تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الحج

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } * { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ } * { كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } * { ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ } * { ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } * { ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } * { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } * { يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } * { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ } * { إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } * { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } * { وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } * { هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ } * { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ } * { وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } * { كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } * { إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } * { وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } * { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } * { وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ } * { لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ } * { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } * { ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } * { حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } * { ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } * { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } * { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } * { ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } * { وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } * { لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ }

ذهل عن الشيء ذهولاً: اشتغل عنه قاله قطرب، وقال غيره: غفل لطريان شاغلمن أهم أو وجع أو غيره. وقيل: مع دهشة. المضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. المخلقة: المسوّاة الملساء لا نقصولا عيب فيها، يقال: خلق السواك والعود سوّاه وملسه، من قولهم: صخرة خلقاء أي ملساء. الطفل: يقال من وقت انفصالالولد إلى البلوغ، ويقال لولد الوحشية طفل، ويوصف به المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، ويقال أيضاً طفل وطفلانوأطفال وأطفلت المرأة صارت ذا طفل، والطفل بفتح الطاء الناعم، وجارية طفلة ناعمة، وبنان طفل، وقد طفل الليل أقبل ظلامه،والطفل بالتحريك بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب، والطفل أيضاً مطر. وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدراً كالرضا والعدل يقععلى الواحد والجمع. همدت الأرض: يبست ودرست، والثوب بلي انتهى. وقال الأعشى:

قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا     وأرى ثيابك باليات همدا

البهيج: الحسن السارّ للناظر، يقال: فلان ذو بهجة أي حسن، وقد بهج بالضمبهاجة وبهجة فهو بهيج، وأبهجني: أعجبني بحسنه. العطف: الجانب، وعطفا الرجل يمينه وشماله وأصله من العطف وهو اللين، ويسمى الرداءالعطاف. المجوس: قوم يعبدون النار والشمس والقمر. وقيل: يعبدون النار. وقيل: قوم اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح. وقيل: قوم أخذوا مندين النصارى شيئاً ومن دين اليهود شيئاً وهم القائلون العالم أصلان نور وظلمة. وقيل: الميم في المجوس بدل من النونلاستعمالهم النجاسات. صهرت الشحم بالنار أذبته، والصهارة الآلية المذابة. وقيل: ينضج قال الشاعر:

تصهـره الشمس ولا ينصهـر    

المقمعة: بكسر الميمالمقرعة يقمع بها المضروب. اللؤلؤ: الجوهر. وقيل: صغاره وكباره. الضامر: المهزول. العميق: البعيد، وأصله البعد سفلاً يقال: بئر عميق أيبعيدة الغور، والفعل عمق وعمق. قال الشاعر:

إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة     يمد بها في السير أشعث شاحب

ويقال: غميق بالغين. وقال الليث: يقال عميق ومعيق لتميم، وأعمقت البئر وأمعقتها وقد عمقت ومعقت عماقة ومعاقة وهيبعيدة العمق والمعق والأمعاق والأعماق أطراف المفازة قال:

وقـائم الأعمـاق خـاوي المخترق    

التفث: أصله الوسخ والقذر، يقال لمن يستقذر: ماتفثك. وعن قطرب: تفث الرجل كثر وسخه في سفره. وقال أبو محمد البصري: التفث من التف وهو وسخ الأظفار، وقلبتالفاء ثاء كمغثور. السحيق: البعيد. وجب الشيء سقط، ووجبت الشمس جبة قال أوس بن حجر:

ألم يكسف الشمس شمس النهار والبدر للجبل الواجب    

القانع: السائل، قنع قنوعاً سأل وقنع قناعة تعفف واستغنى ببلغته. قال الشماخ:

مفاقره أعف من القنوع     لمال المرء يصلحه فيغني

الوثن: قال شمر كل تمثال من خشبأو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها ويطلق على الصليب. قال الأعشى:

يطوف العفاة بأبوابه     كطوف النصارى بباب الوثن

وقال رسول الله ﷺ لعديّ بنحاتم وقد رأى في عنقه صلياً: ألق الوثن عنك . واشتقاقه من وثن الشيء أقامه في مكانه وثبت، والواثن المقيم الراكزفي مكانه. وقال رؤبة:

على أخـلاء الصفـاء الوثـن    

يعني الدوم على العهد. البدن: جمع بدنة كثمر جمع ثمرة قاله الزجاج، سميت بذلكلأنها تبدن أي تسمن. وقال الليث: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا يقععلى الشاة وسميت بدنة لعظمها. وقيل: تختص بالإبل. وقيل: ما أشعر من ناقة أو بقرة قاله عطاء وغيره. وقيل: البدنمفرد اسم جنس يراد به العظيم السمين من الإبل والبقر، ويقال للسمين من الرجال. المعتر: المتعرض من غير سؤال. وقالابن قتيبة: غرّه واغترّه وعراه واعتراه أتاه طالباً لمعروفه. قال الشاعر:

سلي الطارق المعتر يا أمّ مالك     إذا ما اعتراني بين قدري ومجزري

وقال الآخر:

لعمرك ما المعتر يغشى بلادنالنمنعه بالضائع المنهضم    

{يا أيهاالناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملهاوترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كلشيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير يا أيها الناس إن كنتم في ريبمن البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكمونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يردإلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت منكل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيـي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعث من في القبور}. هذه الشورة مكية إلا

{ هذان خصمان }

إلى تمام ثلاث آيات قالهابن عباس ومجاهد، وعن ابن عباس أيضاً إنهن أربع آيات إلى قوله

{ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ }

وقال الضحاك: هي مدنية. وقالقتادة: إلاّ من قوله

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ }

إِلَى

{ عَذَابِ مُّقِيمٌ }

. وقال الجمهور: منها مكيومنها مدني. ومناسبة أولهذه السورة لما قبلها أنه ذكر تعالى حال الأشقياء والسعداء وذكر الفزع الأكبر وهو ما يقوليوم القيامة، وكان مشركو مكة قد أنكروا المعاد وكذبوه بسبب تأخر العذاب عنهم. نزلت هذه السورة تحذيراً لهم وتخويفاً لماانطوت عليه من ذكر زلزلة الساعة وشدّة هولها، وذكر ما أعد لمنكرها وتنبيههم على البعث بتطويرهم في خلقهم، وبهمود الأرضواهتزازها بعد بالنبات، والظاهر أن قوله {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } عام. وقيل: المراد أهل مكة، ونبه تعالى على سبب اتقائهوهو ما يؤول إليه من أهوال الساعة وهو على حذف مضاف أي {ٱتَّقَوْاْ } عذاب {رَبُّكُـمْ }، والزلزلة الحركة المزعجةوهي عند النفخة الأولى. وقيل: عند الثانية. وقيل: عند قول الله يا آدم ابعث بعث النار. وقال الجمهور: في الدنياآخر الزمان ويتبعها طلوع الشمس من مغربها. وعن الحسن: يوم القيامة. وعن علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها، وأضيفتإلى الساعة لأنها من أشراطها، والمصدر مضاف للفاعل فالمفعول المحذوف وهو الأرض يدل عليه

{ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلاْرْضُ زِلْزَالَهَا }

والناسونسبة الزلزلة إلى {ٱلسَّاعَةَ } مجاز، ويجوز أن يضاف إلى المفعول به على طريقة الاتساع في الظرف، فتكون {ٱلسَّاعَةَ }مفعولاً بها وعلى هذه التقادير يكون ثم {زَلْزَلَةَ } حقيقة. وقال الحسن: أشد الزلزال ما يكون مع قيام الساعة.وقيل: الزلزلة استعارة، والمراد أشد الساعة وأهوال يوم القيامة و{شَىْء } هنا يدل على إطلاقه على المعدوم لأن الزلزلة لمتقع بعد، ومن منع إيقاعه على المعدوم قال: جعل الزلزلة شيئاً لتيقن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود. وذكر تعالى أهولالصفات في قوله {تَرَوْنَهَا } الآية لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوروها بعقولهم ليكون ذلك حاملاً على تقواه تعالى إذلا نجاة من تلك الشدائد إلاّ بالتقوى. وروي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فقرأهما رسول اللهﷺ، فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربواالخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدراً، وكانوا من بين حزين باك ومفكر. والناصب ليوم {تَذْهَلُ } والظاهر أن الضمير المنصوبفي {تَرَوْنَهَا } عائداً على الزلزلة لأنها المحدث عنها، ويدل على ذلك وجود ذهول المرضعة ووضع الحمل هذا إذا أريدالحقيقة وهي الأصل، ويكون ذلك في الدنيا. وعن الحسن {تَذْهَلُ } المرضعة عن ولدها لغير فطام {وَتَضَعُ } الحامل مافي بطنها لغير تمام. وقالت فرقة: الضمير يعود على {ٱلسَّاعَةَ } فيكون الذهول والوضع عبارة عن شدة الهول في ذلكاليوم، ولا ذهول ولا وضع هناك كقولهم: يوم يشيب فيه الوليد. وجاء لفظ {مُرْضِعَةٍ } دون مرضع لأنه أريد بهالفعل لا النسب، بمعنى ذات رضاع. وكما قال الشاعر:

كمرضعـة أولاد أخـرى وضيعت    

بني بطنها هذا الضلال عن القصد، والظاهرأن ما في قوله {عَمَّا أَرْضَعَتْ } بمعنى الذي، والعائد محذوف أي أرضعته، ويقويه تعدي وضع إلى المفعول به فيقوله {حِمْلِهَا } لا إلى المصدر. وقيل: ما مصدرية أي عن إرضاعها. وقال الزمخشري: المرضعة هي التي في حال الإرضاعتلقم ثديها الصبي، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به. فقيل {مُرْضِعَةٍ } ليدلعلى أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة، وخصبعض نحاة الكوفة أم الصبيّ بمرضعة والمستأجرة بمرضع وهذا باطل بقول الشاعر:

كمرضعـة أولاد أخـرى وضيعت    

البيت فهذه {مُرْضِعَةٍ }بالتاء وليست أمَّا للذي ترضع. وقول الكوفيين إن الوصف الذي يختص بالمؤنث لا يحتاج فيه إلى التاء لأنها إنما جيءبها للفرق مردود بقول العرب مرضعة وحائضة وطالقة. وقرأ الجمهور {تَذْهَلُ كُلُّ } بفتح التاء والهاء ورفع كل، وابنأبي عبلة واليماني بضم التاء وكسر الهاء أي {تَذْهَلُ } الزلزلة أو الساعة كل بالنصب، والحمل بالفتح ما كان فيبطن أو على رأس شجرة. وقرأ الجمهور {وَتَرَى } بالتاء مفتوحة خطاب المفرد وزيد بن علي بضم التاء وكسر الراءأي وترى الزلزلة أو الساعة. وقرأ الزعفراني وعباس في اختياره بضم التاء وفتح الراء، ورفع {ٱلنَّاسِ } وأنث على تأويلالجماعة. وقرأ أبو هريرة وأبو زرعة بن عمرو بن جرير وأبو نهيك كذلك إلا أنهم نصبوا {ٱلنَّاسِ } دّى {تَرَى} إلى مفاعيل ثلاثة أحدها الضمير المستكن في {تَرَى } وهو ضمير المخاطب مفعول لم يسم فاعله، والثاني والثالث {ٱلنَّاسَسُكَـٰرَىٰ } أثبت أنهم {سُكَـٰرَىٰ } على طريق التشبيه ثم نفى عنهم الحقيقة وهي السكر من الخمر، وذلك لما همفيه من الحيرة وتخليط العقل. وقرأ الجمهور {سُكَـٰرَىٰ } فيهما على وزن فعالى وتقدم ذكر الخلاف في فعالى بضمالفاء أهو جمع أو اسم جمع. وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك وعيسى بفتح السين فيهما وهو جمع تكسير واحده سكران.وقال أبو حاتم: هي لغة تميم. وقرأ الأخوان وابن سعدان ومسعود بن صالح سُكرى فيهما، ورويت عن الرسول صلى اللهعليه وسلم رواها عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وهي قراءة عبد الله وأصحابه وحذيفة. وقال سيبويه: وقوم يقولون سكرىجعلوه مثل مرضى لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان، ثم جعلوا روبي مثل سكرى وهم المستثقلون نوماً من شرب الرائب. قالأبو علي الفارسي: ويصح أن يكون جمع سكر كزمنى وزمن، وقد حكى سيبويه: رجل سكر بمعنى سكران فيجيء سكرى حينئذلتأنيث الجمع. وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة وابن جبير والأعمش سُكرى بضم السين فيهما. قال أبو الفتح: هو اسم مفردكالبشرى وبهذا أفتاني أبو عليّ انتهى. وقال الزمخشري: هو غريب. وقال أبو الفضل الرازي: فعلى بضم الفاء من صفة الواحدةمن الإناث لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد انتهى. وعن أبي زرعة أيضاًسُكرى بفتح السين بسُكرى بضمها. وعن ابن جبير أيضاً سكرى بالفتح من غير ألف {بِسُكَـٰرَىٰ } بالضم والألف. وعن الحسنأيضاً {سُكَـٰرَىٰ } بسكر وقال أو لا ترونها على خطاب الجمع جعلوا جميعاً رائيين لها. ثم قال {وَتَرَى } علىخطاب الواحد لأن الرؤية معلقة بكون الناس على حال السكر، فجعل كل واحد رائياً لسائرهم غشيهم من خوف عذاب اللهما أذهب عقولهم وردهم في حال من يذهب السكر عقله وتمييزه، وجاء هذا الاستدراك بالإخبار عن {عَذَابُ ٱللَّهِ } أنه{شَدِيدٍ } لما تقدم ما هو بالنسبة إلى العذاب كالحالة اللينة وهو الذهول والوضع ورؤية الناس أشباه السكارى، وكأنه قيل:وهذه أحوال هينة {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } وليس بهين ولا لين لأن لكن لا بد أن تقع بين متنافيينبوجه ما وتقدم الكلام فيها. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ } أي في قدرته وصفاته. قيل: نزلت فيأبي جهل. وقيل: في أُبيّ بن خلف والنضر بن الحارث. وقيل: في النضر وكان جدلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآنأساطير الأولين، ولا يقدر الله على إحياء من بَلي وصار تراباً والآية في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز علىالله وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرفع إلى علم ولا برهان ولا نصفة. والظاهر أن قوله {كُلَّ شَيْطَـٰنٍمَّرِيدٍ } هو من الجن كقوله

{ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً }

. وقيل: يحتمل أن يكون من الإنس كقوله

{ شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ }

. لما ذكر تعالى أهوال يوم القيامة ذكر من غفل عن الجزاء في ذلك اليوم وكذب به.وقرأ زيد بن عليّ {وَيَتَّبِعْ } خفيفاً، والظاهر أن الضمير في {عَلَيْهِ } عائد على {مِنْ } لأنه المحدث عنه،وفي {أَنَّهُ } و{تَوَلاَّهُ } وفي {فَإِنَّهُ } عائد عليه أيضاً، والفاعل يتولى ضمير {مِنْ } وكذلك الهاء في {يُضِلُّهُ} ويجوز أن تكون الهاء في هذا الوجه أنه ضمير الشأن، والمعنى أن هذا المجادل لكثرة جداله بالباطل واتباعه الشيطانصار إماماً في الضلال لمن يتولاه، فشأنه أن يضل من يتولاه. وقيل: الضمير في {عَلَيْهِ } عائد على {كُلَّ شَيْطَـٰنٍمَّرِيدٍ } قاله قتادة ولم يذكر الزمخشري غيره، وأورد ابن عطية القول الأول احتمالاً. وقال ابن عطية: ويظهر لي أنالضمير في {أَنَّهُ } الأولى للشيطان والثانية لمن الذي هو للمتولي. قال الزمخشري: والكتبة عليه مثل أي إنما {كِتَـٰبَ }إضلال من يتولاه {عَلَيْهِ } ورقم به لظهور ذلك في حاله. وقرأ الجمهور {كِتَـٰبَ } مبنياً للمفعول. وقرىء {كِتَـٰبَ} مبنياً للفاعل أي كتب الله. وقرأ الجمهور: {أَنَّهُ } بفتح الهمزة في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، {فَإِنَّهُ} بفتحها أيضاً، والفاء جواب {مِنْ } الشرطية أو الداخلة في خبر {مِنْ } إن كانت موصولة. و{فَإِنَّهُ } علىتقدير فشأنه أنه {يُضِلُّهُ } أي إضلاله أو فله أن يضله. وقال الزمخشري: فمن فتح فلأن الأول فاعل {كِتَـٰبَ} بعني به مفعولاً لم يسم فاعله، قال: والثاني عطف عليه انتهى. وهذا لا يجوز لأنك إذا جعلت {فَإِنَّهُ }عطفاً على {أَنَّهُ } بقيت بلا استيفاء خبر لأن {مَن تَوَلاَّهُ } من، فيه مبتدأة، فإن قدرتها موصولة فلا خبرلها حتى يستقل خبراً لأنه وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها إذ جعلت {فَإِنَّهُ } عطفاً على {أَنَّهُ } ومثلقول الزمخشري قال ابن عطية قال {وَأَنَّهُ } في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله، وأنه الثانية عطفعلى الأولى مؤكدة مثلها، وخطا خطأ لما بيناه. وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمر و{أَنَّهُ } {فَإِنَّهُ } بكسر الهمزتين.وقال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } بالكسر فيهما انتهى، وليس مشهوراً عن أبي عمرو.والظاهر أن ذلك من إسناد {كِتَـٰبَ } إلى الجملة إسناداً لفظياً أي {كِتَـٰبَ } عليه هذا الكلام كما تقول: كتبإن الله يأمر بالعدل. وقال الزمخشري: أو عن تقدير قبل أو على المفعول الذي لم يسم فاعله الكتب، والجملة من{أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله لقيل المقدرة، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الفاعلعندهم لا يكون جملة فلا يكون ذلك مفعولاً لم يسم فاعله، وأما الثاني فلا يجوز أيضاً على مذهب البصريين لأنهلا تكسر أن بعد ما هو بمعنى القول، بل بعد القول صريحة، ومعنى {وَيَهْدِيهِ } ويسوقه وعبر بلفظ الهداية علىسبيل التهكم. ولما ذكر تعالى من يجادل في قدرة الله بغير علم وكان جدالهم في الحشر والمعاد ذكر دليلينواضحين على ذلك أحدهما في نفس الإنسان وابتداء خلقه، وتطوره في مراتب سبع وهي التراب، والنطفة، والعلقة، والمضغة، والإخراج طفلاً،وبلوغ الأشد، والتوفي أو الرد إلى الهرم. والثاني في الأرض التي تشاهدون تنقلها من حال إلى حال فإذا اعتبر العاقلذلك ثبت عنده جوازه عقلاً فإذا ورد خبر الشرع بوقوعه وجب التصديق به وأنه واقع لا محالة. وقرأ الحسن{مّنَ ٱلْبَعْثِ } بفتح العين وهي لغة فيه كالحلب والطرد في الحلب والطرد، والكوفيون إسكان العين عندهم تخفيف يقيسونه فيماوسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر والشعر، والبصريون لا يقيسونه وما ورد من ذلك هو عندهم مما جاء فيه لغتان.والمعنى إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم {مّن تُرَابٍ } أي أصلكم آدم وسلط الفعلعليهم من حيث هم من ذريته، أو باعتبار وسائط التولد لأن المني ودم الطمث يتولدان من الأغذية والأغذية حيوان ونبات،والحيوان يعود إلى النبات، والنبات من الأرض والماء والنطفة المني. وقيل {نُّطْفَةٍ } آدم قاله النقاش. والعلقة قطعة الدم الجامدةومعنى {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } أي ليست كاملة ولا ملساء فالمضغ متفاوتة لذلك تفاوتوا طولاً وقصراً وتماماً ونقصاناً. وقال مجاهد {غَيْرِ* مُّخَلَّقَةٍ } هي التي تستسقط وقاله قتادة والشعبي وأبو العالية. ولما كان الإنسان فيه أعضاء متباينة وكل واحد منهامختص بخلق حسن تضعيف الفعل لأن فيه خلقاً كثيرة. وقرأ ابن أبي عبلة {مُّخَلَّقَةٍ } بالنصب وغير بالنصب أيضاًنصباً على الحال من النكرة المتقدمة، وهو قليل وقاسه سيبويه. قال الزمخشري: و{لّنُبَيّنَ لَكُمْ } بهذا التدريج قدرتنا وإن منقدر على خلق البشر {مّن تُرَابٍ } أولاً {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } ثانياً ولا تناسب بين التراب والماء، وقدر علىأن يجعل النطفة {عَلَقَةٍ } وبينهما تباين ظاهر ثم يجعل العلقة {مُضْغَةً } والمضغة عظاماً قدر على إعادة ما أبداه،بل هذا أدخل في القدرة وأهون في القياس وورود الفعل غير معدي إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بهامن قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الفكر ولا يحيط به الوصف انتهى. و{لّنُبَيّنَ } متعلق بخلقناكم. وقيل {لّنُبَيّنَ }لكم أمر البعث. قال ابن عطية: وهو اعتراض بين الكلامين. وقال الكرماني: يعني رشدكم وضلالكم. وقيل {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } أنالتخليق هو اختيار من الفاعل المختار، ولولاه ما صار بعضه غير مخلق. وقرأ ابن أبي عبلة ليبين لكم ويقر بالياء.وقرأ يعقوب وعاصم في رواية {وَنُقِرُّ } بالنصب عطفاً على {لّنُبَيّنَ }. وعن عاصم أيضاً ثم يخرجكم بنصب الجيمعطفاً على {وَنُقِرُّ } إذا نصب. وعن يعقوب {وَنُقِرُّ } بفتح النون وضم القاف والراء من قر الماء صبه. وقرأأبو زيد النحوي ويقر بفتح الياء والراء وكسر القاف وفي الكلام لابن حبار {لّنُبَيّنَ } {وَنُقِرُّ } {*ونخرجكم} بالنصب فيهن.المفضل وبالياء فيهما مع النصب، أبو حاتم وبالياء والرفع عمر بن شبة انتهى. قال الزمخشري: والقراءة بالرفع إخبار بأنهتعالى يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره من ذلك. {وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو وقت الوضع ومالم يشأ إقراره مجته الأرحام أو أسقطته. والقراءة بالنصب تعليل معطوف على تعليل والمعنى {خَلَقْنَـٰكُمْ } مدرجين هذا التدريج لغرضينأحدهما: أن نبين قدرتنا والثاني أن {نُقِرَ فِى * ٱلاْرْحَامِ } من نقر حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم.ويعضد هذه القراءة قوله {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ } انتهى. وقرأ يحيـى بن وثاب {مَا نَشَاء } بكسر النون والأجلالمسمى مختلف فيه بحسب جنين جنين فساقط وكامل أمره خارج حياً ووحد {طِفْلاً } لأنه مصدر في الأصل قاله المبردوالطبري، أو لأن الغرض الدلالة على الجنس، أو لأن معنى يخرجكم كل واحد كقولك الرجال يشبعهم رغيف أي يشبع كلواحد. وقال الزمخشري: الأشد كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأشدة والقيود وغيرذلك وكأنها مشدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع انتهى. وتقدم الكلام في الأشد ومقداره منالزمان. وإن من الناس من قال إنه جمع شدة كأنعم جمع نعمة وأما القيود: فعن أبي عمرو الشيباني إن واحدةقيد {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ } وقرىء {يَتَوَفَّى } بفتح الياء أي يُسْتَوْفَى أجله، والجمهور بالضم أي بعد الأشد وقبل الهرم،وهو {أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } والخرف، فيصبر إلى حالة الطفولية ضعيف البنية سخيف العقل، ولا زمان لذلك محدود بل ذلك بحسبما يقع في الناس وقد نرى من علت سنه وقارب المائة أو بلغها في غاية جودة الذهن والإدراك مع قوةونشاط، ونرى من هو في سن الاكتهال وقد ضعفت بنيته أوضح تعالى أنه قادر على إنهائه إلى حالة الخرف كماأنه كان قادراً على تدريجه إلى حالة التمام، فكذلك هو قادر على إعادة الأجساد التي درجها في هذه المناقل وإنشائهاالنشأة الثانية. و{*ليكلا} يتعلق بقوله،يرد} قال الكلبي {*} قال الكلبي {يَسِيرٌ لّكَيْلاَ } يعقل من بعد عقله الأول شيئاً.وقيل {لّكَيْلاَ } يستفيد علماً وينسى ما علمه. وقال الزمخشري: أي ليصير نسَّاءً بحيث إذا كسب علماً في شيء لمينشب أن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك من هذا؟ فتقول فلان فما يلبث لحظةإلا سألك عنه. وروى عن أبي عمرو ونافع تسكين ميم {ٱلْعُمُرُ }. {وَتَرَى ٱلاْرْضَ هَامِدَةً } هذا هو الدليلالثاني الذي تضمنته، والدليل الأول الآية، ولما كان الدليل الأول بعض مراتب الخلقة فيه غير مرتبين قال {إِن كُنتُمْ فِىرَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ } فلم يحل في جميع رتبه على الرؤية، ولما كان هذا الدليل الثاني مشاهداً للأبصارأحال ذلك على الرؤية فقال {وَتَرَى } أيها السامع أو المجادل {ٱلاْرْضَ هَامِدَةً } ولظهوره تكرر هذا الدليل في القرآنو{ٱلْمَاء } ماء المطر والأنهار والعيون والسواني واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات {وَرَبَتْ } أي زادت وانتفخت.وقرأ أبو جعفر وعبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وأبو عمرو في رواية وربأت بالهمز هنا وفي فصلت أيارتفعت وأشرفت، يقال: فلان يربأ بنفسه عن كذا: أي يرتفع بها عنه. قال ابن عطية: ووجهها أن يكون من ربأتالقوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة فكان الأرض بالماء تتطاول وتعلو انتهى. ويقال ربىء وربيئة. وقال الشاعر:

بعثنا ربيئاً قبل ذلك مخملا     كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقى

ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطورهمفي تلك المراتب، ومن إحياء الأرض حاصل بهذا وهو حقيقته تعالى فه الثابت الموجود القادر على إحياء الموتى وعلى كلمقدور وقد وعد بالبعث وهو قادر عليه فلا بد من كيانه. وقوله {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ } إلى آخره توكيد لقوله {ذٰلِكَبِأَنَّ ٱللَّهَ } والظاهر أن قوله {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ } ليس داخلاً في سبب ما تقدم ذكره، فليس معطوفاً علىأنه الذي يليه، فيكون على تقدير. والأمر {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ } وذلك مبتدأ وبأن الخبر. وقيل ذلك منصوب بمضمر أي فعلناذلك. {ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ * ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنسَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ * ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍلّلعَبِيدِ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِخَسِرَ }. الظاهر أن المجادل في هذه الآية غير المجادل في الآية قبلها، فعن محمد بن كعب أنها نزلتفي الأخنس بن شريق. وعن ابن عباس في أبي جهل. وقيل: الأولى في المقلدين وهذه في المقلدين، والجمهور على أنهاوالتي قبلها في النضر كررت مبالغة في الذم، ولكون كل واحدة اشتملت على زيادة ليست في الأخرى. وقد قيل فيه:نه نزلت فيه بضع عشرة آية. وقال ابن عطية: وكرر هذه على وجه التوبيخ، فكأنه يقول: هذه الأمثال في غايةالوضوح والبيان {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } مع ذلك {مَن يُجَـٰدِلُ } فكان الواو واو الحال، والآية المتقدمة الواو فيها واو العطفعطفت جملة الكلام على ما قبلها، والآية على معنى الإخبار وهي ههنا مكررة للتوبيخ انتهى. ولا يتخيل أن الواو في{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ } واو حال، وعلى تقدير الجملة التي قدّرها قبله لو كان مصرحاً بها لم يتقدّر بإذفلا تكون للحال، وإنما هي للعطف قسم المخذولين إلى مجادل {فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } متبع لشيطان مريد، ومجادل {بِغَيْرِعِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } إلى آخره وعابد ربه على حرف والمراد بالعلم العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظرلأنه يهدي إلى المعرفة، وبالكتاب المنير الوحي أي {يُجَـٰدِلُ } بغير واحد من هذه الثلاثة. وانتصب {ثَانِىَ عِطْفِهِ }على الحال من الضمير المستكن في {يُجَـٰدِلُ } قال ابن عباس: متكبراً، ومجاهد: لاوياً عنقه بقبح، والضحاك شامخاً بأنفه وابنجريج:معرضا عن الحق، وقرأ الحسن ثاني عطف بفتح العين أي: تعطفه وترحمه و(ليضل) متعلق بـ(تجادل) وقرأ مجاهد وأهل مكة وأبوعمرو في رواية {لِيُضِلَّ } بفتح الياء أي {لِيُضِلَّ } في نفسه والجمهور بضمها أي {لِيُضِلَّ } غيره، وهو يترتبعلى إضلاله كثرة العذاب، إذ عليه وزر من عمل به. ولما كان مآل جداله إلى الإضلال كان كأنه علة له،وكذلك لما كان معرضاً عن الهدى مقبلاً على الجدال بالباطل كان كالخارج من الهدى إلى الضلال. والخزي في الدنياما لحقه يوم بدر من الأسر والقتل والهزيمة، وقد أسر النضر. وقيل: يوم بدر بالصفراء. و {ٱلْحَرِيقِ } قيل طبقةمن طباق جهنم ، وقد يكون من إضافة الموصوف إلى صفته أي العذاب الحريق أي المحرق كالسميع بمعنى المسمع.وقرأ زيد بن عليّ فأذيقه بهمزة المتكلم ذلك إشارة إلى الخزي والإذاقة، وجوزوا في إعراب ذلك هذا ما جوزوا فيإعراب ذلك بأن الله هو الحق. وتقدم المراد في {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } أي باجترامك وبعدل الله فيك إذ عصيته،ويحتمل أن يكون وأن الله متقطعاً ليس ذلك في السبب والتقدير والأمر أن الله. قال ابن عطية: والعبيد هنا ذكروافي معنى مسكنتهم وقلة قدرتهم، فلذلك جاءت هذه الصيغة انتهى. وهو يفرق بين العبيد والعباد وقد رددنا عليه تفرقته فيأواخر آل عمران في قوله

{ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }

وشرحنا هنا قوله {بِظَلَّـٰمٍ }. من {يَعْبُدُ ٱللَّهَ} نزلت في أعراب من أسلم وغطفان تباطؤوا عن الإسلام وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع ما بيننا وبينحلفائنا من يهود فلا يقرونا ولا يؤونا. وقيل: في أعراب لا يقين لهم يسلم أحدهم فيتفق تثمير ماله وولادة ذكروغير ذلك من الخير، فيقول: هذا دين جيد أو ينعكس حاله فيتشاءم ويرتد كما جرى للعرنيين قال معناه ابن عباسومجاهد وقتادة وغيرهم. وعن ابن عباس: في شيبة بن ربيعة أسلم قبل ظهور الرسول ﷺ، فلما أوحىإليه ارتد. وقيل: في يهودي أسلم فأصيب فتشاءم بالإسلام، وسأل الرسول إلا قاله فقال: إن الإسلام لا يقال فنزلت. وعنالحس: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه وقال ابن عيسى: على ضعف يقين. وقال أبو عبيد {عَلَىٰ حَرْفٍ } علىشك. وقال ابن عطية {حَرْفٍ } على انحراف منه عن العقيدة البيضاء، أو على شفا منها معداً للزهوق. وقالالزمخشري {عَلَىٰ حَرْفٍ } على طرف من الدين لا في وسطه وقبله، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهملا على سكون وطمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر، فأن أحسن بظفر وغنيمة قرّ واطمأنّ وإلاّ فرّ وطار علىوجهه انتهى. وخسرانه الدنيا إصابته فيها بما يسوؤه من ذهاب ماله وفقد أحبائه فلم يسلم للقضاء. وخسران الآخرة حيث حرمثواب من صبر فارتد عن الإسلام. وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن من طريق الزعفراني وقعنب والجحدري وابن مقسمخاسر الدنيا اسم فاعل نصباً على الحل. وقرىء خاسر اسم فاعل مرفوعاً على تقدير وهو خاسر. وقال الزمخشري: والرفع علىالفاعلية ووضع الظاهر موضع الضمير وهو وجه حسن انتهى. وقرأ الجمهور: {خُسْرٍ } فعلاً ماضياً وهو استئناف إخبار، ويجوز أنيكون في موضع الحال ولا يحتاج إلى إضمار قد لأنه كثر وقوع الماضي حالاً في لسان العرب بغير قد فساغالقياس عليه، وأجاز أبو الفضل الرازي أن يكون بدلاً من قوله {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } كما كان يضاعف بدلاً منيلق. وتقدم تفسير {ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ } في قوله

{ ضَلَـٰلاً بَعِيداً }

ونفى هنا الضر والنفع وأثبتهما في قوله {لَمَنْ ضَرُّهُأَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } وذلك لاختلاف المتعلق، وذلك أن قوله {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ } هو الأصنام والأوثان، ولذلك أتى التعبيرعنها بما التي لا تكون لآحاد من يعقل. وقوله {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ } هو من عبد باقتضاء، وطلب من عابديهمن المدعين الإلۤهية كفرعون وغيره من ملوك بني عبيد الذين كانوا بالمغرب ثم ملكوا مصر، فإنهم كانوا يدعون الإلۤهية ويطافبقصرهم في مصر وينادون بما ينادي به رب العالمين من التسبيح والتقديس، فهؤلاء وإن كان منهم نفع مّا لعابديهم فيدار الدنيا فضررهم أعظم وأقرب من نفعهم، إذ هم في الدنيا مملوكون للكفار وعابدون لغير الله، وفي الآخرة معذبون العذابالدائم ولهذا كان التعبير هنا بمن التي هي لمن يعقل، وعلى هذا فتكون الجملتان من إخبار الله تعالى عمن يدعوإلۤهاً غير الله. وقال الزمخشري: فإن قلت: الضر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا تناقض قلت:إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جماداً لا يملك ضراً ولا نفعاًوهو يعتقد فيه بجهله وضلالته أن سينتفع به، ثم قال يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضرارهبالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ} وكرر يدعوا كأنه قال {يَدْعُو } {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } ثم قال{لَمَنْ ضَرُّهُ } بكونه معبوداً {أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } بكونه شفيعاً {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ } انتهى. فجعل الزمخشري المدعو في الآيتينالأصنام وأزال التعارض باختلاف القائلين بالجملة الأول من قول الله تعالى إخباراً عن حال الأصنام. والجملة الثانية من كلام عبادالأصنام يقولون ذلك في الآخرة، وحكى الله عنهم ذلك وأنهم أثبتوا ضراً بكونهم عبدوه، وأثبتوا نفعاً بكونهم اعتقدوه شفيعاً. فالنافيهناك غير المثبت هنا، فزال التعارض على زعمه والذي أقول إن الصنم ليس له نفع ألبتة حتى يقال {ضَرُّهُ أَقْرَبُمِن نَّفْعِهِ }. وأجاب بعضهم عن زعم من زعم أن الظاهر الآيتين يقتضي التعارض بأنها لا تضر ولا تنفعبأنفسها ولكن عبادتها نسب الضرر إليها كقوله

{ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ }

أضاف الإضلال إليهم إذ كانوا سببالضلال، فكذا هنا نفي الضرر عنهم لكونها ليست فاعلة ثم أضافه إليها لكونها سبب الضرر. وقال آخرون: هي في الحقيقةلا تضر ولا تنفع بين ذلك في الآية الأولى ثم أثبت لها الضر والنفع في الثانية على طريق التسليم، أيولو سلمنا كونها ضارة نافعة لكان ضرها أكثر من نفعها، وتكلف المعربون وجوهاً فقالوا {يَدْعُو } إما أن يكون لهاتعلق بقوله {لَمَنْ ضَرُّهُ } أولاً إن لم يكن لها تعلق فوجوه. أحدها: أن يكون توكيداً لفظياً ليدعو الأولى،فلا يكون لها معمول. الثاني: أن تكون عاملة في ذلك من قوله {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ } وقد المفعول الذيهو {ذٰلِكَ } وجعل موصولاً بمعنى الذي قاله أبو علي الفارسي، وهذا لا يصح إلا على قول الكوفيين إذيجيزون في اسم الإشارة أن يكون موصولاً، والبصريون لا يجيزون ذلك إلاّ في ذا بشرط أن يتقدمها الاستفهام بما أومن. الثالث: أن يكون {يَدْعُو } في موضع الحال، {وَذَلِكَ } مبتدأ وهو فصل أو مبتدأ وحذف الضمير من{يَدْعُو } أي يدعوه وقدره مدعواً وهذا ضعيف، لأن يدعوه لا يقدر مدعواً إنما يقدر داعياً، فلو كان يدعى مبنياًللمفعول لكان تقديره مدعواً جارياً على القياس. وقال نحوه الزجاج وإن كان له تعلق بقوله {لَمَنْ ضَرُّهُ } فوجوه.أحدها: ما قاله الأخفش وهو أن {يَدْعُو } بمعنى يقول و {مِنْ } مبتدأ موصول صلته الجملة بعده. وهي {ضَرُّهُأَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } وخبر المبتدأ محذوف، تقديره إلۤه وإلۤهي. والجملة في موضع نصب محكية بيدعو التي هي بمعنى يقول،قيل: هو فاسد المعنى لأن الكافر لم يعتقد قط أن الأوثان ضرها أقرب من نفعها. وقيل: في هذا القول يكون{لَبِئْسَ } مستأنفاً لأنه لا يصح دخوله في الحكاية لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ }. الثاني:أن {يَدْعُو } بمعنى يسمي، والمحذوف آخراً هو المفعول الثاني ليسمى تقديره إلۤهاً وهذا لا يتم إلاّ بتقدير زيادة اللامأي يدعو من ضره. الثالث: أن يدعو شبه بأفعال القلوب لأن الدعاء لا يصدر إلاّ عن اعتقاد، والأحسن أنيضمن معنى يزعم ويقدر لمن خبره، والجملة في موضع نصب ليدعو أشار إلى هذا الوجه الفارسي. والرابع: ما قالهالفراء وهو أن اللام دخلت في غير موضعها والتقدير {يَدْعُو } من لضره أقرب من نفعه، وهذا بعيد لأن ماكان في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول. الخامس: أن تكون اللام زائدة للتوكيد، و {مِنْ } مفعول بيدعووهو ضعيف لأنه ليس من مواضع زيادة اللام، لكن يقويه قراءة عبد الله يدعو من ضره بإسقاط اللام، وأقرب التوجيهاتأن يكون {يَدْعُو } توكيداً ليدعو الأول؛ واللام في {لِمَنْ } لام الابتداء، والخبر الجملة التي هي قسم محذوف، وجوابه{لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ } والظاهر أن {يَدْعُو } يراد به النداء والاستغاثة. وقيل: معناه بعيد، و {ٱلْمَوْلَىٰ } هنا الناصر والعشيرالصاحب المخالط. ولما ذكر تعالى حالة من يعبده على حرف وسفه رأيه وتوعده بخسرانه في الآخرة عقبة بذكر حالمخالفيهم من أهل الإيمان وما وعدهم به من الوعد الحس، ثم أخذ في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول هؤلاء العابدونعلى حرف صحبهم القلق وظنوا أن الله لن ينصر محمداً ﷺ وأتباعه، ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظاروعدنا، فمن ظن غير ذلك فليمدد بسبب ويختلق وينظر هل يذهب بذلك غيظه، قال هذا المعنى قتادة، وهذا على جهةالمثل السائر قولهم: دونك الجبل فاختنق، يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا يمكنه، فعلى هذا تكون الهاء في{يَنصُرَهُ } للرسول ﷺ وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدّي، واختاره الفراءوالزجاج فالمعنى إن لن ينصر الله محمداً في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه،والرسول وإن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } وظانّ ذلك قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين، يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر أوأعراب استبطؤوا ظهور الرسول ﷺ فتباطؤوا عن الإسلام. والظاهر أن الضمير في {يَنصُرَهُ } عائد على {مِنْ} لأنه المذكور، وحق الضمير أن يعود على المذكور وهو قول مجاهد. وحمل بعض قائلي هذا القول النصر هنا علىالرزق كما قالوا: أرض منصورة أي ممطورة. وقال الشاعر:

