تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة القيامة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } * { وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ } * { أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } * { بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } * { بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } * { يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ } * { فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ } * { وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ } * { وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } * { يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ } * { كَلاَّ لاَ وَزَرَ } * { إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } * { يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } * { بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } * { وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } * { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } * { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } * { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ } * { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } * { كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ } * { وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ } * { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } * { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } * { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } * { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } * { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ } * { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } * { وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ } * { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ } * { إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ } * { فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ } * { وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } * { ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ } * { أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } * { ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ } * { أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } * { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ } * { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ } * { فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } * { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ } برق بكسر الراء: فزع ودهش، وأصله من برق الرجل، إذا نظر إلى البرقفدهش بصره، ومنه قول ذي الرمّة:

ولو أنّ لقمان الحكيم تعرّضت     لعينيه ميّ سافراً كاد يبرق

قال الأعشى:

وكنت أرى في وجه مية لمحة     فأبرق مغشياً عليّ مكانياً

وبرق بفتحالراء: شق بصره، وهو من البريق، أي لمع بصره من شدّة شخوصه. الوزر: ما يلجأ إليه من حصن أو جبلأو غيرهما، قال الشاعر:

لعمرك ما للفتى من وزر     من الموت يدركه والكبر

النضرة:النعمة وجمال البشرة وطراوتها، قال الشاعر:

أبى لي قبر لا يزال مقابلي     وضربة فاس فوق رأسي فاقره

أي: مؤثرة. التراقي جمع ترقوة: وهي عظام الصدر، ولكل إنسان ترقونان، وهو موضع الحشرجة، قال دريد بن الصمة:

ورب عظيمة دافعت عنهم     وقد بلغت نفوسهم التراقي

رقي يرقى من الرقية، وهيما يستشفى به للمريض من الكلام المعد لذلك. تمطى: تبختر في مشيته، وأصله من المطا وهو الظهر، أي يلوي مطاهتبختراً. وقيل: أصله تمطط: أي تمدّد في مشيته، ومد منكبيه، قلبت الطاء فيه حرف علة كراهة اجتماع الأمثال، كما قالوا:تظني من الظن، وأصله تظنن، والمطيطا: التبختر ومد اليدين في المشي، والمطيط: الماء الخاثر في أسفل الحوض، لأنه يتمطط فيه،أي يمتد؛ وعلى هذا الاشتقاق لا يكون أصله من المط لاختلاف المادتين، إذ مادة المطا م ط و، ومادة تمططم ط ط. سدى: مهمل، يقال إبل سدى: أي مهملة ترعى حيث شاءت بلا راع، وأسديت الشيء: أي أهملته، وأسديتحاجتي: ضيعتها. قال الشاعر:

فأقسم بالله جهد اليمين     ما خلق الله شيئاً سدى

وقالأبو بكر بن دريد في المقصورة:

لم أر كالمزن سواما بهلا     تحسبها مرعية وهي سدى

{لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰأَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ * فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ * كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ* يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ * لاَ تُحَرّكْبِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلاْخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ * كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ * وَٱلْتَفَّتِٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ * إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ * فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ * وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰأَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ * أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُنُطْفَةً مّن مَّنِىّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍعَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ }. هذه السورة مكية. ومناسبتها لما قبلها: أن في آخر ما قبلها قوله: { كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلاْخِرَةَ * كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } ، وفيها كثير من أحوال القيامة، فذكر هنا يوم القيامة وجملاً من أحوالها.وتقدّم الكلام في {لاَ أُقْسِمُ }. والخلاف في لا، والخلاف في قراآتها في أواخر الواقعة. أقسم تعالى بيوم القيامة لعظمهوهو له. و{لاَ أُقْسِمُ }، قيل: لا نافية، نفى أن يقسم بالنفس اللوّامة وأقسم بيوم القيامة، نص على هذا الحسن؛والجمهور: على أن الله أقسم بالأمرين. واللوّامة، قال الحسن: هي التي تلوم صاحبها في ترك الطاعة ونحوها، فهي على هذاممدوحة، ولذلك أقسم الله بها. وروي نحوه عن ابن عباس وعن مجاهد، تلوم على ما فات وتندم على الشر لمفعلته، وعلى الخير لم لم تستكثر منه. وقيل: النفس المتقية التي تلوم النفوس في يوم القيامة على تقصيرهنّ في التقوى.وقال ابن عباس وقتادة: هي الفاجرة الخشعة اللوّامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها، فهي على هذا ذميمة،ويحسن نفي القسم بها. والنفس اللوّامة: اسم جنس بهذا الوصف. وقيل: هي نفس معينة، وهي نفس آدم عليه السلام، لمتزل لائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة. قال ابن عطية: وكل نفس متوسطة ليست بمطمئنة ولا أمّارة بالسوءفإنها لوّامة في الطرفين، مرّة تلوم على ترك الطاعة، ومرّة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت. انتهى.والمناسبة بين القسمين من حيث أحوال النفس من سعادتها وشقاوتها وظهور ذلك في يوم القيامة، وجواب القسم محذوف يدل عليهيوم القيامة المقسم به وما بعده من قوله: {أَيَحْسَبُ } الآية، وتقديره لتبعثن. وقال الزمخشري: فإن قلت: قوله تعالى: { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، وكان قد أنشد قول امرىء القيس:

