تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الحجر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } * { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } * { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } * { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ } * { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } * { وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } * { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ } * { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } * { وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } * { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } * { لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } * { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } * { وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } * { إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } * { وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } * { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } * { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } * { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } * { وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ } * { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }[عدل]

رب: حرف جر لا اسم خلافاً للكوفيين والأخفش في أحد قوليه، وابن الطراوةومعناها في المشهور: التقليل لا التكثير، خلافاً لزاعمه وناسبه إلى سيبويه، ولمن قال: لا تفيد تقليلاً ولا تكثيراً، بل هيحرف إثبات. ودعوى أبي عبد الله الرازي الاتفاق على أنها موضوعة للتقليل باطلة، وقول الزجاج: إن رب للكثرة ضد مايعرفه أهل اللغة ليس بصحيح، وفيها لغات، وأحكامها كثيرة ذكرت في النحو، ولم تقع في القرآن إلا في هذه السورةعلى كثرة وقوعها في لسان العرب. ذر: أمر استغنى غالباً عن ماضيه بترك، وفي الحديث: «ذروا الحبشة ما وذرتكم»لو ما: حرف تحضيض، فيليها الفعل ظاهراً أو مضمراً، وحرف امتناع لوجود فيليها الاسم مبتدأ على مذهب البصريين ومنه، قولالشاعر:

لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما     ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري

وقال بعضهم:الميم في لو ما بدل من اللام في لولا، ومثله: استولى على الشيء واستوما. وخاللته وخالمته فهو خلى وخلمي أي:صديقي. وقال الزمخشري: لو ركبت مع لا وما لمعنيين، وأما هل فلم تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض انتهى. والذيأختاره البساطة فيهما لا التركيب، وأنّ ما ليست بدلاً من لا. سلك الخيط في الإبرة وأسلكها أدخله فيها ونظمه. قالالشاعر:

حتى إذا سلكوهم في قتائدة     شلا كما تطرد الحمالة الشردا

وقال الآخر:

وكنت لزاز خصمك لم أعود     وقد سلكوك في يوم عصيب

الشهاب: شعلة النار، ويطلق علىالكوكب لبريقه شبه بالنار. وقال أبو تمام:

والعلم في شهب الأرماح لامعة     بين الخميسين لا في السبعة الشهب

اللواقح: الظاهر أنها جمع لاقح أي: ذوات لقاح كلابن وتامر، وذلك أنّ الريح تمر على الماء ثم تمرعلى السحاب والشجر فيكون فيها لقاح قاله الفراء. وقال الأزهري: حوامل تحمل السحاب وتصرفه، وناقة لاقح، ونوق لواقح إذا حملتالأجنة في بطونها. وقال زهير:

إذا لقحت حرب عوان مضرة     ضروس تهر الناس أنيابها عصل

وقالأبو عبيدة: أي ملاقح جمع ملقحة، لأنها تلقح السحاب بإلقاء الماء. وقال:

ومختبط ممـا تطيـح الطوائـح    

أي: المطاوح جمع مطيحة. الصلصال: قالأبو عبيدة الطين إذا خلط بالرمل وجف، وقال أبو الهيثم: الصلصال صوت اللجام وما أشبهه، وهو مثل القعقعة في الثوب.وقيل: التراب المدقق، وصلصل الرمل صوت، وصلصال بمعنى مصلصل كالقضقاض أي المقضقض، وهو فيه كثير، ويكون هذا النوع من المضعفمصدراً فتقول: زلزل زلزالاً بالفتح، وزلزالاً بالكسر، ووزنه عند البصريين فعلال، وهكذا جميع المضاعف حروفه كلها أصول لا قعقع، خلافاًللفراء وكثير من النحويين. ولا فعفل خلافاً لبعض البصريين وبعض الكوفيين، ولا أنّ أصله فعل بتشديد العين أبدل من الثانيحرف من جنس الحرف الأول خلافاً لبعض الكوفيين. وينبني على هذه الأقوال: ورب صلصال. الحمأ: طين اسود منتن، واحدة حمأةبتحريك الميم قاله الليث ووهم في ذلك، وقالوا: لا نعرف في كلام العرب الحمأة إلا ساكنة الميم، قاله أبو عبيدةوالأكثرون، كما قال أبو الأسود:

يجئك بملئها طوراً وطورا     يجيء بحماة وقليل ماء

وعلى هذا لا يكون حمأ بينه وبين مفرده تاء التأنيث لاختلاف الوزن. السموم: إفراط الحر، يدخل في المسام حتىيقتل من نار أو شمس أو ريح. وقيل: السموم بالليل، والحر بالنهار. {الرَ تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍرُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍإِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـخِرُونَ }: هذه السورة مكية بلا خلاف، ومناسبتها لماقبلها: أنه تعالى لما ذكر في آخر السورة قبلها أشياء من أحوال القيامة من تبديل السموات والأرض، وأحوال الكفار فيذلك اليوم، وأنّ ما أتى به هو على حسب التبليغ والإنذار، ابتدأ في هذه السورة بذكر القرآن الذي هو بلاغللناس، وأحوال الكفرة، وودادتهم لو كانوا مسلمين. قال مجاهد وقتادة: الكتاب هنا ما نزل من الكتب قبل القرآن، فعلى قولهماتكون تلك إشارة إلى آيات الكتاب. قال ابن عطية: ويحتمل أن يراد بالكتاب القرآن، فعلى قولهما تكون تلك إشارة إلىآيات الكتاب. قال ابن عطية: ويحتمل أن يراد بالكتاب القرآن، وعطفت الصفة عليه، ولم يذكر الزمخشري إلا أن تلك الإشارةلما تضمنته السورة من الآيات قال: والكتاب والقرآن المبين السورة، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونهكتاباً، وآي قرآن مبين كأنه قيل: والكتاب الجامع للكمال والغرابة في الشأن، والظاهر أنّ ما في ربما مهيئة، وذلك أنهامن حيث هي حرف جر لا يليها إلا الأسماء، فجيء بما مهيئة لمجيء الفعل بعدها. وجوزوا في ما أنْ تكوننكرة موصوفة، ورب جازة لها، والعائد من جملة الصفة محذوف تقديره: رب شيء يوده الذين كفروا. ولو كانوا مسلمين بدلمن ما على أنّ لو مصدرية. وعلى القول الأول تكون في موضع نصب على المفعول ليود، ومن لا يرى أنْلو تأتي مصدرية جعل مفعول يود محذوفاً. ولو في لو كانوا مسلمين حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجواب لومحذوف أي: ربما يود الذين كفروا الإسلام لو كانوا مسلمين لسروا بذلك وخلصوا من العذاب، ولما كانت رب عند الأكثرينلا تدخل على مستقبل تأولوا يود في معنى ودّ، ولما كان المستقبل في إخبار الله لتحقق وقوعه كالماضي، فكأنه قيل:ود، وليس ذلك بلازم، بل قد تدخل على المستقبل لكنه قليل بالنسبة إلى دخولها على الماضي. ومما وردت فيه للمستقبلقول سليم القشيري:

ومعتصم بالجبن من خشية الردى     سيردي وغاز مشفق سيؤب

وقول هندأم معاوية:

يا رب قائلة غدا     يا لهف أم معاوية

وقول جحدر:

فإن أهلك فرب فتى سيبكي     عليّ مهذب رخص البنان

في عدة أبيات. وقول أبي عبد اللهالرازي: أنهم اتفقوا على أنّ كلمة رب مختصة بالدخول على الماضي لا يصح، فعلى هذا لا يكون يودّ محتاجاً إلىتأويل. وأما من تأول ذلك على إضمار كان أي: ربما كان يودّ فقوله ضعيف، وليس هذا من مواضع إضمار كان.ولما كان عند الزمخشري وغيره أنّ رب للتقليل احتاجوا إلى تأويل مجيء رب هنا، وطول الزمخشري في تأويل ذلك. ومنقال: إنها للتكثير، فالتكثير فيها هنا ظاهر، لأنّ ودادتهم ذلك كثيرة. ومن قال: إنّ التقليل والتكثير إنما يفهم من سياقالكلام لا من موضوع رب، قال: دل سياق الكلام على الكثرة. وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون مبهوتين، فإن كانتمنهم إفاقة في بعض الأوقات من سكرتهم تمنوا، فلذلك قلل. وقرأ عاصم، ونافع: ربما بتخفيف الباء، وباقي السبعة بتشديدها. وعنأبي عمر: والوجهان. وقرأ طلحة بن مصرف، وزيد بن علي، ريتما بزيادة تاء. ومتى يودون ذلك؟ قيل: في الدنيا. فقالالضحاك: عند معاينة الموت. وقال ابن مسعود: هم كفار قريش ودّوا ذلك في يوم بدر حين رأوا الغلبة للمسلمين. وقيل:حين حل بهم ما حل من تملك المسلمين أرضهم وأموالهم ونساءهم، ودُّوا ذلك قبل أن يحل بهم ما حل. وقيل:ودوا ذلك في الآخرة إذا أخرج عصاة المسلمين من النار قاله: ابن عباس، وأنس بن مالك، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية،وإبراهيم، ورواه أبو موسى عن رسول الله ﷺ. وقرأ الرسول هذه الآية، وقيل: حين يشفع الرسولويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة، ورواه مجاهد عن ابن عباس. وقيل: إذا عاينوا القيامة ذكره الزجاج.وقيل: عند كل حالة يعذب فيها الكافر ويسلم المؤمن، ذكره ابن الأنباري. ثم أمر تعالى نبيه بأن ينذرهم، وهو أمروعيد لهم وتهديد أي: ليسوا ممن يرعوي عن ما هو فيه من الكفر والتكذيب، ولا ممن تنفعه النصيحة والتذكير، فهمإنما حظهم حظ البهائم من الأكل والتمتع بالحياة الدنيا والأمل في تحصيلها، هو الذي يلهيهم ويشغلهم عن الإيمان بالله ورسوله.وفي قوله: يأكلوا ويتمتعوا، إشارة إلى أنّ التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للموت والتأهب له ليس من أخلاق من يطلب النجاةمن عذاب الله في الآخرة، وعن بعض العلماء: التمتع في الدنيا من أخلاق الهالكين. وقال الحسن: ما أطال عبد الأملإلا أساء العمل. وانجزم يأكلوا، وما عطف عليه جواباً للأمر. ويظهر أنه أمر بترك قتالهم وتخلية سبيلهم وبمهادنتهم وموادعتهم، ولذلكترتب أن يكون جواباً، لأنه لو شغلهم بالقتال ومصالتة السيوف وإيقاع الحرب ما هنا هم أكل ولا تمتع، وبدل علىذلك أنّ السورة مكية، وإذا جعلت ذرهم أمراً بترك نصيحتهم وشغل باله بهم، فلا يترتب عليه الجواب، لأنهم يأكلون ويتمتعونسواء ترك نصيحتهم، أم لم يتركها. فسوف يعلمون: تهديد ووعيد أي: فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وما يؤولون إليه في الدنيامن الذل والقتل والسبي، وفي الآخرة من العذاب السرمدي. ولما توعدهم بما يحل بهم أردف ذلك بما يشعر بهلاكهم، وأنهلا يستبطأ، فإنّ له إجلالاً يتعداه، والمعنى: من أهل قرية كافرين. والظاهر أن المراد بالهلاك هلاك الاستئصال لمكذبي الرسل، وهوأبلغ في الزجر. وقيل: المراد الإهلاك بالموت، والواو في قوله: ولها، واو الحال. وقال بعضهم: مقحمة أي زائدة، وليس بشيء.وقرأ ابن أبي عبلة: بإسقاطها وقال الزمخشري: الجملة واقعة صفة لقرية، والقياس أنْ لا تتوسط الواو بينهما كما في قولهتعالى:

{ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ }

وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءنيزيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب انتهى. ووافقه على ذلك أبو البقاء فقال: الجملة نعت لقرية كقولك: ما لقيت رجلاًإلا عالماً قال: وقد ذكرنا حال الواو في مثل هذا في البقرة في قوله:

{ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ }

انتهى. وهذا الذي قاله الزمخشري وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحداً قاله من النحويين، وهو مبني علىأنّ ما بعداً لا يجوز أن يكون صفة، وقد منعوا ذلك. قال: الأخفش لا يفصل بين الصفة والموصوف بالإثم، قال:ونحو ما جاءني رجل إلا راكب تقديره: إلا رجل راكب، وفيه قبح بجعلك الصفة كالإسم. وقال أبو علي الفارسي: تقولما مررت بأحد إلا قائماً، فقائماً حال من أحد، ولا يجوز إلا قائم، لأنّ إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف.وقال ابن مالك: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشري من قوله: في نحو ما مررت بأحد إلا زيد خير منه،أنّ الجملة بعد إلا صفة لأحد، أنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي، فلا يلتفت إليه. وأبطل ابن مالك قولالزمخشري أنّ الواو توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. وقال القاضي منذر بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أنّ الحالةالتي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:

{ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا }

انتهى. والظاهر أنّ الكتاب المعلوم هو الأجل الذي كتب في اللوح وبين، ويدل على ذلك ما بعده. وقيل:مكتوب فيه أعمالهم وأعمارهم وآجال هلاكهم. وذكر الماوردي: كتاب معلوم أي: فرض محتوم، ومن زائدة تفيد استغراق الجنس أي: ماتسبق أمة، وأنث أجلها على لفظ أمة وجمع وذكر في وما يستأخرون حملاً على المعنى، وحذف عنه لدلالة الكلام عليه.{وَقَالُواْ يأَيُّهَا * أَيُّهَا *ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ* مَا نُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ }: قالمقاتل: نزلت في عبد الله بن أمية، والنضر بن الحرث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. وقرأ زيد بن علي:نزل عليه الذكر ماضينا مخففاً مبنياً للفاعل. وقرأ: يا أيها الذي ألقي إليه الذكر، وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسيراً،لأنها مخالفة لسواد المصحف. وهذا الوصف بأنه الذي نزل عليه الذكر قالوه على جهة الاستهزاء والاستخفاف، لأنهم لا يقرون بتنزيلالذكر عليه، وينسبونه إلى الجنون، إذ لو كان مؤمناً برسالة موسى وما أخبر عنه بالجنون. ثم اقترحوا عليه أن يأتيهمبالملائكة شاهدين لصدقك وبصحة دعواك وإنذارك كما قال:

{ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ }

فيكون معه نذيراً أو معاقبين على تكذيبك،كما كانت تأتي الأمم المكذبة. وقرأ الحرميان والعربيان: ما تنزل مضارع تنزل أي: ما تتنزل الملائكة بالرفع. وقرأ أبو بكر،ويحيـى بن وثاب: ما تنزل بضم التاء وفتح النون والزاي الملائكة بالرفع. وقرأ الأخوان، وحفص، وابن مصرف: ما ننزل بضمالنون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي الملائكة بالنصب. وقرأ زيد بن علي: ما نزل ماضياً مخففاً مبنياً للفاعل الملائكة بالرفع.والحق هنا العذاب قاله الحسن، أو الرسالة قاله مجاهد، أو قبض الأرواح عند الموت قاله ابن السائب، أو القرآن ذكرهالماوردي. وقال الزمخشري: ألا تنزلا ملتبساً بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أنْ تأتيكم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلىالله عليه وسلم، لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار. وقال ابن عطية: والظاهر أنّ معناها: كما يجب ويحق من الوحي والمنافعالتي أرادها الله تعالى لعباده، لا على اقتراح كافر، ولا باختيار معترض. ثم ذكر عادة الله في الأمم من أنهلم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب في أثرها إنْ لم يؤمنوا، فكان الكلام ما تنزل الملائكة إلا بحق واجبلا باقتراحكم. وأيضاً فلو نزلت لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب أي: تؤخروا والمعنى، وهذا لا يكون إذ كان في علمالله أنّ منهم من يؤمن، أو يلد من يؤمن. وقال الزمخشري: وادن جواب وجزاء، لأنه جواب لهم، وجزاء بالشرطمقدر تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذبهم. ولما قالوا على سبيل الاستهزاء: يا أيها الذي نزلعليه الذكر، رد عليهم بأنه هو المنزل عليه، فليس من قبله ولا قبل أحد، بل هو الله تعالى الذي بعثبه جبريل عليه السلام إلى رسوله، وأكد ذلك بقوله: إنا نحن، بدخول إنّ وبلفظ نحن. ونحن مبتدأ، أو تأكيد لاسمإنّ ثم قال: وإنا له لحافظون أي: حافظون له من الشياطين. وفي كل وقت تكفل تعالى بحفظه، فلا يعتريه زيادةولا نقصان، ولا تحريف ولا تبديل، بخلاف غيره من الكتب المتقدمة، فإنه تعالى لم يتكفل حفظها بل قال تعالى: إنالأحبار والربانيين استحفظوا ولذلك وقع فيها الاختلاف. وحفظه إياه دليل على أنه من عنده تعالى، إذ لو كان منقول البشر لتطرق إليه ما تطرق لكلام البشر. وقال الحسن: حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة. وقيل: يحفظه في قلوبمن أراد بهم خيراً حتى لو غير أحد نقطة لقال له الصبيان: كذبت، وصوابه كذا، ولم يتفق هذا لشيء منالكتب سواه. وعلى هذا فالظاهر أنّ الضمير في له عائد على الذكر، لأنه المصرح به في الآية، وهو قول الأكثر:مجاهد، وقتادة، وغيرهما. وقالت فرقة: الضمير في له عائد على رسول الله ﷺ أي: يحفظه من أذاكم،ويحوطه من مكركم كما قال تعالى:

{ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ }

وفي ضمن هذه الآية التبشير بحياة رسول اللهﷺ حتى يظهر الله به الدين. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلاْوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِممّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلاْوَّلِينَ* وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِنَ ٱلسَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ }:لما ذكر تعالى استهزاء الكفار به عليه السلام، ونسبته إلى الجنون، واقتراح نزول الملائكة، سلاه تعالى بأن من أرسل منقبلك كان ديدن الرسل إليهم مثل ديدن هؤلاء معك. وتقدم تفسير الشيع في أواخر الأنعام. ومفعول أرسلنا محذوف أي: رسلاًمن قبلك. وقال الفراء: في شيع الأولين هو من إضافة الشيء إلى صفته كقوله: حق اليقين، وبجانب الغربي أي الشيعالموصوف، أي: في شيع الأمم الأولين، والأولون هم الأقدمون. وقال الزمخشري: وما يأتيهم حكاية ماضية، لأنّ ما لا تدخل علىمضارع، إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال انتهى. وهذا الذي ذكره هو قولالأكثر من أنّ ما تخلص المضارع للحال وتعينه له، وذهب غيره إلى أنّ ما يكثر دخولها على المضارع مراداً بهالحال، وتدخل عليه مراداً به الاستقبال، وأنشد على ذلك قول أبي ذؤيب:

أودي بني وأودعوني حسرة     عند الرقاد وعبرة ما تقلع

وقول الأعشى يمدح الرسول عليه السلام:

له نافلات ما يغب نوالها     وليس عطاء اليوم مانعه غدا

وقال تعالى:

{ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى }

إلى والضمير في نسلكه عائد على الذكر قاله الزمخشري، قال: والضمير للذكر أي: مثل ذلك السلك. ونحوه:نسلك الذكر في قلوب المجرمين على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأ به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيمحاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام يعني: مثل هذا الإنزال أنزلها بهم، مردودة غير مقصية. ومحل قوله: لايؤمنون النصب على الحال أي: غير مؤمن به، أو هو بيان لقوله: كذلك نسلكه انتهى. وما ذهب إليه من أنّالضمير عائد على الذكر ذكره الغرنوي عن الحسن. قال الحسن: معناه نسلك الذكر إلزاماً للحجة. وقال ابن عطية: الضمير فينسلكه عائد على الاستهزاء والشرك ونحوه، وهو قول: الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد. ويكون الضمير في به يعود أيضاًعلى ذلك نفسه، وتكون باء السبب أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: لا يؤمنون به في موضع الحال،ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائداً على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن أي: مكذباً به مردوداً مستهزأ به،يدخله في قلوب المجرمين. ويكون الضمير في به عائداً عليه، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائداً على الاستهزاء والشرك،والضمير في به يعود على القرآن، فيختلف على هذا عود الضميرين انتهى. وروى ابن جريج عن مجاهد بذلك التكذيب، فعلىهذا تكون الباء في به للسبب. والذي يظهر عوده على الاستهزاء المفهوم من قوله: يستهزؤون، والباء في به للسبب. والمجرمونهنا كفار قريش، ومن دعاهم الرسول إلى الإيمان. ولا يؤمنون إن كان إخباراً مستأنفاً فهو من العام المراد به الخصوصفيمن ختم عليه، إذ قد آمن عالم ممن كذب الرسول. وقد خلت سنة الأولين في تكذيبهم رسلهم، أو في إهلاكهمحين كذبوا رسلهم، واستهزؤوا بهم، وهو تهديد لمشركي قريش. والضمير في عليهم عائد على المشركين، وذلك لفرط تكذيبهم وبعدهم عنالإيمان حتى ينكروا ما هو محسوس مشاهد بالأعين مماس بالأجساد بالحركة والانتقال، وهذا بحسب المبالغة التامة في إنكار الحق. والظاهرأنّ الضمير في فظلوا عائد على من عاد عليه في قوله: عليهم، أي: لو فتح لهم باب من السماء، وجعللهم معراج يصعدون فيه لقالوا: هو شيء تتخيله لا حقيقة له، وقد سخرنا بذلك. وجاء لفظ فظلوا مشعراً بحصول ذلكفي النهار ليكونوا مستوضحين لما عاينوا، على أنّ ظل يأتي بمعنى صار أيضاً. وعن ابن عباس أنّ الضمير في فظلوايعود على الملائكة لقولهم:

{ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ }

أي: ولو رأوا الملائكة تصعد وتنصرف في باب مفتوح في السماءلما آمنوا. وقرأ الأعمش، وأبو حيوة: يعرجون بكسر الراء، وهي لغة هذيل في العروج بمعنى الصعود. وجاء لفظ إنمامشعراً بالحصر، كأنه قال: ليس ذلك إلا تسكيراً للإبصار. وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن كثير: سكرت بتخفيف الكاف مبنياً للمفعول، وقرأباقي السبعة: بشدها مبنياً للمفعول. وقرأ الزهري: بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنياً للفاعل، شبهوا رؤية أبصارهم برؤية السكران لقلةتصوره ما يراه. فأما قراءة التشديد فعن ابن عباس وقتادة منعت عن رؤية الحقيقة من السكر، بكسر السين وهو الشدوالحبس. وعن الضحاك شدّت، وعن جوهر جدعت، وعن مجاهد حبست، وعن الكلبي عميت، وعن أبي عمرو غطيت، وعن قتادة أيضاًأخذت، وعن أبي عبيد غشيت. وأما قراءة التخفيف فقيل: بالتشديد، إلا أنه للتكثير، والتخفيف يؤدي عن معناه. وقيل: معنى التشديدأخذت، ومعنى التخفيف سحرت. والمشهور أن سكر لا يتعدى. قال أبو علي: ويجوز أن يكون سمع متعدياً في البصرة. وحكىأبو عبيدة عن أبي عبيدة أنه يقال: سكرت أبصارهم إذا غشيها سهاد حتى لا يبصروا. وقيل: التشديد من سكر الماء،والتخفيف من سكر الشراب، وتقول العرب: سكرت الريح تسكر سكراً إذا ركدت ولم تنفذ لما انتفت بسبيله، أولاً وسكراً الرجلمن الشراب سكراً إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما كان للإنسان أن ينفذ فيه. ومن هذا المعنى سكرانيبت أي: لا يقطع أمراً. وتقول العرب: سكرت في مجاري الماء إذا طمست، وصرفت المائ فلم ينفذ لوجهه. فإن كانمن سكر الشراب، أو من سكر الريح، فالتضعيف للتعدية. أو من سكر مجاري الماء فللتكثير، لأنّ مخففة متعد. وأما سكرتبالتخفيف فإن كان من سكر الماء ففعله متعد، أو من سكر الشراب أو الريح فيكون من باب وجع زيد ووجعهغيره، فتقول: سكر الرجل وسكره غيره، وسكرت الريح وسكرها غيرها، كما جاء سعد زيد وسعده غيره. ولخص الزمخشري في هذافقال: وسكرت خيرت أو حبست من السكر، أو السكر. وقرىء بالتخفيف أي: حبست كما يحبس النهر عن الجري انتهى. وقرأابان بن ثعلب: سحرت أبصارنا. ويجيء قوله: بل نحن قوم مسحورون، انتقالاً إلى درجة عظمى من سحر العقل. وينبغي أنتجعل هذه القراءة تفسير معنى لا تلاوة، لمخالفتها سواد المصحف. وجاء جواب ولو، قوله: لقالوا أي أنهم يشاهدون ما يشاهدون،ولا يشكون في رؤية المحسوس، ولكنهم يقولون ما لا يعتقدون مواطأة على العناد، ودفع الحجة، ومكابرة وإيثاراً للغلبة كما قالتعالى:

{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }

. {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلّشَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ }: لما ذكر حال منكري النبوة وكانت مفرعة على التوحيد، ذكردلائله السماوية، وبدأ بها ثم أتبعها بالدلائل الأرضية. وقال ابن عطية: لما ذكر تعالى أنهم لو رأوا الآية المذكورة فيالسماء لعاندوا فيها، عقب ذلك بهذه الآية كأنه قال: وإنّ في السماء لعبراً منصوبة عبر عن هذه المذكورة، وكفرهم بها،وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو انتهى. والظاهر أن جعلنا بمعنى خلقنا، وفي السماء متعلق بجعلنا. ويحتمل أن يكون بمعنى صيرنا،وفي السماء المفعول الثاني، فيتعلق بمحذوف. والبروج جمع برج، وتقدم شرحه لغة. قال الحسن وقتادة: هي النجوم. وقال أبو صالح:الكواكب السيارة. وقال علي بن عيسر: اثنا عشر برجاً الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو،والحوت، وهي منازل الشمس والقمر. وقال ابن عطية: قصور في السماء فيها الحرس، وهي المذكورة في قوله:

{ مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً }

وقيل: الفلك اثنا عشر برجاً، كل برج ميلان ونصف. والظاهر أن الضمير في وزيناها عائد على البروج لأنهاالمحدث عنها، والأقرب في اللفظ. وقيل: على السماء، وهو قول الجمهور. وخص بالناظرين لأنها من المحسوسات التي لا تدرك إلابنظر العين. ويجوز أن يكون من نظر القلب لما فيها من الزينة المعنوية، وهو ما فيها من حسن الحكم وبدائعالصنع وغرائب القدرة. والضمير في حفظناها عائد على السماء، ولذلك قال الجمهور: إن الضمير في وزيناها عائد على السماء حتىلا تختلف الضمائر، وحفظ السماء هو بالرجم بالشهب على ما تضمنته الأحاديث الصحاح قال رسول الله ﷺ: إن الشياطين تقرب من السماء أفواجاً فينفرد المارد منها فيستمع، فيرمي بالشهاب فيقول لأصحابه. وهو يلتهب: إنه الأمر كذا وكذا، فتزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة فيزيدون على الكلمة مائة كلمة ونحو هذا الحديث. وقال ابن عباس: إن الشهبتخرج وتؤذي، ولا تقتل. وقال الحسن: تقتل. وفي الأحاديث ما يدل على أنّ الرجم كان في الجاهلية ولكنه اشتد فيوقت الإسلام. وحفظت السماء حفظاً تاماً. وعن ابن عباس: كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاثسموات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السمموات كلها. والظاهر أنّ قوله: إلا من استرق، استثناء متصلوالمعنى: فإنها لم تحفظ منه، ذكره الزهراوي وغيره والمعنى: أنه سمع من خبرها شيئاً وألقاه إلى الشياطين. وقيل: هو استثناءمنقطع والمعنى: أنها حفظت منه، وعلى كلا التقديرين فمِن في موضع نصب. وقال الحوفي: من بدل من كل شيطان، وكذاقال أبو البقاء: حر على البدل أي: إلا ممن استرق السمع. وهذا الإعراب غير سائغ، لأن ما قبله موجب، فلايمكن التفريغ، فلا يكون بدلاً، لكنه يجوز أن يكون إلا من استرق نعتاً على خلاف في ذلك. وقال أبو البقاء:ويجوز أن يكون من في موضع رفع على الابتداء، وفأتبعه الخبر. وجاز دخول الفاء من أجل أنّ مِن بمعنى الذي،أو شرط انتهى. والاستراق افتعال من السرقة، وهي أخذ الشيء بخفية، وهو أن يخطف الكلام خطفة يسيرة. والسمع المسموع، ومعنىمبين: ظاهر للمبصرين. {وَٱلاْرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَوَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ * وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا ٱلرّيَاحَ لَوَاقِحَفَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ * وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوٰرِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَمِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }: مددناها بسطناها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها.قال الحسن: أخذ الله طينة فقال لها: انبسطي فانبسطت. وقيل: بسطت من تحت الكعبة. ولما كانت هذه الجملة بعدها جملةفعلية، كان النصب على الاشتغال أرجح من الرفع على الابتداء، فلذلك نصب والأرض. والرواسي: الجبال، وفي الحديث:

{ إن الأرض كانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة فثبتها الله بالجبال }

ومِن في من كل للتبعيض، وعند الأخفش هي زائدة أي كل شيء.والظاهر أنّ الضمير في فيها يعود على الأرض الممدودة، وقيل: يعود على الجبال، وقيل: عليها وعلى الأرض معاً. قال ابنعباس، وابن جبير: موزون مقدر بقدر. وقال الزمخشري قريباً منه قال: وزن بميزان الحكمة، وقدر بمقدار يقتضيه لا يصلح فيهزيادة ولا نقصان. وقال ابن عطية: قال الجمهور: معناه مقدر محرر بقصد وإرادة، فالوزن على هذا مستعار. وقال ابن زيد:المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة، وغير ذلك مما يوزن. وقال قتادة: موزون مقسوم. وقال مجاهد: معدود، وقال الزمخشري: أولهوزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة. وبسطه غيره فقال: ما له منزلة، كما تقول: ليس له وزن أي: قدر ومنزلة.ويقال: هذا كلام موزون، أي منظوم غير منتثر. فعلى هذا أي: أنبتنا فيها، ما يوزن من الجواهر والمعادن والحيوان. وقالتعالى:

{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا }

والمقصود بالإنبات الإنشاء والإيجاد. وقرأ الأعرج وخارجة عن نافع: معائش بالهمز. قال ابن عطية: والوجهترك الهمز، وعلل ذلك بما هو معروف في النحو. وقال الزمخشري: معايش بياء صريحة بخلاف الشمائل والخبائث، فإنّ تصريح الياءفيها خطأ، والصواب الهمزة، أو إخراج الياء بين بين. وتقدم تفسير المعايش أول الأعراف والظاهر أنّ من لمن يعقل ويرادبه العيال والمماليك والخدم الذين يحسبون أنهم يرزقونهم ويخطئون، فإن الله هو الرزاق يرزقكم وإياهم. وقال معناه الفراء، ويدخل معهمما لا يعقل بحكم التغليب كالأنعام والدواب، وما بتلك المثابة مما الله رازقه، وقد سبق إلى ظنهم أنهم الرازقون، وقالمعناه الزجاج. وقال مجاهد: الدواب والأنعام والبهائم. وقيل: الوحوش والسباع والطير. فعلى هذين القولين يكون من لما لا يعقل. والظاهرأنّ مِن في موضع جر عطفاً على الضمير المجرور في لكم، وهو مذهب الكوفيين ويونس والأخفش. وقد استدل القائل علىصحة هذا المذهب في البقرة في قوله:

{ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }

وقال الزجاج: من منصوب بفعل محذوف تقديره: وأعشنامن لستم أي: أمما غيركم، لأنّ المعنى أعشناكم. وقيل: عطفاً على معايش أي: وجعلنا لكم من لستم له برازقين منالعبيد والصناع. وقيل: والحيوان. وقيل: عطفاً على محل لكم. وقيل: من مبتدأ خبره محذوف لدلالة المعنى عليه أي: ومن لستمله برازقين جعلنا له فيها معايش. وهذا لا بأس به، فقد أجازوا ضربت زيداً وعمرو بالرفع على الابتداء أي: وعمروضربته، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه. وتقدم شرح الخزائن. وإنْ نافية، ومن زائدة، والظاهر أنّ المعنى: وما من شيءينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والأنعام به، فتكون الخزائن وهي ما يحفظ فيه الأشياء مستعارة منالمحسوس الذي هو الجسم إلى المعقول. وقال قوم: المراد الخزائن حقيقة، وهي التي تحفظ فيها الأشياء، وأن للريح مكاناً، وللمطرمكاناً، ولكل مكان ملك وحفظه، فإذا أمر الله بإخراج شيء منه أخرجته الحفظة. وقيل: المراد بالشيء هنا المطر، قاله ابنجريج. وقرأ الأعمش: وما نرسله مكان وما ننزله، والإرسال أعم، وهي قراءة تفسير معنى لا أنها لفظ قرآن، لمخالفتهاسواد المصحف. وعن ابن عباس، والحكم بن عيينة: أنه ليس عام أكثر مطراً من عام، ولكنّ الله تعالى ينزله فيمواضع دون مواضع. ولواقح جمع لاقح، يقال: ريح لاقح جائيات بخير من إنشاء سحاب ماطر، كما قيل للتي لا تأتيبخير بل بشر ريح عقيم، أو ملاقح أي: حاملات للمطر. وفي صحيح البخاري: لواقح ملاقح ملقحة. وقال عبيد بن عمير:يرسل الله المبشرة تقم الأرض قمائم المثيرة، فتثير السحاب. ثم المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر. ومن قرأبإفراد الريح فعلى تأويل الجنس كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، وسقى وأسقى قد يكونان بمعنى واحد. وقالأبو عبيدة: من سقى الشفة سقى فقط، أو الأرض والثمار أسقى، وللداعي لأرض وغيرها بالسقيا أسقى فقط. وقال الأزهري: العربتقول لكل ما كان من بطون الأنعام، ومن السماء، أو نهر يجري: أسقيته، أي جعلته شرباً له، وجعلت له منهمسقى. فإذا كان للشفة قالوا: سقى، ولم يقولوا أسقى. وقال أبو علي: سقيته حتى روي، وأسقيته نهراً جعلته شرباً له.وجاء الضمير هنا متصلاً بعد ضمير متصل كما تقدم في قوله:

{ أَنُلْزِمُكُمُوهَا }

وتقدم أنّ مذهب سيبويه فيه وجوب الاتصال.وما أنتم له بخازنين أي: بقادرين على إيجاده، تنبيهاً على عظيم قدرته، وإظهار العجز. هم أي: لستم بقادرين عليه حيناحتياجكم إليه. وقال سفيان: بخازنين أي بمانعين المطر. نحيـي: نخرجه من العدم الصرف إلى الحياة. ونميت: نزيل حياته. ونحن الوارثونالباقون بعد فناء الخلق. والمستقدمين قال ابن عباس والضحاك: الأموات، والمستأخرين الأحياء. وقال قتادة وعكرمة وغيرهما: المستقدمين في الخلق والمستأخرينالذين لم يخلقوا بعد. وقال مجاهد: المستقدمين من الأمم والمستأخرين أمة محمد ﷺ. وقال الحسن وقتادة أيضاً:في الطاعة والخبر، والمستأخرين بالمعصية والشر. وقال ابن جبير: في صفوف الحرب، والمستأخرين فيه. وقيل: من قتل في الجهاد، والمستأخرينمن لم يقتل. وقيل: في صفوف الصلاة، والمستأخرين بسبب النساء لينظروا إليهن. وقال قتادة أيضاً: السابقين إلى الإسلام والمتقاعسين عنه.والأولى حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر، والمعنى: أنه تعالى محيط علمه بمن تقدم وبمن تأخر وبأحوالهم، ثمأعلم تعالى أنه يحشرهم. وقرأ الأعمش: يحشرهم بكسر الشين. وقال ابن عباس ومروان بن الحكم، وأبو الحوراء: كانت تصلي وراءالرسول امرأة جميلة، فبعض يتقدم لئلا تفتنه وبعض يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت الآية فيهم. وفصل هذه الآيةبهاتين الصفتين من الحكمة والعلم في غاية المناسبة.

