول به محذوف تقديره: ردف الخلق لأجلكم، وهذا ضعيف. وقيل: الفاعل بردف ضميريعود على الوعد، ثم قال: لكم بعض ما تستعجلون على المبتدأ والخبر، وهذا فيه تفكيك للكلام، وخروج عن الظاهر لغيرحاجة تدعو إلى ذلك. {لَذُو فَضْلٍ }: أي إفضال عليهم بترك معاجلتهم بالعقوبة على معاصينهم وكفرهم، ومتعلق يشكرون محذوف، أيلا يشكرون نعمه عندهم، أو لا يشكرون بمعنى: لا يعرفون حق النعمة، عبر عن انتفاء معرفتهم بالنعمة، بانتفاء ما يترتبعلى معرفتها، وهو الشكر. ثم أخبر تعالى بسعة علمه، فبدأ بما يخص الإنسان، ثم عم كل غائبة وعبر بالصدور،وهي محل القلوب التي لها الفكر والتعقل، كما قال:

{ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ }

عن الحال فيها،وهي القلوب، وأسند الإعلان إلى ذواتهم، لأن الإعلان من أفعال الجوارح. ولما كان المضمر في الصدر هو الداعي لما يظهرعلى الجوارح، والسبب في إظهاره قدم الإكنان على الإعلام. وقرأ الجمهور: {مَا تُكِنُّ }، من أكن الشيء: أخفاه. وقرأ ابنمحيصن، وحميد، وابن السميفع: بفتح التاء وضم الكاف، من كن الشيء: ستره، والمعنى: ما يخفون وما يعلنون من عداوة الرسولومكايدهم. والظاهر عموم قوله: {مِنْ غَائِبَةٍ }، أي ما من شيء في غاية الغيبوبة والخفاء إلا في كتاب عند اللهومكنون علمه. وقيل: ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض. وقيل: هو يوم القيامة وأهوالها، قاله الحسن. والكتاب: اللوح المحفوظ.وقيل: أعمال العباد أثبتت ليجازى عليها. وقال صاحب الغنيان: أي حادثة غائبة، أو نازلة واقعة. وقال ابن عباس: أي مامن شيء سرّ في السموات والأرض وعلانية، فاكتفى بذكر السر عن مقبلة. وقال الزمخشري: سمي الشيء الذي يغيب ويخفى غائبةوخافية، فكانت التاء فيهما بمنزلتها في العاقبة والعافية، ونظيرهما: النطيحة والذبيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات، ويجوز أن يكوناصفتين وتاؤهما للمبالغة، كالرواية في قولهم: ويل للشاعر من رواية السوء، كأنه قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء، إلاوقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح المبين الظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة. انتهى. ولما ذكر تعالىالمبدأ والمعاد، ذكر ما يتعلق بالنبوة، وكان المعتمد الكبير في إثبات نبوّة محمد ﷺ وهو القرآن. ومنجملة إعجازه إخباره بما تضمن من القصص، الموافق لما في التوراة والإنجيل، مع العلم بأنه أمي لم يخالط العلماء ولااشتغل بالتعليم. وبنو إسرائيل هم اليهود والنصارى. قص فيه أكثر ما اختلفوا فيه على وجهه، وبينه لهم، ولو أنصفوا وأسلموا.ومما اختلفوا فيه أمر المسيح، تحزبوا فيه، فمن قائل هو الله، ومن قائل ابن الله، ومن قائل ثالث ثلاثة، ومنقائل هو نبي كغيره من الأنبياء، وقد عقدوا لهم اجتماعات، وتباينوا في العقائد، وتناكروا في أشياء حتى لعن بعضهم بعضاً،والظاهر عموم المؤمنين. وقيل لمن آمن من بني إسرائيل والقضاء والحكم، وإن ظهر أنهما مترادفان، فقيل: المراد به هنا العدل،أي بعدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، وقيل: المراد بحكمته والحكم. قيل: ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه، بكسر الحاءوفتح الكاف، جمع حكمة، وهو جناح بن جيش. ولما كان القضاء يقتضي تنفيذ ما يقضي به، والعلم بما يحكم به،جاءت هاتان الصفتان عقبه، وهو العزة: أي الغلبة والقدرة والعلم، ثم أمره تعالى بالتوكل عليه، وأخبره أنه على الحق الواضحالذي لا شك فيه، وهو كالتعليل للتوكل، وفيه دليل على أن من كان على الحق يحق له أن يثق بالله،فإنه ينصره ولا يخذله. ولما كان القرآن وما قص الله فيه لا يكاد يجدي عندهم، أخبر تعالى عنهم أنهمموتى القلوب، أو شبهوا بالموتى، وإن كانوا أحياء صحاح الأبصار، لأنهم إذا تلي عليهم لا تعيه آذانهم، فكانت حالهم لانتفاءجدوى السماع كحال الموتى. وقرأ الجمهور: {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ } هنا، وفي الروم بضم التاء وكسر الميم، الصم بالرفع، ولماكان الميت لا يمكن أن يسمع، لم يذكر له متعلق، بل نفي الإسماع، أي لا يقع منك إسماع لهم ألبتةلعدم القابلية. وأما الأصم فقد يكون في وقت يمكن إسماعه وسماعه، فأتى بمتعلق الفعل وهو الدعاء. وإذا معمولة لتسمع، وقيدنفي الإسماع أو السماع بهذا الطرف وما بعده على سبيل التأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يوليمدبراً، كان أبعد عن إدراك صوته. شبههم أولاً بالموتى، ثم بالصم في حالة، ثم بالعمي، فقال: {وَمَا أَنتَ بِهَادِىٱلْعُمْىِ } حيث يضلون الطريق، فلا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويحولهم هداة بصراء إلا الله تعالى. وقرأ الجمهور:بهادي العمى، اسم فاعل مضاف؛ ويحيـى بن الحارث، وأبو حيوة: بهادٍ، منوناً العمي؛ والأعمش، وطلحة، وابن وثاب، وابن يعمر، وحمزة:تهدي، مضارع هدي، العمي بالنصب؛ وابن مسعود: وما أنت تهتدي، بزيادة أن بعد ما، ويهتدي مضارع اهتدى، والعمي بالرفع، والمعنى:ليس في وسعك إدخال الهدى في قلب من عمي عن الحق ولم ينظر إليه بعين قلبه. {وَمَا أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِعَن ضَلَـٰلَتِهِمْ }، وهم الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته. {فَهُم مُّسْلِمُونَ }: منقادون للحق. وقال الزمخشري: مسلمون مخلصون، منقوله:

{ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ }

بمعنى جعله سالماً لله خالصاً. انتهى. {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم }:أي إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله، كقوله:

{ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ }

فالمعنى: إذا أرادالله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه فيهم من العذاب، أخرج لهم دابة تنفذ من الأرض. ووقع: عبارة عن الثبوتواللزوم والقول، إما على حذف مضاف، أي مضمون القول، وإما أنه أطلق القول على المقول، لما كان المقول مؤدي بالقول،وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب. وقال ابن مسعود: {وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم } يكون بموت العلماء، وذهاب العلم،ورفع القرآن. انتهى. وروي أن خروجها حين ينقطع الخبر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ولا يبقى منيب ولانائب. وفي الحديث: أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط ولم يعين الأول، وكذلك الدجال؛ وظاهرالأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، والظاهر أن الدابة التي تخرج هي واحدة. وروي أنه يخرج في كل بلد دابة مماهو مثبوت نوعها في الأرض، وليست واحدة، فيكون قوله: {دَابَّةٍ } اسم جنس. واختلفوا في ماهيتها، وشكلها، ومحل خروجها، وعددخروجها، ومقدار ما تخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به، اختلافاً مضطرباً معارضاً بعضه بعضاً، ويكذب بعضه بعضاً؛فاطرحنا ذكره، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله. والظاهر أن قوله: {تُكَلّمُهُمْ }، بالتشديد، وهيقراءة الجمهور، من الكلام؛ ويؤيده قراءة أبيّ: تنبئهم، وفي بعض القراءات: تحدثهم، وهي قراءة يحيـى بن سلام؛ وقراءة عبد الله:بأن الناس. قال السدي: تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوى الإسلام. وقيل: نخاطبهم، فتقول للمؤمن: هذا مؤمن، وللكافر: هذا كافر. وقيلمعنى تكلمهم: تجرحهم من الكلم، والتشديد للتكثير؛ ويؤيده قراءة ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وأبي زرعة، والجحدري، وأبي حيوة، وابنأبي عبلة: تكلمهم، بفتح التاء وسكون الكاف مخفف اللام، وقراءة من قرأ: تجرحهم مكان تكلمهم. وسأل أبو الحوراء ابن عباس:تكلم أو تكلم؟ فقال: كل ذلك تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر. انتهى. وروي: أنها تسم الكافر في جبهته وتربده، وتمسحعلى وجه المؤمن فتبيضه. وقرأ الكوفيون، وزيد بن علي: {إِنَّ ٱلنَّاسَ }، بفتح الهمزة، وابن مسعود: بأن وتقدم؛ وباقيالسبعة: إن، بكسر الهمزة، فاحتمل الكسر أن يكون من كلام الله، وهو الظاهر لقوله: {بِـئَايَـٰتِنَا }، واحتمل أن يكون منكلام الدابة. وروي هذا عن ابن عباس، وكسرت إن هذا على القول، إما على إضمار القول، أو على إجراء تكلمهمإجراء تقول لهم. ويكون قوله: {بِـئَايَـٰتِنَا } على حذف مضاف، أو لاختصاصها بالله؛ كما تقول بعض خواص الملك: خيلنا وبلادنا،وعلى قراءة الفتح، فالتقدير بأن كقراءة عبد الله، والظاهر أنه متعلق بتكلمهم، أي تخاطبهم بهذا الكلام. ويجوز أن تكون الباءالمنطوق بها أو المقدرة سببية، أي تخاطبهم أو تجرحهم بسبب انتفاء إيقانهم بآياتنا. {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاًمّمَّن يُكَذّبُ بِـئَايَـٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا * أَكَذَّبْتُم بِـئَايَـٰتِى وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِىذَلِكَ لاَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلاْرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُوَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ * وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء إِنَّهُ خَبِيرٌبِمَا تَفْعَلُونَ * مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ * وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْفِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّشَىء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْءانَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْمِنَ ٱلْمُنذِرِينَ * وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }. أي اذكر يوم نحشر،والحشر: الجمع على عنف. {مِن كُلّ أمَّةٍ }: أي من الأمم، ومن هي للتبعيض. {فَوْجاً }: أي جماعة كثيرة. {مّمَّنيُكَذّبُ بِـئَايَـٰتِنَا }: من للبيان، أي الذين يكذبون. والآيات: الأنبياء، أو القرآن، أو الدلائل، أقوال. {فَهُمْ يُوزَعُونَ }: تقدم تفسيرهفي أول قصة سليمان من هذه السورة. وعن ابن مسعود، أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة: بين يديأهل مكة، كذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. {حَتَّىٰ إِذَا }: أي إلى الموقف؛ {جَاءوا قَالَ أَكَذَّبْتُمبِـئَايَـٰتِى }: استفهام توبيخ وتقريع وإهانة؛ {وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً }: الظاهر أن الواو للحال، أي أوقع تكذيبكم بها غيرمتدبرين لها ولا محيطين علماً بكنهها؟ ويجوز أن تكون الواو للعطف، أي أجحدتموها: ومع جحودها لم تلقوا أذهانكم لتحققها وتبصرها،فإن المكتوب إليه قد يجحد أن يكون الكتاب من عند من كتبه إليه، ولا يدع مع ذلك أن يقرأه ويحيطبمعانيه علماً. وقيل: {وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً }، أي يبطلانها حتى تعرضوا عنها، بل كذبتم جاهلين غير مستدلين. وأم هنامنقطعة، وينبغي أن تقدر ببل وحدها. انتقل من الاستفهام الذي يقتضي التوبيخ إلى الاستفهام عن عملهم أيضاً على جهة التوبيخ،أي: أي شيء كنتم تعملون؟ والمعنى: إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوا، وليس لهم عمل ولا حجة فيما عملوهإلا الكفر والتكذيب. وماذا بجملته يحتمل أن يكون استفهاماً منصوباً بخبر كان، وهو تعملون، وأن يكون ما هو الاستفهام، وذاموصول بمعنى الذي، فيكونان مبتدأ وخبراً، وكان صلة لذا والعائد محذوف، أي تعملونه. وقرأ أبو حيوة: أما ذا، بتخفيف الميم،أدخل أداة الاستفهام على اسم الاستفهام على سبيل التوكيد. {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ }: أي العذاب الموعود به بسبب ظلمهم، وهوالتكذيب بآيات الله. {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ }: أي بحجة ولا عذر لما شغلهم من عذاب الله. وقيل: يختم على أفواههمفلا ينطقون، وانتفاء نطقهم يكون في موطن من مواطن القيامة، أو من فريق من الناس، لأن القرآن يقتضي أنهم يتكلمونبحجج في غير هذا الموطن. ولما ذكر أشياء من أحوال يوم القيامة، ليرتدع بسماعها من أراد الله تعالى ارتداعه،نبههم على ما هو دليل على التوحيد والحشر والنبوة بما هم يشاهدونه في حال حياتهم، وهو تقليب الليل والنهار مننور إلى ظلمة، ومن ظلمة إلى نور، وفاعل ذلك واحد، وهو الله تعالى، فيجب أن يفرد بالعبادة والألوهية. وفي هذاالتقليب دليل على القلب من حياة إلى موت، ومن موت إلى حياة أخرى، وفيه دليل أيضاً على النبوة، لأن هذاالتقليب هو لمنافع المكلفين، ولهذا علل ذلك الجعل بقوله:

{ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ }

وبعثة الأنبياء لتحصيل منافع الخلق؛ وأضاف الإبصارإلى النهار على سبيل المجاز، لما كان يقع فيه أضافه إليه، كما تقول: ليلك نائم، وعلل جعل الليل بقوله: {لِتَسْكُنُواْفِيهِ }، أي لأن يقع سكونهم فيه مما يلحقهم من التعب في النهار واستراحة نفوسهم. قال بعض الرجاز

: النوم راحة القوى الحسية     من حركات والقوى النفسية

ولم يقعالتقابل في جعل النهار بالنص على علته، فيكون التركيب: والنهار لتبصروا فيه، بل أتى بقوله: {مُبْصِـراً }، قيداً في جعلالنهار، لا علة للجعل. فقال الزمخشري: هو مراعى من حيث المعنى، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف، لأن معنى مبصراً: لتبصروافيه طريق التقلب في المكاسب. انتهى. والذي يظهر أن هذا من باب ما حذف من أوله ما أثبت في مقابله،وحذف من آخره ما أثبت في أوله، فالتقدير: جعلنا الليل مظلماً لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً لتنصرفوا فيه؛ فالإظلام ينشأ عنهالسكون، والإبصار ينشأ عنه التصرف في المصالح، ويدل عليه قوله تعالى:

{ وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَا }

فالسكون علة لجعل الليل مظلماً، والتصرف علة لجعل النهار مبصراً وتقدم لنا: الكلام على نظير هذين الحذفين مشبعاً فيالبقرة في قوله:

{ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ }

{إِنَّ فِى ذَلِكَ }: أي في هذا الجعل،{لاَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }: لما كان لا ينتفع بالفكر في هذه الآيات إلا المؤمنون، خصوا بالذكر، وإن كانت آيات لهمولغيرهم. {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ }: تقدم القول في الصور في سورة الأنعام، وهذه النفخة هي نفخة الفزع. وروي أبوهريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخةالقيام من القبور. وقيل: نفختان، جعلوا الفزع والصعق نفخة واحدة، واستدلوا بقوله:

{ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ }

ويأتي الكلامفي ذلك إن شاء الله. وقال صاحب الغنيان: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ } للبعث من القبور والحشر، وعبر هنا بالماضيفي قوله: {*ففزغ}، وإن كان لم يقع إشعاراً بصحة وقوعه، وأنه كائن لا محالة، وهذه فائدة وضع الماضي موضع المستقبل،كقوله تعالى:

{ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ }

بعد قوله:

{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }

{إِلاَّ مَن شَاءٱللَّهُ }: أي فلا ينالهم هذا الفزع لتثبيت الله قلبه. فقال مقاتل: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت عليهم السلام.وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم، فهم حريون أن لا ينالهم هذا. وقال الضحاك: الحور العين، وخزنة النار، وحملة العرش.وعن جابر: منهم موسى، لأنه صعق مرة. وقال أبو هريرة: هم الشهداء، ورواه أبو هريرة حديثاً، وهو: أنهم هم الشهداء عند ربهم يرزقون وهو قول ابن جبير، قال: هم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش. وقيل: هم المؤمنون لقوله:{وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ }. قال بعض العلماء: ولم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل. قال القرطبي: خفيعليه حديث أبي هريرة، وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي، فيعول عليه في التعيين، وغيره اجتهاد. وهذا النفخ هوحقيقة، إما في القرن، وإما في الصور، وهو قول الأكثرين. وقيل: يجوز أن يكون تمثيلاً لدعاء الموتى، فإن خروجهم منقبورهم كخروج الجيش عند سماع الصوت، فيكون ذلك مجازاً. والأول قول الأكثرين، وهو الصواب، لكثرة ورود النفخ في الصور فيالقرآن وفي الحديث الصحيح. وقيل: ففزع، ليس من الفزع بمعنى الخوف، وإنما معناه: أجاب وأسرع إلى البقاء. {وَكُلٌّ أَتَوْهُ}: المضاف إليه كل محذوف تقديره: وكلهم. وقرأ الجمهور: آتوه، اسم فاعل؛ وعبد الله؛ وحمزة، وحفص: أتوه، فعلاً ماضياً، وفيالقراءتين روعي معنى كل من الجمع، وقتادة: أتاه، فعلاً ماضياً مسنداً الضمير كل على لفظها، وجمع داخرين على معناها. وقرأالحسن، والأعمش: دخرين، بغير ألف. قيل: ومعنى آتوه: حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية، ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهمله. {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ }: هو من رؤية العين تحسبها حال من فاعل ترى، أو من الجبال. وجامدة، من جمد مكانهإذا لم يبرح منه، وهذه الحال للجبال عقيب النفخ في الصور، وهي أول أحوال الجبال، تموج وتسير، ثم ينسفها اللهفتصير كالعهن، ثم تكون هباء منبثاً في آخر الأمر. {وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ }: جملة حالية، أي تحسبها في رأيالعين ثابتة مقيمة في أماكنها وهي سائرة، وتشبيه مرورها بمر السحاب. قيل: في كونها تمر مراً حثيثاً، كما مر السحاب،وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد، إذا تحركت لا تكاد تبين حركتها، كما قال النابغة الجعدي في صفة جيش