لا وأبيك ابنة العامري     لا يدعي القوم إني أفرّ

وقول غوية بن سلمى:

ألا نادت أمامة باحتمالي     لتحزنني فلا بك ما أبالي

قال: فهلا زعمت أن لا التي للقسم زيدت موطئةللنفي بعده ومؤكدة له، وقدرت المقسم عليه المحذوف ههنا منفياً، نحو قولك: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }، لا تتركون سدى؟قلت: لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقسم. ألا ترى كيف لقي { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } بقوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } ، وكذلك { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } { إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ } ؟ ثم قال الزمخشري: وجواب القسم ما دل عليه قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن * لَنْ * نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }، وهولتبعثن. انتهى، وهو تقدير النحاس. وقول من قال جواب القسم هو: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ }. وما روي عن الحسن أن الجواب:{بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ }، وما قيل أن لا في القسمين لنفيهما، أي لا أقسم على شيء، وأن التقدير: أسألك أيحسب الإنسان؟أقوال لا تصلح أن يرد بها، بل تطرح ولا يسود بها الورق، ولولا أنهم سردوها في الكتب لم أنبه عليها.والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث. روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول الله ﷺ: يا محمد، حدّثنيعن يوم القيامة متى يكون أمره؟ فأخبره رسول الله ﷺ، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقكولم أؤمن به، أو يجمع الله هذه العظام بعد بلاها، فنزلت. وقيل: نزلت في أبي جهل، كان يقول: أيزعم محمدﷺ أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها فيعيدها خلقاً جديداً؟ وقرأ الجمهور: {نَّجْمَعَ }بنون، {عِظَامَهُ } نصباً؛ وقتادة: بالتاء مبنياً للمفعول، عظامه رفعاً، والمعنى: بعد تفرّقها واختلاطها بالتراب وتطيير الرياح إياها في أقاصيالأرض. وقوله: {أَيَحْسَبُ } استفهام تقرير وتوبيخ، حيث ينكر قدرة الله تعالى على إعادة المعدوم. {بَلَىٰ }: جواب للاستفهام المنسخبعلى النفي، أي بلى نجمهعا. وذكر العظام، وإن كان المعنى إعادة الإنسان وجمع أجزائه المتفرقة، لأن العظام هي قالب الخلق.وقرأ الجمهور: {قَـٰدِرِينَ } بالنصب على الحال من الضمير الذي في الفعل المقدر وهو يجمعها؛ وابن أبي عبلة وابن السميفع:قادرون، أي نحن قادرون. {عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ }: وهي الأصابع، أكثر العظام تفرّقاً وأدقها أجزاء، وهي العظام التي فيالأنامل ومفاصلها، وهذا عند البعث. وقال ابن عباس والجمهور: المعنى نجعلها في حياته هذه بعضة، أو عظماً واحداً كخف البعيرلا تفاريق فيه، أي في الدنيا فتقل منفعته بها، وهذا القول فيه توعد، والمعنى الأول هو الظاهر والمقصود من رصفالكلام. وذكر الزمخشري هذين القولين بألفاظ منمقة على عادته في حكاية أقوال المتقدمين. وقيل: {قَـٰدِرِينَ } منصوب على خبر كان،أي بلى كنا قادرين في الابتداء. {بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَـٰنُ * بَلِ }: إضراب، وهو انتقال من كلام إلى كلاممن غير إبطال. والظاهر أن {يُرِيدُ } إخبار عن ما يريده الإنسان. وقال الزمخشري: {بَلْ يُرِيدُ } عطف على {أَيَحْسَبُ}، فيجوز أن يكون قبله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عنمستفهم عنه إلى موجب. انتهى. وهذه التقادير