تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الشرح

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تفسير البحر المحيط
سورة الشرح
ابي حيان الغرناطي
بسم الله الرحمن الرحيم

{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } * { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } * { ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ } * { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } * { فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } * { إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } * { فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ } * { وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ }

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ *وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبّكَفَٱرْغَبْ }. هذه السورة مكية. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة. وشرح الصدر: تنويره بالحكمة وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، قالهالجمهور. والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء إلى الله تعالى وحده، واحتمال المكاره من إذاية الكفار. وقال ابن عباسوجماعة: إشارة إلى شق جبريل عليه السلام صدره في وقت صغره، ودخلت همزة الاستفهام على النفي، فأفاد التقرير على هذهالنعمة وصار المعنى: قد شرحنا لك صدرك، ولذلك عطف عليه الماضي وهو وضعنا وهذا نظير قوله:

{ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ }

. وقرأ الجمهور: {نَشْرَحْ } بجزم الحاء لدخول الحازم. وقرأ أبو جعفر: بفتحها، وخرجه ابن عطية في كتابه علىأنه ألم نشرحن، فأبدل من النون ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً، فيكون مثل ما أنشده أبو زيد في نوادره من قولالراجز:

من أي يومي من الموت أفر     أيوم لم يقدر أم يوم قدر

وقالالشاعر:

أضرب عنك الهموم طارقها     ضربك بالسيف قونس الفرس

وقال: قراءة مرذولة.وقال الزمخشري: وقد ذكرها عن أبي جعفر المنصور، وقالوا: لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها، انتهى.ولهذه القراءة تخريج أحسن من هذا كله، وهو أنه لغة لبعض العرب حكاها اللحياني في نوادره، وهي الجزم بلن والنصببلم عكس المعروف عند الناس. وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار بن أبي عبيد، وهو القائم بثأر الحسين بنعلي رضي الله تعالى عنهما:

قد كان سمك الهدى ينهد قائمه     حتى أتيح له المختار فانعمدا في كل ما هم أمضى رأيه قدماًولم يشاور في إقدامه أحدا

بنصب يشاور، وهذا محتمل للتخريجين، وهو أحسن مماتقدم. {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ }: كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغةفي انتفاء ذلك، كما يقول القائل: رفعت عنك مشقة الزيارة، لمن لم يصدر منه زيارة، على طريق المبالغة في انتفاءالزيارة منه. وقال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة، إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض المرجل: أيصريره. قال عباس بن مرداس:

وأنقض ظهري ما تطويت منهم     وكنت عليهم مشفقاً متحننا

وقال جميل:

وحتى تداعت بالنقيض حباله     وهمت بوأي زورة أن نحطها

والنقيض: صوت الانقضاضوالانفكاك. {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }: هو أن قرنه بذكره تعالى في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضعمن القرآن، وفي تسميته نبي الله ورسول الله، وذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به. وقالحسان:

أغر عليه للنبوة خاتم     من الله مشهور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمهإذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وتعديد هذه النعم عليه ﷺ يقتضي أنه تعالى كما أحسن إليكبهذه المراتب، فإنه يحسن إليك بظفرك على أعدائك وينصرك عليهم. وكان الكفار أيضاً يعيرون المؤمنين بالفقر، فذكره هذه النعم وقوىرجاءه بقوله: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً }: أي مع الضيق فرجاً. ثم كرر ذلك مبالغة في حصول اليسر. ولما كاناليسر يعتقب العسر من غير تطاول أزمان، جعل كأنه معه، وفي ذلك تبشيراً لرسول الله ﷺ بحصولاليسر عاجلاً. والظاهر أن التكرار للتوكيد، كما قلنا. وقيل: تكرر اليسر باعتبار المحل، فيسر في الدنيا ويسر في الآخرة. وقيل:مع كل عسر يسر، إن من حيث أن العسر معرف بالعهد، واليسر منكر، فالأول غير الثاني. وفي الحديث: لن يغلب عسر يسرين . وضم سين العسر ويسراً فيهن ابن وثاب وأبو جعفر وعيسى، وسكنهما الجمهور. ولما عدد تعالى نعمه السابقةعليه ﷺ، ووعده بتيسير ما عسره، أمره بأن يدأب في العبادة إذا فرغ من مثلها ولا يفتر.وقال ابن مسعود: {فَإِذَا فَرَغْتَ } من فرضك، {فَٱنصَبْ } في التنفل عبادة لربك. وقال أيضاً: {فَٱنصَبْ } في قيامالليل. وقال مجاهد: قال {فَإِذَا فَرَغْتَ } من شغل دنياك، {فَٱنصَبْ } في عبادة ربك. وقال ابن عباس وقتادة: {فَإِذَافَرَغْتَ } من الصلاة، {فَٱنصَبْ } في الدعاء. وقال الحسن: {فَإِذَا فَرَغْتَ } من الجهاد، {فَٱنصَبْ } في العبادة. ويعترضقوله هذا بأن الجهاد فرض بالمدينة. وقرأ الجمهور: {فَرَغْتَ } بفتح الراء؛ وأبو السمال: بكسرها، وهي لغة. قال الزمخشري: ليستبفصيحة. وقرأ الجمهور: {فَٱنصَبْ } بسكون الباء خفيفة، وقوم: بشدها مفتوحة من الأنصاب. وقرأ آخرون من الإمامية: فانصب بكسر الصادبمعنى: إذا فرغت من الرسالة فانصب خليفة. قال ابن عطية: وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم، انتهى.وقرأ الجمهور: {فَٱرْغَبْ }، أمر من رغب ثلاثياً: أي اصرف وجه الرغبات إليه لا إلى سواه. وقرأ زيد بن عليوابن أبي عبلة: فرغت، أمر من رغب بشد الغين.