تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة المنافقون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } * { ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } * { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } * { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } * { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } * { هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } * { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } * { وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } الجسم والخشب معرفان. أسندت ظهري إلى الحائط: أملته وأضفته إليه، وتساند القوم: اصطفوا وتقابلواللقتال. {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ *ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰقُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْهُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ }. هذه السورة مدنية، نزلت في غزوة بني المصطلق، كانت من عبد الله بنأبيّ بن سلول وأتباعه فيها أقوال، فنزلت. وسبب نزولها مذكور في قصة طويلة، من مضمونها: أن اثنين من الصحابة ازدحماعلى ماء، وذلك في غزوة بني المصطلق، فشج أحدهما الآخر، فدعا المشجوج: يا للأنصار، والشاج: يا للمهاجرين، فقال عبد اللهبن أبيّ بن سلول: ما حكى الله تعالى عنه من قوله: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}، وقوله: {لَيُخْرِجَنَّ ٱلاْعَزُّ مِنْهَا ٱلاْذَلَّ }، وعنى الأعز نفسه، وكلاماً قبيحاً. فسمعه زيد بن أرقم، ونقل ذلك إلى رسولالله ﷺ. فلام رسول الله ﷺ عبد الله، فحلف ما قال شيئاً من ذلك،فاتهم زيد، فأنزل الله تعالى {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } إلى قوله: {لاَّ يَعْلَمُونَ }، تصديقاً لزيد وتكذيباً لعبد الله بنأبيّ. ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه لما كان سبب الانفضاض عن سماع الخطبة ربما كان حاصلاً عن المنافقين،واتبعهم ناس كثير من المؤمنين في ذلك، وذلك لسرورهم بالعير التي قدمت بالميرة، إذ كان وقت مجاعة، جاء ذكر المنافقينوما هم عليه من كراهة أهل الإيمان، وأتبعه بقبائح أفعالهم وقولهم: {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ}، إذ كانوا هم أصحاب أموال، والمهاجرون فقراء قد تركوا أموالهم ومتاجرهم وهاجروا لله تعالى. {قَالُواْ نَشْهَدُ }: يجري مجرىاليمين، ولذلك تلقى بما يتلقى به القسم، وكذا فعل اليقين. والعلم يجري مجرى القسم بقوله: {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ }، وأصلالشهادة أن يواطىء اللسان القلب هذا بالنطق، وذلك بالاعتقاد؛ فأكذبهم الله وفضحهم بقوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ }: أيلم تواطىء قلوبهم ألسنتهم على تصديقك، واعتقادهم أنك غير رسول، فهم كاذبون عند الله وعند من خبر حالهم، أو كاذبونعند أنفسهم، إذ كانوا يعتقدون أن قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } كذب. وجاء بين شهادتهم وتكذيبهم قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُإِنَّكَ لَرَسُولُهُ }، إيذاناً أن الأمر كما لفظوا به من كونه رسول الله حقاً. ولم تأت هذه الجملة لتوهم أنقولهم هذا كذب، فوسطت الأمر بينهما ليزول ذلك التوهم. {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ }: سمى شهادتهم تلك أيماناً. وقرأ الجمهور: أيمانهم، بفتحالهمزة جمع يمين؛ والحسن: بكسرها، مصدر آمن. ولما ذكر أنهم كاذبون، أتبعهم بموجب كفرهم، وهو اتخاذ أيمانهم جنة يستترون بها،ويذبون بها عن أنفسهم وأموالهم، كما قال بعض الشعراء:

وما انتسبوا إلى الإسلام إلا     لصون دمائهم أن لا تسالا

ومن أيمانهم أيمان عبد الله، ومن حلف معه من قومه أنه ما قال ما نقلهزيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ، جعلوا تلك الأيمان جنة تقي من القتل، وقال أعشى همدان:

إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة     من المال سار القوم كل مسير

