تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الذاريات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } * { فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } * { فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً } * { فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } * { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } * { وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ } * { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } * { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } * { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } * { قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ } * { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } * { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ } * { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } * { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } * { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } * { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } * { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } * { وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } * { وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } * { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } * { وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } * { فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } * { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } * { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } * { فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } * { فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } * { فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ } * { فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } * { قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } * { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } * { قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } * { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ } * { مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } * { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } * { وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } * { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ } * { وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } * { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } * { وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ } * { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ } * { فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } * { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } * { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } * { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } * { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } * { فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } * { أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } * { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } * { وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } * { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } * { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } * { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } * { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ } الحبك: الطرائق، مثل حبك الرمل والماء القائم إذا ضربته الريح، وكذلك حبك الشعرآثار تثنيه وتكسره قال الشاعر:

مكلل بأصول النجم ينسجه     ريح خريق لضاحي مائه حبك

والدرع محبوكة لأن حلقها مطرق طرائق، وواحدها حبيكة، كطريقة وطرق، أو حباك، كمثال ومثل، قال الراجز:

كأنما حللها الحوّاك     طنفسة في وشيها حباك

ويقال: حباك للظفيرة التي يشد بها خطار القصب بكرة،وهي مستطيلة تصنع في ترحيب الغراسات المصطفة. وقال ابن الأعرابي: حبكت الشيء: أحكمته وأحسنت عمله. قال الفراء: الحبك: تكسر كلشيء. وقال غيره: المحبوك: الشديد الخلق من فرس وغيره. قال امرؤ القيس:

قد غدا يحملني في أنفه     لاحق الأطلين محبوك ممر

الهجود: النوم. السمن: معروف، وهو امتلاء الجسد بالشحم واللحم. يقال: سمنسمناً فهو سمين، شذوا في المصدر واسم الفاعل، والقياس سمن وسمن. وقالوا: سامن، إذا حدث له السمن. الذنوب: الدلو العظيمة،قال الراجز:

إنا إذا نازلنا غريب     له ذنوب ولنا ذنوب وإن أبيتــم فلنـــا القليـــب

وأنشده الزمخشري:

لنــا ذنـوب ولكــم ذنــوب    

ويطلق، ويراد به الحظ والنصيب، قال علقمة بن عبدة:

وفي كل حي قد خبطت بنعمة     فحق لشاس من نداك ذنوب

ونسبه الزمخشري لعمرو بن شاس، وهووهم في ديوان علقمة. وكان الحارث بن أبي شمر الغساني أسر شاساً أخا علقمة، فدخل إليه علقمة، فمدحه بالقصيدة التيفيها هذا البيت، فلما وصل إلى هذا البيت في الإنشاد قال الحرث: نعم وأذنبه، وقال حسان:

لا يبعدن ربيعة بن مكرم     وسقى الغوادي قبره بذنوب

وقال آخر:

لعمرك والمنايا طارقات     لكل بني أب منها ذنوب

{وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً * فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً * فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً * فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً* إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ * وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ * وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُمَنْ أُفِكَ * قُتِلَ ٱلْخَرصُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ سَـٰهُونَ * يَسْـئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَىٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * ءاخِذِينَ مَا ءاتَـٰهُمْرَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلاْسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِى أَمْوٰلِهِمْحَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ * وَفِى ٱلاْرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ }. هذه السورة مكية. ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } . وقال أول هذه بعد القسم: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ * وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ }. {وَٱلذرِيَـٰتِ}: الرياح:. {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ } السحاب. {فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ }الفلك. {فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ }: الملائكة، هذا تفسير عليّ كرم الله وجهه على المنبر، وقد سألهابن الكواء، قاله ابن عباس. وقال ابن عباس أيضاً: {فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ } هي السفن الموقرة بالناس وأمتاعهم. وقيل: الحوامل من جميعالحيوان. وقيل: الجاريات: السحاب بالرياح. وقيل: الجواري من الكواكب، وأدغم أبو عمرو وحمزة {وَٱلذرِيَـٰتِ } في ذال {ذَرْواً }، وذروها:تفريقها للمطر أو للتراب. وقرىء: بفتح الواو وتسمية للمحمول بالمصدر. ومعنى {يُسْراً }: جرياً ذا يسر، أي سهولة. فيسراً مصدروصف به على تقدير محذوف، فهو على رأي سيبويه في موضع الحال. {أمْراً } تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها،فأمراً مفعول به. وقيل: مصدر منصوب على الحال، أي مأموره، ومفعول المقسمات محذوف. وقال مجاهد: يتولى أمر العباد جبريل للغلظة،وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ. وجاء في الملائكة: فالمقسمات على معنى الجماعات. وقال الزمخشري: ويجوز أن يرادالرياح لا غير، لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجو جرياً سهلاً، وتقسم الأمطار بتصريف الرياح. انتهى. فإذا كانالمدلول متغايراً، فتكون أقساماً متعاقبة. وإذا كان غير متغاير، فهو قسم واحد، وهو من عطف الصفات، أي ذرت أول هبوبهاالتراب والحصباء، فأقلت السحاب، فجرت في الجو باسطة للسحاب، فقسمت المطر. فهذا كقوله:

يا لهف زيابة للحارث الصـ     ـابح فالغانم فالآيب

أي: الذي صبح العدو فغنم منهم، فآب إلى قومه سالماً غانماً. والجملة المقسم عليها، وهيجواب القسم، هي {إِنَّمَا تُوعَدُونَ }، وما موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي توعدونه. ويحتمل أن تكون مصدرية، أي أنهوعدكم أو وعيدكم، إذ يحتمل توعدون الأمرين أن يكون مضارع وعد ومضارع أوعد، ويناسب أن يكون مضارع أوعد لقوله: {فَذَكّرْبِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ }، ولأن المقصود التخويف والتهويل. ومعنى صدقة: تحقق وقوعه، والمتصف بالصدق حقيقة هو المخبر. وقال تعالى: { ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } : أي مصدوق فيه. وقيل: {لَصَـٰدِقٌ }، ووضع اسم الفاعل موضع المصدر، ولا حاجة إلى هذاالتقدير. وقال مجاهد: الأظهر أن الآية في الكفار، وأنه وعيد محض. {وَإِنَّ ٱلدّينَ }: أي الجزاء، {لَوَاقِعٌ }: أي صادرحقيقة على المكلفين من الإنس والجن. والظاهر في السماء أنه جنس أريد به جميع السموات. وقال عبد الله بن عمروبن العاص: هي السماء السابعة. وقيل: السحاب الذي يظل الأرض. {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ }: أي ذات الخلق المستوي الجيد، قالهابن عباس وعكرمة وقتادة والربيع. وقال الحسن، وسعيد بن جبير: {ذَاتِ ٱلْحُبُكِ }: أي الزينة بالنجوم. وقال الضحاك: ذات الطرائق،يعني من المجرة التي في السماء. وقال ابن زيد: ذات الشدة، لقوله: { سَبْعاً شِدَاداً } . وقيل: ذات الصفاقة. وقرأ الجمهور:الحبك بضمتين؛ وابن عباس، والحسن: بخلاف عنه، وأبو مالك الغفاري، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وأبو السمال، ونعيم عن أبيعمرو: بإسكان الباء؛ وعكرمة: بفتحها، جمع حبكة، مثل: طرفة وطرف. وأبو مالك الغفاري، والحسن: بخلاف عنه، بكسر الحاء والباء؛ وأبومالك الغفاري، والحسن أيضاً، وأبو حيوة: بكسر الحاء وإسكان الباء، وهو تخفيف فعل المكسور هما وهو اسم مفرد لا جمع،لأن فعلاً ليس من أبنية الجموع، فينبغي أن يعد مع إبل فيما جاء من الأسماء على فعل بكسر الفاء والعين؛وابن عباس أيضاً، وأبو مالك: بفتحهما. قال أبو الفضل الرازي: فهو جمع حبكة، مثل عقبة وعقب. انتهى. والحسن أيضاً: الحبكبكسر الحاء وفتح الباء، وقرأ أيضاً كالجمهور، فصارت قراءته خمساً: الحبك الحبك الحبك الحبك الحبك. وقرأ أبو مالك أيضاً: الحبكبكسر الحاء وضم الباء، وذكرها ابن عطية عن الحسن، فتصير له ست قراءات. وقال صاحب اللوامح، وهو عديم النظير فيالعربية: في أبنيتها وأوزانها، ولا أدري ما رواه. انتهى. وقال ابن عطية: هي قراءة شاذة غير متوجهة، وكأنه أراد كسرها،ثم توهم الحبك قراءة الضم بعد أن كسر الحاء وضم الباء، وهذا على تداخل اللغات، وليس في كلام العرب هذاالبناء. انتهى. وعلى هذا تأول النحاة هذه القراءات، والأحسن عندي أن تكون مما اتبع فيه حركة الحاء لحركة ذاتفي الكسرة، ولم يعتد باللام الساكنة، لأن الساكن حاجز غير حصين. وجواب القسم: {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ }، والظاهر أنهخطاب عام للمسلم والكافر، كما أن جواب القسم السابق يشملهما، واختلافهم كونهم مؤمناً بالرسول ﷺ وكتابه وكافراً.وقال ابن زيد: خطاب للكفرة، فيقولون: ساحر شاعر كاهن مجنون، وقال الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستوياً، إنما يكون متناقضاًمختلفاً. وقيل: اختلافهم في الحشر، منهم من ينفيه، ومنهم من يشك فيه. وقيل: اختلافهم: إقرارهم بأن الله تعالى أوجدهم وعبادتهمغيره والأقوال التي يقولونها في آلهتهم. {يُؤْفَكُ }: أي يصرف عنه، أي عن القرآن والرسول، قاله الحسن وقتادة. {مَنْأُفِكَ }: أي من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم لقوله: لا يهلك على الله إلا هالك. وقيل:من صرف في سابق علم الله تعالى أنه مأفوك عن الحق لا يرعوي. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير لماتوعدون، أو للذي أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاك ومنهم جاحد. ثم قال: يؤفك عنالإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك. وقيل: المأفوك عنه محذوف، وعن هنا للسبب، والضمير عائد على {قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ }، أييصرف بسببه من أراد الإسلام بأن يقول: هو سحر هو كهانة، حكاه الزهراوي والزمخشري، وأورده على عادته في إبداء ماهو محكي عن غيره أنه مخترعه. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يعود على {قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ }، والمعنى: يصرف عنه بتوفيقالله إلى الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون في قول مختلف للكفار، إلا أن عرف الاستعمال في إفكهالصرف من خير إلى شر، فلذلك لا تجده إلا في المذمومين. انتهى، وفيه بعض تلخيص. وقرأ ابن جبير وقتادة: منأفك مبنياً للفاعل، أي من أفك الناس عنه، وهم قريش. وقرأ زيد بن علي: يأفك عنه من أفك، أي يصرفالناس عنه من هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضاً: يأفك عنه من أفك، أي يصرف الناس عنه من هو أفاككذاب. وقرىء: يؤفن عنه من أفن بالنون فيهما، أي يحرمه من حرم من أفن الضرع إذا نهكه حلباً. {قُتِلَٱلْخَرصُونَ }: أي قتل الله الخراصين، وهم المقدرون ما لا يصح. {فِى غَمْرَةٍ }: في جهل يغمرهم، {سَـٰهُونَ }: غافلونعن ما أمروا به. {أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ }: أي متى وقت الجزاء؟ سؤال تكذيب واستهزاء، وتقدمت قراءة من كسر الهمزةفي قوله: { أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } ، {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ }، فيكون الظرف محلاً للمصدر، وانتصب يومهم بمضمر تقديره: هو كائن، أيالجزاء، قاله الزجاج، وجوزوا أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو يومهم، والفتحة فتحة بناء لإضافته إلى غير متمكن، وهيالجملة الإسمية. ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة والزعفراني. {يَوْمَ هُم } بالرفع، وإذا كان ظرفاً جاز أن تكون الحركة فيهحركة إعراب وحركة بناء، وتقدم الكلام على إضافة الظرف المستقبل إلى الجملة الإسمية في غافر في قوله تعالى: { يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } . وقال بعض النحاة: يومهم بدل من {يَوْمِ ٱلدّينِ }، فيكون هنا حكاية من كلامهم على المعنى، ويقولون ذلكعلى سبيل الاستهزاء. ولو حكى لفظ قولهم، لكان التركيب: يوم نحن على النار يفتنون. {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ }: أي يقال لهمذوقوا. {هَـٰذَا ٱلَّذِى }: مبتدأ وخبر. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون هذا بدلاً من فتنتكم، أي ذوقوا هذا العذاب. انتهى،وفيه بعد، والاستقلال خير من البدل. ومعنى تفتنون: تعذبون في النار. ولما ذكر حال الكفار، ذكر حال المؤمنين، وانتصبآخذين على الحال، أي قابليه راضين به، وذلك في الجنة. وقال ابن عباس: {ءاخِذِينَ }: أي في دنياهم، {مَا ءاتَـٰهُمْرَبُّهُمْ } من أوامره ونواهيه وشرعه، فالحال محكية لتقدمها في الزمان على كونهم في الجنة. والظاهر أن {قَلِيلاً } ظرف،وهو في الأصل صفة، أي كانوا في قليل من الليل. وجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي كانوا يهجعون هجوعاًقليلاً، وما زائدة في كلا الإعرابين. وفسر أنس بن مالك ذلك فقال: كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء، ولا يدل لفظالآية على الاقتصار على هذا التفسير. وقال الربيع بن خيثم: كانوا يصيبون من الليل حظاً. وقال مطرف، ومجاهد، وابن أبينجيح: قل ليلة أتت عليهم هجوعاً كلها. وقال الحسن: كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلاً. وقال الضحاك: {كَانُواْقَلِيلاً }، أي في عددهم، وثم خبر كان، ثم ابتدأ {مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }، فما نافية، وقليلاً وقف حسن،وهذا القول فيه تفكيك للكلام، وتقدم معمول العامل المنفي بما على عامله، وذلك لا يجوز عند البصريين، ولو كان ظرفاًأو مجروراً. وقد أجاز ذلك بعضهم، وجاء في الشعر قوله:

إذا هي قامت حاسراً مشمعلة     يحسب الفؤاد رأسها ما تقنع

فقدم رأسها على ما تقنع، وهو منفي بما، وجوزوا أن تكون ما مصدرية في موضع رفعبقليلاً، أي كانوا قليلاً هجوعهم، وهو إعراب سهل حسن، وأن تكون ما موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف تقديره: {كَانُواْ قَلِيلاًمّن ٱلَّيْلِ } من الوقت الذي يهجعون فيه، وفيه تكلف. ومن الليل يدل على أنهم مشغولون بالعبادة في أوقات الراحات،وسكون الأنفس من مشاق النهار. {وَبِٱلاْسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، فيه ظهور على أن تهجدهم يتصل بالأسحار، فيأخدون في الاستغفار ممايمكن أن يقع فيه تقصير وكأنهم أجرموا في تلك الليالي، والأسحار مظنة الاستغفار. وقال ابن عمرو الضحاك: يستغفرون: يصلون. وقالالحسن: يدعون في طلب المغفرة، والظاهر أن قيام الليل وهذا الحق في المال هو من المندوبات، وأكثر ما تقع زيادةالثواب بفعل المندوب. وقال القاضي منذر بن سعيد: هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وضعف بأن السورة مكية، وفرض الزكاة بالمدينة.وقيل: كان فرضاً، ثم نسخ وضعف بأنه تعالى لم يشرع شيئاً بمكة قبل الهجرة من أخد الأموال. والسائل: الذي يستعطي،والمحروم: لغة الممنوع من الشيء، قال علقمة:

ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمة     أنى توجه والمحروم محروم