وإنك لا تعطي امراً فوق حقه     ولا تملك الشق الذي أنت ناصره

أي معطييه. وقال: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله، فالمعنى من كانيظن أن لن يرزقه الله فيعدل عن دين محمد لهذا الظن كما وصف في قوله {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰوَجْهِهِ } فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، فإن ذلك لا يبلغه إلاّ ما قدر له ولا يجعله مرزوقاً أكثر مماقسم له، ويحتمل على هذا القول أن يكون النصر على بابه أي من كان يظن أن لن ينصره الله فيالدنيا والآخر فيغتاظ لانتفاء نصره فليمذدد، ويدل على قوله فيغتاظ قوله {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } ويكون معنى قوله{فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَاء ثُمَّ لْيَقْطَعْ } فليتحيل بأعظم الحيل في نصرة الله إياه ثم ليقطع الحبل {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّكَيْدُهُ } وتحيله في إيصال النصر إليه الشيء الذي يغيظه من انتفاء نصره بتسلط أعدائه عليه. وقال الزمخشري: هذاكلام دخله اختصار والمعنى: أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعلخلاف ذلك ويطمع فيه ويغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه وليستفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه بأن يفعل مايفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مدّ جبلاً إلى سماء بيته فاختنق، {فَلْيَنظُرِ } وليصور في نفسه أنهإن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه، وسمي الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، ومنه قيلللبهر القطع وسمى فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لميكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلاّ ما ليس بمذهب لما يغيظه. وقيل {فَلْيَمْدُدْ} بحبل {إِلَى ٱلسَّمَاء } المظلة وليصعد عليه فليقطع الوحي أن ينزل عليه وهذا قول ابن زيد. وقيل: الضمير في{يَنصُرَهُ } عائد على الدين والإسلام. قال ابن عطية: وأبين وجوه هذه الآية أن يكون مثلاً ويكون النصر المعروف والقطعالاختناق والسماء الارتفاع في الهواء سقف أو شجرة أو نحوه فتأمله، وما في {مَا يَغِيظُ } بمعنى الذي، والعائد محذوفأو مصدرية. وكذلك أي ومثل ذلك الإنزال {أَنزَلْنَا } القرآن كله {بَيّنَاتٍ فَٱسْأَلْ } أي لا تفاوت في إنزال بعضهولا إنزال كله والهاء في {أَنزَلْنَـٰهُ } للقرآن أضمر للدّلالة عليه كقوله

{ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ }

والتقدير والأمر {إِنَّٱللَّهَ * يَهْدِى مَن يُرِيدُ } أي يخلق الهداية في قلبك يريد هدايته لا خالق للهداية إلاّ هو. {إِنَّٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ }.لما ذكر قبل

{ أن الله يهدي من يريد }

عقب ببيان من يهديه ومن لا يهديه، لأن ما قبله يقتضيأن من لا يريد هدايته لا يهديه يدل إثبات الهداية لمن يريد على نفيها عمن لا يريد، والذين أشركوا همعبدة الأوثان والأصنام، ومن عبد غير الله. قال الزمخشري: ودخلت {ءانٍ } على كل واحد جزأي الجملة لزيادة التأكيد، ونحوهقول جرير:

إنَّ الخليفة إنْ الله سربله     سربال ملك به ترجى الخواتيم

وظاهر هذا أنه شبه البيت بالآية،وكذلك قرنه الزجاج بالآية ولا يتعين أن يكون البيت كالآية لأن البيت يحتمل أن يكون خبر إن الخليفة قوله: بهترجى الخواتيم، ويكون إن الله سربله سربال ملك جملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله {إِنَّٱللَّهَ يَفْصِلُ } وحسن دخول {ءانٍ } على الجملة الواقعة خبراً طول الفصل بينهما بالمعاطيف، والظاهر أن الفصل بينهم يومالقيامة هو بصيرورة المؤمنين إلى الجنة والكافرين إلى النار، وناسب الختم بقوله {شَهِيداً } الفصل بين الفرق. وقال الزمخشري:الفصل مطلق يحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاءً واحداً بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد.وقيل {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } يقضي بين المؤمنين والكافرين، والظاهر أن السجود هنا عبارة عن طواعية ما ذكر تعالى والانقياد لمايريده تعالى، وهذا معنى شمل من يعقل وما لا يعقل، ومن {يَسْجُدُ } سجود التكليف ومن لا يسجده، وعطف علىما من عبد من دون الله ففي {ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الملائكة كانت تعبدها و {ٱلشَّمْسَ } عبدتها حمير. وعبد {ٱلْقَمَرُ }كنانة قاله ابن عباس. والدبران تميم. والشعرى لخم وقريش. والثريا طيىء وعطارداً أسد. والمرزم ربيعة. و {فِى ٱلاْرْضِ } منعبد من البشر والأصنام المنحوتة من {ٱلْجِبَالُ * وَٱلشَّجَرُ } والبقر وما عبد من الحيوان. وقرأ الزهري {وَٱلدَّوَابّ } بتخفيفالباء. قال أبو الفضل الرازي ولا وجه لذلك إلاّ أن يكون فراراً من التضعيف مثل ظلت وقرن ولا تعارض بينقوله {وَمَن فِى ٱلاْرْضِ } لعمومه وبين قوله {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } لخصوصه لأنه لا يتعين عطف {وَكَثِيرٌ } علىما قبله من المفردات المعطوفة الداخلة تحت يسجد إذ يجوز إضمار {يَسْجُدُ لَهُ } كثير من الناس سجود عبادة دلعليه المعنى لا أنه يفسره {يَسْجُدُ } الأول لاختلاف الاستعمالين، ومن يرى الجمع بين المشركين وبين الحقيقة والمجاز بجيز عطف{وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } على المفردات قبله، وإن اختلف السجود عنده بنسبته لما لا يعقل ولمن يعقل ويجوز أن يرتفععلى الابتداء، والخبر محذوف يدل على مقابلة الذين في الجملة بعده أي {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ } مثاب. وقال الزمخشري:ويجوز أن يكون {مِنَ ٱلنَّاسِ } خبراً له أي {مِنَ ٱلنَّاسِ } الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون،ويجوز أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فعطفت كثير على كثير ثم، عبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قال {وَكَثِيرٌ} {وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ * حَقّ } عليهم {ٱلْعَذَابَ } انتهى. وهذان التخريجان ضعيفان. وقرأ جناح بن حبيش وكبيرحق بالباء. وقال ابن عطية {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم أي {وَكَثِيرٌ حَقَّعَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } يسجد أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره، ونحو ذلك قاله مجاهد وقال سجودهبظله. وقرىء {وَكَثِيرٌ } حقاً أي {حَقَّ عَلَيْهِمُ * ٱلْعَذَابَ } حقاً. وقرىء {حَقّ } بضم الحاء ومن مفعول مقدمبيهن. وقرأ الجمهور {مِن مُّكْرِمٍ } اسم فاعل. وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الراء على المصدر أي من إكرام. قالالزمخشري: ومن أهانه الله كتب عليه الشقاوة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه، فقد بقي مهاناً لمن يجدله مكرماً أنه يفعل ما يشاء من الإكرام والإهانة، ولا يشاء من ذلك إلاّ ما يقتضيه عمل العاملين واعتقاد المعتقدينانتهى. وفيه دسيسة الاعتزال. ولما ذكر تعالى أهل السعادة وأهل الشقاوة ذكر ما دار بينهم من الخصومة في دينه،فقال {هَـٰذَانِ } قال قيس بن عباد وهلال بن يساف، نزلت في المتبارزين يوم بدر حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارثبرز والعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وعن عليّ: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يديّ اللهتعالى، وأقسم أبو ذر على هذا ووقع في صحيح البخاري أن الآية فيهم. وقال ابن عباس: الإشارة إلى المؤمنين وأهلالكتاب وقع بينهم تخاصم، قالت اليهود: نحن أقدم ديناً منكم فنزلت. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن وعاصم والكلبيالإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، وخصم مصدر وأريد به هنا الفريق، فلذلك جاء {ٱخْتَصَمُواْ } مراعاة للمعنى إذ تحتكل خصم أفراد، وفي رواية عن الكسائي {خَصْمَانِ } بكسر الخاء ومعنى {فِى رَبّهِمْ } في دين ربهم. وقرأ ابنأبي عبلة اختصما، راعى لفظ التثنية ثم ذكر تعالى ما أعدّ للكفار. وقرأ الزعفراني في اختياره: {قُطّعَتْ } بتخفيفالطاء كأنه تعالى يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، والظاهر أن هذا المقطع لهميكون من النار. وقال سعيد بن جبير {ثِيَابُ } من نحاس مذاب وليس شيء إذا حمي أشد حرارة منه، فالتقديرمن نحاس محمى بالنار. وقيل: الثياب من النار استعارة عن إحاطة النار بهم كما يحيط الثوب بلابسه. وقال وهب: يكسىأهل النار والعري خير لهم، ويحيون والموت خير لهم. ولما ذكر ما يصب على رؤوسهم إذ يظهر في المعروفأن الثوب إنما يغطى به الجسد دون الرأس فذكر ما يصيب الرأس من العذاب. وعن ابن عباس: لو سقطت منالحميم نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ولما ذكر ما يعذب به الجسد ظاهره وما يصب على الرأس ذكر ما يصلإلى باطن المعذب وهو الحميم الذي يذيب ما في البطن من الحشا ويصل ذلك الذوب إلى الظاهر وهو الجلد فيؤثرفي الظاهر تأثيره في الباطن كما قال تعالى

{ فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ }

وقرأ الحسن وفرقة {يُصْهَرُ } بفتح الصاد وتشديد الهاء.وفي الحديث: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان . والظاهر عطف {وَٱلْجُلُودُ } على {مَا } من قوله {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِىبُطُونِهِمْ } وأن {*الجلود} تذاب كما تذاب الأحشاء. وقيل: التقدير وتخرق {*الجلود} لأن الجلود لا تذاب إنما تجتمع على الناروتنكمش وهذا كقوله:

علفتها تبناً وماء بارداً    

أي وسقيتها ماء. والظاهر أن الضمير في {بِهَا وَلَهُمْ } عائد علىالكفار، واللام للاستحقاق. وقيل: بمعنى على أي وعليهم كقوله

{ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ }

أي وعليهم. وقيل: الضمير يعود على مايفسره المعنى وهو الزبانية. وقال قوم منهم الضحاك: المقامع المطارق. وقيل: سياط من نار وفي الحديث: «لو وضع مقمع منهافي الأرض مث اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض» {وَمِنْ * غَمّ } بد من منها بدل اشتمال، أعيدمعه الجار وحذف الضمير لفهم المعنى أي من غمها، ويحتمل أن تكون من للسبب أي لأجل الغم الذي يلحقهم، والظاهرتعليق الإعادة على الإرادة للخروج فلا بد من محذوف يصح به المعنى، أي من أماكنهم المعدة لتعذيبهم {أُعِيدُواْ فِيهَا }أي في تلك الأماكن. وقيل {أُعِيدُواْ فِيهَا } بضرب الزبانية إياهم بالمقامع {وَذُوقُواْ } أي ويقال لهم ذوقوا.ولما ذكر تعالى ما أعد لأحد الخصمين من العذاب ذكر ما أعد من الثواب للخصم الآخر. وقرأ الجمهور {يُحَلَّوْنَ} بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الللام. وقىء بضم الياء والتخفيف. وهو بمعنى المشدد. وقرأ ابن عباس {يُحَلَّوْنَ }بفتح الياء واللام وسكون الحاء من قولهم: حلى الرجل وحليت المرأة إذا صارت ذات حلي والمرأة ذات حلي والمرأة حال.وقال أبو الفضل الرازي: يجوز أن يكون من حَلي يعيني يحلى إذا استحسنته، قال فتكون {مِنْ } زائدة فيكون المعنىيستحسنون فيها الأساورة الملبوسة انتهى. وهذا ليس بجيد لأنه جعل حلى فعلاً متعدياً ولذلك حكم بزيادة {مِنْ } في الواجبوليس مذهب البصريين، وينبغي على هذا التقدير أن لا يجوز لأنه لا يحفظ لازماً فإن كان بهذا المعنى كانت {مِنْ} للسبب أي بلباس أساور الذهب يحلون بعين من يراهم أي يحلى بعضهم بعين بعض. قال أبو الفضل الرازي: ويجوزأن تكون {مِنْ } حليت به إذا ظفرت به، فيكون المعنى {يُحَلَّوْنَ فِيهَا } بأساور فتكون {مِنْ } بدلاً منالباء، والحلية من ذلك فإما إذا أخذته من حليت به فإنه الحلية، وهو من الياء وإن أخذته من حلي بعينيفإنه من الحلاوة من الواو انتهى. ومن معنى الظفر قولهم: لم يحل فلان بطائل، أي لم يظفر. والظاهر أن {مِنْ} في {مِنْ أَسَاوِرَ } للتبعيض وفي {مّن ذَهَبٍ } لابتداء الغاية أي أنشئت من ذهب. وقال ابن عطية:{مِنْ } في {مِنْ أَسَاوِرَ } لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبيعض. وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في الكهف.وقرأ ابن عباس من أسور بفتح الراء من غير ألف ولا هاء، وكان قياسه أن يصرفه لأنه نقص بناؤه فصاركجندل لكنه قدر المحذوف موجوداً فمنعه الصرف. وقرأ اصم ونافع والحسن والجحدري والأعرج وأبو جعفر وعيسى بن عمر وسلام ويعقوب{وَلُؤْلُؤاً } هنا وفي فاطر بالنصب وحمله أبو الفتح على إضمار فعل وقدره الزمخشري ويؤتون {لُؤْلُؤاً } ومن جعل {مِنْ} في {مِنْ أَسَاوِرَ } زائدة جاز أن يعطف {وَلُؤْلُؤاً } على موضع {أَسَاوِرَ } وقيل يعطف على موضع {مِنْأَسَاوِرَ } لأنه يقدر و {يُحَلَّوْنَ } حلياً {مِنْ أَسَاوِرَ }. وقرأ باقي السبعة والحسن أيضاً وطلحة وابن وثاب والأعمش.وأهل مكة ولؤلؤ بالخفض عطفاً على {أَسَاوِرَ } أو على {ذَهَبَ } لأن السوار يكون من ذهب ولؤلؤ، يجمع بعضهإلى بعض. قال الجحدري: الألف ثابتة بعد الواو في الإمام. وقال الأصمعي: ليس فيها ألف، وروى يحيى عن أبيبكر همز الأخير وإبدال الأولى. وروى المعلى بن منصور عنه ضد ذلك. وقرأ الفياض: ولولياً قلب الهمزتين واواً صارت الثانيةواواً قبلها ضمة، عمل فيها ما عمل في أدل من قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة. وقرأ ابن عباس وليلياًأبدل المهمزتين واوين ثم قلبهما ياءين اتبع الأولى للثانية. وقرأ طلحة ولول مجروراً عطفاً على ما عطف عليه المهموز.{وَٱلطَّيّبُ * مِنَ ٱلْقَوْلِ } إن كانت الهداية في الدنيا فهو قول لا إلۤه إلاّ الله، والأقوال الطيبة من الأذكاروغيرها، ويكون الصراط طريق الإسلام وإن كان إخباراً عما يقع منهم في الآخرة فهو قولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعدهوما أشبه ذلك من محاورة أهل الجنة، ويكون الصراط الطريق إلى الجنة. وعن ابن عباس: هو لا إلۤه إلا اللهوالحمد لله زاد ابن زيد والله أكبر. وعن السدّي القرآن. وحكى الماوردي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعن ابن عباس:هو الحمد لله الذي صدقنا وعده، والظاهر أن {ٱلْحَمِيدِ } وصف لله تعالى. قال ابن عطية: ويحتمل أن يرد بالحميدنفس الطريق، فأضاف إليه على حد إضافته في قوله: دار الآخرة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ }. المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معينمن حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } كقوله

{ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ }

وقيل: هو مضارع أريد به الماضي عطفاً على {كَفَرُواْ } وقيل: هو على إضمار مبتدأ أيوهم {يَصِدُّونَ } وخبر إن محذوف قدره ابن عطية بعد {وَٱلْبَادِ } خسروا أو هلكوا وقدره الزمخشري بعد قوله {ٱلْحَرَامِ} نذيقهم {مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ولا يصح تقديره بعده لأن الذي صفة {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } فموضع التقدير هو بعد{وَٱلْبَادِ } لكن مقدر الزمخشري أحسن من مقدر ابن عطية لأنه يدل عليه الجملة الشرطية بعد من جهة اللفظ، ابنعطية لحظ من جهة المعنى لأن من أذيق العذاب خسر وهلك. وقيل: الواو في {وَيَصُدُّونَ } زائدة وهو خبر إنتقديره إن الذين كفروا يصدون. قال ابن عطية: وهذا مفسد للمعنى المقصود انتهى. ولا يجيز البصريون زيادة الواو وإنما هوقول كوفي مرغوب عنه. وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صدّ رسول الله ﷺ عن المسجدالحرام وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك بجمع إلاّ أن يراد صدهم لأفراد من الناس فقد وقع ذلكفي صدر المبعث، والظاهر أنه نفس المسجد ومن صد عن الوصول إليه فقد صد عنه. وقيل: الحرم كله لأنهم صدوهوأهله عليه السلام فنزلوا خارجاً عنه لكنه قصد بالذكر المهم المقصد من الحرم. وقرأ الجمهور {سَوَآء } بالرفع علىأن الجملة من مبتدأ وخبر في موضع المفعول الثاني، والأحسن أن يكون {ٱلْعَـٰكِفُ } هو المبتدأ و {فِيهِ سَوَآء }الخبر، وقد أجيز العكس. وقال ابن عطية: والمعنى {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ } قبلة أو متعبداً انتهى. ولا يحتاج إلى هذاالتقدير إلاّ إن كان أراد تفسير المعنى لا الإعراب فيسوغ لأن الجملة في موضع المفعول الثاني، فلا يحتاج إلى هذاالتقدير. وقرأ حفص والأعمش {سَوَآء } بالنصب وارتفع به {ٱلْعَـٰكِفُ } لأنه مصدر في معنى مستو اسم الفاعل. ومن كلامهم:مررت برجل سواء هو والعدم، فإن كانت جعل تتعدى إلى اثنين فسواء الثاني أو إلى واحد فسواء حال من الهاء.وقرأت فرقة منهم الأعمش في رواية القطعي {سَوَآء } بالنصب {ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ } بالجر. قال ابن عطية: عطفاً على الناسانتهى. وكأنه يريد عطف البيان الأولى أن يكون بدل تفصيل. وقرىء {*والبادي} وصلاً ووقفاً وبتركها فيهما، وبإثباتها وصلاً وحذفهاوقفاً {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ } المقيم فيه {*والبادي} الطارىء عليه، وأجمعوا على الاستواء في نفس المسجد الحرام واختلفوا في مكة، فذهبعمر وابن عباس ومجاهد وجماعة إلى أن الأمر كذلك في دوس مكة، وأن القادم له النزول حيث وجد وعلى ربالمنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وقال به الثوري وكذلك كان الأمر في الصدر الأول. قال ابن سابط: وكانت دورهمبغير أبواب حتى كثرت السرقة، فاتخذ رجل باباً فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق باباً في وجه حاج بيت الله؟ فقال:إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة فتركه، فاتخذ الناس الأبواب وهذا الخلاف مترتب على الخلاف في فتح مكة أكان عنوةأو صلحاً؟ وهي مسألة يبحث عنها في الفقه. والإلحاد الميل عن القصد. ومفعول {مِن بَرَدٍ } قال أبو عبيدةهو {بِإِلْحَادٍ } والباء زائدة في المفعول. قال الأعشى:

ضمنت برزق عيالنا أرماحنا    

أي رزق وكذا قراءة الحسن منصوباًقرأ {وَمَن يُرِدِ } إلحاده بظلم أي إلحاداً فيه فتوسع. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون التقدير {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} الناس {بِإِلْحَادٍ }. وقال الزمخشري: {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } حالان مترادفتان ومفعول {يُرِدْ } متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال{وَمَن يُرِدْ فِيهِ } مراد إمّا عادلاً من القصد ظالماً {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وقيل: الإلحاد في الحرم منعالناس عن عمارته. وعن سعيد بن جبير: الاحتكار. وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله انتهى. والأولىأن تضمن {يُرِدْ } معنى يتلبس فيتعدى بالباء. وعلق الجزاء وهو {نُذِقْهُ } على الإرادة، فلو نوى سيئة ولم يعملهالم يحاسب بها إلاّ في مكة وهذا قول ابن مسعود وجماعة. وقال ابن عباس: الإلحاد هنا الشرك. وقال أيضاً: هواستحلال الحرام. وقال مجاهد: هو العمل السيىء فيه. وقال ابن عمر: لا والله وبلى والله من الإلحاد. وقال حبيب بنأبي ثابت: الحكر بمكة من الإلحاد بالظلم، والأولى حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر إذ الكلام يدل علىالعموم. وقرأت فرقة {وَمَن يُرِدِ } بفتح الياء من الورود وحكاها الكسائي والفراء ومعناه ومن أتى به {بِإِلْحَادٍ } ظالماً.ولما ذكر تعالى حال الكفار وصدهم عن المسجد الحرام وتوعد فيه من أراد فيه بإلحاد ذكر حالأبيهم إبراهيم وتوبيخهم على سلوكهم غير طريقه من كفرهم باتخاذ الأصنام وامتنانه عليهم بإنفاد العالم إليهم {وَإِذْ بَوَّأْنَا } أيواذكر {إِذْ * بَوَّأْنَا } أي جعلنا {لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة. قيل: واللامزائدة أي بوّأنا إبراهيم مكان البيت أي جعلنا يبوء إليه كقوله

{ لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً }

وقال الشاعر:

كم صـاحب لي صـالح     بوّأته بيدي لحدا

وقيل: مفعول {بَوَّأْنَا } محذوف تقديره بوّأنا الناس، واللامفي {لإِبْرٰهِيمَ } لام العلة أي لأجل إبراهيم كرامة له وعلى يديه. والظاهر أن قوله {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً} خطاب لإبراهيم وكذا ما بعده من الأمر. وقيل: هو خطاب لرسول الله ﷺ {وَأَنْ } مخففةمن الثقيلة قاله ابن عطية، والأصل أن يليها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت مشددة أو حرف تفسير. قالهالزمخشري وابن عطية وشرطها أن يتقدمها جملة في معنى القول و{بَوَّأْنَا } ليس فيه معنى القول، والأولى عندي أن تكون{ءانٍ } الناصبة للمضارع إذ يليها الفعل المتصرف من ما ض ومضارع وأمر النهي كالأمر. قال الزمخشري: فإن قلت:كيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة؟ قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل تعبدناإبراهيم قلنا له {لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ } من الأصنام والأوثان والأقذار أن تطرح حوله. وقرأ عكرمةوأبو نهيك: أن لايشرك بالياء على معنى أن يقول معنى القول الذي قيل له. قال أبو حاتم: ولا بد مننصب الكاف على هذه القراءة بمعنى أن {لاَ تُشْرِكْ }. والقائمون هم المصلون ذكر من أركانها أعظمها وهو القيام والركوعوالسجود. وقرأ الجمهور {وَأَذّن } بالتشديد أي ناد. روي أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيتربكم وتقدم قول من قال إنه خطاب للرسول ﷺ، وقاله الحسن قال: أمر أن يفعل ذلك فيحجة الوداع. وقرأ الحسن وابن محيصن وآذن بمدة وتخفيف الذال. قال ابن عطية: وتصحف هذا على ابن جني فإنه حكىعهما {وَأَذّن } على فعل ماض، وأعرب على ذلك بأن جعله عطفاً على {بَوَّأْنَا } انتهى. وليس بتصحيف بل قدحكى أبو عبد الله الحسين بن خالويه في شواذ القراءات من جمعه. وصاحب اللوامح أبو الفضل الرازي ذلك عن الحسنوأبن محيصن. قال صاحب اللوامح: وهو عطف على {وَإِذْ بَوَّأْنَا } فيصير في الكلام تقديم وتأخير، ويصير {يَأْتُوكَ } جزماًعلى جواب الأمر الذي هو {وَطَهّرْ } انتهى. وقرأ ابن أبي إسحاق {بِٱلْحَجّ } بكسر الحاء حيث وقع الجمهور بفتحها.وقرأ الجمهور {رِجَالاً } وابن أبي إسحاق بضم الراء والتخفيف، وروي كذلك عن عكرمة والحسن وأبي مجلز، وهو اسم جمعكظؤار وروي عنهم وعن ابن عباس ومجاهد وجعفر بن محمد بضم الراء وتشديد الجيم. وعن عكرمة أيضاً رجالى على وزنالنعامى بألف التأنيث المقصورة، وكذلك مع تشديد الجيم عن ابن عباس وعطاء وابن حدير، ورجال جمع راجل كتاجر وتجار.وقرأ الجمهور {يَأْتِينَ } فالظاهر عود الضمير {عَلَىٰ كُلّ * ضَامِرٍ } لأن الغالب أن البلاد الشاسعة لا يتوصل منهاإلى مكة بالركوب، وقد يجوز أن يكون الضمير يشمل {رِجَالاً } و{كُلّ ضَامِرٍ } على معنى الجماعات والرفاق. وقرأ عبدالله وأصحابه والضحاك وابن أبي عبلة يأتون غلب العقلاء الذكور في البداءة برجال تفضيلاً للمشاة إلى الحج. وعن ابن عباس:ما آسى على شيء فاتني أن لا أكون حججت ماشياً، والاستدلال بقوله {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ } على سقوطفرض الحج على من يركب البحر ولا طريق له سواه، لكونه لم يذكر في هذه الآية ضعيف لأن مكة ليستعلى بخر، وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين مشي أو ركوب، فذكر تعالى ما يتوصل به إليها. وقرأ ابنمسعود فج معيق. قال ابن عباس وغيره من المنافع التجارة. وقال الباقر: الأجر. وقال مجاهد وعطاء كلاهما، واختاره ابن العربي.قال الزمخشري: ونكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنياوية لا توجد في غيرها من العبادات. وعنأبي حنيفة أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حج فضل الحج على العبادات كلها لما شاهد منتلك الخصائص، وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أوذبحوا، وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله أن يذكر اسمه وقد حسن الكلام تحسيناً بيِّناًأن جمع بين قوله ليذكروا اسم الله عليه. وقوله {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ } ولو قيل لينحروا {فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ }{بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } لم تر شيئاً من ذلك الحسن والروعة انتهى. واستدل من قال أن المقصود بذكر اسم اللههو على الذبح والنحر على أن الذبح لا يكون بالليل ولا يجوز فيه لقوله {فِى أَيَّامٍ } وهو مذهب مالكوأصحاب الرأي. وقيل: الذكر هنا حمده وتقديسه شكراً على نعمته في الرزق ويؤيده قوله عليه السلام: أنها أيام أكل وشرب وذكر اسم الله والأيام المعلومات أيام العشر قاله ابن عباس والحسن وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة، والمعدودات أيام التشريق الثلاثة.وقالت فرقة منهم مالك وأصحابه: المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات أيام التشريق الثلاثة، فيوم النحر معلوم لا معدود واليومانبعده معلومان معدودان، والرابع معدود لا معلوم ويوم النحر ويومان بعده هي أيام النحر عند عليّ وابن عباس وابن عمروأنس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وأبي حنيفة والثوري، وعند الحسن وعطاء والشافعي ثلاثة أيام بعد يومالنحر، وعند النخعي النحر يومان، وعند ابن سيرين النحر يوم واحد، وعن أبي سلمة وسليمان بن يسار الأضحى إلى هلالالمحرم. وقال ابن عطية: ويظهر أن تكون المعلومات والمعدودات بمعنى أن تلك الأيام الفاضلة كلها، ويبقى أمر الذبح وأمر الاستعجاللا يتعلق بمعدود ولا معلوم، ويكون فائدة قوله {مَّعْلُومَـٰتٍ } ومعدودات التحريض على هذه الأيام وعلى اغتنام فضلها أي ليستكغيرها فكأنه قال هي مخصوصات فلتغتنم انتهى. والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهيالإبل والبقر والضأن والمعز وتقدم الخلاف في مدلول {بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } في أول المائدة، والظاهر وجوب الأكل والإطعام. وقيل: باستحبابهما.وقيل: باستحباب الأكل ووجوب الإطعام. و{ٱلْبَائِسَ } الذي أصابه بؤس أي شدة. والتفث: ما يصنعه المحرم عند حله من تقصيرشعر وحلقه وإزالة شعثه ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة حسب الحديث، وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه إذ لايقضي التفث إلاّ بعد ذلك. وقال ابن عمر: التفث ما عيهم من الحج وعنه المناسك كلها، والنذور هنا ما ينذرونهمن أعمال البر في حجهم. وقيل: المراد الخروج عما وجب عليهم نذروا أو لم ينذروا. وقرأ شعبة عن عاصم {وَلْيُوفُواْ} مشدّداً والجمهور مخففاً {وَلْيَطَّوَّفُواْ } هو طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج، وبه تمام التحلل.وقيل: هو طواف الصدر وهو طواف الوداع. وقال الطبري: لا خلاف بين المتأولين أنه طواف الإفاضة. قال ابن عطية: ويحتملبحسب الترتيب أن يكون طواف الوداع انتهى. و{ٱلْعَتِيقِ } القديم قاله الحسن وابن زيد، أو المعتق من الجبابرة قالهابن الزبير وابن أبي نجيح وقتادة، كم جبار سار إليه فأهلكه الله قصده تبع ليهدمه فأصابه الفالج، فأشار الأخيار عليهأن يكف عنه وقالوا له: رب يمنعه فتركه وكساه وهو أول من كساه، وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه وأما الحجاجفلم يقصد التسليط على البيت لكن تحصن به ابن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه أو المحرر لم يملك موضعه قطقاله مجاهد، أو المعتق من الطوفان قاله مجاهد أيضاً وابن جبير، أو الجيد من قولهم: عتاق الخيل وعتاق الطير أوالذي يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. قال ابن عطية: وهذا يردّه التصريف انتهى. ولا يرده التصريف لأنه فسره تفسيرمعنى، وأما من حيث الإعراب فلأن {ٱلْعَتِيقِ } فعيل بمعنى مفعل أي معتق رقاب المذنبين، ونسب الإعتاق إليه مجازاً إذبزيارته والطواف به يحصل الإعتاق، وينشأ عن كونه معتقاً أن يقال فيه: يعتق فيه رقاب المذنبين. {ذٰلِكَ } خبرمبتدأ محذوف قدّره ابن عطية فرضكم {ذٰلِكَ } أو الواجب {ذٰلِكَ } وقدّره الزمخشري الأمر أو الشأن {ذٰلِكَ } قالكما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كانكذا انتهى. وقيل: مبتدأ محذوف الخبر أي {ذٰلِكَ } الأمر الذي ذكرته. وقيل في موضع نصب تقديره امتثلوا {ذٰلِكَ }ونظير هذه الإشارة البليغة قول زهير وقد تقدم له جمل في وصف هرم:

هذا وليس كمن يعيا بخطبته     وسط الندى إذا ما ناطق نطقا

وكان وصفه قبل هذا بالكرم والشجاعة، ثم وصفه في هذا البيت بالبلاغةفكأنه قال: هذا خلقه وليس كمن يعيا بخطبته، والحرمات ما لا يحل هتكه وجميع التكليفات من مناسك الحج وغيرها حرمه،والظاهر عمومه في جميع التكاليف، ويحتمل الخصوص مبا يتعلق بالحج وقاله الكلبي قال: ما أمر به من المناسك، وعن ابنعباس هي جميع المناهي في الحج: فسوق وجدال وجماع وصيد. وعن ابن زيد هي خمس المشعر الحرام، والمسجد الحرام، والبيتالحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل. وضمير {فَهُوَ } عائد على المصدر المفهوم من قوله {وَمَن يُعَظّمْ } أي فالتعظيم{خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ } أي قربة منه وزيادة في طاعته يثيبه عليها، والظاهر أن خيراً هنا ليس أفعل تفضيل.{وَأُحِلَّتْ لَكُمُ * بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ } دفعاً لما كانت عليه من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة، ويعني بقوله {إِلاَّمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } ما نص في كتابه على تحريمه، والمعنى {مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } آية تحريمه. ولما حثعلى تعظيم حرمات الله وذكر أن تعظيمها خير لمعظمها عند الله أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور لأن توحيد اللهونفي الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات، وجمعا في قران واحد لأن الشرك من باب الزور لأن المشرك يزعم أنالوثن يستحق العبادة فكأنه قال {فَٱجْتَنِبُواْ } عبادة {ٱلاْوْثَـٰنِ } التي هي رأس الزور {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } كله. و{مِنْ} في {مِنَ ٱلاْوْثَـٰنِ } لبيان الجنس، ويقدر بالموصول عندهم أي الرجس الذي هو الأوثان، ومن أنكر أن تكون {مِنْ} لبيان الجنس جعل {مِنْ } لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاماً ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهمإذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، وعلى القول الأول يكون النهي عن سائر الأرجاس من موضع غير هذا.قال ابن عطية: ومن قال أن {مِنْ } للتبعيض قلب معنى الآية فأفسده انتهى. وقد يمكن التبعيض فيها بأن يعنيبالرجس عبادة الأوثان، وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن جريج، فكأنه قال: فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو العبادة لأنالمحرم من الأوثان إنما هو العبادة، ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغير ذلك مما لم يحرمهالشرع؟ فكأن للوثن جهات منها عبادتها، وهو المأمور باجتنابه وعبادتها بعض جهاتها، ولما كان قول الزور معادلاً للكفر لم يعطفعلى الرجس بل أفرد بأن كرر له العامل اعتناء باجتنابه. وفي الحديث:

عدلت شهادة الزور بالشرك    

. ولما أمر باجتنابعبادة الأوثان وقول الزور ضرب مثلاً للمشرك فقال {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ } الآية. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أنيكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده بأنصور حاله بصورة حال من {خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء } فاختطفته {ٱلطَّيْرُ } فتفرق مرعاً في حواصلها، وعصفت به {ٱلرّيحَ }حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشركبالله بالساقط من السماء والإهواء التي تنازع أوكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي {تَهْوِى} مما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة انتهى. وقرأ نافع {فَتَخْطَفُهُ } بفتح الخاء والطاء مشددة وباقي السبعة بسكونالخاء وتخفيف الطاء. وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش بكسر التاء والخاء والطاء مشددة، وعن الحسن كذلك إلاّ أنه فتح الطاءمشددة. وقرأ الأعمش أيضاً تخطه بغير فاء وإسكان الخا وفتح الطاء مخففة. وقرأ أبو جعفر والحسن وأبو رجاء: الرياح.{ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِٱلْعَتِيقِ * وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلاْنْعَـٰمِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْوَبَشّرِ }. إعراب {ذٰلِكَ } كإعراب {ذٰلِكَ } المتقدم، وتقدم تفسير {شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } في أول المائدة، وأما هنافقال ابن عباس ومجاهد وجماعة: هي البدن الهدايا، وتعظيمها تسمينها والاهتبال بها والمغالاة فيها. وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست:الصفا، والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. وتعظيمها إتمام ما يفعل فيها. وقال ابن عمر والحسن ومالك وابن زيد:مواضع الحج كلها ومعالمه بمنى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك، وهذا نحو من قول زيد بن أسلم.وقيل: شرائع دينه وتعظيمها التزامها والمنافع الأجر، ويكون والضمير في {فِيهَا } من قوله {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ } عائداً علىالشعائر التي هي الشرائع أي {لَكُمْ فِى } التمسك بها {مَنَـٰفِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ } منقطع التكليف {ثُمَّ مَحِلُّهَا } بشكلعلى هذا التأويل. فقيل: فقيل: الإيمان والتوجه إليه بالصلاة، وكذلك القصد في الحج والعمرة، أي محل ما يختص منها بالإحرام{ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } وقيل: معنى ذلك ثم أجرها على رب {ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } قيل: ولو قيل على هذا التأويل أن{ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } الجنة لم يبعدوا الضمير في إنها عائد على الشعائر على حذف مضاف أي فإن تعظيمها أو علىالتعظمة، وأضاف التقوى إلى القلوب كما قال عليه الصلاة والسلام: التقوى ههنا . وأشار إلى صدره. وعن عمر أنه أهدى نجيبةطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول الله ﷺ أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك وقال: بل اهدها وأهدى هو عليه السلام مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وكان ابن عمريسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدق بلحومها وبجلالها، ويعتقد أن طاعة الله في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيملا بد أن يقام به ويسارع فيه، وذكر {ٱلْقُلُوبُ } لأن المنافق يظهر التقوى وقلبه خال عنها، فلا يكون مجداًفي أداء الطاعات، والمخلص التقوى بالله في قلبه فيبالغ في أدائها على سبيل الإخلاص. وقال الزمخشري: فإن تعظيمها {مِنْ} أفعال ذوي {تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلاّ بتقديرها لأنه لا بد من راجع منالجزاء إلى {مِنْ } ليتربط به، وإنما ذكرت {ٱلْقُلُوبُ } لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرهافي سائر الأعضاء انتهى. وما قدره عار من راجع إلى الجزاء إلى {مِنْ } ألا ترى أن قوله فإنتعظيمها من أفعال القلوب ليس في شيء منه ضمير يعود إلى {مِنْ } يربط جملة الجزاء بجملة الشرط الذي أداته{مِنْ } وإصلاح ما قاله أن يكون التقدير فأي تعظيمها منه، فيكون الضمير في منه عائداً على من فيرتبط الجزاءبالشرط. وقرىء {ٱلْقُلُوبُ } بالرفع على الفاعلية بالمصدر الذي هو {تَقْوَى } والضمير في {فِيهَا } عائد على البدنعلى قول الجمهور، والمنافع درها ونسلها وصوفها وركوب ظهرها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو أن يسميها ويوجبها هدياً فليس لهشيء من منافعها. قاله ابن عباس في رواية مقسم، ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال عطاء: منافع الهدايا بعد إيجابها وتسميتها هدياًبأن تركب ويشرب لبنها عند الحاجة {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي إلى أن تنحر. وقيل: إلى أن تشعر فلا تركبإلاّ عند الضرورة. وروى أبو رزين عن ابن عباس: الأجل المسمى الخروج من مكة. وعن ابن عباس {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. وقيل: الأجل يوم القيامة. وقال الزمخشري: إلى أن تنحر ويتصدقبلحومها ويؤكل منها. و{ثُمَّ } للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأفعال، والمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرةفي دنياكم ودينكم وإنما يعبد الله بالمنافع الدينية قال تعالى:

{ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ }

وأعظم هذه المنافعوأبعدها شوطاً في النفع محلها إلى البيت أي وجوب نحرها، أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت كقوله

{ هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ }

والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت لأن الحرم هو حريم البيت، ومثل هذا في الاتساعقولك: بلغنا البلد وإنما شارفتموه واتصل مسيركم بحدوده. وقيل: المراد بالشعائر المناسك كلها و{مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } يأباه انتهى.وقال القفال: الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه، فإذا بلغ منى فهي محله وكلفجاج مكة. وقال ابن عطية: وتكرر {ثُمَّ } لترتيب الجمل لأن المحل قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هاتين الفريقين يعنيمن قال مجاهد ومن وافقه، ومن قال بقول عطاء {ثُمَّ مَحِلُّهَا } إلى موضع النحر فذكر البيت لأنه أشرف الحرموهو المقصود بالهدي وغيره، والأجل الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة وقوله {ثُمَّ مَحِلُّهَا } مأخوذ من إحلال المحرم معناه، ثمأخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه قاله مالك في الموطأ انتهى.والمنسك مفعل من نسك واحتمل أن يكون موضعاً للنسك، أي مكان نسك، واحتمل أن يكون مصدراً واحتمل أن يراد بهمكان العبادة مطلقاً أو العبادة، واحتمل أن يراد نسك خاص أو نسكاً خاصاً وهو موضع ذبح أو ذبح، وحمله الزمخشريعلى الذبح، يقال: شرع الله لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على وجه التقرب، وجعل العلة في ذلكأن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على المناسك انتهى. وقياس بناء مفعل مما مضارعه يفعل يضم العين مفعل بفتحها في المصدروالزمان والمكان، وبالفتح قرأ الجمهور. وقرأ بكسرها الأخوان وابن سعدان وأبو حاتم عن أبي عمرو ويونس ومحبوب وعبد الوارث إلاالقصبي عنه. قال ابن عطية: والكسر في هذا من الشاذ ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن يكون الكسائي سمعه منالعرب. وقال الأزهري: مينسك ومنسك لغتان. وقال مجاهد: المنسك الذبح، وإراقة الدماء يقال: نسك إذا ذبح، والذبيحة نسيكة وجمعها نسك.وقال الفرّاء: المنسك في كلام العرب المعتاد في خير وبر. وقال ابن عرفة {مَنسَكًا } أي مذهباً من طاعة الله،يقال: نسك نسك قومه إذا سلك مذهبهم. وقال الفراء {مَنسَكًا } عيداً وقال قتادة: حجاً. {لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ }معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله، وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك، ثم خرج إلى الحاضرين فقال {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌوٰحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ } أي انقادوا، وكما أن الإله واحد يجب أن يخلص له في الذبيحة ولا يشرك فيها لغيره،وتقدم شرح الإخبات. وقال عمرو بن أوس: المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقرأ الجمهور {ٱلَّذِينَ إِذَا }بالخفض على الإضافة وحذفت النون لأجلها. وقرأ ابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو في رواية {ٱلصَّلَوٰةِ } بالنصب وحذفت النونلأجلها. وقرأ ابن مسعود والأعمش والمقيمين بالنون {ٱلصَّلَوٰةِ } بالنصب. وقرأ الضحاك: والمقيم الصلاة، وناسب تبشير من اتصف بالإخبات هنالأن أفعال الحج من نزع الثياب والتجرد من المخيط وكشف الرأس والتردد في تلك المواضع الغبرة المحجرة، والتلبس بأفعال شاقةلا يعلم معناها إلاّ الله تعالى مؤذن بالاستسلام المحض والتواضع المفرط حيث يخرج الإنسان عن مألوفه إلى أفعال غريبة، ولذلكوصفهم بالإخبات والوجل إذا ذكر الله تعالى والصبر على ما أصابهم من المشاق وإقامة الصلوات في مواضع لا يقيمها إلاّالمؤمنون المصطفون والإنفاق مما رزقهم ومنها الهدايا التي يغالون فيها. وقرأ الجمهور {وَٱلْبُدْنَ } بإسكان الدال. وقرأ الحسن وابنأبي إسحاق وشيبة وعيسى بضمها وهي الأصل، ورويت عن أبي جعفر ونافع. وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً بضم الياء والدالوتشديد النون، فاحتمل أن يكون اسماً مفرداً بُني على فعل كعتل، واحتمل أن يكون التشديد من التضعيف الجائز في الوقف،وأجرى الوصل مجرى الوقف، والجمهور على نصب {وَٱلْبُدْنَ } على الاشتغال أي وجعلنا {*البدن} وقرىء بالرفع على الابتداء و{ٱللَّهُ لَكُمْ} أي لأجلكم و{مِن شَعَائِرِ } في موضع المفعول الثاني، ومعنى {مِن شَعَائِرِ ٱللَّهِ } من أعلام الشريعة التي شرعهاالله وأضافها إلى اسمه تعالى تعظيماً لها {لَكُمْ فِيهَا } قال ابن عباس: نفع في الدنيا، وأجر في الآخرة. وقالالسدّي أجر. وقال النخعي: من احتاج إلى ظهرها ركب وإلى لبنها شرب {ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } أي على نحرها. قالمجاهد: معقولة. وقال ابن عمر، قائمة قد صفت أيديها بالقيود. وقال ابن عيسى: مصطفة وذكر اسم الله أن يقول عندالنحر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك. وقرأ أبو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وزيد بنأسلم وشقيق وسليمان التيمي والأعرج: صوافي جمع صافية ونون الياء عمرو بن عبيد. قال الزمخشري: التنوين عوض من حرفعند الوقف انتهى. والأولى أن يكون على لغة من صرف ما لا ينصرف، ولا سيما الجمع المتناهي، ولذلك قال بعضهموالصرف في الجمع أي كثيراً حتى ادّعى قوم به التخيير أي خوالص لوجه الله تعالى لا يشرك فيها بشيء، كماكانت الجاهلية تشرك. وقرأ الحسن أيضاً {صَوَافَّ } مثل عوار وهو على قول من قال فكسرت غار لحمه يريدعارياً وقولهم: اعط القوس باريها. وقرأ عبد الله وابن عمر وابن عباس والباقر وقتادة ومجاهد وعطاء والضحاك والكلبي والأعمش بخلافعنه صوافن بالنون، والصافنة من البدن ما اعتمدت على طرف رجل بعد تمكنها بثلاث قوائم وأكثر ما يستعمل في الخيل{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } عبارة عن سقوطها إلى الأرض بعد نحرها. قال محمد بن كعب ومجاهد وإبراهيم والحسن والكلبي {ٱلْقَـٰنِعَ} السائل {وَٱلْمُعْتَرَّ } المعترض من غير سؤال، وعكست فرقة هذا. وحكى الطبري عن ابن عباس {ٱلْقَـٰنِعَ } المستغني بماأعطيه {وَٱلْمُعْتَرَّ } المعترض من غير سؤال. وحكى عنه {ٱلْقَـٰنِعَ } المتعفف {وَٱلْمُعْتَرَّ } السائل. وعن مجاهد {ٱلْقَـٰنِعَ } الجاروإن كان غنياً. وقال قتادة {ٱلْقَـٰنِعَ } من القناعة {وَٱلْمُعْتَرَّ } المعترض للسؤال. وقيل {*المعتر} الصديق الزائر. وقرأ أبو رجاء:القنع بغير ألف أي {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ } فحذف الألف كالحذر والحاذر. وقرأ الحسن والمعتري اسم فاعل من اعترى. وقرأ عمرووإسماعيل {وَٱلْمُعْتَرَّ } بكسر الراء دون ياء، هذا نقل ابن خالويه. وقال أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح أبورجاء بخلاف عنه، وابن عبيد والمعتري على مفتعل. وعن ابن عباس برواية المقري {وَٱلْمُعْتَرَّ } أراد المعتري لكنه حذف الياءتخفيفاً واستغناءً بالكسرة عنها، وجاء كذلك عن أبي رجاء. قال ابن مسعود: الهدي أتلات. وقال جعفر بن محمد أطعم القانعوالمعتر ثلثاً، والبائس الفقير ثلثاً، وأهلي ثلثاً. وقال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلاّ الربع وهذا كله على جهةالاستحباب لا الفرض قاله ابن عطية {كَذٰلِكَ } سخرها لكم أي مثل ذلك التسخير {سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ } تأخذونها منقادة فتعقلونهاوتحبسونها صافة قوائمها فتطعنون في لباتها، منّن عليهم تعالى بذلك ولولا تسخير الله لم تطق ولم تكن بأعجز من بعضالوحوش التي هي أصغر منها جرماً وأقل قوّة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهداً وعبرة. وقال ابن عطية: كما أمرناكمفيها بهذا كله سخرنا لكم لن ينال الله لحومها ولا دماؤها. قال مجاهد: أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركينمن الذبح وتشريح اللحم منصوباً حول الكعبة ونضح الكعبة حواليها بالدم تقرّباً إلى الله، فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباسقريب منه، والمعنى لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر، والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى لنيرضى المضحون والمقربون ربهم إلاّ بمراعاة النية والإخلاص والاحتياط بشروط التقوى في حل ما قرب به وغير ذلك من المحافظاتالشرعية وأوامر الورع، فإذا لم يراعوا ذلك لم تغن عنهم التضحية والتقريب، وإن كثر ذلك منهم قاله الزمخشري وهو تكثيرفي اللفظ. وقرأ مالك بن دينار والأعرج وابن يعمر والزهري وإسحاق الكوفي عن عاصم والزعفراني ويعقوب. وقال ابن خالويه: تنالهالتقوى بالتاء يحيـى بن يعمر والجحدري. وقرأ زيد بن علي {لُحُومُهَا وَلاَ } بالنصب {دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ } بضم الياءوكرر ذكر النعمة بالتسخير. قال الزمخشري: لتشكروا الله على هدايته إياكم لإعلام دينه ومناسك حجه بأن تكبروا وتهللوا فاختصر الكلامبأن ضمن التكبير معنى الشكر وعديّ تعديته انتهى. {وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ } ظاهر في العموم. قال ابن عباس: وهم الموحدون ورويأنها نزلت في الخلفاء الأربعة.

{ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } * { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } * { ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } * { ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ } * { وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ } * { وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ } * { وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } * { فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } * { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ } * { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } * { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } * { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } * { وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } * { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } * { وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } * { ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } * { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } * { وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } * { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } * { ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } * { ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } * { ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } * { لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } * { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ ٱلإِنْسَانَ لَكَفُورٌ } * { لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } * { وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } * { ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } * { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } * { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } * { مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } * { ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } * { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } * { وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ }

الهدم: معروف وهو نقض ما بُني. قال الشاعر:

وكل بيت وإن طالت إقامته     على دعائمه لا بدّ مهدوم

الصومعة: موضع العبادة وزنها فعولة، وهي بناء مرتفع منفردحديد الأعلى، والأصمع من الرجال الحديد القول، وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين، قاله قتادة ثم استعمل فيمئذنة المسلمين. البيع: كنائس النصارى واحدها بيعة. وقيل: كنائس اليهود. البئر: من بأرت أي حفرت، وهي مؤنثة على وزن فعلبمعنى مفعول، وقد تذكر على معنى القليب. تعطيل الشيء: إبطال منافعه. العقم: الامتناع من الولادة، يقال: امرأة عقيم ورجل عقيملا يولد له، والجمع عقم وأصله من القطع، ومنه الملك عقيم أي يقطع فيه الأرحام بالقتل، والعقيم الذي قطعت ولادتها.وقال أبو عبيد العقم السد، يقال: امرأة معقومة الرحم أي مسدودة الرحم. السطو: القهر. وقال ابن عيسى: السطوة إظهار مايهول للإخافة. الذباب: الحيوان المعروف يجمع على ذباب بكسر الذال وضمها، وعلى ذبّ والمذبة ما يطرد به الذباب، وذباب السيفطرفه والعين إنسانها، وأسنان الإبل. سلبت الشيء: اختطفته بسرعة. استنقذ: استفعل بمعنى أفعل أي أنقذ نحو أبل واستبل. {إِنَّٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَعَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْبِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوٰمِعُ }. روي أن المؤمنين لما كثروا بمكة أذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، أرادبعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنة من الكفار ويحتال ويغدر، فنزلت إلى قوله {كَفُورٌ } وعد فيها بالمدافعة ونهىعن الخيانة، وخص المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم، وعلل ذلك بأنه لا يحب أعداءهم الخائنين الله والرسول الكافرين نعمه. ومناسبةهذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر جملة مما يفعل في الحج، وكان المشركون قد صدوا رسول الله صلىالله عليه وسلم عام الحديبية وآذوا من كان بمكة من المؤمنين، أنزل الله تعالى هذه الآيات مبشرة المؤمنين بدفعه تعالىعنهم ومشيرة إلى نصرهم وإذنه لهم في القتال وتمكينهم في الأرض يردهم إلى ديارهم وفتح مكة، وأن عاقبة الأمور راجعةإلى الله تعالى وقال تعالى:

{ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }

. وقرأ الحسن وأبو جعفر ونافع {يُدَافِعُ } ولولا دفاع الله. وقرأأبو عمرو وابن كثير يدفع {وَلَوْلاَ دَفْعُ } وقرأ الكوفيون وابن عامر {يُدَافِعُ } {وَلَوْلاَ دَفْعُ } وفاعل هنا بمعنىالمجرد نحو جاوزت وجزت. وقال الأخفش: دفع أكثر من دافع. وحكى الزهراوي أن دفاعاً مصدر دفع كحسب حساباً. وقال ابنعطية: يحسن {يُدَافِعُ } لأنه قد عنّ للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم فتجيء مقاومته، ودفعه مدافعة عنهم انتهى. يعني فيكون فاعللاقتسام الفاعلية والمفعولية لفظاً والاشتراك فيهما معنى. وقال الزمخشر: ومن قرأ {يُدَافِعُ } فمعناه يبالغ في الدفع عنهم كما يبالغمن يغالب فيه لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ انتهى. ولم يذكر تعالى ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعمولما هاجر المؤمنون إلى المدينة أذن الله لهم في القتال. وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو بضم همزة {أَذِنَ }وفتح باقي السبعة. وقرأ نافع وابن عامر وحفص {يُقَـٰتَلُونَ } بفتح التاء والباقون بكسرها، والمأذون فيه محذوف أي في القتاللدلالة {يُقَـٰتَلُونَ } عليه وعلل للإذن {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } كانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروبومشجوج، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نُهي عنهفي نيف وسبعين آية. وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم. {وَإِنَّ ٱللَّهَعَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } وعد بالنصر والإخبار بكونه يدفع عنهم {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ } في موضع جر نعت للذين، أو بدلأو في موضع نصب بأعني أو في موضع رفع على إضمارهم. و{إِلا أَنْ * ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ }في موضع نصب لأنه منقطع لا يمكن توجه العامل عليه، فهو مقدر بلكن من حيث المعنى لأنك لو قلت {ٱلَّذِينَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم } {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ } لم يصح بخلاف ما في الدار أحد إلاّ حمار، فإنالاستثناء منقطع ويمكن أن يتوجه عليه العامل فتقول: ما في الدار إلاّ حمار فهذا يجوز فيه النصب والرفع النصب للحجازوالرفع لتميم بخلاف مثل هذا فالعرب مجمعون على نصبه. وأجاز أبو إسحاق فيه الجر على البدل واتّبعه الزمخشري فقال {أَنيَقُولُواْ } في محل الجر على الإبدال من {حَقّ } أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجبالإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتبشير، ومثله

{ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا }

انتهى. وما أجازاه من البدللا يجوز لأن البدل لا يكون إلاّ إذا سبقه نفي أو نهي أو استفهام في معنى النفي، نحو: ما قامأحد إلاّ زيد، ولا يضرب أحد إلاّ زيد، وهل يضرب أحد إلاّ زيد، وأما إذا كان الكلام موجباً أو أمراًفلا يجوز البدل: لا يقال قام القوم إلاّ زيد على البدل، ولا يضرب القوم إلاّ زيد على البدل، لأن البدللا يكون إلاّ حيث يكون العامل يتسلط عليه، ولو قلت قام إلاّ زيد، وليضرب إلاّ عمر ولم يجز. ولو قلتفي غير القرآن أخرج الناس من ديارهم إلاّ بأن يقولوا لا إله إلاّ الله لم يكن كلاماً هذا إذا تخيلأن يكون {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ } في موضع جر بدلاً من غير المضاف إلى {حَقّ } وإما أن يكون بدلاًمن حق كما نص عليه الزمخشري فهو في غاية الفساد لأنه يلزم منه أن يكون البدل يلي غيراً فيصير التركيببغير {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ } وهذا لا يصح، ولو قدرت {إِلا } بغير كما يقدر في النفي في ما مررتبأحد إلاّ زيد فتجعله بدلاً لم يصح، لأنه يصير التركيب بغير غير قولهم {رَبُّنَا ٱللَّهُ } فتكون قد أضفت غيراًإلى غير وهي هي فصار بغير غير، ويصح في ما مررت بأحد إلاّ زيد أن تقول: ما مررت بغير زيد،ثم إن الزمخشري حين مثل البدل قدره بغير موجب سوى التوحيد، وهذا تمثيل للصفة جعل إلاّ بمعنى سوى، ويصح علىالصفة فالتبس عليه باب الصفة بباب البدل، ويجوز أن تقول: مررت بالقوم إلاّ زيد على الصفة لا على البدل.{وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ } الآية فيها تحريض على القتال المأذون فيه قبل، وأنه تعالى أجرى العاد بذلك في الأممالماضية بأن ينتظم به الأمر وتقوم الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم وأهلها من القتل والشتات، وكأنه لما قال {أُذِنَ لِلَّذِينَيُقَـٰتَلُونَ } قيل: فليقاتل المؤمنون، فلولا القتال لتغلب على الحق في كل أمة وانظر إلى مجيء قوله {وَلَوْلاَ * دَفْعُٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } لفسدت الأرض إثر قتال طالوت لجالوت، وقتل داود جالوت. وأخبر تعالى أنه لولا ذلك الدفعفسدت الأرض فكذلك هنا. وقال عليّ بن أبي طالب: ولولا دفع الله بأصحاب محمد الكفار عن التابعين فمن بعدهم،وأخذ الزمخشري قول عليّ وحسنه وذيل عليه فقال: دفع الله بعض الناس ببعض إظهاره وتسليط المؤمنين منهم على الكافرين بالمجاهدة،ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى بيعاً ولا لرهبانهم صوامع،ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد، ولغلب المشركون في أمة محمد ﷺ على المسلمين وعلى أهل الكتابالذين في ذمتهم، وهدموا متعبدات الفريقين انتهى. وقال مجاهد: {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ } ظلم قوم بشهادات العدول ونحو هذا.وقال قوم {دَفْعُ } ظلم الظلمة بعدل الولاة. وقالت فرقة {دَفْعُ } العذاب بدعاء الأخيار. وقال قطرب: بالقصاص عن النفوس.وقيل: بالنبيين عن المؤمنين. وقال الحسن: لولا أمان الإسلام لخربت متعبدات أهل الذمة، ومعنى الدفع بالقتال أليق بالآية وأمكن فيدفع الفساد. وقرأ الحرميان وأيوب وقتادة وطلحة وزائدة عن الأعمش والزعفراني {*فهدمت} مخففاً وباقي السبعة وجماعة مشددة لما كانتالمواضع كثيرة ناسب مجيء التضعيف لكثرة المواضع فتكرر الهدم لتكثيرها. وقرأ الجمهور {ٱللَّهِ وَصَلَوٰتِ } جمع صلاة. وقرأ جعفر بنمحمد {وَصَلَوٰتِ } بضم الصاد واللام. وحكى عنه ابن خالويه {صَلَوٰتٌ } بسكون اللام وكسر الصاد، وحكيت عن الجحدري والجحدري{صَلَوٰتٌ } بضم الصاد وفتح اللام، وحكيت عن الكلبي وأبي العالية بفتح الصاد وسكون اللام {صَلَوٰتٌ } والحجاج بن يوسفوالجحدري أيضاً وصلوات وهي مساجد النصارى بضمتين من غير ألف ومجاهد كذلك إلا أنه بفتح التاء وألف بعدها والضحاك والكلبيوصلوث بضمتين من غير ألف وبثاء منقوطة بثلاث، وجاء كذلك عن أبي رجاء والجحدري وأبي العالية ومجاهد كذلك إلاّ أنهبعد الثاء ألف. وقرأ عكرمة: وصلويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف،والجحدري أيضاً {صَلَوٰتٌ } بضم الصاد وسكون اللام وواو مفتوحة بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة النقط. وحكى ابن مجاهد أنهقرىء كذلك إلا أنه بكسر الصاد. وحكى ابن خالويه وابن عطية عن الحجاج والجحدري صلوب بالباء بواحدة على وزن كعوبجمع صليب كظريف وظروف، وأسينة وأسون وهو جمع شاذ أعني جمع فعيل على فعول فهذه ثلاثة عشرة قراءة والتي بالثاءالمثلثة النقط. قيل: هي مساجد اليهود هي بالسريانية مما دخل في كلام العرب. وقيل: عبرانية وينبغي أن تكون قراءةالجمهور يراد بها الصلوات المعهودة في الملل، وأما غيرها مما تلاعبت فيه العرب بتحريف وتغيير فينظر ما مدلوله في اللسانالذي نقل منه فيفسر به. وروى هارون عن أبي عمرو {صَلَوٰتٌ } كقراءة الجماعة إلاّ أنه لا ينون التاء كأنهجعله اسم موضع كالمواضع التي قبله، وكأنه علم فمنعه الصرف للعلمية والعجمة وكملت القراءات بهذه أربع عشرة قراءة والأظهر فيتعداد هذه المواضع أن ذلك بحسب معتقدات الأمم فالصوامع للرهبان. وقيل: للصابئين، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين وقاله خصيف.قال ابن عطية: والأظهر أنه قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات، وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلاّ البيعة فإنهامختصة بالنصارى في عرف لغة ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لهم كتاب على قديم الدهر، ولم يذكر فيهذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك لأنّ هؤلاء ليس لهم ما يوجب حمايته ولا يوجد ذكر الله إلاّ عند أهلالشرائع انتهى. والظاهر عود الضمير في قوله {يُذْكَرُ فِيهَا } على المواضع كلها جميعها وقاله الكلبي ومقاتل، فيكون {يُذْكَرِ} صفة للمساجد وإذا حملنا الصلوات على الأفعال التي يصليها أهل الشرائع كان ذلك إما على حذف مضاف أي ومواضعصلوات وإما على تضمين {لَّهُدّمَتْ } معنى عطلت فصار التعطيل قدراً مشتركاً بين المواضع والأفعال، وتأخير المساجد إما لأجل قدمتلك وحدوث هذه، وإما لانتقال من شريف إلى أشرف. وأقسم تعالى على أنه تنصر من ينصر أي ينصر دينه وأولياءه،ونصره تعالى هو أن يظفر أولياءه بأعدائهم جلاداً وجدالاً وفي ذلك حض على القتال. ثم أخبر تعالى أنه قوي علىنصرهم {عَزِيزٌ } لا يغالب. والظاهر أنه يجوز في إعراب {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلاْرْضِ } ما جاز فيإعراب {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ } وقال الزجاج: هو منصوب بدل ممن ينصره،والتمكين السلطنة ونفاذ الأمر على الخلق، والظاهر أنه من وصفالمأذون لهم في القتال وهم المهاجرون، وفيه إخبار بالغيب عما يكون عليه سيرتهم إن مكن لهم في الأرض وبسط لهمفي الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين. وعن عثمان رضي الله عنه: هذا والله ثناء قبل بلاء، يريد أن الله قدأثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا، وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله تعالىلم يجعل التمكن ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين لا حظ في ذلك للأنصار والطلقاء. وفي الآية أخذالعهد على من مكنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية. وقيل: نزلت في أصحاب محمد صلى اللهعليه وسلم. وعن الحسن وأب العالية: هم أمّته عليه السلام. وعن عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس، وهو قريب مما قبله.وقال ابن أبي نجيح: هم الولاة. وقال الضحاك: هو شرط شرطه الله من آناه الملك. وقال ابن عباس: المهاجرونوالأنصار والتابعون {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلاْمُورِ } توعد للمخالف ما ترتب على التمكين {وَإِن يُكَذّبُوكَ } الآية فيها تسلية للرسول بتكذيبمن سبق من الأمم المذكورة لأنبيائهم، ووعيد لقريش إذ مثلهم بالأمم المكذبة المعذبة وأسند الفعل بعلامة التأنيث من حيث أرادالأمة والقبيلة، وبنى الفعل للمفعول في {وَكُذّبَ مُوسَىٰ } أن قومه لم يكذبوه وإنما كذبه القبط {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ } أيأمهلت لهم وأخرت عنهم العذاب مع علمي بفعلهم، وفي قوله {فَأمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ } ترتيب الإملاء على وصف الكفر، فكذلك قريشأملى تعالى لهم ثم أخذهم في غزوة بدر وفي فتح مكة وغيرهما، والأخذ كناية عن العقاب والإهلاك، النكير مصدر كالنديرالمراد به المصدر، والمعنى فكيف كان إنكاري عليهم وتبديل حالهم الحسنة بالسيئة وحياتهم بالهلاك ومعمورهم بالخراب؟ وهذا استفهام يصحبه معنىالتعجب، كأنه قيل: ما أشد ما كان إنكاري عليهم وفي الجملة إرهاب لقريش {فَكَأَيّن } للتكثير، واحتمل أن يكون فيموضع رفع على الابتداء وفي موضع نصب على الاشتغال. وقرأ أبو عمرو وجماعة أهلكها بتاء المتكلم، والجمهور بنون العظمة{وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } جملة حالية {فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } تقدم تفسير هذه الجملة في البقرة في قوله

{ أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ }

وقال الزمخشري: فإن قلت: ما محل الجملتين من الإعراب؟ أعني {وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ } قلت:الأولى في محل نصب على الحال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على {*هلكناها} وهذا الفعل ليس له محل انتهى.وهذا الذي قاله ليس بجيد لأن {نَكِيرِ فَكَأَيّن } الأجود في إعرابها أن تكون مبتدأة والخبر الجملة من قوله{أَهْلَكْنَـٰهَا } فهي في موضع رفع والمعطوف على الخبر خبر، فيكون قوله {فَهِىَ خَاوِيَةٌ } في موضع رفع، لكن يتجهقول الزّمخشري على الوجه القليل وهو إعراب {فَكَأَيّن } منصوباً بإضمار فعل على الاشتغال، فتكون الجملة من قوله {*وأهلكناها} مفسرةلذلك الفعل، وعلى هذا لا محل لهذه الجملة المفسرة فالمعطوف عليها لا محل له. وقرأ الجحدري والحسن وجماعة {وَبِئْرٍمُّعَطَّلَةٍ } مخففاً يقال: عطلت البئر وأعطلتها فعطلت، هي بفتح الطاء، وعطلت المرأة من الحليّ بكسر الطاء. قال الزمخشري: ومعنىالمعطلة أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء إلاّ أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها، والمشيد المجصصأو المرفوع البنيان والمعنى كم قرية أهلكنا، وكم بئر عطلنا عن سقاتها و{وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } أخليناه عن ساكنيه، فترك ذلكلدلالة {مُّعَطَّلَةٍ } عليه انتهى. {وَبِئْرٍ } {وَقَصْرٍ } معطوفان على {مِن قَرْيَةٍ } {وَمِنْ * قَرْيَةٌ } تمييزلكأين، {وَكَأَيّن } تقتضي التكثير، فدل ذلك على أنه لا يراد بقربه وبئر وقصر معين، وإن كان الإهلاك إنما يقعفي معين لكن من حيث الوقوع لا من حيث دلالة اللفظ، وينبغي أن يكون {*بئر} {مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ } من حيثعطفاً على {مِن قَرْيَةٍ } أن يكون التقدير أهلكتهما كما كان أهلكتها مخبراً به عن {*كأين} الذي هو القرية منحيث المعنى. والمراد أهل القرية والبئر والقصر، وجعل {عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } معطوفين على {عُرُوشِهَا } جهل بالفصاحةووصف القصر بمشيد ولم يوصف بمشيد كما في قوله في

{ بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }

لأن ذلك جمع ناسب التكثير فيه، وهذامفرد وأيضاً {مَّشِيدٍ } فاصلة آية. وقد عين بعض المفسرين هذه البئر. فعن ابن عباس أنها كانت لأهلعدن من اليمن وهي الرس. وعن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني وهو منذر بن عاد بن إرم بنعاد. وعن الضحاك وغيره: أن البئر بحضرموت من أرض الشحر، والقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى، والبئر في سفحهلا يقر الريح شيئاً يسقط فيها. روي أن صالحاً عليه السلام نزل عليها مع أربعة آلاف نفر ممن آمن بهونجاهم الله من العذاب. وهي بحضرموت، وسميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراً بناهاقوم صالح وأمروا عليهم جليس بن جلاس، وأقاموا بها زمناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل إليهم حنظلة بن صفوان، وقيل:اسمه شريح بن صفوان نبياً فقتلوه في السوق فأهلكهم الله عن آخرهم وعطل بئرهم وخرب قصرهم. وعن الإمام أبي القاسمالأنصاري أنه قال: رأيت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها عكا فكيف يكون بحضرموت. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِفَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ لاَ تَعْمَى ٱلاْبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ* وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُلَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ * قُلْ يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ }. لما ذكر تعالى منكذب الرسل من الأمم الخالية وكان عند العرب أشياء من أحوالهم ينقلونها وهم عارفون ببلادهم وكثيراً ما يمرون على كثيرمنها قال {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } فاحتمل أن يكون حثاً على السفر ليشاهدوا مصارع الكفار فيعتبروا، أو يكونوا قد سافروا وشاهدوافلم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا. وقرأ مبشر بن عبيد: فيكون بالياء والجمهور بالتاء {فَتَكُونُ } منصوب علىجواب الاستفهام قاله ابن عطية، وعلى جواب التقرير قاله الحوفي. وقيل: على جواب النفي، ومذهب البصريين أن النصب بإضمار إنوينسبك منها ومن الفعل مصدر يعطف على مصدر متوهم، ومذهب الكوفيين أنه منصوب على الصرف إذ معنى الكلام الخبر صرفوهعن الجزم على العطف على {يَسِيرٌ }، وردوه إلى أخي الجزم وهو النصب هذا معنى الصرف عندهم، ومذهب الجرمي أنالنصب بالفاء نفسها وإسناد العقل إلى القلب يدل على أنه محله، ولا ينكر أن للدفاع بالقلب اتصالاً يقتضي فساد العقلإذا فسد الدماغ ومتعلق {يَعْقِلُونَ بِهَا } محذوف أي ما حل بالأمم السابقة حين كذبوا أنبياءهم و{يَعْقِلُونَ } ما يجبمن التوحيد، وكذلك مفعول {يَسْمَعُونَ } أي يسمعون أخبار تلك الأمم أو ما يجب سماعه من الوحي. والضمير في {فَإِنَّهَا} ضمير القصة وحسن التأنيث هنا ورجحه كون الضمير وليه فعل بعلامة التأنيث وهي التاء في {لاَ تَعْمَى } ويجوزفي الكلام التذكير وقرأ به عبد الله فإنه لا تعمى. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره {ٱلاْبْصَـٰرِ} وفي {تَعْمَى } راجع إليه انتهى. وما ذكره لا يجوز لأن الذي يفسره ما بعده محصور، وليس هذا واحداًمنها وهو في باب رب وفي باب نعم. وبئس، وفي باب الأعمال، وفي باب البدل، وفي باب المتبدأ والخبر علىخلاف في هذه الأربعة على ما قرر ذلك في أبوابه. وهذه الخمسة يفسر الضمير فيها المفرد وفي ضمير الشأن ويفسربالجملة على خلاف فيه أيضاً وهذا الذي ذكره الزمخشري ليس واحداً من هذه الستة فوجب اطّراحه والمعنى أن أبصارهم سالمةلا عمى بها، وإنما العمى بقلوبهم، ومعلوم أن الأبصار قد تعمى لكن المنفي فيها ليس العمى الحقيقي وإنما هو ثمرةالبصر وهو التأدية إلى الفكرة فيما يشاهد البصر لكن ذلك متوقف على العقل الذي محله القلب، ووصفت {ٱلْقُلُوبُ } بالتي{فِى ٱلصُّدُورِ }. قال ابن عطبة مبالغة كقوله

{ يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم }

وكما تقول نظرت إليه بعيني. وقال الزمخشري: الذيقد تعورف واعتد أن العمى على الحقيقة مكان البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارةومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصويرإلى زيادة تعيين وفضل تعريف لتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانكالذي بين فكيك فقولك: الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسانه، وتثبيت لأن محل المضاء هو هو لا غير وكأنكقلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهواً مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً انتهى.وقوله ولكن تعمّدت به إياه بعينه تعمداً فصل الضمير وليس من مواضع فصله، والصواب ولكن تعمدته به كما تقول السيفضربتك به ولا تقول: ضربت به إياك، وفصله في مكان اتصاله عجمة، وقال أبو عبد الله الرازي: وعندي فيه وجهآخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر، والتدبير كقوله تعالى

{ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }

وعند قوم أن محل الفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر. والضمير في {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} لقريش، وكان ﷺ يحذرهم نقمات الله ويوعدهم بذلك دنيا وآخرة وهم لا يصدقون بذلك ويستبعدون وقوعه،فكان استعجالهم على سبيل الاستهزاء وأن ما توعدتنا به لا يقع وإنه لا بعث وفي قوله {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي إن ذلك واقع لا محالة، لكن لوقوعه أجل لا يتعداه. وأضاف الوعد إليه تعالى لأن رسوله عليه الصلاةوالسلام هو المخبر به عن الله تعالى. وقال الزمخشري: أنكر استعجالهم بالمتوعد به من العذاب العاجل والآجل، كأنه قال:ولم يستعجلون به كأنهم يجوّزون الفوت وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف والله عز وعلا لا يخلفالميعاد، وما وعده ليصيبهم ولو بعد حين وهو سبحانه حليم لا يعجل انتهى. وفي قوله وإنما يجوز ذلك على ميعادمن يجوز عليه الخلف دسيسة الاعتزال. وقيل: {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } في النظرة والإمهال واختلفوا في هذا التشبه.فقيل: في العدد أي اليوم عند الله ألف سنة من عددكم. وفي الحديث الصحيح: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وذلك خمسمائة عام فالمعنى وإن طال الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله. وقيل: التشبيه وقعفي الطول للعذاب فيه، والشدة أي {وَإِنَّ يَوْماً } من أيام عذاب الله لشدة العذاب فيه وطوله {كَأَلْفِ سَنَةٍ }من عددكم إذ أيام الترحة مستطالة وأيام الفرحة مستقصرة، وكان ذلك اليوم الواحد كألف سنة من سني العذاب والمعنى أنهملو عرفوا حال الآخرة ما استعجلوه وهذا القول قريب من قول أبي مسلم. وقيل: التشبيه بالنسبة إلى علمه تعالى وقدرتهوإنفاذ ما يريد {كَأَلْفِ سَنَةٍ } واقتصر على ألف سنة وإن كان اليوم عنده كما لا نهاية له من العددلكون الألف منتهى العدد دون تكرار، وهذا القول لا يناسب مورد الآية إلاّ إن أريد أنه القادر الذي لا يعجزهشيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة. وقال ابن عباس: أراد باليوم من الأيام التيخلق الله فيها السموات والأرض. وقال ابن عيسى يجمع لهم عذاب ألف سنة في يوم واحد، ولأهل الجنة سرور ألفسنة في يوم واحد. وقال الفراء: تضمنت الآية عذاب الدنيا والآخرة، وأريد العذاب في الدنيا أي {لَنْ * يُخْلِفَ ٱللَّهُوَعْدَهُ } في إنزال العذاب بكم في الدنيا، {وَإِنَّ يَوْماً } من أيام عذابكم في الآخرة {كَأَلْفِ سَنَةٍ } منسني الدنيا فكيف تستعجلون العذاب. وقال الزجاج: تفضل تعالى عليهم بالإمهال والمعنى أن اليوم عند الله والألف سواء في قدرتهبين ما استعجلوا به وبين تأخره. وقرأ الأخوان وابن كثير يعدون بياء الغيبة، وباقي السبعة بتاء الخطاب وعطفت {فَكَأَيّن} الأولى بالفاء وهذه الثانية بالواو. وقال الزمخشري: الأولى وقعت بدلاً عن قوله {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } وما هذه فحكمهاحكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو أعني قوله {لَنْ * يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ} وتكرر التكثير بكائن في القرى لإفادة معنى غير ما جاءت له الأولى لأنه ذكر فيها القرى التي أهلكها دونإملاء وتأخير، بل أعقب الإهلاك التذكير وهذه الآية لما كان تعالى قد أمهل قريشاً حتى استعجلت بالعذاب جاءت بالإهلاك بعدالإملاء تنبيهاً على أن قريشاً وإن أملى تعالى لهم وأمهلهم فإنه لا بد من عذابهم فلا يفرحوا بتأخير العذاب عنهم.ثم أمر نبيه أن يقول لأهل مكة {قُلْ يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ } من عذاب الله موضحلكم ما تحذرون أو موضح النذارة لا تلجلج فيها، وذكر النذارة دون البشارة وإن كان التقسيم بعد ذلك يقتضيهما لأنالحديث مسوق للمشركين، و{يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } نداء لهم وهم المقول فيهم {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } والمخير عنهم باستعجال العذاب وإنماذكر المؤمنون هنا وما أعد الله لهم من الثواب ليغاظ المشركون بذلك وليحرضهم على نيل هذه الرتبة الجليلة التي فيهافوزهم، وحصر النذارة لأن المعنى ليس لي تعجيل عذابكم ولا تأخيره عنكم وإنما أنا منذركم به. وقال الكرماني: التقديربشير و{نَّذِيرٍ } فحذف والتقسيم داخل في المقول، والسعي الطلب والاجتهاد في ذلك، ويقال: سعى فلان في أمر فلان فيكونبإصلاح وبإفساد وقد يستعمل في الشر، يقال: فيه سعى بفلان سعاية أي تحيل، وكاد في إيصال الشر إليه وسعيهم بالفسادفي آيات الله حيث طعنوا فيها قسموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين، وثبطوا الناس عن الإيمان بها. وقرأ ابن كثيروأبو عمرو والجحدري وأبو السمال والزعفراني معجزّين بالتشديد هنا وفي حرفي سبأ زاد الجحدري في جميع القرآن أي مثبطين. وقرأباقي السبعة بألف. وقرأ ابن الزبير معجّزين بسكون العين وتخفيف الزاي من أعجزني إذا سبقك فقاتك. قال صاحب اللوامح: لكنههنا بمعنى معاجزين أي ظانين أنهم يعجزوننا، وذلك لظنهم أنهم لا يبعثون. وقيل: في {مُعَـٰجِزِينَ } معاندين، وأما معجّزين بالتشديدفإنه بمعنى مثبطين الناس عن الإسلام، ويقال: مثبطين. وقال الزمخشري: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجازالآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه، فالمعنى سابقين أو مسابقين في زعمهم وتقديرهم، طامعين أن كيدهم للإسلاميتم لهم انتهى. وقال أبو علي الفارسي: معجزين معناه ناسبين أصحاب النبيّ ﷺ إلى العجز كماتقول: فسقت فلاناً إذا نسبته إلى الفسق. وتقدم شرح أخرى هاتين الجملتين الواردتين تقسيماً. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنرَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى }. لما ذكر تعالى أنهيدفع عن الذين آمنوا وأنه تعالى أذن للمؤمنين في القتال وأنهم كانوا أخرجوا من ديارهم وذكر مسلاة رسوله صلى اللهعليه وسلم بتكذيب من تقدم من الأمم لأنبيائهم وما آل إليه أمرهم من الإهلاك إثر التكذيب وبعد الإمهال، وأمره أنينادي الناس ويخبرهم أنه نذير لهم بعد أن استعجلوا بالعذاب، وأنه ليس له تقديم العذاب ولا تأخيره، ذكر له تعالىمسلاة ثانية باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم متمنين لذلك مثابرين عليه، وأنهما منهم أحد إلاّ وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه وبث ذلك إليهم وإلقائه في نفوسهم، كما أنه صلى اللهعليه وسلم كان من أحرص الناس على هدى قومه وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث يلقون لقومه وللوافدين عليه شبهاًيثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية

{ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ }

وسعيهم بإلقاء الشبه في قلوب مناستمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو المغوي والمحرك شياطين الإنس للإغواء كما قال

{ لاَغْوِيَنَّهُمْ }

وقيل: إن {ٱلشَّيْطَـٰنِ }هنا هو جنس يراد به شياطين الإنس. والضمير في {أُمْنِيَّتِهِ } عائد على {ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي في أمنية نفسه، أيبسبب أمنية نفسه. ومفعول {أَلْقَىٰ } محذوف لفهم المعنى وهو الشر والكفر، ومخالفة ذلك الرسول أو النبيّ لأن الشيطان ليسيلقي الخير. ومعنى {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس، كما قال

{ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً }

و{يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءايَـٰتِهِ } أي معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها {لّيَجْعَلَمَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ } من تلك الشبه وزخارف القول {فِتْنَةً } لمريض القلب ولقاسيه {وَلِيَعْلَمَ } من أوتي العلم أنما تمنى الرسول والنبيّ من هداية قومه وإيمانهم هو الحق. وهذه الآية ليس فيها إسناد شيء إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا. وذكر المفسرون في كتبهم ابنعطية والزمخشري فمن قبلها ومن بعدهما ما لا يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوباً إلى المعصوم صلوات الله عليه، وأطالوافي ذلك وفي تقريره سؤالاً وجواباً وهي قصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية، فقال: هذا منوضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتاباً. وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة منجهة النقل، وقال ما معناه: إن رواتها مطعون عليهم وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثية شيء مما ذكروه فوجباطّراحه ولذلك نزهت كتابي عن ذكره فيه. والعجب من نقل هذا وهم يتلون في كتاب الله تعالى

{ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ }

وقال اللهتعالى آمراً لنبيه

{ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ }

وقالتعالى

{ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلاْقَاوِيلِ }

الآية وقال تعالى:

{ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ }

الآية فالتثبيتواقع والمقاربة منفية. وقال تعالى

{ كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ }

وقال تعالى:

{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }

وهذه نصوص تشهد بعصمته،وأما من جهة المعقول فلا يمكن ذلك لأن تجويزه يطرق إلى تجويزه في جميع الأحكام والشريعة فلا يؤمن فيها التبديلوالتغيير، واستحالة ذلك معلومة. ولنرجع إلى تفسير بعض ألفاظ الآية إذ قد قررنا ما لاح لنا فيها من المعنىفقوله {مِن قَبْلِكَ } {مِنْ } فيه لابتداء الغاية و{مِنْ } في {مِن رَّسُولٍ } زائدة تفيد استغراق الجنس. وعطف{وَلاَ نَبِىّ } على {مِن رَّسُولٍ } دليل على المغايرة. وقد تقدم لنا الكلام على مدلوليهما فأغنى عن إعادته هنا،وجاء بعد {إِلا } جملة ظاهرها الشرط وهو {إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ } وقاله الحوفي، ونصوا على أنه يليها فيالنفي مضارع لا يشترط فيه شرط، فتقول: ما زيد إلاّ بفعل كذا، وما رأيت زيداً إلاّ بفعل كذا، وماض بشرطأن يتقدمه فعل كقوله

{ وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ }

أو يكون الماضي مصحوباً بقدر نحو: ما زيد إلاّقد قام، وما جاء بعد {إِلا } في الآية جملة شرطية ولم يلها مرض مصحوب بقد ولا عار منها، فإنصح ما نصوا عليه تؤول على أن إذا جردت للظرفية ولا شرط فيها وفصل بها بين {إِلا } والفعل الذيهو {أُلْقِىَ } وهو فصل جائز فتكون إلاّ قد وليها ماض في التقدير ووجد شرطه وهو تقدم فعل قبل {إِلا} وهو {وَمَا أَرْسَلْنَا } وعاد الضمير في {*تمني} مفرداً وذكروا أنه إذا كان العطف بالواو عاد الضمير مطابقاً للمتعاطفين،وهذا عطف بالواو وما جاء غير مطابق أولوه على الحذف فيكون تأويل هذا {مُّعْرِضُونَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } {وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } فحذفمن الأول لدلالة الثاني عليه و{تَمَنَّىٰ } تفعل من المنية. قال أبو مسلم: التمني نهاية التقدير، ومنه المنية وفاةالإنسان للوقت الذي قدره الله، ومنى الله لك أي قدر. وقال رواه اللغة: الأمنية القراءة، واحتجوا ببيت حسان وذلك راجعإلى الأصل الذي ذكر فإن التالي مقدر للحروف فذكرها شيئاً فشيئاً انتهى. وبيت حسان:

تمنى كتاب الله أول ليلة     وآخره لاقى حمام المقادر

وقال آخر:

تمنى كتاب الله أول ليلةتمنى داوود الزبور على رسل    

وحمل بعض المفسرين قوله {إِذَا تُمْنَىٰ } على تلا و{فِى أُمْنِيَّتِهِ } على تلاوته. والجملة بعد {إِلا } في موضعالحال أي {وَمَا * أَرْسَلْنَـٰهُ } إلاّ، وحاله هذه. وقيل: الجملة في موضع الصفة وهو قول الزمخشري في نحو: مامررتَ بأحد إلاّ زيد خير منه، والصحيح أن الجملة حالية لا صفة لقبولها واو الحال، واللام في {لِيَجْعَلَ } متعلقةبيحكم قاله الحوفي. وقال ابن عطية: بينسخ. وقال غيرهما: ألقى، والظاهر أنها للتعليل. وقيل: هي لام العاقبة و{مَا } في{يُلْقِى } الظاهر أنها بمعنى الذي، وجوز أن تكون مصدرية. والفتنة: الابتلاء والاختبار. والذين في قلوبهم مرض عامة الكفار.وقال الزمخشري: المنافقون والشاكون {وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } خواص من الكفار عتاة كأبي جهل والنضر وعتبة. وقال الزمخشري: المشركون المكذبون {وَإِنَّٱلظَّـٰلِمِينَ } يريد وإن هؤلاء المنافقين والمشركين، وأصله وإنهم فوضع الظاهر موضع المضمر، قضاء عليهم بالظلم. والشقاق المشاقة أي فيشق غير شق الصلاح، ووصفه بالبعيد مبالغة في انتهائه وأنهم غير مرجو رجعتهم منه. والضمير في: {أَنَّهُ } قالابن عطية: عائد على القرآن {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } أصحاب رسول الله ﷺ، وقد تقدم من قولنافي الآية ما يعود الضمير إليه {فَتُخْبِتَ } أي تتواضع وتتطامن بخلاف من في قلبه مرض وقسا قلبه. وقرأ الجمهور{لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الإضافة، وأبو حيوة وابن أبي عبلة بتنوين {*الهاد}. المرية: الشك. والضمير في {ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ }قيل: عائد على القرآن. وقيل: على الرسول. وقيل: ما ألقى الشيطان، ولما ذكر حال الكافرين أولاً ثم حال المؤمنين ثانياًعاد إلى شرح حال الكافرين، والظاهر أن {ٱلسَّاعَةَ } يوم القيامة. قيل: واليوم العقيم يوم بدر. وقيل: ساعة موتهم أوقتلهم في الدنيا كيوم بدر، واليوم العقيم يوم القيامة. وقال الزمخشري: اليوم العقيم يوم بدر، وإنما وصف يوم الحرببالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلواوصف يوم الحرب بالعقم على سبيل المجاز. وقيل: هو الذي لا خير فيه يقال: ريح عقيم إذا لم تنشىءمطراً ولم تلقح شجراً. وقيل: لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. وعن الضحاك: إنه يوم القيامة وإنالمراد بالساعة مقدماته ويجوز أن يراد بالساعة و{يَوْمٍ عَقِيمٍ } يوم القيامة كأنه قيل {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ } أو يأتيهمعذابها فوضع {يَوْمٍ عَقِيمٍ } موضع الضمير انتهى. وقال ابن عطية: وسمى يوم القيامة أو يوم الاستئصال عقيماً لأنه لاليلة بعده ولا يوم، والأيام كلها نتائج يجيء واحد أثر واحد، وكان آخر يوم قد عقم وهذه استعارة، وجملة هذهالآية توعد انتهى. و{حَتَّىٰ } غاية لاستمرار مريتهم، فالمعنى {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ } {أَوْ عَذَابٌ * يَوْمٍ عَقِيمٍ } فتزولمريتهم ويشاهدون الأمر عياناً. والتنوين في {يَوْمَئِذٍ } تنوين العوض، والجملة المعوض منها هذا التنوين هو الذي حذف بعدالغاية أي {ٱلْمَلِكُ } يوم تزول مريتهم وقدره الزمخشري أولاً يوم يؤمنون وهو لازم لزوال المرية، فإنه إذا زالت المريةآمنوا، وقدر ثانياً كما قدرنا وهو الأولى. والظاهر أن هذا اليوم هو يوم القيامة من حيث أنه لا ملك فيهلأحد من ملوك الدنيا كما قال تعالى

{ لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ }

ويساعد هذا التقسيم بعده، ومن قال إنه يوم بدرونحوه فمن حيث ينفذ قضاء الله وحده ويبطل ما سواه ويمضي حكمه فيمن أراد تعذيبه، ويكون التقسيم إخباراً متركباً علىحالهم في ذلك اليوم العقيم من الإيمان والكفر وألفاظ التقسيم ومعانيها واضحة لا تحتاج إلى شرح. وقابل النعيم بالعذاب ووصفهبالمهين مبالغة فيه. {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } الآية هذا ابتداء معنى آخر، وذلك أنه لما مات عثمان بن مظعون وأبوسلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه، فنزلت مسوِّية بينهم فيأن الله يرزقهم {رِزْقًا حَسَنًا } وظاهر {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } العموم. وقال مجاهد: نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلىالمدينة للهجرة فتبعهم المشركون وقاتلوهم. وروي أن طوائف من الصحابة قالوا: يا نبيّ الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ماأعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين الآيتين. وقالالزمخشري: لما جمعتهم المهاجرة في سبيل الله سوّى بينهم في الموعد أن يعطي من مات منهم مثل ما يعطي منقتل فضلاً منه وإحساناً والله عليم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم، حليم عن تفريط المفرط منهم بفضله وكرمه انتهى. وفي قوله:ومراتب استحقاقهم دسيسة الاعتزال، والتسوية في الوعد بالرزق لا تدل على تفضيل في قدر المعطى، ولا تسوية فإن يكن تفضيلفمن دليل آخر وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل. وقيل: المقتول والميت في سبيل الله شهيدان. والرزق الحسن يحتمل أنيراد به رزق الشهداء في البرزخ، ويحتمل أنه بعد يوم القيامة في الجنة وهو النعيم فيها. وقال الكلبي: هو الغنيمة.وقال الأصلم: هو العلم والفهم كقول شعيب

{ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا }

وضعف هذان القولان لأنه تعالى جعل الرزق الحسنجزاء على قتلهم في سبيل الله أو موتهم بعد هجرتهم، وبعد ذلك لا يكون الرزق في الدنيا. والظاهر أن {خَيْرُٱلرَّازِقِينَ } أفعل تفضيل، والتفاوت أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره تعالى، وبأنه الأصل في الرزقوغيره إنما يرزق بماله من الرزق من جهة الله. ولما ذكر الرزق ذكر المسكن فقال {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ }وهو الجنة يرضونه يختارونه إذ فيه رضاهم كما قال {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } وتقدم الخلاف في القراءة بضم الميمأو فتحها في النساء، والأولى أن يكون يراد بالمدخل مكان الدخول أو مكان الإدخال، ويحتمل أن يكون مصدراً. {وَذَلِكَ* مِنْ * عَاقَبَ } الآية قيل: نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفار في الأشهر الحرم فأبى المؤمنون منقتالهم وأبى المشركون إلاّ القتال، فلما اقتتلوا جدّ المؤمنون ونصرهم الله. ومناسبتها لما قبلها واضحة وهو أنه تعالى لما ذكرثواب من هاجر وقتل أو مات في سبيل الله أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم.وقال ابن جريج: الآية في المشركين بغوا على رسول الله ﷺ وأخرجوه والتقدير الأمر ذلك. قال الزمخشري:تسمية الابتداء بالجزاء لملابسته له من حيث أنه سبب وذلك مسبب عنه كما يجملون النظير على النظير والنقيض على النقيضللملابسة فإن قلت: كيف طابق ذكر العفو الغفور هذا الموضع؟ قلت: المعاقب مبعوث من جهة الله عز وجل على الإخلالبالعقاب، والعفو عن الجاني على طريق التنزيه لا التحريم ومندوب إليه ومستوجب عند الله المدح إن آثر ما ندب إليهوسلك سبيل التنزيه، فحين لم يؤثر ذلك وانتصر وعاقب ولم ينظر في قول

{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ }

{ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }

{ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلاْمُورِ }

فإن {ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أيلا يلومه على ترك ما بعثه عليه وهو ضامن لنصره في كرته الثانية من إخلاله بالعفو وانتقامه من الباغي عليه،ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي فيعرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو، ويلوح به ذكر هاتينالصفتين أو دل بذكر العفو والمغفرة على نه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلاّ القادر على حده ذلك،أي ذلك النصر بسبب أنه قادر. ومن آيات قدرته البالغة أنه {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } و{ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ} أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشروالبغي والانتصار. وأنه {سَمِيعُ } لما يقولون {بَصِيرٌ } بما يفعلون وتقدم في أوائل آل عمران شرح هذا الإيلاج.{ذٰلِكَ } أي ذلك الوصف بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجري فيهما وإدراك كل قول وفعل بسبب {إِنَّ ٱللَّهَ }{ٱلْحَقّ } الثابت الإلهية وأن كل ما يدعى إلهاً دونه باطل الدعوة، وأنه لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً.وقرأ الجمهور {وَإِن مَّا } بفتح الهمزة. وقرأ الحسن بكسرها. وقرأ الإخوان وأبو عمرو وحفص {يَدَّعُونَ } بياء الغيبة هنافي لقمان. وقرأ باقي السبعة بتاء الخطاب وكلاهما الفعل فيه مبني للفاعل. وقرأ مجاهد واليماني وموسى الأسواري يدعو بالياء مبنياًللمفعول والواو عائدة على ما على معناها و{مَا } الظاهر أنها أصنامهم. وقيل: الشياطين والأولى العموم في كل مدعو دونالله تعالى. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ ٱلاْرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَّهُمَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ * وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ * أَمْ تُرِيدُونَ * أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُممَّا فِى ٱلاْرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلاْرْضِ إِلاَّ }. لما ذكر تعالىما دل على قدرته الباهرة من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل وهما أمران مشاهدان مجيء الظلمة والنور، ذكرأيضاً ما هو مشاهد من العالم العلوي والعالم السفلي، وهو نزول المطر وإنبات الأرض وإنزال المطر واخضرار الأرض مرئيان، ونسبةالإنزال إلى الله تعالى مدرك بالعقل. وقال أبو عبد الله الرازي: الماء وإن كان مرئياً إلاّ أن كون الله منزلهمن السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية إذا لم يقترن بهاالعلم كانت كأنها لم تحصل. وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل فأصبحت ولم صرف إلى لفظ المضارع؟ قلت: لنكتةفيه وهي إفادة بقاء أثرر المطر زماناً بعد مان. كما تقول أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغذو شاكراً له.ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت: فما باله رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام؟ قلت: لونصب لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار مثاله أن تقول لصاحبك: ألمتر أني أنعمت عليك فتشكر إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنتم ثبت للشكر هذا وأمثاله ممايجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. وقال ابن عطية: وقوله {فَتُصْبِحُ ٱلاْرْضُ }بمنزلة قوله فتضحى أو تصير عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة ووقع قوله {فَتُصْبِحُ } من حيثالآية خبراً، والفاء عاطفة وليست بجواب لأن كونها جواباً لقوله {أَلَمْ تَرَ } فاسد المعنى انتهى. ولم يبين هو ولاالزمخشري كيف يكون النصب نافياً للاخضرار، ولا كون المعنى فاسداً. وقال سيبويه: وسألته يعني الخليل عن {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ ٱلاْرْضُ مُخْضَرَّةً } فقال: هذا واجب وهو تنبيه. كأنك قلت: أتسمع {أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء* مَاء } فكان كذا وكذا. قال ابن خروف، وقوله فقال هذا واجب، وقوله فكان كذا يريد أنهما ماضيان، وفسرالكلام بأتسمع ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام لضعف حكم الاستفهام فيه، ووقع في الشرقية عوض أتسمع انتبه انتهى. ومعنى فيالشرقية في النسخة الشرقية من كتاب سيبويه. وقال بعض شراح الكتاب {فَتُصْبِحُ } لا يمكن نصبه لأن الكلام واجبألا ترى أن المعنى {أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ } فالأرض هذا حالها. وقال الفراء {أَلَمْ تَرَ } خبر كما تقول فيالكلام اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا انتهى. ويقول إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا لأن النفي إذا دخلعليه الاستفهام وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا ترى إلى قوله

{ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ }

وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب،فإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا بالنصب، فالمعنى ما تأتينا محدثاً إنما يأتي ولا يحدث، ويجوز أن يكون المعنى إنك لاتأتي فكيف تحدث، فالحديث منتف في الحالتين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة، وينتفي الجوابفيلزم من هذا الذي قررناه إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المقصود. وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهامالسابق شرط وجزاء فقوله:

ألـم تسأل فتخبـرك الرسوم    

يتقدر أن تسأل فتخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر أن ترى إنزال المطر تصبحالأرض مخضرة لأن اخضرارها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك، إنما هو مترتب على الإنزال، وإنما عبر بالمضارع لأن فيهتصويراً للهيئة التي الأرض عليها، والحالة التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء وهذا كقول جحدر بن معونة العكلي، يصفحاله مع أشد نازلة في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف:

يسمو بناظرتين تحسب فيهما     لما أجالهما شعاع سراج لما نزلت بحصن أزبر مهصر
للقرن أرواح العدا محاج فأكرأ حمل وهو يقعي باسته     فإذا يعود فراجع أدراجي وعلمت أني إن أبيت نزاله

