تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الليل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تفسير البحر المحيط
سورة الليل
ابي حيان الغرناطي
بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } * { وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } * { وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } * { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } * { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ } * { وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } * { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } * { وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ } * { وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } * { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } * { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ } * { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } * { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ } * { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ } * { لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى } * { ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } * { وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى } * { ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ } * { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ } * { إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ } * { وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ }

{وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ *إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ *وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ * وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلاْخِرَةَوَٱلاْولَىٰ * فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ * لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلاْشْقَى * ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلاْتْقَى * ٱلَّذِى *يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلاْعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ }.هذه السورة مكية. وقال علي بن أبي طلحة: مدنية. وقيل: فيها مدني. ولما ذكر فيما قبلها

{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا }

، ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما تحصل به الخيبة، ثمحذر النار وذكر من يصلاها ومن يتجنبها، ومفعول يغشى محذوف، فاحتمل أن يكون النهار، كقوله:

{ يغشى الليل النهار }

، وأن يكونالشمس، كقوله:

{ وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا }

. وقيل: الأرض وجميع ما فيها بظلامه. وتجلى: انكشف وظهر، إما بزوال ظلمة الليل، وإمابنور الشمس. أقسم بالليل الذي فيه كل حيوان يأوي إلى مأواه، وبالنهار الذي تنتشر فيه. وقال الشاعر:

يجلي السرى من وجهه عن صفيحة     على السير مشراق كثير شحومها

وقرأ الجمهور: {تَجَلَّىٰ } فعلاً ماضياً، فاعله ضميرالنهار. وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير: تتجلى بتاءين، يعني الشمس. وقرىء: تجلى بضم التاء وسكون الجيم، أي الشمس.{وَمَا خَلَقَ }: ما مصدرية أو بمعنى الذي، والظاهر عموم الذكر والأنثى. وقيل: من بني آدم فقط لاختصاصهم بولايةالله تعالى وطاعته. وقال ابن عباس والكلبي والحسن: هما آدم وحواء. والثابت في مصاحف الأمصار والمتواتر {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ}، وما ثبت في الحديث من قراءة. والذكر والأنثى: نقل آخاد مخالف للسواد، فلا يعد قرآناً. وذكر ثعلب أن منالسلف من قرأ: وما خلق الذكر، بجر الذكر، وذكرها الزمخشري عن الكسائي، وقد خرجوه على البدل من على تقدير: والذيخلق الله، وقد يخرج على توهم المصدر، أي وخلق الذكر والأنثى، كما قال الشاعر:

تطوف العفاة بأبوابه     كما طاف بالبيعة الراهب

بجر الراهب على توهم النطق بالمصدر، رأى كطواف الراهب بالبيعة.{إِنَّ سَعْيَكُمْ }: أي مساعيكم، {لَشَتَّىٰ }: لمتفرقة مختلفة، ثم فصل هذا السعي. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ } الآية: روي أنهانزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كان يعتق ضعفة عبيده الذين أسلموا، وينفق في رضا رسول اللهﷺ ماله، وكان الكفار بضدّه. قال عبد الله بن أبي أوفى: نزلت هذه السورة في أبي بكرالصديق رضي الله تعالى عنه، وأبي سفيان بن حرب. وقال السدّي: نزلت في أبي الدحداح الأنصاري بسبب ما كان يعلقفي المسجد صدقة، وبسبب النخلة التي اشتراها من المنافق بحائط له، وكان الرسول ﷺ ساوم المنافق فيشرائها بنخلة في الجنة، وذلك بسبب الأيتام الذين كانت النخلة تشرف على بيتهم، فيسقط منها الشيء فتأخذه الأيتام، فمنعهم المنافق،فأبى عليه المنافق، فجاء أبو الدحداح وقال: يا رسول الله أنا أشتري النخلة التي في الجنة بهذه، وحذف مفعولي أعطى،إذ المقصود الثناء على المعطى دون تعرض للمعطى والعطية. وظاهره بذل المال في واجب ومندوب ومكرمة. وقال قتادة: أعطى حقالله. وقال ابن زيد: أنفق ماله في سبيل الله. {وَٱتَّقَىٰ }، قال ابن عباس: اتقى الله. وقال مجاهد: واتقى البخل.وقال قتادة: واتقى ما نهي عنه. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ }، صفة تأنيث الأحسن. فقال ابن عباس وعكرمة وجماعة: هي الحلف فيالدنيا الوارد به وعد الله تعالى. وقال مجاهد والحسن وجماعة: الجنة. وقال جماعة: الثواب. وقال السلمي وغيره: لا إله إلاالله. {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ }: أي نهيئة للحالة التي هي أيسر عليه وأهون وذلك في الدنيا والآخرة. وقابل أعطى ببخل،واتقى باستغنى، لأنه زهد فيما عند الله بقوله: {وَٱسْتَغْنَىٰ }، {لِلْعُسْرَىٰ }، وهي الحالة السيئة في الدنيا والآخرة. وقال الزمخشري:فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد كقوله:

{ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء }

،إذ سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر، وطريقة الشر العسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقي الجنة والنار،أي فسنهديهما في الآخرة للطريقين. انتهى، وفي أول كلامه دسيسة الاعتزال. وجاء {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } على سبيل المقابلة لقوله: {وَنُيَسّرُكَلِلْيُسْرَىٰ }، والعسرى لا تيسير فيها، وقد يراد بالتيسير التهيئة، وذلك يكون في اليسرى والعسرى. {وَمَا يُغْنِى }: يجوز أنتكون ما نافية واستفهامية، أي: وأي شيء يغني عنه ماله؟ {إِذَا تَرَدَّىٰ }: تفعل من الرّدى، أي هلك، قاله مجاهد،وقال قتادة وأبو صالح: تردى في جهنم: أي سقط من حافاتها. وقال قوم: تردى بأكفانه، من الردى، وقال مالك بنالذئب:

وخطا بأطراف الأسنة مضجعي     ورداً على عينيّ فضل ردائيا

وقال آخر:

نصيبك مما تجمع الدهر كله     رداءان تلوي فيهما وحنوط

{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ }: التعريف بالسبيل ومنحهمالإدراك، كما قال تعالى:

{ وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ }

. وقال الزمخشري: إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيانالشرائع. {وَإِنَّ لَنَا لَلاْخِرَةَ وَٱلاْولَىٰ }: أي ثواب الدارين، لقوله تعالى:

{ وآتينا أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }

. وقرأ ابن الزبير وزيد بن عليّ وطلحة وسفيان بن عيينة وعبيد بن عمير: تتلطى بتاءين، والبزي بتاء مشدّدة، والجمهور:بتاء واحدة. وقال الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ فيصفتيهما المتناقضتين، فقيل: {ٱلاْشْقَى }، وجعل مختصاً بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقال: {ٱلاْتْقَى }، وجعل مختصاً بالنجاةوكأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل، أو أمية بن خلف وأبو بكر الصديق رضي الله تعالىعنه. {يَتَزَكَّىٰ }، من الزكاة: أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يريد به رياء ولا سمعة، أو يتفعلمن الزكاة، انتهى. وقرأ الجمهور: {يَتَزَكَّىٰ } مضارع تزكى. وقرأ الحسن بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالبرضي الله تعالى عنهم: بإدغام التاء في الزاي، ويتزكى في موضع الحال، فموضعه نصب. وأجاز الزمخشري أن لا يكون لهموضع من الإعراب لأنه جعله بدلاً من صلة الذي، وهو {يُؤْتَىٰ }، قاله: وهو إعراب متكلف، وجاء {تُجْزَىٰ } مبنياًللمفعول لكونه فاصلة، وكان أصله نجزيه إياها أو نجزيها إياه. وقرأ الجمهور: {إِلاَّ ٱبْتِغَاء } بنصب الهمزة، وهو استثناء منقطعلأنه ليس داخلاً في {مِن نّعْمَةٍ }. وقرأ ابن وثاب: بالرفع على البدل في موضع نعمة لأنه رفع، وهي لغةتميم، وأنشد بالوجهين قول بشر بن أبي حازم:

أضحت خلاء قفاراً لا أنيس بها     إلا الجآذر والظلمات تختلف

وقال الراجز في الرفع:

وبلدة ليس بها أنيس     إلا اليعافير وإلا العيس

وقرأ ابن أبي عبلة: {إِلاَّ ٱبْتِغَاء }، مقصوراً. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ابتغاء وجه اللهمفعولاً له على المعنى، لأن معنى الكلام لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمه، انتهى. وهذا أخذهمن قول الفراء. قال الفراء: ونصب على تأويل ما أعطيك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله. {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ }: وعدبالثواب الذي يرضاه. وقرأ الجمهور: {يَرْضَىٰ } بفتح الياء، وقرىء: بضمها، أي يرضى فعله، يرضاه الله ويجازيه عليه.