الثلاثة لا تظهر، وهي متكلفة، بل المعنى: الإخبار عن الإنسان من غير إبطاللمضمون الجملة السابقة، وهي نجمعها قادرين، لنبين ما هو عليه الإنسان من عدم الفكر في الآخرة وأنه معني بشهواته؛ ومفعول{يُرِيدُ } محذوف يدل عليه التعليل في {لِيَفْجُرَ }. قال مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي: معنى الآية: أنالإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبداً قدماً راكباً رأسه مطيعاً أمله ومسوفاً بتوبته. قال السدي أيضاً: ليظلم علىقدر طاقته، وعلى هذا فالضمير في {أَمَامَهُ } عائد على الإنسان، وهو الظاهر. وقال ابن عباس: ما يقضي أن الضميرعائد على يوم القيامة أن الإنسان في زمان وجوده أمام يوم القيامة، وبين يديه يوم القيامة خلفه، فهو يريد شهواتهليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف القدر الذي هو فيه؛ والأمام ظرف مكاناستعير هنا للزمان، أي ليفجر فيما بين يديه ويستقبله من زمان حياته. {يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ }: أي متىيوم القيامة؟ سؤال استهزاء وتكذيب وتعنت. وقرأ الجمهور: {بَرِقَ } بكسر الراء؛ وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم وعبد اللهبن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني وابن مقسم ونافع وزيد بن علي وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب،كلاهما عن أبي عمرو، والحسن والجحدري: بخلاف عنهما بفتحها. قال أبو عبيدة: برق بالفتح: شق. وقال ابن إسحاق: خفت عندالموت. قال مجاهد: هذا عند الموت. وقال الحسن: هو يوم القيامة. وقرأ أبو السمال: بلق باللام عوض الراء، أي انفتحوانفرج، يقال: بلق الباب وأبلقته وبلقته: فتحته، هذا قول أهل اللغة إلا الفراء فإنه يقول: بلقه وأبلقه إذا أغلفه. وقالثعلب: أخطأ الفراء في ذلك، إنما هو بلق الباب وأبلقه إذا فتحه. انتهى. ويمكن أن تكون اللام بدلاً من الراء،فهما يتعاقبان في بعض الكلام، نحو قولهم: نثرة ونثلة، ووجر ووجل. وقرأ الجمهور: {وَخَسَفَ } مبنياً للفاعل؛ وأبو حيوة وابنأبي عبلة ويزيد بن قطيب وزيد بن علي: مبنياً للمفعول. يقال: خسف القمر وخسفه الله، وكذلك الشمس. قال أبو عبيدةوجماعة من أهل اللغة: الخسوف والكسوف بمعنى واحد. وقال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف جميعه. {وَجُمِعَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ }: لم تلحق علامة التأنيث، لأن تأنيث الشمس مجان، أو لتغليب التذكير على التأنيث. وقال الكسائي: حمل علىالمعنى، والتقدير: جمع النوران أو الضياآن، ومعنى الجمع بينهما، قال عطاء بن يسار: يجمعان فيلقيان في النار، وعنه يجمعان يومالقيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. وقيل: يجمع بينهما في الطلوع من المغرب، فيطلعان أسودين مكورين. وقالعلي وابن عباس: يجعلان في نور الحجب، وقيل: يجتمعان ولا يتفرقان، ويقربان من الناس فيلحقهم العرق لشدة الحر، فكأن المعنى:يجمع حرهما. وقيل: يجمع بينهما في ذهابه الضوء، فلا يكون ثم تعاقب ليل ولا نهار. وقرأ الجمهور: {ٱلْمَفَرُّ } بفتحالميم والفاء، أي أين الفرار؟ وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب، والحسن بن زيد، وابن عباس والحسن وعكرمة وأيوبالسختياني وكلثوم بن عياض ومجاهد وابن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن أبيعبلة والزهري: بكسر الفاء، وهو موضع الفرار. وقرأ الحسن: بكسر الميم وفتح الفاء، ونسبها ابن عطية للزهري، أي الجيد الفرار،وأكثر ما يستعمل هذا الوزن في الآلات وفي صفات الخيل، نحو قوله:

مكـر مفـر مقبـل مدبـر معـاً    

والظاهر أن قوله:{كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } من تمام قول الإنسان. وقيل: هو من كلام الله تعالى، لاحكاية عن الإنسان. {كَلاَّ }: ردع عن طلب المفر، {لاَ وَزَرَ }: لا ملجأ، وعبر المفسرون عنه بالجبل. قال مطرفبن الشخير: هو كان وزر فرار العرب في بلادهم، فلذلك استعمل؛ والحقيقة أنه الملجأ من جبل أو حصن أو سلاحأو رجل أو غيره. {إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ }: أي إلى حكمه يومئذ تقول أين المفر، {ٱلْمُسْتَقَرُّ }: أي الاستقرار، أوموضع استقرار من جنة أو نار إلى مشيئته تعالى، يدخل من شاء الجنة، ويدخل من شاء النار. {بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}، قال عبد الله وابن عباس: بما قدم في حياته وأخر من سنة يعمل بها بعده. وقال ابن عباس أيضاً:بما قدم من المعاصي وأخر من الطاعات. وقال زيد بن أسلم: بما قدم من ماله لنفسه، وبما أخر منه للوارث.وقال النخعي ومجاهد: بأول عمله وآخره. وقال الضحاك: بما قدم من فرض وأخر من فرض؛ والظاهر حمله على العموم، أييخبره بكل ما قدم وكل ما أخر مما ذكره المفسرون ومما لم يذكروه. {بَصِيرَةٌ }: خبر عن الإنسان، أي شاهد،قاله قتادة، والهاء للمبالغة. وقال الأخفش: هو كقولك: فلإن عبرة وحجة. وقيل: أنث لأنه أراد جوارحه، أي جوارحه على نفسهبصيرة. وقيل: بصيرة مبتدأ محذوف الموصوف، أي عين بصيرة، وعلى نفسه الخبر. والجملة في موضع خبر عن الإنسان، والتقدير عينبصيرة، وإليه ذهب الفراء وأنشد:

كأن على ذي العقل عيناً بصيرة     بمقعده أو منظر هو ناظره يحاذر حتى يحسب الناس كلهم من الخوف لا تخفى عليهم سرائره

وعلى هذا نختار أن تكونبصيرة فاعلاً بالجار والمجرور، وهو الخبر عن الإنسان. ألا ترى أنه قد اعتمد بوقوعه خبراً عن الإنسان؟ وعلى هذا فالتاءللتأنيث. وتأول ابن عباس البصيرة بالجوارح أو الملائكة الحفظة. والمعاذير عند الجمهور الأعذار، فالمعنى: لو جاء بكل معذرة يعتذر بهاعن نفسه فإنه هو الشاهد عليها والحجة البينة عليها. وقيل: المعاذير جمع معذرة. وقال الزمخشري: قياس معذرة معاذر، فالمعاذير ليسبجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها، ونحو المناكير في المنكر. انتهى. وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنماهو من أبنية جمع التكسير، فهو كذاكير وملاميح والمفرد منهما لمحة وذكر؛ ولم يذهب أحد إلى أنهما من أسماء الجموع،بل قيل: هما جمع للمحة وذكر على قياس، أو هما جمع لمفرد لم ينطق به، وهو مذكار وملمحة. وقال السديوالضحاك: المعاذير: الستور بلغة اليمن، واحدها معذار، وهو يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب. وقاله الزجاج أيضاً، أيوإن رمى مستورة يريد أن يخفي عمله، فنفسه شاهدة عليه. وأنشدوا في أن المعاذير الستور قول الشاعر:

ولكنها ضنت بمنزل ساعة     علينا وأطت فوقها بالمعاذر

وقيل: البصيرة: الكاتبان يكتبان ما يكون منخير أو شر، أي وإن تستر بالستور؛ وإذا كانت من العذر، فمعنى {وَلَوْ أَلْقَىٰ }: أي نطق بمعاذيره وقالها. وقيل:ولو رمى بأعذاره واستسلم. وقال السدي: ولو أدى بحجة وعذر. وقيل: ولو أحال بعضهم على بعض، كقوله تعالى: { لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } ؛ والعذرة والعذرى: المعذرة، قال الشاعر:

هـا إن ذي عـذرة إن لا تكـن نفعـت    

وقال فيها: ولا عذرلمجحود. {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ }: الظاهر والمنصوص الصحيح في سبب النزول أنه خطاب للرسول ﷺ علىما سنذكر إن شاء الله تعالى. وقال القفال: هو خطاب للإنسان المذكور في قوله: { يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ } ، وذلك حال تنبئهبقبائح أفعاله، يعرض عليه كتابه فيقال له: اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً. فإذا أخذ في القراءة تلجلج منشدّة الخوف وسرعة القراءة، فقيل له: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكمالحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك. {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ } عليك، {فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } بأنك فعلت تلك الأفعال. {ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ }: أي بيان أمره وشرح عقوبته. وحاصل قول هذا القول أنه تعالى يقرر الكافر على جميع أفعالهعلى التفصيل، وفيه أشد الوعيد في الدنيا والتهويل في الآخرة. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: أنه عليه الصلاةوالسلام كان يعالج من التنزيل شدّة، وكان بما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه لحينه، فنزلت. وقالالضحاك: السبب أنه كان عليه الصلاة والسلام كان يخاف أن ينسى القرآن، فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق، فنزلت.وقال الشعبي: كان لحرصه عليه الصلاة والسلام على أداء الرسالة والاجتهاد في عبادة الله ربما أراد النطق ببعض ما أوحيإليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر أن لا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه، وجاءت هذه الآية فيهذا المعنى. والضمير في به للقرآن دل عليه مساق الآية. {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ }: أي في صدرك، {وَقُرْءانَهُ }: أيقراءتك إياه، والقرآن مصدر كالقراءة، قال الشاعر:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به     يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

وقيل: وقرآنه: وتأليفه في صدرك، فهو مصدر من قرأت: أي جمعت، ومنه قولهم للمرأة التي لم تلد: ماقرأت سلاقط، وقال الشاعر:

ذراعي بكرة أدماء بكر     هجان اللون لم تقرأ جنينا

{فَإِذَاقَرَأْنَـٰهُ }: أي الملك المبلغ عنا، {فَأَتْبَعَ }: أي بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته، قاله ابن عباس. وقال أيضاً هوقتادة والضحاك: فاتبع في الأوامر والنواهي. وفي كتاب ابن عطية، وقرأ أبو العالية: فإذا قرته فاتبع قرته، بفتح القاف والراءوالتاء من غير همز ولا ألف في الثلاثة، ولم يتكلم على توجيه هذه القراءة الشاذة، ووجه اللفظ الأول أنه مصدر،أي إن علينا جمعه وقراءته، فنقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة وحذفها فبقي قرته كما ترى. وأمّا الثاني فإنه فعلماض أصله فإذا قرأته، أي أردت قراءته؛ فسكن الهمزة فصار قرأته، ثم حذف الألف على جهة الشذوذ، كما حذفت فيقول العرب: ولو تر ما الصبيان، يريدون: ولو ترى ما الصبيان، وما زائدة. وأمّا اللفظ الثالث فتوجيهه توجيه اللفظ الأول،أي فإذا قرأته، أي أردت قراءته، فاتبع قراءته بالدرس أو بالعمل. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ }، قال قتادة وجماعة: أننبينه لك ونحفظكه. وقيل: أن تبنيه أنت. وقال قتادة أيضاً: أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره. وفي التحرير والتحبيرقال ابن عباس: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ }: أي حفظه في حياتك، وقراءته: تأليفه على لسانك. وقال الضحاك: نثبته في قلبكبعد جمعه لك. وقيل: جمعه بإعادة جبريل عليك مرة أخرى إلى أن يثبت في صدرك. {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ }، قال ابنعباس: أنزلناه إليك، فاستمع قراءته، وعنه أيضاً: فإذا يتلى عليكك فاتبع ما فيه. وقال قتادة: فاتبع حلاله واجتنب حرامه. وقدنمق الزمخشري بحسن إيراده تفسير هذه الآية فقال: كان رسول الله ﷺ إذا لقن الوحي، نازع جبريلالقراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقياً إليهبقلبه وسمعه حتى يقضي إليه وحيه، ثم يعقبه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه. والمعنى: لا تحرك لسانك بقراءة الوحي مادام جبريل يقرأ. {لِتَعْجَلَ بِهِ }: لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك، ثم علل النهي عن العجلة بقوله: {إِنَّ عَلَيْنَاجَمْعَهُ } في صدرك وإثبات قراءته في لسانك. {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ }: جعل قراءة جبريل قراءته، والقرآن القراءة، فاتبع قراءته: فكنمقفياً له فيه ولا تراسله، وطامن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}: إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعاً، كما ترى بعض الحراصعلى العلم ونحوه، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه. انتهى. وذكر أبو عبد الله الرازي فيتفسيره: أن جماعة من قدماء الروافض زعموا أن القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص منه، وأنهم احتجوا بأنه لامناسبة بين هذه الآية وما قبلها، ولو كان التركيب من الله تعالى ما كان الأمر كذلك. ثم ذكر الرازي مناسباتعلى زعمه يوقف عليها في كتابه، ويظهر أن المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه تعالى لما ذكر منكر القيامةوالبعث معرضاً عن آيات الله تعالى ومعجزاته وأنه قاصر شهواته على الفجور غير مكترث بما يصدر منه، ذكر حال منيثابر على تعلم آيات الله وحفظها وتلقفها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها، فظهر بذلك تباين منيرغب في تحصيل آيات الله ومن يرغب عنها.

