تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الممتحنة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } * { إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } * { لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } * { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } * { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } * { عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } * { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } * { وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ } {ٱلْحَكِيمُ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْكَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ٱلْحَقّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء }.هذه السورة مدنية، ونزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة، كان قد وجه كتاباً، مع امرأة إلى أهل مكة يخبرهمبأن رسول الله ﷺ متوجه إليهم لغزوهم؛ فأطلع الله رسوله ﷺ على ذلك، ووجهإلى المرأة من أخذ الكتاب منها، والقصة مشهورة في كتب الحديث والسير. ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه لماذكر فيما قبلها حالة المنافقين والكفار، افتتح هذه بالنهي عن موالاة الكفار والتودّد إليهم، وأضاف في قوله: {عَدُوّى } تغليظاً،لجرمهم وإعلاماً بحلول عقاب الله بهم. والعدو ينطلق على الواحد وعلى الجمع، وأولياء مفعول ثان لتتخذوا. {تُلْقُونَ }: بيان لموالاتهم،فلا موضع له من الإعراب، أو استئناف إخبار. وقال الحوفي والزمخشري: حال من الضمير في {لاَ تَتَّخِذُواْ }، أو صفةلأولياء، وهذا تقدّمه إليه الفراء، قال: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } من صلة {أَوْلِيَاء }. انتهى. وعندهم أن النكرة توصل، وعندالبصريين لا توصل بل توصف، والحال والصفة قيد وهم قد نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً، والتقييد يدل على أنه يجوزأن يتخذوا أولياء إذا لم يكونوا في حال إلقاء المودة، أو إذا لم يكن الأولياء متصفين بهذا الوصف، وقد قالتعالى: { يُوقِنُونَ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } ، فدل على أنه لا يقتصر على تلك الحال ولاذلك الوصف. والأولياء عبارة عن الإفضاء بالمودة، ومفعول {تُلْقُونَ } محذوف، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليهوسلم وأسراره. والباء في {بِٱلْمَوَدَّةِ } للسبب، أي بسبب المودة التي بينهم. وقال الكوفيون: الباء زائدة، كما قيل: في: {وَلاَتُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }: أي أيديكم. قال الحوفي: وقال البصريون هي متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل، وكذلك قوله { بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } : أي إرادته بإلحاد. انتهى. فعلى هذا يكون {بِٱلْمَوَدَّةِ } متعلقاً بالمصدر، أي إلقاؤهم بالمودّة، وهذا ليس بجيد،لأن فيه حذف المصدر، وهو موصول، وحذف الخبر، إذ إلقاؤهم مبتدأ وبما يتعلق به، {وَقَدْ كَفَرُواْ } جملة حالية، وذوالحال الضمير في {تُلْقُونَ }: أي توادونهم، وهذه حالهم، وهي الكفر بالله، ولا يناسب الكافر بالله أن يودّ. وأجاز الزمخشريأن يكون حالاً من فاعل {لاَ تَتَّخِذُواْ }. وقرأ الجمهور: {بِمَا جَاءكُمْ }، والجحدري والمعلى عن عاصم: لما باللاممكان الباء، أي لأجل ما جاءكم. {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ }: استئناف، كالتفسير لكفرهم، أو حال من ضمير {كَفَرُواْ }، {وَإِيَّـٰكُمْ }:معطوف على الرسول. وقدّم على إياكم الرسول لشرفه، ولأنه الأصل للمؤمنين به. ولو تقدّم الضمير لكان جائزاً في العربية، خلافاًلمن خص ذلك بالضرورة، قال: لأنك قادر على أن تأتي به متصلاً، فلا تفصل إلا في الضرورة، وهو محجوج بهذهالآية وبقوله تعالى: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } وإياكم أن اتقوا ألله، وقدّم الموصول هنا على المخاطبينللسبق في الزمان وبغير ذلك من كلام العرب. و{أَن تُؤْمِنُواْ } مفعول من أجله، أي يخرجون لإيمانكم أو كراهة إيمانكم،{إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ }: شرط جوابه محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، وهو قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى }، ونصب جهاداً وابتغاءعلى المصدر في موضع الحال، أي مجاهدين ومبتغين، أو على أنه مفعول من أجله. {تُسِرُّونَ }: استئناف، أي