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } * { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } * { فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } * { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } * { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } * { قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } * { وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } * { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } * { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ } * { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } * { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } * { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } * { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } * { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } * { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ }[عدل]

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُمِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَاسَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَٱلسَّـٰجِدِينَ * قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْحَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ * قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰيَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ * قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيّنَنَّ لَهُمْ فِىٱلاْرْضِ وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْسُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ}: لما نبه تعالى على منتهى الخلق وهو الحشر يوم القيامة إلى ما يستقرون فيه، نبههم على مبدأ أصلهم آدم،وما جرى لعدوه إبليس من المحاورة مع الله تعالى. وتقدم شيء من هذه القصة في أوائل البقرة عقب ذكر الأماتةوالإحياء والرجوع إليه تعالى. وفي الأعراف بعد ذكر يوم القيامة، وذكر الموازين فيه. وفي الكهف بعد ذكر الحشر، وكذا فيسورة ص بعد ذكر ما أعد من الجنة والنار لخلقه. فحيث ذكر منتهى هذا الخلق ذكر مبدأهم وقصته مع عدوهإبليس ليحذرهم من كيده، ولينظروا ما جرى له معه حتى أخرجه من الجنة مقر السعادة والراحة، إلى الأرض مقر التكليفوالتعب، فيتحرزوا من كيده، ومن حمإ قال الحوفي بدل من صلصال، بإعادة الجار. وقال أبو البقاء: من حمإ في موضعجر صفة لصلصال. وقال ابن عباس: المسنون الطين ومعناه المصبوب، لأنه لا يكون مصبوباً إلا وهو رطب، فكنى عن المصبوببوصفه، لأنه موضوع له. وقال مجاهد وقتادة ومعمر: المنتن. قال الزمخشري: من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فالذييسيل بينهما سنين ولا يكون إلا منتناً. وقال غيره: من أسن الماء إذا تغير، ولا يصح لاختلاف المادتين. وقيل: مصبوبمن سننت التراب والماء إذا صببته شيئاً بعد شيء، فكان المعنى: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبةفي أمثلتها. قال الزمخشري: وحمأ مسنون بمعنى مصور أنْ يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف،فيبس حتى إذا نقر صلصال ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر انتهى. وقيل: المسنون المصور من سنة الوجه، وهيصورته. قال الشاعر:

تـريك سنـة وجـه غيـر مقرفـة    

وقيل: المسنون المنسوب أي: ينسب إليه ذريته. والجان: هو أبو الجن، قاله ابنعباس. قال الزمخشري: والجان للجن كآدم للناس. وقال الحسن وقتادة: هو إبليس، خلق قبل آدم. وقال ابن بحر: هو اسملجنس الجن، والإنسان المراد به آدم، ومن قبل أي: من قبل خلق الإنسان. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: والجأن بالهمز.والسموم قال ابن عباس: الريح الحارة التي تقتل. وعنه: نار لا دخان لها، منها تكون الصواعق. وقال الحسن: نار دونهاحجاب. وعن ابن عباس: نفس النار، وعنه: لهب النار. وقيل: نار اللهب السموم. وقيل: أضاف الموصوف إلى صفته أي: النارالسموم. وسويته أكملت خلقه، والتسوية عبارة عن الإتقان، وجعل أجزائه مستوية فيما خلقت. ونفخت فيه من روحي أي: خلقت الحياةفيه، ولا نفخ هناك، ولا منفوخ حقيقة، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيـي به فيه. وأضاف الروح إليه تعالى علىسبيل التشريف نحو: بيت الله، وناقة الله، أو الملك إذ هو المتصرف في الإنشاء للروح، والمودعها حيث يشاء. وقعوا لهأي: اسقطوا على الأرض. وحرف الجر محذوف من أن أي: ما لك فيأن لا تكون. وأي: داع دعا بك إلىإبائك السجود. ولا سجد اللام لام الجحود، والمعنى: لا يناسب حالي السجود له. وفي البقرة نبه على العلة المانعة لهوهي الاستكبار أي: رأى نفسه أكبر من أن يسجد. وفي الأعراف صرح بجهة الاستكبار، وهي ادعاء الخيرية والأفضلية بادعاء المادةالمخلوق منها كل منهما. وهنا نبه على مادة آدم وحده، وهنا فاخرج منها وفي الأعراف: { فَٱهْبِطْ مِنْهَا } وتقدم ذكرالخلاف فيما يعود عليه ضمير منها. وقد تقدمت منها مباحث في سورة البقرة، والأعراف، أعادها المفسرون هنا، ونحن نحيل علىما تقدم إلا ما له خصوصية بهذه السورة فنحن نذكره. فتقول: وضرب يوم الدين غاية للعنة، إما لأنه أبعدغاية يضر بها الناس في كلامهم، وإما أن يراد أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدينمن غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه. ويوم الدين، ويوم يبعثون، ويوم الوقت المعلوم،واحد. وهو وقت النفخة الأولى حتى تموت الخلائق. ووصف بالمعلوم إما لانفراد الله بعلمه كما قال: { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } { إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ }أو لأنه معلوم فناء العالم فيه، فيكون قد عبر بيوم الدين، وبيوميبعثون، ويوم الوقت المعلوم، بما كان قريباً من ذلك اليوم. قال الزمخشري: ومعنى إغوائه إياه نسبته لغيه، بأن أمره بالسجودلآدم عليه السلام، فافضى ذلك إلى غيه. وما الأمر بالسجود الأحسن، وتعريض للثواب بالتواضع، والخضوع لأمر الله، ولكن إبليس اختارالإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيه ومن إرادته والرضا به انتهى. وهو على طريقة الاعتزال. والضمير في لهمعائد على غير مذكور، بل على ما يفهم من الكلام، وهو ذرية آدم. ولذلك قال في الآية الأخرى: { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } والتزيين تحسين المعاصي لهم ووسوسته حتى يقعوا فيها في الأرض أي: فيالدنيا التي هي دار الغرور لقوله تعالى: { أَخْلَدَ إِلَى ٱلاْرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } أو أراد أني أقدر على الاحتيال لآدم،والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء، فأنا على التزيين لأولاده أقدر. أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض،ولأرفعن رتبتي فيها أي: لأزينها في أعينهم، ولا حدثنهم بأنّ الزينة في الدنيا وحدها حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليهادونها، ونحوه: يجرح في عراقيبها نصلي قاله الزمخشري. وإلاّ عبادك استثناء القليل من الكثير، إذ المخلصون بالنسبة إلى الغاوين قليل،واستثناؤهم إبليس، لأنه علم أنّ تزيينه لا يؤثر فيهم، وفيه دليل على جلاله هذا الوصف، وأنه أفضل ما اتصف بهالطائع. وقرأ الكوفيون، ونافع، والحسن، والأعرج: بفتح اللام، ومعناه إلا من أخلصته للطاعة أنت، فلا يؤثر فيه تزييني. وقرأباقي السبعة والجمهور: بكسرها أي: إلا من أخلص العمل لله ولم يشرك فيه غيره. ولا رأءى به، والفاعل لقال اللهأي: قال الله. والإشارة بهذا إلى ما تضمنه المخلصين من المصدر أي: الإخلاص الذي يكون في عبادي هو صراط مستقيملا يسلكه أحد فيضل أو يزل، لأنّ من اصطفيته أو أخلص لي العمل لا سبيل لك عليه. وقيل: لما قسمإبليس ذرية آدم إلى غاو ومخلص قال تعالى: هذا أمر مصيره إليّ، ووصفه بالاستقامة، أي: هو حق، وصيرورتهم إلى هذينالقسمين ليست لك. والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان أي: إليه يصيرالنظر في أمرك. وقال الزمخشري: هذا طريقحق عليّ أن أراعيه، وهو أن يكون لك سلطان على عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته انتهى. فجعل هذاإشارة إلى انتفاء تزيينه وإغوائه. وكونه ليس له عليهم سلطان، فكأنه أخذ الإشارة إلى ما استثناه إبليس، وإلى ما قررهتعالى بقوله: إن عبادي. وتضمن كلامه مذهب المعتزلة. وقال صاحب اللوامح: أي: هذا صراط عهدة استقامته عليّ. وفي حفظه أي:حفظه عليّ، وهو مستقيم غير معوج. وقال الحسن: معنى عليّ إليَّ. وقيل: عليّ كأنه من مرّ عليه مرّ عليّ أي:على رضواني وكرامتي. وقرأ الضحاك، وابراهيم. وأبو رجاء، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، وقيس بن عباد، وحميد، وعمرو بن ميمون، وعمارةبن أبي حفصة، وأبو شرف مولى كندة، ويعقوب: عليّ مستقيم أي: عال لارتفاع شأنه. وهذه القراءة تؤكد أنّ الإشارة إلىالإخلاص وهو أقرب إليه. والإضافة في قوله: إنّ عبادي، إضافة تشريف أي: أنّ المختصين بعبادتي، وعلى هذا لا يكون قوله:إلا من اتبعك، استثناء متصلاً، لأنّ من اتبعه لم يندرج في قوله: إنّ عبادي: وإنْ كان أريد بعبادي عموم الخلقفيكون: إلاّ من اتبعك استثناء من عموم، ويكون فيه دلالة على استثناء الأكثر، وبقاء المستثنى منه أقل، وهي مسألة اختلففيها النحاة. فأجاز ذلك الكوفيون وتبعهم من أصحابنا الأستاذ أبو الحسن بن خروف، ودلائل ذلك مسطرة في كتب النحو. والذييظهر أنّ إبليس لما استثنى العباد المخلصين كانت الصفة ملحوظة في قوله: إنّ عبادي أي: عبادي المخلصين الذين ذكرتهم ليسلك عليهم سلطان. ومن في الغاوين لبيان الجنس أي: الذين هم الغاوون. وقال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قولمن زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما تقول العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة. قال: وذلكخلاف ما نص الله تعالى عليه، ولموعدهم مكان وعد اجتماعهم والضمير للغاوين. وقال ابن عطية: وأجمعين تأكيد، وفيه معنى الحالانتهى. وهذا جنوح لمذهب من يزعم أنّ أجمعين تدل على اتحاد الوقت، والصحيح أنّ مدلوله مدلول كلهم. والظاهر أنجهنم هي واحدة، ولها سبعة أبواب. وقيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها، فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصائبين، والخامسللمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين. وقرأ ابن القعقاع: جز بتشديد الزاي من غير همز، ووجهه أنه حذف الهمزة وألقى حركتهاعلى الزاي، ثم وقف بالتشديد نحو: هذا فرج، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. واختلف عن الزهري، ففي كتاب ابن عطية:وقرأ ابن شهاب بضم الزاي، ولعله تصحيف من الناسخ، لأني وجدت في التحرير: وقرأ ابن وثاب بضمها مهموزاً فيهما. وقرأالزهري بتشديد الزاي دون همز، وهي قراءة ابن القعغقاع. وأنّ فرقة قرأت بالتشديد منهم: ابن القعقاع. وفي كتاب الزمخشري وكتاباللوامح: أنه قرأ بالتشديد، وفي اللوامح هو وأبو جعفر.

{ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } * { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } * { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } * { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } * { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } * { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } * { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } * { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } * { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } * { قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ } * { قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } * { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } * { قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } * { إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } * { إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ } * { فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ } * { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } * { قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } * { وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } * { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } * { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } * { وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } * { قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ } * { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } * { قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ } * { قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } * { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } * { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } * { فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } * { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } * { وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ } * { فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } * { وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } * { وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ } * { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } * { فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ } * { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ } * { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } * { وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ } * { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ } * { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ } * { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } * { عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } * { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } * { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ } * { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }[عدل]

السرر: جمع سرير، ككليب وكلب. وبعض تميم يفتح الراء، وكذا كل مضاعفة فعيل.النصب: التعب. القنوط: أتم اليأس، يقال: قنط يقنط بفتحها، وقنط بفتح النون يقنط بكسرها وبضمها. الفضح والفضيحة مصدران لفضح يفضح،إذا أتى من أمر الإنسان ما يلزمه به العار، ويقال: فضحك الصبح، إذا تبين للناس. قال الشاعر:

ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا     مثل القلامة قد قصت من الظفر

التوسم: تفعل من الوسم، هي العلامة التي يستدلبها على مطلوب غيرها، يقال: توسم فيه الخير إذا رأى ميسم ذلك. وقال عبد الله بن رواحة في رسول اللهﷺ:

إني توسمت فيك الخير أجمعه     والله يعلم أني ثابت البصر

وقال الشاعر:             

توسمت لما أن رأيت مهابة     عليه وقلت المرء من آل هاشم

واتسم الرجل جعللنفسه علامة يعرف بها، وتوسم الرجل طلب كلاء الوسمي. وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك. وأصل التوسمالتثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير أو غيره. الأيكة: الشجرة الملتفة واحدة أيك. قال الشاعر:

تجلو بقادمتي حمامة أيكة     برداً أسف لثاته بالأثمد

الخفض مقابل الرفع، وهو كناية عنالإلانة والرفق. عضين: جمع عضة، وأصلها الواو والهاء يقال: عضيت الشيء تعضيه فرقته، وكل فرقة عضة، فأصله عضوة. وقيل: العضةفي قريش السحر، يقولون للساحر: عاضه، وللساحرة: عاضهة. قال الشاعر:

أعوذ بربي من النافثات     في عقد العاضه المعضه

وفي الحديث: لعن الله العاضهة والمستعضهة وفسر بالساحر والمستسحرة، فأصله الهاء. وقيل: من العضهيقال: عضهه عضها، وعضيهة رماه بالبهتان. قال الكسائي: العضه الكذب والبهتان، وجمعها عضون. وذهب الفراء إلى أنّ عضين من العضاة،وهي شجرة تؤذي تخرج كالشوك. ومن العرب من يلزم الياء ويجعل الإعراب في النون فيقول: عضينك كما قالوا: سنينك، وهيكثيرة في تميم وأسد. الصدع: الشق، وتصدع القوم تفرقوا، وصدعته فانصدع أي شققته فانشق. وقال مؤرج: أصدع أفصل، وقال ابنالأعرابي: أفصد. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ ءامِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًاعَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُوَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلاْلِيمُ }: لما ذكر تعالى ما أعد لأهل النار، ذكر ما أعد لأهل الجنة، ليظهر تباينما بين الفريقين. ولما كان حال المؤمنين معتنى به، أخبر أنهم في جنات وعيون، جعل ما يستقرون فيه في الآخرةكأنهم مستقرون فيه في الدنيا، ولذلك جاء: ادخلوها على قراءة الأمر، لأنّ من استقر في الشيء لا يقال له: أدخلفيه. وجاء حال الغاوين موعوداً به في قوله:

{ لَمَوْعِدُهُمْ }

أنهم لم يدخلوها. والعيون: جمع عين. وقرأ نافع، وأبو عمر،وحفص، وهشام: وعيون بضم العين، وباقي السبعة بكسرها. وقرأ الحسن: ادخلوها ماضياً مبنياً للمفعول من الإدخال. وقرأ يعقوب في روايةرويس كذلك، وبضم التنوين، وعنه فتحه. وما بعده أمر على تقدير: أدخلوها إياهم من الإدخال، أمر الملائكة بإدخال المتقين الجنة،وتسقط الهمزة في القراءتين. وقرأ الجمهور: ادخلوها أمر من الدخول. فعلى قراءتي الأمر، ثم محذوف أي: يقال لهم، أو يقالللملائكة. وبسلام في موضع نصب على الحال، واحتمبل أن يكون المعنى: مصحوبين بالسلامة، وأن يكون المعنى: مسلماً عليكم أي: محيون،كما حكي عن الملائكة أنهم يدخلون على أهل الجنة يقولون: سلام عليكم.

{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ }

تقدمشرحه في الأغراف. قيل: وانتصب إخواناً على الحال، وهي حال من الضمير، والحال من المضاف إليه إذا لم يكن معمولاَلما أضيف على سبيل الرفع أو النصب تندر، فلذلك قال بعضهم: إنه إذا كان المضاف جزأ من المضاف إليه كهذا،لأنّ الصدور بعض ما أضيفت إليه وكالجزء كقوله:

{ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً }

جاءت الحال من المضاف. وقد قررنا أنّذلك لا يجوز. وما استدلوا به له تأويل غير ما ذكروا، فتأويله هنا أنه منصوب على المدح، والتقدير: أمدح إخواناً.لما لم يمكن أن يكون نعتاً للضمير قطع من إعرابه نصباً على المدح، وقد ذكر أبو البقاء أنه حال منالضمير في الظرف في قوله: في جنات، وأن يكون حالاً من الفاعل في: ادخلوها، أو من الضمير في: آمنين.ومعنى إخواناً: ذوو تواصل وتوادد. وعلى سرر متقابلين: حالان. والقعود على السرير: دليل على الرفعة والكرامة التامة كما قال: يركبونثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة. وعن ابن عباس: على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر.وقال قتادة: متقابلين متساوين في التواصل والتزاور. وعن مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، تدور بهم الأسرة حيث ماداروا، فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين انتهى. ولا كانت الدنيا محل تعب بما يقاسى فيها من طلب المعيشة، ومعاناةالتكاليف الضرورية لحياة الدنيا وحياة الآخرة، ومعاشرة الأضداد، وعروض الآفات والأسقام، ومحل انتقال منها إلى دار أخرى مخوف أمرها عندالمؤمن، لا محل إقامة، أخبر تعالى بانتفاء ذلك في الجنة بقوله: لا يمسهم فيها نصب. وإذا انتفى المس، انتفت الديمومة.وأكد انتفاء الإخراج بدخول الباء في: بمخرجين. وقيل: للثواب أربع شرائط أن يكون منافع وإليه الإشارة بقوله: في جنات وعيونمقرونة بالتعظيم، وإليه الإشارة بقوله: ادخلوها بسلام آمنين خالصة عن مظان الشوائب الروحانية: كالحقد، والحسد، والغل، والجسمانية كالإعياء، والنصب. وإليهالإشارة بقوله: ونزعنا إلى لا يمسهم فيها نصب دائمة، وإليه الإشارة بقوله: وما هم منها بمخرجين. وعن علي بن الحسين:أن قوله ونزعنا الآية، نزلت في أبي بكر وعمر، والغل غل الجاهلية. وقيل: كانت بين بني تميم وعدي وهاشم أضغان،فلما أسلموا تحابوا. ولما تقدّم ذكر ما في النار، وذكر ما في الجنة، أكد تعالى تنبيه الناس. وتقرير ذلك وتمكينهفي النفس بقوله: نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وناسب ذكر الغفران والرحمة اتصال ذلك بقوله: إن المتقين. وتقديماً لهذينالوصفين العظيمين اللذين وصف بهما نفسه وجاء قوله: وأن عذابي، في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة. وأنيالمعذب المؤلم، كل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة. وسدت أنّ مسد مفعولي نبىء إن قلنا إنها تعدت إلى ثلاثة، ومسدواحد إن قلنا: تعدّت إلى اثنين. وعن ابن عباس: غفور لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب. وفي قوله: نبىء الآية،ترجيح جهة الخير من جهة أمره تعالى رسوله بهذا التبليغ، فكأنه إشهاد على نفسه بالتزام المغفرة والرحمة. وكونه أضاف العبادإليه فهو تشريف لهم، وتأكيد اسم أنّ بقوله: أنا. وإدخال أل على هاتين الصفتين وكونهما جاءتا بصيغة المبالغة والبداءة بالصفةالسارة أولاً وهي الغفران، واتباعها بالصفة التي نشأ عنها الغفران وهي الرحمة. وروي في الحديث: لو يعلم العبد قدر عفو الله ما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه وفي الحديث عن ابن المبارك بإسناده أن الرسول صلىالله عليه وسلم طلع من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال: ألا أراكم تضحكون ثم أدبر حتىإذا كان عناء الحجر، رجع إلينا القهقرى فقال: جاء جبريل عليه السلام فقال يقول الله لم تقنط عبادي نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم {وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا * قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَبِٱلْحَقّ فَلاَ تَكُن مّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } ولما ذكر تعالى ما أعدللعاصين من النار، وللطائعين من الجنة، ذكر العرب بأحوال من يعرفونه ممن عصى وكذب الرسل فحل به عذاب الدنيا قبلعذاب الآخرة، ليزدجروا عن كفرهم، وليعتبروا بما حل بغيرهم. فبدأ بذكر جدهم الأعلى إبراهيم عليه السلام، وما جرى لقوم ابنأخيه لوط، ثم بذكر أصحاب الحجر وهم قوم صالح، ثم بأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب. وقرأ أبو حيوة: ونبيهم بإبدالالهمزة ياء. وضيف ابراهيم هم الملائكة الذين بشروه بالولد، وبهلاك قوم لوط. وأضيفوا إلى ابراهيم وإن لم يكونوا أضيافاً، لأنهمفي صورة من كان ينزل به من الأضياف، إذ كان لا ينزل به أحد إلى ضافه، وكان يكنى أبا الضيفان.وكان لقصره أربعة أبواب، من كل جهة باب، لئلا يفوته أحد. والضيف أصله المصدر، والأفصح أن لا يثنى ولا يجمعللمثنى والمجموع، ولا حاجة إلى تكلف إضمار كما قاله النحاس وغيره من تقدير: أصحاب ضيف. وسلاماً مقتطع من جملة محكيةبقالوا، فليس منصوباً به، والتقدير: سلمت سلاماً من السلامة، أو سلمنا سلاماً من التحية. وقيل: سلاماً نعت لمصدر محذوف تقديره:فقالوا قولاً سلاماً، وتصريحه هنا بأنه رجل منهم، كان بعد تقريبه إليهم ما أضافهم به وهو العجل الحنيذ، وامتناعهم منالأكل وفي هو ذاته أوجس في نفسه خيفة، فيمن أنّ هذا التصريح كان بعد إيجاس الخيفة. ويحتمل أن يكون القولهنا مجازاً بأنه ظهرت عليه مخايل الخوف حتى صار كالمصرح به القائل. وقرأ الجمهور: لا توجل مبنياً للفاعل. وقرأالحسن: بضم التاء مبنياً للمفعول من الإيجال. وقرىء: لا تاجل بإبدال الواو ألفاً كما قالوا: تابة في توبة. وقرىء: لاتواجل من واجله بمعنى أوجله. إنا نبشرك استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، أي: إنك بمثابة الآمن المبشر فلاتوجل. والمبشر به هو إسحاق، وذلك بعد أنْ ولد له إسماعيل وشب بشروه بأمرين: أحدهما: أنه ذكر. والثاني: وصفه بالعلمعلى سبيل المبالغة. فقيل: النبوة كقوله تعالى:

{ وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً }

وقيل: عليم بالدين. وقرأ الأعرج: بشرتموني بغير همزة الاستفهام،وعلى أنّ مسني الكبر في موضع الحال. وقرأ ابن محيصن: الكبر بضم الكاف وسكون الباء، واستنكر إبراهيم عليه السلام أنْيولد له مع الكبر. وفبم تبشرون، تأكيد استبعاد وتعجب، وكأنه لم يعلم أنهم ملائكة رسل الله إليه، فلذلك استفهم، واستنكرأن يولد له. ولو علم أنهم رسل الله ما تعجب ولا استنكر، ولا سيما وقد رأى من آيات الله عياناًكيف أحيا الموتى. قال الزمخشري: كأنه قال: فبأيّ أعجوبة تبشروني، أو أراد أنكم تبشرونني بما هو غير متصور في العادة،فبأي شيء تبشرون؟ يعني: لا تبشروني في الحقيقة بشيء، لأنّ البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء. ويجوز أن لا تكونصلة لبشر، ويكون سؤالاً على الوجه والطريقة يعني: بأي طريقة تبشرونني بالولد، والبشارة به لا طريقة لها في العادة انتهى.وكأنه قال: أعلى وصفي بالكبر، أم على أني أرد إلى الشباب؟ وقيل: لما استطاب البشارة أعاد السؤال، ويضعف هذا قولهمله: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. وقرأ الحسن: تبشروني بنون مشددة وياء المتكلم، أدغم نون الرفع في نون الوقاية.وابن كثير: بشدها مكسورة دون ياء. ونافع يكسرها مخففة، وغلّطه أبو حاتم وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً، وخرجت علىأنه حذف نون الوقاية وكسر نون الرفع للياء، ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها. وقالوا هو مثل قوله:

يسوء القالبات إذا قليني    

وقول الآخر:

    لا أباك تخوفيني

وقرأ باقي السبعة: بفتح وهي علامة الرفع. قال الحسن: فبم تبشرونعلى وجه الاحتقار وقلة المبالاة بالمبشرات لمضي العمر واستيلاء الكبر. وقال مجاهد: عجب من كبره وكبر امرأته، وتقدم ذكر سنةوقت البشارة. وبالحق أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بالطريقة التي هي حق، وهي قول الله ووعده وأنه قادرعلى أنْ يوجد ولداً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ، وعجوز عاقر. وقرأ ابن وثاب، وطلحة، والأعمش، ورويت عنأبي عمرو: من القنطين، من قنط يقنط. وقرأ النحويان والأعمش: ومن يقنط. وهو استفهام في ضمنه النفي، ولذلك دخلت إلافي قوله: إلا الضالون وقولهم له: فلا تكن من القانطين نهي، والنهي عن الشيء لا يدل على تلبس المنهى عنهبه ولا بمقارنته. وقوله: ومن يقنط ردّ عليهم، وأن المحاورة في البشارة لا تدل على القنوط، بل ذلك على سبيلالاستبعاد لما جرت به العادة. وفي ذلك إشارة إلى أنّ هبة الولد على الكبر من رحمة الله، إذ يشد عضدوالده به ويؤازره حالة كونه لا يستقل ويرث منه علمه ودينه. {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ *قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ* فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ *وَاتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ *وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلاْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ }: لما بشروه بالولد راجعوه في ذلك، علم أنهم ملائكة اللهورسله، فاستفهم بقوله: فما خطبكم؟ الخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد، فأضافه إليهم من حيث أنهم حاملوه إلىأولئك القوم المعذبين. ونكر قوماً وصفتهم تقليلاً لهم واستهانة بهم، وهم قوم لوط أهل مدينة سدوم والمعنى: أرسلنا بالهلاك. وإلاآل لوط: يحتمل أن يكون استثناء من الضمير المستكن في مجرمين والتقدير: أجرموا كلهم إلا آل لوط، فيكون استثناء متصلاً،والمعنى: إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا. ويكون قوله: إنا لمنجوهم أجمعين، استئناف إخبار عن نجاتهم، وذلك لكونهم لم يجرموا،ويكون حكم الإرسال منسحباً على قوم مجرمين وعلى آل لوط لإهلاك هؤلاء، وإنجاء هؤلاء. والظاهر أنه استثناء منقطع، لأنّ آللوط، ولا على عموم الشمول لتنكير قوم مجرمين، ولانتفاء وصف الإجرام عن آل لوط. وإذا كان استثناء فهو مما يجبفيه النصب، لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن بوجه العامل على المستثنى فيه، لأنهم لم يرسلوا إليهم أصلاً، وإنما أرسلواإلى القوم المجرمين خاصة. ويكون قوله: إنا لمنجوهم جرى مجرى خبر، لكن في اتصاله بآل لوط، لأن المعنى: لكن آللوط منجون. وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدر بلكن إذا لم يكن بعده ما يصح أن يكون خبراًأنّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان إلا وتقديرها بلكن. قال الزمخشري: فإن قلت: فقلوه إلا امرأته مماستثنى، وهل هو استثناء من استثناء؟ قلت: استثنى من الضمير المجرور في قوله: لمنجوهم، وليس من الاستثناء من الاستثناء فيشيء، لأن الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلى امرأته، كما اتحد الحكمفي قول المطلق: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، وفي قول المقر لفلان: عليّ عشرة دراهم إلا ثلاثة إلادرهماً. فأما في الآية فقد اختلف الحكان، لأنّ إلا آل لوط متعلق بأرسلنا أو بمجرمين، وإلا امرأته قد تعلق بمنجوهم،فأنى يكون استثناء من استثناء: انتهى. ولما استسلف الزمخشري أن إلا امرأته مستثنى من الضمير المجرور في لمنجوهم، لم يجوزأن يكون استثناء من استثناء. ومن قال: إنه استثناء فيمكن تصحيح كلامه بأحد وجهين: أحدهما: أنه لما كان الضمير فيلمنجوهم عائد على آل لوط، وقد استثنى منه المرأة، صار كأنه مستثنى من آل لوط، لأنّ المضمر هو الظاهر فيالمعنى. والوجه الآخر: أن قوله: إلا آل لوط، لما حكم عليهم بغير الحكم علي قوم مجرمين اقتضى ذلك نجاتهم، فجاءقوله: إنا لمنجوهم أجمعين تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى إلا آل لوط، فلم يرسل إليهم بالعذاب، ونجاتهم مترتبة على عدمالإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير قولك: قام القوم إلا زيداً، فإنه لم يقم وإلا زيداً لم يقم. فهذه الجملة تأكيدلما تضمنه الاستثناء من الحكم على ما بعد إلا بضد الحكم السابق على المستثنى منه، فإلا امرأته على هذا التقريرالذي قررناه استثناء من آل لوط، لأن الاستثناء مما جيء به للتأسيس أولى من الاستثناء مما جيء به للتأكيد.وقرأ الأخوان: لمنجوهم بالتخفيف، وباقي السبعة بالتشديد. وقرأ أبو بكر: قدرنا بالتخفيف، وباقي السبعة بالتشديد، وكسرت إنها إجراء لفعل التقديرمجرى العلم، إما لكونه بمعناه، وإما لترتبه عليه. وأسندوا التقدير إليهم، ولم يقولوا: قدر الله، لأنهم هم المأمورون بإهلاكهم كمايقول من يلوذ بالملك ومن هو متصرف بأوامره: أمرنا بكذا، والآمر هو الملك. وقال الزمخشري: لما لهم من القرب والاختصاصبالله الذي ليس لأحد غيرهم انتهى. فأدرج مذهب الاعتزال في تفضيل الملائكة في غضون كلامه، ووصف قوم بمنكرون لأنه نكرتهمنفسه ونفرت منهم، وخاف أن يطرقوه بشر. وبل إضراب عن قول محذوف أي: ما جئناك بشيء تخافه، بل جئناك بالعذابلقومك، إذ كانوا يمترون فيه أي: يشكون في وقوعه، أو يجادلونك فيه تكذيباً لك بما وعدتهم عن الله. ويحتمل أنيكون نكرهم لكونهم ليسوا بمعروفين في هذا القطر، فخاف الهجوم منهم عليه، أو أن يتعرض إليهم أحد من قومه إذكانوا في صورة شباب حسان مرد. وأتيناك بالحق أي: باليقين من عذابهم، وإنا لصادقون في الإخبار لحلوله بهم. وتقدم الخلاففي القراءة في فأسر. وروى صاحب الإقليد فسر من السير، وحكاها ابن عطية وصاحب اللوامح عن اليماني. وحكى القاضي منذربن سعيد أنّ فرقة قرأت بقطع بفتح الطاء، وتقدم الكلام في القطع وفي الالتفات في سورة هود. وخطب الزمخشري هنافقال: (فإن قلت): ما معنى أمره باتباع أدبارهم، ونهيهم عن الالتفات؟ (قلت): قد بعث الله الهلاك على قومه ونجاه وأهله،إجابة لدعوته عليهم، وخرج مهاجراً فلم يكن بد من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله، لذلك فأمر بأنيقدمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعاً عليهم وعلى أهوالهم، فلا يفرط منهم التفاتة احتشاماً منه ولا غيرها منالهفوات في تلك الحالة المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه، وليكون مسيره مسير الهارب الذي تقدم سريهوتفوت به. وحيث تؤمرون قال ابن عباس: الشام. وقيل: موضع نجاة غير معروف. وقيل: مصر. وقيل: إلى أرض الخليلبمكان يقال له اليقين. وحيث على بابها من أنها ظرف مكان، وادعاء أنها قد تكون هنا ظرف زمان من حيثأنه ليس في الآية أمر إلا قوله: فأسر بأهلك بقطع من الليل، ثم قيل له: حيث تؤمر ضعيف. ولفظ تؤمريدل على خلاف ذلك، إذ كان يكون التركيب من حيث أمرتم، وحيث من الظروف المكانية المبهمة، ولذلك يتعدّى إليها الفعلوهو: امضوا بنفسه، تقول: قعدت حيث قعد زيد، وجاء في الشعر دخول في عليها. قال الشاعر:

فأصبح في حيث التقينا شريدهم     طليق ومكتوف اليدين ومرعف

ولما ضمّن قضينا معنى أوحينا، تعدت تعديها بإلى أي:وأوحينا إلى لوط مقضياً مبتوتاً، والإشارة بذلك إلى ما وعده تعالى من إهلاك قومه. وأنّ دابر تفخيم للأمر وتعظيم له،وهو في موضع نصب على البدل من ذلك قاله الأخفش، أو على إسقاط الباء أي بأنّ دابراً قاله الفراء، وجوزهالحوفي. وأنّ دابر هؤلاء مقطوع كناية عن الاستئصال. وتقدم تفسير مثله في قوله:

{ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }

ومصبحينداخلين في الصباح، وهو حال من الضمير المستكن في مقطوع على المعنى، ولذلك جمعه وقدره الفراء وأبو عبيد: إذا كانوامصبحين، كما تقول: أنت راكباً أحسن منك ماشياً، فإن كان تفسير معنى فصحيح، وإن أراد الإعراب فلا ضرورة تدعو إلىهذا التقدير. وقرأ الأعمش وزيد بن علي: إن دابر بكسر الهمزة لما ضمن قضينا معنى أوحينا، فكان المعنى: أعلمنا، علقالفعل فكسر إنْ أو لما كان القضاء بمعنى الإيحاء معناه القول كسران، ويؤيده قراءة عبد الله. وقلنا: إنّ دابر وهيقراءة تفسير لا قرآن، لمخالفتها السواد. والمدينة: سدوم، وهي التي ضرب بقاضيها المثل في الجور. {وَجَآء أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمَدِينَةِيَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَـؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ * قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ *قَالَ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَاوَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةًلِلْمُؤْمِنِينَ }: استبشارهم: فرحهم بالأضياف الذين وردوا على لوط عليه السلام. والظاهر أنّ هذا المجيء ومحاورته مع قومه في حقأضيافه، وعرضه بناته عليهم، كان ذلك كله قبل إعلامه بهلاك قومه وعلمه بأنهم رسل الله، ولذلك سماهم ضيفان خوف الفضيحة،لأجل تعاطيهم ما لا يجوز من الفعل القبيح. وقد جاء ذلك مرتباً هكذا في هود، والواو لا ترتب. قال ابنعطية: ويحتمل أن يكون المجيء والمحاورة بعد علمه بهلاكهم، وخاور تلك المحاورة على جهة التكتم عنهم، والإملاء لهم، والتربص بهمانتهى. ونهاهم عن فضحهم إياه لأنّ من أساء إلى ضيفه أو جاره فقد أساء إليه. ولا تخزون من الخزي وهوالإذلال، أو من الخزاية وهو الاستحياء. وفي قولهم: أو لم ننهك دليل على تقدم نهيهم إياه عن أن يضيف، أويجبر أحداً، أو يدفع عنه، أو يمنع بينهم وبينة، فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد. وكان هو صلى الله على نبيناوعليه يقوم بالنهي عن المنكر، والحجز بينهم وبين من تعرضوا له، فأوعدوه بأنه إنْ لم ينته أخرجوه. وتقدم الكلام فيقوله: بناتي، ومعنى الإضافة في هود. وإن كنتم فاعلين شك في قبولهم لقوله: كأنه قال إن فعلتم ما أقول، ولكمما أظنكم تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم. واللام في لعمرك لام الابتداء،والكاف خطاب للوط عليه السلام، والتقدير: قالت الملائكة للوط لعمرك، وكنى عن الضلالة والغفلة بالسكرة أي: تحبرهم في غفلتهم، وضلالتهممنعهم عن إدراك الصواب الذي يشير به من ترك البنين إلى البنات. وقيل: الخطاب للرسول ﷺ، وهوقول الجمهور ابن عباس، وأبو الحوراء، وغيرهما. أقسم تعال بحياته تكريماً له. والعمر: بفتح العين وضمها البقاء، وألزموا الفتح القسم،ويجوز حذف اللام، وبذلك قرأ ابن عباس: وعمرك. وقال أبو الهيثم: لعمرك لدينك الذي يعمر، وأنشد:

أيها المنكح الثريا سهيلا     عمرك الله كيف يلتقيان

أي: عبادتك الله. وقال ابن الأعرابي: عمرت ربي أي عبدته،وفلان عامر لربه أي عابد. قال: ويقال تركت فلاناً يعمر ربه أي يعبده، فعلى هذا لعمرك لعبادتك. وقال الزجاج: ألزمواالفتح القسم لأنه أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بالعمرى ولعمرك فلزموا الأخف، وارتفاعه بالابتداء، والخبر محذوف أي: ما أقسم به.وقال بعض أصحاب المعاني: لا يجوز أن يضاف إلى الله، لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما يقال: هو أزلي،وكأنه يوهم أنّ العمر لايقال إلا فيما له انقطاع، وليس كذلك العمر، والعمر البقاء. قال الشاعر:

إذا رضيت عليّ بنو قشير     لعمر الله أعجبني رضاها

وقال الأعشى:

ولعمر من جعل الشهور علامة     فبين منها نقصها وكمالها

وكره النخعي أن يقال: لعمري، لأنه حلف بحياة المقسم. وقال النابغة:

لعمـري ومـا عمـري علـيّ بهيـن    

والضمير في سكرتهم عائد على قوم لوط، وقال الطبري: لقريش، وهذا مروي عن ابن عباس.قال: ما خلق الله نفساً أكرم على الله من محمد قال له: وحياتك إنهم أي قومك من قريش لفي سكرتهمأي ضلالهم، وجهلهم يعمهون يتردّدن. قال ابن عطية: وهذا بعيد لانقطاعه مما قبله وما بعده. وقرأ الأشهب: سكرتهم بضم السين،وابن أبي عبلة: سكراتهم بالجمع، والأعمش: سكرهم بغير تاء، وأبو عمرو في رواية الجهضمي: أنهم بفتح همزة أنهم. والصبحة: صبحةالهلاك. وقيل: صوت جبريل عليه السلام. وقال ابن عطية: هي صيحة الوحشة، وليست كصيحة ثمود مشرقين: داخلين في الشروق، وهوبزوغ الشمس. وقيل: أول العذاب كان عند الصبح، وامتد إلى شروق الشمس، فكأنه تمام الهلاك عند ذلك. والضمير في عاليهاسافلها عائد على المدينة المتقدّمة الذكر. وقال الزمخشري: لقرى قوم لوط، ولم يتقدم لفظ القرى. وقال مقاتل وابن زيد: للمتوسمين،للمتفكرين. وقال الضحاك: للناظرين. قال الشاعر:

أو كلما وردت عكاظ قبيلة     بعثوا إلى عريفهم يتوسم

وقال أبو عبيدة: للمتبصرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وروي نهشل عن ابن عباس للمتوسمين قال: لأهل الصلاح والخير، والضمير فيوأنها عائد على المدينة المهلكة أي: أنها لبطريق ظاهر بين للمعتبر قاله: مجاهد، وقتادة، وابن زيد. قيل: ويحتمل أن يعودعلى الآيات، ويحتمل أن يعود على الحجارة. وقوله: لبسبيل أي ممر ثابت، وهي بحيث يراها الناس ويعتبرون بها لم تندرس.وهو تنبيه لقريش، وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل. وقيل: عائد على الصيحة أي: وإنّ الصيحة لبمرصد لمن يعمل عملهم لقوله:وما هي من الظالمين ببعيد. وقيل: مقيم معلوم. وقيل: معتد دائم. وقال ابن عباس: هلاك دائم السلوك إنّ في ذلكأي: في صنعنا بقوم لوط لعلامة ودليلاً لمن آمن بالله. {وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلاْيْكَةِ لَظَـٰلِمِينَ * فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَالَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: هم قوم شعيب، والأيكة التي أضيفوا إليها كانت شجر الدوم. وقيل: المقل. وقيل: السدر. وقيل: الأيكة اسمالناحية، فيكون علماً. ويقويه قراءة من قرأ في الشعراء وص: ليكة ممنوع الصرف. كفروا فسلط الله عليهم الحر، وأهلكوا بعذابالظلة. ويأتي ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى في سورة الشعراء. وإنْ عند البصريين هي لمخففة من الثقيلة، وعند الفراءنافية، واللام بمعنى ألا. وتقدم نظير ذلك في:

{ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً }

في البقرة. والظاهر قول الجمهور من أنّ الضميرفي وأنهما عائد على قريتي: قوم لوط، وقوم شعيب. أي: على أنهما ممر السائلة. وقيل: يعود على شعيب ولوط أي:وإنهما لبإمام مبين، أي بطريق من الحق واضح، والإمام الطريق. وقيل: وإنهما أي: الحر بهلاك قوم لوط وأصحاب الأيكة، لفيمكتوب مبين أي: اللوح المحفوظ. قال مؤرج: والإمام الكتاب بلغة حمير. وقيل: يعود على أصحاب الأيكة ومدين، لأنه مرسل إليهما،فدل ذكر أحدهما على الآخر، فعاد الضمير إليهما. {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَءاتَيْنَـٰهُمْ * فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ* وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءامِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }: أصحابالحجر ثمود قوم صالح عليه السلام، والحجر أرض بين الحجاز والشام، وتقدّمت قصته في الأعراف مستوفاة. والمرسلين يعني بتكذيبهم صالحاً،لأنّ من كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً. قال الزمخشري: أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين كما قيل: الخبيبيونفي ابن الزبير وأصحابه. وعن جابر قال: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر فقال لنا: لاَ تَدْخُلُواْ مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ إِلا أَنْ تَكُونُواْ باكين حذر أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلآء ،ثم زجر رسول الله ﷺ راحلته فأسرع حتى خلفها وفي بعض طرقه ثم قال: هَـؤُلاَء قَوْم صَـالِح أهلكهم الله إلا رجلاً كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله قيل: من هو يا رسولالله؟ قال: «أبو رغال» وإليه تنسب ثقيف. وآتيناهم آياتنا قيل: أنزل إليهم آيات من كتاب الله، وقيل: يراد نصبالأدلة فأعرضوا عنها. وقيل: كان في الناقة آيات خمس. خروجها من الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبههاناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعاً. وقيل: كانت له آيات غير الناقة. وقرأ الجمهور: ينحتون بكسر الخاء. وقرأ الحسن، وأبوحيوة بفتحها وصفهم بشدة النظر للدنيا والتكسب منها، فذكر من ذلك مثالاً وهو نقرهم بالمعاول ونحوها في الحجارة. وآمنين، قيل:من الانهدام. وقيل: من حوادث الدنيا. وقيل: من الموت لاغترارهم بطول الأعمار. وقيل: من نقب اللصوص، ومن الأعداء. وقيل: منعذاب الله، يحسبون أنّ الجبال تحميهم منه. قال ابن عطية: وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة،فكانوا لا يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب الأمن منها. ومصبحين: داخلين في الصباح. والظاهر أنّ ما في قوله فماأغنى نافية، وتحتمل الاستفهام المراد منه التعجب. وما في كانوا يحتمل أن تكون مصدرية، والظاهر أنها بمعنى الذي، والضمير محذوفأي: يكسبونه من البيوت الوثيقة والأموال والعدد، بل خروا جاثمين هلكى {وَمَا خَلَقْنَا * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّبِٱلْحَقّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ * ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ* إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ * وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَامَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ * كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَىٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ * فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِٱلْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءينَ * ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهًا ءاخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَبِمَا يَقُولُونَ * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ * وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }: إلا بالحق أي: خلقاًملتبساً بالحق. لم يخلق شيء من ذلك عبثاً ولا هملاً، بل ليطيع من أطاع بالتفكر في ذلك الخلق العظيم، وليتذكرالنشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى. ولذلك نبه من يتنبه بقوله: وأن الساعة لآتية، فيجازي من أطاع ومن عصي. ثم أمرنبيه ﷺ بالصفح، وذلك يقتضي المهادنة، وهي منسوخة بآية السيف قاله قتادة. أو إظهار الحكم عنهم والإغضاءلهم. ولما ذكر خلق السموات والأرض وما بينهما قال: إن ربك هو الخلاق، أتى بصفة المبالغة لكثرة ما خلق،أو الخلاق من شاء لما شاء من سعادة أو شقاوة. وقال الزمخشري: الخلاق الذي خلقك وخلقهم، وهو العليم بحالك وحالهم،فلا يخفى عليه ما يجري بينكم. أو إنّ ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، وقد علم أنّالصفح اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح. وقرأ زيد بن علي، والجحدري، والأعمش، ومالك بن دينار: هو الخالق، وكذافي مصحف أبي وعثمان، من المثاني. والمثاني جمع مثناة، والمثنى كل شيء يثني أي: يجعل اثنين من قولك: ثنيتالشيء ثنياً أي عطفته وضممت آليه آخر، ومنه يقال لركبتي الدابة ومر فقيه: مثاني، لأنه يثني بالفخذ والعضد. ومثاني الواديمعاطفه. فتقول: سبعاً من المثاني مفهوم سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثني، وهذا مجمل، ولا سبيل إلى تعيينه إلابدليل منفصل. قال ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وابن جبير: السبع هنا هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران،والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة، لأنهما في حكم سورة، ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية. وسميت الطوال مثاني لأنّ الحدودوالفرائض والأمثال ثنيت فيها قاله ابن عباس، وعلى قوله من لبيان الجنس. وقيل: السابعة سورة يونس قاله ابن جبير، وقيل:براءة وحدها، قاله أبو مالك. والمثاني على قول هؤلاء وابن عباس في قوله المتقدم: القرآن. كما قال تعالى:

{ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ }

وسمي بذلك لأنّ القصص والأخبار تثني فيه وتردّد. وقيل: السبع آل حميم، أو سبع صحائف وهي الأسباع. وقيل:السبع هي المعاني التي أنزلت في القرآن: أمر، ونهي، وبشارة، وإنذار، وضرب أمثال، وتعداد النعم، وإخبار الأمم. قاله زياد بنأبي مريم. وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس أيضاً، والحسن، وأبو العالية، وابن أبي مليكة، وعبيد بن عمير، وجماعة:السبع هنا هي آيات الحمد. قال ابن عباس: وهي سبع ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال غيره: سبع دون البسملة. وقالأبو العالية: لقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء، ولا ينبغي أن يعدل عن هذا القول، بللا يجوز العدول عنه لما في حديث أبيَ ففي آخره، هي السبع المثاني وحديث أبي هريرة عن النبي صلى اللهعليه وسلم: إنها السبع المثاني وأمّ القرآن وفاتحة الكتاب وسميت بذلك لأنها تثني في كل ركعة. وقيل: لأنها يثني بهاعلى الله تعالى جوزه الزجاج. قال ابن عطية: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر انتهى. ولا نظر في ذلك،لأنها جمع مثنى بضم الميم مفعل من أثنى رباعياً أي: مقر ثناء على الله تعالى أي: فيها ثناء على اللهتعالى. وقال ابن عباس: لأن الله استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها، وقال نحوه ابن أبي مليكة. وعلى هذا التفسيرالوارد في الحديث تكون من لبيان الجنس، كأنه قيل: التي هي المثاني، وكذا في قول من جعلها أسباع القرآن، أوسبع المعاني. وأما من جعلها السبع الطوال أو آل حميم فمن للتبعيض، وكذا في قول من جعل سبعاً الفاتحة والمثانيالقرآن. قال الزمخشري: يجوز أن تكون كتب الله كلها مثاني، لأنها تثني عليه، ولما فيها من المواعظ المكررة، ويكون القرآنبعضها. وقرأ الجمهور: والقرآن العظيم بالنصب. فإن عني بالسبع الفاتحة أو السبع الطوال لكان ذلك من عطف العام علىالخاص، وصار الخاص مذكوراً مرتين. إحداهما: بجهة الخصوص، والأخرى: بجهة العموم. أو لأنّ ما دون الفاتحة أو السبع الطوال ينطلقعليه لفظ القرآن، إذ هو اسم يقع على بعض الشيء، كما يقع على كله. وإنْ عنى الإسباع فهو من بابعطف الشيء على نفسه، من حيث أنّ المعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي: الجامع لهذينالمعنيين وهو الثناء والتنبيه والعظم. وقرأت فرقة: والقرآن العظيم بالخفض عطفاً على المثاني. وأبعد من ذهب إلى أنّ الواو مقحمة،والتقدير: سبعاً من المثاني القرآن العظيم. ولما ذكر تعالى ما أنعم به على رسوله ﷺ من إتيانهما آتاه، نهاه. وقد قلنا: إنّ النهي لا يقتضي الملابسة ولا المقاربة عن طموح عينه إلى شيء من متاع الدنيا،وهذا وإن كان خطاباً للرسول ﷺ فالمعنى: نهى أمته عن ذلك لأنّ من أوتي القرآن شغله النظرفيه وامتثال تكاليفه وفهم معانيه عن الاشتغال بزهرة الدنيا. ومد العين للشيء إنما هو لاستحسانه وإيثاره. وقال ابن عباس: أيلا تتمن ما فضلنا به أحداً من متاع الدنيا أزواجاً منهم، أي رجالاً مع نسائهم، أو أمثالاً في النعم، وأصنافاًمن اليهود والنصارى والمشرين أقوال. ونهاه تعالى عن الحزن عليهم إن لم يؤمنوا، وكان كثير الشفقة على من بعث إليه،وادًّا أن يؤمنوا بالله كلهم، فكان يلحقه الحزن عليهم. نهاه تعالى عن الحزن عمن لم يؤمن، وأمره بخفض جناحه لمنآمن، وهي كناية عن التلطف والرفق. وأصله: أنّ الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه لم ثم قبضه على فرخه،والجناحان من ابن آدم جانباه. ثم أمره أن يبلغ أنه هو النذير الكاشف لكم ما جئت به إليكم من تعذيبكمإنْ لم تؤمنوا، وإنزال نقم الله المخوفة بكم. والكاف قال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بقوله: ولقد آتيناك أي:أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وعداوتهم: بعضه حقموافق للتوارة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعصوه. وقيل: كانوا يستهئون به فيقول بعضهم: سورة البقرةلي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي. ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرؤونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريهم، وبأن اليهودأقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عنصنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم وقولهم: سحر، وشعر، وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم. والثاني: أنيتعلق بقوله تعالى: وقل أني أنا النذير المبين، وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين يعني: اليهود، هوما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان. ويجوز أنيكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوباً بالنذير أي: أنذر المعضين الذين يجزؤون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلناعلى المقتسمين وهم: الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمانبرسول الله ﷺ يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهمالله تعالى يوم بدر، وقبله بآفات: كالوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، وغيرهم. أو مثل ما أنزلناعلى الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً عليه السلام والاقتسام بمعنى التقاسم (فإن قلت): إذا علقت قوله كما أنزلنابقوله ولقد آتيناك فما معنى توسط لا تمدن إلى آخره بينهما (قلت): لما كان ذلك تسلية للرسول صلى الله عليهوسلم عن تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومنالأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين انتهى أما الوجه الأول وهو تعلق كما بآتيناك فذكره أبو البقاء على تقدير وهووأن يكون في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف تقديره آتيناك سبعاً من المثاني إيتاء كما أنزلنا أو إنزالاً كما أنزلنالأن آتيناك بمعنى أنزلنا عليك وأما قوله أن المقتسمين هم أهل الكتاب فهو قول الحسن ومجاهد ورواه العوفي عن ابنعباس وأما قوله اقتسموا القرآن فهو قول ابن عباس فيما رواه عنه سعيد بن جبير وأما قوله اقتسموا فقال بعضهمسورة البقرة وبعضهم سورة آل عمران الخ فقاله عكرمة وقال السدي هم الأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوثبوالوليد والعاصي والحرث بن قيس ذكروا القرآن فمن قائل البعوض لي ومن قائل النمل لي وقائل الذباب لي وقائل العنكبوتلي استهزاء فأهلك الله جميعهم. وأما قوله أن القرآن عبارة عما يقرؤونه من كتبهم إلى آخره فقاله مجاهد. وأما قولهويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين فلا يجوز أن يكون منصوباً بالنذير كما ذكرلأنه موصوف بالمبين ولا يجوز أن يعمل إذا وصف قبل ذكر المعمول على مذهب البصريين لا يجوز هذا عليم شجاععلم النحو فتفصل بين عليم وعلم بقوله شجاع وأجاز ذلك الكوفيون وهي مسألة خلافية تذكر دلائلها في علم النحو. وأماقوله الذين يجزؤون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير فمروي عن قتادة إلا أنه قال بدل شعر كهانة. وأما قوله الذيناقتسموا مداخل مكة فهو قول السائب وفيه أن الوليد بن المغيرة قال ليقل بعضكم كاهن وبعضكم ساحر وبعضكم شاعر وبعضكمغاووهم حنظلة بن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاصي بن هشام وأبو قيس بنالوليد وقيس بن الفاكه وزهير بن أمية وهلال بن عبد الأسود والسائب بن صيفي والنضر بن احرث وأبو البختري بنهشام وزمعة بن الحجاج وأمية بن خلف وأوس بن المغيرة تقاسموا على تكذيب رسول الله ﷺ فأهلكواجميعاً. وأما قوله أنهم الذين تقاسموا أن يبيتوا صالحاً فقول عبد الله بن يزد. وقال ابن عطية والكاف من قولهكما متعلقه بفعل محذوف تقديره وقل أني أنا النذير عذاباً كالذي أنزلنا على المقتسمين فالكاف اسم في موضع نصب هذاقول المفسرين وهو عندي غير صحيح لأن كما ليس مما يقوله محمد ﷺ بل هو من قولالله تعالى فينفصل الكلام وإنما يترتب هذا القول بأن يقدران الله تعالى قال له أنذر عذاباً كما والذي أقول فيهذا المعنى وقل أنا النذير المبين كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك ويحتمل أن يكون المعنى وقلأني أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً وهذا على أن المقتسمين أهل الكتاب انتهى. أماقوله وهو عندي غير صحيح إلى آخره فقد استعذر بعضهم عن ذلك فقال الكاف متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى تقديرهأنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا وإن كان المنزل الله كما يقول بعض خواص الملك أمرنا بكذا وإن كان الملكهو الآمر. وأما قوله والذي أقول في هذا المعنى إلى آخره فكلام مثبج ولعله من الناسخ ولعله أن يكون وأنزلناعليك كما أنزلنا عليهم. وقال أبو البقاء وقيل التقدير متعناهم تمتيعاً كما أنزلنا والمعنى متعناً بعضهم كما عذبنا بعضهم. وقيلالتقدير إنذار مثل ما أنزلنا انتهى. وقيل الكاف زائدة التقدير أنا النذير المبين ما أنزلنا على المقتسمين هذه أقوال وتوجيهاتمتكلفة والذي يظهر لي أنه تعالى لما أمره بأن لا يحزن على من لم يؤمن وأمره بخفض جناحه للمؤمنين أمرهأن يعلم المؤمنين وغيرهم أنه هو النذير المبين لئلا يظن المؤمنون أنهم لما أمر عليه الصلاة والسلام بخفض جناحه لهمخرجوا من عهدة النذارة فأمره تعالى بأن يقول لهم إني أنا النذير المبين لكم ولغيركم كما قال تعالى إنما أنتمنذر من يخشاها وتكون الكاف نعتاً لمصدر محذوف تقديره وقل قولاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين إنك نذير لهم فالقولللمؤمنين في النذارة كالقول للكفار المقتسمين لئلا يظن إنذارك للكفار مخالف لإنذار المؤمنين بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلةواحدة تنذر المؤمنين كما تنذر الكافرين كما قال تعالى نذير وبشير لقوم يؤمنون والظاهر أن الذين صفة للمقتسمين وجوزوا أنيكون خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن ينتصب على الذم وتقدم تجويز الزمخشري له أن يكون مفعولاً بالنذير فوربك أقسم تعالىبذاته وربوبيته مضافاً إلى رسوله على جهة التشريف والضمير في لنسألنهم يظهر عود على المقتسمين وهو وعيده من سؤال تقريعويقال أنه يعود على الجميع من كافر ومؤمن إذ قد تقدم ذكرهما والسؤال عام للخلق ويجوز أن يكون السؤال كنايةعن الجزاء وعن ما كانوا يعملون عام في جميع الأعمال. وقال أبو العالية يسأل العباد عن حالتين عن ما كانوايعبدون وعن ما أجابوا المرسلين وقال ابن عباس يقال لهم لم عملتم كذا قال أنس وابن عمر ومجاهد السؤال عنلا إله إلا الله وذكره الزهراوي عن النبي ﷺ وإذا ثبت ذلك فيكون المعنى عن الوفاء بلاإله إلا الله والصدق لمقالها كما قال الحسن ليس الإيمان بالتحلي ولا الدين بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقتهالأعمال. وقال ابن عباس فاصدع بما تؤمر امض به. وقال الكلبي اجهر به وأظهره من الصديع وهو الفجر قال الشاعر:كـأنبيـاض غـرتـه صـديـع وقال السدي تكلم بما تؤمر. وقال ابن زيد أعلم بالتبليغ. وقال ابن بحر جرد لهم القولفي الدعاء إلى الإيمان. وقال أبو عبيدة عن رؤبة ما في القرآن أغرب من قوله فاصدع بما تؤمر وما فيبما بمعنى الذي والمفعول الثاني محذوف تقديره بما تؤمره وكان أصله تؤمر به من الشرائع فحذف الحرف فتعدى الفعل إليه.وقال الأخفش ما موصولة والتقدير فاصدع بما تؤمر بصدعه فحذف المضاف ثم الجار ثم الضمير. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكونما مصدرية أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول انتهى وهذا ينبني على مذهب من يجوز أن المصدر يراد به أنوالفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك لا يجوز وأعرض عن المشركين من آيات المهادنات التي نسختها آية السيف قاله ابنعباس ثم أخبره تعالى أنه كفاه المستهزئين بمصائب أصابتهم لم يسع فيها الرسول ولا تكلف لها مشقة. قال عروة وابنجبير هم خمسة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأبو زمعة والأسود بن عبد يغوث ومن بنيخزاعة الحرث بن الطلاطلة. قال أبو بكر الهذلي قلت للزهري أن ابن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين فقالابن جبير هو الحرث بن عيطلة وقال عكرمة هو الحرث بن قيس فقال الزهري صدقا إنه عيطلة وأبوه قيس وذكرالشعبي في المستهزئين هبار بن الأسود وذلك وهم لأن هباراً أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة. وعن ابن عباس أنالمستهزئين كانوا ثمانية وفي رواية مكان الحرث بن قيس عدي بن قيس. وقال الشعبي وابن أبي بزة كانوا سبعة فذكرالوليد والحرث بن عدي والأسودين والأثرم وبعكك ابني الحرث بن السباق وكذا قال مقاتل إلا أنه قال مكان الحرث بنعدي الحرث بن قيس السهمي وذكر المفسرون والمؤرخون أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله ﷺ أمرتأن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه فمنعه الكبر أن يطامن لنزعه فأصاب عرقاً في عقبه. قالقتادة ومقسم وهو الأكحل فقطعه فمات وأومأ إلى أخمص العاصي فدخلت فيه شوكة. وقيل ضربته حية فانتفخت رجله حتى صارتكالرحى ومات وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمى وهلك وأشار إلى أنف الحرث بن قيس فامتخط قيحاً فمات. وقيلأصابته سموم فاسودّ حتى صار كأنه حبشي فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا الباب في وجهه فصار يطوف في شعاب مكةحتى مات وفي بعض ما أصاب هؤلاء اختلاف والله أعلم. وقال مقاتل أصاب الأثرم أو بعككاً الدبيلة والآخر ذات الجنبفماتا فسوف يعلمون وعيد لهم بالمجازاة على استهزائهم وجعلهم إلهاً مع الله في الآخرة كما جوزوا في الدنيا وكنى بالصدرعن القلب لأنه محله وجعل سبب الضيق ما يقولون وهو ما ينطلقون به من الاستهزاء والطعن فيما جاء به ثمأمره تعالى بتنزيهه عن ما نسبوا إليه من اتخاذ الشريك معه مصحوباً بحمده والثناء على ما أسدي إليه من نعمةالنبوة والرسالة والتوحيد وغيرها من النعم فهذا في المعتقد والفعل القلبي وأمره بكونه من الساجدين والمراد والله أعلم من المصلينفكنى بالسجود عن الصلاة وهي أشرف أفعال الجسد وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ولما كان الصادر منالمستهزئين اعتقاداً وهو فعل القلب وقولاً وهو ما يقولون في الرسول وما جاء به وهو فعل جارحة أمر تعالى بمايقابل ذلك من التنزيه لله ومن السجود وهما جامعان فعل القلب وفعل الجسد ثم أمره تعالى بالعبادة التي هي شاملةلجميع أنواع ما يتقرب بها إليه تعالى وهذه الأوامر معناها دم على كذا لأنه ﷺ ما زالمتلبساً بها أي دم على التسبيح والسجود والعبادة والجمهور على أن المراد باليقين الموت أي ما دمت حياً فلا تخلبالعبادة وهو تفسير ابن عمر ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد ومنه قوله ﷺ في عثمان بن مظعونعند موته أما هو فقد رأى اليقين ويروى فقد جاءه اليقين وليس اليقين من أسماء الموت وإنما العلم به يقينلا يمتري فيه عاقل فسمي يقيناً تجوزاً أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه. وقال ابن عطية ويحتمل أن يكون المعنىحتى يأتيك اليقين في النصر الذي وعدته انتهى وقاله ابن بحر قال اليقين النصر على الكافرين انتهى وحكمة التغيية باليقينوهو الموت أنه يقتضي ديمومة العبادة ما دام حياً بحلاف الاقتصار على الأمر بالعبادة غير مغياً لأنه يكون مطلقاً فيكونمطيعاً بالمرة الواحدة والمقصود أن لا يفارق العبادة حتى يموت.