تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة العنكبوت

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ الۤـمۤ } * { أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } * { وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ } * { أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } * { مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } * { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } * { فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } * { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } * { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * { وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } * { أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } * { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } * { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } * { وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } * { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } * { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ } * { وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ } * { قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } * { وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ } * { إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } * { وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ } * { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } * { وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } * { وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ } * { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } * { مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } * { إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ } * { خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } * { ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } * { وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } * { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ } * { وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ } * { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ } * { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } * { قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } * { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } * { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } * { يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } * { يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ } * { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } * { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } * { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } * { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } * { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ } * { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } * { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } * { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } * { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } * { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } * { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } * { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }

{الم * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ * وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءمَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُلِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ *وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا }.هذه السورة مكية، قاله جابر وعكرمة والحسن. وقال ابن عباس، وقتادة: مدنية. وقال يحيـى بن سلام: مكية إلا منأولها إلى {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }، ونزل أوائلها في مسلمين بمكة كرهوا الجهاد حين فرض بالمدينة، قاله السدي؛ أو في عمارونظرائه ممن كان يعذب في الله، قاله ابن عمر؛ أو في مسلمين كان كفار قريش يؤذونهم، قاله مجاهد، وو قريبمما قبله؛ أو في مهجع مولى عمر، قتل ببدر فجزع أبواه وامرأته عليه، وقال فيه رسول الله صلى الله عليهوسلم: سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة أو في عياش أخي أبي جهل، غدرفارتد. و{ٱلنَّاسِ }: فسر بمن نزلت فيه الآية. وقال الحسن: الناس هنا المنافقون، أي أن يتركوا لمجرد قولهم آمنا.وحسب يطلب مفعولين. فقال الحوفي، وابن عطية، وأبو البقاء: سدت أن وما بعدها من معمولها مسد المفعولين، وأجاز الحوفي وأبوالبقاء أن يقولوا بدلاً من أن يتركوا. وأن يكونوا في موضع نصب بعد إسقاط الخافض، وقدروه بأن يقولوا ولأن يقولوا.وقال ابن عطية، وأبو البقاء: وإذا قدرت الباء كان حالاً. قال ابن عطية: والمعنى في الباء واللام مختلف، وذلك أنهفي الباء كما تقول: تركت زيداً بحاله، وهي في اللام بمعنى من أجل، أي حسبوا أن إيمانهم علة للترك تفسيرمعنى، إذ تفسير الأعراب حسبانهم أن الترك لأجل تلفظهم بالإيمان. وقال الزمخشري: فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذييقتضيه الحسبان؟ قلت: هو في قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ }، وذلك أن تقديره حسبوا تركهمغير مفتونين لقولهم آمنا، فالترك أول مفعولي حسب، ولقولهم آمنا هو الخبر، وأما غير مفتونين فتتمة للترك، لأنه من التركالذي هو بمعنى التصيير، كقوله

:فتركته جزر السباع ينشنه    

ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان تقدرأن تقول: تركتهم غير مفتونين، لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام؟ فإن قلت: {أَن يَقُولُواْ } هو علةتركهم غير مفتونين، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت: كما تقول: خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب، وقد كان التأديبوالمخافة في قوله: خرجت مخافة الشر وضربته تأديباً، تعليلين. وتقول أيضاً: حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب، فتجعلها مفعولينكما جعلتهما مبتدأ وخبراً. انتهى، وهو كلام فيه اضطراب. ذكر أولاً أن تقديره غير مفتونين تتمة، يعني أنه حال،لأنه سبك ذلك من قوله: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }، وهذه جملة حالية. ثم ذكر {أَن يُتْرَكُواْ } هنا من التركالذي هو من التصيير، وهذا لا يصح، لأن مفعول صير الثاني لا يستقيم أن يكون لقولهم، إذ يصير التقدير أنيصيروا لقولهم: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }، وهذا كلام لا يصح. وأما ما مثل به من البيت فإنه يصح، وأن يكونجزر السباع مفعولاً ثانياً لترك بمعنى صير، بخلاف ما قدر في الآية. وأما تقديره تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا،على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام، فلا يصح؛ إذ كان تركهم بمعنى تصييرهم، كان غير مفتونين حالاً، إذ لا ينعقدمن تركهم، بمعنى تصييرهم، وتقولهم مبتدأ وخبر لاحتياج تركهم، بمعنى تصييرهم، إلى مفعول ثان، لأن غير مفتونين عنده حال، لامعفول ثان. وأما قوله: فإن قلت {أَن يَقُولُواْ } إلى آخره، فيحتاج إلى فضلة فهم، وذلك أن قوله: {أَنيَقُولُواْ } هو علة تركهم فليس كذلك، لأنه لو كان علة له لكان متعلقاً، كما يتعلق بالفعل، ولكنه علة للخبرالمحذوف الذي هو مستقر، أو كائن، والخبر غير المبتدأ. ولو كان لقولهم علة للترك، لكان من تمامه، فكان يحتاج إلىخبره. وأما قوله: كما تقول خروجه لمخافة الشر، فلمخافة ليس علة للخروج، بل للخبر المحذوف الذي وهو مستقر، أو كائن.{وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }، قال الشعبي: الفتنة هنا ما كلفه المؤمنون من الهجرة التي لم يتركوا دونها. وقال الكلبي: هومثال،

{ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً }

وقال مجاهد: يتبتلون في أنفسهم وأموالهم. و{ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }: المؤمنون أتباع الأنبياء،أصابهم من المحن ما فرق به المؤمن بالمنشار فرقتين، وتمشط بأمشاط الحديد، ولا يرجع عن دينه. {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ }، بالامتحان،{ٱلَّذِينَ صَدَقُوا } في إيمانهم، {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } فيه من علم المتعدية إلى واحد فيهما، ويستحيل حدوث العلم لله تعالى.فالمعنى: وليتعلقن علمه به موجوداً به كما كان متعلقاً به حين كان معدوماً. والمعنى: وليميزن الصادق منهم من الكاذب، أوعبر بالعلم عن الجزاء، أي وليتبين الصادق وليعذبن الكاذب. ومعنى صدقوا في إيمانهم يطابق قولهم واعتقادهم أفعالهم، والكاذبين ضد ذلك.وقرأ علي، وجعفر بن محمد: فليعلمن، مضارع المنقولة بهمزة التعدي من علم المتعدية إلى واحد، والثاني محذوف، أي منازلهم فيالآخرة من ثواب وعقاب؛ أو الأول محذوف، أي فليعلمن الناس الذين صدقوا، أي يشهرهم هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر،وذلك في الدنيا والآخرة، أو من العلامة فيتعدى إلى واحد، أي يسمهم بعلامة تصلح لهم، كقوله: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها وقرأ الزهري: الأولى كقراءة الجماعة، والثانية كقراءة علي. {أَمْ حَسِبَ }، قال ابن عطية: أممعادلة للألف في قوله: {أَحَسِبَ }، وكأنه عز وجل قرر الفريقين: قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون، وقرر الكافرينالذين يعملون السيئات في تعذيب المؤمنين وغير ذلك، على ظنهم أنهم يسبقون نقمات الله ويعجزونه. انتهى. وليست أم هنا معادلةللألف في أحسب، كما ذكر، لأنها إذ ذاك تكون متصلة، ولها شرطان: أحدهما: أن يكون قبلها لفظ همزة الاستفهام، وهذاالشرط هنا موجود. والثاني: أن يكون بعدها مفرد، أو ما هو في تقدير المفرد. مثال المفرد: أزيد قائم أمعمرو؟ ومثال ما هو في تقدير المفرد: أقام زيد أم قعد؟ وجوابها: تعيين أحد الشيئين، إن كان التعادل بين شيئين؛أو الأشياء، إن كان بين أكثر من شيئين. وهنا بعد أم جملة، ولا يمكن الجواب هنا بأحد الشيئين، بل أمهنا منقطعة، بمعنى بل التي للإضراب، بمعنى الانتقال من قضية إلى قضية، لا بمعنى الإبطال. وهمزة الاستفهام والاستفهام هنا للتقريعوالتوبيخ والإنكار، فلا يقتضي جواباً، لأنه في معنى: كيف وقع حسبان لك؟ و{ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ }، قال ابن عباس:يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاصي بن هشام، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وحنظلةبن أبي سفيان، والعاصي بن وائل، وأنظارهم من صناديد قريش. انتهى. والآية، وإن نزلت على سبب، فهي تعم جميع منيعمل السيئات من كافر ومسلم. وقال مجاهد: {أَن يَسْبِقُونَا }: أي يعجزونا، فلا نقدر على الانتقام، وقيل: أن يعجلونا محتومالقضاء، وقيل: أن يهربوا منا ويفوتونا بأنفسهم. وقال الزمخشري: {أَن يَسْبِقُونَا }: أن يفوتونا، يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة،وهم لم يطمعوا في الفوت، ولم يحدثوا به أنفسهم، ولكنهم لغفلتهم وقلة فكرتهم في العاقبة، وإصرارهم على المعاصي في صورةمن يقدم ذلك ويطمع فيه؛ ونظيره:

{ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلاْرْضِ }

{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ }

فإن قلت: أين مفعولاً حسب؟ قلت: اشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مسد المفعولين، كقولهم:

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ }

ويجوز أن تضمن حسب معنى قدر، وأم منقطعة. ومعنى الإضراب فيها أن هذاالحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أن لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه. انتهى. أمّا قوله: وهولم يطمعوا في الفوت، إلى آخر قوله: ويطمع فيه، فليس كما ذكر، بل هم معتقدون أن لا بعث ولا جزاء،ولا سيما السرية التي نص عليها ابن عباس، وما ذكره، كما الزمخشري، هو على اعتقاد من يعلم أن الله يجازيه،ولكن طمع في عفو الله. وأما قوله: اشتمال صلة أن، إلى آخره، فقد كان ينبغي أن يقدر ذلك في قوله:{أَن يُتْرَكُواْ }، فيجعل ذلك سد مسد المفعولين، ولم يقدر ما لا يصح تقديره، وأمّا قوله: ويجوز أن تضمن حسبمعنى قدر، فتعين إن أن وما بعدها في موضع مفعول واحد، والتضمين ليس بقياس، ولا يصار إليه إلا عند الحاجةإليه، وهذا الإجابة إليه. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ }، قال الزمخشري، وابن عطية ما معناه: أن {مَا } موصولة و{يَحْكُمُونَ} صلتها، أو تمييز بمعنى شيء، ويحكمون صفة، والمخصوص بالذم محذوف، فالتقدير: أي حكمهم. انتهى. وفي كون ما موصولة مرفوعةبساء، أو منصوبة على التمييز خلاف مذكور في النحو. وقال ابن كيسان: ما مصدرية، فتقديره: بئس حكمهم. وعلى هذا القوليكون التمييز محذوفاً، أي ساء حكماً حكمهم. وساء هنا بمعنى: بئس، وتقدم حكم بئس إذا اتصل بهاما، والفعل في قوله:

{ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ }

مشبعاً في البقرة. وجاء بالمضارع، وهو {يَحْكُمُونَ }، قيل: إشعاراً بأن حكمهم مذموم حالاًواستقبالاً، وقيل: لأجل الفاصلة وقع المضارع موقع الماضي اتساعاً. والظاهر أن {يَرْجُو } على بابها، ومعنى {لِقَاء ٱللَّهِ }: الوصولإلى عاقبة الأمر من الموت والبعث والجزاء؛ مثلت حاله بحالة عبد قدم على مولاه من سفر بعيد، وقد اطلع مولاهعلى ما عمل في غيبته عنه، فإن كان عمل خيراً، تلقاه بإحسان أو شراً، فبضد الإحسان. {فَإِنَّ أَجَلَٱللَّهِ لآتٍ }: وهو ما أجله وجعل له أجلاً، لا نفسه لا محالة، فليبادر لما يصدق رجاءه. وقال أبو عبيدة:يرجو: يخاف، ويظهر أن جواب الشرط محذوف، أي {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ٱللَّهِ }، فليبادر بالعمل الصالح الذي يحقق رجاءه،فإن ما أجله الله تعالى من لقاء جزائه لآت. والظاهر أن قوله: {وَمَن جَاهَدَ }، معناه: ومن جاهد نفسه بالصبرعلى الطاعات، فثمرة جهاده، وهو الثواب المعد له، إنما هو له، لا لله، والله تعالى غني عنه وعن العالمين، وإنماكلفهم ما كلفهم إحساناً إليهم. {لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ }: يشتمل من كان كافراً فآمن وعمل صالحاً، فأسقط عنه عقاب ماكان قبل الإيمان من كفر ومعصية، ومن نشأ مؤمناً عاملاً للصالحات وأساء في بعض أعماله، فكفر عنه ذلك، وكانت سيئاتهمغمورة بحسناته. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى }: أي أحسن جزاء أعمالهم. وقال ابن عطية: فيه حذف مضاف تقديره: ثواب أحسن الذيكانوا يعملون. انتهى. وهذا التقدير لا يسوغ، لأنه يقتضي أن أولئك يجزون ثواب أحسن أعمالهم، وأما ثواب حسنها فمسكوت عنه،وهم يجزون ثواب الأحسن والحسن، إلاّ إن أخرجت أحسن عن بابها من التفضيل، فيكون بمعنى حسن، فإنه يسوغ ذلك. وأماالتقدير الذي قبله فمعناه: أنه مجزي أحسن جزاء العمل، فعمله يقتضي أن تكون الحسنة بمثلها، فجوزي أحسن جزائها، وهي أنجعلت بعشر أمثالها. وفي هذه الآيات تحريك وهز المن تخلف عن الجهرة أن يبادر إلى استدراك ما فرط فيه منها،وثناء على المؤمنين الذين بادروا إلى الهجرة، وتنويه بقدرهم. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ }، في جامع الترمذي: إنها نزلت في سعدبن أبي وقاص، آلت أمه أن لا يطعم ولا يشرب حتى تموت، أو يكفر. وقيل: في عياش بن أبي ربيعة،أسلم وهاجر مع عمر، وكانت أمه شديدة الحب له، وحلفت على مثل ذلك، فتحيل عليه أبو جهل وأخوه الحارث، فشداهوثاقاً حين خرج معهما من المدينة إلى أمه قصد ليراها، وجلده كل منهما مائة جلدة، ورداه إلى أمه فقالت: لايزال في عذاب حتى يكفر بمحمد، في حديث طويل ذكر في السير. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ }: أي أمرناه بتعهدهما ومراعاتهما.وانتصب {حَسَنًا } على أنه مصدر، وصف به مصدر وصينا، أي إيصاء حسناً، أي ذا حسن، أو على سبيل المبالغة،أي هو في ذاته حسن. قال ابن عطية: يحتمل أن ينتصب على المفعول، وفي ذلك تحريض على كونه عاماً لمعان.كما تقول: وصيتك خيراً، وأوصيتك شراً؛ وعبر بذلك عن جملة ما قلت له، ويحسن ذلك دون حرف الجر، كون حرفالجر في قوله: {بِوٰلِدَيْهِ }، لأن المعنى: ووصينا الإنسان بالحسن في قوله مع والده، ونظير هذا قول الشاعر

: عجبت من دهماء إذ تشكونا     ومن أبي دهماء إذ يوصينا

انتهى. مثلهقول الحطيئة يوصي ابنته برة

: وصيت من برة قلباً حرا     بالكلب خيراً والحماة شراً

وعلى هذا التقدير يكون الأصل بخير، وهو المفعول الثاني. والباء في بوالديه وفي بالحماة وبالكلب ظرفيةبمعنى في، أي وصينا الإنسان في أمر والديه بخير. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون المفعول الثاني في قوله: {بِوٰلِدَيْهِ}، وينتصب {حَسَنًا } بفعل مضمر تقديره: يحسن حسناً، وينتصب انتصاب المصدر. وفي التحرير: حسناً نصب عند البصريين على التكرير،أي وصيناه حسناً، وقيل: على القطع، تقديره: ووصينا بالحسن، كما تقول: وصيته خيراً، أي بالخير، ويعني بالقطع عن حرف الجر،فانتصب. وقال أهل الكوفة: ووصينا الإنسان أن يفعل حسناً، فيقدر له فعل. انتهى. وفي هذا القول حذف أن وصلتها وإبقاءالمعمول، وهو لا يجوز عند البصريين. وقال الزمخشري: وصيناه بايتاء والديه حسناً، أو نائلاً والديه حسناً، أي فعلاً ذا حسن،وما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، كقوله:

{ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا }

انتهى. وهذا التقدير فيه إعمال المصدر محذوفاًوإبقاء معموله، وهو لا يجوز عند البصريين. قال الزمخشري: ويجوز أن يجعل حسناً من باب قولك: زيداً، بإضمار اضرب إذارأيته متهيأ للضرب، فتنصبه بإضمار أولهما، أو افعل بهما، لأن الوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، فكأنه قال:قلنا أو لهما معروفاً. وقرأ عيسى، والجحدري: حسناً، بفتحتين؛ والجمهور: بضم الحاء وإسكان السين، وهما كالبَخَل. وقال أبو الفضل الرازي:وانتصابه بفعل دون التوصية المقدمة، لأنها قد أخذت مفعوليها معاً مطلقاً ومجروراً، فالحسن هنا صفة أقيم مقام الموصوف بمعنى: أمرحسن. انتهى، أي أمراً حسناً، حذف أمراً وأقيم حسن مقامه. وقوله: مطلقاً، عنى به الإنسان، وفيه تسامح، بل هو مفعولبه؛ والمطلق إنما هو المصدر، لأنه مفعول لم يقيد من حيث التفسير بأداة جر، بخلاف سائر المفاعيل، فإنك تقول: مفعولبه، ومفعول فيه، ومفعول معه، ومفعول له؛ وفي مصحف أبي: إحساناً. {وَإِن جَـٰهَدَاكَ }: أي وقلنا: إن جاهداك {مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }: أي بإلهيته، فالمراد بنفي العلم نفي المعلوم، أي {لِتُشْرِكَ } به شيئاً، لا يصح أنيكون إلهاً ولا يستقيم، {فَلاَ تُطِعْهُمَا } فيما جاهداك عليه من الإشراك؛ {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ }: شامل للموصي والموصي والمجاهد والمجاهد،{فَأُنَبِئُكُم }: فأجازيكم، {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }: من بر، أو عقوق، أو طاعة، أو عصيان. وكرر تعالى ما رتب للمؤمنينمن دخولهم {فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ }، ليحرك النفوس إلى نيل مراتبهم. ومعنى {فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ }: في جملتهم، ومرتبة الصلاح شريفة، أخبرالله بها عن إبراهيم، وسألها سليمان، عليهما السلام، وأخبر تعالى أن يجعل من أطاع الله ورسوله معهم. ويجوز أن يكونالتقدير: في ثواب الصالحين، وهي الجنة. ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين الخلص، ذكر حال المنافقين ناساً آمنوا بألسنتهم، فإذاآذاهم الكفار، جعلوا ذلك الأذى، وهو فتنة الناس، صارفاً لهم عن الإيمان؛ كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر؛وكونها نزلت في منافقين، قول ابن زيد. وقال الزجاج: جزع كما يجزع من عذاب الله، وهذا معنى قول مجاهد والضحاك.وقال قتادة: فيمن هاجر، فردهم المشركون إلى مكة. وقيل: في مؤمنين أخرجهم إلى بدر المشركون فارتدوا، وهم الذين قال فيهم:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }

{وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ }: أي للمؤمنين، {لَّيَقُولَنَّ }: أيالقائلون أو ذيناً في الله، {إِنَّا مَعَكُمْ }: أي متابعون لكم في دينكم، أو مقاتلون معكم ناصرون لكم، قاسمونا فيماحصل لكم من الغنائم. وهذه الجملة المقسم عليها مظهرة مغالطتهم، إذ لو كان إيمانهم صحيحاً، لصبروا على أذى الكفار، وإنكانت فيمن هاجر، وكانوا يحتالون في أمرهم، وركبوا كل هول في هجرتهم. وقرىء: ليقولن، بفتح اللام، ذكره أبو معاذ النحويوالزمخشري. وأعلم: أفعل تفضيل، أي من أنفسهم؛ وبما في صدورهم: أي بما تكن صدورهم من إيمان ونفاق، وهذا إستفهام معناهالتقرير، أي قد علم ما انطوت عليه الضمائر من خير وشر. {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }: ظاهر في أن ما قبل هذهالجملة في المنافقين، كما قال ابن زيد، وعلمه بالمؤمن، وعد له بالثواب، وبالمنافق وعيد له بالعقاب. ولما ذكر حال المؤمنينوالمنافقين، ذكر مقالة الكافرين قولاً واعتقاداً، وهم رؤساء قريش. قال مجاهد: كانوا يقولن لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولاأنتم، فإن كان عليكم شيء فهو علينا. وقيل: قائل ذلك أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف، قالا لعمران: كانفي الإقامة على دين الآباء إثم، فنحن نحمله عنك، وقيل: قائل ذلك الوليد بن المغيرة. قال ابن عطية: وقوله: {وَلْنَحْمِلْ}، أخبر أنهم يحملون خطاياهم على جهة التشبيه بالنقل، لكنهم أخرجوه في صيغة الأمر، لأنها أوجب وأشد تأكيداً في نفسالسامع من المجازاة، ومن هذا النوع قول الشاعر

