تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الطلاق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } * { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } * { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } * { وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } * { ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } * { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } * { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } * { وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً } * { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } * { أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً } * { رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا } { يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّمِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن }. هذه السورة مدنية. قيل: وسبب نزولها طلاق رسول الله صلى الله عليهوسلم حفصة، قاله قتادة عن أنس. وقال السدي: طلاق عبد الله بن عمرو. وقيل: فعل ناس مثل فعله، منهم عبدالله بن عمرو بن العاصي، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان، فنزلت. وقال القاضي أبو بكر بن العربي:وهذا وإن لم يصح، فالقول الأول أمثل، والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. ومناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكرالفتنة بالمال والولد، أشار إلى الفتنة بالنساء، وإنهن قد يعرضن الرجال للفتنة حتى لا يجد مخلصاً منها إلا بالطلاق، فذكرأنه ينفصل منهن بالوجه الجميل، بأن لا يكون بينهن اتصال، لا بطلب ولد ولا حمل. {مُّنتَظِرُونَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ }:نداء للنبي ﷺ، وخطاب على سبيل التكريم والتنبيه، {إِذَا طَلَّقْتُمُ }: خطاب له عليه الصلاة والسلام مخاطبةالجمع على سبيل التعظيم، أو لأمته على سبيل تلوين الخطاب، أقبل عليه السلام أولاً، ثم رجع إليهم بالخطاب، أو علىإضمار القول، أي قل لأمتك إذا طلقتم، أو له ولأمته، وكأنه ثم محذوف تقديره: يا أيها النبي وأمة النبي إذاطلقتم، فالخطاب له ولهم، أي أنت وأمتك، أقوال. وقال الزمخشري: خص النبي ﷺ، وعمّ بالخطاب، لأن النبيإمام إمته وقدوتهم. كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه، وأنه مدره قومهولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وساداً مسد جميعهم. انتهى، وهوكلام حسن. ومعنى {إِذَا طَلَّقْتُمُ }: أي إذا أردتم تطليقهن، والنساء يعني: المدخول بهن، وطلقوهن: أي أوقعوا الطلاق، {لِعِدَّتِهِنَّ}: هو على حذف مضاف، أي لاستقبال عدّتهن، واللام للتوقيت، نحو: كتبته لليلة بقيت من شهر كذا، وتقدير الزمخشري هناحالاً محذوفة يدل عليها المعنى يتعلق بها المجرور، أي مستقبلات لعدتهن، ليس بجيد، لأنه قدر عاملاً خاصاً، ولا يحذف العاملفي الظرف والجار والمجرور إذا كان خاصاً، بل إذا كان كوناً مطلقاً. لو قلت: زيد عندك أو في الدار، تريد:ضاحكا عندك أو ضاحكا في الدار، لم يجز. فتعليق اللام بقوله: {فَطَلّقُوهُنَّ }، ويجعل على حذف مضاف هو الصحيح.وما روي عن جماعة من الصحابة والتابعين، رضي الله تعالى عنهم، من أنهم قرؤا: فطلقوهن في قبل عدتهن؛ وعن بعضهم:في قبل عدّتهن؛ وعن عبد الله: لقبل طهرهن، هو على سبيل التفسير، لا على أنه قرآن، لخلافه سواد المصحف الذيأجمع عليه المسلمون شرقاً وغرباً، وهل تعتبر العدة بالنسبة إلى الأطهار أو الحيض؟ تقدم ذلك في البقرة في قوله: { ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } . والمراد: أن يطلقهن في طهر لم يجامعهن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن، فإن شاء ردها، وإن شاءأعرض عنها لتكون مهيأة للزوج؛ وهذا الطلاق أدخل في السنة. وقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكره الثلاثمجموعة أو مفرقة. وأبو حنيفة كره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقاً في الأطهار فلا. وقال الشافعي:لا بأس بإرسال الطلاق الثلاث، ولا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح، راعى في السنة الوقت فقط،وأبو حنيفة التفريق والوقت. وقوله: {فَطَلّقُوهُنَّ } مطلق، لا تعرض فيه لعدد ولا لوصف من تفريق أو جمع؛ والجمهور:على أنه لو طلق لغير السنة وقع. وعن ابن المسيب وجماعة من التابعين: أنه لو طلق في حيض أو ثلاث،لم يقع. والظاهر أن الخطاب في {وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } للأزواج: أي اضبطوا بالحفظ، وفي الإحصاء فوائد مراعاة الرجعة وزمان النفقةوالسكنى وتوزيع الطلاق على الأقراء. وإذا أراد أن يطلق ثلاثاً، والعلم بأنها قد بانت، فيتزوج بأختها وبأربع سواها. ونهىتعالى عن إخراجهنّ من مساكنهنّ حتى تنقضي العدّة، ونهاهنّ أيضاً عن خروجهنّ، وأضاف البيوت إليهنّ لما كان سكناهنّ فيها، ونهيهنّعن الخروج لا يبيحه إذن الأزواج، إذ لا أثر لإذنهم. والإسكان على الزوج، فإن كان ملكه أو بكراء فذاك، أوملكها فلها عليه أجرته، وسواء في ذلك الرجعية والمبتوبة، وسنة ذلك أن لا تبيت عن بيتها ولا تخرج عنه نهاراًإلا لضرورة، وذلك لحفظ النسب والاحتفاظ بالنساء. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ * مَّبْنِيَّةٌ }: وهي الزنا، عند قتادة ومجاهد والحسنوالشعبي وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث، ورواه مجاهد عن ابن عباس، فيخرجن للحد. وعن ابن عباس: البذاء علىالاحماء، فتخرج ويسقط حقها في السكنى، وتلزم الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب. وعنده أيضاً: جميع المعاصي، من سرقة، أوقذف، أو زنا، أو غير ذلك، واختاره الطبري، فيسقط حقها في السكنى. وعند ابن عمر والسدي وابن السائب: هي خروجهامن بيتها خروج انتقال، فيسقط حقها في السكنى. وعند قتادة أيضاً: نشوزها عن الزوج، فتطلق بسبب ذلك، فلا يكون عليهسكنى؛ وإذا سقط حقها من السكنى أتمت العدّة. {لا تَدْرِى } أيها السامع، {لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً }،قال المفسرون: الأمر هنا الرغبة في ارتجاعها، والميل إليها بعد انحرافه عنها؛ أو ظهور حمل فيراجعها من أجله. ونصب لاتدري على جملة الترجى، فلا تدري معلقة عن العمل، وقد تقدم لنا الكلام على قوله: { وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } ، وذكرنا أنه ينبغي أن يزاد في المعلقات لعل، فالجملة المترجاة في موضع نصب بلا تدري. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}: أي أشرفن على انقضاء العدّة، {فَأَمْسِكُوهُنَّ }: أي راجعوهنّ، {بِمَعْرُوفٍ }: أي بغير ضرار، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ }: أيسرحوهنّ بإحسان، والمعنى: اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ، فيملكن أنفسهنّ. وقرأ الجمهور: {أَجَلُهُنَّ } على الإفراد؛ والضحاك وابن سيرين: آجالهنّ علىالجمع. والإمساك بمعروف: هو حسن العشرة فيما للزوجة على الزوج، والمفارقة بمعروف: هو أداء المهر والتمتيع والحقوق الواجبة والوفاء بالشرط.{وَأَشْهِدُواْ }: الظاهر وجوب الإشهاد على ما يقع من الإمساك وهو الرجعة، أو المفارقة وهي الطلاق. وهذا الإشهاد مندوب إليهعند أبي حنيفة، كقوله: { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } ؛ وعند الشافعية واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة. وقيل: {وَأَشْهِدُواْ }:يريد على الرجعة فقط، والإشهاد شرط في صحتها، فلها منفعة من نفسها حتى يشهد. وقال ابن عباس: الإشهاد على الرجعةوعلى الطلاق يرفع عن النوازل أشكالاً كثيرة، ويفسد تاريج الإشهاد من الإشهاد. قيل: وفائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد،وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الثاني ثبوت الزوجية ليرث. انتهى. ومعنى منكم، قال الحسن: من المسلمين.