فقوله: فأكر تصوير للحالة التي لابسها. والظاهر تعقب اخضرار الأرض إنزال المطر وذلك موجود بمكة وتهامة فقطقاله عكرمة وأخذ تصبح على حقيقتها أي: تصبح، من ليلة المطر. وذهب إلى أن الاخضرار في غير مكة وتهامة يتأخر.وقال ابن عطية: وقد شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي قدنسفتها الرياح قد اخضرّت بنبات ضعف انتهى. وإذا جعلنا {فَتُصْبِحُ } بمعنى فتصير لا يلزم أن يكون ذلك الاخضرارفي وقت الصباح، وإذا كان الاخضرار متأخراً عن إنزال المطر فثم جمل محذوفة التقدير، فتهتز وتربو فتصبح يبين ذلك قولهتعالى

{ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ }

. وقرىء {مُخْضَرَّةً } على وزن مفعلة ومسبعة أي ذات خضر، وخصتصبح دون سائر أوقات النهاى لأن رؤية الأشياء المحبوبة أول النهار أبهج وأسر للرائي. {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ } أيباستخراج النبات من الأرض بالماء الذي أنزله {*خيبر} بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره. وقيل {تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }بلطيف التدبير {خَبِيرٌ } بالصنع الكثير. وقيل: {خَبِيرٌ } بمقادير مصالح عباده فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولانقصان. وقال ابن عباس {لَطِيفٌ } بأرزاق عباده {*خيبر} بما في قلوبهم من القنوط. وقال الكلبي {ٱللَّهُ لَطِيفٌ } بأفعاله{خَبِيرٌ } بأعمال خلقه. وقال الزمخشري {لَطِيفٌ } وأصل علمه أو فضله إلى كل شيء {خَبِيرٌ } بمصالح الخلق ومنافعهم.وقال ابن عطية: واللطيف المحكم للأمور برفق. {مَّا فِى ٱلاْرْضِ } يشمل الحيوان والمعادن والمرافق. وقرأ الجمهور {وَٱلْفُلْكِ }بالنصب وضم اللام ابن مقسم والكسائي عن الحسن، وانتصب عطفاً على {مَا }ونبه عليها وإن كانت مندرجة في عموم ماتنبيهاً على غرابة تسخيرها وكثرة منافعها، وهذا هو الظاهر. وجوز أن يكون معطوفاً على الجلالة بتقدير وأن {ٱلْفُلْكِ } وهوإعراب بعيد عن الفصاحة و{تَجْرِى } حال على الإعراب الظاهر. وفي موضع الجر على الإعراب الثاني. وقرأ السلمي والأعرج وطلحةوأبو حيوة والزعفراني بضم الكاف مبتدأ وخبر، ومن أجاز العطف على موضع اسم إن أجازه هنا فيكون {تَجْرِى } حالاً.والظاهر أن {ءانٍ } تقع في موضع نصب بدل اشتمال، أي ويمنع وقوع السماء على الأرض. وقيل هو مفعول منأجله يقدره البصريون كراهة {أَن تَقَعَ } والكوفيون لأن لا تقع. وقوله {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } أي يوم القيامة كأن طيالسماء بعض هذه الهيئة لوقوعها، ويجوز أن يكون ذلك وعيداً لهم في أنه إن أذن في سقوطها كسفاً عليكم سقطتكما في قولهم: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً {وَإِلاَّ * بِإِذْنِهِ } متعلق بأن تقع أي {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} فتقع. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يعود قوله {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } على الإمساك لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه،فكأنه أراد إلاّ بإذنه فيها يمسكها انتهى. ولو كان على ما قاله ابن عطية لكان التركيب بإذنه دون أداة الاستثناءأي يكون التقدير ويمسك السماء بإذنه. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَحْيَاكُمْ } أي بعد أن كنتم جماداً تراباً ونطفة وعلقة ومضغةوهي الموتة الأولى المذكورة في قوله تعالى

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }

و{ٱلإِنسَـٰنَ }. قال ابن عباس: هوالكافر. وقال أيضاً: هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل وأبيّ بن خلف. وهذا على طريق التمثيل. {لَكَفُورٌ } لجحودلنعم الله، يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها. و{لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً } روي أنها نزلتبسبب جدال الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح وقولهم للمؤمنين: تأكلون ما ذبحتم وهو منقتلكم، ولا تأكلون ما قتل الله فنزلت بسبب هذه المنازعة. وقال ابن عطية {هُمْ نَاسِكُوهُ } يعطى أن المنسك المصدرولو كان الموضع لقال هم ناسكون فيه انتهى. ولا يتعين ما قال إذ قد يتسع في معمول اسم الفاعل كمايتسع في معمول الفعل فهو موضع اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به على السعة، ومن الاتساع في ظرف المكان قوله:

ومشرب شربه رسيل     لا آجن الماء ولا وبيل

مشرب مكان الشرب عاد عليه الضمير،وكان أصله أشرب فيه فاتسع فيه فتعدى الفعل إلى ضميره ومن الاتساع سير بزيد فرسخان. وقرىء {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ } بالنونالخفيفة أي أثبت على دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك، ومثله

{ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }

وهذا النهي لهمعن المنازعة من باب لا أرينك ههنا، والمعنى فلا بد لهم بمنازعتك فينازعوك. وقرأ أبو مجلز {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ } منالنزع بمعنى فلا يقلعنك فيحملونك من دينك إلى أديانهم من نزعته من كذا و{ٱلاْمْرُ } هنا الدين، وما جئت بهوعلى ما روي في سبب النزول يكون {فِى ٱلاْمْرِ } بمعنى في الذبح {لَّعَـلّى * هُدًى } أي إرشاد. وجاء{وَلِكُلّ أُمَّةٍ } بالواو وهنا {لِكُلّ أُمَّةٍ } لأن تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الورادة في أمرالنسائك فعطفت على أخواتها، وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفاً قاله الزمخشري. {وَإِن جَـٰدَلُوكَ }آية موادعة نسختها آية السيف أي وإن أبوا للجاجهم إلاّ المجادلة بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم تنازع فادفعهمبأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها وبما تستحقون عليها من الجزاء، وهذا وعيد وإنذار ولكن برفق ولين {ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ }خطاب من الله للمؤمنين والكافرين أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب، ومسلاة لرسول الله ﷺ بما كان يلقىمنهم. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌوَيَعْبُدُونَ }. لما تقدم ذكر الفصل بين الكفار والمؤمنين يوم القيامة أعقب تعالى أنه عالم بجميع {مَا فِى ٱلسَّمَاءوَٱلاْرْضِ } فلا تخفى عليه أعمالكم و{إِنَّ ذٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ } قيل: هو أم الكتاب الذي كتبه الله قبل خلقالسموات والأرض، كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة. وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ. والإشارة بقوله {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِيَسِيرٌ } قيل: إلى الحكم السابق، والظاهر أنه إشارة إلى حصر المخلوقات تحت علمه وإحاطته. وقال الزمخشري: ومعلوم عند العلماءبالله أنه يعلم كل ما يحدث في السموات والأرض وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه، والإحاط بذلك وإثباته وحفظه عليهيسير لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم انتهى. وفي قوله لأن العالم الذات فيه دسيسة الاعتزاللأن من مذهبهم نفي الصفات فهو عالم لذاته لا يعلم عندهم. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِسُلْطَـٰناً } أي حجة وبرهاناً سماوياً من جهة الوحي والسمع {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } أي دليل عقلي ضروريأو غيره. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ } أي المجاوزين الحد في عبادة ما لا يمكن عبادته {مِن نَّصِيرٍ } ينصرهم فيما ذهبواإليه أو إذا حل بهم العذاب. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } أي يتلوه الرسول أو غيره {ءايَـٰتِنَا } الواضحةفي رفض آلهتهم ودعائهم إلى توحيد الله وعبادته {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي الذين ستروا الحق وغطوه وهوواضح بين والمنكر مصدر بمعنى الإنكار. ونبه على موجب المنكر وهو الكفر وناب الظاهر مناب المضمر كأنه قيل: تعرف فيوجوههم لكنه نبه على العلة الموجبة لظهور المنكر في وجوههم، والمنكر المساءة والتجهم والبسور والبطش الدال ذلك كله على سوءالمعتقد وخبث السريرة، لأن الوجه يظهر فيه الترح والفرح اللذان محلهما القلب. {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ } أي هم دهرهم بهذهالصفة فهم يقاربون ذلك طول زمانهم، وإن كان قد وقع منهم سطو ببعض الصحابة في شاذ من الأوقات. قال ابنعباس: {يَسْطُونَ } يبسطون إليهم. وقال محمد بن كعب: يقعون بهم. وقال الضحاك: يأخذونهم أخذاً باليد والمعنى واحد. وقرأ عيسىبن عمر يعرف مبنياً للمفعول المنكر ووقع {قُلْ } هل أنبئكم {بِشَرّ مّن ذٰلِكُمُ } وعيد وتقريع والإشارة إلى غيظهمعلى التالين وسطوهم عليهم، أو إلى ما أصابهم من الكراهة والبسور بسبب ما تلي عليهم. وقرأ الجمهور {ٱلنَّارِ } رفعاًعلى إضمارمبتدأ كأن قائلاً يقول قال: وما هو؟ قال: النار، أي نار جهنم. وأجاز الزمخشري أن تكون {ٱلنَّارِ } مبتدأو{وَعَدَهَا } الخبر وأن يكون {وَعَدَهَا } حالاً على الإعراب الأول، وأن تكون جملة إخبار مستأنفة وأجيز أن تكون خبراًبعد خبر، وذلك في الإعراب الأول، وروي أنهم قالوا: محمد وأصحابه شر خلق فقال الله قل لهم يا محمد {أَفَأُنَبّئُكُمبِشَرّ } ممن ذكرتم على زعمكم أهل النار فهم أنتم خشر خلق الله. وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن يوسفعن الأعشى وزيد بن علي {ٱلنَّارِ } بالنصب. قال الزمخشري: على الاختصاص ومن أجاز في الرفع أن تكون {ٱلنَّارِ }مبتدأ فقياسه أن يجيز في النصب أن يكون من باب الاشتغال. وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح عن قتيبة{ٱلنَّارِ } بالجر على البدل من {شَرُّ } والظاهر أن الضمير في {وَعَدَهَا } هو المفعول الأول على أنه تعالىوعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم، ألا ترى إلى قولها هل من مريد، ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هو الأول كما قال

{ وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ }

. {ٱلْمَصِيرُ يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَمَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ }. لماذكر تعالى أن الكفار يعبدون ما لا دليل على عبادته لا من سمع ولا من عقل ويتركون عبادة من خلقهم،ذكر ما عليه معبوداتهم من انتفاء القدرة على خلق أقل الأشياء بل على ردّ ما أخذه ذلك الأقل منه، وفيذلك تجهيل عظيم لهم حيث عبدوا من هذه صفته لقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ } بتاء الخطاب. وقيل: خطاب للمؤمنين أرادالله أن يبين لهم خطأ الكافرين فيكون {تَدْعُونَ } خطاباً لغيرهم الكفار عابدي غير الله. وقيل: الخطاب عام يشمل مننظر في أمر عبادة غير الله، فإنه يظهر له قبح ذلك. و{ضُرِبَ } مبني للمفعول، والظاهر أن ضارب المثل هوالله تعالى، ضرب مثلاً لما يعبد من دونه أي بين شبهاً لكم ولمعبودكم. وقيل: ضارب المثل هم الكفار، جعلوا مثلاًلله تعالى أصنامهم وأوثانهم أي فاسمعوا أنتم أيها الناس لحال هذا المثل ونحوه ما قال الأخفش قال: ليس ههنا {مَثَلُ} وإنما المعنى جعل الكفار لله مثلاً. وقيل: هو {مَثَلُ } من حيث المعنى لأنه {ضُرِبَ مَثَلٌ } من يعبدالأصنام بمن يعبد ما لا يخلق ذباباً. وقال الزمخشري: فإن قلت: الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلاً؟قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائقة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلاً تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستحسنة مستغربة عندهمانتهى. وقرأ الجمهور {تَدْعُونَ } بالتاء. وقرأ الحسن ويعقوب وهارون والخفاف ومحبوب عن أبي عمرو بالياء وكلاهما مبني للفاعل.وقرأ اليماني وموسى الأسواري بالياء من أسفل مبنياً للمفعول. وقال الزمخشري {لَنْ } أخت لا في نفي المستقبل إلاّ أنتنفيه نفياً مؤكداً، وتأكيده هنا الدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم كأنه قال: محال أن يخلقوا انتهى.وهذا القول الذي قاله في {لَنْ } هو المنقول عنه أن {لَنْ } للنفي على التأييد، ألا تراه فسر ذلكبالاستحالة وغيره من النحاة يجعل {لَنْ } مثل لا في النفي ألا ترى إلى قوله

{ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ }

كيف جاء النفي بلا وهو الصحيح، والاستدلال عليه مذكور في النحو. وبدأ تعالى بنفي اختراعهم وخلقهم أقل المخلوقات منحيث أن الاختراع صفة له تعالى ثابتة مختصة لا يشركه فيها أحد، وثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز وهوأمر سلب {ٱلذُّبَابُ } وعدم استنقاذ شيء مما {يَسْلُبْهُمُ } وكان الذباب كثيراً عند العرب، وكانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيبفكان الذباب يذهب بذلك. وعن ابن عباس: كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. وموضع{وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ } قال الزمخشري: نصب على الحال كأنه قال مستحيل: أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه،وتعاونهم عليه انتهى. وتقدم لنا الكلام على نظير {وَلَوْ } هذه، وتقرر أن الواو فيه للعطف على حال محذوفة،كأنه قيل {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } على كل حال ولو في هذه الحال التي كانت تقتضي أن يخلقوا لأجل اجتماعهم،ولكنه ليس في مقدورهم ذلك. {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } قال ابن عباس: الصنم والذباب، أي ينبغي أن يكون الضمطالباً لما سلب من طيبهم على معهود الأنفة في الحيوان. وقيل {*المطلوب} الآلهة و{ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ } الذباب فضعف الآلهة أنلا منعة لهم، وضعف الذباب في استلابه ما على الآلهة. وقال الضحاك: العابد والمعبود فضعف العابد في طلبهم الخير منغير جهته، وضعف المعبود في إيصال ذلك لعابده. وقال الزمخشري: وقوله {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } . وقيل: معناه التعجب أيما أضعف الطالب والمطلوب. {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عرفوه حق معرفته منافيتين لصفات آلهتهم منالقوة والغلبة حيث عبدوا من هو منسلخ عن صفاته وسموه باسمه، ولم يؤهلوا خالقهم للعبادة ثم ختم بصفتين منافيتين لصفاتآلهتهم من القوة والغلبة {ٱللَّهُ يَصْطَفِى } الآية نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة

{ أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا }

الآية، وأنكروا أن يكون الرسول من البشر فرد الله عليهم بأن رسله ملائكة وبشر، ثم ذكر أنه عالم بأحوالالمكلفين لا يخفى عليه منهم شيء وإليه مرجع الأمور كلها. ولما ذكر تعالى أنه اصطفى رسلاً من البشر إلىالخلق أمرهم بإقامة ما جاءت به الرسل من التكاليف وهو الصلاة قيل: كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوعويرجعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بكوع وسجود واتفقوا على مشروعية السجود في آخر آية

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ }

وأما في هذه الآية فمذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا يسجد فيها، ومذهب الشافعي وأحمد أنه يسجدفيها وبه قال عمر وابنه عبد الله وعثمان وأبو الدرداء وأبو موسى وابن عباس {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } أي افردوه بالعبادة{وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } قال ابن عباس: صلة الأرحام ومكارم الأخلاق، ويظهر في هذا الترتيب أنهم أمروا أولاً بالصلاة وهي نوعمن العبادة، وثانياً بالعبادة وهي نوع من فعل الخير، وثالثاً بفعل الخير وهو أعم من العبادة فبدأ بخاص ثم بعامثم بأعم. {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ } أمر بالجهاد في دين الله وإعزاز كلمته يشمل جهاد الكفار والمبتدعة وجهاد النفس.وقيل: أمر بجهاد الكفار خاصة {حَقَّ جِهَـٰدِهِ } أي استفرغوا جهدكم وطاقتكم في ذلك، وأضاف الجهاد إليه تعالى لما كانمختصاً بالله من حيث هو مفعول لوجهه ومن أجله، فالإضافة تكون بأدنى ملابسة. قال الزمخشري: ويجوز أن يتسع في الظرفكقوله:

ويوم شهدنـاه سليمـاً وعامـراً    

انتهى. يعني بالظرف الجار والمجرور، كأنه كان الأصل حق جهاد فيه فاتسع بأن حذف حرفالجر وأضيف جهاد إلى الضمير. و{حَقَّ جِهَـٰدِهِ } من باب هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وعالم جداً.وعن مجاهد والكلبي أنه منسوخ بقوله { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } . {هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } أي اختاركم لتحمل تكليفاته وفيقوله {هُوَ } تفخيم واختصاص، أي هو لا غيره. {مِنْ حَرَجٍ } من تضييق بل هي حنيفية سمحة ليس فيهاتشديد بني إسرائيل بل شرع فيها التوبة والكفارات والرخص. وانتصب {مّلَّةَ أَبِيكُمْ } بفعل محذوف، وقدره ابن عطية جعلها {مِلَّةَ} وقال الزمخشري: نصب الملة بمضمون ما تقدّمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضافإليه مقامه أو على الاختصاص أي أعني بالدين {مّلَّةَ أَبِيكُمْ } كقوله: الحمد لله الحميد، وقال الحوفي وأبو البقاء: اتبعواملة إبراهيم. وقال الفراء: هو نصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قيل كلمة {أَبِيكُمْ } بالإضافة إلى أبيه الرسول، وأمةالرسول في حكم أولاده فصارا بالأمته بهذه الوساطة. وقيل: لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب طلب الأكثرفأضيف إليهم. وجاء قوله {مِلَّةَ } {إِبْرَاهِيمَ } باعتبار عبادة الله وترك الأوثان وهو المسوق له الآيات المتقدمة، فلا يدلذلك على الاتباع في تفاصيل الشرائع. والظاهر أن الضمير في {هُوَ سَمَّـٰكُمُ } عائد على {إِبْرَاهِيمَ } وهو أقربمذكور ولكل نبيّ دعوة مستجابة ودعا إبراهيم فقال { رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } فاستجاب اللهله فجعلها أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وقاله ابن زيد والحسن. وقيل: يعود {هُوَ } إلى الله وهو قول ابنعباس وقتادة ومجاهد والضحاك. وعن ابن عباس: إن الله {سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } أي في كل الكتب {وَفِى هَـٰذَا} أي القرآن، ويدل على أن الضمير لله قراءة أبيّ الله سماكم. قال ابن عطية: وهذه اللفظة يعني قوله {وَفِىهَـٰذَا } تضعيف قول من قال الضمير لإبراهيم، ولا يتوجه إلاّ على تقدير محذوف من الكلام مستأنف انتهى. وتقدير المحذوفوسميتم في هذا القرآن المسلمين، والمعنى أنه فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم. {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } أنهقد بلغكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } بأن الرسل قد بلغتهم، وإذ قد خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه وثقوا بهولا تطلبوا النصرة والولاية إلاّ منه فهو خير مولى وناصر. وعن قتادة أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلاّ نبي.قيل للنبي: أنت شهيد على أمتك. وقيل له: ليس عليك حرج. وقيل له: سل تعط. وقيل: لهذه الأمة: {وَتَكُونُواْ شُهَدَاءعَلَى ٱلنَّاسِ } وقيل لهم {مَّا جَعَلَ * عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } وقيل لهم { ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } {وَٱعْتَصِمُواْ } قال ابن عباس سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره. وقال الحسن تمسكوا بدين الله.