: فقلت ادعى وأدعو فإن أندى     لصوت أن ينادي داعيان

ولكونه خبراً حسن تكذيبهم فيه. وقال الزمخشري: أمروهم باتباع سبيلهم، وهي طريقتهم التيكانوا عليها في دينهم، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فحمل الأمر على الأمر وأرادوا، ليجتمع هذان الأمران في الحصول، أن يتبعواسبيلنا وأن نحمل خطاياكم. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحنولا أنتم، فإن عسى، كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم. انتهى. وقوله: فإن عسى، كان تركيب أعجمي لا عربي، لأنإن الشرطية لا تدخل على عسى، لأنه فعل جامد، ولا تدخل أدوات الشرط على الفعل الجامد؛ وأيضاً فإن عسى لايليها كان، واستعمل عسى بغير اسم ولا خبر، ولم يستعملها تامة. وقرأ الحسن، وعيسى، ونوح القارىء: ولنحمل، بكسر لام الأمر؛ورويت عن علي، وهي لغة الحسن، في لام الأمر. والحمل هنا مجاز، شبه القيام بما يتحصل من عواقب الإثم بالحملعلى الظهر، والخطايا بالمحمول. وقال مجاهد: نحمل هنا من الحمالة، لا من الحمل. وقرأ الجمهور: {مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ }. وقرأ داودبن أبي هند، فيما ذكر أبو الفضل الرازي: من خطيئتهم، على التوحيد، قال: ومعناه الجنس، ودل على ذلك اتصافه بضميرالجماعة. وذكر ابن خالويه، وأبو عمر والداني أن داود هذا قرأ: من خطيآتهم، بجمع خطيئة جمع السلامة، بالألف والتاء. وذكرابن عطية عنه أنه قرأ: من خطئهم، بفتح الطاء وكسر الياء، وينبغي أن يحمل كسر الياء على أنها همزة سهلتبين بين، فأشبهت الياء، لأن قياس تسهيلها هو ذلك. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف سماهم كاذبين؟ وإنما ضمنوا شيئاًعلم الله أنهم لا يقدرون على الوفاء به، ومن ضمن شيئاً لا يقدر على الوفاء به، لا يسمى كاذباً، لاحين ضمن، ولا حين عجز، لأنه في الحالين لا يدخل تحت عد الكاذبين، وهو المخبر عن الشيء، لا على ماهو عليه؟ قلت: شبه الله حالهم، حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به، فكان ضمانهمعنده، لا على ما عليه بالكاذبين الذين خبرهم، لا على ما عليه المخبر عنه. ويجوز أن يريد إنهم كاذبون لأنهمقالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يصدقون الشيء، وفي قلوبهم فيه الخلف. انتهى. وتقدم من قول ابن عطية أنقوله: ولنحمل خبر، يعني أمراً، ومعناه الخبر، وهذان الأمران منزلة الشرط والجزاء، إذ المعنى: أن تتبعوا سبيلنا، ولحقكم في ذلكإثم على ما تزعمون، فنحن نحمل خطاياكم. وإذا كان المعنى على هذا، كان إخباراً في الجزاء بما لا يطابق، وكانكذباً. {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ }: أثقال أنفسهم من كفرهم ومعاصيهم، {وَأَثْقَالاً } أي أخر، وهي أثقال الذين أغروهم، فكانوا سبباًفي كفرهم. ولم يبين من الذين يحملون أثقاله، فأمكن اندراج أثقال المظلوم بحملها للظالم، كما جاء في الحديث: أنه يقتص من الظالم للمظلوم بأن يعطي من حسنات ظالمه، فإن لم يبق للظالم حسنة أخذ من سيآت المظلوم فطرح عليه وفي صحيح مسلم ما معناه: أيما داع دعا إلى ضلالة، فأتبع عليها وعمل بها بعده، فعليه أو زار منعمل بها ممن اتبعه، لا ينقص ذلك من أوزاهم شيئاً. {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً }: أي سؤال توبيخ وتقريع. {وَلَقَدْأَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ * فأَنْجَيْنـٰهُ وأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَاءايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ * وَإِبْرٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِندُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ }. ذكر هذهالقصة تسلية لرسول الله ﷺ، لما كان يلقى من أذى الكفار. فذكر ما لقي أول الرسل، وهونوح، من أذى قومه، المدد المتطاولة، تسلية لخاتم الرسل صلوات الله عليه. والواو في {وَلَقَدْ } واو عطف، عطفت جملةعلى جملة. قال ابن عطية: والقسم فيها بعيد، يعني أن يكون المقسم به قد حذف وبقي حرفه وجوابه، وفيه حذفالمجرور وإبقاء حرف الجار، وحرف الجر لا يعلق عن عمله، بل لا بد له من ذكره. والظاهر أنه أقام فيقومه هذه المدة المذكورة يدعوهم إلى الله. وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته في قومه، منلدن مولده إلى غرق قومه. انتهى. وليس عندي محتملاً، لأن اللبث متعقب بالفاء الدالة على التعقيب، واختلف في مقدار عمره،حين كان بعث وحين مات، اختلافاً مضطرباً متكاذباً، تركنا حكايته في كتابنا، وهو في كتب التفسير. والاستثناء من الألف استدلبه على جواز الاستثناء من العدد، وفي كونه ثابتاً من لسان العرب خلاف مذكور في النحو، وقد عمل الفقهاء المسائلعلى جواز ذلك، وغاير بين تمييز المستثنى منه وتمييز المستثنى، لأن التكرار في الكلام الواحد مجتنب في البلاغة، إلا إذاكان لغرض من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه. ولأن التعبير عن المدة المذكورة بما عبر به، لأن ذكر رأس العددالذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره، ولإزالة التوهم الذي يجيء مع قوله:تسعمائة وخمسون عاماً، بأن ذلك على سبيل المبالغة لا التمام، والاستثناء يرفع ذلك التوهم المجازي. وتقدمت وقعة نوح بأكملمما هنا، والخلاف في عدد من آمن ودخل السفينة. والضمير في {وَجَعَلْنَـٰهَا } يحتمل أن يعود على {ٱلسَّفِينَةِ }، وأنيعود على الحادثة والقصة، وأفرد {ءايَةً } وجاء بالفاصلة {لّلْعَـٰلَمِينَ }، لأن إنجاء السفن أمر معهود. فالآية إنجاؤه تعالى أصحابالسفينة وقت الحاجة، ولأنها بقيت أعواماً حتى مر عليها الناس ورأوها، فحصل العلم بها لهم، فناسب ذلك قوله: {لّلْعَـٰلَمِينَ }،وانتصب {إِبْرَاهِيمَ } عطفاً على {نُوحاً }. قال ابن عطية: أو على الضمير في {فأَنْجَيْنـٰهُ }. وقال هو والزمخشري: بتقديراذكروا بدل منه، إذ بدل اشتمال منه، لأن الأحيان تشتمل على ما فيها، وقد تقدّم لنا أن إذ ظرف لايتطرف، فلا يكون مفعولاً به، وقد كثر تمثيل المعربين، إذ في القرآن بأن العامل فيها اذكر، وإذا كانت ظرفاً لمامضي، فهو لو كان منصرفاً، لم يجز أن يكون معمولاً لا ذكر، لأن المستقبل لا يقع في الماضي، لا يجوزثم أمس، فإن كان خلع من الظرفية الماضية وتصرف فيه، جاز أن يكون مفعولاً به ومعمولاً لا ذكر. وقرأ النحعي،وأبو جعفر، وأبو حنيفة، وإبراهيم: بالرفع، أي: ومن المرسلين إبراهيم. وهذه القصة تمثيل لقريش، وتذكير لحال أبيهم إبراهيم من رفضالأصنام، والدعوى إلى عبادة الله، وكان نمروذ وأهل مدينة عباد أصنام. وقرأ الجمهور: {وَتَخْلُقُونَ }، مضارع خلق، {إِفْكاً }، بكسرالهمزة وسكون الفاء. وقرأ علي، والسلمي، وعون العقيلي، وعبادة، وابن أبي ليلى، وزيد بن علي: بفتح التاء والخاء واللام مشددة.قال ابن مجاهد: رويت عن ابن الزبير، أصله: تتخلقون، بتاءين، فحذفت إحداهما على الخلاف الذي في المحذوفة. وقرأ زيد بنعلي أيضاً، فيما ذكر الأهوازي: تخلقون، من خلق المشدد. وقرأ ابن الزبير، وفضيل بن زرقان: أفكاً، بفتح الهمزة وكسر الفاء،وهو مصدر مثل الكذب. قال ابن عباس: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً }، هو نحت الأصنام وخلقها، سماها إفكاً توسعاً من حيث يفترونبها الإفك في أنها آلهة. وقال مجاهد: هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك. وقال الزمخشري: إفكاً فيه وجهان:أحدهما: أن تكون مصدراً نحو: كذب ولعب، والإفك مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن تكون صفة على فعل، أيخلقاً إفكاً، ذا إفك وباطل، واختلافهم الإفك تسمية الأوثان آلهة وشركاء لله وشفعاء إليه، أو سمي الأصنام إفكاً، وعملهم لهانحتهم خلقاً للإفك. انتهى. وهذا الترد بد منه في نحو: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً }، قولان لابن عباس ومجاهد، وقد تقدملنا نقلهما عنهما ونفيهم بقوله: {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } على جهة الاحتجاج بأمر يفهمه عامّتهم وخاصتهم، فقرر أن الأصناملا ترزق، والرزق يحتمل أن يريد به المصدر: لا يملكون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، واحتمل أن يكون اسم المرزوق،أي لا يملكون لكم إيتاء رزق ولا تحصيله، وخص الرزق لمكانته من الخلق. ثم أمرهم بابتغاء الرزق ممن هو يملكهويؤتيه، وذكر الرزق لأن المقصود أنهم لا يقدرون على شيء منه، وعرفه بعد لدلالته على العموم، لأنه تعالى عنده الأرزاقكلها. {وَٱشْكُرُواْ لَهُ } على نعمة السابغة من الرزق وغيره. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }: أي إلى جزائه، أخبر بالمعاد والحشر. ثمقال: {وَإِن تُكَذّبُواْ }: أي ليس هذا مبتكراً منكم، وقد سبق ذلك من أمم الرسل، قيل: قوم شيث وإدريس وغيرهم.وروي أن إدريس عليه السلام عاش في قومه ألف سنة، فآمن به ألف إنسان على عدد سنيه، وباقيهم على التكذيب.{وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ }: تقدم الكلام على مثل هذه الجملة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، بخلاف عنه:تروا، بتاء الخطاب؛ وباقي السبعة: بالياء. والجمهور: يبديء، مضارع أبدأ؛ والزبير. وعيسى، وأبو عمرو: بخلاف عنه: يبدأ، مضارع بدأ. وقرأالزهري: {كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ }، بتخفيف الهمزة بإبدالها ألفاً، فذهبت في الوصل، وهو تخفيف غير قياسي، كما قال الشاعر