وقال قتادة: من الأحرار. {وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ }: هذا أمر للشهود، أي لوجه الله خالصاً، لا لمراعاة مشهود له، ولامشهود عليه لا يلحظ سوى إقامة الحق. {ذٰلِكُمْ }: إشارة إلى إقامة الشهادة، إذ نوازل الأشياء تدور عليها، وما يتميزالمبطل من المحق. {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ }، قال علي بن أبي طالب وجماعة: هي في معنى الطلاق، أي ومنلا يتعدى طلاق السنة إلى طلاق الثلاث وغير ذلك، {يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ * مَخْرَجاً } إن ندم بالرجعة، {وَيَرْزُقْهُ }ما يطعم أهله. انتهى. ومفهوم الشرط أنه إن لم يتق الله، فبت الطلاق وندم، لم يكن له مخرج، وزال عنهرزق زوجته. وقال ابن عباس: للمطلق ثلاثاً: إنك لم تتق الله، بانت منك امرأتك، ولا أرى لك مخرجاً. وقال: {يَجْعَللَّهُ مَخْرَجاً }: يخلصه من كذب الدنيا والآخرة. والظاهر أن قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ } متعلق بأمر ما سبق منأحكام الطلاق. وروي أنها في غير هذا المعنى، وهو أن أسر ابن يسمى سالماً لخوف بن مالك الأشجعي، فشكا ذلكللرسول ﷺ، وأمره بالتقوى فقبل، ثم لم يلبث أن تفلت ولده واستاق مائة من الإبل، كذا فيالكشاف. وفي الوجيز: قطيعاً من الغنم كانت للذين أسروه، وجاء أباه فسأل رسول الله ﷺ: أيطيب له؟فقال: «نعم»، فنزلت الآية. وقال الضحاك: من حيث لا يحتسب امرأة أخرى. وقيل: ومن يتق الحرام يجعل له مخرجاً إلىالحلال. وقيل: مخرجاً من الشدة إلى الرخاء. وقيل: من النار إلى الجنة. وقيل: من العقوبة، ويرزقه من حيث لا يحتسبمن الثواب. وقال الكلبي: ومن يتق الله عند المصيبة يجعل له مخرجاً إلى الجنة. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ }:أي يفوض أمره إليه، {فَهُوَ حَسْبُهُ }: أي كافيه. {إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ }، قال مسروق: أي لا بد مننفوذ أمر الله، توكلت أم لم تتوكل. وقرأ الجمهور: بالغ بالتنوين، أمره بالنصب؛ وحفص والمفضل وأبان وجبلة وابن أبي عبلةوجماعة عن أبي عمرو ويعقوب وابن مصرف وزيد بن علي: بالإضافة؛ وابن أبي عبلة أيضاً وداود بن أبي هند وعصمةعن أبي عمرو: بالغ أمره، رفع: أي نافذ أمره. والمفضل أيضاً: بالغاً بالنصب، أمره بالرفع، فخرجه الزمخشري على أن بالغاًحال، وخبر إن هو قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ }، ويجوز أن تخرج هذه القراءة على قول من ينصب بأنالجزأين، كقوله:

إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن     خطاك خفافاً أن حراسنا أسدا

ومن رفع أمره،فمفعول بالغ محذوف تقديره: بالغ أمره ما شاء. {قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً }: أي تقديراً وميقاتاً لا يتعداه،وهذه الجمل تحض على التوكل. وقرأ جناح بن حبيش: قدراً بفتح الدال، والجمهور بإسكانها. قوله عز وجل: {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَمِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ * سَيّئَـٰتِهِ وَيُعْظِمْلَهُ أَجْراً * أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰيَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }. وروي أن قوماً، منهم أبيّ بن كعب وخلاد بن النعمان، لما سمعوا قوله: { وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } ، قالوا: يا رسول الله، فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر؟ فنزلت هذه الآية،فقال قائل: فما عدة الحامل؟ فنزلت {أُوْلَـٰتِ * ٱلاْحْمَالِ }. وقرأ الجمهور: {يَئِسْنَ } فعلاً ماضياً. وقرىء: بياءين مضارعاً، ومعنى{إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } في أنها يئست أم لا، لأجل مكان ظهور الحمل، وإن كان انقطع دمها. وقيل: إن ارتبتم فيدم البالغات مبلغ اليأس، أهو دم حيض أو استحاضة؟ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك.وقدر بعضهم مبلغ اليأس بستين سنة، وبعضهم بخمس وخمسين. وقيل: غالب سن يأس عشيرة المرأة. وقيل: أقصى عادة امرأة فيالعالم. وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم، لا ندري أهو دم حيض أو دم علة. وقيل: {إِنِٱرْتَبْتُمْ }: شككتم في حالهن وحكمهن فلم تدروا ما حكمهن، فالحكم أن عدتهن ثلاثة أشهر. واختار الطبري أن معنى {إِنِٱرْتَبْتُمْ }: شككتم فلم تدروا ما الحكم، فقيل: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ }: أي إن تيقنتم إياسهن، وهو من الأضداد. وقال الزجاج:المعنى إن ارتبتم في حيضها، وقد انقطع عنها الدم، وكانت مما يحيض مثلها. وقال مجاهد أيضاً: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } هوللمخاطبين، أي إن لم تعلموا عدة الآيسة، {وَٱللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ }، فالعدة هذه، فتلخص في قوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } قولان:أحدهما، أنه على ظاهر مفهوم اللغة فيه، وهو حصول الشك؛ والآخر، أن معناه التيقن للإياس؛ والقول الأول معناه: إن ارتبتمفي دمها، أهو دم حيض أو دم علة؟ أو إن ارتبتم في علوق بحمل أم لا؛ أو إن ارتبتم: أيجهلتم عدتهن، أقوال. والظاهر أن قوله: {وَٱللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ } يشمل من لم يحض لصغر، ومن لا يكون لها حيضالبتة، وهو موجود في النساء، وهو أنها تعيش إلى أن تموت ولا تحيض. ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغتبه ولم تحض فقيل: هذه تعتد سنة. {وَٱللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ } معطوف على {وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ }، فإعرابه مبتدأ كإعراب {وَٱللاَّئِىيَئِسْنَ }، وقدروا خبره جملة من جنس خبر الأول، أي عدتهن ثلاثة أشهر، والأولى أن يقدر مثل أولئك أو كذلك،فيكون المقدر مفرداً جملة. {وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ } عام في المطلقة وفي المتوفي عنها زوجها، وهو قول عمر وابن مسعود وأبيمسعود البدري وأبي هريرة وفقهاء الأمصار. وقال علي وابن عباس: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ } في المطلقات، وأما المتوفي عنها فعدتها أقصىالأجلين، فلو وضعت قبل أربعة أشهر وعشر صبرت إلى آخرها، والحجة عليها حديث سبيعة. وقال ابن مسعود: من شاء لاعنته،ما نزلت {وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ } إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. وقرأ الجمهور: {حَمْلَهُنَّ } مفرداً؛ والضحاك: أحمالهن جمعاً.{ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ }: يريد ما علم من حكم المعتدات. وقرأ الجمهور: {وَيُعْظِمْ } بالياء مضارع أعظم؛ والأعمش: نعظم بالنون،خروجاً من الغيبة للتكلم؛ وابن مقسم: بالياء والتشديد مضارع عظم مشدداً. ولما كان الكلام في أمر المطلقات وأحكامهن منالعدد وغيرها، وكن لا يطلقهن أزواجهن إلا عن بغض لهن وكراهة، جاء عقيب بعض الجمل الأمر بالتقوى من حيث المعنى،مبرزاً في صورة شرط وجزاء في قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ }، إذ الزوج المطلق قد ينسب إلى مطلقته بعض مايشينها به وينفر الخطاب عنها، ويوهم أنه إنما فارقها لأمر ظهر له منها، فلذلك تكرر قوله: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ }في العمل بما أنزله من هذه الأحكام، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من ترك الضرار والنفقة على المعتدات وغير ذلكمما يلزمه، يرتب له تكفير السيئات وإعظام الأجر. ومن في {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } للتبعيض: أي بعض مكان سكناكم. وقالقتادة: إن لم يكن له إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه، قاله الزمخشري. وقال الحوفي: من لابتداء الغاية، وكذاقال أبو البقاء. و{مّن وُجْدِكُمْ }. قال الزمخشري: فإن قلت: فقوله: {مّن وُجْدِكُمْ }. قلت: هو عطف بيان، كقوله: {مِنْحَيْثُ سَكَنتُم } وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه، والوجد: الوسع والطاقة. انتهى. ولا نعرف عطفبيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً من قوله: {مِنْ حَيْثُسَكَنتُم }. وقرأ الجمهور: {مّن وُجْدِكُمْ } بضم الواو؛ والحسن والأعرج وابن أبي عبلة وأبو حيوة: بفتحها؛ والفياض بنغزوان وعمرو بن ميمون ويعقوب: بكسرها، وذكرها المهدوي عن الأعرج، وهي لغات ثلاثة بمعنى: الوسع. والوجد بالفتح، يستعمل في الحزنوالغضب والحب، ويقال: وجدت في المال، ووجدت على الرجل وجداً وموجدة، ووجدت الضالة وجداناً والوجد بالضم: الغنى والقدرة، يقال: افتقرالرجل بعد وجد. وأمر تعالى بإسكان المطلقات، ولا خلاف في ذلك في التي لم تبت. وأما المبتوتة، فقال ابن المسيبوسليمان بن يسار وعطاء والشعبي والحسن ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأبو عبيد: لها السكنى، ولا نفقة لها. وقالالثوري وأبو حنيفة: لها السكنى والنفقة. وقال الحسن وحماد وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا سكنى لها ولا نفقة. {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ}: ولا تستعملوا معهن الضرار، {لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن،أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج. وقيل: هذه المضارة مراجعتها إذا بقي من عدتها قليل، ثم يطلقها فيطول حبسهافي عدته الثانية. وقيل: إلجاؤها إلى أن تفتدي منه. {وَإِن كُنَّ أُوْلَـٰتِ حَمْلٍ }: لا خلاف في وجوب سكناهاونفقتها، بتت أو لم تبت. فإن كانت متوفى عنها، فأكثر العلماء على أنها لا نفقة لها؛ وعن علي وابن مسعود:تجب نفقتها في التركة. {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ }: أي ولدن وأرضعن المولود وجب لها النفقة، وهي الأجر والكسوة وسائر المؤنعلى ما قرر في كتب الفقه، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد بينهن ما لم يبن،ويجوز عند الشافعي. وفي تعميم المطلقات بالسكنى، وتخصيص أولات الأحمال بالنفقة دليل على أن غيرها من المطلقات لا يشاركها فيالنفقة، وتشاركهن في السكنى. {*وائتمروا}: افتعلوا من الأمر، يقال: ائتمر القوم وتأمروا، إذا أمر بعضهم بعضاً؛ والخطاب للآباء والأمهات، أيوليأمر بعضكم بعضاً {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ }: أي في الأجرة والإرضاع، والمعروف: الجميل بأن تسامح الأم، ولا يماكس الأب لأنه ولدهمامعاً، وهما شريكان فيه، وفي وجوب الإشفاق عليه. وقال الكسائي: {*وائتمروا}: تشاوروا، ومنه قوله تعالى: { يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } ، وقول امرىء القيس:ويعـدو عـلى المـرء مـا يأتمـر وقيل: المعروف: الكسوة والدثار. {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ }: أي تضايقتم وتشاكستم،فلم ترض إلا بما ترضى به الأجنبية، وأبي الزوج الزيادة، أو إن أبى الزوج الإرضاع إلا مجاناً، وأبت هي إلابعوض، {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ }: أي يستأجر غيرها، وليس له إكراهها. فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، أجبرت على الإرضاعبأجرة مثلها، ولا يختص هذا الحكم من وجوب أجرة الرضاع بالمطلقة، بل المنكوحة في معناها. وقيل: فسترضع خبر في معنىالأمر، أي فلترضع له أخرى. وفي قوله: {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت، كما تقول لمن تستقضيهحاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك، تريد: لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم. والضمير في له عائد على الأب، كما تعدى فيقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ }: أي للأزواج. {لِيُنفِقْ } الموسر والمقدور عليه ما بلغه وسعه، أي على المطلقات والمرضعات،ولا يكلف ما لا يطيقه. والظاهر أن المأمور بالإنفاق الأزواج، وهذا أصل في وجوب نفقة الولد على الوالد دون الأم.