وأما في الآية، فالذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه. وقيل: الذي تبعد منه ممكنات الرزق بعد قربها منهفيناله الحرمان. وقال ابن عباس: المحارب الذي ليس له في الإسلام سهم مال. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أجيحتثمرته. وقيل: الذي ماتت ماشيته. وقال عمر بن عبد العزيز: هو الكلب. وقيل: الذي لا ينمي له مال. وقيل: المحارفالذي لا يكاد يكسب. وقيل غير ذلك، وكل هذه الأقوال على سبيل التمثيل لا التعيين، ويجمعها أنه الذي لا مالله لحرمان أصابه. {وَفِى ٱلاْرْضِ ءايَـٰتٌ } تدل على الصانع وقدرته وتدبيره من حيث هي كالبساط لما فوقها، وفيهاالفجاج للسلاك، وهي متجزئة من سهل ووعر وبحر وبر، وقطع متجاورات من صلبة ورخوة ومنبتة وسبخة، وتلقح بأنواع النبات، وفيهاالعيون والمعادن والدواب المنبتة في بحرها وبرها المختلفة الأشكال. وقرأ قتادة: آية على الإفراد، {لّلْمُوقِنِينَ }: وهم الذين نظروا النظرالصحيح، وأداهم ذلك إلى إيقان ما جاءت به الرسل، فأيقنوا لم يدخلهم ريب. {وَفِى أَنفُسِكُمْ } حال ابتدائها وانتقالها منحال إلى حال، وما أودع في شكل الإنسان من لطائف الحواس، وما ترتب على العقل الذي أوتيه من بدائع العلوموغريب الصنائع، وغير ذلك مما لا ينحصر. {وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ }، قال الضحاك ومجاهد وابن جبير: المطر والثلج، لأنهسبب الأقوات، وكل عين دائمة من الثلج. وقال مجاهد أيض وواصل الأحدب: أراد القضاء والقدر، أي الرزق عند الله يأتيبه كيف شاء، {وَمَا تُوعَدُونَ }: الجنة، أو هي النار، أو أمر الساعة، أو من خير وشر، أو من ثوابوعقاب، أقوال المراد بها التمثيل لا التعيين. وقرأ ابن محيصن: أرزاقكم على الجمع، والضمير في إنه عائد على القرآن، أوإلى الدين الذي في قوله: {وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ }، أو إلى اليوم المذكور في قوله: {أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ }، أوإلى الرزق، أو إلى الله، أو إلى النبي ﷺ، أقوال منقولة. والذي يظهر أنه عائد على الإخبارالسابق من الله تعالى فيما تقدم في هذه السورة من صدق الموعود ووقوع الجزاء، وكونهم في {قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ }، و{قُتِلَٱلْخَرصُونَ }، وكينونة المتقين في الجنة على ما وصف، وذكر أوصافهم وما ذكر بعد ذلك، ولذلك شبه في الحقيقة بمايصدر من نطق الإنسان بجامع ما اشتركا فيه من الكلام. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والحسن، وابن أبي إسحاق، والأعم5:بخلاف عن ثلاثتهم. مثل بالرفع: صفة لقوله: {لَحَقُّ }؛ وباقي السبعة، والجمهور: بالنصب، وقيل: هي فتحة بناء، وهو نعت كحالهفي قراءة من رفع. ولما أضيف إلى غير متمكن بنى، وما على هذا الإعراب زائدة للتوكيد، والإضافة هي إلى أنكمتنطقون. وقال المازني: بنى مثل، لأنه ركب مع ما، فصار شيئاً واحداً، ومثله: ويحما وهيما وابنما، قال حميد بن ثور:

ألا هيما مما لقيت وهيما     وويحاً لمن لم يلق منهن ويحما

قال: فلولا البناء لكان منوناً،وقال الشاعر:

فـأكرم بنـا أو أمـاً وأكـرم بنـا ابنمـا    

انتهى هذا التخريج. وابنما ليس ابنا بني مع ما، بل هذا منباب زيادة الميم فيه، واتباع ما في الآخر، إذ جعل في الميم الإعراب. تقول: هذا ابنم، ورئت ابنما، ومررت بابنم،وليست ما في الثلاث في ابنما مركبة مع ما، كما قال: الفتحة في ابنما حركة إعراب، وهو منصوب على التمييز،وأنشد النحويون في بناء الاسم مع الحرف قول الراجز:

أثور ما أصيدكم أو ثورين     أم تيكم الجماء ذات القرنين

وقيل: هو نعت لمصدر محذوف تقديره: إنه لحق حقاً مثل ما أنكم، فحركتهحركة إعراب. وقيل: انتصب على أنه حال من الضمير المستكن في {لَحَقُّ }. وقيل: حال من لحق، وإن كان نكرة،فقد أجاز ذلك الجرمي وسيبويه في مواضع من كتابه. والنطق هنا عبارة عن الكلام بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني. ويقولالناس: هذا حق، كما أنك ههنا وهذا حق، كما أنك ترى وتسمع، وهذا كما في الآية. وما زائدة بنص الخليل،ولا يحفظ حذفها، فتقول: ذا حق كأنك ههنا، والكوفيون يجعلون مثلاً محلى، فينصبونه على الظرف، ويجيزون زيد مثلك بالنصب، فعلىمذهبهم يجوز أن تكون مثل فيها منصوباً على الظرف، واستدلالهم والرد عليهم مذكور في النحو. ومن كلام بعض الأعراب: منذا الذي أغضب الخليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين. قوله عز وجل {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ * فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِىصَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَاٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ لِلْمُسْرِفِينَ *فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ * وَفِى مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَـٰهُوَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ وَهُوَ مُلِيمٌ * وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْعَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ * وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ * فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُوَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ }.{هَلُ أَتَاكَ }: تقرير لتجتمع نفس المخاطب، كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب، فتقرره هل سمع ذلكأم لا، فكأنك تقتضي أن يقول لا. ويستطعمك الحديث، وفيه تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول اللهﷺ، وإنما عرفه بالوحي، وضيف الواحد والجماعة فيه سواء. وبدأ بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإن كانتمتأخرة عن قصة عاد، هزماً للعرب، إذ كان أباهم الأعلى، ولكون الرسل الذين وفدوا عليه جاءوا بإهلاك قوم لوط، إذكذبوه، ففيه وعيد للعرب وتهديد واتعاظ وتسلية للرسول ﷺ على ما يجري عليه من قومه. ووصفهم بالمكرمينلكرامتهم عند الله تعالى، كقوله تعالى في الملائكة: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } ، قاله الحسن، فهي صفة سابقة فيهم، أو لإكرامإبراهيم إياهم، إذ خدمهم بنفسه وزوجته سارة وعجل لهم القرا. وقيل: لكونه رفع مجالسهم في صفة حادثة. وقرأ عكرمة: المكرمينبالتشديد، وأطلق عليهم ضيف، لكونهم في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم، أو لحسبانه لذلك. وتقدم ذكر عددهم في سورة هود.وإذ معمولة للمكرمين إذا كانت صفة حادثة بفعل إبراهيم، وإلا فبما في ضيف من معنى لفعل، أو بإضمار اذكر، وهذهأقوال منقولة. وقرأ الجمهور: قالوا سلاماً، بالنصب على المصدر الساد مسد فعله المستغنى به. {قَالَ سَلَـٰمٌ } بالرفع، وهومبتدأ محذوف الخبر تقديره: عليكم سلام. قصد أن يجيبهم بأحسن مما حيوه أخذاً بأدب الله تعالى، إذ سلاماً دعاء. وجوزأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أمري سلام، وسلام جملة خبرية قد تحصل مضمونها ووقع. وقال ابن عطية: ويتجه أنيعمل في سلاماً قالوا، على أن يجعل سلاماً في معنى قولاً، ويكون المعنى حينئذ: أنهم قالوا تحية؛ وقولاً معناه سلاماً،وهذا قول مجاهد. وقرأ ابن وثاب، والنخعي، وابن جبير، وطلحة: قال سلم، بكسر السين وإسكان اللام، والمعنى: نحن سلم، أوأنتم سلم، وقرئا مرفوعين. وقرىء: سلاماً قالوا سلماً، بنصبهما وكسر سين الثاني وسكون لامه. {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ }، قال أبو العالية:أنكر سلامهم في تلك الأرض وذلك الزمان. وقيل: لا نميزهم ولا عهد لنا بهم. وقيل: كان هذا سؤالهم، كأنه قال:أنتم قوم منكرون، فعرّفوني من أنتم. وقوم خبر مبتدأ محذوف قدره أنتم، والذي يناسب حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنهلا يخاطبهم بذلك، إذ فيه من عدم الإنس ما لا يخفى، بل يظهر أنه يكون التقدير: هؤلاء قوم منكرون. وقالذلك مع نفسه، أو لمن كان معه من أتباعه وغلمانه بحيث لا يسمع ذلك الأضياف. {فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ }:أي مضى أثناء حديثه، مخفياً مضيه مستعجلاً؛ {فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ }: ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادر بالقرامن غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يمنعه أن يجيء بالضيافة. وكونه عطف، فجاء على فراغ يدل علىسرعة مجيئه بالقرا، وأنه كان معداً عنده لمن يرد عليه. وقال في سورة هود: { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } ، وهذا يدل أيضاً على أنه كان العجل سابقاً شيه قبل مجيئهم. وقال قتادة: كان غالب ماله البقر، وفيه دليلعلى أنه يحضر للضيف أكثر مما يأكل. وكان عليه الصلاة والسلام مضيافاً، وحسبك وقف للضيافة أوقافاً تمضيها الأمم على اختلافأديانها وأجناسها. {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ }: فيه أدب المضيف من تقريب القرا لمن يأكل، وفيه العرض على الأكل؛ فإن فيذلك تأنيساً للأكل، بخلاف من قدم طعاماً ولم يحث على أكله، فإن الحاضر قد يتوهم أنه قدمه على سبيل التجمل،عسى أن يمتنع الحاضر من الأكل، وهذا موجود في طباع بعض الناس. حتى أن بعضهم إذا لج الحاضر وتمادى فيالأكل، أخذ من أحسن ما أحضر وأجزله، فيعطيه لغلامه برسم رفعه لوقت آخر يختص هو بأكله. وقيل: الهمزة في ألاللإنكار، وكأنه ثم محذوف تقديره: فامتنعوا من الأكل، فأنكر عليهم ترك الأكل فقال: {أَلا تَأْكُلُونَ }. وفي الحديث: إنهم قالوا إنا لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه، فقال لهم: وإني لا أبيحه لكم إلا بثمن، قالوا: وما هو؟ قال: أن تسموا الله عز وجل عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل، فقال بعضهم لبعض: بحق اتخذه الله خليلاً . {فَأَوْجَسَمِنْهُمْ خِيفَةً }: أي فلما استمروا على الامتناع من الأكل، أوجس منهم خيفة، وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل علىانبساط نفسه، وللطعام حرمة وذمام، والامتناع منه وحشة. فخشي إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن امتناعهم من أكل طعامهم إنما هولشر يريدونه، فقالوا لا تخف، وعرفوه أنهم ملائكة. وعن ابن عباس: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. وعلمهم بماأضمر في نفسه من الخوف، إنما يكون باطلاع الله ملائكته على ما في نفسه، أو بظهور أمارته في الوجه، فاستدلوابذلك على الباطن. وعن يحيـى بن شداد: مسح جبريل عليه السلام بجناحه العجل، فقام يدرج حتى لحق بأمه. {بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ}: أي سيكون عليماً، وفيه تبشير بحياته حتى يكون من العلماء. وعن الحسن: عليم نبي؛ والجمهور: على أن المبشر بههو إسحاق بن سارة. وقال مجاهد: هو إسماعيل. وقيل: علم أنهم ملائكة من حيث بشروه بغيب، ووقعت البشارة بعد التأنيسوالجلوس، وكانت البشارة بذكر، لأنه أسر للنفس وأبهج، ووصفه بعليم لأنها الصفة التي يختص بها الإنسان الكامل إلا بالصورة الجميلةوالقوة. {فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ }: أي إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر إليهم وتسمع كلامهم. وقيل: {فَأَقْبَلَتِ }،أي شرعت في الصياح. قيل: وجدت حرارة الدم، فلطمت وجهها من الحياء. والصرة، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وسفيان: الصيحة.قال الشاعر:

فألحقنا بالهاديات ودونه     حواجرها في صرة لم تزيل

وقال قتادة وعكرمة: الرنة.قيل: قالت أوّه بصياح وتعجب. وقال ابن بحر: الجماعة، أي من النسوة تبادروا نظراً إلى الملائكة. وقال الجوهري: الصرة: الصيحةوالجماعة والشدة. {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا }: أي لطمته، قاله ابن عباس، وكذلك كما يفعله من يرد عليه أمر يستهو له ويتعجبمنه، وهو فعل النساء إذا تعجبن من شيء. وقال السدي وسفيان: ضربت بكفها جبهتها، وهذا مستعمل في الناس حتى الآن.{وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ }: أي إنا قد اجتمع فيها أنها عجوز، وذلك مانع من الولادة، وأنها عقيم، وهي التي لمتلد قط، فكيف ألد؟ تعجبت من ذلك. {قَالُواْ كَذَلِكِ }: أي مثل القول الذي أخبرناك به، {قَالَ رَبُّكِ }: وهوالقادر على إيجاد ما يستبعد. وروي أن جبريل عليه السلام قال لها: انظري إلى سقف بيتك، فنظرت، فإذا جذوعه مورقةمثمرة. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ }: أي ذو الحكمة. {ٱلْعَلِيمُ } بالمصالح. ولما علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنهم ملائكة،وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله تعالى رسلاً، قال {فَمَا خَطْبُكُمْ } إلى: {قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ }: أي ذوي جرائم، وهيكبار المعاصي من كفر وغيره. {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ }: أي لنهلكهم بها، {حِجَارَةً مّن طِينٍ }: وهو السجيل، طين يطبخ كمايطبخ الآجر حتى يصير في صلابة كالحجارة. {مُّسَوَّمَةً }: معلمة، على كل واحد منها اسم صاحبه. وقيل: معلمة أنها منحجارة العذاب. وقيل: معلمة أنها ليست من حجارة الدنيا، {لِلْمُسْرِفِينَ }: وهم المجاوزون الحد في الكفر. {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا}: في القرية التي حل العذاب بأهلها. {غَيْرَ بَيْتٍ }: هو بيت لوط عليه السلام، وهو لوط وابنتاه فقط، وقيل:ثلاثة عشر نفساً. وقال الرماني: الآية تدل على أن الإيمان هو الإسلام، وكذا قال الزمخشري، وهما معتزليان. {وَتَرَكْنَا فِيهَا}: أي في القرية، {ءايَةً }: علامة. قال ابن جريج: حجراً كبيراً جدًّا منضوداً. وقيل: ماء أسود منتن. ويجوز أنيكون فيها عائداً على الإهلاكة التي أهلكوها، فإنها من أعاجيب الإهلاك، بجعل أعالي القرية أسافل وإمطار الحجارة. والظاهر أن قوله:{وَفِى مُوسَىٰ } معطوف على {وَتَرَكْنَا فِيهَا }: أي في قصة موسى. وقال الزمخشري وابن عطية: {وَفِى مُوسَىٰ } يكونعطفاً على { وَفِى ٱلاْرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } . {وَفِى مُوسَىٰ }، وهذا بعيد جدًّا، ينزه القرآن عن مثله. وقال الزمخشري أيضاً:أو على قوله، { وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً } ، على معنى: وجعلنا في موسى آية، كقوله:

علفتهــا تبنــاً ومــاء بــارداً    

انتهى، ولا حاجة إلىإضمار {وَتَرَكْنَا }، لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور {وَتَرَكْنَا }. {فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ }: أيازور وأعرض، كما قال: { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } . وقيل: بقوته وسلطانه. وقال ابن زيد: بركنه: بمجموعه. وقال قتادة: بقومه. {وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْمَجْنُونٌ }: ظن أحدهما، أو تعمد الكذب، وقد علم أنه رسول الله ﷺ حقاً. وقال أبو عبيدة:أو بمعنى الواو، ويدل على ذلك أنه قد قالهما، قال: { إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ } ، و { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } ، واستشهد أبو عبيدة بقول جرير:

أثعلبة الفوارس أو رباحا     عدلت بهم طهية والحشايا

ولا ضرورة تدعو إلى جعل أو بمعنى الواو، إذ يكون قالهما، وأبهم على السامع، فأو للإبهام. {هُوَ* مُلِيمٌ }: أي أتى من المعاصي ما يلام عليه. {ٱلْعَقِيمَ } التي لا خير فيها، من الشتاء مطر، أولقاح شجر. وفي الصحيح: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. فقول من ذهب إلى أنها الصبا، أو الجنوب، أو النكباء، وهيريح بين ريحين، نكبت عن سمت القبلة، فسميت نكباء، ليس بصحيح، لمعارضته للنص الثابت عن الرسول ﷺأنها الدبور. {مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ }: وهو عام مخصوص، كقوله: { تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا } :أي مما أراد الله تدميره وإهلاكه من ناس أو ديار أو شجر أو نبات، لأنها لم يرد الله بها إهلاكالجبال والآكام والصخور، ولا العالم الذي لم يكن من قوم عاد. {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ }: جملة حالية، والرميم تقدّم تفسيرهفي يس، وهنا قال السدّي: التراب، وقتادة: الهشيم، ومجاهد: البالي، وقطرب: الرماد، وابن عيسى: المنسحق الذي لا يرم، جعل الهمزةفي أرم للسلب. روي أن الريح كانت تمر بالناس، فيهم الرجل من قوم عاد، فتنزعه من بينهم وتهلكه. {تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰحِينٍ }، قال الحسن: هذا كان حين بعث إليهم صالح، أمروا بالإيمان بما جاء به، والتمتع إلى أن تأتي آجالهم،ثم إنهم عتوا بعد ذلك، ولذلك جاء العطف بالفاء المقتضية تأخر العتو عن ما أمروا به، فهو مطابق لفظاً ووجود.وقال الفراء: هذا الأمر بالتمتع كان بعد عقر الناقة، والحين ثلاثة أيام التي أوعدوا في تمامها بالعذاب. فالعتو كان قدتقدم قبل أن يقال لهم تمتعوا، ولا ضرورة تدعو إلى قول الفراء، إذ هو غير مرتب في الوجود. وقرأ الجمهور:الصاعقة؛ وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، والكسائي: الصعقة، وهي الصيحة هنا. وقرأ الحسن: الصاعقة؛ وزيد بن علي كقراءة الكسائي.{وَهُمْ يَنظُرُونَ }: أي فجأة، وهم ينظرون بعيونهم، قاله الطبري: وكانت نهاراً. وقال مجاهد: {وَهُمْ يَنظُرُونَ } ينتظرون ذلك فيتلك الأيام الثلاثة التي أعلموه فيها، ورأوا علاماته في قلوبهم، وانتظار العذاب أشد من العذاب. {فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مِن قِيَامٍ}، لقوله: { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ } ، ونفي الاستطاعة أبلغ من نفي القدرة. {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ }، أبلغ من نفيالانتصار: أي فما قدروا على الهرب، ولا كانوا ممن ينتصر لنفسه فيدفع ما حل به. وقيل: {مِن قِيَامٍ }، هومن قولهم: ما يقوم به إذا عجز عن دفعه، فليس المعنى انتصاب القامة، قاله قتادة. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي:{وَقَوْمِ } بالجر عطفاً على ما تقدم، أي وفي قوم نوح، وهي قراءة عبد الله. وقرأ باقي السبعة، وأبو عمروفي رواية: بالنصب. قيل: عطفاً على الضمير في {فَأَخَذَتْهُمُ }؛ وقيل: عطفاً على {فَنَبَذْنَـٰهُمْ }، لأن معنى كل منهما: فأهلكناهم.وقيل: منصوب بإضمار فعل تقديره: وأهلكنا قوم نوح، لدلالة معنى الكلام عليه. وقيل: باذكر مضمرة. وروى عبد الوارث، ومحبوب، والأصمعيعن أبي عمرو، وأبو السمال، وابن مقسم: وقوم نوح بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي أهلكناهم. قوله عز وجل:{وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَٱلاْرْضَ فَرَشْنَـٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ * وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّواْإِلَى ٱللَّهِ إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ إِنّي لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ *كَذَلِكَ مَا أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ* فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ * فَإِنَّ لِلَّذِينَظَلَمُواْ ذَنُوباً مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ }. أي: وبنينا السماء،فهو من باب الاشتغال، وكذا وفرشنا الأرض. وقرأ أبو السمال، ومجاهد، وابن مقسم: برفع السماء ورفع الأرض على الابتداء. {بِأَيْدٍ}: أي بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وهو كقوله: { دَاوُودُ * ذَا ٱلاْيْدِ } . {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }: أي بناءها،فالجملة حالية، أي بنيناها موسعوها، كقوله: جاء زيد وإنه لمسرع، أي مسرعاً، فهي بحيث أن الأرض وما يحيط من الماءوالهواء كالنقطة وسط الدائرة. وقال ابن زيد قريباً من هذا وهو: أن الوسع راجع إلى السماء. وقيل: لموسعون قوة وقدرة،أي لقادرون من الوسع، وهو الطاقة. وقال الحسن: أوسع الرزق بالمطر والماء. {فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ }، و{خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }، قالمجاهد: إشارة إلى المتضادات والمتقابلات، كالليل والنهار، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والسماء والأرض، والسواد والبياض، والصحة والمرض، والكفر والإيمان، ونحوذلك، ورجحه الطبري بأنه أدل على القدرة التي توجد الضدين، بخلاف ما يفعل بطبعه، كالتسخين والتبريد. ومثل الحسن بأشياء مماتقدم وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له. وقال ابن زيد وغيره: {مِن كُلّ شَىْء }:أي من الحيوان، {خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }: ذكراً وأنثى. وقيل: المراد بالشيء الجنس، وما يكون تحت الجنس نوعان: فمن كل جنسخلق نوعين من الجواهر، مثل النامي والجامد. ومن النامي المدرك والنبات، ومن المدرك الناطق والصامت، وكل ذلك يدل على أنهفرد لا كثرة فيه. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }: أي بأني باني السماء وفارش الأرض وخالق الزوجين، تعالى أن يكون له زوج.