:فارعى فزارة لا هناك المرتع    

وقياس تخفيف هذا التسهيل بين بين، وتقريرهم على رؤية بدء الخلق فيقوله: {أَوَ لَمْ * يَرَوْاْ }، وفي: {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ }، إنما هو لمشاهدتهم إحياء الأرض بالنبات، وإخراج أشياءمن العدم إلى الوجود، وقوله: {ثُمَّ يُعِيدُهُ }، وقوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء }، ليس داخلاً تحت الرؤية ولا تحت النظر،فليس {ثُمَّ يُعِيدُهُ } معطوفاً على يبدىء، ولا {ثُمَّ * يُنشِىء } داخلاً تحت كيفية النظر في البدء، بل هماجملتان مستأنفتان، إخباراً من الله تعالى بالإعادة بعد الموت. وقدم ما قبل هاتين الجملتين على سبيل الدلالة على إمكان ذلك،فإذا أمكن ذلك وأخبر الصادق بوقوعه، صار واجباً مقطوعاً بعامة، ولا شك فيه. وقال قتادة: {أَوَ لَمْ * يَرَوْاْ }،بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعيد الله الأجسام بعد الموت؟ وقال الربيع بن أنس المعنى: كيف يبدأ خلق الإنسان ثميعيده إلى أحوال أخر، حتى إلى التراب؟ وقال مقاتل: الخلق هنا الليل والنهار. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: النشاءة هنا،وفي النجم والواقعة على وزن فعالة؛ وباقي السبعة: النشأة، على وزن فعلة، وهما كالرآفة والرأفة، وهما لغتان، والقصر أشهر، وانتصابهعلى المصدر، إما على غير المصدر قام مقام الإنشاء، وإما على إضمار فعله، أي فتنشئون النشأة. وفي الآية الأولىصرح باسمه تعالى في قوله: {كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ }، وهنا عكس أضمر فيبدا ثم أبرزه في قوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىء }، حتى لا تخلو الجملتان من صريح اسمه. ودل إبرازه هنا علىتفخيم النشأة الآخرة وتعظيم أمرها وتقرير وجودها، إذ كان نزاع الكفار فيها، فكأنه قيل: ثم ذلك الذي بدأ الخلق هوالذي {يُنشِىء ٱلنَّشْأَةَ ٱلاْخِرَةَ }، فكان التصريح باسمه أفخم في إسناد النشأة إليه. والآخرة صفة للنشأة، فهما نشأتان: نشأة اختراعمن العدم، ونشأة إعادة. ثم ذكر الصفة التي النشأة هي بعض مقدوراتها. ثم أخبر بأنه {يُعَذّبُ مَن يَشَاء }، أيتعذيبه، {وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } رحمته، وبدأ بالعذاب، لأن الكلام هو مع الكفار مكذبي الرسل. {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ }: أي تردون.وقال الزمخشري: ومتعلق المشيئتين مفسر مبين في مواضع من القرآن، وهو يستوجبهما من الكافر والفاسق إذا لم يتوبا، ومن المعصوموالتائب. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }: أي فائتين ما أراد الله لكم. {فِي ٱلاْرْضِ وَلاَ فِىٱلسَّمَاء }، إن حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصاً بعد تعميم، أوعلى المظلة، فيحتاج إلى تقرير، أي لو صرتم فيها، ونظيره قول الأعشى

: ولو كنت في جب ثمانين قامة     ورقيت أسباب السماء بسلم ليعتورنك القول حتى تهزهوتعلم أني فيك لست بمجرم

وقوله تعالى:

{ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }

على تقدير الحكم لو كنتم فيها،

{ وَٱلاْرْضِ فَٱنفُذُواْ }

وقال ابن زيد، والفراء: التقدير: ولا من في السماء، أي يعجز إن عصى. وقال الفراء: وهذامن غوامض العربية، وأنشد قول حسان

: فمن يهجو رسول الله منكم     ويمدحه وينصره سواء

أي: ومن ينصره، وهذا عند البصريين لا يكون إلا في الشعر، لأن فيه حذف الموصول وإبقاءصلته. وأبعد من هذا القول قول من زعم أن التقدير: وما أنتم بمعجزين من في الأرض من الإنس والجنّ، ولامن في السماء من الملائكة، فكيف تعجزون الله؟ وقرأ الجمهور: {يَئِسُواْ }، بالهمز؛ والذماري، وأبو جعفر: بغير همز، بل بياءبدل الهمزة، وهو وعيد، أي ييأسون يوم القيامة. وقيل: {مِن رَّحْمَتِى }. وقيل: من ديني، فلا أهديهم. وقيل: هو وصفبحالهم، لأن المؤمن يكون دائماً راجياً خائفاً، والكافر لا يخطر بباله ذلك. شبه حالهم في انتفاء رحمته عنهم بحال منيئس من الرحمة. والظاهر أن قول: {وَإِن تُكَذّبُواْ }، من كلام الله، حكاية عن إبراهيم، إلى قوله: {عَذَابٌ أَلِيمٌ }.وقيل: هذه الآيات اعتراض من كلام الله بين كلام إبراهيم والإخبار عن جواب قومه، أي وإن تكذبوا محمداً، فتقدير هذهالجملة اعتراضاً يردّ على أبي علي الفارسي، حيث زعم أن الأعتراض لا يكون جملتين فأكثر، وفائدة هذا الاعتراض أنه تسليةللرسول لله، حيث كان قد ابتلي بمثل ما كان أبوه إبراهيم قد ابتلي، من شرك قومه وعبادتهم الأوثان وتكذيبهم إياهومحاولتهم قتله. وجاءت الآيات بعد الجملة الشرطية مقررة لما جاء به الرسول من توحيد الله ودلائله وذكر آثار قدرته والمعاد.{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لاَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ}. لما أمرهم بعبادة الله، وبين سفههم في عبادة الأوثان، وظهرت حجته عليهم، رجعوا إلى الغلبة، فجعلوا القائم مقامجوابه فيما أمرهم به قولهم: {ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ }. والآمرون بذلك، إما بعضهم لبعض، أو كبراؤهم قالوا لأتباعهم: اقتلوه، فتستريحوامنه عاجلاً، أو حرّقوه بالنار؛ فإما أن يرجع إلى دينكم، إذا أمضته النار؛ وإما أن يموت بها، إن أصر علىقوله ودينه. وفي الكلام حذف، أي حرّقوه في النار، {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ }. وتقدمت قصته في تحريقه في سورة

{ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ }

وجمع هنا فقال: الآيات، لأن الإنجاء من النار، وجعلها برداً وسلاماً، وأنها في الحبلالذي كانوا أوثقوه به دون الجسم، وإن صح ما نقل من أن مكانها، حالة الرمي، صار بستاناً يانعاً، هو مجموعآيات، فناسب الجمع، بخلاف الإنجاء من السفينة، فإنه آية واحدة، وتقدم الكلام على ذلك، وفي ذلك إشارة من النار بعدإلقائه؛ فيما قال كعب: لم يحترق بالنار إلا الحبل الذي أوثقوه به. وجاء هنا الترديد بين قتله وإحراقه، فقد يكونذلك من قائلين: ناس أشاروا بالقتل، وناس أشاروا بالإحراق. وفي اقترب قالوا:

{ حَرّقُوهُ }

اقتصروا على أحد الشيئين، وهوالذي فعلوه، رموه في النار ولم يقتلوه. وقرأ الجمهور: {جَوَابَ }، بالنصب؛ والحسن، وسالم الأفطس: بالرفع، اسما لكان. وقرأالحسن، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وأبو عمرو في رواية الأصمعي، والأعمش عن أبي بكر: مودة بالرفع، وبينكم بالنصب. فالرفععلى خبر إن، وما موصولة بمعنى الذي، أي إن الأوثان التي اتخذتموها مودوداً، أو سبب مودة، أو مصدرية، أي إناتخاذكم أوثاناً مودة، أو على خبر مبتدأ محذوف، أي هي مودة بينكم، وما إذ ذاك مهيئة. وروى عن عاصم: مودة،بالرفع من غير تنوين؛ وبينكم بالفتح، أي بفتح النون، جعله مبنياً لإضافته إلى مبني، وهو موضع خفض بالإضافة، ولذلك سقطالتنوين من مودة. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وابن كثير: كذلك، إلا أنه خفض نون بينكم. وقرأ ابن عامر، وعاصم: بنصبمودة منوناً ونصب بينكم؛ وحمزة كذلك، إلا أنه أضاف مودة إلى بينكم وخفض، كما في قراءة من نصب مودّة مهيئة.واتخذ، يحتمل أن يكون مما تعدت إلى اثنين، والثاني هو مودة، أي اتخذتم الأوثان بسبب المودة بينكم، على حذف المضاف،أو اتخذتموها مودّة بينكم، كقوله:

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ }

أو مماتعدت إلى واحد، وانتصب مودة على أنه مفعول له، أي ليتوادوا ويتواصلوا ويجتمعوا على عبادتها، كما يجتمع ناس على مذهب،فيقع التحاب بينهم. وذكروا عن ابن مسعود قراءة شاذة تخالف سواد المصحف، مع أنه قد روي عنه ما في سوادالمصحف بالنقل الصحيح المستفيض، فلذلك لم أذكر تلك القراءة. {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يقع بينكم التلاعن، أي فيلاعن العبدة والمعبوداتالأصنام، كقوله: و

