تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الفجر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ وَٱلْفَجْرِ } * { وَلَيالٍ عَشْرٍ } * { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } * { وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } * { هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ } * { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } * { إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } * { ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ } * { وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ } * { وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ } * { ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ } * { فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ } * { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } * { إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } * { فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ } * { وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ } * { كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ } * { وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } * { وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } * { وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً } * { كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } * { وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } * { وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ } * { يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } * { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } * { وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } * { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } * { ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } * { فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي } * { وَٱدْخُلِي جَنَّتِي }

الحجر: العقل، قال الفراء: العرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسهحافظاً لها، كأنه من حجرت على الرجل، إرم: أمّة قديمة، وقيل: اسم أبي عاد كلها، وهو عاد بن عوص بنإرم بن سام بن نوح عليه السلام. وقيل: مدينة، وعلى أنه اسم قبيلة. قال زهير:

وآخرين ترى الماذيّ عدتهم     من نسج داود أو ما أورثت إرم

وقال الرقيات:

مجداً تليداً بناه أوله     أدرك عاداً وقبله إرم

جاب: خرق وقطع، تقول جبت البلاد أجوبها، إذا قطعتها وجاوزتها، قال:

ولا رأيت قلوصاً قبلها حملت     ستين وسقاً ولا جابت بها بلدا

السوط: آلة للضرب معروفة.قال بعض اللغويين: وهو مصدر من ساط يسوط إذا اختلط. وقال الليث: ساطه إذا خلطه بالسوط، ومنه قول الشاعر:

أحارث أنا لو تساط دماؤنا     تزايلن حتى لا يمس دم دما

وقال أبو زيد: يقالأموالهم سويطة بينهم: أي مختلطة اللم الجمع واللف. قال أبو عبيدة: لممت ما على الخوان، إذا أكلت جميع ما عليهبأسره. وقال الحطيئة:

إذا كان لما يتبع الذم ربه     فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا

ومنه: لممتالشعث، قال النابغة:

ولست بمستبق أخاً لا تلمه     على شعث أي الرجال المهذب

الجم:الكبير. {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ * ذَلِكَقَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِىٱلْبِلَـٰدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلاْوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ * فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُرَبّى أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ *وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً * كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلاْرْضُدَكّاً دَكّاً * وَجَاء رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ * يَقُولُيٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى * فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِىإِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى * وَٱدْخُلِى جَنَّتِى }. هذه السورة مكية في قول الجمهور. وقالعليّ بن أبي طلحة: مدنية. ولما ذكر فيما قبلها

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ }

، و

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ }

، أتبعها بذكر الطوائفالمتكبرين المكذبين المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وأشار إلى الصنف الآخر الذين وجوههم ناعمة بقوله: {أَحَدٌ يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ }. وأيضاًلما قال:

{ إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ }

، قال هنا: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }، تهديداً لمن كفر وتولى. وقرأ أبو الدينارالأعرابي: والفجر، والوتر، ويسر بالتنوين في الثلاثة. قال ابن خالويه: هذا كما روي عن بعض العرب أنه وقف على آخرالقوافي بالتنوين، وإن كان فعلاً، وإن كان فيه ألف ولام. قال الشاعر:

