تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الشورى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

حـمۤ } * { عۤسۤقۤ } * { كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ } * { تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } * { وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } * { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } * { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } * { فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } * { لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } * { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } * { وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } * { فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } * { وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } * { يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلَ بَعِيدٍ } * { ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ } * { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } * { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } * { ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } * { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } * { وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } * { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } * { وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ } * { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ } * { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } * { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ } * { إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } * { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } * { وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } * { فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } * { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } * { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } * { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } * { إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } * { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } * { وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ } * { وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ } * { ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ } * { فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ } * { لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ } * { أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } * { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } * { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ }

ركد الشيء، ثبت في مكانه، وقد قال الشاعر:

وقد ركدت وسط السماء نجومها     ركوداً يواري الربرب المتفرّق

{عسق كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُٱلْحَكِيمُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلاْرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلعَظِيمُ تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْوَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلاْرْضِ أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَعَلَيْهِم بِوَكِيلٍ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِىٱلْجَنَّةِ }. هذه السورة مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس: مكية إلا أربع آياتمن قوله: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } إلى آخر الأربع آيات، فإنها نزلت بالمدينة. وقالمقاتل: فيها مدني قوله: {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ } الى الصدور. ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها أنه قال:

{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }

الآية، وكان في ذلك الحكم عليهم بالضلال. لما كفروا به قال هنا:{كَذٰلِكَ }، أي مثل الإيحاء السابق في القرآن الذي كفر به هؤلاء، {يُوحِى إِلَيْكَ }: أي إن وحيه تعالى إليكمتصل غير منقطع، يتعهدك وقتاً بعد وقت. وذكر المفسرون في {*حمعسق} أقوالاً مضطربة لا يصح منها شيء كعادتهم في هذهالفواتح، ضربنا عن ذكرها صفحاً. وقرأ الجمهور: يوحي مبنياً للفاعل؛ وأبو حيوة، والأعشى عن أبي بكر، وأبان: نوحي بنون العظمة؛ومجاهد، وابن وكثير، وعباس، ومحبوب، كلاهما عن أبي عمرو: يوحي مبنياً للمفعول؛ والله مرفوع بمضمر تقديره أوحي، أو بالابتداء، التقدير:الله العزيز الحكيم الموحي؛ وعلى قراءة نوحي بالنون، يكون {عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } مبتدأ وخبراً. ويوحي، إما في معنىأوجب حتى ينتظم قوله: {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ }، أو يقرأ على موضوعه، ويضمر عامل يتعلق به إلى الذين تقديره:وأوحي إلى الذين من قبلك. وتقدم الكلام على {تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ } في سورة مريم قراءة وتفسيراً. وقال الزمخشري:وروى يونس عن أبي عمر وقراءة عربية: تتفطرن بتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر روي في نوادر ابن الأعرابي: الإبلتتشممن. انتهى. والظاهر أن هذا وهم من الزمخشري في النقل، لأن ابن خالويه ذكر في شواذ القراآت له ما نصب:تفطرن بالتاء والنون، يونس عن أبي عمرو. وقال ابن خالويه: هذا حرف نادر، لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث.لا يقال: النساء تقمن، ولكن يقمن، والوالدات يرضعن. قد كان أبو عمر الزاهد روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشممن،فأنكرناه، فقد قواه، لأن هذا كلام ابن خالويه. فإن كانت نسخ الزمخشري متفقة على قوله بتاءين مع النون فهو وهم،وإن كان في بعضها بتاء مع النون، كان موافقاً لقول ابن خالويه، وكان بتاءين تحريفاً من النساخ. وكذلك كتبهم تتفطرنوتتشممن بتاءين. والظاهر عود الضمير في {مِن فَوْقِهِنَّ } على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ }. قال ابن عطية: من أعلاهن. وقال الزمخشري: ينفطرنمن علو شأن الله تعالى وعظمته، ويدل عليه مجيئه بعد {ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ }. وقيل: من دعائهم له ولداً، كقوله:

{ تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ * يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ }

. فإن قلت: لم قال {مِن فَوْقِهِنَّ }؟ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلالوالعظمة فوق السموات، وهي العرض والكرسي وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله منآثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: {يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ }: أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية. وقال جماعة، منهم الحوفي، قال:{مِن فَوْقِهِنَّ }، والهاء والنون كناية عن الأرضين. انتهى. {مِن فَوْقِهِنَّ } متعلق يتفطرن، ويدل على هذا القول ذكر الأرضقبل. وقال علي بن سليمان الأخفش: الضمير للكفار، والمعنى: من فوق الفرق والجماعات الملحدة، أي من أجل أقوالها. انتهى.فهذه الآية كالذي في سورة مريم، واستبعد مكي هذا القول، قال: لا يجوز في الذكور من بني آدم، يعني ضميرالمؤنث والاستشعار ما ذكره مكي. قال علي بن سليمان: من فوق الفرق والجماعات، وظاهر الملائكة العموم. وقال مقاتل: حملة العرشوالتسبيح، قيل: قولهم سبحان الله، وقيل: يهللون؛ والظاهر يستغفرون طلب الغفران، ولأهل الأرض عام مخصوص بقوله:

{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }

،قاله السدي. وقيل: عام. ومعنى الاستغفار: طلب الهداية المؤدية إلى المغفرة، كأنهم يقولون: اللهم اهد أهل الأرض، فاغفر لهم. ويدلعليه وصفه بالغفران والحرحمة والاستفتاح. وقال الزمخشري: ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار لهم: طلب الحلم والغفران في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ* ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ *أَن تَزُولاَ }، إلى أن قال:

{ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }

وقوله:

{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ }

، والمراد: الحلم عنهم، وأن لا يعاجلهم بالانتقام فيكون عاماً. انتهى. وتكلم أبو عبد الله الرازي في قوله:{تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ } كلاماً خارجاً عن مناحي مفهومات العرب، منتزعاً من كلام الفلاسفة ومن جرى مجراهم، يوقف على ذلكفى كتابه. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء }: أي أصناماً وأوثاناً، {ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ }: أي على أعمالهم ومجازيهمعليها، {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }: أي بمفوض إليك أمرهم ولا قائم. وما في هذا من الموادعة منسوخ بآية السيف.{وَكَذٰلِكَ }: أي ومثل هذا الإيحاء والقضاء، إنك لست بوكيل عليهم، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءاناً }. والظاهر أن {قُرْءاناً }مفعول {أَوْحَيْنَا }. وقال الزمخشري: الكاف مفعول به، أي أوحيناه إليك، وهو قرآن عربي لا لبس فيه عليك، إذ نزلبلسانك. انتهى. فاستعمل الكاف اسماً في الكلام، وهو مذهب الأخفش. {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ }: مكة، أي أهل جم القرى، وكذلكالمفعول الأول محذوف، والثاني هو: {يَوْمَ ٱلْجَمْعِ }: أي اجتماع الخلائق، والمنذر به هو ما يقع في يوم الجمع منالجزاء وانقسام الجمع إلى الفريقين، أو اجتماع الأرواح بالأجساد، أو أهل الأرض بأهل السماء، أو الناس بأعمالهم، أقوال أربعة. لينذربياء الغيبة، أي لينذر القرآن. {لاَ رَيْبَ فِيهِ }: أي لا شك في وقوعه. وقال الزمخشري: {لاَ رَيْبَ فِيهِ }:اعتراض لا محالة. انتهى. ولا يظهر أنه اعتراض، أعني صناعياً، لأنه لم يقع بين طالب ومطلوب. وقرأ الجمهور: {فَرِيقٌ }بالرفع فيهما، أي هم فريق أو منهم فريق. وقرأ زيد بن عليّ بنصبهما، أي افترقوا، فريقاً في كذا، وفريقاً فيكذا؛ ويدل على الافتراق: الاجتماع المفهوم من يوم الجمع. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً }: يعني من إيمانأو كفر، قال معناه الضحاك، وهو قول أهل السنة، وذلك تسلية للرسول. كما كان يقاسيه من كفر قومه، وتوقيف علىأن ذلك راجع إلى مشيئته، ولكن من سبقت له السعادة أدخله في رحمته. وقال الزمخشري: {لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً }: أيمؤمنين كلهم على القسر والإكراه، كقوله:

{ وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا }

وقوله:

{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلاْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا }

. والدليل على أن المعنى هو الإيحاء إلى الإيمان قوله:

{ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }

،وذكر ما ظنه استدلالاً على ذلك، وهو على طريق الاعتزال. وقال أنس بن مالك: {فِى رَحْمَتِهِ }: في دين الإسلام.{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء }، أم بمعنى بل، للانتقال من كلام إلى كلام، والهمزة للإنكار عليهم اتخاذ أولياء مندون الله. وقيل: أم بمعنى الهمزة فقط، وتقدّم الكلام على مثل هذا، حيث جاءت أم المنقطعة، والمعنى: اتخذوا أولياء دونالله، وليسوا بأولياء حقيقة، فالله هو الولي، والذي يجب أن يتولى وحده، لا ما لا يضر ولا ينفع من أوليائهم.ولما أخبر أنه هو الولي، عطف عليه هذا الفعل الغريب الذي لا يقدر عليه غيره، وهو إحياء الموتى. ولما ذكرهذا الوصف، ذكر قدرته على كل شيء تتعلق إرادته به. وقال الزمخشري: في قوله: {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ }، والفاء فيقوله: {فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ } جواب شرط مقدر، كأنه قيل: بعد إنكار كل ولي سواه، وإن أراد وأوليا بحق، فاللههو الولي بالحق، لا ولي سواه. انتهى. ولا حاجة إلى تقدير شرط محذوف، والكلام يتم بدونه. {وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِمِن شَىْء }: هذا حكاية لقول الرسول، أي ما اختلفتم فيه أيها الناس من تكذيب أو تصديق وإيمان وكفر وغيرذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليس ذلك إلا إلى الله، لا إليّ، ولفظة من شيء تدل على العموم. وقيل: منشيء من الخصومات، فتحاكموا فيه إلى رسول الله ﷺ، ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره، كقوله:

{ وَأَنْ * تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ }

. وقيل: {مِن شَىْء }: من تأويل آية واشتبه عليكم، فارجعوا فيبيانه إلى آي المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة رسول الله ﷺ. وقيل: ما وقع منكمالخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم، كمعرفة الروح. وقال الزمخشري:أي ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمور الدين، فحكم ذلك المختلف فيهمفوض إلى الله، وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاتبة المبطلين. {ذٰلِكُمْ }: الحكم بينكم هو {رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ }في رد كيد أعداء الدين، وإليه أرجع في كفاية شرهم. انتهى. وقرأ الجمهور: {فَاطِرَ } بالرفع، أي هو فاطر، أوخبر بعد خبر كقوله: {ذٰلِكُمْ }. وقرأ زيد بن عليّ: فاطر بالجر، صفة لقوله: {إِلَىٰ * لِلَّهِ }، والجملة بعدهااعتراض بين الصفة والموصوف. {جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ }: أي من جنس أنفسكم، أي آدميات، {أَزْوٰجاً }: إناثاً، أوجعل الخلق لأبينا آدم من ضلعه حواء زوجاً له خلقاً لنا، {وَمِنَ ٱلاْنْعَـٰمِ أَزْوٰجاً }: أي أنواعاً كثيرة، ذكوراً وإناثاً،أو أزواجاً إناثاً. {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ }، قال ابن عباس: أي يجعل لكم فيه معيشية تعيشون بها. وقال ابن زيد: يرزقكمفيه، وهو قريب من القول قبله. وقال مجاهد: يخلقكم في بطون الإناث. وقال ابن زيد أيضاً: ىذرأكم فيما خلق منالسموات والأرض. وقال الزجاج: يكثركم به، أي فيه، أي يكثركم في خلقكم أزواجاً. وقال عليّ بن سليمان: ينقلكم من حالإلى حال. وقال ابن عطية: الضمير في فيه للحعل، أي يخلقكم ويكثركم في الجعل، كما تقول: كلمت زيداً كلاماً أكرمتهفيه، قال: ولفظة ذرأ تزيد على لفظة خلق معنى آخر ليس في خلق، وهو توالي الطبقات على مر الزمان.وقال الزمخشري: {يَذْرَؤُكُمْ }: يكثركم، يقال ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم، والذرء والذروء والذرواء أخوات في هذا التدبير، وهو أنجعل للناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. والضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلباً فيهالمخاطبون العقلاء على الغيه مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين. انتهى. وقوله: وهي من الأحكام ذات العلتين، اصطلاحغريب، ويعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا فتقول: أنت وزيد تقومان؛ والعاقل يغلب على غير العاقل إذا اجتمعا،فتقول: الحيوان وغيرهم يسبحون خالقهم. قال الزمخشري؛ فإن قلت: ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير؟ وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت:جعل هذا التدبيه كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير؟ كما قال تعالى:

{ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ }

انتهى. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }، تقول العرب: مثلك لا يفعل كذا، يريدون به المخاطب، كأنهم إذا نفواالوصف عن مثل الشخص كان نفياً عن الشخص، وهو من باب المبالغة، ومثل الآية قول أوس بن حجر:

ليس كمثل الفتى زهير     خلق يوازيه في الفضائل

وقال آخر:

وقتلى كمثل جذوع النخيل تغشاهم مسبل منهمر    

وقال آخر:

سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم     ما إن كمثلهم في الناس من أحد

فجرتالآية في ذلك على نهج كلام العرب من إطلاق المثل على نفس الشيء. وما ذهب إليه الطبري وغيره من أنمثلاً زائدة للتوكيد كالكاف في قوله:

فأصبحت مثل كعصف مأكول    

وقوله:

وصاليات ككما يؤثفين    

ليس بجيد، لأن مثلاً اسم، والأسماءلا تزاد، بخلاف الكاف، فإنها حرف، فتصلح للزيادة. ونظير نسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلان يده مبسوطة،يريد أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له، كقوله:

{ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }

. فكما جعلت ذلك كناية عن الجواد فيمن لا يد له، فكذلك جعلت المثل كناية عن الذوات في منلا مثل له. ويحتمل أيضاً أن يراد بالمثل الصفة، وذلك سائغ، يطلق المثل بمعنى المثل وهو الصفة، فيكون المعنى: ليسمثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره، وهذا محمل سهل، والوجه الأول أغوص. قال ابن قتيبة: العرب تقيم المثالمقام النفس، فيقول: مثلي لا يقال له هذا، أي أنا لا يقال لي هذا. انتهى. فقد صار ذلك كناية عنالذات، فلا فرق بين قولك: ليس كالله شيء، أو ليس كمثل الله شيء. وقد أجمع المفسرون على أن الكاف والمثليراد بهما موضوعهما الحقيقي من أن كلاً منهما يراد به التشبيه، وذلك محال، لأن فيه إثبات مثل لله تعالى، وهومحال. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوال الخلق، {ٱلبَصِيرُ } لأعمالهم. وتقدم تفسير: {مَقَالِيدُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } في سورة الزمر؛ وقرىء:{وَيَقْدِرُ }: أي يضيق. {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ }: أي يوسع لمن يشاء، ويضيق على من يشاء. وقال الزمخشري: فإذاعلم أن الغنى خير للعبد أغناه لا أفقره. انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال. {شَرَعَ لَكُم مّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِنُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ }. لما عدد تعالى نعمه عليهم الخاصة،أتبعه بذكر نعمه العامة، وهو ما شرع لهم من العقائد المتفق عليها، من توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وبكتبه وباليومالآخر، والجزاء فيه. ولما كان أول الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد ﷺ، قال: {مَا * وَصَّىٰبِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }، ثم أتبع ذلك ما وصى به إبراهيم، إذ كان أبا العرب، ففي ذلك هزلهموبعث على ابتاع طريقته، وموسى وعيسى صلوات الله عليهم، لأنهما هما اللذان كان أتباعهما موجودين زمان بعثة رسول الله صلىالله عليه وسلم. والشرائع متفقة فيما ذكرنا من العقائد، وفي كثير من الأحكام، كتحريم الزنا والقتل بغير حق. والشرائع مشتملةعلى عقائد وأحكام؛ ويقال: إن نوحاً أول من أتى بتحريم البنات والأمهات وذوات المحارم. وقال ابن عباس: اختار، ويحتمل أنتكون أن مفسرة، لأن قبلها ما هو بمعنى القول، فلا موضع لها من الإعراب. وأن تكون أن المصدرية، فتكون فيموضع نصب على البدل من ما؛ وما عطف عليها، أو في موضع رفع، أي ذلك، أو هو إقامة الدين، وهوتوحيد الله وما يتبعه مما لا بد من اعتقاده. ثم نهى عن التفرقة فيه، لأن التفرق سبب للهلاك، والاجتماع والألفةسبب للنجاة. {كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ }: أي عظم وشق، {مَا تَدْعُوهُمْ } من توحيد الله وترك عباده الأصنام وإقامة الدين.{إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِى }: يجتلب ويجمع، {إِلَيْهِ مَن يَشَاء } هدايته، وهذا تسلية للرسول. وقيل: يجتبي، فيجعله رسولاً إلى عباده،{وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }: يرجع إلى طاعته عن كفره. وقال الزمخشري: {مَن يَشَآء }: من ينفع فيهم توفيقه ويجريعليهم لطفة. انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: لم يكن مع آدم عليه السلام إلابنوه، ولم تفرض، له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان منبهاً على بعض الأمور، مقتصراً على ضرورات المعاش. واستمرالهدى إلى نوح، فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الأدب في الديانات. ولم يزل ذلك يتأكدبالرسل ويتناصر بالأنبياء واحداً بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ختمه الله بخير الملل على لسان أكرم الرسل، فكان المعنى:أوصيناك يا محمد ونوحاً ديناً واحداً في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والحج والتقريب بصالحالأعمال، والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكبر والزنا والإذاية للخلق كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان، واقتحام الدناءآتوما يعود بخرم المروآت؛ فهذا كله مشروع ديناً واحداً، أو ملة متحدة، لم يختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعدادهم،وذلك قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ }: أي اجعلوه قائماً، يريد دائماً مستمراً محفوظاً مستقراً من غير خلاففيه ولا اضطراب. انتهى. وقال مجاهد: لم يبعث نبي إلا أمر بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة والإقرار بالله وطاعته، فهو إقامةالدين. وقال أبو العالية: إقامة الدين: الأخلاص لله وعبادته، {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ }، قال أبو العالية: لا تتعادوا فيه. وقالمقاتل: معناه لا تختلفوا، فإن كل نبي مصدق. وقيل: لا تتفرقوا فيه، فتؤمنوا ببعض الرسل وتكفروا ببعض. {وَمَا تَفَرَّقُواْ}، قال ابن عباس: يعني قرشياً، والعلم: محمد عليه الصلاة والسلام، وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي، كما قال:

{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ }

، يريدون نبياً. وقيل: الضمير يعود على أمم الأنبياء، جاءهم العلم، فطال عليهم الأمد،فآمن قوم وكفر قوم. وقال ابن عباس أيضاً: عائد على أهل الكتاب، والمشركين دليله:

{ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن * بَعْدَمَا *جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ }

، قال المشركون: لم خص بالنبوة، واليهود والنصارى حسدوه. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ }: أي عدة التأخرإلى يوم القيامة، فحينئذ يقع الجزاء، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ }: لجوزوا بأعمالهم في الدنيا؛ لكنه قضى أن ذلك لا يكون إلافي الآخرة. وقال الزجاج: الكلمة قوله:

{ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }

. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ }: هم بقية أهلالكتاب الذين عاصروا رسول الله ﷺ، {مّن بَعْدِهِمْ }: أي من بعد أسلافهم، أو هم المشركون، أورثواالكتاب من بعدما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل. وقرأ زيد بن علي: ورثوا مبنياً للمفعول مشدد الراء، {لَفِى شَكّ مّنْهُ}: أي من كتابهم، أو من القرآن، أو مما جاء به محمد ﷺ، أو من الدين الذيوصى به نوحاً. ولما تقدم شيئآن: الأمر بإقامة الدين، وتفرق الذين جاءهم العلم واختلافهم وكونهم في شك، احتمل قوله. {فَلِذَلِكَ}، أن يكون إشارة إلى إقامة الدين، أي فادع لدين الله وإقامته، لا تحتاج إلى تقدير اللام بمعنى لأجل، لأندعا يتعدى باللام، قال الشاعر:

دعوت لما نابني مسورا     فلبى فلبى يدي مسورا

واحتمل أن تكون اللام للعلة، أي فلأجل ذلك التفرق. ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعباً، {فَٱدْعُ } إلىالاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية، {وَٱسْتَقِمْ }: أي دم على الاستقامة، وتقدم الكلام على

{ فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } ، وكيفية هذاالتشبيه في أواخر هود. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } المختلفة الباطلة، وأمره بأن يصرح أنه آمن بكل كتاب أنزله الله، لأنالذين تفرقوا آمنوا ببعض. {وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ }، قيل: إن المعنى: وأمرت بما أمرت به لأعدل بينكم في ايصال ماأمرت به إليكم، لا أخص شخصاً بشيء دون شخص، فالشريعة واحدة، والأحكام مشترك فيها. وقيل: لاعدل بينكم في الحكم إذاتخاصمتم فتحاكمتم. {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ }: أي قد وضحت الحجج وقامت البراهين وأنتم محجوجون، فلا حاجة إلى إظهار حجةبعد ذلك. {ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } وبينكم، أي يوم القيامة، فيفصل بيننا. وما يظهر في هذه الآية من الموادعة منسوخبآية السيف. {وَٱلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى ٱللَّهِ }: أي يخاصمون في دينه، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في طائفة منبني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومحاجتهم، بل قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم؛ فديننا أفضل، فنزلتالآية في ذلك. وقيل: نزلت في قريش، كانوا يجادلون في هذا المعنى، ويطمعون في رد المؤمنين إلى الجاهلية. واستجيب مبنيللمفعول، فقيل: المعنى من بعدما استجاب الناس لله، أي لدينه ودخلوا فيه. وقيل: من بعدما استجاب الله له، أي لرسولهودينه، بان نصره يوم بدر وظهر دينه. {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } أي باطلة لا ثبوت لها. ولما ذكر من يحاج فيدين الإسلام، صرح بأنه تعالى هو الذي أنزل الكتاب، والكتاب جنس يراد به الكتب الآلهية. {وَٱلْمِيزَانَ }، قال ابن عباسومجاهد وقتادة وغيرهم: هو المعدل؛ وعن ابن مجاهد: هو هنا الميزان الذي بإيدي الناس، وهذا مندرج في العدل. {وَمَايُدْرِيكَ } أيها المخاطب، {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ }، ذكر على معنى البعث أو على حذف مضاف: أي لعل مجيء الساعة؛ولعل الساعة في موضع معمول، وما يدريك، وتقدم الكلام على مثل هذا في قوله في آخر الأنبياء: { وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } . وتوافقت هذه الجملة مع قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ وَٱلْمِيزَانَ }. الساعة: يوم الحساب، ووضع الموازين: القسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم. {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَلاَ يُؤْمِنُونَ } بها بطلب وقوعها عاجلة، لأنهم ليسوا موقنين بوقوعها، ليبين عجز من يؤمن بها عندهم، أي هي ممالا يقع عندهم. {أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ } ويلحون في أمر الساعة، {لَفِى ضَلَـٰلَ بَعِيدٍ } عن الحق، لأن البعثغير مستعبد من قدرة الله، ودل عليه الكتاب المعجز، فوجب الإيمان به. {ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ }: أي بر بعباده المؤمنين،ومن سبق له الخلود في الدنيا، وما يرى من النعم على الكافر فليس بلطف، إنما هو إملاء، ولا لطف إلاما آل إلى الرحمة والوفاة على الإسلام. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً. وقال الزمخشري: يوصل برهإلى جميعهم، {يَرْزُقُ مَن يَشَاء }: أي من يشاء يرزقه شيئاً خاصاً، ويحرم من يشاء من ذلك الشيء الخاص، وكلمنهم مرزوق، وإن اختلف الرزق، {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ }: أي البالغ القوة، وهي القدرة {ٱلْعَزِيزُ }: الغالب الذي لا يغلب.ولما ذكر تعالى الرزق، ذكر حديث الكسب. ولما كان الحرث في الأرض أصلاً من أصول المكاسب، استعير لكل مكسب أريدبه النماء والفائدة، أي من كان يريد عمل الآخرة، وسعى لها سعيها، {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ }: أي جزاء حرثهأي من جزاء حرثه من تضعيف الحسنات، {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا }: أي العمل لها لا لآخرته،{نُؤْتِهِ مِنْهَا }: أي نعطه شيئاً منها، {لَهُ فِى ٱلاْخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }، لأنه لم يعمل شيئاً للآخرة. والجملة الأولىوعد منجز، والثانية مقيدة بمشيئته تعالى، فلا يناله إلا رزقه الذي فرغ منه، وكل ما يريده هو. واقتصر في عاملالآخرة على ذكر حظه في الآخرة، كأنه غير معتبر، فلا يناسب ذكر مع ما أعد الله له في الآخرة لمنيشاء ما يشاء. وجعل فعل الشرط ماضياً، والجواب مجزوم لقوله تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } ، ولا نعلم خلافاً في جواز الجزم، فإنه فصيح مختار، إلا ما ذكره صاحب كتاب الإعراب، وهو أبو الحكمبن عذرة، عن بعض النحويين، أنه لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع كأن لأنها أصل الأفعال، ولا يجيءمع غيرها من الأفعال. ونص كلام سيبويه والجماعة أنه لا يختص ذلك بكان، بل سائر الأفعال في ذلك مثلها، وأنشد سيبويه للفرزدق:

دست رسولاً بأن القوم إن قدروا     عليك يشفوا صدوراً ذات توغير

وقال آخر:

تعال فإن عاهدتني لا تخونني     نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وقرأ الجمهور: نزد ونؤته بالنون فيهما: وابن مقسم،والزعفراني، ومحبوب، والمنقري، كلاهما عن أبي عمرو: بالياء فيهما. وقرأ سلام: نؤته منها برفع الهاء، وهي لغة الحجاز. {أَمْلَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ }.{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء }: استفهام تقرير وتوبيخ. لما ذكر تعالى أنه شرع للناس {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } الآية، أخذينكر ما شرع غيره تعالى. والشركاء هنا يحتمل أن يراد به شركاؤهم في الكفر، كالشياطين والمغوين من الناس. والضمير فيشرعوا عائد على الشركاء، والضمير في لهم عائد على الكفار المعاصرين للرسول؛ ويحتمل أن يراد به الأصنام والأوثان وكل منجعلوه شريكاً لله. وأضيف الشركاء إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله، فتارة إليهم بهذه الملابسة، وتارة إلى الله. والضمير في شرعوايحتمل أن يعود على الشركاء، ولهم عائد على الكفار، لما كانت سبباً لضلالهم وافتتانهم جعلت شارعة لدين الكفر، كما قالإبراهيم عليه السلام: { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } . واحتمل أن يعود على الكفار، ولهم عائد على الشركاء، أيشرع الكفار لأصنامهم ومعبوداتهم، أي رسموا لهم غواية وأحكاماً في المعتقدات، كقولهم: إنهم آلهة، وإن عبادتهم تقربهم إلى الله؛ ومنالأحكام البحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك. {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ }: أي العدة بأن الفصل في الآخرة، أو لولا القضاء بذلكلقضي بين المؤمن والكافر، أو بين المشركين وشركائهم. وقرأ الجمهور: {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ }، بكسر الهمزة على الاستئناف والإخبار، بما ينالهمفي الدنيا من القتل والأسر والنهب، وفي الآخرة النار. وقرأ الأعرج، ومسلم بن جندب: وأن بفتح الهمزة عطفاً على كلمةالفصل، فهو في موضع رفع، أي ولولا كلمة الفصل وكون الظالمين لهم عذاب في الآخرة، لقضي بينهم في الدنيا وفصلبين المتعاطفين بجواب لولا، كما فصل في قوله: { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } . {تَرَىٱلظَّـٰلِمِينَ }: أي تبصر الكافرين لمقابلته بالمؤمنين، {مُشْفِقِينَ }: خائفين الخوف الشديد، {مِمَّا كَسَبُواْ } من السيآت، {وَهُوَ }: أيالعذاب، أو يعود على ما كسبوا على حذف مضاف: أي وبال كسبوا من السيآت، أو جزاؤه حال بهم، {وَهُوَ وَاقِعٌ}: فإشفاقهم هو في هذه الحال، فليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة. ولما كانت الروضات أحسن مافي الجنات وأنزهها وفي أعلاها، ذكر أن المؤمنين فيها. واللغة الكثيرة تسكين الواو في روضات، ولغة هذيل بن مدركة فتحالواو إجراء للمعتل مجرى الصحيح نحو جفنات، ولم يقرأ أحد ممن علمناه بلغتهم. وعند ظرف، قال الحوفي: معمول ليشاءون. وقالالزمخشري: منصوب بالظرف لا يشاءون. انتهى، وهو الصواب. ويعني بالظرف: الجار والمجرور، وهو لهم في الحقيقة غير معمول للعامل فيلهم، والمعنى: ما يشاءون من النعيم والثواب، مستقر لهم. {عِندَ رَبّهِمْ }: والعندية عندية المكانة والتشريف، لا عندية المكانة.وقرأ الجمهور: {يُبَشّرُ } بتشديد الشين، من بشر؛ وعبد الله بن يعمر، وابن أبي إسحق، والجحدري، والأعمش، وطلحة في رواية،والكسائي، وحمزة: يبشر ثلاثياً؛ ومجاهد، وحميد بن قيس: بضم الياء وتخفيف الشين من أبشر، وهو معدى بالهمزة من بشر اللازمالمكسور الشين. وأما بشر بفتحها فتعد، وبشر يالتشديد للتكثير لا للتعدية، لأن المتعدي إلى واحد، وهو مخفف، لا يعدى بالتضعيفإليه؛ فالتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية. {ذٰلِكَ }: إشارة إلى ما أعد لهم من الكرامة، وهو مبتدأ خبره الموصول والعائدعليه محذوف، أي يبشر الله به عباده. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده.انتهى. ولا يظهر الوجه، إذلم يتقدم في هذه السورة لفظ البشري، ولا ما يدل عليها من تبشير أو شبهه. ومن النحويين من جعل الذيمصدرية، حكاه ابن مالك عن يونس، وتأويل عليه هذه الآية، أي ذلك تبشير الله عباده، وليس بشيء، لأنه إثبات للاشتراكبين مختلفي الحد بغير دليل. وقد ثبتت اسمية الذي، فلا يعدل عن ذلك بشيء لا تقوم به دليل ولا شبهة.{قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ }. روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهملبعض: أترون محمداً يسأل أجراً على ما يتعاطاه؟ فنزلت. وروي أن الأنصار أتوا رسول الله ﷺ بمالجمعوه وقالوا: يا رسول الله، هدانا الله بك، وأنت ابن أختنا، وتعروك حقوق وما لك سعة، فاستعن بهذا على ماينو بك، فنزلت الآية، فردّه. وقيل: الخطاب متوجه إلى قريش حين جمعوا له مالاً وأرادوا أن يرشوه عليهم على أنيمسك عن سب آلهتهم، فلم يفعل، ونزلت. فالمعنى: «لا أسألكم مالاً ولا رياسة، ولكن أسألكم أن ترعوا حق قرابتي وتصدقونيفيما جئتكم به، وتمسكوا عن أذيتي وأذية من تبعني»، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم. قالالشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها، فكتب أن رسول الله صلى الله عليهوسلم كان أوسط الناس في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، فقال الله تعالى: قل لا أسألكم عليهأجراً إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، فارعوا ما بيني وبينكم وصدقوني. وقال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها. وقال الحسن:المعنى إلا أن تتودّدوا إلى الله بالتقرّب إليه. وقال عبد الله بن القاسم: إلا أن يتودّد بعضكم إلى بعض وتصلواقراباتكم. روي أن شباباً من الأنصار فاخروا المهاجرين وصالوا بالقول، فنزلت على معنى: أن لا تؤذوني في قرابتي وتحفظونيفيهم. وقال بهذا المعنى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً، وهوقول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس: قيل يا رسول الله: من قرابتك الذينأمرنا بمودّتهم؟ فقال: عليّ وفاطمة وابناهما . وقيل: هم ولد عبد المطلب. والظاهر أن قوله: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ } استثناء منقطع، لأنالمودّة ليست أجراً. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون استثناء متصلاً، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا أن تودّوا أهلقرابتي، ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة، لأن قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة. وقال: فإن قلت: هلاقيل إلا مودّة القربى، أو إلا المودّة للقربى؟ قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقرّاً لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة،ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله. وليست في صلة للمودّة كاللام، إذا قلت إلا المودّةللقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنةفيها. انتهى، وهو حسن وفيه تكثير. وقرأ زيد بن عليّ؛ إلا مودّة؛ والجمهور: إلا المودّة. {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً }:أي يكتسب، والظاهر عموم الحسنة عموم البدل، فيندرج فيها المودّة في القربى وغيرها. وعن ابن عباس والسدي، أنها المودّة فيآل رسول الله ﷺ. وقرأ الجمهور: {نَزِدْ } بالنون؛ وزيد بن عليّ، وعبد الوارث عن أبي عمرو،وأحمد بن جبير عن الكسائي: يزد بالياء، أي يزد الله. والجمهور: {حَسَنًا } بالتنوين؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو: حسنىبغير تنوين، على وزن رجعي، وزيادة حسنها: مضاعفة أجرها. {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ }: ساتر عيوب عباده، {شَكُورٍ }: مجاز علىالدقيقة، لا يضيع عنده عمل العامل. وقال السدي: غفور لذنوب آل محمد عليه السلام، شكور لحسناتهم. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰعَلَى ٱللَّهِ كَذِباً }: أضرب عن الكلام المتقدم من غير إبطال، واستفهم استفهام إنكار وتوبيخ على هذه المقالة، أي مثلهلا ينسب إليه الكذب على الله، مع اعترافكم له قبل بالصدق والأمانة. {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ }، قالمجاهد: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم، حتى لا يشق عليك قولهم: إنك مفتر. وقال قتادة وجماعة: {يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}: ينسيك القرآن، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مغتريات وأنت منالله بمرأى ومسمع وهو قادر: ولو شاء أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك؟ فمقصد اللفظهذا المعنى، وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصار واقتصار. انتهى. هكذا أو رد هذا التأويل عن قتادة ابن عطية، وفيألفاظه فظاظة لا تليق أن تنسب للأنبياء. وقال الزمخشري: عن قتادة: ينسيك القرآن وينقطع عنك الوحي، يعني لو افترى علىالله الكذب لفعل به ذلك. انتهى. وقال الزمخشري أيضاً: فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليهالكذب، فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم، وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراءمن مثله، وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. ومثال هذا أن يخون بعض الأمناءفيقول: لعل الله خذلني، لعل الله أعمي قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمي القلب، وإنما يريد استبعاد أن يخونمثله، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم. ثم قال: ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحقبوحيه أو بقضائه لقوله:

{ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ }

، يعني: لو كان مفترياً، كما يزعمون، لكشف الله افتراءه ومحقه،وقذف بالحق على الباطل فدمغه. انتهى. وقيل: المعنى لو افتريت على الله، لطبع على قلبك حتى لا تقدر على حفظالقرآن. وقيل: لختم على قلبك بالصدق واليقين، وقد فعل ذلك. وذكر القشيري أن المعنى: يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهمويعاجلهم بالعذاب. انتهى، فيكون التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب، ومن الجمع إلى الإفراد، أي يختم على قلبك أيها القائل أنهافترى على الله كذباً. {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ }: استئناف إخبار، أي يمحوه. إما في الدنيا وإما في الآخرة حيث نازله.وكتب ويمح بغير واو، كما كتبوا سندع بغير واو، اعتباراً بعدم ظهورها، لأنه لا يوقف عليها وقف اختيار. ولما سقطتمن اللفظ سقطت من الخط. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون عدة لرسول الله ﷺ، بأنه يمحو الباطلالذي هم عليه من البهت والتكذيب، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مرد له من نصرتك عليهم.إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك. انتهى. قيل: ويحق الإسلام بكلماته، أي بما أنزلمن القرآن. وتقدم الكلام في شرائط التوبة، يقال: قبلت منه الشيء بمعنى: أخذته منه، لقوله:

{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ } ، أي تؤخذ، أي جعلته مبدأ قبولي ومنشأه، وقبلته عنه: عزلته عنه وأبنته، فمعنى {عَنْ عِبَادِهِ }: أييزيل الرجوع عن المعاصي. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ }، قال الزمخشري: عن السيئآت إذا تيب عنها، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر.انتهى، وهو على طريقة الأعتزال. إن الكبائر لا يعفى عنها إلا بالتوبة، {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }، فيثيت ويعاقب. وقرأ الجمهور:ما يفعلون بياء الغيبة؛ وعبد الله، وعلقمة، والإخوان، وحفص: بتاء الخطاب. والظاهر أن الذين فاعل، {وَيَسْتَجِيبُ }: أي ويجيب، {ٱلَّذِينَكَفَرُواْ } لربهم، كما قال: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ، فيكون يستجيب بمعنى يجيب،أو يبقى على بابه من الطلب، أي يستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. وقال سعيد بن جبير: هذافي فعلهم إذا دعاهم. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تجيبوه،ثم قرأ:

{ وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى * دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } . {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، قال الزجاج: الذين مفعول، واستجاب وأجاببمعنى واحد، فالمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا، أي للذين، كما قال:

فلم يستجبه عند ذاك مجيب    

أي: لم يجبه. ورويهذا المعنى عن معاذ ابن جبل وابن عباس. {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ }: أي على الثواب تفضلاً. وفي الحديث: قبول الشفاعات في المؤمنين والرضوان . وقال خباب بن الارت: نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها، فنزلت: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ }. وقال عمرو بن حريث: طلب قوم من أهل الصفة من الرسول عليه السلام أنيغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فنزلت. أعلم أن الرزق لو جاء على اقتراح البشر، لكان سبب بغيهم وإفسادهم، ولكنهتعالى أعلم بالمصلحة. فرب إنسان لا يصلح ولا يكتفي شره إلا بالفقر، وآخر بالغنى. وفي هذا المعنى والتقسيم حديث رواهأنس وقال: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني . ولبغوا، إما من البذخ والكبر، أي لتكبروافي الأرض، ففعلوا ما يتبع الكبر مع الغنى. ألا ترى إلى حال قارون؟ وفي الحديث: أخوف ما يخاف على أمتي زهرة الدنيا ، وقال الشاعر:

وقد جعلوا الوسمي ينبت بيننا     وبين بني رومان نبعاً وشوحطا

يعني: أنهم أحبوا، فجذبوا أنفسهم بالبغي والفتن. {وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء }، يقال: قدر بالسكون وبالفتح، أي: يقدر لهمما هو أصلح لهم. وقرأ الجمهور: {قَنَطُواْ }، بفتح النون؛ والأعمش، وابن وثاب: بكسرها، {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ }: يظهرها من آثارالغيث من المنافع والخصب، والظاهر أن رحمته نشرها أعم مما في الغيث. وقال السدي: رحمته: الغيث، وعدد النعمة بعينها بلفظين.وقيل: الرحمة هنا ظهور الشمس، لأن إذا دام المطر سئم، فتجيء الشمس بعده عظمية الموقع، ذكره المهدوي. {وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ }:الذي يتولى عباده، {ٱلْحَمِيدِ }: المحمود على ما أسدى من نعمائه وما بث. الظاهر أنه مجرور عطفاً على السموات والأرض.ويجوز أن يكون مرفوعاً، عطفاً على خلق، على حذف مضاف، أي وخلق ما بث. وفيهما يجوز أن يكون مما نسبفيه دابة إلى المجموع المذكور، وإن كان ملتبساً ببعضه. كما يقال: بنو فلان صنعوا كذا، وإنما صنعه واحد منهم، ومنهيخرج منهما، وإنما يخرج من الملح، أو يكون من الملائكة. بعض يشمي مع الطيران، فيوصف بالدبيب كما يوصف به الأناسي،أو يكون قد خلق السموات حيوانا يمشي مع مشي الإناس على الأرض ، أو يريد الحيوان الذي يكون في السحاب.وقد يقع أحياناً، كالضفادع والسحاب داخل في اسم السماء. وقال مجاهد: {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ }: هم الناسوالملائكة. وقال أبو علي: هو على حذف مضاف، أي وما بث في أحدهما. وقرأ الجمهور: فيهما بالفاء، وكذا هي فيمعظم المصاحف. واحتمل ما أن تكون شرطية، وهو الأظهر، وأن تكون موصولة، والفاء تدخل في خبر الموصول إذا أجري مجرىالشرط بشرائط ذكرت في النحو، وهي موجودة. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر في رواية، وشيبة: بما بغير فاء، فماموصولة، ولا يجوز أن تكون شرطية؛ وحذفت الفاء لأن ذلك مما يخصه سيبويه بالشعر، وأجازت ذلك الأخفش وبعض نحاة بغدادوذلك على إرادة الفاء. وترتب ما أصاب من المصائب على كسب الأيدي موجود مع الفاء ودونها هنا، والمصيبة: الرزايا والمصائبفي الدنيا، وهي مجازاة على ذنوب المرء وتمحيص لخطاياه، وأنه تعالى يعفو عن كثير، ولا يجازي عليه بمصيبة. وفي الحديث: لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر . وسئل عمرانبن حصين عن مرضه فقال؛ إن أحبه إليّ أحبه إلى الله، وهذا مما كسبت يداي. ورؤي على كف شريح قرحة،فقيل: بم هذا؟ فقال: بما كسبت يداي. وقال الزمخشري: الآية مخصوصة بالمجرمين، ولا يمتنع أن يستوفي الله عقاب المجرمويعفو عن بعض. فأما من لا جرم له، كالأنبياء والأطفال والمجانين، فهو كما إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره،فللعوض الموفي والمصلحة وعن علي: هذه أرجى آية للمؤمنين. وقال الحسن: {مِن مُّصِيبَةٍ }: أي حد من حدود الله، وتلكمصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيدىكم. {*ويعفو} الله {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }، فيستره على العباد حتى لايحد عليه. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }: أنتم في قبضة القدرة. وقيل: ليست المصائب من الأسقام والقحط والغرق وغير ذلك بعقوباتعلى الذنوب لقوله:

{ ٱلْيَوْمَ * تَجْزِى * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }

، ولاشتراك الصالح والطالح فيهما، بل أكثر ما يبتليبه الصالحون المتقون. وفي الحديث: خص بالبلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . ولأن الدنيا دار التكليف، فلو حصل الجزاء فيها لكانتدار الجزاء، وليس الأمر كذلك. وهذا القول يؤخره نصوص القرآن، كقوله تعالى:

{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً }

الآية. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلاْعْلَـٰمِ * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ * رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِإِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ * وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىءايَـٰتِنَا مَا لَهُمْ مّن * مَّحِيصٍ * فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ * وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْٱلصَّلوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْعَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ *إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلاْرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلاْمُورِ * وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِىّ مّن بَعْدِهِ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَهَلْ إِلَىٰ مَرَدّ مّن }. لما ذكر تعالى من دلائل وحدانيته أنواعاً، ذكر بعدها العالم الأكبر، وهو السموات والأرض؛ثم العالم الأصغر، وهو الحيوان. ثم اتبعه بذكر المعاد، أتبعه بذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائلالقدرة، من جهة أن الماء جسم لطيف شفاف يغوص فيه الثقيل، والسفن تشخص بالأجسام الثقيلة الكثيفة، ومع ذلك جعل تعالىللماء قوة يحملها بها ويمنع من الغوص. ثم جعل الرياح سبباً لسيرها. فإذا أراد أن ترسو، أسكن الريح، فلا تبرحعن مكانها. والجواري: جمع جارية، وأصله السفن الجواري، حذف الموصوف وقامت صفته مقامه، وحسن ذلك قوله: {فِى ٱلْبَحْرِ }، فدلذلك على أنها صفة للسفن، وإلا فهي صفة غير مختصة، فكان القياس أن لا يحذف الموصوف ويقوم مقامه. ويمكن أنيقال: إنها صفة غالبة، كالأبطح، فجاز أن تلي العوامل بغير ذكر الموصوف. وقرىء: الجواري بالياء ودونها، وسمع من العرب الأعرابفي الراء، وفي البحر متعلق بالجواري، وكالأعلام في موضع الحال، والأعلام: الجبال، ومنه قول الخنساء أخت صخر ومعاوية:

وإن صخراً التأتم الهداة به     كأنه علم في رأسه نار

ومنه:

إذا قطعن علماً بدا علم    

وقرأ جمهور السبعة: {ٱلرّيحَ } إفراداً، ونافع: جمعاً، وقرأ الجمهور: {فَيَظْلَلْنَ } بفتح اللام، وقرأ قتادة: بكسرها، والقياس الفتح، لأنالماضي بكسر العين، فالكسر في المضارع شاذ. وقال الزمخشري: من ظل يظل ويظل، نحو ضل يضل ويضل. انتهى. وليس كماذكر، لأن يضل بفتح العين من ضللت بكسرها في الماضي، ويضل بكسرها من ضللت بفتحها في الماضي، وكلاهما مقيس. {لّكُلّصَبَّارٍ } على بلائه، {شَكُورٍ } لنعمائه. {أَوْ يُوبِقْهُنَّ }: يهلكهن، أي الجواري، وهو عطف على يسكن، والضمير في {كَسَبُواْ} عائد على ركاب السفن، أي بذنوبهم. وقرأ الأعمش: ويعفو بالواو، وعن أهل المدينة: بنصب الواو، والجمهور: ويعف مجزوماً عطفاًعلى يوبقهن. فأما قراءة الأعمش، فإنه أخبر تعالى أنه يعفو عن كثير، أي لا يؤاخذ بجميع ما اكتسب الإنسان. وأماالنصب، فبإضمار أن بعد الواو، وكالنصب بعد الفاء في قراءة من قرأ: يحاسبكم به الله فيغفر، وبعد الواو في قولالشاعر:

فإن يهلك أبو قابوس يهلك     ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش

روي بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه. وفي هذه القراءة يكون العطفعلى مصدر متوهم، أي يقع إيباق وعفو عن كثير. وأما الجزم فإنه داخل في حكم جواب الشرط، إذ هو معطوفعليه، وهو راجع في المعنى إلى قراءة النصب، لكن هذا عطف فعل على فعل، وفي النصب عطف مصدر مقدر علىمصدر متوهم. وقال القشيري: وقرىء: {وَيَعْفُ } بالجزم، وفيها إشكال، لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح، فتبقى تلك السفن رواكد،أو يهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف ويعف على هذه، لأن المعنى: يعيران شيئاً يعف، وليس المعنى ذلك، بل المعنى:الإخبار عن الغيوب عن شرط المشيئة، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ، لا من حيث المعنى. وقد قرأقوم: ويعفو بالرفع، وهي جيدة في المعنى. انتهى، وما قاله ليس بجيد، إذ لم يفهم مدلول التركيب. والمعنى: أنه تعالىإن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: على م عطف يوبقهن؟ قلت: علىيسكن، لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. انتهى. ولا يتعين أن يكون التقدير: أو يعصفهافيغرقن، لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح، بل قد يهلكها تعالى بسبب غير الريح، كنزول سطحها بكثرةالثقل، أو انكسار اللوح يكون سبباً لإهلاكها، أو يعرض عدو يهلك أهلها. وقرأ الأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وابن عامر،وزيد بن علي: {وَيَعْلَمَ } بالرفع على القطع. وقرأ الجمهور: ويعلم بالنصب؛ قال أبو علي وحسن: النصب إذا كان قبلهشرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب. وقال الزجاج: على إضمار أن، لأن قبلها جزاء. تقول: ما تصنع أصنع مثله،وأكرمك، وإن أشئت، وأكرمك علي، وأنا أكرمك، وإن شئت، وأكرمك جزماً. قال الزمخشري: فيه نظر، لما أورده سيبويه في كتابهقال: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف، وهو نحو من قوله:

وألحق بالحجاز فاستريحا    

فهذا لا يجوز، وليس بحد الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً، لأنه ليس بواجب أنه يفعلإلا أن يكون من الأول فعل. فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه. قال الزمخشري:ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب، لماأخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. انتهى. وخرج الزمخشري النصب على أنه معطوف على تعليل محذوف،قال تقديره: {عَن كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ }، يكره في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، ومنه قولهتعالى:

{ وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } ، وقوله:

{ خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ بِٱلْحَقّ }

{ ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }

. انتهى. ويبعد تقديره لينتقم منها،لأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم، فلا يحسن لينتقم منهم. وأما الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، أي{وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ }، {يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }. فعلنا ذلك، وكثيراً ما يقدر هذا الفعل محذوفاً قبل لامالعلة، إذا لم يكن فعل ظاهر يتعلق به. وذكر الزمخشري أن قوله تعالى: {وَيَعْلَمَ } قرىء بالجزم، فإن قلت:فكيف يصح المعنى على جزم ويعلم؟ قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم، ونجاة قوم،وتحذير آخرين، لأن قوله: {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِنَا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } يتضمن تحذيرهم من عقاب الله، {وَمَالَهُم مّنَ * مَّحِيصٍ } في موضع نصب، لأن يعلم معلقة، كقولك: علمت ما زيد قائم. وقال ابن عطية فيقراءة النصب، وهذه الواو ونحوها التي تسميها الكوفيون واو الصرف، لأن حقيقة واو الصرف التي يريدونها عطف فعل على اسممقدر، فيقدر أن ليكون مع الفعل بتأويل المصدر، فيحسن عطفه على الاسم. انتهى. وليس قوله تعليلاً لقولهم واو الصرف، إنماهو تقرير لمذهب البصريين. وأما الكوفيون فإن واو الصرف ناصبة بنفسها، لا بإضمار أن بعدها. وقال أبو عبيد على الصرفكالذي في آل عمران:

{ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } ، ومعنى الصرف أنه كان على جهة، فصرف إلىغيرها، فتغير الإعراب لأجل الصرف. والعطف لا يعين الاقتران في الوجود، كالعطف في الأسم، نحو: جاء زيد وعمرو. ولو نصبوعمرو اقتضى الاقتران؛ وكذلك واو الصرف، ليفيد معنى الاقتران ويعين معنى الاجتماع، ولذلك أجمع على النصب في قوله: {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}، أي ويعلم المجاهدين والصابرين معاً. عن عليّ، رضي الله عنه، اجتمع لأبي بكر رضي الله عنه مال، فتصدقبه كله في سبيل الله والخير، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون، فنزلت: {فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء }، والظاهر أنه خطاب للناس.وقيل: للمشركين، وما شرطية مفعول ثان لأوتيتم، ومن شيء بيان لما، والمعنى: من شيء من رياش الدنيا ومالها والسعة فيها،والفاء جواب الشرط، أي فهو متاع، أي يستمتع في الحياة. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ }: أي من ثوابه وما أعد لأوليائه،{خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } مما أوتيتم، لأنه لا انقطاع له. وتقدم الكلام في الكبائر في قوله: { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } ، في النساء. وقرأ الجمهور: {كَبَـٰئِرَ } جمعاً هنا، وفي النجم، وحمزة، والكسائي: بالإفراد. {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ }: عطف على{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، وكذلك ما بعده. ووقع لأبي البقاء وهم في التلاوة، اعتقد أنها الذين يجتنبون بغير واو، فبنى عليهالإعراب فقال: الذين يجتنبون في موضع جر بدلاً من الذين آمنوا، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار، أعني: وفيموضع رفع على تقديرهم. انتهى. والعامل في إذا يغفرون، وهي جملة من مبتدأ وخبر معطوف على يجتنبون، ويجوز أن يكونهم توكيداً للفاعل في غضبوا. وقال أبو البقاء: هم مبتدأ، ويغفرون الخبر، والجملة جواب إذا. انتهى، وهذا لا يجوز، لأنالجملة لو كانت جواب إذا لكانت بالفاء، تقول: إذا جاء زيد فعمرو منطلق، ولا يجوز حذف الفاء إلا إن وردفي شعر. وقيل: هم مرفوع بفعل محذوف يفسره يغفرون، ولما حذف، انفصل الضمير، وهذا القول فيه نظر، وهو أن جوابإذا يفسر كما يفسر فعل الشرط بعدها، نحو: { إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } ، ولا يبعد جواز ذلك على مذهب سيبويه، إذجاء ذلك في أداة الشرط الجازمة، نحو: إن ينطلق زيد ينطلق، فزيد عنده فاعل بفعل محذوف يفسره الجواب، أي ينطلقزيد، منع ذلك الكسائي والفراء. وقال الزمخشري: هم يغفرون، أي هم الأخصاء بالغفران، في حال الغضب لا يغول الغضب أحلامهم،كماي غول حلوم الناس. والمجيء لهم وإيقاعه مبتدأ، وإسناد يغفرون إليه لهذه الفائدة. انتهى، وفيه حض على كسر الغضب. وفيالحديث: «أوصني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب». {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ }،قيل: نزلت في الأنصار، دعاهم الله للإيمان به وطاعته فاستجابوا له. وكانوا قبل الإسلام، وقبل أن يقدم رسول الله صلىالله عليه وسلم المدينة، إذا نابهم أمر تشاوروا، فأثنى الله عليهم، لا ينفردون بأمر حتى يجتمعوا عليه. وعن الحسن: ماتشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم. انتهى. وفي الشورى اجتماع الكلمة والتحاب والتعاضد على الخير. وقد شاور الرسول عليه السلامفيما يتعلق بمصالح الحروب والصحابة بعده في ذلك، كمشاورة عمر للهرمز. وفي الأحكام، كقتال أهل الردّة، وميراث الحربي، وعدد مدمنيالخمر، وغير ذلك. والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، على حذف مضاف، أي وأمرهم ذو شورى بينهم. و{هُمْ يَنتَصِرُونَ }: صلةللذين، وإذا معمولة لينتصرون، ولا يجوز أن يكون {هُمْ يَنتَصِرُونَ } جواباً لإذا، والجملة الشرطية وجوابها صلة لما ذكرناه منلزوم الفاء، ويجوز هنا أن يكون هم فاعلاً بفعل محذوف على ذلك القول الذي قيل في {هُمْ يَغْفِرُونَ }. وقالالحوفي: وإن شئت جعلت هم توكيداً للهاء والميم، يعني في أصابهم، وهو ضمير رفع، وفي هذا نظر، وفيه الفصل بينالمؤكد والتوكيد بالفاعل، وهو فعل الظاهر أنه لا يمتنع، والانتصار: أن يقتصر على ما حده الله له ولا يتعدى. وقالالنخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فتجترىء عليهم الفساق، ومن انتصر غير متعد فهو مطيع محمود. وقال مقاتل، وهشام عنعروة: الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. وقال ابن عباس: تعدى المشركون على رسول الله ﷺوعلى أصحابه، وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج في الأرض، ونصرهم على من بغى عليهم. وقال الكيا الطبري: ظاهرهأن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله ولرسوله وإقامة الصلاة؟ فهذا على ماذكره النخعي، وهذا فيمن تعدى وأصر، والمأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادماً مقلعاً. وقد قال عقيب هذه الآية {وَلَمَنِٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } الآية، فيقتضي إباحة الانتصار. وقد عقبه بقوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ }، وهذا محمول على القرآن عندغير المصر. فأما المصر على البغي، فالأفضل الانتصار منه بدليل الآية قبلها. وقال ابن بحر: المعنى تناصروا عليه فأزالوه عنهم.وقال أبو بكر بن العربي نحواً من قول الكيا. قال الجمهور: إذا بغى مؤمن على مؤمن، فلا يجوز له أنينتصر منه بنفسه، بل يرفع ذلك إلى الإمام أو نائبه. وقالت فرقة: له ذلك. {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }:هذا بيان للانتصار، أي لا يتعدى فيما يجازي به من بغى عليه. قال ابن أبي نجييج، والسدي: إذا شتم، فلهأن يرد مثل ما شتم به دون أن يتعدى، وسمى القصاص سيئة على سبيل المقابلة، أو لأنها تسوء من اقتصمنه، كما ساءت الحيض. وظاهر قوله: مثلها المماثلة مطلقاً في كل الأحوال، لا فيما خصه الدليل. والفقهاء أدخلوا التخصيص فيصور كثيرة بناء على القياس. قال مجاهد، والسدي: إذا قال له أخزاك الله فليقل أخزاك الله، وإذا قذفه قذفاً يوجبالحد، بل الحد الذي أمره الله به. {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ }: أي بينه وبين خصمه بالعفو، {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ }:عدة مبهمة لا يقاس عظمها، إذ هي على الله. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ }: أي الخائنين، وإذا كان لا يحبهوقد ندب إلى العفو عنه، فالعفو الذي يحبه الله أولى أن يعفي عنه، أو لا يحب الظالمين من تجاوز واعتدىمن المجني عليهم، إذا انتصروا خصوصاً في حالة الحرب والتهاب الحمية، فربما يظلم وهو لا يشعر. وفي الحديث: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم، قال: فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله . واللام في {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ } لام توكيد. قال الحوفي:وفيها معنى القسم. وقال ابن عطية: لام التقاء القسم يعنيان أنها اللام التي يتلقى بها القسم، فالقسم قبلها محذوف، ومنشرطية، وحمل {ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } على لفظ من، وفأولئك على معنى من، والفاء جواب الشرط، وظلمه مصدر مضاف إلىالمفعول. قال الزمخشري: ويفسره قراءة من قرأ: بعد ما ظلم ما عليهم من سبيل، قيل: أي من طريق إلى الحرج؛وقيل: من سبيل للمعاقب، ولا المعاقب والعاتب، وهذه مبالغة في إباحة الانتصار. {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ }: أي سبيل الإثم والحرج، {عَلَىٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ }: أي يبتذلون بالظلم، {وَيَبْغُونَ فِى ٱلاْرْضِ }: أي يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون. وقيل: ويظلمون الناس: أي يضعونالأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد واللسان. والبغي بغير الحق، فهو نوع من أنواع الظلم، خصه بالذكرتنبيهاً على شدته وسوء حال صاحبه. انتهى. {وَلَمَن صَبَرَ }: أي على الظلم والأذى، {وَغَفَرَ }، ولم ينتصر. واللام فيولمن يجوز أن تكون اللام الموطئة القسم المحذوف، ومن شرطية، وجواب القسم قوله: {إِنَّ ذٰلِكَ }، وجواب الشرط محذوف لدلالةجواب القسم عليه. ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء، ومن موصولة مبتدأ، والجملة المؤكدة بأن في موضع الخبر. وقال الحوفي:من رفع بالابتداء وأضمر الخبر، وجواب الشرط إن وما تعلقت به على حذف الفاء، كما قال الشاعر:

من يفعل الحسنات الله يشكرها    

أي: فالله يشكرها. انتهى، وهذا ليس بجيد، لأن حذف الفاء مخصوص بالشعر عند سيبويه. والإشارة بذلك إلىما يفهم من مصدر صبر وغفر والعائد على الموصول المبتدأ من الخبر محذوف، أي إن ذلك منه لدلالة المعنى عليه:{لَمِنْ عَزْمِ ٱلاْمُورِ }، إن كان ذلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ }، لم يكن فيعزم الأمور حذف، وإن كان ذلك إشارة إلى المبتدأ، كان هو الرابط، ولا يحتاج إلى تقدير منه، وكان في {عَزْمِٱلاْمُورِ }، أي أنه لمن ذوي عزم الأمور. وسب رجل آخر في مجلس الحسن، فكان المسبوب يكظم ويعرق ويمسح العرق،ثم قام فتلا الآية، فقال الحسن: عقلها والله وفهمها، لم هذه ضيعها الجاهلون. والجملة من قوله: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ } اعتراضبين قوله: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ }، وقوله: {وَمِنْ * صَبَرَ }. {وَمَن يُضْلِلِ * ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنوَلِىّ مّن بَعْدِهِ }: أي من ناصر يتولاه من بعده، أي من بعد إضلاله، وهذا تحقير لأمر الكفرة. {وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ}: الخطاب للرسول، والمعنى: وترى حالهم وما هم فيه من الحيرة، {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ }، يقولون: {هَلْ إِلَىٰ مَرَدّ مّنسَبِيلٍ }: هل سبيل إلى الردّ للدنيا؟ وذلك من فظيع ما اطلعوا عليه، وسوء ما يحل بهم. {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا}: أي على النار، دل عليها ذكر العذاب، {خـٰشِعِينَ } متضائلين صاغرين مما يحلقهم، {مَّنَ ٱلذُّلّ * وِقْراً * سَبِيلاً* وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ} متعلق {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ }. قال ابن عباس: ذليل. انتهى. قيل: ووصف بالخفاء لأن نظرهم ضعيف ولحظهم نهاية،قال الشاعر:

فغض الطرف إنك من نمير    

وقيل: يحشرون عمياً. ولما كان نظرهم بعيون قلوبهم، جعله طرفاً خفياً، أي لا يبدونظرهم، وهذا التأويل فيه تكلف. وقال السدي، وقتادة: المعنى يسارقون النظر لما كانوا فيه من الهمّ وسوء الحال، لا يستطيعونالنظر بجميع العين، وإنما ينظرون من بعضها، فيجوز على هذا التأويل أن يكون الطرف مصدراً، أي من نظر خفي. وقالالزمخشري: {مِن طَرْفٍ خَفِىّ }، أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة، كما ترى المصور ينظر إلى السيف،وهكذا نظر الناظر إلى المكاره، ولا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ويملأ عينه منها، كما يفعل في نظره إلى المتحاب.{وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ* وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مّن دُونِ ٱللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ * ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبّكُمْمّن قَبْلِ * مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْمّن نَّكِيرٍ }. الظاهر أن {وَقَالَ } ماض لفظاً ومعنى، أي {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } في الحياة الدنيا، ويكونيوم القيامة معمولاً لخسروا، ويحتمل أن يكون معنى {وَقَالَ }: ويقول، ويوم القيامة معمول لو يقولوا، أي ويقولوا في ذلكاليوم لما عاينوا ما حل بالكفار وأهليهم. الظاهر أنهم الذين كانوا أهليهم في الدنيا، فإن كانوا معهم في النار فقدخسروهم، أي لا ينتفعون بهم؛ وإن كانوا في الجنة لكونهم كانوا في الجنة لكونهم كانوا مؤمنين، كآسية امرأة فرعون، فهملا ينتفعون بهم أيضاً. وقيل: أهلوهم ما كان أعد لهم من الحور لو كانوا آمنوا، والظاهر أن قوله: {أَلاَ إِنَّٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ } من كلام المؤمنين؛ وقيل: استئناف إخبار من الله تعالى. {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ}، قيل: هو يوم ورود الموت، والظاهر أنه يوم القيامة. و{مِنَ ٱللَّهِ } متعلق بمحذوف يدل عليه ما مر، أيلا يرد ذلك اليوم من ما حكم الله به فيه. وقال الزمخشري: {مِنَ ٱللَّهِ }: من صلة للأمرد. انتهى، وليسالجيد، إذ لو كان من صلته لكان معمولاً له، فكان يكون معرباً منوناً. وقيل: {مِنَ ٱللَّهِ } يتعلق بقوله: {يَأْتِىَ}، من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده. {مَالَكُمْ * مّن مَّلْجَأٍ } تلجأون إليه،فتتخلصون من العذاب، ومالكم من إنكار شيء من أعمالكم التي توردكم النار، والنكير مصدر أنكر على غير قياس. قيل: ويحتملأن يكون اسم فاعل للمبالغة، وفيه بعد، لأن نكر معناه لم يميز. {فَإِنْ أَعْرَضُواْ } الآية: تسلية للرسول وتأنيس له،وإزالة لهمه بهم. والإنسان: يراد به الجنس، ولذلك جاء: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ }. وجاء جواب الشرط {فَإِنَّ ٱلإنسَـٰنَ } ولميأت فإنه، ولا فأنهم، ليدل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال:

{ إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }

{ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ }

. ولما ذكر أنه يكفر النعم، أتبع ذلك بأن له ملك العالم العلوي والسفلي، وأنه يفعل ما يريد،ونبه على عظيم قدرته، وأن الكائنات ناشئة عن إرادته، فذكر أنه يهب لبعض إناثاً، ولبعض ذكوراً، ولبعض الصنفين، ويعقم بعضاًفلا يولد له. وقال إسحق بن بشر: نزلت هذه الآية في الأنبياء، ثم عمت. فلوط أبو بنات لم يولد لهذكور، وإبراهيم ضده، ومحمد ﷺ وعليهما ولد له الصنفان، ويحي عقيم. انتهى. وذكر أيضاً مع لوط شعيب،ومع يحي عيسى، وقدم تعالى هبة البنات تأنيساً لهن وتشريفاً لهن، ليهتم بصونهن والإحسان إليهن. وفي الحديث: من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار . وقال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبلالذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم الإناث على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجعفقدمهم؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟ قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى. وكفران الإنسان: نسيانه الرحمةالسابقة عنده. ثم ذكره بذكر ملكه ومشيئته، وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث، لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه،لا ما يشاء الإنسان، فكان ذكر الإناث اللائي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم أوجب التقديم. والبلاء: الجنسالذي كانت العرب تعده بلاء، ذكر البلاء وآخر الذكور. فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيره، وهم أحق بالتقديم بتعريفهم، لأن التعريفتنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفريقين، الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم. ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسينحظه من التقديم والتأخير، وعرفان تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر فقال:{ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً }، كما قال:

{ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ }

{ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلاْنثَىٰ } . انتهى. وقيل: بدأ بالأنثى ثم ثنى بالذكر، لتنقله من الغم إلىالفرح. وقيل: ليعلم أنه لا اعتراض على الله فيرضى. فإذا وهب له الذكر، علم أنه زيادة وفضل من الله وإحسانإليه. وقيل: قدمها تنبيهاً على أنه إذا كان العجز والحاجة لهم، كانت عناية الله أكثر. وقال مجاهد: هو أن تلدالمرأة غلاماً، ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنيفة: أن تلد توأماً، غلاماً وجارية. وقال أبو بكر بن العربي: أويزوجهم ذكراناً وإناثاً. قال علماؤنا: يعني آدم، كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين، ذكراً وأنثى؛ تزوج ذكر هذاالبطن أنثى البطن الآخر. انتهى. ولما ذكر الهبة في الإناث، والهبة في الذكور، اكتفى عن ذكرها في قوله: {أَوْيُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً }. ولما كان العقم ليس بمحمود قال: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً }، وهو قسيم لمن يولد له.ولما كانت الخنثى مما يحزن بوجوده، لم يذكره تعالى. قالوا: وكانت الخلقة مستمرة، ذكراً وأنثى، إلى أن وقع في الجاهليةالأولى الخنثى، فسئل فارض العرب ومعمرها عامر بن الظرب عن ميراثه، فلم يدر ما يقوله وأرجأهم. فلما جن عليه الليل،جعل يتقلب وتذهب به الأفكار، وأنكرت خادمه حاله فسألته، فقال: بهرت لأمر لا أدري ما أقول فيه، فقالت له: ماهو؟ فقال: شخص له ذكر وفرج، كيف يكون حاله في الميراث؟ قالت له الأمة: ورثه من حيث يبول، فعقلها وأصبحفعرضها عليهم، فرضوا بها. وجاء الإسلام على ذلك، وقضى بذلك علي، كرم الله وجهه، إنه عليم بمصالح العباد، قدير علىتكوين ما يشاء. كان من الكفار خوض في معنى تكليم الله موسى، فذهبت قريش واليهود في ذلك إلى التجسيم،فنزلت. وقيل: كانت قريش تقول: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً، كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقاللهم الرسول عليه السلام: لم ينظر موسى إلى الله ، فنزلت: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ }، بياناً لصورة تكليمالله عباده أي ما ينبغي ولا يمكن لبشر إلا يوحى إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد: أو النفثفي القلب. وقال النقاش: أو وحي في المنام. وقال النخعي: كان في الأنبياء من يخط له في الأرض، أو بأنيسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزاً، كموسى عليه السلام، وهذا معنى {مِن وَرَاء حِجَابٍ }: أيمن خفاء عن المتكلم، لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في المشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافههبوحى الله تعالى، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري: وما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا على ثلاثة أوجه:إما على طريق الوحي، وهو الإلهام والقذف في القلب والمنام، كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلامفي ذبح ولده. وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره، قال عبيد بن الأبرص:

وأوحى إلى الله أن قد تأمروا     بابن أبي أوفى فقمت على رجل

أي: ألهمنى وقذف في قلبي.وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاتهغير مرئي. وقوله: {مِن وَرَاء حِجَابٍ } مثل، أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه، وهو من وراء حجاب، فيسمعصوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم الله موسى ويكلم الملائكة. وإما على أن يرسل إليه رسولاً من الملائكةفيوحي الملك إليه، كما كلم الأنبياء غير موسى. انتهى، وهو على طريق المعتزلة في استحالة رؤية الله تعالى ونفي الكلامالحقيقي عن الله. وكل هذه الأقسام الثلاثة يصدق عليها أنها وحي، وخص الأول باسم الوحي هنا، لأن ما يقعفي القلب على سبيل الإلهام يقع دفعة واحدة، فكان تخصيص لفظ الوحي به أولى. وقيل: {وَحْياً } كما أوحى إلىالرسل بواسطة الملائكة، أو {يُرْسِلَ رَسُولاً }: أي نبياً، كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم، حكاه الزمخشري، وترك تفسير {أَوْمِن وَرَاء حِجَابٍ }، ومعناه في هذا القول: كما كلم محمداً وموسى ﷺ. وقرأ الجمهور: {حِجَابٍ }،مفرداً؛ وابن أبي عبلة: حجب جمعاً. وقرأ الجمهور: بنصب الفعلين عطف، أو يرسل على المضمر الذي يتعلق به من وراءحجاب تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب، وهذا المضمر معطوف على وحياً، والمعنى: إلا بوحي أو سماع من وراء حجاب،أو إرسال رسول فيوحي ذلك الرسول إلى النبي الذي أرسل عنه بإذن الله ما يشاء، ولا يجوز أن يعطف {أَوْيُرْسِلَ } على {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ } لفساد المعنى. وقال الزمخشري: ووحياً، وأن يرسل، مصدران واقعان موقع الحال، لأن أنيرسل في معنى إرسالاً، ومن وراء حجاب ظرف واقع موقع الحال أيضاً، كقوله: { وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } ، والتقدير: وما صح أن يكلمأحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب، أو مرسلاً. انتهى. أما وقوع المصدر موقع الحال، فلا ينقاس، وإنما قالتهالعرب. وكذلك لا يجوز: جاء زيد بكاء، تريد باكياً، وقاس منه المبرد ما كان منه نوعاً للفعل، نحو: جاء زيدمشياً أو سرعة، ومنع سيبويه أن يقع أن والفعل المقدر بالمصدر موقع الحال، فلا يجوز، نحو: جاء زيد أن يضحكفي معنى ضحكا الواقع موقع ضاحكاً، فجعله وحياً مصدراً في موضع الحال مما لا ينقاس، وأن يرسل في معنى إرسالاًالواقع موقع مرسلاً ممنوع بنص سيبويه. وقرأ نافع وأهل المدينة: أو يرسل رسولاً فيوحي بالرفع فيهما، فخرج على إضمار هويرسل، أو على ما يتعلق به من وراء، إذ تقديره: أو يسمع من وراء حجاب، ووحياً مصدر في موضع الحال،عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه، أو يرسل والتقدير: إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب، أو مرسلاً، وإسناد التكلمإلى الله بكونه أرسل رسولاً مجاز، كما تقول: نادى الملك في الناس بكذا، وإنما نادى الريح، الدائر في الأسواق، نزلما كان بواسطة منزلة ما كان بغير واسطة. قال ابن عطية: وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواعالتكلم، وأن الحالف الرسل، كانت إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه، وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه. انتهى.{إِنَّهُ عَلِىٌّ }: أي عليٌّ عن صفات المخلوقين، {حَكِيمٌ }: تجري أفعاله على ما تقتضيه الحكمة، يكلم بواسطة وبغير واسطة.{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا }: أي مثل ذلك الإيحاء الفصل أوحينا إليك، إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث:النفث في الروع، والمنام، وتكليم الله له حقيقة ليلة الإسراء، وإرسال رسول إليه، وهو جبريل. وقيل: كما أوحينا إلى الأنبياءقبلك، {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا }. قال ابن عباس: النبوة. وقال السدي: الوحي؛ وقال قتادة: رحمة؛ وقال الكلبي: كتاباً؛وقال الربيع: جبريل؛ وقيل: القرآن؛ وسمى ما أوحى إليه روحاً، لأن به الحياة من الجهل. وقال مالك بن دينار: ياأهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب، كما أن العشب ربيع الأرض. {مَا كُنتَ تَدْرِى مَاٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ }: توقيف على عظم المنة، وهو ﷺ أعلم الناس بها، وعطف ولا الإيمان علىما الكتاب، وإنما معناه: الإيمان الذي يدركه السمع، لأن لنا أشياء من الإيمان لا تعلم إلا بالوحي. أما توحيد اللهوبراءته عن النقائص، ومعرفة صفاته العلا، فجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عالمون ذلك، معصومون أن يقع منهم زلل في شيءمن ذلك، سابق لهم علم ذلك قبل أن يوحي إليهم. وقد أطلق الإيمان على الصلاة في قوله: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } ، إذ هي بعض ما يتناوله الإيمان. ومن طالع سير الأنبياء من نشأتهم إلى مبعثهم، تحقق عنده أنهممعصومون من كل نقيصة، موحدون لله منذ نشؤوا. قال الله تعالى في حق يحي عليه السلام: { وَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } . قالمعمر: كان ابن سنتين أو ثلاث. وعن أبي العالية: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعوالخلق إلى الإيمان. وقال القاضي: {وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ }: الفرائض والأحكام. قال: وكان قبل مؤمناً بتوحيد الله، ثم نزلت الفرائض التيلم يكن يدريها قبل، فزاد بالتكليف إيماناً. وقال القشيري: يجوز إطلاق الإيمان على تفاصيل الشرع. وقال الحسين بن الفضل: هوعلى حذف مضاف، أي ولا أ هل الإيمان من الذي يؤمن أبو طالب أو العباس أو غيرهما. وقال علي بنعيسى: إذ كنت في المهد. وقيل: ما الكتاب لولا إنعامنا عليك، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك. وقيل: أي كنت منقوم أميين لا يعرفون الإيمان ولا الكتاب، فتكون أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم. ما الكتاب: جملةاستفهامية مبتدأ وخبر، وهي في موضع نصب بتدري، وهي معلقة. {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً }: يحتمل أن يعود إلى قوله:{رُوحاً }، وإلى {كِتَابٌ }، وإلى {ٱلاْيْمَـٰنَ }، وهو أقرب مذكور. وقال ابن عطية: عائد على الكتاب. انتهى. وقيل: يعودإلى الكتاب والإيمان معاً لأن مقصدهما واحد، فهو نظير: { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } . وقرأ الجمهور: {لَتَهْدِى }، مضارعهدى مبنياً للفاعل؛ وحوشب: مبنياً للمفعول، إجابة سؤاله عليه الصلاة والسلام: { ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } . وقرأ ابن السميقع: لتهدي بضمالتاء وكسر الدال؛ وعن الجحدري مثلها ومثل قراءة حوشب. {صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }، قال علي: هو القرآن؛ وقيل: الإسلام. {أَلاَ إِلَىٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلاْمُورُ }: أخبر بالمضارع، والمراد به الديمومة، كقوله: زيد يعطي ويمنع، أي من شأنه ذلك، ولا يراد بهحقيقة المستقبل، أي ترد جميع أمور الخلق إليه تعالى يوم القيامة فيقضي بينهم بالعدل، وخص ذلك بيوم القيامة، لأنه لايمكن لأحد أن يدعي فيه لنفسه شيئاً، قاله الفراء.