تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة العلق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تفسير البحر المحيط
سورة العلق
ابي حيان الغرناطي
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ } * { خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } * { ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ } * { ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } * { عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } * { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } * { أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } * { إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } * { أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ } * { عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } * { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ } * { أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ } * { أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } * { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } * { كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ } * { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } * { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } * { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } * { كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب }

السفع، قال المبرد: الجذب بشدة، وسفع بناصية فرسه: جدب، قال عمرو بن معديكرب:

قوم إذا كثر الصياح رأيتهم     من بين ملجم مهره أو سافع

وقال مؤرج:معناه الأخذ بلغة قريش، النادي والندى: المجلس، ومنه قول الأعرابية: سيد ناديه وثمال عافيه، وقال زهير:

وفيهم مقامات حسان وجوههم     وأندية ينتابها القول والفعل

الزبانية: ملائكة العذاب، فقيل: جمع لا واحد لهمن لفظه، كعباديد. وقيل: واحدهم زبنية على وزن حدرية وعفرية، قاله أبو عبيدة. وقال الكسائي: زبني، وكأنه نسب إلى الزبنثم غير للنسب، كقولهم: أنسي وأصله زباني. قال عيسى بن عمرو الأخفش: واحدهم زابن، والعرب تطلق هذا الاسم على مناشتد بطشه، ومنه قول الشاعر:

ومستعجب مما يرى من أناتنا     ولو زبنته الحرب لم يترمرم

وقال عتبة بن أبي سفيان: وقد زنبتنا الحرب وزبناها. {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْعَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلاْكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ * بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَلَيَطْغَىٰ * أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلرُّجْعَىٰ * أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ * أَرَءيْتَإِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ * أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ *كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ * كَلاَّ لاَ تُطِعْهُوَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب }. هذه السورة مكية، وصدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبتفي صحيح البخاري وغيره. وقول جابر: أول ما نزل المدثر. وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل الفاتحةلا يصح. وقال الزمخشري، عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت، وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزلثم سورة القلم، انتهى. ولما ذكر فيما قبلها خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك،ذكره هنا منبهاً على شيء من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك وما يؤل إليه حاله فيالآخرة. وقرأ الجمهور: {ٱقْرَأْ } بهمزة ساكنة؛ والأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم: بحذفها، كأنه على قول من يبدلالهمزة بمناسب حركتها فيقول: قرأ يقرا، كسعى يسعى. فلما أمر منه قيل: اقر بحذف الألف، كما تقول: اسع، والظاهر تعلقالباء باقرأ وتكون للاستعانة، ومفعول اقرأ محذوف، أي اقرأ ما يوحى إليك. وقيل: {بِٱسْمِ رَبّكَ } هو المفعول وهو المأموربقراءته، كما تقول: اقرأ الحمد لله. وقيل: المعنى اقرأ في أول كل سورة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم. وقال الأخف5:الباء بمعنى على، أي اقرأ على اسم الله، كما قالوا في قوله: { وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ } ، أي علىاسم الله. وقيل: المعنى اقرأ القرآن مبتدئاً باسم ربك. وقال الزمخشري: محل باسم ربك النصب على الحال، أي اقرأ مفتتحاًباسم ربك، قل بسم الله ثم اقرأ، انتهى. وهذا قاله قتادة. المعنى: اقرأ ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسمربك. وقال أبو عبيدة: الباء صلة، والمعنى اذكر ربك. وقال أيضاً: الاسم صلة، والمعنى اقرأ بعون ربك وتوفيقه. وجاء باسمربك، ولم يأت بلفظ الجلالة لما في لفظ الرب من معنى الذي رباك ونظر في مصلحتك. وجاء الخطاب ليدل علىالاختصاص والتأنيس، أي ليس لك رب غيره. ثم جاء بصفة الخالق، وهو المنشىء للعالم لما كانت العرب تسمي الأصنام أرباً.أتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها، ولم يذكر متعلق الخلق أولاً، فالمعنى أنه قصد إلى استبداده بالخلق، فاقتصرأو حذف، إذ معناه خلق كل شيء. ثم ذكر خلق الإنسان، وخصه من بين المخلوقات لكونه هو المنزل إليه،وهو أشرف. قال الزمخشري: أشرف ما على الأرض، وفيه دسيسة أن الملك أشرف. وقال: ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان،كما قال: { ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } ؛ فقيل: الذي خلق مبهماً، ثم فسره بقوله: خلق تفخيماً لخلقالإنسان ودلالة على عجيب فطرته، انتهى. والإنسان هنا اسم جنس، والعلق جمع علقة، فلذلك جاء من علق، وإنما ذكر منخلق من علق لأنهم مقرون به، ولم يذكر أصلهم آدم، لأنه ليس متقرراً عند الكفار فيسبق الفرع، وترك أصل الخلقةتقريباً لأفهامهم. ثم جاء الأمر ثانياً تأنيساً له، كأنه قيل: امض لما أمرت به، وربك ليس مثل هذه الأرباب،بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص. والأكرم صفة تدل على المبالغة في الكرم، إذ كرمه يزيد على كل كرمينعم بالنعم التي لا تحصى، ويحلم على الجاني، ويقبل التوبة، ويتجاوز عن السيئة. وليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرمحيث قال: {ٱلاْكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ * بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }، فدل على كمال كرمه بأنهعلم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على أفضل علم الكتابة لما فيه منالمنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ولا مقالاتهمولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة اللهتعالى ولطيف تدبيره دليل إلا أمر الخط والقلم لكفى به. ولبعضهم في الأقلام:

ورواقم رقش كمثل أراقم     قطف الخطانيا له أقصى المدى سود القوائم ما يجد مسيرها

انتهى. من كلام الزمخشري. ومن غريب ما رأينا تسمية النصارى بهذه الصفة التي هي صفة للهتعالى: الأكرم، والرشيد، وفخر السعداء، وسعيد السعداء، والشيخ الرشيد، فيا لها مخزية على من يدعوهم بها. يجدون عقباها يوم عرضالأقوال والأفعال، ومفعولا علم محذوفان، إذ المقصود إسناد التعليم إلى الله تعالى. وقدر بعضهم {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ } الخط، {بِٱلْقَلَمِ }:وهي قراءة تعزى لابن الزبير، وهي عندي على سبيل التفسير، لا على أنها قرآن لمخالفتها سواد المصحف. والظاهر أن المعلمكل من كتب بالقلم. وقال الضحاك: إدريس، وقيل: آدم لأنه أول من كتب. والإنسان في قوله: {عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ }، الظاهرأنه اسم الجنس، عدد عليه اكتساب العلوم بعد الجهل بها. وقيل: الرسول عليه الصلاة والسلام. {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ}: نزلت بعد مدة في أبي جهل، ناصب رسول الله ﷺ العداوة، ونهاه عن الصلاة في المسجد؛فروي أنه قال: لئن رأيت محمداً يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه. فيروى أن رسول الله ﷺرد عليه وانتهره وتوعده، فقال أبو جهل: أيتوعدني محمد والله ما بالوادي أعظم نادياً مني. ويروى أنه همّ أن يمنعهمن الصلاة، فكف عنه. {كَلاَّ }: ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه، وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه،{إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ }: أي يجاوز الحد، {أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ }: الفاعل ضمير الإنسان، وضمير المفعول عائد عليه أيضاً، ورأىهنا من رؤية القلب، يجوز أن يتحد فيها الضميران متصلين فتقول: رأيتني صديقك، وفقد وعدم بخلاف غيرها، فلا يجوز: زيدضربه، وهما ضميرا زيد. وقرأ الجمهور: {أَن رَّءاهُ } بألف بعد الهمزة، وهي لام الفعل؛ وقيل: بخلاف عنه بحذف الألف،وهي رواية ابن مجاهد عنه، قال: وهو غلط لا يجوز، وينبغي أن لا يغلطه، بل يتطلب له وجهاً، وقد حذفتالألف في نحو من هذا، قال:

وصـاني العجـاج فيمـا وصنـي    

يريد: وصاني، فحذف الألف، وهي لام الفعل، وقد حذفت فيمضارع رأى في قولهم: أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة، وهو حذف لا ينقاس؛ لكن إذا صحت الرواية بهوجب قبوله، والقراءات جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها. {إِنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلرُّجْعَىٰ }: أي الرجوع، مصدر على وزن فعلى،الألف فيه للتأنيث، وفيه وعيد للطاغي المستغني، وتحقير لما هو فيه من حيث ما آله إلى البعث والحساب والجزاء علىطغيانه. {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ }: تقدم أنه أبو جهل. قال ابن عطية: ولم يختلف أحد منالمفسرين أن الناهي أبو جهل، وأن العبد المصلي وهو محمد رسول الله ﷺ، انتهى. وفي الكشاف، وقالالحسن: هو أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة. وقال التبريزي: المراد بالصلاة هنا صلاة الظهر. قيل: هي أولجماعة أقيمت في الإسلام، كان معه أبو بكر وعليّ وجماعة من السابقين، فمرّ به أبو طالب ومعه ابنه جعفر، فقالله: صل جناح ابن عمك وانصرف مسروراً، وأنشأ أبو طالب يقول:

إن علياً وجعفراً ثقتي     عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا
يخذله من يكون من حسبي لا تخذلا وانصرا ابن عمكما     أخي لأمّي من بينهم وأبي

ففرح رسول الله صلى اللهعليه وسلم بذلك. والخطاب في {أَرَأَيْتَ } الظاهر أنه للرسول ﷺ، وكذا {أَرَأَيْتَ } الثاني، والتناسق فيالضمائر هو الذي يقتضيه النظم. وقيل: {أَرَأَيْتَ } خطاب للكافر التفت إلى الكافر فقال: أرأيت يا كافر، إن كانت صلاتههدى ودعاء إلى الله وأمراً بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ والضمير في {إِن كَانَ }، وفي {أَن كَذَّبَ } عائد علىالناهي. قال الزمخشري: ومعناه أخبرني عن من ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدةفيما ينهى عنه من عبادة الله، وكان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إنكان على التكذيب للحق والتولي عن الدّين الصحيح، كما نقول نحن. {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ }، ويطلع علىأحواله من هداة وضلالة، فيجازيه على حسب ذلك، وهدا وعيد، انتهى. وقال ابن عطية: الضمير في {إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} عائد على المصلي، وقاله الفراء وغيره. قال الفراء: المعنى {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ }، وهو علىالهدى وأمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الذكر، أي فما أعجب هذا ألم يعلم أبو جهل بأن الله تعالى يراهويعلم فعله؟ فهذا تقرير وتوبيخ، انتهى. وقال: من جعل الضمير في {إِن كَانَ } عائداً على المصلي، إنما ضم إلىفعل الصلاة الأمر بالتقوى، لأن أبا جهل كان يشق عليه من رسول الله ﷺ أمر أن: الصلاةوالدعاء إلى الله تعالى، ولأنه كان ﷺ لا يوجد إلا في أمرين: إصلاح نفسه بفعل الصلاة، وإصلاحغيره بالأمر بالتقوى. وقال ابن عطية: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ }: إكمال التوبيخ والوعيد بحسب التوفيقات الثلاثة يصلح معكل واحد منها، يجاء بها في نسق. ثم جاء بالوعيد الكافي بجميعها اختصاراً واقتضاباً، ومع كل تقرير تكلمة مقدرة تتسعالعبارات فيها، وألم يعلم دال عليها مغن. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما متعلق {أَرَأَيْتَ }؟ قلت: {ٱلَّذِى يَنْهَىٰ }مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين. فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ قلت: هو محذوف تقديره: {إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ* أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ }، {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ }، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. فإنقلت: فكيف صح أن يكون {أَلَمْ يَعْلَم } جواباً للشرط؟ قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني؟ وإن أحسنإليك زيد هل تحسن إليه؟ فإن قلت: فما {أَرَأَيْتَ } الثانية وتوسطها بين مفعولي {أَرَأَيْتَ }؟ قلت: هي زائدة مكررةللتوكيد، انتهى. وقد تكلمنا على أحكام {أَرَأَيْتَ } بمعنى أخبرني في غير موضع منها التي في سورة الأنعام، وأشبعناالكلام عليها في شرح التسهيل. وما قرره الزمخشري هنا ليس بجار على ما قررناه، فمن ذلك أنه ادعى أن جملةالشرط في موضع المفعول الواحد، والموصول هو الآخر، وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية، كقوله: { أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ * وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ أعنده عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ } { أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا وَقَالَ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ } { أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أأنتم تَخْلُقُونَهُ أَم } ، وهو كثير في القرآن، فتخرج هذه الآية على ذلك القانون، ويجعلمفعول {أَرَأَيْتَ } الأولى هو الموصول، وجاء بعده {أَرَأَيْتَ }، وهي تطلب مفعولين، وأرأيت الثانية كذلك؛ فمفعول {أَرَأَيْتَ } الثانيةوالثالثة محذوف يعود على {ٱلَّذِى يَنْهَىٰ } فيهما، أو على {عَبْداً } في الثانية، وعلى {ٱلَّذِى يَنْهَىٰ } في الثالثةعلى الاختلاف السابق في عود الضمير، والجملة الاستفهامية توالى عليها ثلاثة طوالب، فنقول: حذف المفعول الثاني لأرأيت، وهو جملة الاستفهامالدال عليه الاستفهام المتأخر لدلالته عليه. حذف مفعول أرأيت الأخير لدلالة مفعول أرأيت الأولى عليه. وحذفاً معاً لأرأيت الثانية لدلالةالأول على مفعولها الأول، ولدلالة الآخر لأرأيت الثالثة على مفعولها الآخر. وهؤلاء الطوالب ليس طلبها على طريق التنازع، لأن الجمللا يصح إضمارها، وإنما ذلك من باب الحذف في غير التنازع. وأما تجويز الزمخشري وقوع جملة الاستفهام جواباً للشرط بغيرفاء، فلا أعلم أحداً أجازه، بل نصوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلباً بوجه مّا، ولا يجوز حذفهاإلا إن كان في ضرورة شعر. {كَلاَّ }: ردع لأبي جهل ومن في طبقته عن نهي عباد الله عنعبادة الله. {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } عن ما هو فيه، وعيد شديد {لَنَسْفَعاً }: أي لنأخذن، {بِٱلنَّاصِيَةِ }: وعبر بهاعن جميع الشخص، أي سحباً إلى النار لقوله: { فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلاْقْدَامِ } ، واكتفى بتعريف العهد عن الإضافة، إذ علم أنهاناصية الناهي. وقرأ الجمهور: بالنون الخفيفة، وكتبت بالألف باعتبار الوقف، إذ الوقف عليها بإبدالها ألفاً، وكثر ذلك حتى صارت روياً،فكتبت ألفاً كقوله:

ومهمـا تشـأ منـه فـزارة تمنعـا    

وقال آخر:

بحسبــه الجــاهــل مـا لـم يعلمـا    

ومحبوب وهارون، كلاهما عن أبيعمرو: بالنون الشديدة. وقيل: هو مأخوذ من سفعته النار والشمس، إذا غيرت وجهه إلى حال شديد. وقال التبريزي: قيل: أرادلنسودن وجهه من السفعة وهي السواد، وكفت من الوجه لأنها في مقدمة. وقرأ الجمهور: {نَاصِيَةٍ خَاطِئَةٍ }، بجر الثلاثة علىأن ناصية بدل نكرة من معرفة. قال الزمخشري: لأنها وصفت فاستقبلت بفائدة، انتهى. وليس شرطاً في إبدال النكرة من المعرفةأن توصف عند البصريين خلافاً لمن شرط ذلك من غيرهم، ولا أن يكون من لفظ الأول أيضاً خلافاً لزاعمه. وقرأأبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي: بنصب الثلاثة على الشتم؛ والكسائي في رواية: برفعها، أي هي ناصبة كاذبةخاطئة، وصفها بالكذب والخطأ مجازاً، والحقيقة صاحبها، وذلك أحرى من أن يضاف فيقال: ناصية كاذب خاطىء، لأنها هي المحدث عنهافي قوله: {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ }. {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ }: إشارة إلى قول أبي جهل: وما بالوادي أكبر نادياً مني، والمراد أهلالنادي. وقال جرير:

لهـم مجلس صهب السبـال أذلـة    

أي أهل مجلس، ولذلك وصف بقوله: صهب السبال أذلة، وهو أمر تعجبي، أي لايقدره الله على ذلك، لو دعا ناديه لأخذته الملائكة عياناً. وقرأ الجمهور: {سَنَدْعُ } بالنون مبنياً للفاعل، وكتبت بغير واولأنها تسقط في الوصل لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن أبي عبلة: سيدعى مبنياً للمفعول الزبانيه رفع. {كَلاَّ }: ردع لأبي جهل،ورد عليه في: {لاَ تُطِعْهُ }: أي لا تلتفت إلى نهيه وكلامه. {وَٱسْجُدْ }: أمر له بالسجود، والمعنى: دم علىصلاتك، وعبر عن الصلاة بأفضل الأوصاف التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى، {وَٱقْتَرِب }: وتقرب إلى ربك. وثبتفي الصحيحين سجود رسول الله ﷺ في { إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } ، وفي هذه السورة، وهي من العزائمعند علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكان مالك يسجد فيها في خاصية نفسه.