: نار عن مثل الطود تحسب أنهم     وقوف لحاج والركاب تهملج

وقيل: شبه مرورها بمرالسحاب في كونها تسير سيراً وسطاً، كما قال الأعشى

: كأن مشيتها من بيت جارتها     مر السحابة لا ريث ولا عجل

وحسبان الرائي الجبال جامدة مع مرورها، قيل: لهول ذلك اليوم،فليس له ثبوت ذهن في الفكر في ذلك حتى يتحقق كونها ليست بجامدة. وقال أبو عبد الله الرازي: الوجه فيحسبانهم أنها جامدة، أن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت، ظن الناظر إليها أنها واقفة،وهي تمر مراً حثيثاً. انتهى. وقيل: وصف تعالى الجبال بصفات مختلفة، ترجع إلى تفريغ الأرض منها وإبراز ما كانت تواريه.فأول الصفات: ارتجاجها، ثم صيرورتها كالعهن المنفوش، ثم كالهباء بأن تتقطع بعد أن كانت كالعهن، ثم نسفها، وهي مع الأحوالالمتقدمة قارة في مواضعها، والأرض غير بارزة، وبالنسف برزت، ونفسها بإرسال الرياح عليها، ثم تطييرها بالريح في الهواء كأنها غبار،ثم كونها سراباً، فإذا نظرت إلى مواضعها لم تجد فيها منها شيئاً كالسراب. وقال مقاتل: بل تقع على الأرض فتسوىبها. وانتصب {صُنْعَ ٱللَّهِ } على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي تليها، فالعامل فيه مضمر من لفظه. وقالالزمخشري: {صُنْعَ ٱللَّهِ } من المصادر المؤكدة كقوله:

{ وَعَدَ ٱللَّهُ }

و

{ صِبْغَةَ ٱللَّهِ }

إلا أن مؤكدهمحذوف، وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ }، فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين، وعاقب المجرمين، ثمقال: {صُنْعَ ٱللَّهِ }، يريد به الإثابة والمعاقبة، وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمةوالصواب، حيث قال: {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء }، يعني؛ أن مقابلته الحسنة بالثواب، والسيئة بالعقاب، من جملة أحكامهللأشياء وإتقانه لها واجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد، وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك.ثم لخص ذلك بقوله: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ }، إلى آخر الآيتين. فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه،ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغاً واحداً، وما لأمر أعجز القوى وأخرس الشقاشق، ونحو هذاالمصدر، إذا جاء عقيب كلام، جاء كالشاهد لصحته، والمنادى على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما كان.ألا ترى إلى قوله: {صُنْعَ ٱللَّهِ }، و

{ صِبْغَةَ ٱللَّهِ }

و

{ وَعَدَ ٱللَّهُ }

و

{ فطرة ٱللَّهِ }

بعد ما رسمها بإضافتها إليه تسمية التعظيم، كيف تلاها بقوله:

{ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء * وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً }

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }

{ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }

انتهى.وهذا الذي ذكر من شقاشقه وتكثيره في الكلام، واحتياله في إدارة ألفاظ القرآن لما عليه، من مذاهب المعتزلة. والذييظهر أن صنع الله مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة، وهي جملة الحال، أي صنع الله بها ذلك، وهو قلعها منالأرض، ومرّها مرًّا مثل مر السحاب. وأما قوله: إلا أن مؤكده محذوف، وهو الناصب ليوم ينفخ إلى قوله صنع الله،يريد به الإثابة والمعاقبة، فذلك لا يصح، لأن المصدر المؤكد لمضمون الجملة لا يجوز حذف جملته، لأنه منصوب بفعل منلفظه، فيجتمع حذف الفعل الناصب وحذف الجملة التي أكد مضمونها بالمصدر، وذلك حذف كثير مخل. ومن تتبع مساق هذه المصادرالتي تؤكد مضمون الجملة، وجد الجمل مصرحاً بها، لم يرد الحذف في شيء منها، إذ الأصل أن لا يحذف المؤكد،إذ الحذف ينافي التوكيد، لأنه من حيث أكد معتني به، ومن حيث حذف غير معتني به. وقيل: انتصب صنع اللهعلى الإغراء بمعنى، انظروا صنع الله. وقرأ العربيان، وابن كثير: يفعلون بالياء؛ وباقي السبعة بتاء الخطاب. ولما ذكر علاماتالقيامة، ذكر أحوال المكلفين بعد قيام الساعة. {*والحسنة}: الإيمان. وقال ابن عباس، والنخعي، وقتادة: هي لا إله إلا الله،ورتب على مجيء المكلف بالحسنة شيئين: أحدهما: أنه له خير منها، ويظهر أن خيراً ليس أفعل تفضيل، ومن لابتداء الغاية،أي له خير من الخيور مبدؤه ونشؤه منها، أي من جهة هذه الحسنة، والخير هنا: الثواب. وهذا قول الحسن، وابنجريج، وعكرمة. قال عكرمة: ليس شيء خيراً من لا إله إلا الله، يريد أنها ليست أفعل التفضيل. وقيل: أفعل التفضيل.فقال الزمخشري: {بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا }، يريد الإضعاف، وأن العمل ينقضي والثواب يدوم، وشتان ما بين فعل العبد وفعلالسيد. انتهى. وقوله: وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد، تركيب مختلف فيه، فبعض العلماء منعه، والصحيح جوازه. وقال ابنعطية: يحتمل أن يكون للتفضيل، ويكون في قوله: {مِنْهَا }، حذف مضاف تقديره: خير من قدرها واستحقاقها، بمعنى: أن اللهتعالى تفضل عليه فوق ما تستحق حسنته. قال ابن زيد: يعطى بالواحدة عشراً، والداعية إلى هذا التقدير أن الحسنة لايتصور بينها وبين الثواب تفضيل. انتهى. وقيل: ثواب المعرفة الحاصلة في الدنيا هي المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة، ولذة النظرإلى وجهه الكريم. وقد دلت الدلائل على أن أشرف السعادات هي هذه اللذة، ولو لم تحمل الآية على ذلك، لزمأن يكون الأكل والشرب خيراً من معرفة الله تعالى، وذلك لا يكون. وقرأ الكوفيون: {مّن فَزَعٍ }، بالتنوين، {وَيَوْمَئِذٍ}، منصوب على الظرف معمول لقوله: {ءامِنُونَ }، أو لفزع. ويدل على أنه معمول له قراءة من أضافه إليه، أوفي موضع الصفة لفزع، أي كائن في ذلك الوقت. وقرأ باقي السبعة: بإضافة فزع إلى يومئذ؛ فكسر الميم العربيان، وابنكثير، وإسماعيل بن جعفر، عن نافع، وفتحها، بناء لإضافته إلى غير متمكن؛ نافع، في غير رواية إسماعيل. والتنوين في يومئذتنوين العوض، حذفت الجملة وعوض منها، والأولى أن تكون الجملة المحذوفة ما قرب من الظرف، أي يوم، إذ جاء بالحسنة،ويجوز أن يكون التقدير: يوم إذ ترى الجبال، ويجوز أن يكون التقدير: يوم إذ ينفخ في الصور، ولا سيما إذافسر بأنه نفخ القيام من القبور للحساب، ويكون الفزع إذ ذاك واحداً. وقال أبو عليّ ما معناه: من فزع، بالتنوين،أو بالإضافة، ويجوز أن يراد به فزع واحد، وأن يراد به الكثرة، لأنه مصدر. فإن أريد لكثرة، شمل كل فزعيكون في القيامة، وإن أريد الواحد، فهو الذي أشير إليه بقوله:

{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ }

وقال الزمخشري:فإن قلت: ما الفرق بين الفزعين؟ قلت: الفزع الأول: ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة يقع، وهو يفجأمن رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به. والثاني: الخوف من العذاب. انتهى. والسيئة: الكفر والمعاصي ممن حتمالله عليه من أهل المشيئة بدخول النار. وخصت الوجوه، إذ كانت أشرف الأعضاء، ويلزم من كبها في النار كب الجميع،أو عبر بالوجه عن جملة الإنسان، كما يعبر عنها بالرأس والرقبة، كما قال:

{ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا }

فكأنه قيل: فكبوافي النار. والظاهر من كبت، أنهم يلقون في النار منكوسين، قاله أبو العالية، أعلاهم قبل أسفلهم. ويجوز أن يكون ذلككناية عن طرحهم في النار، قاله الضحاك. {هَلْ تُجْزَوْنَ }: خطاب لهم على إضمار القول، أي يقال لهم وقت الكب:هل تجزون. ثم أمر تعالى نبيه أن يقول: {إِنَّمَا أُمِرْتُ }، والآمر هو الله تعالى على لسان جبريل، أودليل العقل على وحدانية الله تعالى. {أَنْ أَعْبُدَ }: أي أفرده بالعبادة، ولا أتخذ معه شريكاً، كما فعلت قريش، وهذهإشارة تعظيم كقوله:

{ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ }

هذا ذكر من معي من حيث هي موطن نبيه ومهبط وحيه. والبلدة:مكة، وأسند التحريم إليه تشريفاً لها واختصاصاً، ولا تعارض بين قوله: {ٱلَّذِى حَرَّمَهَا }، وقوله عليه السلام: إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة لأن إسناد ذلك إلى الله من حيث كان بقضائه وسابق علمه، وإسناده إلى إبراهيممن حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته. وفي قوله: {حَرَّمَهَا }، تنبيه بنعمته على قريش، إذ جعل بلدتهمآمنة من الغارات والفتن التي تكون في بلاد العرب، وأهلك من أرادها بسوء. وقرأ الجمهور: الذي: صفة للرب. وقرأ ابنمسعود، وابن عباس: التي حرمها: صفة للبلدة، ولما أخبر أنه مالك هذه البلدة، أخبر أنه يملك كل شيء فقال: {وَلَهُكُلُّ شَىء }، أي جميع الأشياء داخلة في ربوبيته، فشرفت البلدة بذكر اندراجها تحت ربوبيته على جهة الخصوص، وعلى جهةالعموم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }: أي من المستسلمين المنقادين لأمر الله، فاعبده كما أمرني، أو من الحنفاء الثابتينعلى ملة الإسلام المشار إليهم في قوله: {هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ }، {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْءانَ }، إما من التلاوة، أي: وأنأتلو عليكم القرآن، وهذا الظاهر، إذ بعده التقسيم المناسب للتلاوة، وإما من المتلو، أي: وأن أتبع القرآن، كقوله: {وَٱتَّبِعْ مَايُوحَىٰ إِلَـيْكَ }. وقرأ الجمهور: وأن أتلو. وقرأ عبد الله: وأن اتل، بغير واو، أمراً من تلا، فجاز أن تكونأن مصدرية وصلت بالأمر، وجاز أن تكون مفسرة على إضمار: وأمرت أن أتل، أي اتل. وقرأ أبي: واتل هذا القرآن،جعله أمراً دون أن. {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ }، به ووحد الله وآمن بنبيه بما جاء به، فثمرة هدايته مختصة به.{وَمَن ضَلَّ }، فوبال إضلاله مختص به، وحذف جواب من ضل لدلالة جواب مقابله عليه، أو يقدر في قوله: {فَقُلْإِنَّمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ } ضمير حي يربط الجزاء بالشرط، إذ أداة الشرط اسم وليس ظرفاً، فلا بد في جملةالجواب من ذكر يعود عليه ملفوظ به أو مقدر، فتكون هذه الجملة هي جواب الشرط، ويقدر الضمير من المنذرين له،ليس علي إلا إنذاره، وأما هدايته فإلى الله. {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ }: أمر أن يقول ذلك، فيحمد ربه على ماخصه به من شرف النبوة والرسالة، واختصه من رفيع المنزلة. {سَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ }: تهديد لأعدائه بما يريهم الله من آياتهالتي تضطرهم إلى معرفتها والإقرار أنها آيات الله. قال الحسن: وذلك في الآخرة حتى لا تنفعهم المعرفة. وقال الكلبي: فيالدنيا؛ وهي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من نقمات الله. وقيل: يوم بدر. وقيل: خروج الدابة، ولو بعد حين.وقيل: آياته في أنفسكم وفي سائر ما خلق مثل قوله:

{ سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلاْفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ }

وقيل: معجزاتالرسول، وأضافها إليه لأنه هو مجريها على يدي رسوله، ومظهرها من جهته. {فَتَعْرِفُونَهَا }: أي حقيقتها، ولا يسعكم جحودها. وقرأالجمهور: عما يعملون، بياء الغيبة، التفاتاً من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة؛ ونافع، وابن عامر: بتاء الخطاب لقوله: {سَيُرِيكُمْ }.ولما قسمهم إلى مهتد وضال، أخبر تعالى أنه محيط بأعمالهم، غير غافل عنها.