وقال الضحاك: اتخذوا حلفهمبالله أنهم لمنكم. وقال قتادة: كلما ظهر شيء منهم يوجب مؤاخذتهم، حلفوا كاذبين عصمة لأموالهم ودمائهم. وقال السدي: {جَنَّةُ }من ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا، {فَصَدُّواْ }: أي أعرضوا وصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام، {ذٰلِكَ } أيذلك الحلف الكاذب والصد المقتضيان لهم سوء العمل بسبب أيمانهم ثم كفرهم. وقال ابن عطية: ذلك إشارة إلى فعل اللهبهم في فضيحتهم وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى: ساء عملهم بأن كفروا. وقال الزمخشري: ذلكالقول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالاً بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا، أو إلى ما وصف من حالهم في النفاقوالكذب والاستخفاف بالإيمان، أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا. وقرأ الجمهور: {فَطُبِعَ } مبنياً للمفعول؛ وزيد بن علي:مبنياً للفاعل: أي فطبع الله؛ وكذا قراءة الأعمش وزيد في رواية مصرحاً بالله. ويحتمل على قراءة زيد الأولى أن يكونالفاعل ضميراً يعود على المصدر المفهوم من ما قبله، أي فطبع هو، أي بلعبهم بالدين. ومعنى {ءامَنُواْ }: نطقوا بكلمةالشهادة وفعلوا كما يفعل المسلمون، {ثُمَّ كَفَرُواْ }: أي ظهر كفرهم بما نطقوا به من قولهم: لئن كان محمد مايقوله حقاً فنحن شر من الحمير، وقولهم: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر؟ هيهات، أو نطقوا بالإيمانعند المؤمنين وبالكفر عند شياطينهم، أو ذلك فيمن آمن ثم ارتد. {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ }: الخطاب للرسول صلىالله عليه وسلم، أو للسامع: أي لحسنها ونضارتها وجهارة أصواتهم، فكان منظرهم يروق، ومنطقهم يحلو. وقرأ الجمهور: {تُسْمِعُ } بتاءالخطاب؛ وعكرمة وعطية العوفي: يسمع بالياء مبنياً للمفعول، و{لِقَوْلِهِمْ }: الجار والمجرور هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وليست اللامزائدة، بل ضمن يسمع معنى يصغ ويمل، تعدى باللام وليست زائدة، فيكون قولهم هو المسموع. وشبهوا بالخشب لعزوب أفهامهم وفراغقلوبهم من الإيمان، ولم يكن حتى جعلها مسندة إلى الحائط، لا انتفاع بها لأنها إذا كانت في سقف أو مكانينتفع بها، وأما إذا كانت غير منتفع بها فإنها تكون مهملة مسندة إلى الحيطان أو ملقاة على الأرض قد صففت،أو شهوة بالخشب التي هي الأصنام وقد أسندت إلى الحيطان، والجملة التشبيهية مستأنفة، أو على إضمارهم. وقرأ الجمهور: {خُشُبٌ }بضم الخاء والشين؛ والبراء بن عازب والنحويان وابن كثير: بإسكان الشين، تخفيف خشب المضموم. وقيل: جمع خشباء، كحمر جمع حمراء،وهي الخشبة التي نخر جوفها، شبهوا بها في فساد بواطنهم. وقرأ ابن المسيب وابن جبير: خشب بفتحتين، اسم جنس، الواحدخشبة، وأنث وصفه كقوله: { أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } ، أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. وذكر ممن كان ذا بهاء وفصاحةعبد الله بن أبيّ، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير. قال الشاعر في مثل هؤلاء:

لا تخدعنك اللحى ولا الصور     تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشرا
وليس فيها لطالب مطر في شجر السرو منهم شبه     له رواء وما له ثمر

وقيل: الجملةالتشبيهية وصف لهم بالجبن والخور، ويدل عليه: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } في موضع المفعول الثاني ليحسبون، أي واقعة عليهم،وذلك لجبنهم وما في قلوبهم من الرعب. قال مقاتل: كانوا متى سمعوا بنشدان ضالة أو صياحاً بأي وجه كان، أوأخبروا بنزول وحي، طارت عقولهم حتى يسكن ذلك ويكون في غير شأنهم، وكانوا يخافون أن ينزل الله تعالى فيهم ماتباح به دماؤهم وأموالهم، ونحو هذا قول الشاعر:

يروعه السرار بكل أرض     مخافة أن يكون به السرار

وقال جرير:

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم     خيلاً تكر عليهم ورجالا

أنشده ابن عطيةلجرير، ونسب هذا البيت الزمخشري للأخطل. قال: ويجوز أن يكون {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } المفعول الثاني كما لو طرحت الضمير. فإنقلت: فحقه أن يقول: هي العدو. قلت: منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في هذا ربي، وأن يقدر مضاف محذوفعلى يحسبون كل أهل صيحة. انتهى. وتخريج {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } على أنه مفعول ثان ليحسبون تخريج متكلف بعيد عن الفصاحة،بل المتبادر إلى الذهن السليم أن يكون {هُمُ ٱلْعَدُوُّ } إخباراً منه تعالى بأنهم، وإن أظهروا الإسلام وأتباعهم، هم المبالغونفي عداوتك؛ ولذلك جاء بعده أمره تعالى إياه بحذرهم فقال: {فَٱحْذَرْهُمْ }، فالأمر بالحذر متسبب عن إخباره بأنهم هم العدو.و{قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ }: دعاء يتضمن إبعادهم، وأن يدعو عليهم المؤمنون بذلك. {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }: أي كيف يصرفون عن الحق، وفيهتعجب من ضلالهم وجهلهم. ولما أخبره تعالى بعداوتهم، أمره بحذرهم، فلا يثق بإظهار مودتهم، ولا بلين كلامهم. و{قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ}: كلمة ذم وتوبيخ، وقالت العرب: قاتله الله ما أشعره. يضعونه موضع التعجب، ومن قاتله الله فهو مغلوب، لأنه تعالىهو القاهر لكل معاند. وكيف استفهام، أي كيف يصرفون عن الحق ولا يرون رشد أنفسهم؟ قال ابن عطية: ويحتمل أنيكون أنى ظرفاً لقاتلهم، كأنه قال: قاتلهم الله كيف انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في هذا القول استفهام على هذا.انتهى. ولا يصح أن يكون أنى لمجرد الظرف، بل لا بد يكون ظرفاً استفهاماً، إما بمعنى أين، أو بمعنى متى،أو بمعنى كيف، أو شرطاً بمعنى أين. وعلى هذه التقادير لا يعمل فيها ما قبلها، ولا تتجرد لمطلق الظرفية بحالمن غير اعتبار ما ذكرناه، فالقول بذلك باطل. ولما صدق الله زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابنسلول، مقت الناس ابن سلول ولامه المؤمنون من قومه، وقال له بعضهم: امض إلى رسول الله ﷺواعترف بذنبك يستغفر لك، فلوّى رأسه إنكاراً لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم عليّ بالإيمان فآمنت، وأشرتم عليّ بأن أعطيزكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد ويستغفر مجزوم على جواب الأمر، ورسول الله يطلب عاملان،أحدهما {يَسْتَغْفِرِ }، والآخر {تَعَالَوْاْ }؛ فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة، ولو أعمل الأول لكان التركيب: تعالوا يستغفرلكم إلى رسول الله ﷺ. وقرأ مجاهد ونافع وأهل المدينة وأبو حيوة وابن أبي عبلة والمفضل وأبانعن عاصم والحسن ويعقوب، بخلاف عنهما: {لَوَّوْاْ }، بفتح الواو؛ وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى وأبو رجاء والأعرج وباقي السبعة:بشدها للتكثير. وليّ رءوسهم، على سبيل الاستهزاء واستغفار الرسول لهم، هو استتابتهم من النفاق، فيستغفر لهم، إذ كان استغفاره متسبباًعن استتابتهم، فيتوبون وهم يصدون عن المجيء واستغفار الرسول. وقرىء: يصدون ويصدون، جملة حالية، وأتت بالمضارع ليدل على استمرارهم، {وَهُممُّسْتَكْبِرُونَ }: جملة حالية أيضاً. ولما سبق في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون البتة، سوى بين استغفاره لهم وعدمه.وحكى مكي أنه عليه الصلاة والسلام كان استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام. وقال ابن عباس: نزلت هذه بعد قولهتعالى في براءة أن تستغفر لهم سبعين مرة، وقوله عليه الصلاة والسلام: سوف أستغفر لهم زيادة على السبعين ، فنزلت هذهالآية، فلم يبق للاستغفار وجه. وقرأ الجمهور: {أَسْتَغْفَرْتَ } بهمزة التسوية التي أصلها همزة الاستفهام، وطرح ألف الوصل؛ وأبو جعفر:بمدة على الهمزة. قيل: هي عوض من همزة الوصل، وهي مثل المدة في قوله: { قُلْ آلذكرين حَرَّمَ } ، لكن هذهالمدة في الاسم لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، ولا يحتاج ذلك في الفعل، لأن همزة الوصل فيه مكسورة. وعن أبي جعفرأيضاً: ضم ميم عليهم، إذ أصلها الضم، ووصل الهمزة. وروى معاذ بن معاذ العنبري، عن أبي عمرو: كسر الميم علىأصل التقاء الساكنين، ووصل الهمزة، فتسقط في القراءتين، واللفظ خبر، والمعنى على الاستفهام، والمراد التسوية، وجاز حذف الهمزة لدلالة أمعليها، كما دلت على حذفها في قوله:

بسـبع رمينـا الجمـر أم بثمـان    

يريد: أبسبع. وقال الزمخشري: وقرأ أبو جعفر: آستغفرت،إشباعاً لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلب همزة الوصل ألفاً كما في: آلسحر، وآلله. وقال ابن عطية: وقرأ أبو جعفربن القعقاع: آستغفرت، بمدة على الهمزة، وهي ألف التسوية. وقرأ أيضاً: بوصل الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كلهضعف، لأنه في الأولى أثبت همزة الوصل وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية حذف همزة الاستفهام وهو يريدها، وهذامما لا يستعمل إلا في الشعر. {هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ }: إشارة إلى ابن سلول ومن وافقه من قومه، سفهأحلامهم في أنهم ظنوا أن رزق المهاجرين بأيديهم، وما علموا أن ذلك بيد الله تعالى. {لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَرَسُولِ ٱللَّهِ }: إن كان الله تعالى حكى نص كلامهم، فقولهم: {عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } هو على سبيلالهزء، كقولهم: { وَقَالُواْ يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } ، أو لكونه جرى عندهم مجرى اللعب، أي هو معروفبإطلاق هذا اللفظ عليه، إذ لو كانوا مقرين برسالته ما صدر منهم ما صدر. فالظاهر أنهم لم ينطقوا بنفس ذلكاللفظ، ولكنه تعالى عبر بذلك عن رسوله ﷺ، إكراماً له وإجلالاً. وقرأ الجمهور: {يَنفَضُّواْ }: أي يتفرقواعن الرسول؛ والفضل بن عيسى: ينفضوا، من انفض القوم: فني طعامهم، فنفض الرجل وعاءه، والفعل من باب ما يعدى بغيرالهمزة، وبالهمزة لا يتعدى. قال الزمخشري: وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم. وقرأ الجمهور: {لَيُخْرِجَنَّ ٱلاْعَزُّ مِنْهَا ٱلاْذَلَّ }: فالأعزفاعل، والأذل مفعول، وهو من كلام ابن سلول، كما تقدم. ويعني بالأعز: نفسه وأصحابه، وبالأذل: المؤمنين. والحسن وابن أبي عبلةوالسبي في اختياره: لنخرجن بالنون، ونصب الأعز والأذل، فالأعز مفعول، والأذل حال. وقرأ الحسن، فيما ذكر أبو عمر والداني: لنخرجن،بنون الجماعة مفتوحة وضم الراء، ونصب الأعز على الاختصاص، كما قال: نحن العرب أقرى الناس للضيف؛ ونصب الأذل على الحال،وحكى هذه القراءة أبو حاتم. وحكى الكسائي والفراء أن قوماً قرأوا: ليخرجن بالياء مفتوحة وضم الراء، فالفاعل الأعز، ونصب الأذلعلى الحال. وقرىء: مبنياً للمفعول وبالياء، الأعز مرفوع به، الأذل نصباً على الحال. ومجيء الحال بصورة المعرفة متأول عند البصريين،فما كان منها بأل فعلى زيادتها، لا أنها معرفة. ولما سمع عبد الله، ولد عبد الله بن أبي هذهالآية، جاء إلى أبيه فقال: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز. فلما دنا منالمدينة، جرد السيف عليه ومنعه الدخول حتى يأذن له رسول الله ﷺ، وكان فيما قال له: وراءكلا تدخلها حتى تقول رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيساً في يده حتى أذنله رسول الله ﷺ بتخليته. وفي هذا الحديث أنه قال لأبيه: لئن لم تشهد لله ولرسوله بالعزةلأضربن عنقك، قال: أفاعل أنت؟ قال: نعم، فقال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقيل للحسن بن علي رضي اللهتعالى عنهما: أن فيك تيهاً، فقال: ليس بتيه ولكنه عزة، وتلا هذه الآية. {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ } بالسعي فينمائها والتلذذ بجمعها، {وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ } بسروركم بهم وبالنظر في مصالحهم في حياتكم وبعد مماتكم، {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }: هوعام في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء. وقال نحواً منه الحسن وجماعة. وقال الضحاك وعطاء:أكد هنا الصلاة المكتوبة. وقال الحسن أيضاً: جميع الفرائض. وقال الكلبي: الجهاد مع رسول الله ﷺ. وقيل:القرآن. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ }: أي الشغل عن ذكر الله بالمال والولد، {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }، حيث آثروا العاجل علىالآجل، والفاني على الباقي. {وَأَنفِقُواْ مِمَّا * رَزَقْنَـٰكُمْ }، قال الجمهور: المراد الزكاة. وقيل: عام في المفروض والمندوب. وعنابن عباس: نزلت في مانعي الزكاة، والله لو رأى خيراً ما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقي الله؟ يسأل المؤمنونالكرة، قال: نعم أنا أقرأ عليكم به قرآناً، يعني أنها نزلت في المؤمنين، وهم المخاطبون بها. {لَوْلا أَخَّرْتَنِى }: أيهلا أخرت موتي إلى زمان قليل؟ وقرأ الجمهور: فأصّدّق، وهو منصوب على جواب الرغبة؛ وأبي وعبد الله وابن جبير: فأتصدقعلى الأصل. وقرأ جمهور السبعة: {وَأَكُن } مجزوماً. قال الزمخشري: {وَأَكُن } بالجزم عطفاً على محل {فَأَصَّدَّقَ }، كأنه قيل:إن أخرتني أصدق وأكن. انتهى. وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع، لأن التقدير: إن تؤخرني أصدق وأكن، هذا مذهب أبيعلي الفارسي. فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا، وهو أنه جزم وأكن على توهم الشرط الذي يدلعليه بالتمني، ولا موضع هنا، لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع، حيث يظهر الشرط كقوله تعالى: {مَن يُضْلِلِٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ }. فمن قرأ بالجزم عطف على موضع { فَلاَ هَادِيَ لَهُ } ، لأنه لو وقع هنالكفعل كان مجزوماً. انتهى. والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم: أن العامل في العطف على الموضع موجود دونمؤثره، والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود. وقرأ الحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبي إسحاق ومالك بندينار والأعمش وابن محيصن وعبد الله بن الحسن العنبري وأبو عمرو: وأكون بالنصب، عطفاً على {فَأَصَّدَّقَ }، وكذا في مصحفعبد الله وأبي. وقرأ عبيد بن عمير: وأكون بضم النون على الاستئناف، أي وأنا أكون، وهو وعد الصلاح. {وَلَن يُؤَخّرَٱللَّهُ نَفْساً }: فيه تحريض على المبادرة بأعمال الطاعات حذاراً أن يجيء الأجل، وقد فرط ولم يستعد للقاء الله. وقرأالجمهور: {تَعْمَلُونَ } بتاء الخطاب، للناس كلهم؛ وأبو بكر: بالياء، خص الكفار بالوعيد، ويحتمل العموم.