أقلّي اللوم عاذل والعتابا     وقولي إن أصبت لقد أصابا

انتهى. وهذا ذكره النحويون في القوافي المطلقة إذا لم يترنم الشاعر، وهو أحدالوجهين اللذين للعرب إذا وقفوا على الكلم في الكلام لا في الشعر، وهذا الأعرابي أجرى الفواصل مجرى القوافي. وقرأ الجمهور:{وَلَيالٍ عَشْرٍ } بالتنوين؛ وابن عباس: بالإضافة، فضبطه بعضهم. {وَلَيالٍ عَشْرٍ } بلام دون ياء، وبعضهم وليالي عشر بالياء، ويريد:وليالي أيام عشر. ولما حذف الموصوف المعدود، وهو مذكر، جاء في عدده حذف التاء من عشر. والجمهور: {وَٱلْوَتْرِ } بفتحالواو وسكون التاء، وهي لغة قريش. والأغر عن ابن عباس، وأبو رجاء وابن وثاب وقتادة وطلحة والأعمش والحسن: بخلاف عنه؛والأخوان: بكسر الواو، وهي لغة تميم، واللغتان في الفرد، فأما في الرحل فالكسر لا غير. وحكى الأصمعي: فيه اللغتين؛ ويونسعن أبي عمرو: بفتح الواو وكسر التاء. والجمهور: {يَسْرِ } بحذف الياء وصلاً ووقفاً؛ وابن كثير: بإثباتها فيهما؛ ونافع وابنعمرو: بخلاف عنه بياء في الوصل وبحذفها في الوقف؛ والظاهر وقول الجمهور، منهم علي وابن عباس وابن الزبير: أن الفجرهو المشهور، أقسم به كما أقسم بالصبح، ويراد به الجنس، لا فجر يوم مخصوص. وقال ابن عباس ومجاهد؛ من يومالنحر؛ وعكرمة: من يوم الجمعة؛ والضحاك: من ذي الحجة؛ ومقاتل: من ليلة جمع؛ وابن عباس وقتادة: من أول يوم منالمحرم. وعن ابن عباس أيضاً: الفجر: النهار كله؛ وعنه أيضاً وعن زيد بن أسلم: الفجر هو صلاة الصبح، وقرآنها هوقرآن الفجر. وقيل: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال ابن الزبير والكلبي وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي وعطية العوفي: هي عشرذي الحجة؛ وابن عباس والضحاك: العشر الأواخر من رمضان. وقال ابن جريج: الأول منه؛ ويمان وجماعة: الأول من المحرم ومنهيوم عاشوراء؛ ومسروق ومجاهد: وعشر موسى عليه السلام التي أتمها الله تعالى. قيل: والأظهر قول ابن عباس للحديث المتفق علىصحته. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحياليله وأيقظ أهله. قال التبريزي: اتفقوا على أنه العشر الأواخر، يعني من رمضان، لم يخالف فيه أحد، فتعظيمه مناسب لتعظيمالقسم. وقال الزمخشري: وأراد بالليالي العشر عشر ذي الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت:لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي العشر، بعض منها أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: فهل لا عرفتبلام العهد لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، ولأن الأحسن أنتكون اللامات متجانسة ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية، انتهى. أما السؤالان فظاهران، وأما الجواب عنهما فلفظ ملفق لا يعقلمنه معنى فيقبل أو يرد. والشفع والوتر: ذكر في كتاب التحرير والتحبير فيها ستة وثلاثين قولاً ضجرنا من قراءتهافضلاً عن كتابتها في كتابنا هذا، وعن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ أنه قال: هي الصلوات، منها الشفع ومنها الوتر . وروى أبو أيوب عنه ﷺ: الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر: ليلة النحر .وروى جابر عنه ﷺ: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة . وفي هذا الحديث تفسيره عليه الصلاة والسلامالفجر بالصبح والليالي العشر بعشر النحر، وهو قول ابن عباس وعكرمة، واختاره النحاس. وقال حديث أبي الزبير عن جابر: هوالذي صح عن النبي ﷺ، وهو أصح إسناداً من حديث عمران بن حصين: «صوم عرفة وتر لأنهتاسعها، ويوم النحر شفع لأنه عاشرها». وذكر ابن عطية في الشفع والوتر أربعة عشر قولاً، والزمخشري ثلاثة أقوال، ثم قال:وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه، انتهى.{وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ }: قسم بجنس الليل، ويسري: يذهب وينقرض، كقوله:

{ وَٱلَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ }

. وقال الأخفش وابن قتيبة:يسري فيه، فيكون من باب ليلك نائم. وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: المراد ليلة جمع لأنه يسري فيها، وجواب القسم محذوف.قال الزمخشري: وهو لنعذبن، يدل عليه قوله: {أَلَمْ تَرَ } إلى قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ }. وقال ابنالأنباري: الجواب: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }. والذي يظهر أن الجواب محذوف يدل عليه ما قبله من آخر سورة الغاشية، وهوقوله:

{ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ }

، وتقديره: لإيابهم إلينا وحسابهم علينا. وقول مقاتل: هل هنا فيموضع تقديره: إن في ذلك قسماً لذي حجر. فهل على هذا في موضع جواب القسم، قول لم يصدر عن تأمل،لأن المقسم عليه على تقدير أن يكون التركيب إن في ذلك قسماً لذي حجر لم يذكر، فيبقى قسم بلا مقسمعليه، لأن الذي قدره من إن في ذلك قسماً لذي حجر لا يصح أن يكون مقسماً عليه، وهل في ذلكتقرير على عظم هذه الأقسام، أي هل فيها مقنع في القسم لذي عقل فيزدجر ويفكر في آيات الله. ثم وقفالمخاطب على مصارع الأمم الكافرة الماضية مقصوداً بذلك توعد قريش، ونصب المثل لها. وعاد هو عاد بن عوص، وأطلق ذلكعلى عقبه، ثم قيل للأولين منهم عاداً الأولى وإرم، نسبة لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة. وقال مجاهد وقتادة:هي قبيلة بعينها. وقال ابن إسحاق: إرم هو أبو عاد كلها. وقال الجمهور: إرم مدينة لهم عظيمة كانت علىوجه الدهر باليمن. وقال محمد بن كعب: هي الإسكندرية. وقال ابن المسيب والمقبري: هي دمشق. وقال مجاهد أيضاً: إرم معناهالقديمة. وقرأ الجمهور: بعاد مصر، وفا إرم بكسر الهمزة وفتح الراء والميم ممنوع الصرف للتأنيث والعلمية لأنه اسم للقبيلة، وعاد،وإن كان اسم القبيلة، فقد يلحظ فيه معنى الحي فيصرف أولاً يلحظ، فجاء على لغة من صرف هنداً، وإرم عطفبيان أو بدل. وقرأ الحسن: بعاد غير ممنوع الصرف مضافاً إلى إرم، فجاز أن يكون إرم وجداً ومدينة؛ والضحاك: إرمبفتح الراء وما بعدها ممنوعي الصرف. وقرأ ابن الزبير: بعاد بالإضافة، إرم بفتح الهمزة وكسر الراء، وهي لغة في المدينة،والضحاك: بعاد مصروفاً، وبعاد غير مصروف أيضاً، أرم بفتح الهمزة وسكون الراء تخفيف أرم بكسر الراء؛ وعن ابن عباس والضحاك:أرم فعلاً ماضياً، أي بلي، يقال: رم العظم وأرم هو: أي بلي، وأرمه غيره معدى بالهمزة من رم الثلاثي. وذاتعلى هذه القراءة مكسورة التاء؛ وابن عباس أيضاً: فعلاً ماضياً، ذات بنصب التاء على المفعول به، وذات بالكسر صفة لإرم؛وسواء كانت اسم قبيلة أو مدينة، وإن كان يترجح كونها مدينة بقوله: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ }، فإذا كانتقبيلة صح إضافة عاد إليها وفكها منها بدلاً أو عطف بيان، وإن كانت مدينة فالإضافة إليها ظاهرة والفك فيها يكونعلى حذف مضاف، أي بعاد أهل إرم ذات العماد. وقرىء: {إِرَمَ ذَاتِ }، بإضافة إرم إلى ذات، والإرم: العلم،يعني بعاد: أعلام ذات العماد. ومن قرأ: أرم فعلاً ماضياً، ذات بالنصب، أي جعل الله ذات العماد رميماً، ويكون {إِرَمَ} بدلاً من {فَعَلَ رَبُّكَ } وتبييناً لفعل، وإذا كانت {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } صفة للقبيلة. فقال ابن عباس: هي كنايةعن طول أبدانهم، ومنه قيل: رفيع العماد، شبهت قدودهم بالأعمدة، ومنه قولهم: رجل عمد وعمدان أي طويل. وقال عكرمة ومقاتل:أعمدة بيوتهم التي كانوا يرحلون بها لأنهم كانوا أهل عمود. وقال ابن زيد: أعمدة بنيانهم، وإذا كانت صفة للمدينة، فأعمدةالحجارة التي بنيت بها. وقيل: القصور العالية والأبراج يقال لها عماد. وحكي عن مجاهد: أرم مصدر، أرم يأرم إذا هلك،والمعنى: كهلاك ذات العماد، وهذا قول غريب، كأن معنى {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ }: كيف أهلك عاداً كهلاك ذات العماد.وذكر المفسرون أن ذات العماد مدينة ابتناها شداد بن عاد لما سمع بذكر الجنة على أوصاف بعيد، أو مستحيل عادةأن يبنى في الأرض مثلها، وأن الله تعالى بعث عليها وعلى أهله صيحة قبل أن يدخلها هلكوا جميعاً، ويوقف علىقصتهم في كتاب التحرير وشيء منها في الكشاف. وقرأ الجمهور: {لَمْ يُخْلَقْ } مبنياً للمفعول، مثلها رفع؛ وابن الزبير:مبنياً للفاعل، مثلها نصباً، وعنه: نخلق بالنون والضمير في مثلها عائد على المدينة التي هي ذات العماد في البلاد، أيفي بلاد الدنيا، أو عائد على القبيلة، أي في عظم أجسام وقوة. وقرأ ابن وثاب وثمود بالتنوين. والجمهور: بمنع الصرف.{جَابُواْ ٱلصَّخْرَ }: خرقوه ونحتوه، فاتخذوا في الحجارة منها بيوتاً، كما قال تعالى:

{ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بيوتاً }

. قيل: أولمن نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة بالوادي، وادي القرى. وقيل: جابوا واديهم وجلبوا ماءهمفي صخر شقوه فعل ذي القوة والآمال. {ذِى * ٱلاْوْتَادِ }: تقدم الكلام على ذلك في سورة ص. {ٱلَّذِينَ }صفة لعاد وثمود وفرعون، أو منصوب على الذم، أو مرفوع على إضمارهم. {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ }: أبهم هناوأوضح في الحاقة وفي غيرها، ويقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، واستعمل الصب لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب، قال:

فصب عليهم محصرات كأنها     شآبيب ليست من سحاب ولا قطر

يريد: المحدودين في قصةالإفك. وقال بعض المتأخرين في صفة الحبل:

صببنا عليهم ظالمين شياطنا     فطارت بها أيد سراع وأرجل

وخص السوط فاستعير للعذاب، لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره. وقال الزمخشري: وذكرالسوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوطإذا قيس إلى سائر ما يعذب به. والمرصاد والمرصد: المكان الذي يترتب فيه الرصد، مفعال من رصده، وهذا مثل لإرصادهالعصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون المرصاد في الآية اسم فاعل، كأنه قال: لبالراصد، فعبرببناء المبالغة، انتهى. ولو كان كما زعم، لم تدخل الباء لأنها ليست في مكان دخولها، لا زائدة ولا غير زائدة.{فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ }: ذكر تعالى ما كانت قريش تقوله وتستدل به على إكرام الله تعالى وإهانته لعبده، فيرون المكرممن عنده الثروة والأولاد، والمهان ضده. ولما كان هذا غالباً عليهم وبخوا بذلك. والإنسان اسم جنس، ويوجد هذا في كثيرمن أهل الإسلام. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ }؟ قلت: بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }، كأنهقال: إن الله تعالى لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعي للعاقبة، وهو مرصد للعاصي؛ فأما الإنسان فلا يريد ذلكولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها، انتهى. وفيه التصريح بمذهب الاعتزال في قوله: لا يريد من الإنسان إلاالطاعة. وإذا العامل فيه فيقول: والنية فيه التأخير، أي فيقول كذا وقت الابتداء، وهذه الفاء لا تمنع أن يعمل مابعدها فيما قبلها، وإن كانت فاء دخلت في خبر المبتدأ لأجل أما التي فيها معنى الشرط، وبعد أما الثانية مضمربه وقع التوازن بين الجملتين تقديره: فأما إذا هو ما ابتلاه، وفيقول خبر عن ذلك المبتدأ المضمر، وابتلاه معناه: اختبره،أيشكر أم يكفر إذا بسط له؟ وأيصبر أم بجزع إذا ضيق عليه؟ لقوله تعالى:

{ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً }

. وقابلونعمه بقوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ }، ولم يقابل {فَأَكْرَمَهُ } بلفظ فأهانه، لأنه ليس من يضيق عليه الرزق، كان ذلكإهانة له. ألا ترى إلى ناس كثير من أهل الصلاح مضيقاً عليهم الرزق كحال الإمام أبي سليمان داود بن عليالأصبهاني رضي الله تعالى عنه وغيره، وذم الله تعالى العبد في حالتيه هاتين. أما في قوله: {فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ}، فلأنه إخبار منه على أنه يستحق الكرامة ويستوجبها. وأما قوله: {أَهَانَنِ }، فلأنه سمى ترك التفضيل من الله تعالىإهانة وليس بإهانة، أو يكون إذا تفضل عليه أقر بإحسان الله إليه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك تفضل اللهإهانة، لا إلى الاعتراف بقوله: {أَكْرَمَنِ }. وقرأ ابن كثير: أكرمني وأهانني بالياء فيهما؛ ونافع: بالياء وصلاً وحذفها وقفاً، وخيرفي الوجهين أبو عمرو، وحذفها باقي السبعة فيهما وصلاً ووقفاً، ومن حذفها وقفاً سكن النون فيه. وقرأ الجمهور: {فَقَدَرَ }بخف الدال؛ وأبو جعفر وعيسى وخالد والحسن بخلاف عنه؛ وابن عامر: بشدها. قال الجمهور: هما بمعنى واحد بمعنى ضيق، والتضعيففيه للمبالغة لا للتعدي، ولا يقتضي ذلك قول الإنسان {أَهَانَنِ }، لأن إعطاء ما يكفيه لا إهانة فيه. {كَلاَّ }:رد على قولهم ومعتقدهم، أي ليس إكرام الله وتقدير الرزق سببه ما ذكرتم، بل إكرامه العبد:دّتيسيره لتقواه، وإهانته: تيسيره للمعصية؛ثم أخبرهم بما هم عليه من أعمالهم السيئة. وقال الزمخشري: كلا ردع للإنسان عن قوله، ثم قال: بل هنا شرمن هذا القول، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون فيها ما يلزمهم من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرةوحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام ويحبونه فيشحون به، انتهى. وفي الحديث: أحب البيوت إلى الله تعالى بيت فيه يتيم مكرم . وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو عمر: يكرمون ولا يحضون، ويأكلون ويحبون بياء الغيبة فيها؛وباقي السبعة، بتاء الخطاب، وأبو جعفر وشيبة والكوفيون وابن مقسم: تحاضون بفتح التاء والألف أصله تتحاضون، وهي قراءة الأعمش، أييحض بعضكم بعضاً؛ وعبدأ الله أو علقمة وزيد بن عليّ وعبد الله بن المبارك والشيرزي عن الكسائي: كذلك إلا أنهمضموا التاء، أي تحاضون أنفسكم، أي بعضكم بعضاً، وتفاعل وفاعل يأتي بمعنى فعل أيضاً. {عَلَىٰ طَعَامِ }، يجوز أن يكونبمعنى إطعام، كالعطاء بمعنى الإعطاء، والأولى أن يكون على حذف مضاف، أي على بذل طعام. {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ }، كانوالا يورثون النساء ولا صغار الأولاد، فيأكلون نصيبهم ويقولون: لا يأخذ الميراث إلا من يقاتل ويحمي الحوزة، والتراث تاؤه بدلمن واو، كالتكلة والتخمة من توكلت ووخمت. وقيل: كانوا يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة وهم عالمون بذلك يجمعون بينالحلال والحرام ويسرفون في إنفاق ما ورثوه لأنهم ما تعبوا في تحصيله، كما شاهدنا الوراث البطالين. {كَلاَّ }: ردع لهمعن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرطوا فيه في دار الدنيا. {دَكّاً دَكّاً }: حالكقولهم: باباً باباً، أي مكرراً عليهم الدّك. {وَجَاء رَبُّكَ }، قال القاضي منذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك، وليسبمجيء نقلة، وكذلك مجيء الطامّة والصاخة. وقيل: وجاء قدرته وسلطانه. وقال الزمخشري: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قدرتهوسلطانه، مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضورعساكره كلها ووزرائه وخواصه، انتهى. والملك اسم جنس يشمل الملائكة. وروي أنه ملائكة كل سماء تكون صفاً حول الأرض فييوم القيامة. قال الزمخشري: {صَفّاً صَفّاً } تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس، انتهى.{وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ }، كقوله تعالى:

{ وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ }

، {يَوْمَئِذٍ } بدل من {إِذَا }. قال الزمخشري: وعاملالنصب فيهما يتذكر، انتهى. ظاهر كلامه أن العامل في البدل هو العامل نفسه في المبدل منه، وهو قول قد نسبإلى سيبويه، والمشهور خلافه، وهو أن البدل على نية تكرار العامل، أي يتذكر ما فرط فيه. {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ }:أي منفعة الذكرى، لأنه وقت لا ينفع فيه التذكر، لو اتعظ في الدنيا لنفعه ذلك في الأخرى، قاله الجمهور. قالالزمخشري وغيره: أو وقت حياتي في الدنيا، كما تقول: جئت لطلوع الشمس ولتاريخ كذا وكذا. وقال قوم: لحياتي في قبري،يعني الذي كنت أكذب به. قال الزمخشري: وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقاً بقصدهم وإرادتهم، وأنهملم يكونوا محجورين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ انتهى، وهو على طريقةالاعتزال. وقرأ الجمهور: {لاَّ يُعَذّبُ ، وَلاَ يُوثِقُ }: مبنيين للفاعل، والضمير في {عَذَابَهُ }، و{وَثَاقَهُ } عائد علىالله تعالى، أي لا يكل عذابه ولا وثاقه إلى أحد، لأن الأمر لله وحده في ذلك؛ أو هو من الشدّةفي حيز لم يعذب قط أحد في الدنيا مثله، والأول أوضح لقوله: {لاَّ يُعَذّبُ * وَلاَ يُوثِقُ }، ولا يطلقعلى الماضي إلا بمجاز بعيد، بل موضوع، لا إذا دخلت على المضارع أن يكون مستقبلاً. ويجوز أن يكون الضمير قبلهاعائداً على الكافر، أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه. وقيل إلى الله، أي لا يعذب أحد فيالدنيا عذاب الله للكافر، ويضعف هذا عمل لا يعذب في يومئذ، وهو ظرف مستقبل. وقرأ ابن سيرين وابن أبي إسحاقوسوّار القاضي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وسلام والكسائي ويعقوب وسهل وخارجة عن أبي عمرو: بفتح الذال والثاءمبنيين للمفعول، فيجوز أن يكون الضمير فيهما مضافاً للمفعول وهو الأظهر، أي لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسلوالأغلال مثل وثاقه، أو لا يحمل أحد عذاب الإنسان لقوله تعالى:

{ ولا تزر وازرة وزر أخرى }

، وعذاب وضع موضع تعذيب.وفي اقتباس مثل هذا خلاف، وهو أن يعمل ما وضع لغير المصدر، كالعطاء والثواب والعذاب والكلام. فالبصريون لا يجيزونه ويقيسونه.وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم: وثاقه بكسر الواو؛ والجمهور: بفتحها، والمعذب هو الكافر على العموم. وقيل: هو أميةبن خلف. وقيل: أبيّ بن خلف. وقيل: المراد به إبليس؛ وقام الدليل على أنه أشد من الناس عذاباً، ويدفع القولهذا قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ }، والضمائر كلها مسوقة له. ولما ذكر تعالى شيئاً من أحوال من يعذب، ذكرشيئاً من أحوال المؤمن فقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ }، وهذا النداء الظاهر إنه على لسان ملك. وقرأ الجمهور: بتاء التأنيث.وقرأ زيد بن علي: يا أيها بغير تاء، ولا أعلم أحداً ذكر أنها تذكر، وإن كان المنادى مؤنثاً، إلا صاحبالبديع. وهذه القراءة شاهدة بذلك، ولذلك وجه من القياس، وذلك أنه لم يثن ولم يجمع في نداء المثنى والمجموع؛ فكذلكلم يؤنث في نداء المؤنث. {ٱلْمُطْمَئِنَّةُ }: الآمنة التي لا يلحقها خوف ولا حزن، أو التي كانت مطمئنة إلى الحقلم يخالطها شك. قال ابن زيد: يقال لها ذلك عند الموت وخروجها من جسد المؤمن في الدنيا. وقيل: عند البعث.وقيل: عند دخول الجنة. {إِلَىٰ رَبّكَ }: أي إلى موعد ربك. وقيل: الرب هنا الإنسان دون النفس، أي ادخل فيالأجساد، والنفس اسم جنس. وقيل: هذا النداء هو الآن للمؤمنين. لما ذكر حال الكفار قال: يا مؤمنون دوموا وجدوا حتىترجعوا راضين مرضيين، {رَّاضِيَةٍ } بما أوتيته، {مَّرْضِيَّةً } عند الله. {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى }: أي في جملة عبادي الصالحين.{وَٱدْخُلِى جَنَّتِى } معهم. وقيل: النفس والروح، والمعنى: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ الجمهور: {فِى عِبَادِى } جمعاً؛ وابن عباسوعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر وأبو صالح والكلبي وأبو شيخ الهنائي واليماني: في عبدي على الإفراد، والأظهر أنه أريد بهاسم الجنس، فمدلوله ومدلول الجمع واحد. وقيل: هو على حذف خاطب النفس مفردة فقال: فادخلي في عبدي: أي في جسدعبدي. وتعدى فادخلي أولاً بفي، وثانياً بغير فاء، وذلك أنه إذا كان المدخول فيه غير ظرف حقيقي تعددت إليه بفي، دخلت في الأمر ودخلت في غمار الناس، ومنه: {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى }. وإذا كان المدخول فيه ظرفاً حقيقياً، تعدت إليه في الغالب بغير وساطة في. قيل: في عثمان بن عفان. وقيل: في حمزة. وقيل: في خبيب بن عدي، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.