تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الجاثية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ حمۤ } * { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } * { إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ } * { وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } * { وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } * { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } * { يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } * { وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } * { مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } * { هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } * { ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } * { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } * { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ } * { وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } * { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } * { إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ } * { هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } * { أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } * { وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } * { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } * { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } * { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } * { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } * { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } * { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } * { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

{حـم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّ فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ* لاَيَـٰتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءايَـٰتٌ لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا أَنَزَلَ ٱللَّهُمِنَ ٱلسَّمَاء مَّن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ ءايَـٰتٌ لّقَوْمٍ }. هذه السورة مكية، قالابن عطية: بلا خلاف، وذكر الماوردي: {إِلاَّ قَلِيلٌ * لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ } الآية، فمدنية نزلت في عمر بن الخطاب.قال ابن عباس، وقتادة، وقال النحاس، والمهدوي، عن ابن عباس: نزلت في عمر: شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة، فأراد أنيبطش به، فنزلت. ومناسبة أولها لآخر ما قبلها في غاية الوضوح. قال:

{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ }

، وقال: {حـم * تَنزِيلُٱلْكِتَـٰبِ }، وتقدم الكلام على

{ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ }

، أول الزمر. وقال أبو عبد الله الرازي: وقوله:{ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }، يجوز جعله صفة لله، فيكون ذلك حقيقة؛ {وَأَنْ * جَعَلْنَـٰهُ } صفة للكتاب، كان ذلك مجازاً؛ والحقيقةأولى من المجاز، مع أن زيادة القرب توجب الرجحان. انتهى. وهذا الذي ردّد في قوله: {وَأَنْ * جَعَلْنَـٰهُ } صفةللكتاب لا يجوز. لو كان صفة للكتاب لوليه، فكان يكون التركيب: تنزيل الكتاب العزيز الحكيم من الله، لأن من الله،إما أن يكون متعلقاً بتنزيل، وتنزيل خبر لحم، أو لمبتدأ محذوف، فلا يجوز الفصل به بين الصفة والموصوف، لا يجوزأعجبني ضرب زيد سوط الفاضل؛ أو في موضع الخبر، وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل بين الصفة والموصوف أيضاً، لا يجوزضرب زيد شديد الفاضل، والتركيب الصحيح في نحو هذا أن يلي الصفة موصوفها. {إِنَّ فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }،احتمل أن يريد: في خلق السموات، كقوله: {وَفِى خَلْقِكُمْ }، والظاهر أنه لا يراد التخصيص بالخلق، بل في السموات والأرضعلى الإطلاق والعموم، أي في أي شيء نظرت منهما من خلق وغيره، من تسخير وتنوير وغيرهما، {لاَيَاتٍ }: لم يأتبالآيات مفصلة، بل أتى بها مجملة، إحالة على غوامض يثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع. وجعلها {لِلْمُؤْمِنِينَ }، إذ فيضمن الإيمان العقل والتصديق. {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ }، أي في غير جنسكم، وهو معطوف على: {وَفِى خَلْقِكُمْ }. ومنأجاز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، أجاز في {وَمَا يَبُثُّ } أن يكون معطوفاً على الضمير {فِى* خَلَقَكُمْ }، وهو مذهب الكوفيين، ويونس، والأخفش؛ وهو الصحيح، واختاره الأستاذ أبو علي الشلوبين. وقال الزمخشري: يقبح العطف عليه،وهذا تفريع على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، قال: وكذلك أن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد. انتهى. وهذايجيزه الجرمي والزيباري في الكلام، وقال: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }: وهم الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين. {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}: تقدم الكلام على نظيره في سورة البقرة. وقرأ الجمهور: آيات، جمعاً بالرفع فيهما؛ والأعمش، والجحدري، وحمزة، والكسائي، ويعقوب: بالنصبفيهما؛ وزيد بن علي؛ برفعهما على التوحيد. وقرأ أبي، وعبد الله: لآيات فيهما، كالأولى. فأما: {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تَلْكَ } رفعاًونصباً، فاستدل به وشبهه مما جاء في كلام الأخفش، ومن أخذ بمذهبه على عطف معمولي عاملين بالواو، وهي مسألة فيهاأربعة مذاهب، ذكرناها في (كتاب التذييل والتكميل لشرح التسهيل). فأما ما يخص هذه الآية، فمن نصب آيات بالواو عطفت، واختلافعلى المجرور بفي قبله وهو: {وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ }، وعطف آيات على آيات، ومن رفع فكذلك، والعاملان أولاهما إنوفي، وثانيهما الابتداء وفي. وقال الزمخشري: أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر، واختلاف الليل والنهار والنصب في آيات، وإذا رفعت والعاملانالابتداء، وفي عملت الرفع للواو ليس بصحيح، لأن الصحيح من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل؛ ومن منع العطف علىمذهب الأخفش، أضمر حرف الجر فقدر. وفي اختلاف، فالعمل للحرف مضمراً، ونابت الواو مناب عامل واحد؛ ويدل على أن فيمقدرة قراءة عبد الله: وفي اختلاف، مصرحاً وحسن حذف في تقدمها في قوله: {وَفِى خَلْقِكُمْ }؛ وخرج أيضاً النصب فيآيات على التوكيد لآيات المتقدمة، ولإضمار حرف في وقرىء واختلاف بالرفع على خبر مبتدأ محذوف، أي هي آيات ولإضمار حرفأيضاً. وقرأ: واختلاف الليل والنهار آية بالرفع في اختلاف، وفي آية موحدة؛ وكذلك {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ }. وقرأ زيدبن علي، وطلحة، وعيسى: {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ }. وقال الزمخشري: والمعنى أن المنصفين من العباد، إذا نظروا في السموات والأرضالنظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقروا. فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلهامن حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، في خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفىعنهم اللبس. فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت، كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بهابعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم. وقال أبو عبد الله الرازي: ذكر فيالبقرة ثمانية دلائل، وهنا ستة؛ لم يذكر الفلك والسحاب، والسبب في ذلك أن مدار الحركة للفلك والسحاب على الرياح المختلفة،فذكر الرياح؛ وهناك جعل مقطع الثمانية واحداً، وهنا رتبها على مقاطع ثلاثة: يؤمنون، يوقنون، يعقلون. قال: وأظن سبب هذا الترتيب:

{ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

، فافهموا هذه الدلائل؛ فإن لم تكونوا مؤمنين ولا موقنين، فلا أقل أن تكونوا من العاقلين، فاجتهدوا.وقال هناك:

{ إِنَّ فِي خَلْقِ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ }

، وهنا: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ }، فدل على أن الخلق غير المخلوق، وهو الصحيحعند أصحابنا، ولا تفارق بين أن يقال: في السموات، وفي خلق السموات. انتهى، وفيه تلخيص وتقدم وتأخير. {تِلْكَ آيَـٰتُٱللَّهِ }: أي تلك الآيات، وهي الدلائل المذكورة؛ {نَتْلُوهَا }: أي نسردها عليك ملتبسة بالحق، ونتلوها في موضع الحال، أيمتلوة. قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة ونحوه، وهذا بعلى شيخاً. انتهى، وليس نحوه، لأن فيوهذا حرف تنبيه. وقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه، أي تنبه. وأما تلك، فليس فيها حرف تنبيهعاملاً بما فيه من معنى التنبيه، لأن الحرف قد يعمل في الحال: تنبه لزيد في حال شيخه وفي حال قيامه.وقيل: العامل في العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه، فلايكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه، إن كان هناك. وقال ابن عطية: نتلوها، فيه حذف مضاف، أي نتلو شأنهاوشرح العبرة بها. ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذه المعاني، فلا يكون في نتلوها حذف مضاف. انتهى.ونتلوها معناه: يأمر الملك أن نتلوها. وقرىء: يتلوها، بياء الغيبة، عائداً على الله؛ وبالحق: بالصدق، لأن صحتها معلومة بالدلائل العقلية.{فَبِأَىّ حَدِيثٍ } الآية، فيه تقريع وتوبيخ وتهديد؛ {بَعْدِ ٱللَّهِ }: أي بعد حديث الله، وهو كتابه وكلامه، كقوله:

{ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً }

؛ وقال:

{ فبأي حديث بعده يؤمنون }

؛ أي بعد حديث الله وكلامه. وقال الضحاك: بعدتوحيد الله. وقال الزمخشري: بعد الله وآياته، أي بعد آيات الله، كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون: أعجبني كرم زيد. انتهى.وهذا ليس بشيء، لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة؛ والعطف والمراد غير العطف من إخراجه إلىباب البدل، لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في: أعجبني زيد كرمه، بغير واو على البدل؛ وهذا قلب لحقائق النحو.وإنما المعنى في: أعجبني زيد وكرمه، أن ذات زيد أعجبته، وأعجبه كرمه؛ فهما إعجابان لا إعجاب واحد، وقد رددنا عليهمثل قوله هذا فيما تقدم. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، وشيبة، وقتادة، والحرميان، وأبو عمرو، وعاصم في رواية: يؤمنون، بالياء منتحت؛ والأعمش، وباقي السبعة: بتاء الخطاب؛ وطلحة: توقنون بالتاء من فوق، والقاف من الإيقان. {*}؛ أي بعد حديث اللهوكلامه. وقال الضحاك: بعد توحيد الله. وقال الزمخشري: بعد الله وآياته، أي بعد آيات الله، كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون:أعجبني كرم زيد. انتهى. وهذا ليس بشيء، لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة؛ والعطف والمراد غيرالعطف من إخراجه إلى باب البدل، لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في: أعجبني زيد كرمه، بغير واو على البدل؛وهذا قلب لحقائق النحو. وإنما المعنى في: أعجبني زيد وكرمه، أن ذات زيد أعجبته، وأعجبه كرمه؛ فهما إعجابان لا إعجابواحد، وقد رددنا عليه مثل قوله هذا فيما تقدم. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، وشيبة، وقتادة، والحرميان، وأبو عمرو، وعاصم فيرواية: يؤمنون، بالياء من تحت؛ والأعمش، وباقي السبعة: بتاء الخطاب؛ وطلحة: توقنون بالتاء من فوق، والقاف من الإيقان. {وَيْلٌلّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ }، قيل: نزلت في أبي جهل؛ وقيل: في النضير بن الحارث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجمويشغل بها الناس عن استماع القرآن. والآية عامة فيمن كان مضاراً لدين الله؛ وأفاك أثيم، صفتا مبالغة؛ وألفاظ هذه الآيةتقدم الكلام عليها. وقرأ الجمهور: علم؛ وقتادة ومطر الوراق: بضم العين وشد اللام؛ مبنياً للمفعول، أي عرف. وقال الزمخشري: فإنقلت: ما معنى: ثم، في قوله: {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً }؟ قلت: كمعناه في قول القائل:

يـرى غمـرات المـوت ثـم يـزورهـا    

وذلك بأنغمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائبها بنفسه ويطلب الفرار منها، وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد. فمعنى ثم: الإيذانبأن فعل المقدم عليها، بعدما رآها وعاينها، شيء يستبعد في العادة والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة القاطعة بالحق، من تليتعليه وسمعها، كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها. {ٱتَّخَذَهَا هُزُواً }، ولم يقل: اتخذه،إشعاراً بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله على محمد ﷺ،خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه. وقال الزمخشري: ويحتمل {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـٰتِنَا شَيْئاً }،يمكن أن يتشبث به المعاند ويجعله محملاً يتسلق به على الطعن والغميزة، افترضه واتخذ آيات الله هزواً، وذلك نحو افترصابن الزبعري قوله عز وجل:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }

، ومغالطته رسول الله ﷺوقوله: خصمتك؛ ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء، لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية:

نفسي بشيء من الدنيا معلقة     الله والقائم المهدي يكفيها

حيث أراد عتبة. انتهى. وعتبة جارية كان أبو العتاهية يهواها وينتسب بها.والإشارة بأولئك إلى كل أفاك، لشموله الأفاكين. حمل أولاً على لفظ كل، وأفرد على المعنى فجمع، كقوله:

{ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }

. {مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ }: أي من قدامهم، والوراء: ما توارى من خلف وأمام. {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْشَيْئاً } من الأموال في متاجرهم، {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأوثان. {هَـٰذَا }، أي القرآن، {هُدًى}، أي بالغ في الهداية، كقولك: هذا رجل، أي كامل في الرجولية. قرأ طلحة، وابن محيصن، وأهل مكة، وابن كثير،وحفص: {أَلِيمٌ }، بالرفع نعتاً لعذاب؛ والحسن، وأبو جعفر، وشيبة، وعيسى، والأعمش، وباقي السبعة: بالجر نعتاً لرجز. {ٱللَّهُ ٱلَّذِىسَخَّرَ } الآية: آية اعتبار في تسخير هذا المخلوق العظيم، والسفن الجارية فيه بهذا المخلوق الحقير، وهو الإنسان. {بِأَمْرِهِ }:أي بقدرته. أناب الأمر مناب القدرة، كأنه يأمر السفن أن تجري. {مِن فَضْلِهِ } بالتجارة وبالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراجاللحم الطري. {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والهواء، والأملاك الموكلة بهذا كله. {وَمَا فِى ٱلاْرْضِ} من البهائم والمياه والجبال والنبات. وقرأ الجمهور: {مِنْهُ }، وابن عباس: بكسر الميم وشد النون ونصب التاء على المصدر.قال أبو حاتم: نسبة هذه القراءة إلى ابن عباس ظلم. وحكاها أبو الفتح، عن ابن عباس، وعبد الله بن عمر،والجحدري، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وحكاها أيضاً عن هؤلاء الأربعة صاحب اللوامح، وحكاها ابن خالويه، عن ابن عباس،وعبيد بن عمير. وقرأ سلمة بن محارب كذلك، إلا أنه ضم التاء، أي هو منه، وعنه أيضاً فتح الميم وشدالنون، وهاء الكناية عائد على الله، وهو فاعل سخر على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك،أو هو منه. والمعنى، على قراءة الجمهور: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة عنده، إذ هو موجدها بقدرته وحكمته،ثم سخرها لخلقه. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون يعني منه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي جميعاً منه، وأن يكون: ومافي الأرض، مبتدأ، ومنه خبره. انتهى. ولا يجوز هذان الوجهان إلا على قول الأخفش، لأن جميعاً إذ ذاك حال، والعاملفيها معنوي، وهو الجار والمجرور؛ فهو نظير: زيد قائماً في الدار، ولا يجوز على مذهب الجمهور. {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْيَغْفِرُواْ }: نزلت في صدر الإسلام. أمر المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفار، وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يصبرون لهم، قالهالسدّي ومحمد بن كعب، قيل: وهي محكمة، والأكثر على أنها منسوخة بآية السيف. يغفروا، في جزمه أوجه للنحاة، تقدّمت في:

{ قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ }

في سورة إبراهيم. {لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }: أي وقائعه بأعدائه ونقمته منهم.وقال مجاهد: وقيل أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنينووعدهم الفوز. قيل: نزلت قبل آية القتال ثم نسخ حكمها. وتقدم قول ابن عباس أنها نزلت في عمر بن الخطاب؛قيل: سبه رجل من الكفار، فهم أن يبطش به، وقرأ الجمهور: ليجزي الله، وزيد بن عليّ، وأبو عبد الرحمن، والأعمش،وأبو علية، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالنون؛ وشيبة، وأبو جعفر: بخلاف عنه بالياء مبنياً للمفعول. وقد روي ذلك عن عاصم،وفيه حجة لمن أجاز بناء الفعل للمفعول، على أن يقام المجرور، وهو بما، وينصب المفعول به الصريح، وهو قوماً؛ ونظيره:ضرب بسوط زيداً؛ ولا يجير ذلك الجمهور. وخرجت هذه القراءة على أن يكون بني الفعل للمصدر، أي وليجزي الجزاء قوماً.وهذا أيضاً لا يجوز عند الجمهور، لكن يتأول على أن ينصب بفعل محذوف تقديره يجزى قوماً، فيكون جملتان، إحداهما: ليجزيالجزاء قوماً، والأخرى: يجزيه قوماً؛ وقوماً هنا يعني به الغافرين، ونكره على معنى التعظيم لشأنهم، كأنه قيل: قوماً، أي قوممن شأنهم التجاوز عن السيئات والصفح عن المؤذيات وتحمل الوحشة. وقيل: هم الذين لا يرجون أيام الله، أي بما كانوايكسبون من الإثم، كأنه قيل: لم تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن. {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } كهؤلاء الغافرين، {وَمَنْ أَسَاء} كهؤلاء الكفار، وأتى باللام في فلنفسه، لأن المحاب والحظوظ تستعمل فيها على الدالة على العلو والقهر، كما تقول: الأمورلزيد متأتية وعلى عمرو مستصعبة. والكتاب: التوراة، والحكم: القضاء، وفصل الأمور لأن الملك كان فيهم. قيل: والحكم: الفقه. ويقال: لميتسع فقه الأحكام على نبي، كما اتسع على لسان موسى من الطيبات المستلذات الحلال، وبذلك تتم النعمة، وذلك المن والسلوىوطيبات الشام، إذ هي الأرض المباركة. بينات: أي دلائل واضحة من الأمر، أي من الوحي الذي فصلت به الأمور. وعنابن عباس: من الأمر، أي من أمر النبي ﷺ، وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب. وقيل معجزاتموسى. {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }: تقدم تفسيره في الشورى. {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰشَرِيعَةٍ مّنَ ٱلاْمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَبَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ * هَـٰذَا بَصَـٰئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ ٱللَّهُٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ بِٱلْحَقّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ * وَخَلَقَ ٱللَّهُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَبِٱلْحَقّ * وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍوَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن }. لما ذكر تعالى إنعامه على بني إسرائيلواختلافهم بعد ذلك، ذكر حال نبيه عليه الصلاة والسلام وما منّ به عليه من اصطفائه فقال: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍمّنَ ٱلاْمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء }. قال قتادة: الشريعة: الأمر، والنهي، والحدود، والفرائض. وقال مقاتل: البينة، لأنها طريق إلىالحق. وقال الكلبي: السنة، لأنه كان يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. وقال ابن زيد: الدّين، لأنه طريق إلى النجاة.والشريعة في كلام العرب: الموضع الذي يرد فيه الناس في الأنهار والمياه، ومنه قول الشاعر:

وفي الشرائع من جيلان مقتص     رث الثياب خفي الشخص منسرب

فشريعة الدّين من ذلك، من حيث يرد الناس أمرالله ورحمته والقرب منه، من الأمور التي من دين الله الذي بعثه في عباده في الزمان السالف؛ أو يكون مصدرأمر، أي من الأمر والنهي، وسمي النهي أمراً. {أَهْوَاء ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }، قيل: جهال قريظة والنضير. وقيل: رؤساء قريش،حين قالوا: رجع إلى دين آبائك. {هَـٰذَا بَصَـٰئِرُ }: أي هذا القرآن؛ جعل ما نافية من معالم الدين، بصائر للقلوب،كما جعل روحاً وحياة. وقرىء: هذى، أي هذه الآيات. {أَمْ حَسِبَ }: أم منقطعة تتقدر ببل والهمزة، وهو استفهام إنكار.وقال الكلبي: نزلت في عليّ، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، وفي عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة. قالوا للمؤمنين: والله ما أنتمعلى شيء، ولئن كان ما تقولون حقاً، لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة؛ كما هو أفضل في الدنيا. واجترحوا: اكتسبوا،والسيئات: هنا سيئات الكفر؛ ونجعلهم: نصيرهم، والمفعول الثاني هو كالذين، وبه تمام المعنى. وقرأ الجمهور: سواء بالرفع، ومماتهم بالرفع أيضاً؛وأعربوا سواء: مبتدأ، وخبره ما بعده، ولا مسوغ لجواز الابتداء به، بل هو خبر مقدم، وما بعده المبتدأ. والجملة خبرمستأنف؛ واحتمل الضمير في {مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } أن يعود على {ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ }، أخبر أن حالهم في الزمانين سواء، وأنيعود على المجترحين والصالحين بمعنى: أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء في إهانتهم عند الله وعدم كرامتهم عليه، ويكون اللفظ قدلف هذا المعنى، وذهن السامع يفرقه، إذ قد تقدم إبعاد الله أن يجعل هؤلاء كهؤلاء. قال أبو الدرداء: يبعث الناسعلى ما ماتوا عليه. وقال مجاهد: المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً. وقال ابن عطية:مقتضى هذا الكلام أنه لفظ الآية؛ ويظهر لي أن قوله: {سَوَاء مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } داخل في المحسنة المنكرة السيئة، وهذااحتمال حسن، والأول أيضاً أجود. انتهى. ولم يبين كيفية تشبث الجملة بما قبلها حتى يدخل في المحسنة. وقال الزمخشري: والجملةالتي هي: سواء محياهم ومماتهم، بدل من الكاف، لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً؛ فكانت في حكم المفرد. ألا تراك لوقلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديداً؟ كما تقول: ظننت زيد أبوه منطلق. انتهى. وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري،من إبدال الجملة من المفرد، قد أجازه أبو الفتح، واختاره ابن مالك، وأورد على ذلك شواهد على زعمه، ولا يتعينفيها البدل. وقال بعض أصحابنا، وهو الإمام العالم ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عليّ الإشبيلي، ويعرف بابن العلج،وكان ممن أقام باليمن وصنف بها، قال في كتابه (البسيط في النحو): ولا يصح أن يكون جملة معمولة للأول فيموضع البدل، كما كان في النعت، لأنها تقدر تقدير المشتق تقدير الجامد، فيكون بدلاً، فيجتمع فيه تجوز أن، ولأن البدليعمل فيه العامل الأول، فيصح أن يكون فاعلاً، والجملة لا تكون في موضع الفاعل بغير سائغ، لأنها لا تضمر، فإنكانت غير معمولة، فهل تكون جملة؟ لا يبعد عندي جوازها، كما يتبع في العطف الجملة للجملة، ولتأكيد الجملة التأكيد اللفظي.