تسرون وقدعلمتم أني أعلم الإخفاء والإعلان، وأطلع الرسول ﷺ على ذلك، فلا طائل في فعلكم هذا. وقال ابنعطية: {تُسِرُّونَ } بدل من {تُلْقُونَ }. انتهى، وهو شبيه ببدل الاشتمال، لأن الإلقاء يكون سراً وجهراً، فهو ينقسم إلىهذىن النوعين. وأجاز أيضاً أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنتم تسرون. والظاهر أن {أَعْلَمُ } أفعل تفضيل، ولذلك عداهبالباء. وأجاز ابن عطية أن يكون مضارعاً عدى بالباء قال: لأنك تقول علمت بكذا. {وَأَنَاْ أَعْلَمُ }: جملة حالية، والضميرفي {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ }، الظاهر أنه إلى أقرب مذكور، أي ومن يفعل الأسرار. وقال ابن عطية: يعود على الاتخاذ،وانتصب سواء على المفعول به على تقدير تعدى ضل، أو على الظرف على تقدير اللزوم، والسواء: الوسط. ولما نهىالمؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء، وشرح ما به الولاية من الإلقاء بالمودة بينهم، وذكر ما صنع الكفار بهم أولاً منإخراج الرسول ﷺ والمؤمنين، ذكر صنيعهم آخراً لو قدروا عليه من أنه إن تمكنوا منكم تظهر عداوتهملكم، ويبسطوا أيديهم بالقتل والتعذيب، وألسنتهم بالسب؛ وودوا لو ارتددتم عن دينكم الذي هو أحب الأشياء إليكم، وهو سبب إخراجهمإياكم. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعاً مثله، ثم قال {وَوَدُّواْ } بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي، وإنكان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإنه فيه نكتة كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركموارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعاً. انتهى. وكأن الزمخشري فهم من قوله: {وَوَدُّواْ } أنهمعطوف على جواب الشرط، فجعل ذلك سؤالاً وجواباً. والذي يظهر أن قوله: {وَوَدُّواْ } ليس على جواب الشرط، لأن ودادتهمكفرهم ليست مترتبة على الظفر بهم والتسلط عليهم، بل هم وادون كفرهم على كل حال، سواء أظفروا بهم أم لميظفروا، وإنما هو معطوف على جملة الشرط والجزاء، أخبر تعالى بخبرين: أحدهما اتضاح عداوتهم والبسط إليهم ما ذكر على تقديرالظفر بهم، والآخر ودادتهم كفرهم، لا على تقدير الظفر بهم. ولما كان حاطب قد اعتذر بأن له بمكة قرابة،فكتب إلى أهلها بما كتب ليرعوه في قرابته، قال تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ }: أي قراباتكم الذين توالونالكفار من أجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم. ويوم معمول لينفعكم أو ليفصل. وقرأ الجمهور؛ {يُفَصّلُ } بالياء مخففاً مبنياً للمفعول.وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر: كذلك إلا أنه مشدد، والمرفوع، إما {بَيْنِكُمْ }، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى مبني،وإما ضمير المصدر المفهوم من يفصل، أي يفصل هو، أي الفصل. وقرأ عاصم والحسن والأعمش: يفصل بالياء مخففاً مبنياً للفاعل؛وحمزة والكسائي وابن وثاب: مبنياً للفاعل بالياء مضمومة مشدداً؛ وأبو حيوة وابن أبي عبلة: كذلك إلا أنه بالنون مشدداً؛ وهماأيضاً وزيد بن علي: بالنون مفتوحة مخففاً مبنياً للفاعل؛ وأبو حيوة أيضاً: بالنون مضمومة، فهذا ثماني قراآت. ولما نهىعن موالاة الكفار، ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار ليقتدوا به في ذلك ويتأسوا.وقرأ الجمهور: إسوة بكسر الهمزة، وعاصم بضمها، وهما لغتان. {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ }، قيل: من آمن به. وقال الطبري وغيره: الأنبياءمعاصروه، أو كانوا قريباً من عصره، لأنه لم يرو أنه كان له أتباع مؤمنون في مكافحته لهم ولنمروذ. ألا تراهقال لسارة حين رحل إلى الشام مهاجراً من بلد نمروذ: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك؟ والتأسي بإبراهيمعليه السلام هو في التبرؤ من الشرك، وهو في كل ملة وبرسولنا عليه الصلاة والسلام على الإطلاق في العقائد وأحكامالشرع. وقرأ الجمهور؛ {بَرَاء } جمع بريء، كظريف وظرفاء؛ وعيسى: براء جمع بريء أيضاً، كظريف وظراف؛ وأبو جعفر: بضم الباء،كتؤام وظؤار، وهم اسم جمع الواحد بريء وتوأم وظئر، ورويت عن عيسى. قال أبو حاتم: زعموا أن عيسى الهمداني روواعنه براء على فعال، كالذي في قوله تعالى: { إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ } في الزخرف، وهو مصدر على فعال يوصفبه المفرد والجمع. وقال الزمخشري: وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب. انتهى. فالضمة في ذلك ليست بدلاً منكسرة، بل هي ضمة