{ يَكُونُونَ * عَلَيْهِمْ ضِدّاً }

و{بَيْنِكُمْ }، و{وَقَالَ إِنَّمَا }: يجوز تعليقهما بلفظ مودة وعمل فيظرفين لاختلافهما، إذ هما ظرفاً مكان وزمان، ويجوز أن يتعلقا بمحذوفين، فيكونان في موضع الصفة، أي كائنة بينكم في الحياةفي موضع الحال من الضمير المستكن في بينكم. وأجاز أبو البقاء أن يتعلق {وَقَالَ إِنَّمَا }. باتخذتم على جعل ماكافة ونصب مودة، لا على جعل ما موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية ورفع موده، لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصولوما في الصلة بالخبر. وأجاز قوم منهم ابن عطية أن يتعلق {وَقَالَ إِنَّمَا } بمودة، وأن يكون {بَيْنِكُمْ } صفةلمودة، وهو لا يجوز، لأن المصدر إذا وصف قبل أخذ متعلقاته لا يعمل، وشبهتهم في هذا أنه يتسع في الظرف،بخلاف المفعول به. وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس بينكم، قال: لأن معناه: اجتماعكم أو وصلكم. وأجاز أيضاً أن يجعلهحالاً من بينكم، قال: لتعرفه بالإضافة. انتهى، وهما إعرابان لا يتعقلان. {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ }: لم يؤمن بإبراهيم أحدمن قومه إلا لوط عليه السلام، حين رأى النار لم تحرقه، وكان ابن أخي سارة، أو كانت بنت عمه. والضميرفي {وَقَالَ } عائد على إبراهيم، وهو الظاهر، ليتناسق مع قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ }، وهو قول قتادة والنخعي. وقالتفرقة: يعود على لوط، وهاجر، وإبراهيم، عليهم السلام، من قريتهما كوني، وهي في سواد العراق، من أرض بابل، إلى فلسطينمن أرض الشأم. وكان إبراهيم ابن خمس وسبعين سنة، وهو أول من هاجر في الله. وقال ابن جريج: هاجر إلىحران، ثم إلى الشام، وفي هجرته هذه كانت معه سارة. والمهاجر: الفارغ عن الشيء، وهو في عرف الشريعة: من تركوطنه رغبة في رضا الله. وعرف بهذا الاسم أصحاب رسول الله ﷺ، المهاجرون، قبل فتح مكة. {إِلَىٰرَبّى }، أي إلى الجهة التي أمرني ربي بالهجرة إليها. وقيل: إلى حيث لا أمنع عبادة ربي. وقيل: مهاجراً منخالفني من قومي، متقرباً إلى ربي. ونزل إبراهيم قرية من أرض فلسطين، وترك لوطاً في سدوم، وهي المؤتفكة، على مسيرةيوم وليلة من قرية إبراهيم عليهما السلام. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يذل من عبده، {ٱلْحَكِيمُ } الذي يضعالأشياء مواضعها. والضمير في {ذُرّيَّتَهُ } عائد على إبراهيم. {ٱلنُّبُوَّةَ }: إسحاق، ويعقوب، وأنبياء بني إسرائىل، وإسماعيل، ومحمد خاتمهم، صلىالله وسلم عليهم أجمعين. {وَٱلْكِتَـٰبِ }: اسم جنس يدخل فيه التوراة، والزبور، والإنجيل، والفرقان. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ }:أي في حياته قال مجاهد: نجاته من النار، ومن الملك الجبار، والعمل الصالح: والثناء الحسن، بحيث يتولاه كل أمة وقالابن جريج: والولد الذي قرت به عينه، قاله الحسن. وقال السدي: إنه رأى مكانه من الجنة. وقال ابن أبي بردة:ما وفق له من عمل الآخرة. وقال الماوردي: بقاء ضيافته عند قبره، وليس ذلك لنبي غيره. وقيل: النبوة والحكمة. وقيل:الصلاة عليه إلى آخر الدهر. وانتصب لوطاً بإضمار اذكر، أو بالعطف على إبراهيم، أو بالعطف على ما عطف عليه إبراهيم.والجمهور: على الاستفهام في أئنكم معاً. وقرىء: أنكم على الخبر، والثاني على الاستفهام. وقال أبو عبيد: وجدته في الإمام بحرفواحد بغير ياء، ورأيت الثاني بحرفين، الياء والنون. ولم يأت في قصة لوط أنه دعا قومه إلى عبادة الله، كماجاء في قصة إبراهيم وقصة شعيب، لأن لوطاً كان من قوم إبراهيم وفي زمانه، وسبقه إبراهيم إلى الدعاء لعبادة اللهوتوحيده، واشتهر أمره بذلك عند الخلق، فذكر لوط ما اختص به من المنع من الفحشاء وغيرها. وأما أبراهيم وشعيب فجاآبعد انقراض من كان يعبد الله، فلذلك دعوا إلى عبادة الله. قال الزمخشري: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } جملة مستأنفةمقررة لفاحشة تلك الفعلة، كأن قائلاً قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحداً قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازاً منها فيطباعهم لإفراط قبحها، حتى قدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط. انتهى.ويظهر أن {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } جملة حالية، كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها؟ واستفهم أولاً وثانياًاستفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، وبين ما تلك الفاحشة المبهمة في قوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ }، وإن كانت معينة أنها إتيانالذكور في الأدبار بقوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا }، فقال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ }: يعني في الأدبار، {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ }: الولد،بتعطيل الفرج ووطء أدبار الرجال، أو بإمساك الغرباء لذلك الفعل حتى انقطعت الطرق، أو بالقتل وأخذ المال، أو بقبح الأحدوثةحتى تنقطع سبل الناس في التجارات. {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ }: أي في مجلسكم الذي تجتمعون فيه، وهو اسم جنس، إذأنديتهم في مدائنهم كثيرة، ولا يسمى نادياً إلاّ ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه، لم يطلق عليه ناد إلاّمجازاً. و{ٱلْمُنْكَرَ }: ما تنكره العقول والشرائع والمروآت، حذف الناس بالحصباء، والاستخفاف بالغريب الخاطر، وروت أم هانىء، عن النبيﷺ. أو إتيان الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضاً، قاله منصور ومجاهد والقاسم بن محمد وقتادة بنزيد؛ أو تضارطهم؛ أو تصافعهم فيها، قاله ابن عباس؛ أو لعب الحمام؛ أو تطريف الأصابع بالحناء، والصفير، والحذف، ونبذ الحياءفي جميع أمورهم، قاله مجاهد أيضاً، أو الحذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، ومضغ العلك، والسواك بين الناس، وحل الأزرار، والسباب،والفحش في المزاح، قاله ابن عباس أيضاً مع شركهم بالله. كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، تظالم فيما بينهم، وبشاعة، ومضاريطفي مجالسهم، وحذف، ولعب بالنرد والشطرنج، ولبس المصبغات، ولباس النساء للرجال، والمكوس على كل عابر؛ وهم أول من لاط ومنساحق. ولما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح، أصروا على اللجاج في التكذيب، فكان جوابهم له: {أَن قَالُواْٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ }، فيما تعدنا به من نزول العذاب، قالوا ذلك وهم مصممون على اعتقادكذبه فيما وعدهم به. وفي آية أخرى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن }، الجمع بينهما أنهم أولاً قالواغ: {ٱئْتِنَابِعَذَابِ ٱللَّهِ }، ثم أنه كثر منه الإنكار، وتكرر ذلك منه نهياً ووعظاً ووعيداً، {قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ }. ولماكان إنما يأمرهم بترك الفواحش وما كانوا يصنعونه من قبيح المعاصي، ويعد على ذلك بالعذاب، وكانوا يقولون إن الله لميحرم هذا ولا يعذب عليه وهو يقول إن الله حرمه ويعذب عليه، {قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ }، فكانوا ألطف فيالجواب من قوم إبراهيم بقولهم: {ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ }، لأنه كان لا يذم آلهتهم، وعهد إلى أصنامهم فكسرها، فكان فعلههذا معهم أعظم من قول لوط لقومه، فكان جوابهم له: {أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ }. ثم استنصر لوطعليه السلام، فبعث ملائكة لعذابهم، ورجمهم بالحاصب، وإفسادهم بحمل الناس على ما كانوا عليه من المعاصي طوعاً وكرهاً، وخصوصاً تلكالمعصية المبتدعة. {بِٱلْبُشْرَىٰ }: هي بشارته بولده إسحاق، وبنافلته يعقوب، وبنصر لوط على قومه وإهلاكهم، و{ٱلقَرْيَةِ }: سدوم، وفيها قيل:أَجْوَر من قاضي سدوم. {كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ }: أي قد سبق منهم الظلم. واستمر على الأيام السالفة وهم مصرون، وظلمهم: كفرهموأنواع معاصيهم. ولما ذكروا لإبراهيم: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ }، أشفق على لوط فقال: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً }. ولماعللوا الإهلاك بالظلم، قال لهم: فيها من هو بريء من الظلم، {قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا }: أي منك، وأخبربحاله. ثم أخبروه بإنجائهم إياه {وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ }. وقرأ حمزة، والكسائي: {*لنجينه}، مضارع أنجى؛ وباقي السبعة: مضارع نجى؛ والجمهور:بشد النون؛ وفرقة: بتخفيفها. {ٱلْغَـٰبِرِينَ وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً }: تقدم الكلام علىمثل هذه الجملة، إلاّ أن هنا زيدت، أن بعد لما، وهو قياس مطرد. وقال الزمخشري أن صلة أكدت وجود الفعلينمترتباً أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما، كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل: لماأحس بمجيئهم، فاجأت المساءة من غير وقت خيفة عليهم من قومه. انتهى. وهذا الذي ذكره في الترتيب هو مذهب سيبويه،إذ مذهبه. أن لما: حرف لا ظرف، خلافاً للفارسي، وهذا مذكور في علم النحو. وقرأ العربيان، ونافع، وحفص: {مُنَجُّوكَ }،مشدداً؛ وباقي السبعة: مخففاً، والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر. {وَأَهْلَكَ }: منصوب على إضمار فعل، أي وننجي أهلك.ومن راعى هذا الموضع، عطفه على موضع الكاف، والكاف على مذهب الأخفش وهشام في موضع نصب، وأهلك معطوف عليه، لأنهذه النون كالتنوين، وهما على مذهبهما يحذفان للطافة الضمير وشدة طلبه الاتصال بما قبله. وقرأ الجمهور: سيء، بكسر السين؛ وضمهانافع وابن عامر والكسائي. وقرأ عيسى، وطلحة: سوء، بضمهما، وهي لغة بني هذيل. وبني وبير يقولون في قيل وبيع ونحوهما:قول وبوع. وقرىء: منزلون، مخففاً ومشدداً؛ وابن محيصن: رجزاً، بضم الراء؛ وأبو حيوة والأعمش: بكسر سين يفسقون. والظاهر أن الضميرفي منها عائد على القرية، فقال ابن عباس: منازلهم الخربة. وحكى أبو سليمان الدمشقي أن الآية في قريتهم، إلا أنأساسها أعلاها، وسقوفها أسفلها إلى الآن. وقال الفراء: المعنى تركناها آية، يقول: إن في السماء لآية، يريد أنها آية. انتهى،وهذا لا يتجه إلا على زيادة من في الواجب، نحو قوله: أمهرت منها جبة وتيساً، يريد: أمهرتها؛ وكذلك: ولقد تركناهاآية، وقيل: الهاء في منها عائدة على الفعلة التي فعلت بهم، فقيل: الآية: الحجارة التي أدركتها أوائل هذه الأمة، قالهقتادة؛ وقيل: الماء الاسود على وجه الأرض، قاله مجاهد؛ وقيل: أنجز ما صنع بهم. و{لِقَوْمٍ }: متعلق بتركنا، أو بينة.{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَـٰهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يٰقَوْمِ * قَوْمٌ *ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلاْخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ مُفْسِدِينَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ * جَاثِمِينَ * وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـٰكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْفَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَلَقَدْ جَاءهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلاْرْضِ وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ *فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلاْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ }.{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ }: أي وإلى مدين أرسلنا، أو بعثنا، مما يتعدى بإلى. أمرهم بعبادة الله، والإيمان بالبعث واليوم الآخر.والأمر بالرجاء، أمر بفعل ما يترتب الرجاء عليه، أقام المسبب مقام السبب. والمعنى: وافعلوا ما ترجون به الثواب من الله،أو يكون أمراً بالرجاء على تقدفير تحصيل شرطه، وهو الإيمان بالله. وقال أبو عبيدة: {وَٱرْجُواْ }: خافوا جزاء اليوم الآخرمن انتقام الله منكم إن لم تعبدوه. وتضمن الأمر بالعبادة والرجاء أنه إن لم يفعلوا ذلك، وقع بهم العذاب؛ كذلكجاء: {فَكَذَّبُوهُ }، وجاءت ثمرة التكذيب، وهي: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ }، وتقدم تفسير مثل هذه الجمل. وانتصب{وَعَاداً وَثَمُودَاْ } أهلكنا، لدلالة فأخذتهم الرجفة عليه. وقيل: بالعطف على الضمير في فأخذتهم، وأبعد الكسائي في عطفه على الذينمن قوله: {يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }. وقرأ: ثمود، بغير تنوين؛ حمزة، وشيبة، والحسن، وحفص، وباقي السبعة: بالتنوين.وقرأ ابن وثاب: وعاد وثمود، بالخفض فيهما، والتنوين عطفاً على مدين، أي وأرسلنا إلى عاد وثمود. {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم }:أي ذلك، أي ما وصف لكم من إهلاكهم من جهة مساكنهم، إذا نظرتم إليها عند مروركم لها، وكان أهل مكةيمرون عليها في أسفارهم. وقرأ الأعمش: مساكنهم، بالرفع من غير من، فيكون فاعلاً بتبين. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ }: أيبوسوسته وإغوائه، {أَعْمَـٰلَهُمْ } القبيحة. {فَصَدَّهُمْ عَنِ * سَبِيلِ ٱللَّهِ }؛ وهي طريق الإيمان بالله ورسله. {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ }: أيفي كفرهم لهم به بصر وإعجاب قاله، ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. وقيل: عقلاء، يعلمون أن الرسالة والآيات حق، ولكنهم كفرواعناداً، وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم. {وَقَـشرُونَ }: معطوف على ما قبله، أو منصوب بإضمار اذكر. {فَٱسْتَكْبَرُواْ }: أي عن الإقراربالصانع وعبادته في الأرض، إشارة إلى قلة عقولهم، لأن من في الأرض يشعر بالضعف، ومن في السماء يشعر بالقوة، ومنفي السماء لا يستكبرون عن عبادة الله، فكيف من في الأرض؟ {وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ } الأمم إلى الكفر، أي تلكعادة الأمم مع رسلهم. والحاصب لقوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصا، وقيل: ملك كان يرميهم. والصيحة لمدين وثمود، والخسفلقارون، والغرق لقوم نوح وفرعون وقومه. وقال ابن عطية: ويشبه أن يدخل قوم عاد في الحاصب، لأن تلك الريح لابد كانت تحصبهم بأمور مؤذية، والحاصب: هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمي بشيء، ومنه قول الفرزدق