وقال محمد بن المواز: إنها على الأبوين على قدر الميراث. وفي الحديث: «يقول لك ابنك انفق عليّ إلى من تكلني»،ذكره في صحيح البخاري. وقرأ الجمهور: {لِيُنفِقْ } بلام الأمر، وحكى أبو معاذ: لينفق بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوفتقديره: شرعنا ذلك لينفق. وقرأ الجمهور: {قُدِرَ } مخففاً؛ وابن أبي عبلة: مشدد الدال، سيجعل الله وعد لمن قدر عليهرزقه، يفتح له أبواب الرزق. ولا يختص هذا الوعد بفقراء ذلك الوقت، ولا بفقراء الأزواج مطلقاً، بل من أنفق ماقدر عليه ولم يقصر، ولو عجز عن نفقة امرأته. فقال أبو هريرة والحسن وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يفرقبينهما. وقال عمر بن عبد العزيز وجماعة: لا يفرق بينهما. قوله عز وجل: {وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِرَبّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْعَذَاباً شَدِيداً فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى * أُوْلِى * ٱلالْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْءايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيّنَـٰتٍ لّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ }. تقدم الكلامعلى كأين في آل عمران، وعلى نكراً في الكهف. {عَتَتْ }: أعرضت، {عَنْ أَمْرِ رَبّهَا }، على سبيل العناد والتكبر.والظاهر في {فَحَاسَبْنَـٰهَا } الجمل الأربعة، إن ذلك في الدنيا لقوله بعدها: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً }، وظاهره أنالمعد عذاب الآخرة، والحساب الشديد هو الاستقصاء والمناقشة، فلم تغتفر لهم زلة، بل أخذوا بالدقائق من الذنوب. وقيل: الجمل الأربعةمن الحساب والعذاب والذوق والخسر في الآخرة، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله: { وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } ، ويكون قوله: {أَعَدَّٱللَّهُ لَهُمْ } تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب. وقال الكلبي: الحساب في الآخرة،والعذاب النكير في الدنيا بالجوع والقحط والسيف. ولما ذكر ما حل بهذه القرية العاتية، أمر المؤمنين بتقوى الله تحذيراًمن عقابه، ونبه على ما يحض على التقوى، وهو إنزال الذكر. والظاهر أن الذكر هو القرآن، وأن الرسول هو محمدﷺ. فإما أن يجعل نفس الذكر مجازاً لكثرة يقدر منه الذكر، فكأنه هو الذكر، أو يكون بدلاًعلى حذف مضاف، أي ذكر رسول. وقيل: {رَسُولاً } نعت على حذف مضاف، أي ذكراً، ذا رسول. وقيل: المضاف محذوفمن الأول، أي ذا ذكر رسولاً، فيكون رسولاً نعتاً لذلك المحذوف أو بدلاً. وقيل: رسول بمعنى رسالة، فيكون بدلاً منذكر، أو يبعده قوله بعده {يَتْلُو عَلَيْكُمْ }، والرسالة لا تسند التلاوة إليها إلا مجازاً. وقىل: الذكر أساس أسماء النبيﷺ. وقيل: الذكر: الشرف لقوله: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } ، فيكون رسولاً بدلاً منه وبياناً له. وقالالكلبي: الرسول هنا جبريل عليه السلام، وتبعه الزمخشري فقال: رسولاً هو جبريل صلوات الله وسلامه عليه، أبدل من ذكراً لأنهوصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، فصح إبداله منه. انتهى. ولا يصح لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونهلا يكون بدل بعض ولا بدل اشتمال، وهذه الأعاريب على أن يكون ذكراً ورسولاً لشيء واحد. وقيل: رسولاً منصوب بفعلمحذوف، أي بعث رسولاً، أو أرسل رسولاً، وحذف لدلالة أنزل عليه، ونحا إلى هذا السدي، واختاره ابن عطية. وقال الزجاجوأبو علي الفارسي: يجوز أن يكون رسولاً معمولاً للمصدر الذي هو الذكر. انتهى. فيكون المصدر مقدراً بأن، والقول تقديره: إنذكر رسولاً وعمل منوناً كما عمل، أو { إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } ، كما قال الشاعر:

بضرب بالسيوف رءوس قوم     أزلنا هامهن عن المقيل

وقرىء: رسول بالرفع على إضمار هوليخرج، يصح أن يتعلق بيتلو وبأنزل. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: أي الذين قضى وقدر وأراد إيمانهم، أو أطلق عليهم آمنوا باعتبارما آل أمرهم إليه. وقال الزمخشري: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح، لأنهم كانوا وقت إنزالهغير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. انتهى. والضمير في {لّيُخْرِجَ } عائد على الله تعالى، أو على الرسول صلىالله عليه وسلم، أو على الذكر. {وَمَن يُؤْمِن }: راعى اللفظ أولاً في من الشرطية، فأفرد الضمير في {يُؤْمِنُ }،{وَيَعْمَلْ }، و{يُدْخِلْهُ }، ثم راعى المعنى في {خَـٰلِدِينَ }، ثم راعى اللفظ في {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ } فأفرد.واستدل النحويون بهذه الآية على مراعاة اللفظ أولاً، ثم مراعاة المعنى، ثم مراعاة اللفظ. وأورد بعضهم أن هذا ليس كماذكروا، لأن الضمير في {خَـٰلِدِينَ } ليس عائداً على من، بخلاف الضمير في {يُؤْمِنُ }، {وَيَعْمَلْ }، و{يُدْخِلْهُ }، وإنماهو عائد على مفعول {يُدْخِلْهُ }، و{خَـٰلِدِينَ } حال منه، والعامل فيها {يُدْخِلْهُ } لا فعل الشرط. {ٱللَّهُ ٱلَّذِىخَلَقَ سَبْعَ * سَمَـٰوَاتٍ }: لا خلاف أن السموات سبع بنص القرآن والحديث، كما جاء في حديث الإسراء، ولقوله صلىالله عليه وسلم لسعد: حكمت بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة ، وغيره من نصوص الشريعة. وقرأ الجمهور: {مِثْلَهُنَّ } بالنصب؛والمفضل عن عاصم، وعصمة عن أبي بكر: مثلُهن بالرفع فالنصب، قال الزمخشري: عطفاً على {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ }. انتهى، وفيه الفصلبالجار والمجرور بين حرف العطف، وهو الواو، والمعطوف؛ وهو مختص بالضرورة عند أبي عليّ الفارسي، وأضمر بعضهم العامل بعد الواولدلالة ما قبله عليه، أي وخلق من الأرض مثلهن، فمثلهن مفعول للفعل المضمر لا معطوف، وصار ذلك من عطف الجملوالرفع على الابتداء، {وَمِنَ ٱلاْرْضِ } الخبر، والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف. فقال الجمهور: المثلية في العدد: أي مثلهنفي كونها سبع أرضين. وفي الحديث: طوقه من سبع أرضين ورب الأرضين السبع وما أقللن ، فقيل: سبع طباق من غيرفتوق. وقيل: بين كل طبقة وطبقة مسافة. قيل: وفيها سكان من خلق الله. قيل: ملائكة وجن. وعن ابن عباس، منرواية الواقدي الكذاب، قال: في كل أرض آدم كآدم، ونوح كنوح، ونبي كنبيكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى، وهذا حديث لاشك في وضعه. وقال أبو صالح: إنها سبع أرضين منبسطة، ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار، وتظل جميعها السماء.{يَتَنَزَّلُ ٱلاْمْرُ بَيْنَهُنَّ }: من السموات السبع إلى الأرضين السبع. وقال مقاتل وغيره: الأمر هنا الوحي، فبينهن إشارة إلىبين هذه الأرض التي هي أدناها وبين السماء السابعة. وقال الأكثرون: الأمر: القضاء، فبينهن إشارة إلى بين الأرض السفلى التيهي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: {يَتَنَزَّلُ ٱلاْمْرُ بَيْنَهُنَّ } بحياة وموت وغنى وفقر. وقىل: هو مايدبر فيهن من عجيب تدبير. وقرأ الجمهور: {يَتَنَزَّلُ } مضارع تنزل. وقرأ عيسى وأبو عمر، وفي رواية: ينزل مضارع نزلمشدّداً، الأمر بالنصب؛ والجمهور: {لّتَعْلَمُواْ } بتاء الخطاب. وقرىء: بياء الغيبة، والله تعالى أعلم.