أصلية، وهو قريب من أوزان أسماء الجموع، وليس جمع تكسير، فتكون الضمة بدلاً من الكسرة، إلاقول إبراهيم استثناء من قوله: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }، قاله قتادة والزمخشري. قال مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم: المعنى أن الأسوةلكم في هذا الوجه لا في الوجه الآخر، لأنه كان لعلمه ليست في نازلتكم. وقال الزمخشري: فإن قلت: فإنكان قوله: {لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } مستثنى من القول الذي هو {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }، فما بال قوله: {فَمَا أَمْلِكُ لَكَمِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء }، وهو غير حقيق بالاستثناء؟ ألا ترى إلى قوله: {فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً }؟قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أناأستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. انتهى. وقال الزمخشري: أولاً بعد أن ذكر أن الاستثناء هو من قوله: {أُسْوَةٌحَسَنَةٌ } في مقالات قال: لأنه أراد بالأسوة الحسنة، فهو الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذوه سنة يستنون بها.انتهى. والذين يظهر أنه مستثنى من مضاف لإبراهيم تقديره: أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه إلا قول إبراهيم لأبيه{لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }، فليس فيه أسوة حسنة، فيكون على هذا استثناء متصلاً. وأما أن يكون قول إبراهيم مندرجاً في أسوةحسنة، لأن معنى الأسوة هو الاقتداء والتأسي، فالقول ليس مندرجاً تحته، لكنه مندرج تحت مقالات إبراهيم عليه السلام. وقال ابنعطية: ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت، لم تبق جملة إلا كذا. انتهى. وقيل: هو استثناء منقطعالمعنى، لكن قول إبراهيم لأبيه {لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }، فلا تأسوا به فيه فتستغفروا وتفذوا آباءكم الكفار بالاستغفار. {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} وما بعده، الظاهر أنه من تمام قول إبراهيم متصلاً بما قبل الاستثناء، وهو من جملة ما يتأسى به فيه،وفصل بينهما بالاستثناء اعتناء بالاستثناء ولقربه من المستثنى منه، ويجوز أن يكون أمراً من الله للمؤمنين، أي قولوا ربنا عليكتوكلنا، علمهم بذلك قطع العلائق التي بينهم وبين الكفار. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ }، قال ابن عباس:لا تسلطهم علينا فيسبوننا ويعذبوننا. وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك، فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون، فيفتنوالذلك. وقال قريباً منه قتادة وأبو مجلز، وقول ابن عباس أرجح لأنه دعاء لأنفسهم، وعلى قول غيره دعاء للكافرين، والضميرفي فيهم عائد على إبراهيم والذين معه، وكررت الأسوة تأكيداً، وأكد ذلك بالقسم أيضاً، ولمن يرجو بدل من ضمير الخطاب،بدل بعض من كل. وروي أنه لما نزلت هذه الآية، عزم المسلمون على إظهار عداوات أقربائهم الكفار، ولحقهم هملكونهم لم يؤمنوا حتى يتوادوا، فنزل {عَسَى ٱللَّهُ } الآية مؤنسة ومرجئة، فأسلم الجميع عام الفتح وصاروا إخواناً. ومن ذكرأن هذه المودة هي تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأنها كانت بعد الفتح فقدأخطأ، لأن تزويجها كان وقت هجرة الحبشة، وهذه الآيات سنة ست من الهجرة، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلاأن يسوقه مثالاً، وإن كان متقدماً لهذه الآية، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المودات، قاله ابن عطية.وعسى من الله تعالى واجبة الوقوع، {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ } على تقليب القلوب وتيسير العسير، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لمن أسلم منالمشركين. {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ } الآية، قال مجاهد: نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا، فكانوا في رتبة سوءلتركهم فرض الهجرة. وقىل: في مؤمنين من أهل مكة وغيرها تركوا الهجرة. وقال الحسن وأبو صالح: في خزاعة وبين الحارثبن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب، كانوا مظاهرين للرسول محبين فيه وفي ظهوره. وقيل: فيمن لم يقاتل، ولا أخرجولا أظهر سوأ من كفار قريش. وقال قرة الهمداني وعطية العوفي: في قوم من بني هاشم منهم العباس. وقال عبدالله بن الزبير: في النساء والصبيان من