أو تذكرون أنه لا يعجزه حشر الأجساد وجمع الأرواح. وقرأ أبي: تتذكرون، بتاءين وتخفيف الذال. وقيل: إرادة أن تتذكروا، فتعرفواالخالق وتعبدوه. {فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ }: أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الله، وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار، لينبه علىأن وراء الناس عقاب وعذاب. وأمر حقه أن يفر منه، فجمعت لفظة ففروا بين التحذير والاستدعاء. وينظر إلى هذا المعنىقول النبي ﷺ: لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، قاله ابن عطية، وهو تفسير حسن. وقالالزمخشري: إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه، ووحدوه ولا تشركوا به شيئاً. وكرر {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }، عندالأمر بالطاعة والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا معالإيمان، وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما. ألا ترى إلى قوله: { لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } ؟ والمعنى: قل يا محمد ففروا إلى الله. انتهى، وهو على طريق الاعتزال.وقد رددنا عليه في تفسير {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } في موضع هذه الآية. {كَذٰلِكَ }: أي أمر الأممالسابقة عند مجيء الرسل إليهم، مثل الأمر من الكفار الذين بعثت إليهم، وهو التكذيب. {سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ }: أو للتفصيل،أي قال بعض ساحر، وقال بعض مجنون، وقال بعض كلاهما، ألا ترى إلى قوم نوح عليه الصلاة والسلام لم يقولواعنه إنه ساحر، بل قالوا به جنة، فجمعوا في الضمير ودلت أو على التفصيل؟ {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ }: أي بذلك القول،وهو توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة على تكذيب الأنبياء، مع افتراق أزمانهم، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ }: أي لميتواصوا به، لأنهم لم يكونوا في زمان واحد، بل جمعتهم علة واحدة، وهي كونهم طغاة، فهم مستعلون في الأرض، مفسدونفيها عاتون. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ }: أي أعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة، فلم يجيبوا. {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ }: إذقد بلغت ونصحت. {وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }: تؤثر فيهم وفيمن قدر الله أن يؤمن، وما دل عليه الظاهرمن الموادعة منسوخ بآية السيف. وعن عليّ، كرم الله وجهه: لما نزل {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ }، حزن المسلمون وظنوا أنه أمربالتولي عن الجميع، وأن الوحي قد انقطع، نزلت {وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }، فسروا بذلك. {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }: أي{وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ } الطائعين، قاله زيد بن أسلم وسفيان، ويؤيده رواية ابن عباس، عن رسول الله صلى اللهعليه وسلم: وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين . وقال علي وابن عباس: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }: إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا ليبالعبادة. فعبر بقوله: {لِيَعْبُدُونِ }، إذ العبادة هي مضمن الأمر، فعلى هذا الجن والإنس عام. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى:إلا معدين ليعبدون، وكأن الآية تعديد نعمه، أي خلقت لهم حواس وعقولاً وأجساماً منقادة، نحو: العبادة، كما تقول: هذا مخلوقلكذا، وإن لم يصدر منه الذي خلق له، كما تقول: القلم مبري لأن يكتب به، وهو قد يكتب به وقدلا يكتب به، وقال الزمخشري: إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها. فإن قلت: لو كان مريداً للعبادةمنهم، لكانوا كلهم عباداً. قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهمترك العبادة مع كونه مريداً لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. وقالمجاهد: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }: ليعرفون. وقال ابن زيد: لأحملهم في العبادة على الشقاوة والسعادة. وقال الربيع بن أنس: إلا للعبادة،قال: وهو ظاهر اللفظ. وقيل: إلا ليذلوا لقضائي. وقال الكلبي: إلا ليوحدون، فالمؤمن يوحده في الشدة والرخاء، والكافر في الشدة.وقال عكرمة: ليطيعون، فأثيب العابد، وأعاقب الجاحد. وقال مجاهد أيضاً: إلا للأمر والنهي. {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ }:أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم. {وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ }: أي أن يطعموا خلقي، فهو على حذف مضاف، فالإضافةإلى الضمير تجوز، قاله ابن عباس. وقيل: {أَن يُطْعِمُونِ }: أن ينفعون، فذكر جزأ من المنافع وجعله دالاً على الجميع.وقال الزمخشري: يريد إن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، لأن ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا في تحصيلمعايشهم وأرزاقهم بهم؛ فإما مجهز في تجارة يبغي ربحاً، أو مرتب في فلاحة ليقتل أرضاً، أو مسلم في حرفة لينتفعبأجرته، أو محتطب، أو محتش، أو مستق، أو طابخ، أو خابز، أو ما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي تصرففي أسباب المعيشة وأبواب الرزق. فأما مالك ملاك العبيد فقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكمفي تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غني عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هوإلا أن انا وحدي. انتهى، وهو تكثير وخطابة. وقرأ ابن محيصن: {ٱلرَّزَّاقُ }، كما قرأ: {وَفِى ٱلسَّمَاء }: اسم فاعل،وهي قراءة حميد. وقرأ الأعمش، وابن وثاب: {ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } بالجر، صفة للقوة على معنى الاقتدار، قاله الزمخشري، أو كأنهقال: ذو الأيد، وأجاز أبو الفتح أن تكون صفة لذو وخفض على الجوار، كقولهم: هذا جحر ضب خرب. {فَإِنَّلِلَّذِينَ ظَلَمُواْ }: هم أهل مكة وغيرهم من الكفار الذين كذبوا الرسول ﷺ، ذنوباً: أي حظاً ونصيباً،{مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ }: من الأمم السابقة التي كذبت الرسل في الإهلاك والعذاب. وعن قتادة: سجلاً من عذاب الله مثلسجل أصحابهم. وقال الجوهري: الذنوب: الدلو الملأى ماء، ولا يقال لها ذنوب وهي فارغة وجمعها العدد، وفي الكثير ذنائب. والذنوب:الفرس الطويل الذنب، والذنوب: النصيب، والذنوب: لحم أسفل المتن. وقال ابن الأعرابي: يقال يوم ذنوب: أي طويل الشر لا ينقضي.{فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ }، قيل: يوم بدر. وقيل: يوم القيامة {ٱلَّذِى يُوعَدُونَ }: أي به، أو يوعدونه.