: مستقبلين شمال الشأم تضربهم     بحاصب كنديف القطن منثور

ومنه قولالأخطل

: ترمي العضاة بحاصب من بلحها     حتى تبيت على العضاة حفالا

{ٱلْعَنكَبُوتِ }: حيوان معروف، ووزنه فعللوت، ويؤنث ويذكر، فمن تذكيره قول الشاعر

: على هطالهم منهم بيوت     كأن العنكبوت هو ابتناها

ويجمع عناكب، ويصغر عنيكيب. يشبهتعالى الكفار في عبادتهم الأصنام، وبنائهم أمورهم عليها بالعنكبوت التي تبني وتجتهد، وأمرها كله ضعيف، متى مسته أدنى هامة أوهامة أذهبته، فكذلك أمر أولئك، وسعيهم مضمحل، لا قوة له ولا معتمد. وقال الزمخشري: الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلاً ومعتمداًفي دينهم، وتولوه من دون الله، مما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة، وهو نسج العنكبوت. ألا ترىإلى مقطع التشبيه، وهو قوله: {ءانٍ * أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ }؟ انتهى. يعني بقوله: ألا ترى إلى مقطع التشبيهبما ذكر أولاً من أن الغرض تشبيه المتخذ بالبيت، لا تشبيه المتخذ بالعنكبوت؟ والذي يظهر، هو تشبيه المتخذ من دونالله ولياً، بالعنكبوت المتخذة بيتاً، أي فلا اعتماد للمتخذ على وليه من دون الله، كما أن العنكبوت لا اعتمادها علىبيتها في استظلال وسكنى، بل لو دخلت فيه خرقته. ثم بين حال بيتها، وأنه في غاية الوهن، بحيث لا ينتفعبه. كما أن تلك الأصنام لا تنفع ولا تجدي شيئاً ألبتة، وقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }، ليس مرتبطاً بقوله: {وَإِنَّأَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ }، لأن كل أحد يعلم ذلك، فلا يقال فيه: لو كانوا يعلمون؛ وإنما المعنى: لو كانوايعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ من الوهن هذه الغاية لأقلعوا عنه، وما اتخذوا الأصنام آلهة. وقالالزمخشري: إذا صح تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبين أندينهم أوهن الأديان، لو كانوا يعلمون؛ أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، وكأنه قال: وإن أوهن ما يعتمدعليه في الدين عبادة الأوثان، لو كانوا يعلمون. ولقائل أن يقول: مثل المشرك الذي يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذييعبد الله، مثل عنكبوت يتخذ بيتاً، بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً بآجر وجص أو نحته من صخر. فكما أن أوهنالبيوت، إذا استقريتها بيتاً، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا استقريتها ديناً ديناً، عبادة الأوثان، لو كانوا يعلمون. انتهى.وما ذكره من قوله: ولقائل أن يقول إلخ. لا يدل عليه لفظ الآية، وإنما هو تحميل للفظ ما لا يحتمله،كعادته في كثير من تفسيره. وقرأ أبو عمرو، وسلام: يعلم ما، بالإدغام؛ والجمهور: بالفك؛ والجمهور: تدعون، بتاء الخطاب؛ وأبو عمرو،وعاصم: بخلاف، بياء الغيبة؛ وجوزوا في ما أن يكون مفعولاً بيدعون، أي يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء،أي يعلم حالهم، وأنهم لا قدرة لهم. وأن تكون نافية، أي لستم تدعون من دونه شيئاً له بال ولا قدر،فيصلح أن يسمى شيئاً، وأن يكون استفهاماً، كأنه قدر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء، وهي فيهذين الوجهين مقتطعة من يعلم، واعتراض بين يعلم وبين قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. وجوز أبو علي أن يكون مااستفهاماً منصوباً بيدعون، ويعلم معلقة؛ فالجملة في موضع نصب بها، والمعنى: أن الله يعلم أوثاناً تدعون من دونه، أم غيرهالا يخفى عليه ذلك. والجملة تأكيد للمثل، وإذا كانت ما نافية، كان في الجملة زيادة على المثل، حيث لم يجعلتعالى ما يدعونه شيئاً. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }: فيه تجهيل لهم، حيث عبدوا ما ليس بشيء، لأنه جماد ليس معهمصحح العلم والقدرة أصلاً، وتركوا عبادة القادر القاهر الحكيم الذي لا يفعل شيئاً إلا لحكمة. {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }:أي لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها. وكان جهلة قريش يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون منذلك، وما علموا أن الأمثال والتشبيهات طرق إلى المعاني المحتجبة، فتبرزها وتصورها للفهم، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حالالمشرك وحال الموحد. والإشارة بقوله: {وَتِلْكَ ٱلاْمْثَـٰلُ } إلى هذا المثل، وما تقدم من الأمثال في السور. وعن جابر، أنرسول الله ﷺ، تلا هذه الآية فقال: العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه {خُلِقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }: فيه تنبيه على صغر قدر الأوثان التي عبدوها. ومعنى {بِٱلْحَقّ }: بالواجبالثابت، لا بالعبث واللعب، إذ جعلها مساكن عباده، وعبرة ودلائل على عظيم قدرته وباهر حكمته. والظاهر أن الصلاة هي المعهود،والمعنى: من شأنها أنها إذا أدّيت على ما يجب من فروضها وسننها والخشوع فيها، والتدبر لما يتلو فيها، وتقدير المثولبين يدي الله تعالى، أن {تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ }. وقال ابن عباس، والكلبي، وابن جريج، وحماد بن أبي سليمان:تنهى ما دام المصلي فيها. وقال ابن عمر: الصلاة هنا القرآن. وقال ابن بحر: الصلاة: الدعاء، أي أقم الدعاء إلىأمر الله، وأما من تراه من المصلين يتعاطى المعاصي، فإن صلاته تلك ليست بالوصف الذي تقدم. وفي الحديث أنفتى من الأنصار كان يصلي مع النبي ﷺ، ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلا ارتكبه، فقيلذلك للنبي ﷺ، فقال: إن صلاتها تنهاه فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسولالله ﷺ: ألم أقل لكم؟ ولا يدل اللفظ على أن كل صلاة تنهى، بل المعنى،أنه يوجد ذلك فيها، ولا يكون على العموم. كما تقول: فلان يأمر بالمعروف، أي من شأنه ذلك، ولا يلزم منهأن كل معروف يأمر به. والظاهر أن {أَكْبَرَ } أفعل تفضيل. فقال عبد الله، وسلمان، وأبو الدرداء، وابن عباس، وأبوقرة: معناه ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. وقال قتادة، وابن زيد: أكبر من كل شيء؛ وقيل: ولذكر اللهفي الصلاة أكبر منه خارج الصلاة، أي أكبر ثواباً؛ وقيل: أكبر من سائر أركان الصلاة؛ وقيل: ولذكر الله نهيه أكبرمن نهي الصلاة؛ وقيل: أكبر من كل العبادة. وقال ابن عطية: وعندي أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أيهو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، والجزء الذي منه في الصلاة ينهى، كما ينهى في غير الصلاة، لأن الانتهاء لايكون إلاّ من ذاكر الله مراقبه، وثواب ذلك الذاكر أن يذكره الله في ملأ خير من ملئه، والحركات التي فيالصلاة لا تأثيرلها في النهي، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله. وأما ما لا يجاوزاللسان ففي رتبة أخرى. وقال الزمخشري: يريد والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، كما قال:

{ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ }

وإنما قال: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ }، لتستقل بالتعليل، كأنه قال: والصلاة أكبر، لأنها ذكر الله مما تصنعونمن الخير والشر فيجازيكم، وفيه وعيد وحث على المراقبة. {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ }. و{أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }: اليهود والنصارى. {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}: من الملاطفة في الدعاء إلى الله والتنبيه على آياته. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }: ممن لم يؤد جزية ونصب الحرب،وصرح بأن لله ولداً أو شريكاً، أو يده مغلولة؛ فالآية منسوخة في مهادنة من لم يحارب، قاله مجاهد ومؤمنو أهلالكتاب. {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }: أي بالموافقة فيما حدثوكم به من أحبار أوائلهم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }: من بقيمنهم على كفره، وعد لقريظة والنضير، قاله ابن زيد، والآية على هذا محكمة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلىالله عليه وسلم. وقال قتادة: الآية منسوخة بقوله:

{ قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }

الآية. وقرأ الجمهور: إلا، حرف استثناء؛وابن عباس: ألا، حرف تنبيه واستفتاح، وتقديره: ألا جادلوهم بالتي هي أحسن. {وَقُولُواْ ءامَنَّا }: هذا من المجادلة بالأحسن. {بِٱلَّذِىأُنزِلَ إِلَيْنَا }، وهو القرآن، {وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ }، وهو التوراة والزبور والإنجيل. وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة: كانأهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم {وَكَذٰلِكَ }: أي مثل ذلك الإنزال الذيللكتب السابقة، {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ }: أي القرآن. {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } هم: عبد الله بن سلام ومن آمن معه.{وَمِنْ هَـؤُلاء }: أي من أهل مكة. وقيل: {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }: أي الذين تقدموا عهد الرسول، يؤمنون به: أيبالقرآن، إذ هو مذكور في كتبهم أنه ينزل على رسول الله ﷺ. {وَمِنْ هَـؤُلاء }: أي ممنفي عهده منهم. {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا }، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ }: أي من بني إسرائيل وغيرهم.قال مجاهد: كان أهل الكتاب يقرأون في كتبهم أن محمداً عليه السلام، لا يحظ ولا يقرأ كتاباً، فنزلت: {وَمَاكُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ }: أي من قبل نزوله عليك، {مِن كِتَـٰبِ }: أي كتاباً، ومن زائدة لأنها في متعلقالنفي، {وَلاَ تَخُطُّهُ }: أي لا تقرأ ولا تكتب، {بِيَمِينِكَ }: وهي الجارحة التي يكتب بها، وذكرها زيادة تصوير لمانفي عنه من الكتابة، لما ذكر إنزال الكتاب عليه، متضمناً من البلاغة والفصاحة والإخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ماأعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله. أخذ يحقق، كونه نازلاً من عند الله، بأنه ظهر عن رجل أمي، لا يقرأولا يكتب، ولا يخالط أهل العلم. وظهور هذا القرآن المنزل عليه أعظم دليل على صدقه، وأكثر المسلمين على أن رسولالله ﷺ لم يكتب قط، ولم يقرأ بالنظر في كتاب. وروي عن الشعبي أنه قال: مامات رسول الله ﷺ، حتى كتب وأسند النقاش. حديث أبي كبشة السلولي: أنه ﷺ،قرأ صحيفة لعيينة ابن حصن وأخبر بمعناها. وفي صحيح مسلم ما ظاهره: أنه كتب مباشرة، وقد ذهب إلى ذلك جماعة،منهم أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي، والقاضي أبو الوليد الباجي وغيرهما. واشتد نكير كثير من علماء بلادنا علىأبي الوليد الباجي، حتى كان بعضهم يسبه ويطعن فيه على المنبر. وتأول أكثر العلماء ما ورد من أنه كتب علىأن معناه: أمر بالكتابة، كما تقول: كتب السلطان لفلان بكذا، أي أمر بالكتب. {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ }: أي لو كانيقرأ كتباً قبل نزول القرآن عليه، أو يكتب، لحصلت الريبة للمبطلين، إذا كانوا يقولون: حصل ذلك الذي يتلوه مما قرأه،قيل: وخطه واستحفظه؛ فكان يكون لهم في ارتيابهم تعلق ببعض شبهة، وأما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده. والمبطلون:أهل الكتاب، قاله قتادة؛ أو كفار قريش، قاله مجاهد. وسموا مبطلين، لأنهم كفروا به، وهو أمي بعيد من الريب. ولمالم يكن قارئاً ولا كاتباً، كان ارتيابهم لا وجه له. {بَلْ هُوَ }: أي القرآن: {بَيّنَاتٍ فَٱسْأَلْ }: واضحاتالإعجاز، {فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ }: أي مستقرة، مؤمن من بها، محفوظة في صدورهم، يتلوها أكثر الأمة ظاهراً، بخلافغيره من الكتب، فليس بمعجز، ولا يقرأ إلا من الصحف. وجاء في صفة هذه الأمة صدورهم: أنا جيلهم، وكونه القرآن،يؤيده قراءة عبد الله، بل هي آيات. وقيل: بل هو، أي النبي وأمورة، آيات بينات، قاله قتادة. وقرأ: بل هوآية بينة على التوحيد؛ وقيل: بل هو، أي كونه لا يقرأ ولا يكتب. ويقال: جحدته وجحدت به، وكفرته وكفرت به،قيل: والجحود الأول معلق بالواحدنية، والثاني معلق بالنبوّة، وختمت تلك بالكافر. ولأنه قسيم المؤمنين في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـؤُلاءمَن يُؤْمِنُ }، وهذه بالظالمين، لأنه جحد بعد إقامة الدليل على كون الرسول صدر منه القرآن منزل عليه، وهو أميلا يقرأ ولا يكتب، فهم الظالمون بعد ظهور المعجزة. {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ * ايَةٌ مّن رَّبّهِ }: أيقريش، وبعض اليهود كانوا يعلمون قريشاً مثل هذا الاقتراح يقولون له: ألا يأتيكم بآية مثل آيات موسى من العصا وغيرها؟وقرأ العربيان، ونافع، وحفص: آيات، على الجمع؛ وباقي السبعة: على التوحيد. {قُلْ إِنَّمَا ٱلاْيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ }، ينزل أيتها شاء،ولو شاء أن ينزل ما يقترحونه لفعل. {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ } بما أعطيت من الآيات. وذكر يحيـى بن جعدة أنناساً من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ، بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظرإليها ألقاها وقال: كفر بها جماعة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت: {أَوَ لَمْ * يَكْفِهِمْ }. والذي يظهر أنه رد على الذين قالوا: {لَوْلاَ أُنزِلَعَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ }: أي أو لم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنتينهذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان؟ فلا تزال معهم آية ثابتة لا تزول ولا تضمحل، كماتزول كل آية بعد وجودها، ويكون في مكان دون مكان. إن في هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان لرحمةلنعمة عظيمة لا تنكر وتذكر. وقيل: {أَوَ لَمْ * يَكْفِهِمْ }: يعني اليهود، {أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ *إِنَّمَا ٱلاْيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذٰلِكَلَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً }: أي قد بلغت وأنذرت، وأنكم جحدتم وكذبتم، وهوالعالم {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ * وٱلاْرْضِ }، فيعلم أمري وأمركم، {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ }. قال ابن عباس: بغير الله. وقالمقاتل: بعبادة الشيطان. وقيل: بالضم. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ }: أي كفار قريش في قولهم:

{ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا }

وقولالنضر:

{ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً }

وهو استعجال على جهة التعجيز والتكذيب والاستهزاء بالعذاب الذي كان يتوعدهم به الرسول. والأجلالمسمى: ما سماه الله وأثبته في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره. وقال ابن جبير: يوم القيامة. وقال ابن سلام: أجلما بين النفختين، وقيل: يوم بدر. {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً }: أي فجأة، وهو ما ظهر يوم بدر، وفي السنين السبع. ثمكرر فعلهم وقبحه، وأخبر أن وراءهم جهنم، تحيط بهم. وانتصب {يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ } بمحيطة. وقرأ الكوفيون، ونافع: {وَيَقُولُ }: أيالله؛ وباقي السبعة: بالنون، نون العظمة، أو نون جماعة الملائكة؛ وأبو البرهثيم: بالتاء، أي جهنم؛ كما نسب القول إليها في:

{ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }

وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: ويقال، مبنياً للمفعول. {تَعْمَلُونَ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْإِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاًتَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَاٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٱللَّهُيَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٍ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءفَأَحْيَا بِهِ ٱلاْرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّلَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلاْخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ فَلَمَّانَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُواْ بِمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُمِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَفِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }. أكثر المفسرين ذهبوا إلى أنقوله: {فِى عِبَادِى } الآية، نزلت فيمن كان مقيماً بمكة؛ أمروا بالهجرة عنها إلى المدينة، أي جانبوا أهل الشرك، واطلبواأهل الإيمان. وقال أبو العالية: سافر والطلب أوليائه. وقال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد، ومالك بن أنس: الأرض التي فيها الظلموالمنكر تترتب فيها هذه الآية، ويلزم الهجرة عنها إلى بلد حق. وقال مطرف بن الشخير: {إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ } عدةبسعة الرزق في جميع الأرض. وقيل: أرض الجنة واسعة أعطيكم. وقال مجاهد: سافروا لجهاد أعدائه. {فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ }، من بابالاشتغال: أي فإياي اعبدوا فاعبدون. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الفاء في فاعبدون، وتقدم المفعول؟ قلت: الفاء جواب شرطمحذوف، لأن المعنى: إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة في أرض، فاخلصوها في غيرها. ثم حذف الشرط وعوض منحذفة تقديم المفعول، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. انتهى. ويحتاج هذا الجواب إلى تأمل. ولما أخبر تعالى بسعةأرضه، وكان ذلك إشارة إلى الهجرة، وأمر بعبادته، فكأن قد يتوهم متوهم أنه إذا خرج من أرضه التي نشأ فيهالأجل من حلها من أهل الكفر إلى دار الإسلام، لا يستقيم له فيها ما كان يستقيم له في أرضه، وربماأدى ذلك إلى هلاكه. أخبر أن كل نفس لها أجل تبلغه، وتموت في أي مكان حل، وأن رجوع الجمع إلىأجزائه يوم القيامة. وقرأ علي: {تُرْجَعُونَ }، مبنياً للفاعل؛ والجمهور: مبنياً للمفعول، بتاء الخطاب. وروى عن عاصم: بياء الغيبة. وقرأأبو حيوة: {ذَائِقَةُ }، بالتنوين؛ {ٱلْمَوْتُ }: بالنصب. وقرأ: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ }، من المباءة. وقرأ علي، وعبد الله، والربيع بن خيثم،وابن وثاب، وطلحة، وزيد بن علي، وحمزة، والكسائي: من الثواء؛ وبوّأ يتعدى لاثنين. قال تعالى:

{ تبوؤا المؤمنين مقاعد للقتال }

مقاعد للقتال، وقد جاء متعدي بالام. قال تعالى:

{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ }

والمعنى: ليجعلنّ لهم مكانمباءة، أي مرجعاً يأوون إليه. {غُرَفَاً }: أي علالي، وأما ثوى فمعناه: أقام، وهو فعل لازم، فدخلت عليه همزة التعديةفصار يتعدى إلى واحد، وقد قرىء مشدداً عدى بالتضعيف، فانتصب غرفاً، إما على إسقاط حرف الجر، أي في غرف، ثماتسع فحذف، وإما على تضمين الفعل معنى التبوئة، فتعدى إلى اثنين، أو شبه الظرف المكاني المختص بالمبهم يوصل إليه الفعل.وروي عن ابن عامر: غرفاً، بضم الراء. وقرأ ابن وثاب: فنعم، بالفاء؛ والجمهور: بغير فاء. {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ }: أي علىمفارقة أوطانهم والهجرة وجميع المشاق، من امتثال الأوامر واجتناب المناهي. {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }: هذان جماع الخير كله، الصبر وتفويضالأمور إلى الله تعالى. ولما أمر رسول الله ﷺ، من أسلم بمكة بالهجرة، خافوا الفقر فقالوا:غربة في بلاد لا دار لنا، ولا فيه عقار، ولا من يطعم. فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدّخر،ولا تروّي في رزقها، ولا تحمل رزقها، من الحمل: أي لا تنقل، ولا تنظر في إدخار، قاله مجاهد، وأبو مجلز،وعلي بن الأقمر. والإدخار جاء في حديث: كيف بك إذا بقيت في حثالة من حثالة الناس يخبئون رزق سنة لضعف اليقين؟ قيل: ويجوز أن يكون من الحمالة التي لا تتكفل لنفسها ولا تروى. وقال الحسن: {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا}: لا تدخر، إنما تصبح فيرزقها الله. وقال ابن عباس: لا يدخر إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق، وقيل: البلبل يحتكرفي حضنيه، ويقال: للعقعق مخابىء، إلا أنه ينساها. وانتفاء حملها لرزقها، إما لضعفها وعجزها عن ذلك، وإما لكونها خلقت لاعقل لها، فيفكر فيما يخبؤه للمستقبل: أي يرزقها على ضعفها. {وَإِيَّـٰكُمْ }: أي على قدرتكم على الاكتساب، وعلى التحيل فيتحصيل المعيشة، ومع ذلك فرازقكم هو الله، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لقولكم: نخشى الفقر، {ٱلْعَلِيمُ } بما انطوت عليه ضمائركم.ثم أعقب تعالى ذلك بإقرارهم بأن مبدع العالم ومسخر النيرين هو الله. وأتبع ذلك ببسط الرزق وضيقه، فقال: {ٱللَّهُ يَبْسُطُٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء } أن يبسطه، {وَيَقْدِرُ } لمن يشاء أن يقدره. والضمير في له ظاهره العود على من يشاء،فيكون ذلك الواحد يبسط له في وقت، ويقدر في وقت. ويجوز أن يكون الضمير عائداً عليه في اللفظ، والمراد لمنيشاء آخر، فصار نظير:

{ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ }

أي من عمر معمر آخر. وقولهم:عندي درهم ونصفه: أي ونصف درهم آخر، فيكون المبسوط له الرزق غير المضيق عليه الرزق. وقرأ علقمة الحمصي: ويقدر: بضمالياء وفتح القاف وشد الدال، {عَلِيمٌ }: يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم. ولما أخبر بأنهم مقرون بأن موجدالعالم، ومسخر النيرين، ومحيـي الأرض بعد موتها هو الله، كان ذلك الإقرار ملزماً لهم أن رازق العباد إنما الله هوالمتكفل به. وأمر رسوله بالحمد له تعالى، لأن في إقرارهم توحيد الله بالإبداع ونفي الشركاء عنه في ذلك، وكان ذلكحجة عليهم، حيث أسندوا ذلك إلى الله وعبدوا الأصنام. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }، حيث يقرون بالصانع الرازق المحيـي، ويعبدونغيره. {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }: الإشارة بهذه ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها، وكيف لا؟ وهي لا تزن عند اللهجناح بعوضة، أي ما هي في سرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون. والحيوان،والحياة بمعنى واحد، وهو عند الخليل وسيبويه مصدر حيـي، والمعنى: لهي دار الحياة، أي المستمرة التي لا تنقطع. قال مجاهد:لا موت فيها. وقيل: الحيوان: الحي، وكأنه أطلق على الحي اسم المصدر. وجعلت الدار الآخرة حياً على المبالغة بالوصف بالحياة،وظهور الواو في الحيوان وفي حيوة، علم لرجل استدل به من ذهب إلى أن الواو في مثل هذا التركيب تبدلياء لكسر ما قبلها، نحو: شقي من الشقوة. ومن ذهب إلى أن لام الكلمة لامها ياء، زعم أن ظهور الواوفي حيوان وحيوة بدل من ياء شذوذاً، وجواب لو محذوف، أي لو كانوا يعلمون، لم يؤثروا دار الفناء عليها. وجاءبنا مصدر حي على فعلان، لأنه يدل على الحركة والاضطراب، كالغليان، والنزوان، واللهيان، والجولان، والطوفان. والحي: كثير الاضطراب والحركة، فهذاالبناء فيه لكثرة الحركة. ولما ذكر تعالى أنهم مقرون بالله إذا سئلوا: من خلق العالم؟ {وَمِنْ * نَزَّلَ مِنَٱلسَّمَاء مَاء }؟ ذكر أيضاً حالة أخرى يرجعون فيها إلى الله، ويقرون بأنه هو الفاعل لما يريد، وذلك حين ركوبالبحر واضطراب أمواجه واختلاف رياحه. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ }؟ قلت: بمحذوف دلعليه ما وصفهم به، وشرح من أمرهم معناه على ما وصفوا به من الشرك والعناد. {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ }: كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولايدعون مع الله آخر. وفي المخلصين ضرب من التهكم، و{إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }: جواب لما، أي فاجأ السحية إشراكهم بالله،أي لم يتأخر عنها ولا وقتاً. والظاهر في {لِيَكْفُرُواْ } أنها لام كي، وعطف عليه {وَلِيَتَمَتَّعُواْ } في قراءة منكسر اللام وهم: العربيان ونافع وعاصم، والمعنى: عادوا إلى شركهم. {لِيَكْفُرُواْ }: أي الحامل لهم على الشرك هو كفرهم بماأعطاهم الله تعالى، وتلذذهم بما متعوا به من عرض الدنيا، بخلاف المؤمنين، فإنهم إذا نجوا من مثل تلك الشدة، كانذلك جالب شكر الله تعالى، وطاعة له مزدادة. وقيل: اللام في: {لِيَكْفُرُواْ }، {وَلِيَتَمَتَّعُواْ }، لام الأمر، ويؤيده قراءة منسكن لام وليتمتعوا وهم: ابن كثير، والأعمش، وحمزة، والكسائي؛ وهذا الأمر على سبيل التهديد، كقوله:

{ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }

وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله تعالى بالكفر، وبأن يعمل العصاة ما شاوؤا، وهوناه عنذلك ومتوعد عليه؟ قلت: هو مجاز عن الخذلان والتحلية، وإن ذلك الأمر مسخط إلى غاية. انتهى. والتحلية والخذلان من ألفاظالمعتزلة. وقرأ ابن مسعود: فتمتعوا فسوف تعلمون، بالتاء فيهما: أي قيل لهم تمتعوا فسوف تعلمون، وكذا في مصحف أبيّ. وقرأأبو العالية: فيتمتعوا، بالياء، مبنياً للمفعول. ومن قرأ: وليتمتعوا، بسكون اللام، وكان عنده اللام في: ليكفروا، لام كي، فالواو عاطفةكلاماً على كلام، لا عاطفة فعلا على فعل. وحكى ابن عطية، عن ابن مسعود: لسوف تعلمون، باللام، ثم ذكرهم تعالىبنعمه، حيث أسكنهم بلدة أمنوا فيها، لا يغزوهم أحد ولا يستلب منهم، مع كونهم قليلي العدد، قارين في مكان لازرع فيه، وهذه من أعظم النعمة التي كفروها، وهي نعمة لا يقدر عليها إلا الله تعالى. وقرأ الجمهور: {يُؤْمِنُونَ }،و{يَكْفُرُونَ }، بالياء فيهما. وقرأ السلمي، والحسن: بتاء الخطاب فيهما. وافتراؤهم الكذب: زعمهم أن لله شريكاً، وتكذيبهم بالحق: كفرهم بالرسولوالقرآن. وفي قوله: {لَمَّا جَاءهُ }: إشعار بأنهم لم يتوقفوا في تكذيبه وقت مجيء الحق لهم، بخلاف العاقل، فإنه إذابلغه خبر، نظر فيه وفكر حتى يبين له أصدق هو أم كذب. وأليس تقرير لمقامهم في جهنم كقوله

:ألستم خير من ركب المطايا    

و{لِلْكَـٰفِرِينَ } من وضع الظاهر موضع المضمر: أي مثواهم. {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا }:أطلق المجاهدة، ولم يقيدها بمتعلق، ليتناول المجاهدة في النفس الأمّارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين، وما ورد من أقوال العلماء، فالمقصودبها المثال. قال ابن عباس: جاهدوا أهواءهم في طاعة الله وشكر آلائه والصبر على بلائه. {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }: لنزيدنهم هدايةإلى سبيل الخير، كقوله:

{ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ }

وقال السدي: جاهدوا فينا بالثبات على الإيمان، لنهدينهمسبلنا إلى الجنة. وقال أبو سليمان الداراني: جاهدوا فيما علموا، لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وقيل: جاهدوا في الغزو، لنهدينهمسبل الشهادة والمغفرة. وقال ابن عباس: المحسنين الموحدين. وقال غيره: المجاهدون. وقال عبد الله بن المبارك: من اعتاصت عليه مسألة،فليسأل أهل الثغور عنها، كقوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }. {وَٱلَّذِينَ }: مبتدأ خبره القسم المحذوف، وجوابه: وهو لنهدينهم وبهذا، ونظيرهردّ على أبي العباس ثعلب في منعه أن تقع جملة القسم والمقسم عليه خبراً للمبتدأ، ونظيره: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ}.