الكفرة. وقال النحاس والثعلبي: أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطىعوا الهجرة. وقيل:قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه أمّها نفيلة بنت عبد العزى، وهي مشركة، بهدايا، فلم تقبلهاولم تأذن لها بالدخول، فنزلت الآية، فأمرها رسول الله ﷺ أن تدخلها منزلها وتقبل منها وتكفيها وتحسنإليها. قال ابن عطية: وكانت المرأة فيما روي خالتها فسمتها أمّاً؛ وفي التحرير: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالىعنه طلق امرأته نفيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت في المدة التي فيها الهدنة وأهدت إلىأسماء قرطاً وأشياء، فكرهت أن تقبل منها، فنزلت الآية. و{أَن تَبَرُّوهُمْ }، و{ءانٍ } بدلان مما قبلهما، بدل اشتمال.قوله عز وجل: {ٱلظَّـٰلِمُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّإِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ }. كان صلح الحديبية قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يردإليهم، ومن أتى المسلمين من أهل مكة رد إليهم، فجاءت أم كلثوم، وهي بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أولامرأة هاجرت بعد هجرة رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية، فخرج في أثرها أخواها عمارة والوليد، فقالا:يا محمد أوف لنا بشرطنا، فقالت: يا رسول الله حال النساء إلى الضعف، كما قد علمت، فتردني إلى الكفار يفتنونيعن ديني ولا صبر لي، فنقض الله العهد في النساء، وأنزل فيهن الآية، وحكم بحكم رضوه كلهم. وقيل: سبب نزولهاسبيعة بنت الحارث الأسلمية، جاءت الحديبية مسلمة، فأقبل زوجها مسافر المخدومي. وقيل: صيفي بن الراهب، فقال: يا محمد اردد عليامرأتي، فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بياناً أن الشرطإنما كان في الرجال دون النساء. وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن سبب نزولها أميمة بنت بشر بن عمرو بن عوف،امرأة حسان بن الدحداحة، وسماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن، وذلك لنطقهن بكلمة الشهادة، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك،أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان. وقرىء: مهاجرات بالرفع على البدل من المؤمنات، وامتحانهن، قالت عائشة: بآية المبايعة. وقيل:بأن بشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وقال ابن عباس: بالحلف إنها ما خرجت إلا حباًلله ورسوله ورغبة في دين الإسلام. وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة وعكرمة: كانت تستحلف أنها ما هاجرت لبغض فيزوجها، ولا لجريرة جرتها، ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ }: لأنهتعالى هو المطلع على أسرار القلوب ومخبآت العقائد، {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ }: أطلق العلم على الظن الغالب بالحلف وظهور الإمارات بالخروجمن الوطن، والحلول في قوم ليسوا من قومها، وبين انتفاء رجعهن إلى الكفار أزواجهن، وذلك هو التحريم بين المسلمة والكافر.وقرأ طلحة: لا هن يحلان لهم، وانعقد التحريم بهذه الجملة، وجاء قوله: {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } على سبيلالتأكيد وتشديد الحرمة، لأنه إذا لم تحل المؤمنة للكافر، علم أنه لا حل بينهما البتة. وقيل: أفاد قوله: {وَلاَ هُمْيَحِلُّونَ لَهُنَّ } استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل، كما هو في الحال ما داموا على الإشراك وهن على الإيمان. {يٰأَيُّهَاٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }: أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت، فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية.قال ابن عباس: أعطى رسول الله ﷺ، بعد إمتحانها زوجها الكافر، ما أنفق عليها، فتزوجها عمر بنالخطاب رضي الله تعالى عنه، وكان إذا امتحنهن، أعطى أزواجهن مهورهن. وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما كان فينساء أهل العهد، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين، فلا يرد عليه الصداق، والأمر كما قال قتادة، ثم نفىالحرج في نكاح المؤمنين اياهن إذا آتوهن مهورهن، ثم أمر تعالى المؤمنين بفراق نسائهن الكوافر عوابد الأوثان. وقرأ الجمهور:{تُمْسِكُواْ } مضارع أمسك، كأكرم؛ وأبو عمرو ومجاهد: بخلاف عنه؛ وابن جبير والحسن والأعرج: مضارع مسك مشدّداً؛ والحسن أيضاً وابنأبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ: تمسكوا بفتح الثلاثة، مضارع تمسك محذوف الثانيبتمسكوا؛ والحسن أيضاً: تمسكوا بكسر السين، مضارع مسك ثلاثياً. وقال الكرخي: {ٱلْكَوَافِرِ }، يشمل الرجال والنساء، فقال له أبو عليالفارسي: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء، جمع كافرة، وقال: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة؟ قال أبو علي:فبهت فقلت: هذا تأييد. انتهى. وهذا الكرخي معتزلي فقيه، وأبو علي معتزلي، فأعجبه هذا التخريج، وليس بشيء لأنه لا يقالكافرة في وصف الرجال إلا تابعاً لموصوفها، أو يكون محذوفاً مراداً، أما بغير ذلك فلا يجمع فاعلة على فواعل إلاويكون للمؤنث. والعصم جمع عصمة، وهي سبب البقاء في الزوجية. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }: أي واسألوا الكافرين ما أنفقتم علىأزواجكم إذا فروا إليهم، {وَلْيَسْـئَلُواْ }: أي الكفار ما أنفقوا على أزواجهم إذ فروا إلى المؤمنين. ولما تقرر هذاالحكم، قالت قريش، فيما روي: لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةالأخرى: {وَإِن فَاتَكُمْ }، فأمر تعالى المؤمنين أن يدفعوا من فرت زوجته من المسلمين، ففاتت بنفسها إلى الكفار وانقلبت منالإسلام، ما كان مهرها. قال الزمخشري: فإن قلت: هل لإيقاع شيء في هذا الموضوع فائدة؟ قلت: نعم، الفائدة فيه أنلا يغادر شيء من هذا الجنس، وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظاً في هذا الحكم وتشديداً فيه. انتهى. واللاتيارتددن من نساء المهاجرين ولحقن بالكفار: أم الحكم بنت أبي سفيان، زوج عياض بن شداد الفهري؛ وأخت أم سلمة فاطمةبنت أبي أمية، زوج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ وعبدة بنت عبد العزى، زوج هشام بن العاصي؛ وأمكلثوم بنت جرول، زوج عمر أيضاً. وذكر الزمخشري أنهن ست، فذكر: أم الحكم، وفاطمة بنت أبي أمية زوج عمر بنالخطاب، وعبدة وذكر أن زوجها عمرو بن ود، وكلثوم، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وهند بنت أبيجهل كانت تحت هشام بن العاصي، أعطى أزواجهن رسول الله ﷺ مهورهن من الغنيمة. وقرأ الجمهور{فَعَـٰقَبْتُمْ } بألف؛ ومجاهد والزهري والأعرج وعكرمة وحميد وأبو حيوة والزعفراني: بشد القاف؛ والنخعي والأعرج أيضاً وأبو حيوة أيضاً والزهريأيضاً وابن وثاب: بخلاف عنه بخف القاف مفتوحة؛ ومسروق والنخعي أيضاً والزهري أيضاً: بكسرها؛ ومجاهد أيضاً: فاعقبتم على وزن افعل،يقال: عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي جاء فعل كل واحد منهما يعقب فعل الآخر، ويقال: أعقب، قال:

وحادرت البلد الحلاد ولم يكن     لعقبة قدر المستعيرين يعقب

وعقب: أصاب عقبى، والتعقيب: غزو إثر غزو، وعقب بفتح القاف وكسرهامخففاً. وقال الزمخشري: فعاقبتم من العقبة، وهي النوبة. شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساءأولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه، كما يتعاقب في الركوب وغيره، ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداءالمهر. {فَاتُواْ } من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا يؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري،يعطي من صداق من لحق بهم. ومعنى أعقبتم: دخلتم في العقبة، وعقبتم من عقبه إذا قفاه، لأن كل واحد منالمتعاقبين يقفي صاحبه، وكذلك عقبتم بالتخفيف، يقال: عقبه يعقبه. انتهى. وقال الزجاج: فعاقبتم: قاضيتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، وفسرغيرها من القراءات: لكانت العقبى لكم: أي كانت الغلبة لكم حتى غنمتم والكفار من قوله: {إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ }، ظاهره العمومفي جميع الكفار، قاله قتادة ومجاهد. قال قتادة: ثم نسخ هذا الحكم. وقال ابن عباس: يعطى من الغنيمة قبل أنتخمس. وقال الزهري: من مال الفيء؛ وعنه: من صداق من لحق بنا. وقيل: الكفار مخصوص بأهل العهد. وقال الزهري: اقتطعهذا يوم الفتح. وقال الثوري: لا يعمل به اليوم. وقال مقاتل: كان في عهد الرسول فنسخ. وقال ابن عطية: هذهالآية كلها قد ارتفع حكمها. وقال أبو بكر بن العربي القاضي: كان هذا حكم الله مخصوصاً بذلك الزمان في تلكالنازلة بإجماع الأمة. وقال القشيري: قال قوم هو ثابت الحكم إلى الآن. {مُؤْمِنُونَ يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ}: كانت بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفاء، بعدما فرغ من بيعة الرجال، وهو على الصفا وعمرأسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وما مست يده عليه الصلاة والسلام يد امرأة أجنبية قط. وقالت أسماء بنت يزيدبن السكن: كنت في النسوة المبايعات، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك نبايعك، فقال لي عليه الصلاة والسلام: إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن . وكانت هند بنت عتبة في النساء، فقرأ عليهن الآية. فلما قررهنعلى أن لا يشركن بالله شيئاً، قالت هند: وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال؟ تعني أنهذا بين لزومه. فلما وقف على السرقة قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان، لا أدري أيحل ليذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما عبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى اللهعليه وسلم وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة ، قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك.فقال: {وَلاَ يَزْنِينَ }، فقالت: أوتزني الحرة؟ قال: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ }، فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً، وكان ابنها حنظلةبن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله تعالى عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليهوسلم، فقال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ }، فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، ولا يأمر الله إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال:{وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ }، فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. ومعنى قول هند:أو تزني الحرة أنه كان في قريش في الإماء غالباً، وإلا فالبغايا ذوات الربات قد كن حرائر. وقرأعليّ والحسن والسلمي:ولا يقتلن مشدداً، وقتلهن من أجل الفقر والفاقة، وكانت العرب تفعل ذلك. والبهتان، قال الأكثرون: أن تنسب إلى زوجها ولداًليس منه، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك. {بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ }: لأن بطنها الذي تحمله فيهبين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين. وروى الضحاك: البهتان: العضة، لأنها إذا قذفت المرأة غيرها، فقد بهتت مابين يدي المقذوفة ورجليها، إذ نفت عنها ولداً قد ولدته، أو ألحقت بها ولداً لم تلده. وقيل: البهتان: السحر. وقيل:بين أيديهن ألسنتهن بالنميمة، وأرجلهن؛ فروجهن. وقيل: بين أيديهن قبله أو جسة، وأرجلهن الجماع. ومن البهتان الفرية بالقول على أحدمن الناس، والكذب فيما اؤتمنّ عليه من حمل وحيض، والمعروف الذي نهى عن العصيان فيه، قال ابن عباس وأنس وزيدبن أسلم: هو النوح وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر، وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندبها. وروي أن قوماًمن فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم، فقيل لهم: لا تتولوا قوماً مغضوباً عليهم وعلى أنهم اليهود، فسرهمالحسن وابن زيد ومنذر بن سعيد، لأن غضب الله قد صار عرفاً لهم. وقال ابن عباس: كفار قريش، لأن كلكافر عليه غضب من الله. وقيل: اليهود والنصارى. {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلاْخِرَةِ }، قال ابن عباس: من خيرها وثوابها.والظاهر أن من في {مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ } لابتداء الغاية، أي لقاء أصحاب القبور. فمن الثانية كالأولى من الآخرة. فالمعنىأنهم لا يلقونهم في دار الدنيا بعد موتهم. وقال ابن عرفة: هم الذين قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر. انتهى. والكفارعلى هذا كفار مكة، لأنهم إذا مات لهم حميم قالوا: هذا آخر العهد به، لن يبعث أبداً، وهذا تأويل ابنعباس وقتادة والحسن. وقيل: من لبيان الجنس، أي الكفار الذين هم أصحاب القبور، والمأيوس منه محذوف، أي كما يئس الكفارالمقبورون من رحمة الله، لأنه إذا كان حياً لم يقبر، كان يرجى له أن لا ييأس من رحمة الله، إذهو متوقع إيمانه، وهذا تأويل مجاهد وابن جبير وابن زيد. وقال ابن عطية: وبيان الجنس أظهر. انتهى. وقد ذكرنا أنالظاهر كون من لابتداء الغاية، إذ لا يحتاج الكلام إلى تقدير محذوف. وقرأ ابن أبي الزناد: كما يئس الكافر علىالإفراد. والجمهور: على الجمع. ولما فتح هذه السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياء، ختمها بمثل ذلك تأكيداً لترك مولاتهم وتنفيرالمسلمين عن توليهم وإلقاء المودّة إليهم.