تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الصافات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا } * { فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً } * { فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } * { إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } * { رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ } * { إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ } * { وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ } * { لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ } * { دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } * { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } * { فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ } * { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } * { وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } * { وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ } * { وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } * { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } * { أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } * { قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ } * { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } * { وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } * { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } * { ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ } * { مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ } * { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } * { مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } * { بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } * { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } * { قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } * { قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } * { وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ } * { فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ } * { فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ } * { فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } * { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ } * { إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } * { وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } * { بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ } * { وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } * { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } * { فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ } * { فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } * { عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } * { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ } * { بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } * { لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } * { وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ } * { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } * { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } * { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } * { يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ } * { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ } * { قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } * { فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } * { قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } * { وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } * { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ } * { إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } * { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } * { لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ } * { أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ } * { إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ } * { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ } * { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ } * { فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ } * { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ } * { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } * { إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ } * { فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } * { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } * { فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ } * { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } * { وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } * { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ } * { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ } * { سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ } * { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } * { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ } * { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } * { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } * { أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } * { فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ } * { فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } * { فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } * { فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ } * { مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } * { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } * { فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } * { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } * { وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } * { قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ } * { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ }

الزجر: الدفع عن الشيء بتسليط وصياح. والزجرة: الصيحة، من قولك: زجر الراعي الإبلوالغنم، إذا صاح عليهما فرجعت لصوته، قال الشاعر:

زجر أبي عروة السباع إذا     أشفق أن يختلطن بالغنم

يريد تصويته بها. الثاقب: الشديد النفاذ. اللازب: اللازم ما جاوره واللاصق به. اللذيذ: المستطاب، يقال لذا لشيء يلذ، فهولذيذ ولذ على وزن فعل، كطلب. قال الشاعر:

تلذ بطعمه وتخال فيه     إذا نبهتها بعد المنام

وقال:

ولذ كطعم الصرخدي تركته     بأرض العدا من خشية الحدثان

يريد النوم.وقال:

بحديثك اللذي الذي لو كلمت     أسد الفلاة به أتين سراعاً

الغول: اسمعام في الأذى، تقول: غاله كذا وكذا، إذا ضره في خفاء، ومنه: الغيلة في العقل، والغيلة في الرضاع، وغاله الشيء:أهلكه وأفسده، ومنه: الغول التي في أكاذيب العرب وفي أمثالهم: الغضب غول الحلم. وقال الشاعر:

مضى أولونا ناعمين بعيشهم     جميعاً وغالتني بمكة غول

أي: عاقتني عوائق، وقال:

وما زالت الخمر تغتالنا     وتذهب بالأول فالأول

نزفت الشارب الخمر وأنزف هو: ذهب عقله من السكر، فهو نزيف ومنزف، الثلاثي متعدوالرباعي لازم، نحو: كبيت الرجل وأكب، وقشعت الريح السحاب، وقشع هواي: أي دخلا في الكب والقشع. قال الشاعر، وهو الأسود:

لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم     لبئس الندامى كنتم آل أبجرا

ونزف الشارب، بضم الزاي، ويقال: نزفالمطعون: ذهب دمه كله، مبنياً للمفعول، ونزحت الركية حتى نزفتها: لم يبق فيها ماء، ويقال: أنزف الرجل بعد شرابه، فانزفمشترك بين سكر ونفد. البيض: معروف، وهو اسم جنس، الواحد بيضة، وسمي بذلك لبياضه، ويجمع على بيوض. قال الشاعر:

بتيهاء قفر والمطي كأنها     قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها

الزقوم: شجرة مسمومة لها لبن، إن مس جسم إنسانتورم ومات منه في أغلب الأمر، تنبت في البلاد المجدبة المجاورة للصحراء. والتزقم: البلع على شدة وجهد. شاب الشيء بالشيءيشوبه شوباً: خلطه ومزجه. راغ يروغ: مال في خفية من روغة الثعلب. زف: أسرع، وأزف: دخل في الزفيف، فهمزته بهليست للتعدية، وأزفه: حمله على الزفيف. قال الأصمعي: فالهمزة فيه للتعدية. وقال الشاعر، وهو الفرزدق:

فجاء فزيع الشول قبل افالهايزف وجاءت خلفه وهي زفف    

{وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا * فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً * فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ * ذِكْراً * إِنَّ إِلَـٰهَكُمْلَوَاحِدٌ * رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ * وَحِفْظاً مّن كُلّشَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلاْعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْخَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ }. هذه السورة مكية، ومناسبة أولها لآخر يس أنه تعالى لما ذكر المعادوقدرته على إحياء الموتى، وأنه هو منشئهم، وإذا تعلقت إرادته بشيء، كان ذكر تعالى وحدانيته، إذ لا يتم ما تعلقتبه الإرادة وجوداً وعدماً إلا بكون المريد واحداً، وتقدم الكلام على ذلك في قوله:

{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لفسدتا }

. وأقسم تعالى بأشياء من مخلوقاته فقال: {تُرْجَعُونَ وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ }. قال ابن مسعود، وقتادة، ومسروق: هم الملائكة، تصف فيالسماء في العبادة والذكر صفوفاً؛ وقيل: تصف أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. وقيل: من يصف من بني آدمفي قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة. وقيل: والطير صافات. والزاجرات، قال مجاهد، والسدي: الملائكة تزجر السحاب وغيرهامن مخلوقات الله تعالى. وقال قتادة: آيات القرآن لتضمنه النواهي الشرعية؛ وقيل: كل ما زجر عن معاصي الله. والتاليات: القارئات.قال مجاهد: الملائكة يتلون ذكره. وقال قتادة: بنو آدم يتلون كلامه المنزل وتسبيحه وتكبيره. وقال مجاهد: الملائكة يتلون ذكره. قالالزمخشري: ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات، فالزاجرات بالموعظة والنصائح، فالتاليات آياتالله، والدارسات شرائعه؛ أو بنفوس قراء القرآن في سبيل الله التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلوا الذكر مع ذلكلا يشغلها عنه تلك الشواغل. انتهى. وقال ما معناه: إن الفاء العاطفة في الصافات، إما أن تدل على ترتب معانيهافي الوجود كقوله:

يا لهف زيابة للحارث الصابح، فالغانم، فالآيب    

، أي الذي صبح فغنم فآب؛ وإما على ترتبها في التفاوتمن بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل؛ وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك، كقولك: رحم الله المحلقبينفالمقصرين. فأما هنا، فإن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتيب الصافات في التفاضل، فإذا كان الموحد الملائكة، فيكون الفضل للصف،ثم الزجر، ثم التلاوة؛ وإما على العكس، وإن تليت الموصوف، فترتب في الفضل، فتكون الصافات ذوات فضل، والزاجرات أفضل، والتالياتأبهر فضلاً، أو على العكس. انتهى. ومعنى العكس في المكانين: أنك ترتقي من أفضل إلى فاضل إلى مفضول؛ أو تبدأبالأدنى، ثم بالفاضل، ثم بالأفضل. وأدغم ابن مسعود، ومسروق، والأعمش، وأبو عمرو، وحمزة: التاآت الثلاثة. والجملة المقسم عليها تضمنت وحدانيتهتعالى، أي هو واحد من جميع الجهات التي ينظر فيها المتفكرون خبر بعد خبر، على مذهب من يجيز تعداد الأخبار،أو خبر مبتدأ محذوف، وهو أمدح، أي هو رب. وذكر المشارق لأنها مطالع الأنوار، والإبصار بها أكلف، وذكرها يغنيعن ذكر المغارب، إذ ذاك مفهوم من المشارق، والمشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب. تشرق الشمس كل يوم من مشرقمنها وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. وثني في

{ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ }

، باعتبار مشرقيالصيف والشتاء ومغربيهما. وقال ابن عطية: أراد تعالى مشارق الشمس ومغاربها، وهي مائة وثمانون في السنة، فيما يزعمون، من أطولأيام السنة إلى أقصرها. ثم أخبر تعالى عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، وانتظام التزيين أن جعلها حفظاً وحذراً منالشيطان. انتهى. والزينة مصدر كالسنة، واسم لما يزان به الشيء، كالليقة اسم لما يلاق به الدواة. وقرأ الجمهور: {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ} بالإضافة، فاحتمل المصدر مضافاً للفاعل، أي بأن زانت السماء الكواكب، ومضافاً للمفعول، أي بأن زين الله الكواكب. واحتمل أنيكون ما يزان به، والكواكب بيان للزينة، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، أو مما زينت الكواكبمن إضاءتها وثبوتها. وقرأ ابن مسعود، ومسروق: بخلاف عنه؛ وأبو زرعة، وابن وثاب، وطلحة: بزينة منوناً، الكواكب بالخفض بدلاً منزينة. وقرأ ابن وثاب، ومسروق: بخلاف عنهما؛ والأعمش، وطلحة، وأبو بكر: بزينه منوناً، الكواكب نصباً، فاحتمل أن يكون بزينة مصدراً،والكواكب مفعول به، كقوله:

{ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً }

. واحتمل أن يكون الكواكب بدلاً من السماء،أي زينا كواكب السماء. وقرأ زيد بن علي بتنوين زينة، ورفع الكواكب على خبر مبتدأ، أي هو الكواكب، أو علىالفاعلية بالمصدر، أي بأن زينت الكواكب. ورفع الفاعل بالمصدر المنون، زعم الفراء أنه ليس بمسموع، وأجاز البصريون ذلك على قلة.وقال ابن عباس: {بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ }: بضوء الكواكب؛ قيل: ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة، كشكل الثريا، وبنات نعش، والجوزاء، وغيرذلك، ومطالعها ومسايرها. وخص {ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا } بالذكر، لأنها التي تشاهد بالأبصار؛ والحفظ من الشياطين، إنما هو فيها وحدها. وانتصب{وَحِفْظاً } على المصدر، أي وحفظناها حفظاً، أو على المفعول من أجله على زيادة الواو، أو على تأخير العامل، أيولحفظها زيناها بالكواكب، وحملاً على معنى ما تقدم، لأن المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً: وكل هذه الأقوال منقولة،والمارد تقدم شرحه في قوله:

{ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً }

في النساء، وهناك جاء {مَّرِيداً }، وهنا {مَّارِدٍ }، مراعاة للفواصل.{لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلاْعْلَىٰ }: كلام منقطع مبتدأ اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يستمعواأو يسمعوا، وهم مقذوفون بالشهب مبعدون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف الخطفة واسترق استراقة، فعندها تعاجله الملائكة باتباعالشهاب الثاقب. ولا يجوز أن يكون لا يسمعون صفة ولا استئنافاً جواباً لسائل سأل لم يحفظ من الشياطين، لأن الوصفكونهم لا يسمعون، أو الجواب لا معنى للحفظ من الشياطين على تقديرهما، إذ يصير المعنى مع الوصف: وحفظاً من كلشيطان مارد غير سامع أو مسمع، وكذلك لا يستقيم مع كونه جواباً. وقول من قال: إن الأصل لأن لا يسمعوا،فحذفت اللام وإن، فارتفع الفعل، قول متعسف يصان كلام الله عنه. وقرأ الجمهور: لا يسمعون: نفي سماعهم، وإن كانوا يسمعونبقوله:

{ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ }

، وعداه بإلى لتضمنه معنى الإصغاء. وقرأ ابن عباس بخلاف عنه؛ وابن وثاب، وعبد اللهبن مسلم، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص: بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون، أدغمت التاء في السين، وتقتضي نفي التسمع.وظاهر الأحاديث أنهم يتسمعون حتى الآن، لكنهم لا يسمعون؛ وإن سمع أحد منهم شيئاً لم يفلت حرساً وشهباً من وقتبعثة رسول الله ﷺ. وكان الرجم في الجاهلية أحق، فأما كانت ثمرة التسمع هو السمع، وقد انتفىالسمع بنفي التسمع في هذه القراءة لانتفاء ثمرته، وهو السمع. و{ٱلْمَلإِ ٱلاْعْلَىٰ } يعم الملائكة، والإنس والجن هم الملأ الأسفللأنهم سكان الأرض. وقال ابن عباس: هم أشراف الملائكة، وعنه كتابهم. {وَيَقْذِفُونَ }: يرمون ويرجمون، {مِن كُلّ جَانِبٍ }:أي من كل جهة يصعدون إلى السماء منها، والمرجوم بها هي التي يراها الناس تنقض، وليست بالكواكب الجارية في السماء،لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا، قاله مكي والنقاش. وقرأ محبوب عن ابن عمروويقذفون مبنياً للفاعل، ودحوراً مصدر في موضع الحال. قال مجاهد: مطرودين، أو مفعول من أجله، أي ولو يقذفون للطرد، أومصدر ليقذفون، لأنه متضمن معنى الطرد، أي ويدحرون من كل جانب دحوراً، ويقذفون من كل جانب قذفاً. فإما أن يكونالتجوز في ويقذفون، وإما في دحوراً. وقرأ عليّ، والسلمي، وابن أبي عبلة، والطبراني عن رجاله عن أبي جعفر: دحوراً، بنصبالدال، أي قذفاً دحوراً، بنصب الدال. ويجوز أن يكون مصدراً، كالقبول والولوغ، إلا أن هذه ألفاظ ذكر أنها محصورة. والواضب:الدائم، قاله السدّي وأبو صالح، وتقدّم في سورة النحل. ويقال: وصب الشيء وصوباً: دام. وقال مجاهد: الموجع، ومنه الوصب، كأنالمعنى: أنهم في الدنيا مرجومون، وفي الآخرة معذبون. ويجوز أن يكون هذا العذاب الدائم لهم في الدنيا، وهو رجمهم دائماً،وعدم بلوغهم ما يقصدون من استراق السمع. {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ }: من بدل من الضمير في لا يسمعون،ويجوز أن يكون منصوباً على الاستثناء، أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف. وقرأ الجمهور: خطف ثلاثياً بكسر الطاء.وقرأ الحسن، وقتادة: بكسر الخاء والطاء مشددة. قال أبو حاتم: ويقال هي لغة بكر بن وائل وتميم بن مرة. وقرىء:خطف بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة، ونسبها ابن خالويه إلى الحسن وقتادة وعيسى، وعن الحسن أيضاً التخفيف. وأصله في هاتينالقراءتين اختطف، ففي الأول لما سكنت للإدغام، والخاء ساكنة، كسرت لالتقاء الساكنين، فذهبت ألف الوصل وكسرت الطاء اتباعاً لحركة الخاء.وعن ابن عباس: خطف بكسر الخاء والطاء مخففة، اتبع حركة الخاء لحركة الطاء، كما قالوا نعم. وقرىء: فاتبعه، مخففاً ومشدداً.والثاقب، قال السدي وقتادة: هو النافذ بضوئه وشعاعه المنير. {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مّنطِينٍ لاَّزِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ * وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُواْ إِن هَـٰذَاإِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * مُّبِينٌ * أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ ءابَاؤُنَا ٱلاْوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْوَأَنتُمْ دٰخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ * وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ * هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ }. الاستفتاء نوع من السؤال، والهمزة، وإن خرجت إلى معنى التقرير، فهي في الأصل لمعنىالاستفهام، أي فاستخبرهم، والضمير لمشركي مكة. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وكني بذلك لشدة بطشه وقوته. وعادل فيهذا الاستفهام التقريري في الأشدية بينهم وبين من خلق من غيرهم من الأمم والجن والملائكة والأفلاك والأرضين. وفي مصحف عبدالله: أم من عددنا، وهو تفسير لمن خلقنا، أي من عددنا من الصافات وما بعدها من المخلوقين. وغلب العاقل علىغيره في قوله: {مَّنْ خَلَقْنَا }، واقتصر على الفاعل في {خَلَقْنَا }، ولم يذكر متعلق الخلق اكتفاء ببيان ما تقدمه،وكأنه قال: أم من خلقنا من غرائب المصنوعات وعجائبها. وقرأ الأعمش: أمن بتخفيف الميم دون أم، جعله استفهاماً ثانياً تقريراًأيضاً، فهما جملتان مستقلتان في التقرير، ومن مبتدأ، والخبر محذوف تقديره أشد. فعلى أم من هو تقرير واحد ونظيره:

{ أَأنتم أشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء }

. قال الزمخشري: وأشد خلقاً يحتمل أقوى خلقاً، من قولهم: شديد الخلق، وفي خلقه شدة، وأصعب خلقاً.وأشد خلقاً وأشقه يحتمل أقوى خلقاً من قولهم: شديد الخلق، وفي خلقه شدة، على معنى الرد، لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى.وإن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة، ولم يصعب عليه اختراعها، كان خلق الشر عليه أهون. وخلقهم من طينلازب، إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة، لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة؛ أو احتجاج عليهم بأن الطيناللازب الذي خلقوا منه تراب. فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله؟ قالوا: {أَءذَا كُنَّا تُرَابًا }، وهذا المعنىيعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. انتهى. والذي يظهر الاحتمال الأول. وقيل: {أَم مَّنْ خَلَقْنَا } من الأمم الماضية،كقوله:

{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً }

، وقوله:

{ وَكَانُواْ أَشَدَّ * مِنكُمْ قُوَّةً }

، وأضاف: الخلقمن الطين إليهم، والمخلوق منه هو أبوهم آدم، إذ كانوا نسله. وقال الطبري: خلق ابن آدم من تراب وماء وناروهواء، وهذا كله إذا خلط صار طيناً لازباً يلزم ما جاوره. وعن ابن عباس: اللازب بالجر، أي الكريم الجيد.وقرأ الجمهور: {بَلْ عَجِبْتَ }، بتاء الخطاب، أي من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك،ومما تريهم من آثار قدرة الله، أو عجبت من إنكارهم البعث، وهم يسخرون من أمر البعث. أو عجبت من إعراضهمعن الحق وعماهم عن الهدى، وأن يكونوا كافرين مع ما جئتم به من عند الله. وقرأ حمزة، والكسائي، وابن سعدان،وابن مقسم: بياء المتكلم. ورويت عن عليّ، وعبد الله، وابن عباس، والنخعي، وابن وثاب، وطلحة، وشقيق، والأعمش. وأنكر شريح القاضيهذه القراءة. وقال: الله لا يعجب، فقال إبراهيم: كان شريح معجباً بعلمه، وعبد الله أعلم منه، يعني عبد الله ابنمسعود. والظاهر أن ضمير المتكلم هو لله تعالى، والعجب لا يجوز على الله تعالى، لأنه روعة تعتري المتعجب من الشيء.وقد جاء في الحديث إسناد العجب إلى الله تعالى، وتؤول على أنه صفة فعل يظهرها الله تعالى في صفة المتعجبمنه من تعظيم أو تحقير حتى يصير الناس متعجبين منه. فالمعنى: بل عجبت من ضلالتهم وسوء عملهم، وجعلتها للناظرين فيهاوفيما اقترن فيها من شرعي وهداي متعجباً. وقال الزمخشري: أي بلغ من عظيم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها، فكيفبعبادي وهؤلاء، لجهلهم وعنادهم، يسخرون من آياتي؟ أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله، وهم يسخرون بمن يصفالله بالقدرة عليه، قال: ويجرد العجب لمعنى الاستعظام، أو يخيل العجب ويفرض. وقيل: هو ضمير الرسول، أي قل بل عجبت.قال مكي، وعليّ بن سليمان: وهم يسخرون من نبوتك والحق الذي عندك. {وَإِذَا ذُكّرُواْ } ووعظوا، {لاَ يَذْكُرُونَ }،ولا يتعظون. وذكر جناح بن حبيش: ذكروا، بتخفيف الكاف. روي أن ركانة رجلاً من المشركين من أهل مكة، لقيه الرسولفي جبل خال يرعى غنماً له، وكان من أقوى الناس، فقال له: «يا ركانة، أرأيت إن صرعتك أتؤمن من بي»؟قال: نعم، فصرعه ثلاثاً، ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها، فلم يؤمن، وجاء إلى مكة فقال: يا بنيهاشم، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فنزلت فيه وفي نظرائه: {وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً يَسْتَسْخِرُونَ }. قال مجاهد، وقتادة: يسخرون، يكون استفعلبمعنى المجرد. وقيل: فيه معنى الطلب، أي يطلبون أن يكونوا ممن يسخرون. وقال الزمخشري: يبالغون في السخرية، أو يستدعي بعضهممن بعض أن يسخر منها. وقرىء: يستسحرون، بالحاء المهملة، وهو عبارة عن ما قال ركانة لأسحر الرسول. والإشارة بهذا إلىما ظهر على يديه، عليه السلام، من الخارق المعجز. وتقدم الخلاف في كسر ميم {مِتْنَا } وضمها. ومن قرأ:{*أئذا} بالاستفهام، فجواب إذا محذوف، أي نبعث، ويدل عليه إنا لمبعوثون، أو يعرى عن الشرط ويكون ظرفاً محضاً، ويقدر العامل:أنبعث إذا متنا؟ وقرأ الجمهور: {لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءابَاؤُنَا } بفتح الواو في أو. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وابن عامر، ونافعفي رواية قالون: بالسكون، فهي حرف عطف، ومن فتح قالوا وحرف عطف دخلت عليه همزة الاستفهام. قال الزمخشري: {أَوَ ءابَاؤُنَا} معطوف على محل إن واسمها، أو على الضمير في مبعوثون. والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام، والمعنى: أيبعثأيضاً آباؤنا؟ على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. انتهى. أما قوله معطوف على محل إن واسمها فمذهبسيبويه خلافه، لأن قولك: إن زيداً قائم وعمرو، فيه مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف. وأما قوله: أو على الضمير في{مَّبْعُوثُونَ } إلى آخره، فلا يجوز عطفه على الضمير، لأن همزة الاستفهام لا تدخل إلا على الجمل، لا على المفرد،لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملاً في المفرد بوساطة حرف العطف، وهمزة الاستفهام لا يعمل فيما بعدها ماقبلها. فقوله: {أَوَ ءابَاؤُنَا } مبتدأ، خبره محذوف تقديرهه مبعوثون، ويدل عليه ما قبله. فإذا قلت: أقام زيد أو عمرو،فعمرو مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا، واستفهامهم تضمن إنكاراً واستبعاداً، فأمر الله نبيه أن يجيبهم بنعم. {وَأَنتُمْ دٰخِرُونَ }:أي صاغرون، وهي جملة حالية، العامل فيها محذوف تقديره نعم تبعثون، وزادهم في الجواب أن بعثهم وهم ملتبسون بالصغار والذل.وقرأ ابن وثاب: نعم بكسر العين، وتقدم الخلاف فيها في سورة الأعراف، وهي كناية عن البعثة، فإنما بعثتهم {زَجْرَةٌ }:أي صيحة، وهي النفخة الثانية. لما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازاً. وقال الزمخشري: هي مبهمة يوضحها خبرها.انتهى. وكثيراً ما يقول هو وابن مالك أن الضمير يفسره الخبر، وجعل من ذلك ابن مالك

{ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا }

، وتكلمنا معه في ذلك في شرح التسهيل. وقال الزمخشري: فإنما جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا كان ذلك، فماهي إلا زجرة واحدة. انتهى. وكثيراً ما تضمن جملة الشرط قبل فاء إذا ساغ، تقديره: ولا ضرورة تدعو إلى ذلك،ولا يحذف الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب الأمر والنهي، وما ذكر معهماعلى قول بعضهم، أما ابتداء فلا يجوز حذفه. و{يُنظَرُونَ }: من النظر، أي فإذا هم بصراء ينظرون، أو منالانتظار، أي فإذا هم ينتظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به. والظاهر أن قوله: {*يا ويلنا} من كلام بعض الكفارلبعض، إلى آخر الجملتين، أقروا بأنه يوم الجزاء، وأنه يوم الفصل، وخاطب بعضهم بعضاً. ووقف أبو حاتم على قوله: {*ياويلنا}، وجعل {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ } إلى آخره من قول الله لهم أو الملائكة. وقيل: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدّينِ} من كلام الكفرة، و{هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } ليس من كلامهم، وإنما المعنى يقال لهم هذا يوم الفصل. ويوم الدين:يوم الجزاء والمعاوضة، ويوم الفصل: يوم الفرق بين فرق الهدى وفرق الضلال. وفي {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } توبيخ لهموتقريع. {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْمَّسْئُولُونَ * مَالَكُمْ * لاَ تَنَـٰصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ * يَتَسَاءلُونَ * قَالُواْإِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ بَلْ كُنتُمْقَوْماً طَـٰغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ* إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَءنَّا لَتَارِكُوءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ * بَلْ جَاء بِٱلْحَقّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْتَعْمَلُونَ }. {ٱحْشُرُواْ }: خطاب من الله للملائكة، أو خطاب الملائكة بعضهم لبعض، أي اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، قالهابن عباس، ورجحه الرماني. وأنواعهم وضرباؤهم، قاله عمرو ابن عباس أيضاً، أو أشباههم من العصاة، وأهل الزنا مع أهل الزنا،وأهل السرقة، أو قرناؤهم الشياطين. وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي: {وَأَزْوٰجُهُمْ }، مرفوعاً عطفاً على ضمير ظلموا، أي وظلم أزواجهم.{فَٱهْدُوهُمْ }: أي عرفوهم وقودوهم إلى طريق النار حتى يصطلوها، والجحيم طبقة من طبقات جهنم. {وَقِفُوهُمْ }، كما قال:

{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ }

، وهو توبيخ لهم، {أَنَّهُمْ }. وقرأ عيسى: أنهم، بفتح الهمزة. قال عبد الله: يسألونعن شرب الماء البارد على طريق الهزء بهم، وعنه أيضاً: يسألون عن لا إله إلا الله. وقال الجمهور: وعن أعمالهم،ويوقفون على قبحها. وفي الحديث: لا تزول قد ما عبد حتى يسأل عن خمس شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله كيف اكتسبه وفيما أنفقه، وعن ما عمل فيما علم . وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون المعنى علىنحو ما فسره بقوله: {مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ }، أي إنهم مسئولون عن امتناعهم عن التناصر، وهذا على سبيلالتوبيخ في الامتناع. وقال الزمخشري: هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا على خلاف ذلك في الدنيامتعاضدين متناصرين. وقال الثعلبي: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ }، جواب أبي جهل حين قال في بدر:

{ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }

.وقرىء: لا تناصرون، بتاء واحدة وبتاءين، وبإدغام إحداهما في الأخرى. {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ }: أي قد أسلم بعضهمبعضاً، وخذله عن عجز، وكل واحد منهم مستسلم غير منتصر. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }، قال قتادة: هم جنوإنس، وتساؤلهم على معنى التقريع والندم والسخط. قالوا: أي قالت الإنس للجن. قال مجاهد، وابن زيد: أو ضعفة الإنس الكفرةلكبرائهم وقادتهم. و{ٱلْيَمِينِ }: الجارحة، وليست مرادة هنا. فقيل: استعيرت لجهة الخير، أو للقوة والشدة، أو لجهة الشهوات، أو لجهةالتمويه والإغواء وإظهار أنها رشد، أو الحلف. ولكل من هذه الاستعارات وجه. فأما استعارتها لجهة الخير، فلان الجارحة أشرفالعضوين وأيمنها، وكانوا يتمنون بها حتى في السانح، ويصافحون ويماسخون ويناولون ويزاولون بها أكثر الأمور، ويباشرون بها أفاضل الأشياء، وجعلتلكاتب الحسنات، ولأخذ المؤمن كتابه بها، والشمال بخلاف ذلك. وأما استعارتها للقوة والشدة، فإنها يقع بها البطش، فالمعنى: أنكم تعروننابقوتكم وتحملوننا على طريق الضلال. وأما استعارتها لجهة الشهوات، فلأن جهة اليمين هي الجهة الثقيلة من الإنسان وفيها كبده، وجهةشماله فيها قلبه ومكره، وهي أخف، والمنهزم يرجع على شقه الأيسر، إذ هو أخف شقيه. وأما استعارتها لجهة التمويه والإغواء،فكأنهم شبهوا أقوال المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة، كأن التمويه في إغوائهم أظهر ما يحمدونه. وأما الحلف، فإنهم يحلفونلهم ويأتونهم إتيان المقسمين على حسن ما يتبعونهم فيه. {قَالُواْ }، أي المخاطبون، إما الجن وإما قادة الكفر: {بَلْلَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }: أي لم نقركم على الكفر، بل أنتم من ذواتكم أبيتم الإيمان. وقال الزمخشري: وأعرضتم مع تمكنكمواختباركم، بل كنتم قوماً على الكفر غير ملجئين، وما كان لنا عليكم من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختباركم، بل كنتمقوماً مختارين الطغيان. انتهى. ولفظة التمكن والاختيار ألفاظ المعتزلة جرياً على مذهبهم. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا }: أي لزمنا قولربنا، أي وعيده لنا بالعذاب. والظاهر أن قوله: {إِنَّا لَذَائِقُونَ }، إخبار منهم أنهم ذائقون العذاب جميعهم، الرؤساء، والأتباع. وقالالزمخشري: فلزمنا قول ربنا: {إِنَّا لَذَائِقُونَ }، يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة.ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم، لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم، ونحوهقول القائل:

لقد زعمت هوازن قل مالي    

ولو حكى قولها لقال: قل مالك، ومنه قول المحلف للحالف: لأخرجن، ولنخرجن الهمزةلحكاية لفظ الحالف، والتاء لإقبال المحلف على الحلف. انتهى. {فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ }: دعوناكم إلى الغي، فكانت فيكم قابلية له فغويتم. {إِنَّاكُنَّا غَـٰوِينَ }: فأردنا أن تشاركونا في الغي. {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ }: أي يوم إذ تساؤلوا وتراجعوا فيالقول، وهذا إخبار منه تعالى، كما اشتركوا في الغي، اشتركوا فيما ترتب عليه من العذاب. {إِنَّا كَذَلِكَ }: أي مثلهذا الفعل بهؤلاء نفعل بكل مجرم، فيترتب على إجرامه عذابه. ثم أخبر عنهم بأكبر إجرامهم، وهو الشرك بالله، واستكبارهم عنتوحيده، وإفراده بالآلهية. ثم ذكر عنهم ما قدحوا به في الرسول، وهو نسبته إلى الشعر والجنون، وأنهم ليسوا بتاركي آلهتهمله ولما جاء به، فجمعوا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة. وقولهم: {لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ }: تخليط في كلامهم، وارتباك في غيهم.فإن الشاعر هو عنده من الفهم والحذق وجودة الإدراك ما ينظم به المعاني الغريبة ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومنكان مجنوناً لا يصل إلى شيء من ذلك. ثم أضرب تعالى عن كلامهم، وأخبر بأن جاء الحق، وهو إثباتالذي لا يلحقه إضمحلال، فليس ما جاء به شعراً، بل هو الحق الذي لا شك فيه. ثم أخبر أنه صدقمن تقدمه من المرسلين، إذ هو وهم على طريقة واحدة في دعوى الأمم إلى التوحيد وترك عبادة غيره. وقرأ عبدالله: وصدق بتخفيف الدال، المرسلون بالواو رفعاً، أي وصدق المرسلون في التبشير به وفي أنه يأتي آخرهم. وقرأ الجمهور: {لَذَائِقُونَ* ٱلْعَذَابَ }، بحذف النون للإضافة؛ وأبو السمال، وأبان، عن ثعلبة، عن عاصم: بحذفها لالتقاء لام التعريف ونصب العذاب. كماخذف بعضهم التنوين لذلك في قراءة من قرأ أحد الله، ونقل ابن عطية عن أبي السمال أنه قرأ: لذائق منوناً،العذاب بالنصب، ويخرج على أن التقدير جمع، وإلأ لم يتطابق المفرد وضمير الجمع في {إِنَّكُمْ }، وقول الشاعر:

فألفيته غير مستعتب     ولا ذاكر الله إلا قليلاً

وقرىء: لذائقون بالنون، العذاب بالنصب، وما ترون إلاجزاء مثل عملكم، إذ هو ثمرة عملكم. {إلاّ عباد الله المخلصين، أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون، في جناتالنعيم، على سرر متقابلين، يطاف عليهم بكأس من معين، بيضاء لذة للشاربين، لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وعندهمقاصرات الطرف عين، كأنهم بيض مكنون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قال قائل منهم إني كان لي قرين، يقول أإنكلمن المصدقين، أإذا متنا وكنا تراباً وعظام أإنا لمدينون، قال هل أنتم مطّلعون، فاطلع فرآه في سواء الجحيم، قال تاللهإن كدت لتردين، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين، أفما نحن بميتين، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين، إن هذالهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليعمل العاملون. {إلا عباد الله}: استثناء منقطع. لما ذكر شيئاً من أحوال الكفار وعذابهمذكر شيئاً من أحوال المؤمنين ونعيمهم. و{ٱلْمُخْلَصِينَ }: صفة مدح، لأن كونهم عباد الله، يلزم منه أن يكونوا مخلصين. ووصف{رّزْقِ } بمعلوم، أي عندهم. فقد قرت عيونهم بما يستدر عليهم من الرزق، وبأن شهواتهم تأتيهم بحسبها. وقال الزمخشري: معلومبخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر. وقيل: معلوم الوقت كقوله:

{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً }

.وعن قتادة: الرزق المعلوم: الجنة. وقوله: {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } يأباه. انتهى. {فَوٰكِهُ } بدل من {رّزْقِ }، وهي مايتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة، يعني أن رزقهم كله فواكه لاستغنائهم عن حفظ الصحة بالأقوات لأنهم أجسام محكمة مخلوقةللأبد، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ. وقرأ ابن مقسم: مكرمون، بفتح الكاف مشدد الراء. ذكر أولاً الرزق،وهو ما يتلذذ به الأجسام. وثانياً الإكرام، وهو ما يتلذذ به النفوس، ورزق بإهانة تنكيد. ثم ذكر المحل الذي همفيه، وهو جنات النعيم. ثم أشرف المحل، وهو السرر. ثم لذة التآنس بأن بعضهم يقابل بعضاً، وهو أتم السرور آنسة.ثم المشروب، وأنهم لا يتناولون ذلك بأنفسهم، بل يطاف عليهم بالكؤوس. ثم وصف ما يطاف عليهم به من الطيب وانتفاءالمفاسد. ثم ذكر تمام اللذة الجسمانية، وختم بها كما بدأ باللذة الجسمانية من الرزق، وهي أبلغ الملاذ، وهي التآنس بالنساء.وقرأ الجمهور: {عَلَىٰ سُرُرٍ }، بضم الراء؛ وأبو السمال: بفتحها، وهي لغة بعض تميم؛ وكلب يفتحون ما كان جمعاًعلى فعل من المضعف إذا كان اسماً. واختلف النحويون في الصفة، فمنهم من قاسها على الاسم ففتح، فيقول ذلك بفتحاللام على تلك اللغة الثانية في الاسم. ومنهم من خص ذلك بالاسم، وهو مورد السماع في تلك اللغة. وقيل: التقابللا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وفي الحديث: أنه في أحيان ترفع عنهم ستور فينظر بعضهم إلى بعض ولا محالة أن أكثر أحيانهم فيها قصورهم . و{يُطَافُ }: مبني للمفعول وحذف الفاعل، وهو المثبت في آية أخرى في قوله:

{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ }

{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ }

، ولعلهم من مات من أولاد المشركين قبل التكليف. ففي صحيح البخاري أنهمخدم أهل الجنة. والكاس: ما كان من الزجاجة فيه خمر أو نحوه من الأنبذة، ولا يسمى كأساً إلا وفيه ذلك.وقد سمى الخمر نفسها كأساً، تسمية للشيء باسم محله، قال الشاعر:

وكأس شربت على لذة     وأخرى تداويت منها بها

وقال ابن عباس، والضحاك، والأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. وقيل: الكأس هيئة مخصوصةفي الأواني، وهو كل ما اتسع فمه ولم يكن له مقبض، ولا يراعى كونه لخمر أولاً. {مّن مَّعِينٍ }: أيمن شراب معين، أو من ثمد معين، وهو الجاري على وجه الأرض كما يجري الماء. و{بَيْضَاء }: صفة للكأس أوللخمر. وقال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن. وفي قراءة عبد الله: صفراء، كما قال بعض المولدين:

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها     لو مسها حجر مسته سراء

و{لَذَّةٍ }: صفة بالمصدر على سبيل المبالغة، أوعلى حذف، أي ذات لذة، أو على تأنيث لذ بمعنى لذيذ. {لاَ فِيهَا غَوْلٌ }، قال ابن عباس، وقتادة: هوصداع في الرأس. وقال ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وابن زيد: وجع في البطن. انتهى. والاسم يشمل أنواع الفساد الناشئة عنشرب الخمر، فينتفي جميعها من مغص، وصداع، وخمار، وعربدة، ولغو، وتأثيم، ونحو ذلك. ولما كان السكر أعظم مفاسدها، أفرده بالذكرفقال؛ {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ }. وقرأ الحرميان، والعربيان: بضم الياء وفتح الزاي هنا، وفي الواقعة: وبذهاب العقل، فسره ابنعباس، ومجاهد، وقتادة، وحمزة، والكسائي: بكسرها فيهما؛ وعاصم: بفتحها هنا وكسرها في الواقعة؛ وابن أبي إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي؛وطلحة: بفتح الياء وضم الزاي. قال ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد: {قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ }: قصرن الطرف على أزواجهن، لا يمتدطرفهن إلى أجنبي بقوله تعالى:

{ عُرُباً }

، وقال الشاعر:

من القاصرات الطرف لو( دب محول من الذر فوق الخد منها لأثرا    

والعين: جمع عيناء، وهي الواسعة العين في جمال. {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ }: شبههن، قال الجمهور: ببيضالنعام المكنون في عشه، وهو الأدحية ولونها بياض به صفرة حسنة، وبها تشبه النساء فقال:

مضيئات الخدود    

ومنه قول امرىءالقيس:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها     تمتعت من لهو بها غير معجل كبكر مغاناة البياض بصفرةغذاها نمير الماء غير المحلل

وقال السدي، وابن جبير: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة الداخل، وهو غرقىء البيضة، وهو المكنونفي كن، ورجحه الطبري وقال: وأما خارج قشر البيضة فليس بمكنون. وعن ابن عباس، البيض المكنون: الجوهر المصون، واللفظ ينبوعن هذا القول. وقالت فرقة: هو تشبيه عام جملة المرأة بجملة البيضة، أراد بذلك تناسب أجزاء المرأة، وأن كل جزءمنها نسبته في الجودة إلى نوعه نسبة الآخر من أجزائها إلى نوعه؛ فنسبة شعرها إلى عينها مستوية، إذ هما غايةفي نوعها، والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء، لأنها من حيث حسنها في النظر واحد، كما قال بعض الأدباء يتغزل:

تناسبت الأغضاء فيه فلا ترى     بهن اختلافاً بل أتين على قدر

وتساؤلهم في الجنة سؤال راحة وتنعم، يتذاكرون نعيمهموحال الدنيا والإيمان وثمرته. و{فَأَقْبَلَ }: معطوف على {يُطَافُ عَلَيْهِمْ }، والمعنى: يشربون فيتحدثون على الشراب، كعادة الشراب في الدنيا.قال الشاعر:

وما بقيت من اللذات إلا     أحاديث الكرام على المدام

وجيء به ماضياً لصدقالإخبار به، فكأنه قد وقع. ثم حكى تعالى عن بعضهم ما حكى، يتذكر بذلك نعمه تعالى عليه، حيث هداه إلىالإيمان واعتقاد وقوع البعث والثواب والعقاب، وهو مثال للتحفظ من قرناء السوء والبعد منهم. قال ابن عباس وغيره: كان هذاالقائل وقرينه من البشر. وقالت فرقة: هما اللذان في قوله:

{ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً }

. وقال مجاهد: كان إنسياًوجنياً من الشياطين الكفرة. وقرأ الجمهور: {مِنْ * ٱلْمُصَدّقِينَ }، بتخفيف الصاد، من التصديق؛ وفرقة: بشدها، من التصدق. قال قرةبن ثعلبة النهراني: كانا شريكين بثمانية آلاف درهم، يعبد الله أحدهما، ويقصر في التجارة والنظر؛ والآخر كان مقبلاً على ماله،فانفصل من شريكه لتقصيره، فكلما اشترى داراً أو جارية أو بستاناً ونحوه، عرضه على المؤمن وفخر عليه، فيتصدق المؤمن بنحومن ذلك ليشتري به في الجنة، فكان من أمرهما في الآخرة ما قصد الله. وقال الزمخشري: نزلت في رجل تصدقبماله لوجه الله، فاحتاج، فاستجدى بعض إخوانه، فقال: وأين مالك؟ فقال: تصدقت به ليعوضني الله في الآخرة خيراً منه، فقال:{أَءنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدّقِينَ } بيوم الدين، أو من المتصدقين لطلب الثواب؟ والله لا أعطيك شيئاً. {أَءنَّا لَمَدِينُونَ }، قالابن عباس، وقتادة والسدي: لمجازون محاسبون؛ وقيل: لمسوسون مديونون. يقال: دانه: ساسه، ومنه الحديث: العاقل من دان نفسه . والظاهر أنالضمير في {قَالَ هَلْ أَنتُمْ } عائد على قائل في قوله: {قَالَ قَائِلٌ }. قيل: وفي الكلام حذف تقديره: فقاللهذا القائل حاضروه من الملائكة: إن قرينك هذا في جهنم يعذب، فقال عند ذلك: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ }. والخطاب في{هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } يجوز أن يكون للملائكة، وأن يكون لرفقائه في الجنة الذين كان هو وإياهم يتساؤلون، أو لخدمته،وهذا هو الظاهر. لما كان قرينه ينكر البعث، علم أنه في النار فقال: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } إلى النار لأريكمذلك القرين؟ وعلى هذا القول لا يحتاج الكلام إلى حذف، ولا لقول الملائكة: إن قرينك في جهنم يعذب. قيل: إنفي الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. وقيل: القائل {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } الله تعالى. وقيل: بعض الملائكةيقول لأهل الجنة: بل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. وقرأ الجمهور: {مُّطَّلِعُونَ }، بتشديد الطاءالمفتوحة وفتح النون، واطلع بشد الطاء فعلاً ماضياً. وقرأ أبو عمرو في رواية حسين الجعفي: مطلعون، بإسكان الطاء وفتح النون،فأطلع بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر اللام فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، وهي قراءة ابن عباس وابن محيصن وعمار بن أبيعمار وأبي سراج. وقرىء: فأطلع، مشدداً مضارعاً منصوباً على جواب الاستفهام. وقرىء: مطلعون، بالخفيف، فاطلع مخففاً فعلاً ماضياً، وفاطلع مخففاًمضارعاً منصوباً. وقرأ أبو البر هيثم، وعمار بن أبي عمار فيما ذكره خلف عن عمار: مطلعون، بتخفيف الطاء وكسر النون،فاطلع ماضياً مبنياً للمفعول؛ ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره. لجمعها بين نون الجمع وياء المتكلم. والوجه مطلعي، كما قال،أو مخرجي هم، ووجهها أبو الفتح على تنزيل اسم الفاعل منزلة المضارع، وأنشد الطبري على هذا قول الشاعر:

وما أدري وظني كل ظن     أمسلمني إلى قومي شراحي

قال الفراء: يريد شراحيل. وقال الزمخشري: يريدمطلعون إياي، فوضع المتصل موضع المنفصل كقوله:

هم الفاعلون الخير والآمرونه    

أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما،كأنه قال: تطلعون، وهو ضعيف لا يقع إلا في الشعر. انتهى. والتخريج الثاني تخريخ أبي الفتح، وتخريجه الأول لا يجوز،لأنه ليس من مواضع الضمير المنفصل، فيكون المتصل وضع موضعه، لا يجوز هند زيد ضارب إياها، ولا زيد ضارب إياي،وكلام الزمخشري يدل على جوازه، فالأولى تخريج أبي الفتح، وقد جاء منه:

أمسلمني إلى قومي شراحي    

وقول الآخر:

فهل فتى من سراة القوم يحملني     وليس حاملني إلا ابن حمال

وقال الآخر:

وليس بمعييني    

فهذه أبيات ثبتالتنوين فيها مع ياء المتكلم، فكذلك ثبتت نون الجمع معها إجراء للنون مجرى التنوين، لاجتماعهما في السقوط للإضافة. ويقال: طلععلينا فلان واطلع بمعنى واحد. ومن قرأ: فاطلع مبنياً للمفعول، فضميره القائل الذي هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وهومتعد بالهمزة، إذ يقول: طلع زيد وأطلعه غيره. وقال صاحب اللوامح: طلع واطلع، إذا بدا وظهر؛ واطلع اطلاعاً، إذا أقبلوجاء مبنياً، ومعنى ذلك: هل أنتم مقبلون؟ فأقبل. وإن أقيم المصدر فيه مقام الفاعل بتقديره فاطلع الاطلاع، أو حرف الجرالمحذوف، أي فاطلع به، لأنه اطلع لازم، كما أن أقبل كذلك. انتهى. وقد ذكرنا أن أطلع عدى بالهمزة من طلعاللازم، وأما قوله: أو حرف الجر المحذوف، أي فاطلع، به فهذا لا يجوز، لأن مفعول ما لم يسم فاعله لايجوز حذفه، لأنه نائب عن الفاعل. فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه دون عامله، فكذلك هذا. لو قلت: زيد ممدودأو مغضوب، تريد به أو عليه، لم يجز. و{سَوَاء ٱلْجَحِيمِ }: وسطها، تقول: تعبت حتى انقطع سوائي. قال ابن عباس:سمي سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب، يعني سواء الجحيم. وقال خليل العصري: رآه: تبدلت حاله، فلولا ما عرفهالله به لم يعرفه، قال له عند ذلك: {تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ }: أي لتهلكني بإغوائك. وإن مخففة من الثقيلة،يلقي بها القسم؛ وتالله قسم فيه التعجب من سلامته منه إذا كان قرينه قارب أن يرديه. {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّى }:وهي توفيقه للإيمان والبعد من قرين السوء، {لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } للعذاب، كما أحضرته أنت. {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ }، قرأزيد بن عليّ: بمائتين، والظاهر أنه من كلام القائل: يسمع قرينه على جهة التوبيخ له، أي لسنا أهل الجنة بميتين،لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا، بخلاف أهل النار، فإنهم في كل ساعة يتمنون فيها الموت. {وَمَا نَحْنُبِمُعَذَّبِينَ }، كحال أهل النار، بل نحن منعمون دائماً. ويكون في خطابه ذلك منكلاً له، مقرعاً محزناً له أنعم اللهبه عليه من دخول الجنة، معلماً له بتباين حاله في الآخرة بحاله. كما كانتا تتباينان في الدنيا من أنه ليسبعد الموت جزاء ظهر له خلافه، يعذب بكفره بالله وإنكار البعث. ويجوز أن يكون خطاباً من القائل لرفقائه، لما رأىما نزل بقرينه، وقفهم على نعمه تعالى في ديمومة خلودهم في الجنة ونعيمهم فيها. ويتصل قوله: {إِنَّ هَذَا } إلىقوله: {ٱلْعَـٰمِلُونَ } بهذا التأويل أيضاً، لا واضحاً خطاباً لرفقائه. ويجوز أن يكون تم كلامه عند قوله: {لَتُرْدِينِ }، ويكون{أَفَمَا نَحْنُ } إلى {بِمُعَذَّبِينَ } من كلامه وكلام رفقائه، وكذلك {إِنَّ هَذَا } إلى {ٱلْعَـٰمِلُونَ }: أي إن هذاالأمر الذي نحن فيه من النعيم والنجاة من النار. وقيل: هو من قول الله تعالى، تقريراً لقولهم وتصديقاً له وخطاباًلرسول الله وأمّته، ويقوي هذا قوله: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ }، والآخرة ليست بدار عمل، ولا يناسب ذلك قول المؤمنفي الآخرة إلا على تجوز، كأنه يقول: لمثل هذا ينبغي أن يعمل العاملون. وقال الزمخشري: الذي عطف عليه الفاء محذوفمعناه: أنحن مخلدون؟ أي منعمون، فما نحن بميتين ولا معذبين. انتهى. وتقدم من مذهبه أنه إذا تقدمت همزة الاستفهام، وجاءبعدها حرف العطف بضمير ما، يصح به إقرار الهمزة والحرف في محلهما اللذين وقعا فيهما، ومذهب الجماعة أن حرف العطفهو المقدم في التقدير، والهمزة بعده، ولكنه لما كانت الهمزة لها صدر الكلام قدمت، فالتقدير عند الجماعة. فأما وقد رجعالزمخشري إلى مذهب الجماعة، وتقدم الكلام معه في ذلك. {أَذٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًلّلظَّـٰلِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ * رُءوسُ * ٱلشَّيـٰطِينِ * فَإِنَّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَمِنْهَا ٱلْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْضَالّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ ءاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلاْوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ * فَٱنْظُرْ كَيْفَكَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ * وَقَدْ * نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِٱلْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلاْخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَنَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلاْخَرِينَ }. لما انقضت قصة المؤمن وقرينه، وكان ذلكعلى سبيل الاستطراد من شيء إلى شيء، عاد إلى ذكر الجنة والرزق الذي أعده الله فيها لأهلها فقال: أذلك الرزق{خَيْرٌ نُّزُلاً }؟ والنزل ما يعد للأضياف، وعادل بين ذلك الرزق وبين {شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ }. فلاستواء الرزق المعلوم يحصل بهاللذة والسرور، وشجرة الزقوم يحصل بها الألم والغم، فلا اشتراك بينهما في الخيرية. والمراد تقرير قريش والكفار وتوقيفهم على شيئين،أحدهما فاسد. ولو كان الكلام استفهاماً حقيقة لم يجز، إذ لا يتوهم أحد أن في شجرة الزقوم خيراً حتى يعادلبينهما وبين رزق الجنة. ولكن المؤمن، لما اختار ما أدّى إلى رزق الجنة، والكافر اختار ما أدّى إلى شجرة الزقوم،قيل ذلك توبيخاً للكافرين وتوقيفاً على سوء اختيارهم. {إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لّلظَّـٰلِمِينَ }، قال قتادة، ومجاهد، والسدي: أبو جهل ونظراؤه،لما نزلت قال للكفار، يخبر محمد عن النار أنها تنبت الأشجار، وهي تأكلها وتذهبها، ففتنوا بذلك أنفسهم وجملة أتباعهم. وقالأبو جهل: إنما الزقوم: التمر بالزبد، ونحن نتزقمه. وقيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. واستعير الطلع، وهيالنخلة، لما تحمل هذه الشجرة، وشبه طلعها بثمر شجرة معروفة يقال لثمرها رؤوس الشياطين، وهي بناحية اليمن يقال لها الاستن،وذكرها النابغة في قوله:

تحيد من استن سود أسافله     مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما

وهو شجر خشن مر منكر الصورة، سمت ثمره العرب بذلك تشبها برؤوس الشياطين، ثم صار أصلاً يشبه به. وقيل: هوشجرة يقال لها الصوم، ذكرها ساعدة بن حوبة الهذلي في قوله:

موكل بشدوف الصوم يرقبها     من المناظر مخطوف الحشازرم

وقيل: الشياطين صنف من الحيات ذوات أعراف، ومنه:

عنجرو تحلف حين أحلف     كمثل شيطان الحماط أعرف

وقيل: شبه بما اشتهر في النفوس من كراهة رؤوسالشياطين وقبحها، وإن كانت غير مرئية، ولذلك يصورون الشيطان في أقبح الصور. وإذا رأوا أشعث منتفش الشعر قالوا: كأنه وجهشيطان، وكأن رأسه رأس شيطان، وهذه بخلاف الملك، يشبهون به الصورة الحسنة. وكما شبه امرؤ القيس المسنونة الزرق بأنياب الغولفي قوله:

ومسنونة زرق كأنياب أغوال    

وإن كان لم يشاهد تلك الأنياب، وهذا كله تشبيه تخييلي. والضمير في منها يعودعلى الشجرة، أي من طلعها. وقرأ الجمهور: {لَشَوْباً } بفتح الشين؛ وشيبان النحوي: بضمها. وقال الزجاج: الفتح للمصدر والضم للاسم،يعني أنه فعل بمعنى مفعول، أي مشوب، كالنقص بمعنى المنقوص. وفسر بالخلط والحميم الماء السخن جداً، وقيل: يراد به هناشرابهم الذي هو طينة الخبال صديدهم وما ساح منهم. ولما ذكر أنهم يملؤون بطونهم من شجرة الزقوم للجوع الذي يلحقهم،أو لإكراههم على الأكل وملء البطون زيادة في عذابهم، ذكر ما يسقون لغلبة العطش، وهو ما يمزج لهم من الحميم.ولما كان الأكل يعتقبه ملء البطن، كان العطف بالفاء في قوله: {فَمَا }. ولما كان الشرب يكثر تراخيه عن الأكل،أتي بلفظ ثم المقتضية المهلة، أو لما امتلأت بطونهم من ثمرة الشجرة، وهو حار، أحرق بطونهم وعطشهم، فأخر سقيهم زماناًليزدادوا بالعطش عذاباً إلى عذابهم، ثم سقوا ما هو أحر وآلم وأكره. {حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ }:لما ذهب بهم من منازلهم التي أسكنوها في النار إلى شجرة الزقوم للأكل والتملؤ منها والسقي من الحميم ونواحي رجوعهمإلى منازلهم، دخلت ثم لدلالة على ذلك، والرجوع دليل على الانتقال في وقت الأكل والشرب إلى مكان غير مكانهما، ثمذكر تعالى حالهم في تقليد آبائهم. والضمير لقريش وأن ذلك التقليد كان سبباً لاستحقاقهم تلك الشدائد، أي وجدوا آباءهم ضالين،فاتبعوهم على ضلالتهم، مسرعين في ذلك لا يثبطهم شيء. ثم أخبر بضلال أكثر من تقدم من الأمم، هذا وما خلتأزمانهم من إرسال الرسل، وإنذارهم عواقب التكذيب. وفي قوله: {فَٱنظُرْ } ما يقتضي إهلاكهم وسوء عاقبتهم، واستثنى المخلصين من عباده،وهم الأقل المقابل لقوله: {أَكْثَرُ ٱلاْوَّلِينَ }، والمعنى: إلا عباد الله، فإنهم نجوا. ولما ذكر ضلال الأولين، وذكر أولهم شهرة،وهم قوم نوح، عليه السلام، تضمن أشياء منها: الدعاء على قومه، وسؤاله النجاة، وطلب النصرة. وأجابه تعالى في كل ذلكإجابة بلغ بها مراده. واللام في {فَلَنِعْمَ } جواب قسم كقوله:

يميناً لنعم السيدان وجدتما    

والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: فلنعمالمجيبون نحن، وجاء بصيغة الجمع للعظمة والكبرياء لقوله:

{ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ }

و{ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ }، قال السدي: الغرق، ومنه تكذيبالكفرة وركوب الماء، وهو له، وهم فصل متعين للفصيلة لا يحتمل غيره. قال ابن عباس، وقتادة: أهل الأرض كلهم منذرية نوح. وفي الحديث: أنه عليه السلام قرأ {وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } فقال: سام وحام ويافث . وقال الطبري: العربمن أولاد سام، والسودان من أولاد حام، والترك وغيرهم من أولاد يافث. وقالت فرقة: أبقى الله ذرية نوح ومد فينسله، وليس الناس منحصرين في نسله، بل في الأمم من لا يرجع إليه. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلاْخِرِينَ }: أيفي الباقين غابر الدهر؛ ومفعول تركنا محذوف تقديره ثناء حسناً جميلاً في آخر الدهر، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي،وسلام. رفع بالابتداء مستأنف، سلم الله عليه ليقتدي بذلك البشر، فلا يذكره أحد من العالمين بسوء. سلم تعالى عليه جزاءعلى ما صبر طويلاً، من أقوال الكفرة وإذايتهم له. وقال الزمخشري: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلاْخِرِينَ }، هذه الكلمة، وهي {سَلَـٰمٌعَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ * نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـٰيَـٰنَا أَن كُنَّا أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْأَسْرِ بِعِبَادِى إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ * إِنَّ هَـؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ *وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِى إِسْرٰءيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ* فَلَمَّا تَرَاءا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىأَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلاْخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلاْخَرِينَ }: أي من كان مكذباً له من قومه، لما ذكر تحياته ونجاة أهله، إذ كانوا مؤمنين،ذكر هلاك غيرهم بالغرق. {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرٰهِيمَ * إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِمَاذَا تَعْبُدُونَ * أَءفْكاً ءالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَإِنّى سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَىٰ ءالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَعَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ * فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُواْ ٱبْنُواْلَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلاْسْفَلِينَ }. والظاهر عود الضمير في {مِن شِيعَتِهِ }على نوح، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، أي ممن شايعه في أصول الدين والتوحيد، وان اختلفت شرائعهما، أو اتفقأكثرهما، أو ممن شايعه في التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفا سنة وستمائة وأربعون سنة،وبينهما من الأنبياء هود وصالح، عليهما السلام. وقال الفراء: الضمير فى {مِن شِيعَتِهِ } يعود على محمد صلى الله عليهوسلم والأعرف أن المتأخر في الزمان هو شيعة للمتقدم، وجاء عكس ذلك في قول الكميت:

وما لي إلا آل أحمد شيعة     ومالي إلا مشعب الحق مشعب

جعلهم شيعة لنفسه. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق الظرف؟قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم،أو بمحذوف، وهو اذكر. انتهى. أما التخريج الأول فلا يجوز، لأن فيه الفضل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو قوله: {لإِبْرٰهِيمَ}، لأنه أجنبي من شيعته ومن إذ، وزاد المنع، إذ قدره ممن شايعه حين جاء لإبراهيم. وأيضاً فلام التوكيد يمنعأن يعمل ما قبلها فيما بعدها. لو قلت: إن ضار بالقادم علينا زيداً، وتقديره: ضارباً زيداً لقادم علينا، لم يجز.وأما تقديره اذكر، فهو المعهود عند المعربين. ومجيئه ربه بقلب سليم: إخلاصه الدين لله، وسلامة قلبه: براءته من الشرك والشكوالنقائص التي تعتري القلوب من الغل والحسد والخبث والمكر والكبر ونحوها. قال عروة بن الزبير: لم يعلن شيئاً قط. وقيل:سليم من الشرك ولا معنى للتخصيص. وأجازوا في نصب {*أئفكاً} وجوها: أحدها: أن يكون مفعولاً بتريدون، والتهديد لأمته، وهو استفهامتقرير، ولم يذكر ابن عطية غير هذا الوجه، وذكره الزمخشري قال: فسر الإفك بقوله: آلهة من دون الله، على أنهاإفك في أنفسهم. والثاني: أن يكون مفعولا من أجله أي : تريدون آلهة من دون الله فكاً، وآلهة مفعول به،وقدمه عناية به، وقدم المفعول له على المفعول به، لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل فيشركهم، وبدأ بهذا الوجه الزمخشري. والثالث: أن يكون حالاً، أي أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ قاله الزمخشري، وجعل المصدرحالاً لا يطرد إلا مع أما في نحو: أما علماً فعالم. {تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }: استفهام توبيخوتحذير وتوعد، أي: أي شيء ظنكم بمن هو يستحق لأن تعبدوه، إذ هو رب العالمين حتى تركتم عبادته وعدلتم بهالأصنام؟ أي: أيّ شيء ظنكم بفعله معكم من عقابكم، إذ قد عبدتم غيره؟ كما تقول: أسأت آل فلان، فما ظنكبه أن يوقع بك خيراً ما أسأت إليه؟ ولما وبخهم على عبادة غير الله، أراد أن يريهم أن أصنامهم لاتنفع ولا تضر، فعهد إلى ما يجعله منفرداً بها حتى يكسرها ويبين لهم حالها وعجزها. {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ }،والظاهر أنه أراد علم الكواكب، وما يعزي إليها من التأثيرات التي جعلها الله لها. والظاهر أن نظره كان فيها، أيفي علمها، أو في كتابها الذي اشتمل على أحوالها وأحكامها. قيل: وكانوا يعانون ذلك، فأتاهم من الجهة التي يعانونها، وأوهمهمبأنه استدل بأمارة في علم النجوم أنه سقيم، أي يشارف السقم. قيل: وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم إذ ذاك،وخافوا العدوي وهربوا منه إلى عيدهم، ولذلك قال: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ }، قال معناه ابن عباس، وتركوه في بيت الأصنامففعل ما فعل. وقيل: كانوا أهل رعاية وفلاحة، وكانوا يحتاجون إلى علم النجوم. وقيل: أرسل إليهم ملكهم أن غداً عيدنا،فاحضر معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إن يطلع مع سقمي. وقيل: معنى {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ }، أي فيمانجم إليه من أمور قومه وحاله معهم، ومعنى: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ }، أي لكفرهم به واحتقارهم له، وقوله: {إِنّى سَقِيمٌ}، من المعاريض، عرض أنه يسقم في المآل، أي يشارف السقم. قيل: وهو الطاعون، وكان أغلب، وفهموا منه أنه ملتبسبالسقم، وابن آدم لا بد أن يسقم، والمثل: كفى بالسلامة داء. قال الشاعر:

فدعوت ربي بالسلامة جاهدا     ليصحني فإذا السلامة داء

ومات رجل فجأة، فاكتنف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح، فقالأعرابي: أصحيح من الموت في عنقه؟ {فَرَاغَ إِلَىٰ ءالِهَتِهِمْ }: أي أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله:

{ أَيْنَ شُرَكَائِىَ }

، وعرض الأكل عليها. واستفهامها عن النطق هو على سبيل الهزء، لكونها منحطة عن رتبة عابديها، إذ هم يأكلون وينطقون.وروي أنهم كانوا يضعون عندها طعاماً، ويعتقدون أنها تصيب منه شيئاً، وإنما يأكله خدمتها. {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ }: أيأقبل عليهم مستخفياً ضارباً، فهو مصدر فى موضع الحال، أو يضربهم ضرباً، فهو مصدر فعل محذوف، أو ضمن فراغ عليهممعنى ضربهم، وباليمين: أي يمين يديه. قال ابن عباس: لأنها أقوى يديه أو بقوته، لأنه قيل: كان يجمع يديه فيالآلة التي يضربها بها وهي الفأس. وقيل: سبب الحلف الذي هو:

{ وَتَٱللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ }

. وقرأ الجمهور: {يَزِفُّونَ }،بفتح الياء، من زف: أسرع، أو من زفاف العروس، وهو التمهل في المشية، إذ كانوا في طمأنينة أن ينال أصنامهمشيء لعزتهم. وقرأ حمزة، ومجاهد، وابن وثاب، والأعمش: بضم الياء، من أزف: دخل في الزفيف، فهي للتعدي، قاله الأصمعي. وقرأمجاهد أيضاً، وعبد الله بن يزيد، والضحاك، ويحيـى بن عبد الرحمن المقري، وابن أبي عبلة: يزفون مضارع زف بمعنى أسرع.وقال الكسائي، والفراء: لا نعرفها بمعنى زف. وقال مجاهد: الوزيف: السيلان. وقرىء: يزفون مبنياً للمفعول. وقرىء: يزفون بسكون الزاى، منزفاه إذا حداه، فكان بعضهم يزفو بعضاً لتسارعهم إليه. وبين قوله: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } وبين قوله: {فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِيَزِفُّونَ } جمل محذوفة هي مذكورة في سورة اقترب، ولا تعارض بين قوله: {فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } وبين سؤالهم

{ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا }

، وأخبار من عرض بأنه إبراهيم كان يذكر أصنامهم، لأن هذا الإقبال كان يقتضي تلك الجمل المحذوفة،أي فأقبلوا إليه، أي إلى الإنكار عليه في كسر أصنامهم وتأنيبه على ذلك. وليس هذا الإقبال من عندهم، بل بعدمجيئهم من عندهم جرت تلك المفاوضات المذكورة في سورة اقترب. واستسلف الزمخشري في كلامه أشياء لم تتضمنها الآيات، صارتالآيات عنده بها كالمتناقضة. قال، حيث ذكر ههنا: إنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسر أصنامهم، أقبلوا إليه متبادرينليكفوه ويقعوا به. وذكرتم أنهم سألوا عن الكاسر حتى قيل: سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر. ففي إحداهما أنهم شاهدوهيكسرها، وفي الآخرى أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر. انتهى. ما أبدى من التناقض، وليس في الآيات ما يدل علىأنهم أبصروه يكسرهم، فيكون فيه كالتناقض. ولما قرر أنه كالتناقض قال: قلت فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الذين أبصروه وزفواإليه نفراً منهم دون جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية من عندهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندهالتبرك عليه ورأوها مكسورة، اشمأزوا من ذلك وسألوا من فعل هذا بها؟ لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، ولكنعلى سبيل التورية والتعريض بقولهم: سمعنا فتى يذكرهم لبعض الصوارف. والثاني: أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد، ويكون إقبالهمإليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم، وسؤالهم عن الكاسر، وقولهم:

{ قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ }

. انتهى. وهذا الوجهالثاني الذي ذكر هو الصحيح. {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ }: استفهام توبيخ وإنكار عليهم، كيف هم يعبدون صوراً صوّروهابأيديهم وشكلوها على ما يريدون من الأشكال؟ {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }: الظاهر أن ما موصولة بمعنى الذي معطوفة علىالضمير في خلقكم، أي أنشأ ذواتكم وذوات ما تعملون من الأصنام، والعمل هنا هو التصوير والتشكيل، كما يقول: عمل الصائغالخلخال، وعمل الحداد القفل، والنجار الخزانة؛ ويحمل ذلك على أن ما بمعنى الذي يتم الاحتجاج عليهم، بأن كلاً من الصنموعابده هو مخلوق لله تعالى، والعابد هو المصور ذلك المعبود، فكيف يعبد مخلوق مخلوقاً؟ وكلاهما خلق الله، وهو المنفرد بإنشاءذواتهما. والعابد مصور الصنم معبوده. وما في: {وَمَا * تَنْحِتُونَ } بمعنى الذي، فكذلك في {وَمَا تَعْمَلُونَ }، لأن نحتهمهو عملهم. وقيل: ما مصدرية، أي خلقكم وعملكم، وجعلوا ذلك قاعدة على خلق الله أفعال العباد. وقد بدد الزمخشري تقابلهذه المقالة بما يوقف عليه في كتابه. وقيل: ما استفهام إنكاري، أي: وأي شيء تعملون في عبادتكم أصناماً تنحتونها؟ أيلا عمل لكم يعتبر. وقيل: ما نافية، أي وما أنتم تعملون شيئاً في وقت خلقكم ولا تقدرون على شيء. وكونما مصدرية واستفهامية ونعتاً، أقوال متعلقة خارجة عن طريق البلاغة. ولما غلبهم إبراهيم، عليه السلام، بالحجة، مالوا إلى الغلبة بقوةالشوكة والجمع فقالوا: {ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً }، أي في موضع إيقاد النار. وقيل: هو المنجنيق الذي رمي عنه. وأرادوا بهكيداً، فأبطل الله مكرهم، وجعلهم الأخسرين الأسفلين، وكذا عادة من غلب بالحجة رجع إلى الكيد.