وبضـدهـا تتميـز الأشيـاء    

ولما كان عليه الصلاة والسلام، لمثابرته على ذلك، كانيبادر للتحفظ بتحريك لسانه أخبره تعالى أنه يجمعه له ويوضحه. كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الآخرة. لما فرغ من خطابهعليه الصلاة والسلام، رجع إلى حال الإنسان السابق ذكره المنكر البعث، وأن همه إنما هو في تحصيل حطام الدنيا الفانيلا في تحصيل ثواب الآخرة، إذ هو منكر لذلك. وقرأ الجمهور: {بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ } بتاء الخطاب، لكفارقريش المنكرين البعث، و{كَلاَّ }: رد عليهم وعلى أقوالهم، أي ليس كما زعمتم، وإنما أنتم قوم غلبت عليكم محبة شهواتالدنيا حتى تتركون معه الآخرة والنظر في أمرها. وقال الزمخشري: {كَلاَّ } ردع، وذكر في كتابه ما يوقف عليه فيه.وقرأ مجاهد والحسن وقتادة والجحدري وابن كثير وأبو عمرو: بياء الغيبة فيهما. ولما وبخهم بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة،تخلص إلى شيء من أحوال الآخرة فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ }، وعبر بالوجه عن الجملة. وقرأ الجمهور: {نَّاضِرَةٌ } بألف،وزيد بن علي: نضرة بغير ألف. وقرأ ابن عطية: {وُجُوهِ } رفع بالابتداء، وابتدأ بالنكرة لأنها تخصصت بقوله: {يَوْمَئِذٍ }و{نَّاضِرَةٌ } خبر {وُجُوهِ }. وقوله: {إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } جملة هي في موضع خبر بعد خبر. انتهى. وليس {يَوْمَئِذٍ} تخصيصاً للنكرة، فيسوغ الابتداء بها، لأن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة، إنما يكون {يَوْمَئِذٍ } معمول لناضرة. وسوغجواز الابتداء بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، و{نَّاضِرَةٌ } الخبر، و{نَّاضِرَةٌ } صفة. وقيل: {نَّاضِرَةٌ } نعت لوجوه، و{إِلَىٰ رَبّهَانَاظِرَةٌ } الخبر، وهو قول سائغ. ومسألة النظر ورؤية الله تعالى مذكورة في أصول الدين ودلائل الفريقين، أهل السنة وأهلالاعتزال، فلا نطيل بذكر ذلك هنا. ولما كان الزمخشري من المعتزلة، ومذهبه أن تقديم المفعول يدل على الاختصاص، قال هنا:ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر في محشر يجمع الله فيه الخلائق، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كانمنظوراً إليه محال، فوجب حمله على معنى لا يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: أناإلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقع والرجاء، ومنه قول القائل:

وإذا نظرت إليك من ملك     والبحر دونك زدتني نعماء

وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون مقائلهمتقول: عيينتي ناظرة إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لايخشون ولا يرجون إلا إياه. انتهى. وقال ابن عطية: ذهبوا، يعني المعتزلة، إلى أن المعنى إلى رحمة ربها ناظرة، أوإلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافاً محذوفاً، وهذا وجه سائغ في العربية. كما تقول: فلان ناظر إليك في كذا: أيإلى صنعك في كذا. انتهى. والظاهر أن إلى في قوله: {إِلَىٰ رَبّهَا } حرف جر يتعلق بناظرة. وقال بعض المعتزلة:إلى هنا واحد الآلاء، وهي النعم، وهي مفعول به معمول لناظرة بمعنى منتظرة. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ }: يجوز أن يكون{وُجُوهِ } مبتدأ خبره {بَاسِرَةٌ } وتظن خبر بعد خبر وأن تكون باسرة صفة وتظن الخبر. والفاقرة قال ابن المسيبقاصمة الظهر، وتظن بمعنى توقن أو يغلب على اعتقادها وتتوقع {أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ }: فعل هو في شدة داهيةتقصم. وقال أبو عبيدة: فاقرة من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار. {كَلاَّ }: ردع عن إيثار الدنيا على الآخرةوتذكير لهم بما يؤولون إليه من الموت الذي تنقطع العاجلة عنده وينتقل منها إلى الآجلة، والضمير في {بَلَغَتِ } عائدإلى النفس الدال عليها سياق الكلام، كقول حاتم:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى     إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

