تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة القمر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } * { وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } * { وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } * { وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } * { حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ } * { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ } * { خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } * { مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } * { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ } * { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } * { فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ } * { وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } * { وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } * { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ } * { وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } * { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } * { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } * { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } * { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } * { تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } * { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } * { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } * { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ } * { فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } * { أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } * { سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ } * { إِنَّا مُرْسِلُو ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ } * { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } * { فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ } * { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } * { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ } * { وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } * { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ } * { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ } * { نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ } * { وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ } * { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } * { وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } * { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } * { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ } * { وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ } * { كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } * { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ } * { أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } * { سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } * { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ } * { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } * { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } * { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } * { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } * { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } * { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ } * { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } * { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ } * { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } الجدث: القبر، وتبدل ثاؤه فاء فيقال: جدف، كما أبدلوا في ثم فقالوا: فم.انهمر الماء: نزل بقوة غزيراً، قال الشاعر:

راح تمريه الصبا ثم تنحى     فيه شؤبوب جنوب منهمر

الدسر: المسامير التي تشدّ بها السفينة، واحدها دسار، نحو كتاب وكتب. ويقال: دسرت السفينة، إذا شددتها بالمسامير. وقالالليث وصاحب الصحاح: الدسر: خيوط تشدّ بها ألواح السفينة. الصرصر: الشديدة الصوت، أو البرد، إما من صرير الباب، وهو تصويته،أو من الصر الذي هو البرد، وهو بناء متأصل على وزن فعلل عند الجمهور. العجز: مؤخر الشيء. المنقعر: المنقلع: منأصله، قعرت الشجرة قعراً: قلعتها من أصلها فانقعرت، والبئر: نزلت حتى انتهيت إلى قعرها، والإناء: شربت ما فيه حتى انتهيتإلى قعره، وأقعرته البئر: جعلت لها قعراً. الأشر: البطر. وقرأ: أشر بالكسر يأشر أشراً، فهو أشر وآشر وأشران، وقوم أشارى،مثل: سكران وسكارى. سقر: علم لجهنم مشتق من سقرته النار بالسين، وصقرته بالصاد إذا لوّحته. قال ذو الرمّة:

إذا دابت الشمس اتقى صقراتها     بأفنان مربوع الصريمة معيل

وامتنعت سقر من الصرف للعلمية، والتأنيث تنزلت حركة وسطهتنزل الحرف الرابع في زينب. {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُواْوَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءهُم مّنَ ٱلاْنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ فَمَا تُغْنِـى * ٱلنُّذُرُ* فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو * ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْء نُّكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلاْجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ *مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ * فَدَعَارَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلاْرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَاء عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوٰحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ* فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }. هذه السورة مكية فيقول الجمهور. وقيل: هي مما نزل يوم بدر. وقال مقاتل: مكية إلا ثلاث آيات، أولها: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ }، وآخرها:{أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }. وسبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للرسول ﷺ: إن كنت صادقاً فشق لنا القمرفرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل. وكانت ليلة بدر، فسأل ربه، فانشق القمر نصف على الصفا ونصف على قيقعان. فقال أهلمكة: آية سماوية لا يعمل فيها السحر. فقال أبو جهل: اصبروا حتى تأتينا أهل البوادي، فإن أخبروا بانشقاقه فهو صحيح،وإلا فقد سحر محمد أعيننا. فجاءوا فأخبروا بانشقاق القمر، فأعرض أبو جهل وقال: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ }. وعن ابن عباس: شقالقمر شقين، شطرة على السويداء وشطرة على الحديبية. وعنه: انشق القمر بمكة مرتين. وعنه: انفلق فلقتين، فلقة ذهبت وفلقة بقيت.ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها ظاهرة، قال: { أَزِفَتِ ٱلاْزِفَةُ } ، وقال: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ }. وممن عاين انشقاق القمرابن مسعود جبير بن مطعم، وأخبر به ابن عمر وأنس وحذيفة وابن عباس. وحين أرى الله الناس انشقاق القمر، قالالرسول ﷺ: «اشهدوا»، وقال المشركون إذ ذاك: سحرنا محمد. وقال بعضهم: سحر القمر. والأمة مجمعة على خلافمن زعم أن قوله: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } معناه: أنه ينشق يوم القيامة، ويرده من الآية قوله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْوَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ }. فلا يناسب هذا الكلام أن يأتي إلا بعد ظهور ما سألوه معيناً من انشقاق القمر. وقيل:سألوا آية في الجملة، فأراهم هذه الآية السماوية، وهي من أعظم الآيات، وذلك التأثير في العالم العلوي. وقرأ حذيفة: وقدانشق القمر، أي اقتربت، وتقدم من آيات اقترابها انشقاق القمر، كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. وخطب حذيفةبالمدائن، ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم، ولا التفات إلى قول الحسنأن المعنى: إذ جاءت الساعة انشق القمر بعد النفخة الثانية، ولا إلى قول من قال: إن انشقاقه عبارة عن انشقاقالظلمة عند طلوعه في أثنائها، فالمعنى: ظهر الأمر، فإن العرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضح، كما يسمى الصبح فلقاً عندانفلاق الظلمة عنه، وقد يعبر عن الانفلاق بالانشقاق. قال النابغة:

فلما أدبروا ولهم دوي     دعانا عند شق الصبح داعي

وهذه أقوال فاسدة، ولولا أن المفسرين ذكروها، لأضربت عن ذكرها صفحاً. {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ}، وقرىء: وإن يروا مبنياً للمفعول: أي من شأنهم وحالتهم أنهم متى رأوا ما يدل على صدق الرسول الله صلىالله عليه وسلم من الآيات الباهرة أعرضوا عن الإيمان به وبتلك الآية. وجاءت الجملة شرطية ليدل على أنهم في الاستقبالعلى مثل حالهم في الماضي، ويقولوا: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ }: أي دائم، ومنه قول الشاعر:

ألا إنما الدنيا ليال وأعصر     وليس على شيء قويم بمستمر

لما رأوا الآيات متوالية لا تنقطع، قالوا ذلك. وقال أبوالعالية والضحاك والأخفش: مستمر: مشدود موثق من مرائر الحبل، أي سحر قد أحكم، ومنه قول الشاعر:

حتى استمرت على سر مريرته     صدق العزيمة لا رياً ولا ضرعا

وقال أنس ويمان ومجاهد والكسائي والفراء، واختاره النحاس: مستمر:مار ذاهب زائل عن قريب، عللوا بذلك أنفسهم. وقيل مستمر: شديد المرارة، أي مستبشع عندنا مر، يقال: مر الشيء وأمر،إذا صار مراً، وأمر غيره ومره، يكون لازماً ومتعدياً. وقيل: مستمر: يشبه بعضه بعضاً، أي استمرت أفعاله على هذا الوجهمن التخيلات. وقيل: مستمر: مار من الأرض إلى السماء، أي بلغ من سحره أنه سحر القمر. {وَكَذَّبُواْ }: أي بالآياتوبمن جاء بها، أي قالوا هذا سحر مستمر سحرنا محمد. {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ }: أي شهوات أنفسهم وما يهوون. {وَكُلُّ أَمْرٍمُّسْتَقِرٌّ }، بكسر القاف وضم الراء: مبتدأ أو خبر. قال مقاتل: أي له غاية ينتهي إليها. وقال الكلبي: مستقرّ لهحقيقة، فما كان في الدنيا فسيظهر، وما كان في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: معناه أن الخير يستقر بأهل الخير، والشربأهل الشر. وقيل: يستقر الحق ظاهراً ثابتاً، والباطل زاهقاً ذاهباً. وقيل: كل أمر من أمرهم وأمره يستقر على خذلان أونصرة في الدنيا وسعادة، أو شقاوة في الآخرة. وقرأ شيبة: مستقر بفتح القاف، ورويت عن نافع؛ وقال أبو حاتم: لاوجه لفتح القاف. انتهى. وخرجت على حذف مضاف، أي ذو استقرار، وزمان استقرار. وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي: مستقربكسر القاف والراء معاً صفة لأمر. وخرجه الزمخشري على أن يكون وكل عطفاً على الساعة، أي اقتربت الساعة، واقترب كلأمر مستقر يستقر ويتبين حاله، وهذا بعيد لطول الفصل بجمل ثلاث، وبعيد أن يوجد مثل هذا التركيب في كلام العرب،نحو: أكلت خبزاً وضربت زيداً، وأن يجيء زيد أكرمه ورحل إلى بني فلان ولحماً، فيكون ولحماً عطفاً على خبزاً، بللا يوجد مثله في كلام العرب. وخرجه صاحب اللوامح على أنه خبر لكل، فهو مرفوع في الأصل، لكنه جر للمجاورة،وهذا ليس بجيد، لأن الخفض على الجوار في غاية الشذوذ، ولأنه لم يعهد في خبر المبتدأ، إنما عهد في الصفةعلى اختلاف النحاة في وجوده، والأسهل أن يكون الخبر مضمراً لدلالة المعنى عليه، والتقدير: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } بالغوه، لأنقبله: {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ }: أي وكل أمر مستقر لهم في القدر من خير أو شر بالغه هم. وقيل: الخبرحكمة بالغة، أي وكل أمر مستقر حكمة بالغة. ويكون: {وَلَقَدْ جَاءهُم مّنَ ٱلاْنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } اعتراض بين المبتدأوخبره. {وَلَقَدْ جَاءهُم مّنَ ٱلاْنبَاء }: أي من الأخبار الواردة في القرآن في إهلاك من كذب الأنبياء وما يؤولونإليه في الآخرة، {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ }: أي ازدجار رادع لهم عن ما هم فيه، أو موضع ازدجار وارتداع، أيذلك موضع ازدجار، أو مظنة له. وقرىء مزجر، بإبدال تاء الافتعال زاياً وإدغام الزاي فيها. وقرأ زيد بن علي: مزجراسم فاعل من أزجر، أي صار ذا زجر، كأعشب: أي صار ذا عشب. وقرأ الجمهور: {حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } برفعهما، وجوزواأن تكون حكمة بدلاً من مزدجر أو من ما، أو خبر مبتدأ محذوف، وتقدم قول من جعله خبراً عن كلفي قراءة من قرأ مستقر بالجر. وقرأ اليماني: حكمة بالغة بالنصب فيهما حالاً من ما، سواء كانت ما موصولة أمموصوفة تخصصت بالصفة، ووصفت الحكمة ببالغة لأنها تبلغ غيرها. {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } مع هؤلاء الكفرة. ثم سلى رسولهﷺ فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ }أي أعرض عنهم، فإن الإنذار لا يجدي فيهم. ثم ذكر شيئاً من أحوالالآخرة وما يؤولون إليه، إذ ذاك متعلق باقتراب الساعة، فقال: {يَوْمَ يَدْعُو * ٱلدَّاعِىَ }، والناصب ليوم اذكر مضمرة، قالهالرماني، أو يخرجون. وقال الحسن: المعنى: فتول عنهم إلى يوم، وهذا ضعيف من جهة اللفظ ومن جهة المعنى. أما منجهة اللفظ فحذف إلى، وأما من جهة المعنى فإن توليه عنهم ليس مغياً بيوم يدع الداع. وجوزوا أن يكون منصوباًبقوله: {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ }، ويكون {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } اعتراضاً، وأن يكون منصوباً بقوله: {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ }، ومنصوباً على إضمارانتظر، ومنصوباً بقوله: {فَتَوَلَّ }، وهذا ضعيف جدّاً، ومنصوباً بمستقر، وهو بعيد أيضاً. وحذفت الواو من يدع في الرسم اتباعاًللنطق، والياء من الداع تخفيفاً أجريت أل مجرى ما عاقبها، وهو التنوين. فكما تحذف معه حذفت معها، والداع هو إسرافيل،أو جبرائيل، أو ملك غيرهما موكل بذلك، أقوال. وقرأ الجمهور: {نُّكُرٍ } بضم الكاف، وهو صفة على فعل، وهو قليلفي الصفات، ومنه رجل شلل: أي خفيف في الحاجة، وناقة أجد، ومشية سجح، وروضة أنف. وقرأ الحسن وابن كثير: وشبلبإسكان الكاف، كما قالوا: شغل وشغل، وعسر وعسر. وقرأ مجاهد وأبو قلابة والجحدري وزيد بن علي: نكر فعلاً ماضياً مبنياًللمفعول، أي جهل فنكر. وقال الخليل: النكر نعت للأمر الشديد، والوجل الداهية، أي تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله، وهويوم القيامة. قال مالك بن عوف النضري:

أقدم محاج أنه يوم نكر     مثلي على مثلك يحمي ويكر

وقرأ قتادة وأبو جعفر وشيبة والأعرج والجمهور: خشعاً جمع تكسير؛ وابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري وأبوعمرو وحمزة والكسائي: خاشعاً بالإفراد. وقرأ أبيّ وابن مسعود: خاشعة، وجمع التكسير أكثر في كلام العرب. وقال الفراء وأبو عبيدة:كله جائز. انتهى، ومثال جمع التكسير قول الشاعر:

بمطرد لذن صحاح كعربه     وذي رونق عضب يقد الوانسا

ومثال الإفراد قوله:

ورجال حسن أو جههم     من أياد بن نزار بن معد

وقال آخر:

ترمي الفجاج به الركبان معترضاًأعناق بزلها مرخى لها الجدل    

وانتصب خشعاً وخاشعا وخاشعة على الحال من ضمير يخرجون،والعامل فيه يخرجون، لأنه فعل متصرف، وفي هذا دليل على بطلان مذهب الجرمى، لأنه لا يجوز تقدم الحال على الفعلوإن كان متصرفاً. وقد قالت العرب: شتى تؤب الحلبة، فشتى حال، وقد تقدمت على عاملها وهو تؤب، لأنه فعل متصرف،وقال الشاعر:

سريعاً يهون الصعب عند أولي النهي     إذا برجاء صادق قابلوه البأسا

فسريعاً حال، وقدتقدمت على عاملها، وهو يهون. وقيل: هو حال من الضمير المجرور في عنهم من قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } وقيل: هومفعول بيدع، أي قوماً خشعاً، أو فريقاً خشعاً، وفيه بعد. ومن أفرد خاشعاً وذكر، فعلى تقدير تخشع أبصارهم؛ ومن قرأخاشعة وأنث، فعلى تقدير تخشع؛ ومن قرأ خشعاً جمع تكسير، فلأن الجمع موافق لما بعده، وهو أبصارهم، وموافق للضمير الذيهو صاحب الحال في يخرجون، وهو نظير قولهم: مررت برجال كرام آباؤهم. وقال الزمخشري: وخشعاً على يخشعن أبصارهم، وهي لغةمن يقول: أكلوني البراغيث، وهم طيء. انتهى. ولا يجري جمع التكسير مجرى جمع السلامة، فيكون على تلك اللغة النادرة القليلة.وقد نص سيبويه على أن جمع التكسير أكثر في كلام العرب، فكيف يكون أكثر، ويكون على تلك اللغة النادرةالقليلة؟ وكذا قال الفراء حين ذكر الإفراد مذكراً ومؤنثاً وجمع التكسير، قال: لأن الصفة متى تقدمت على الجماعة جاز فيهاجميع ذلك، والجمع موافق للفظها، فكان أشبه. انتهى. وإنما يخرج على تلك اللغة إذا كان الجمع مجموعاً بالواو والنون نحو:مررت بقوم كريمين آباؤهم. والزمخشري قاس جمع التكسير على هذا الجمع السالم، وهو قياس فاسد، ويزده النقل عن العرب أنجمع التكسير أجود من الإفراد، كما ذكرناه عن سيبويه، وكما دل عليه كلام الفراء؛ وجوز أن يكون في خشعاً ضمير،وأبصارهم بدل منه. وقرىء: خشع أبصارهم، وهي جملة في موضع الحال، وخشع خبر مقدم، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة، وهيفي العيون أظهر منها في سائر الجوارح؛ وكذلك أفعال النفس من ذلة وعزة وحياء وصلف وخوف وغير ذلك. {كَأَنَّهُمْجَرَادٌ مُّنتَشِرٌ }: جملة حالية أيضاً، شبههم بالجراد في الكثرة والتموج، ويقال: جاءوا كالجراد في الجيش الكثير المتموج، ويقال: كالذباب.وجاء تشبيههم أيضاً بالفراش المبثوث، وكل من الجراد والفراش في الخارجين يوم الحشر شبه منهما. وقيل: يكونون أولاً كالفراش حينيموجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، لأن الفراش لا جهة له يقصدها، ثم كالجراد المنتشر إذا توجهوا إلى المحشر والداعي،فهما تشبيهان باعتبار وقتين، قال معناه مكي بن أبي طالب. {مُهْطِعِينَ }، قال أبو عبيدة: مسرعين، ومنه قوله:

بدجلة دارهم ولقد أراهم     بدجلة مهطعين إلى السماع

زاد غيره: مادّي أعناقهم، وزاد غيره:مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما لخوف أو طمع ونحوه. وقال قتادة: عامدين. وقال الضحاك: مقبلين. وقال عكرمة:فاتحين آذانهم إلى الصوت. وقال ابن عباس: ناظرين. ومنه قول الشاعر:

تعبدني نمر بن سعد وقد أرى     ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع

وقيل: خافضين ما بين أعينهم. وقال سفيان: خاشعة أبصارهم إلى السماء. {يَوْمٌ عَسِرٌ}، لما يشاهدون من مخايل هوله، وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ }: أي قبل قريش، {قَوْمُ نُوحٍ} وفيه وعيد لقريش وضرب مثل لهم. ومفعول كذبت محذوف، أي كذبت الرسل، فكذبوا نوحاً عليه السلام. لما كانوا مكذبينبالرسل جاحدين للنبوة رأساً، كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل. ويجوز أن يكون المحذوف نوحاً أول مجيئه إليهم، فكذبوه تكذيباًيعقبه تكذيب. كلما مضى منهم قرن مكذب، تبعه قرن مكذب. وفي لفظ عبدنا تشريف وخصوصية بالعبودية، كقوله تعالى: { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } { سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } . {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ }: أي هو مجنون. لما رأوا الآيات الدالةعلى صدقه قالوا: هو مصاب الجن، لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون، أي يقول ما لا يقبله عاقل، وذلكمبالغة في تكذيبهم. {وَٱزْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ }، الظاهر أن قوله: {وَٱزْدُجِرَ } من أخبار الله تعالى،أي انتهروه وزجروه بالسبب والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ * نُوحٌ * لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُرْجُومِينَ }.قيل: والمعنى أنهم فعلوا به ما يوجب الانزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم إلى الإيمان وعدل إلى الدعاء عليهم. وقالمجاهد: وازدجر من تمام قولهم، أي قالوا وازدجر: أي استطير جنوناً، أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته. وقرأ ابن إسحاقوعيسى والأعمش وزيد بن عليّ، ورويت عن عاصم: إني بكسر الهمزة، على إضمار القول على مذهب البصريين، أو على إجراءالدعاء مجرى القول على مذهب الكوفيين. وقرأ الجمهور: بفتحها، أي بأني مغلوب، أي غلبني قومي، فلم يسمعوا مني، ويئست منإجابتهم لي. {فَٱنتَصِرْ }: أي فانتقم بعذاب تبعثه عليهم. وإنما دعا عليهم بعد ما يئس منهم وتفاقم أمرهم، وكان الواحدمن قومه يخنقه إلى أن يخر مغشياً عليه، وقد كان يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، ومتعلق {فَٱنتَصِرْ }محذوف. وقيل: التقدير فانتصر لي منهم بأن تهلكهم. وقيل: فانتصر لنفسك، إذ كذبوا رسولك فوقعت الإجابة. وللمتصوفة قول في {مَغْلُوبٌفَٱنتَصِرْ } حكاه ابن عطية، يوقف عليه في كتابه. {فَفَتَحْنَا }: بيان أن الله تعالى انتصر منهم وانتقم. قيل:ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم. {أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء }: جعل الماء كأنه آلة يفتحبها، كما تقول: فتحت الباب بالمفتاح، وكأن الماء جاء وفتح الباب، فجعل المقصود، وهو الماء، مقدّماً في الوجود على فتحالباب المغلق. ويجوز أن تكون الباء للحال، أي ملتبسة بماء منهمر. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج ويعقوب: ففتحنا مشدّداً؛والجمهور: مخففاً، {أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء }، هذا عند الجمهور مجاز وتشبيه، لأن المطر كثره كأنه نازل من أبواب، كما تقول: فتحتأبواب القرب، وجرت مزاريب السماء. وقال عليّ، وتبعه النقاش: يعني بالأبواب المجرة، وهي سرع السماء كسرع العيبة. وذهب قوم إلىأنها حقيقة فتحت في السماء أبواب جرى منها الماء، ومثله مروي عن ابن عباس، قال: أبواب السماء فتحت من غيرسحاب، لم تغلق أربعين يوماً. قال السدي: {مُّنْهَمِرٍ }: أي كثير. قال الشاعر:

أعينيّ جودا بالدموع الهوامر     على خير باد من معد وحاضر

وقرأ الجمهور: {وَفَجَّرْنَا } بتشديد الجيم؛ وعبد الله وأصحابه وأبو حيوة والمفضل عنعاصم: بالتخفيف؛ والمشهور أن العين لفظ مشترك. والظاهر أنها حقيقة في العين الباصرة، مجاز في غيرها، وهو في غير الماءمجاز مشهور، غالب وانتصب عيوناً على التمييز، جعلت الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من: وفجرنا عيون الأرض، ومنمنع مجيء التمييز من المفعول أعربه حالاً، ويكون حالاً مقدرة، وأعربه بعضهم مفعولاً ثانياً، كأنه ضمن {وَفَجَّرْنَا }: صيرنا بالتفجير،{ٱلاْرْضَ عُيُوناً }. وقيل: وفجرت أربعين يوماً. وقرأ الجمهور: {فَالْتَقَى ٱلمَاء }، وهو اسم جنس، والمعنى: ماء السماء وماء الأرض.وقرأ عليّ والحسن ومحمد بن كعب والجحدري: الماآن. وقرأ الحسن أيضاً: الماوان. وقال الزمخشري: وقرأ الحسن ماوان، بقلب الهمزة واواً،كقولهم: علباوان. انتهى. شبه الهمزة التي هي بدل من هاء في الماء بهمزة الإلحاق في علبا. وعن الحسن أيضاً: المايان،بقلب الهمزة ياء، وفي كلتا القراءتين شذوذ. {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ }: أي على حالة ورتبة قد فصلت في الأزل.وقيل: على مقادير قد رتبت وقت التقائه، فروى أن ماء الأرض كان على سبعة عشر ذراعاً، ونزل ماء السماء علىتكملة أربعين ذراعاً. وقيل: كان ماء الأرض أكثر. وقيل: كانا متساويين، نزل من السماء قدر ما خرج من الأرض.وقيل: {عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ }: في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح عليه السلام بالطوفان، وهذا هو الراجح،لأن كل قصة ذكرت بعد هذه القصة ذكر الله هلاك مكذبي الرسل فيها، فيكون هذا كناية عن هلاك قوم نوح،ولذلك ذكر نجاة نوح بعدها في قوله: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوٰحٍ وَدُسُرٍ }. وقرأ أبو حيوة: قدر بشد الدال؛ والجمهور؛بتخفيفها، وذات الألواح والدسر هي السفينة التي أنشأها نوح عليها السلام. ويفهم من هذين الوصفين أنها السفينة، فهي صفة تقوممقام الموصوف وتنوب عنه، ونحوه: قميصي مسرودة من حديد، أي درع، وهذا من فصيح الكلام وبديعه. ولو جمعت بين الصفةوالموصوف فيه، لم يكن بالفصيح والدسر المسامير، قاله الجمهور. وقال الحسن وابن عباس: مقاديم السفينة لأنها تدسر الماء، أي تدفعه،والدسر: الدفع. وقال مجاهد وغيره: بطن السفينة. وعنه أيضاً: عوارض السفينة. وعنه أيضاً: أضلاع السفينة، تجري في ذلك الماء المتلقيبحفظ منا وكلاءة، بحيث نجا من كان فيها وغرق غيرهم. وقال مقاتل بن سليمان: {بِأَعْيُنِنَا }: بوحينا. وقيل: بأمرنا.وقيل: بأوليائنا. يقال: فلان عين من عيون الله تعالى: أي ولي من أوليائه. وقيل: بأعين الماء التي أنبعناها. وقيل: منحفظها من الملائكة سماهم أعيناً. وقرأ زيد بن علي وأبو السمال: بأعينا بالإدغام؛ والجمهور: بالفك. {جَزَاء }: أي مجازاة، {لّمَنكَانَ كُفِرَ }: أي لنوح عليه السلام، إذ كان نعمة أهداها الله إلى قومه لأن يؤمنوا فكفروها، المعنى: أنه حملهفي السفينة ومن آمن معه كان جزاء له على صبره على قومه المئين من السنين، ومن كناية عن نوح. قيل:يعني بمن كفر لمن جحدت نبوته. وقال ابن عباس ومجاهد: من يراد به الله تعالى، كأنه قال: غضباً وانتصاراً للهتعالى، أي انتصر لنفسه، فأغرق الكافرين، وأنجى المؤمنين، وهذان التأويلان في من على قراءة الجمهور. كفر: مبنياً للمفعول. وقرأ مسلمةبن محارب: بإسكان الفاء خفف فعل، كما قال الشاعر:

لـو عصـر مـنه البـان والمسـك انعصـر    

يريد: لو عصر. وقرأ زيدبن رومان وقتادة وعيسى: كفر مبنياً للفاعل، فمن يراد به قوم نوح: أي إن ما نشأ من تفتيح أبواب السماءبالماء، وتفجر عيون الأرض، والتقاء الماءين من غرق قوم نوح عليه الصلاة والسلام، كان جزاء لهم على كفرهم. وكفر: خبرلكان، وفي ذلك دليل على وقوع الماضي بغير قد خبراً لكان، وهو مذهب البصريين وغيرهم. يقول: لا بد من قدظاهرة أو مقدرة، على أنه يجوز إن كان هنا زائدة، أي لمن كفر، والضمير في {تَّرَكْنَـٰهَا } عائد على الفعلةوالقصة. وقال قتادة والنقاش وغيرهما: عائد على السفينة، وأنه تعالى أبقى خشبها حتى رآه بعض أوائل هذه الأمة. وقال قتادة:وكم من سفينة بعدها صارت رماداً وقرأ الجمهور: {مُّدَّكِرٍ }، بإدغام الذال في الدال المبدلة من تاء الافتعال؛ وقتادة: فيمانقل ابن عطية بالذال، أدغمه بعد قلب الثاني إلى الأول. وقال صاحب كتاب اللوامح قتادة: فهل من مذكر، فاعل منالتذكير، أي من يذكر نفسه أو غيره بما مضى من القصص. انتهى. وقرىء: مدتكر على الأصل. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِىوَنُذُرِ }: تهويل لما حل بقوم نوح من العذاب وإعظام له، إذ قد استأصل جميعهم وقطع دابرهم، فلم ينسل منهمأحد؛ أي كيف كان عاقبة إنذاري؟ والنذر: جمع نذير وهو الإنذار، وفيه توقيف لقريش على ما حل بالمكذبين أمثالهم. وكان،إن كانت ناقصة، كانت كيف في موضع خبر كان؛ وإن كانت تامة، كانت في موضع نصب على الحال. والاستفهام هنالا يراد به حقيقته، بل المعنى على التذكير بما حل بهم. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا }: أي سهلنا، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا }: أيللإذكار والاتعاظ، لما تضمنه من الوعظ والوعد والوعيد. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }، قال ابن زيد: من متعظ. وقال قتادة: فهلمن طالب خير؟ وقال محمد بن كعب: فهل من مزدجر عن المعاصي؟ وقيل: للذكر: للحفظ، أي سهلناه للحفظ، لما اشتملعليه من حسن النظم وسلامة اللفظ، وعروه عن الحشو وشرف المعاني وصحتها، فله تعلق بالقلوب. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }: أيمن طالب لحفظه ليعان عليه، وتكون زواجره وعلومه حاضرة في النفس. وقال ابن جبير: لم يستظهر شيء من الكتب الإلهيةغير القرآن. وقيل: يسرنا: هيأنا {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا }، كقولهم: يسر ناقته للسفر إذا رحلها، ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه،قال الشاعر:

وقمت إليه باللجام ميسرا     هنالك يجزيني الذي كنت أصنع

قوله عز وجل:{كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ * تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْأَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ* فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا وٰحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ * الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ* سَيَعْلَمُونَ * سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلاْشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ * وَنَبّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَاءقِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ * فَنَادَوْاْ صَـٰحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةًوٰحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }. تقدمت قصة عاد مطولة ومتوسطة، وهناذكرها تعالى موجزة، كما ذكر قصة نوح عليه السلام موجزة. ولما لم يكن لقوم نوح علم، ذكر قوم مضافاً إلىنوح. ولما كانت عاد علماً لقوم هود، ذكر العلم، لأنه أبلغ في الذكر من التعريف بالإضافة. وتكرر التهويل بالاستفهام قبلذكر ما حل بهم وبعده، لغرابة ما عذبوا به من الريح، وانفرادهم بهذا النوع من العذاب، ولأن الاختصار داعية الاعتباروالتدبر والصرصر الباردة، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل، المصوتة والجمهور: على إضافة يوم إلى نحس، وسكون الحاء. وقرأ الحسن:بتنوين يوم وكسر الحاء، جعله صفة لليوم، كقوله تعالى: { فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } . {مُّسْتَمِرٌّ }، قال قتادة: استمر بهم حتىبلغهم جهنم. وعن الحسن والضحاك: كان مراً عليهم. وروي أنه كان يوم الأربعاء، والذي يظهر أنه ليس يوماً معيناً، بلأريد به الزمان والوقت، كأنه قيل: في وقت نحس. ويدل على ذلك أنه قال في سورة فصلت: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } . وقال في الحاقة: { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً } ، إلا أن يكون ابتداءالريح في يوم الأربعاء، فعبر بوقت الابتداء، وهو يوم الأربعاء، فيمكن الجمع بينها. {تَنزِعُ ٱلنَّاسَ }: يجوز أن يكونصفة للريح، وأن يكون حالاً منها، لأنها وصفت فقربت من المعرفة. ويحتمل أن يكون تنزع مستأنفاً، وجاء الظاهر مكان المضمرليشمل ذكورهم وإناثهم، إذ لو عاد بضمير المذكورين، لتوهم أنه خاص بهم، أي تقلعهم من أماكنهم. قال مجاهد: يلقى الرجلعلى رأسه، فتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه. وقيل: كانوا يصطفون آخذي بعضهم بأيدي بعض، ويدخلون في الشعاب،ويحفرون الحفر فيندسون فيها، فتنزعهم وتدق رقابهم. والجملة التشبيهية حال من الناس، وهي حال مقدرة. وقال الطبري: في الكلام حذفتقديره: فتتركهم. {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ }: فالكاف في موضع نصب بالمحذوف شبههم، بأعجاز النخل المنقعر، إذ تساقطوا على الأرض أمواتاًوهم جثث عظام طوال. والأعجاز: الأصول بلا فروع قد انقلعت من مغارسها. وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم، فتبقى أجساداً بلارؤوس، فأشبهت أعجاز النخل التي انقلعت من مغرسها. وقرأ أبو نهيك: أعجز على وزن أفعل، نحو ضبع وأضبع. والنخل اسمجنس يذكر ويؤنث، وإنما ذكر هنا لمناسبة الفواصل، وأنث في قوله: { أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } في الحاقة لمناسبة الفواصل أيضاً.وقرأ أبو السمال، فيما ذكر الهذلي في كتابه الكامل، وأبو عمرو والداني: برفعهما. فأبشر: مبتدأ، وواحد صفته، والخبر نتبعه. ونقلابن خالويه، وصاحب اللوامح، وابن عطية رفع أبشر ونصب واحداً عن أبي السمال. قال صاحب اللوامح: فأما رفع أبشر فبإضمارالخبر بتقدير: أبشر منا يبعث إلينا، أو يرسل، أو نحوهما؟ وأما انتصاب واحداً فعلى الحال، إما مما قبله بتقدير: أبشركائن منا في الحال توحده، وإما مما بعده بمعنى: نتبعه في توحده، أو في انفراده. وقال ابن عطية: ورفعه إماعلى إضمار فعل مبني للمفعول، التقدير: أينبأ بشر؟ وإما على الابتداء، والخبر في قوله: {نَّتَّبِعُهُ }، وواحداً على هذه القراءةحال إما من الضمير في نتبعه، وإما من المقدر مع منا، كأنه يقول: أبشر كائن منا واحداً؟ وفي هذا نظر.وقولهم ذلك حسد منهم واستبعاد أن يكون نوع البشر يفضل بعضه بعضاً هذا الفضل، فقالوا: نكون جمعاً ونتبع واحداً، ولميعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى على من رضيه. انتهى. وقال الزمخشري: فإن قلت:كيف أنكروا أن يتبعوا بشراً منهم واحداً؟ قلت: قالوا: أبشراً إنكاراً؟ لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكونوا منجنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة، وقالوا منا، لأنه إذا كان منهم، كانت المماثلة أقوى، وقالوا واحداً إنكاراً، لأنتتبع الأمة رجلاً واحداً، وأرادوا واحداً من أبنائهم ليس بأشرفهم ولا أفضلهم، ويدل عليه. {الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ }:أي أأنزل عليه الوحي من بيننا؟ وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة. انتهى، وهو حسن، على أن فيه تحميلاللفظ ما لا يحتمله. {إِنَّا إِذَا }: أي إن اتبعناه، فنحن في ضلال: أي بعد عن الصواب وحيرة. وقال الضحاك:في تيه. وقال وهب: بعد عن الحق، {وَسُعُرٍ }: أي عذاب، قاله ابن عباس. وعنه وجنون يقال: ناقة مسعورة إذاكانت تفرط في سيرها كأنها مجنونة، وقال الشاعر:

كأن بها سعراً إذا العيس هزها     زميل وإزجاء من السير متعب

وقال قتادة: وسعر: عناء. وقال ابن بحر: وسعر جمع سعير، وهو وقود النار، أي في في خطركمن هو في النار. انتهى. وروي أنه كان يقول لهم: إن لم تتبعوني، كنتم في ضلال عن الحق وسعر: أينيران، فعكسوا عليه فقالوا: إن اتبعناك كنا إذاً كما تقول. ثم زادوا في الإنكار والاستبعاد فقالوا: {أَءلْقِىَ }: أي أأنزل؟قيل: وكأنه يتضمن العجلة في الفعل، والعرب تستعمل هذا الفعل، ومنه: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } . والذكر هنا: الوحي والرسالة وما جاءهم من الحكمة والموعظة. ثم قالوا: ليس الأمر كما تزعم بل هو القرآن.{أَشِرٌ }: أي بطر، يريد العلوّ علينا، وأن يقتادنا ويتملك طاعتنا. وقرأ قتادة وأبو قلابة: بل هو الكذاب الأشر، بلامالتعريف فيهما وبفتح الشين وشد الراء، وكذا الأشر الحرف الثاني. وقرأ الحرف الثاني مجاهد، فيما ذكر صاحب اللوامح وأبو قيسالأودي الأشر بثلاث ضمات وتخفيف الراء. ويقال: أشر وأشر، كحذر وحذر، فضمة الشين لغة وضم الهمزة تبع لضمة الشين. وحكىالكسائي عن مجاهد: ضم الشين. وقرأ أبو حيوة: هذا الحرف الآخر الأشر أفعل تفضيل، وإتمام خير، وشر في أفعل التفضيلقليل. وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وهو أشر. قال الراجز.

بـلال خيـر النـاس وابـن الأخـير    

وقال أبوحاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأخير والأشر إلا في ضرورة الشعر، وأنشد قول رؤبة بلال البيت. وقرأ علي والجمهور: سيعلمونبياء الغيبة، وهو من إعلام الله تعالى لصالح عليه السلام؛ وابن عامر وحمزة وطلحة وابن وثاب والأعمش: بتاء الخطاب: أيقل لهم يا صالح وعداً يراد به الزمان المستقبل، لا اليوم الذي يلي يوم خطابهم، فاحتمل أن يكون يوم العذابالحال بهم في الدنيا، وأن يكون يوم القيامة، وقال الطرماح:

ألا عللاني قبل نوح النوائح     وقبل اضطراب النفس بين الجوانح وقبل غد يا لهف نفسي في غد

أراد وقت الموت، ولم يرد غداً بعينه. وفي قوله: {سَيَعْلَمُونَ غَداً } تهديد ووعيد ببيان انكشاف الأمر،والمعنى: أنهم هم الكذابون الأشرون. وأورد ذلك مورد الإبهام والاحتمال، وإن كانوا هم المعنيين بقوله تعالى، حكاية عن قول نوحعليه الصلاة والسلام: { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } ، والمعنى به قومه، وكذا قول شعيب عليه السلام: { سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } ؛ وقول الشاعر:

فلئن لقيتك خاليين لتعلمن     أني وأيك فارس الأحزاب

وإنما عنى أنه فارس الأحزاب، لا الذي خاطبه. {إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ }: أي ابتلاء واختباراً، وآنس بذلك صالحاً.ولما هددهم بقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَداً }، وكانوا قد ادعوا أنه كاذب، قالوا: ما الدليل على صدقك؟ قال الله تعالى: {إِنَّامُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ }: أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها. {فَٱرْتَقِبْهُمْ }: أي فانتظرهم وتبصر ما هم فاعلون، {وَٱصْطَبِرْ } علىأذاهم ولا تعجل حتى يأتي أمر الله. {وَنَبّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَاء }: أي ماء البئر الذي لهم، {قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ }: أيبين ثمود وبين الناقة غلب ثمود، فالضمير في بينهم لهم وللناقة. أي لهم شرب يوم، وللناقة شرب يوم. وقرأ الجمهور:قسمة بكسر القاف؛ ومعاذ عن أبي عمرو: بفتحها. {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } أي محضور لهم وللناقة. وتقدمت قصة الناقة مستوفاة،فأغنى عن إعادتها، وهنا محذوف، أي فكانوا على هذه الوتيرة من قسمة الماء، فملوا ذلك وعزموا على عقر الناقة. {فَنَادَوْاْصَـٰحِبَهُمْ }، وهو قدار بن سالف، {فَتَعَاطَىٰ }: هو مطاوع عاطى، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضاً، فتعاطاهاقدار وتناول العقر بيده. ولما كانوا راضين، نسب ذلك إليهم في قوله: { فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ } ، وفي قوله: { فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا } .والصيحة التي أرسلت عليهم. يروي أن جبريل عليه السلام صاح في طرف منازلهم، فتفتتوا وهمدوا وصاروا {كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ }وهو ما تفتت وتهضم من الشجر. والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة، فإنه تتفتت منه حالة العمل وتتساقط أجزاء مما يعمل به،أو يكون الهشيم ما يبس من الحظيرة بطول الزمان، تطأه البهائم فيتهشم. وقرأ الجمهور: بكسر الظاء؛ وأبو حيوة وأبو السمالوأبو رجاء وأبو عمرو بن عبيد: بفتحها، وهو موضع الاحتظار. وقيل: هو مصدر، أي كهشيم الاحتظار، وهو ما تفتت حالةالاحتظار. والحظيرة تصنعها العرب وأهل البوادي للمواشي والسكنى من الأغصان والشجر المورق والقصب. والخظر: المنع؛ وعن ابن عباس وقتادة، أنالمحتظر هو المحترق. قال قتادة: كهشيم محترق؛ وعن ابن جبير: هو التراب الذي يسقط من الحائط البالي. وقيل: المحتظر بفتحالظاء هو الهشيم نفسه، فيكون من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع على من تأوله كذلك، وكان هنا قيل: بمعنىصار. قوله عز وجل: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـٰصِباً إِلاَّ الَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ *نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْفَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ * فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِنمُّدَّكِرٍ * وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ * كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا * كُلّهَا فَأَخَذْنَـٰهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْأُوْلَـئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ٱلزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ * بَلِ ٱلسَّاعَةُمَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ * إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ* وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ * إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ * فِى مَقْعَدِصِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ }. تقدمت قصة لوط عليه السلام وقومه. والحاصب من الحصباء، وهو المعنيّ بقوله تعالى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } . {إِلا ءالَ لُوطٍ }، قيل: إلا ابنتاه، و{بِسَحَرٍ }: هو بكرة، فلذلك صرف، وانتصب {نِعْمَتَ} على أنه مفعول من أجله، أي نجيناهم لإنعامنا عليهم أو على المصدر، لأن المعنى: أنعمنا بالتنجية إنعاماً. {كَذٰلِكَ نَجْزِى}: أي مثل ذلك الإنعام والتنجية نجزي {مَن شَكَرَ } إنعامنا وأطاع وآمن. {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا }: أي أخذتنا لهمبالعذاب، {فَتَمَارَوْاْ }: أي تشككوا وتعاطوا ذلك، {بِٱلنُّذُرِ }: أي بالإنذار، أو يكون جمع نذير. {فَطَمَسْنَا }، قال قتادة: الطمسحقيقة جر جبريل عليه السلام على أعينهم جناحه، فاستوت مع وجوههم. وقال أبو عبيدة: مطموسة بجلد كالوجه. قيل: لما صفقهمجبريل عليه السلام بجناحه، تركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب، حتى أخرجهم لوط عليه السلام. وقال ابن عباس والضحاك: هذهاستعارة، وإنما حجب إدراكهم، فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً، فجعل ذلك كالطمس. وقرأ الجمهور: فطمسنا بتخفيف الميم؛ وابن مقسم: بتشديدها.{فَذُوقُواْ }: أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا. {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً }: أي أول النهار وباكره، لقوله: { مُشْرِقِينَ } و { مُّصْبِحِينَ } . وقرأ الجمهور: بكرة بالتنوين، أراد بكرة من البكر، فصرف. وقرأ زيد بن علي: بغير تنوين. {عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ}: أي لم يكشفه عنهم كاشف، بل اتصل بموتهم، ثم بما بعد ذلك من عذاب القبر، ثم عذاب جهنم. {فَذُوقُواْعَذَابِى وَنُذُرِ }: توكيد وتوبيخ ذلك عند الطمس، وهذا عند تصبيح العذاب. قيل: وفائدة تكرار هذا، وتكرار {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا }،التجرد عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين، للاتعاظ واستئناف التيقظ إذا سمعوا الحث على ذلك لئلا تستولي عليهم الغفلة،وهكذا حكم التكرير لقوله: { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن. وقوله: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات، وكذلك تكرير القصص في أنفسها، لتكون العبرة حاضرة للقلوب، مذكورة في كلأوان. {وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ }: هم موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر بهالمرسلون، أو يكون جمع نذير المصدر بمعنى الإنذار. {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } هي التسع، والتوكيد هنا كهو في قوله: { وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا كُلَّهَا } . والظاهر أن الضمير في: {كَذَّبُواْ }، وفي: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ } عائد على آل فرعون. وقيل: هو عائد علىجميع من تقدم من الأمم ذكره، وتم الكلام عند قوله: {ٱلنُّذُرُ }. {فَأَخَذْنَـٰهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ }: لا يغالب، {مُّقْتَدِرٍ }:لا يعجز شيء. {أَكُفَّـٰرُكُمْ }: خطاب لأهل مكة، {خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـئِكُمْ }: الإشارة إلى قوم نوح وهود وصالح ولوط، وإلىفرعون، والمعنى: أهم خير في القوّة وآلات الحروب والمكانة في الدنيا، أو أقل كفؤاً وعناداً؟ فلأجل كونهم خيراً لا يعاقبونعلى الكفر بالله، وقفهم على توبيخهم، أي ليس كفاركم خيراً من أولئكم، بل هم مثلهم أو شرّ منهم، وقد علمتمما لحق أولئك من الهلاك المستأصل لما كذبوا الرسل. {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى ٱلزُّبُرِ }: أي ألكم في الكتب الإلهيةبراءة من عذاب الله تعالى؟ قاله الضحاك وعكرمة وابن زيد. {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ } أي واثقون بجماعتنا، منتصرونبقوتنا، تقولون ذلك على سبيل الإعجاب بأنفسكم. وقرأ الجمهور: أم يقولون، بياء الغيبة التفاتاً، وكذا ما بعده للغائب. وقرأ أبوحيوة وموسى الأسواري وأبو البرهشيم: بتاء الخطاب للكفار، اتباعا لما تقدم من خطابهم. وقرأوا: ستهزم الجمع، بفتح التاء وكسر الزايوفتح العين، خطاباً للرسول ﷺ؛ وأبو حيوة أيضاً ويعقوب: بالنون مفتوحة وكسر الزاي وفتح العين؛ والجمهور: بالياءمبنياً للمفعول، وضم العين. وعن أبي حيوة وابن أبي عبلة أيضاً: بفتح الياء مبنياً للفاعل ونصب العين: أي سيهزم اللهالجمع. والجمهور: {وَيُوَلُّونَ } بياء الغيبة؛ وأبو حيوة وداود بن أبي سالم، عن أبي عمرو: بتاء الخطاب. والدبر هنا: اسمجنس، وجاء في موضع آخر { لَيُوَلُّنَّ ٱلاْدْبَـٰرَ } ، وهو الأصل، وحسن اسم الجنس هنا كونه فاصلة. وقال الزمخشري: {وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}: أي الأدبار، كما قال: كلوا في بعض بطنكم تعفوا. وقرىء: الأدبار. انتهى، وليس مثل بطنكم، لأن مجيء الدبر مفرداًليس بحسن، ولا يحسن لإفراد بطنكم. وفي قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ } عدة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليهوسلم بهزيمة جمع قريش؛ والجمهور: على أنها مكية، وتلاها رسول الله ﷺ مستشهداً بها. وقيل: نزلت يومبدر. {بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }: انتقل من تلك الأقوال إلى أمر الساعة التى عذابها أشد عليهم من كل هزيمةوقتال. {وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ }: أي أفظع وأشد، والداهية الأمر: المنكر الذي لا يهتدى لدفعه، وهي الرزية العظمى تحل بالشخص. {وَأَمَرُّ} من المرارة: استعارة لصعوبة الشيء على النفس. {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ }: أي في حيرة وتخبط في الدنيا. {وَسُعُرٍ}: أي احتراق في الآخرة، جعلوا فيه من حيث مصيرهم إليه. وقال ابن عباس: وخسران وجنون، والسعر: الجنون، وتقدم مثلهفي قصة صالح عليه السلام. {يَوْمَ يُسْحَبُونَ }: يجرون {فِى ٱلنَّارِ }، وفي قراءة عبد الله: إلى النار. {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْذُوقُواْ }: أي مقولاً لهم: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ }. وقرأ محبوب عن أبي عمرو: مسقر، بإدغام السين في السين. قالابن مجاهد: إدغامه خطأ لأنه مشدد. انتهى. والظن بأبي عمرو أنه لم يدغم حتى حذف إحدى السينين لاجتماع الأمثال، ثمأدغم. {إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ }، قراءة الجمهور: كل شيء بالنصب. وقرأ أبو السمال، قال ابن عطية وقوممن أهل السنة: بالرفع. قال أبو الفتح: هو الوجه في العربية، وقراءتنا بالنصب مع الجماعة. وقال قوم: إذا كان الفعليتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر، اختير النصب في الاسمالأول حتى يتضح أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع، لأن في قراءة الرفع يتخيل أن الفعل وصف، وأن الخبريقدر. فقد تنازع أهل السنة والقدرية الاستدلال بهذه الآية. فأهل السنة يقولون: كل شيء فهو مخلوق لله تعالى بقدرة دليلهقراءة النصب، لأنه لا يفسر في مثل هذا التركيب إلا ما يصح أن يكون خبراً لو وقع الأول على الابتداء.وقالت القدرية: القراءة برفع كل، وخلقناه في موضع الصفة لكل، أي إن أمرنا أو شأننا كل شيء خلقناه فهو بقدرأو بمقدار، على حد ما في هيئته وزمنه وغير ذلك. وقال الزمخشري: {كُلّ شَىْء } منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.وقرىء: كل شيء بالرفع، والقدر والقدر هو التقدير. وقرىء: بهما، أي خلقنا كل شيء مقدراً محكماً مرتباً على حسب مااقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح، معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه. انتهى. قيل: والقدر فيه وجوه: أحدها: أن يكون بمعنى المقدار في ذاته وصفاته. والثاني : التقدير، قال تعالى: { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } . وقال الشاعر:

ومـا قـدّر الرحمـن مـا هـو قـادر    

أي ما هو مقدور. والثالث : القدر الذي يقال مع القضاء، يقال: كان ذلك بقضاء الله وقدره،والمعنى: أن القضاء ما في العلم، والقدر ما في الإرادة، فالمعنى في الآية: {خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ }: أي بقدرة مع إرادة.انتهى. {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ }: أي إلا كلمة واحدة وهي: كن كلمح بالبصر، تشبيه بأعجل ما يحس، وفي أشياءأمر الله تعالى أوحي من ذلك، والمعنى: أنه إذا أراد تكوين شيء لم يتأخر عن إرادته. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ }:أي الفرق المتشايعة في مذهب ودين. {وَكُلُّ شَىْء فَعَلُوهُ }: أي فعلته الأمم المكذبة، محفوظ عليهم إلى يوم القيامة، قالهابن عباس والضحاك وقتادة وابن زيد. ومعنى {فِى ٱلزُّبُرِ }: في دواوين الحفظة. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } من الأعمال، ومنكل ما هو كائن، {مُّسْتَطَرٌ }: أي مسطور في اللوح. يقال: سطرت واستطرت بمعنى. وقرأ الأعمش وعمران بن حدير وعصمةعن أبي بكر: بشد راء مستطر. قال صاحب اللوامح: يجوز أن يكون من طرّ النبات، والشارب إذا ظهر وثبت بمعنى:كل شيء ظاهر في اللوح مثبت فيه. ويجوز أن يكون من الاستطار، لكن شدّد الراء للوقف على لغة من يقول:جعفرّ ونفعلّ بالتشديد وقفاً. انتهى، ووزنه على التوجيه الأول استفعل، وعلى الثاني افتعل. وقرأ الجمهور: ونهر على الإفراد، والهاء مفتوحة؛والأعرج ومجاهد وحميد وأبو السمال والفياض بن غزوان: بسكونها، والمراد به الجنس، إن أريد به الأنهار، أو يكون معنى ونهر:وسعة في الأرزاق والمنازل، ومنه قول قيس بن الحطيم:

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها     يرى قائم من دونها ما وراءها

أي: أوسعت فتقها. وقرأ زهير العرقبي والأعمش وأبو نهيك وأبو مجلز واليماني: بضم النون والهاء، جمع نهر، كرهنورهن، أو نهر كأسد وأسد، وهو مناسب لجمع جنات. وقيل: نهر جمع نهار، ولا ليل في الجنة، وهو بعيد. {فِىمَقْعَدِ صِدْقٍ }: يجوز أن يكون ضد الكذب، أي في المقعد الذي صدقوا في الخبر به، وأن يكون من قولك:رجل صدق: أي خير وجود وصلاح. وقرأ الجمهور: في مقعد، على الإفراد، يراد به اسم الجنس؛ وعثمان البتي: في مقاعدعلى الجمع؛ وعند تدل على قرب المكانة من الله تعالى، والله تعالى أعلم.