وتقول العرب: أرسلت، يريدون جاء المطر، ولا نكاد نسمعهم يقولون السماء. وذكرهم تعالى بصعوبة الموت، وهوأول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها. وقيل: مبني للمفعول، فاحتمل أن يكون القائل حاضروا المريض طلبوا لهمن يرقي ويطب ويشفي، وغير ذلك مما يتمناه له أهله، قاله ابن عباس والضحاك وأبو قلابة وقتادة، وهو استفهام حقيقة.وقيل: هو استفهام إبعاد وإنكار، أي قد بلغ مبلغاً لا أحد يرقيه، كما عند الناس: من ذا الذي يقدر أنيرقي هذا المشرف على الموت قاله عكرمة وابن زيد. واحتمل أن يكون القائل الملائكة، أي من يرقي بروحه إلى السماء؟أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ قاله ابن عباس أيضاً وسليمان التيمي. وقيل: إنما يقولون ذلك لكراهتهم الصعود بروح الكافر لخبثهاونتنها، ويدل عليه قوله بعد: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ } الآية. ووقف حفص على {مِنْ }، وابتدأ {رَاقٍ }، وأدغمالجمهور. قال أبو علي: لا أدري ما وجه قراءته. وكذلك قرأ: { بَلْ رَانَ } . انتهى. وكان حفصاً قصد أن لايتوهم أنها كلمة واحدة، فسكت سكت لطيفاً ليشعر أنهما كلمتان. وقال سيبويه: إن النون تدغم في الراء، وذلك نحو منراشد؛ والإدغام بغنة وبغير غنة، ولم يذكر البيان. ولعل ذلك من نقل غيره من الكوفيين، وعاصم شيخ حفص يذكر أنهكان عالماً بالنحو. وأمّا {بَلْ رَانَ } فقد ذكر سيبويه أن اللام البيان فيها، والإدغام مع الراء حسنان، فلما أفرطفي شأن البيان في {بَلْ رَانَ }، صار كالوقف القليل. {وَظَنَّ }، أي المريض، {أَنَّهُ }: أي ما نزل به،{ٱلْفِرَاقُ }: فراق الدنيا التي هي محبوبته، والظن هنا على بابه. وقيل: فراق الروح الجسد. {وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ }،قال ابن عباس والربيع بن أنس وإسماعيل بن أبي خالد: استعارة لشدّة كرب الدنيا في آخر يوم منها، وشدة كربالآخرة في أول يوم منها، لأنه بين الحالين قد اختلطا به، كما يقول: شمرت الحرب عن ساق، استعارة لشدتها. وقالابن المسيب والحسن: هي حقيقة، والمراد ساقا الميت عندما لفا في الكفن. وقال الشعبي وقتادة وأبو مالك: التفافهما لشدّة المرض،لأنه يقبض ويبسط ويركب هذه على هذه. وقال الضحاك: أسوق حاضريه من الإنس والملائكة؛ هؤلاء يجهزونه إلى القبر، وهؤلاء يجهزونروحه إلى السماء. وقيل: التفافهما: موتهما أولاً، إذ هما أول ما تخرج الروح منهما فتبردان قبل سائر الأعضاء. وجواب إذامحذوف تقديره وجد ما عمله في الدنيا من خير وشر. {إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ }: المرجع والمصير، والمساق مفعلمن السوق، فهو اسم مصدر، إمّا إلى جنة، وإمّا إلى نار. {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ }، الجمهور: إنها نزلت فيأبي جهل وكادت أن تصرح به في قوله: {يَتَمَطَّىٰ }. فإنها كانت مشيته ومشية قومه بني مخزوم، وكان يكثر منها.وتقدم أيضاً أنه قيل في قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن * لَنْ * نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } أنها نزلت في أبي جهل.وقال الزمخشري: يعني الإنسان في قوله: {أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن * لَنْ * نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }. ألا ترى إلى قوله: {أَيَحْسَبُٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى }، وهو معطوف على قوله: {يَسْـئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ }: أي لا يؤمن بالبعث؟ {فَلاَ صَدَّقَ} بالرسول والقرآن، {وَلاَ صَلَّىٰ }. ويجوز أن يراد: فلا صدق ماله، يعني فلا زكاة. انتهى. وكون {فَلاَ صَدَّقَ }معطوفاً على قوله: {يَسْـئَلُ } فيه بعد، ولا هنا نفت الماضي، أي لم يصدق ولم يصل؛ وفي هذا دليل علىأن لا تدخل على الماضي فتنصبه، ومثله قوله:

وأي خميس لا أتانا نهابه     وأسيافنا يقطرن من كبشه دما

وقال الراجز:

إن تغفر اللهم تغفر جما     وأيّ عبد لك لا ألما

وصدق: معناه برسالة الله. وقال يوم: هو من الصدقة، وهذا الذي يظهر نفي عنه الزكاة والصلاة وأثبتله التكذيب، كقوله: { لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } . وحمل {فَلاَ صَدَّقَ } على نفي التصديق بالرسالة، فيقتضي أن يكون {وَلَـٰكِن كَذَّبَ } تكراراً. ولزم أنيكون لكن استدراكاً بعد {وَلاَ صَلَّىٰ } لا بعده {فَلاَ صَدَّقَ }، لأنه كان يتساوى الحكم في {فَلاَ صَدَّقَ }وفي {كَذَّبَ }، ولا يجوز ذلك، إذ لا يقع لكن بعد متوافقين. {*وتولي}: أعرض عن رسول الله صلى الله عليهوسلم وكذب بما جاء به. {وَتَوَلَّىٰ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ }: أي قومه، {يَتَمَطَّىٰ }: يبختر في مشيته. روي أنرسول الله ﷺ لبب أبا جهل يوماً في البطحاء وقال له: إن الله يقول لك أولى فأولى لك ، فنزل القرآن على نحوها، وقالت الخنساء:

هممت بنفسي كل الهمو     م فأولى لنفسي أولى لها

وتقدم الكلام على {أُوْلِى } شرحاً وإعراباً في قوله تعالى: { فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } فيسورة القتال، وتكراره هنا مبالغة في التهديد والوعيد. ولما ذكر حاله في الموت وما كان من حاله في الدنيا، قررله أحواله في بدايته ليتأمّلها، فلا ينكر معها جواز البعث من القبور. وقرأ الجمهور: {أَلَمْ يَكُ } بياء الغيبة؛ والحسن:بتاء الخطاب على سبيل الالتفات. وقرأ الجمهور: تمنى، أي النطفة يمنيها الرجل؛ وابن محيصن والجحدري وسلام ويعقوب وحفص وأبو عمر:بخلاف عنه بالياء، أي يمنى هو، أي المني، فخلق الله منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة. {فَسَوَّىٰ }: أي سواهشخصاً مستقلاً. {فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ }: أي النوعين أو المزدوجين من البشر، وفي قراءة زيد بن عليّ: الزّوجان بالألف، وكأنهعلى لغة بني الحارث بن كعب ومن وافقهم من العرب من كون المثنى بالألف في جميع أحواله. وقرأ أيضاً: يقدرمضارعاً، والجمهور: {بِقَادِرٍ } اسم فاعل مجرور بالباء الزائدة. {أَلَيْسَ ذَلِكَ }: أي الخالق المسوي، {بِقَادِرٍ }، وفيه توقيفوتوبيخ لمنكر البعث. وقرأ طلحة بن سليمان والفيض بن غزوان: بسكون الياء من قوله: {أَن يُحْيِىَ }، وهي حركة إعرابلا تنحذف إلا في الوقف، وقد جاء في الشعر حذفها. وقرأ الجمهور: بفتحها. وجاء عن بعضهم يحيـي بنقل حركة الياءإلى الحاء وإدغام الياء في الياء. قال ابن خالويه: لا يجيز أهل البصرة سيبويه وأصحابه إدغام يحيـي، قالوا لسكون الياءالثانية، ولا يعتدون بالفتحة في الياء لأنها حركة إعراب غير لازمة. وأما الفراء فاحتج بهذا البيت:تمشـي بسـده بينـها فتعيـىيريد: فتعيـي، والله تعالى أعلم.