انتهى. وتبين من كلام هذا الإمام، أنه لا يجوز أن تكون الجملة بدلاً من المفرد، وأما تجويز الزمخشري أننجعلهم سواء محياهم ومماتهم، فيظهر لي أنه لا يجوز؛ لأنها بمعنى التصيير. لا يجوز صيرت زيداً أبوه قائم، ولا صيرتزيداً غلامه منطلق، لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات، أو من وصف في الذات إلى وصف فيها. وتلك الجملةالواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً، ليس فيها انتقال مما ذكرنا، فلا يجوز والذي يظهر لي أنه إذا قلنابتشبث الجملة بما قبلها، أن تكون الجملة في موضع الحال، والتقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حالاستواء محياهم ومماتهم؟ ليسوا كذلك، بل هم مفترقون، أي افتراق في الحالتين، وتكون هذه الحال مبينة ما انبهم في المثليةالدال عليها الكاف، التي هي في موضع المفعول الثاني. وقرأ زيد بن علي، وحمزة، والكسائي، وحفص: سواء بالنصب، وما بعدهمرفوع على الفاعلية، أجرى سواء مجرى مستوياً، كما قالوا: مررت برجل سواء هو والعدم. وجوز في انتصاب سواء وجهين: أحدهما:أن يكون منصوباً على الحال، وكالذين المفعول الثاني، والعكس. وقرأ الأعمش: سواء بالنصب، محياهم ومماتهم بالنصب أيضاً، وخرج على أنيكون محياهم ومماتهم ظرفي زمان، والعامل، إما أن نجعلهم، وإما سواء، وانتصب على البدل من مفعول نجعلهم، والمفعول الثاني سواء،أي أن يجعل محياهم ومماتهم سواء. وقال الزمخشري: ومن قرأ ومماتهم بالنصب، جعل محياهم ومماتهم ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم،أي سواء في محياهم وفي مماتهم، والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً، وأن يستووا مماتاً، لافتراق أحوالهم وتمثيله بقوله:وخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مفعل، فهو في الحقيقة على حذف مضاف، أي وقت خفوق النجم،بخلاف محيا وممات ومقدم، فإنها تستعمل بالوضع مصدراً واسم زمان واسم مكان، فإذا استعملت اسم مكان أو اسم زمان، لميكن ذلك على حذف مضاف قامت هذه مقامه، لأنها موضوعة للزمان وللمكان، كما وضعت للمصدر؛ فهي مشتركة بين هذه المدلولاتالثلاثة، بخلاف خفوق النجم، فإنه وضع للمصدر فقط. وقد خلط ابن عطية في نقل القرآن، وله بعض عذر. فإنهلم يكن معرباً، فقال: وقرأ طلحة بن مصرف، وعيسى بخلاف عنه: سواء بالنصب، محياهم ومماتهم بالرفع، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص،والأعمش: سواء بالنصب، محياهم ومماتهم بالنصب؛ ووجه كلاً من القراءتين على ما تقتضيه صنعة الإعراب، وتبعه على هذا الوهم صاحبالتحرير، وهو معذور، لأنه ناسخ من كتاب إلى كتاب؛ والصواب ما استبناه من القراءات لمن ذكرنا. ويستنبط من هذه الآيةتباين حال المؤمن العاصي من حال الطائع، وإن كانت في الكفار، وتسمى مبكاة العابدين. وعن تميم الداري، رضي الله عنه،أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردد إلى الصباح: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ }. وعنالربيع بن خيثم، أنه كان يردّدها ليلة أجمع، وكذلك الفضيل بن عياض، كان يقول لنفسه: ليت شعري من أي الفريقينأنت؟ وقال ابن عطية: وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر، بدليل معادلته بالإيمان؛ ويحتمل أن تكون المعادلة هي بالاجتراح وعملالصالحات، ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا بكى الخائفون. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ }: هو كقوله:

{ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ }

، وتقدم إعرابهفي البقرة. وقال ابن عطية: هنا ما مصدرية، والتقدير: ساء الحكم حكمهم. {بِٱلْحَقّ }: بأن خلقها حق، واجب لما فيهمن فيض الخيرات، وليدل عليه دلالة الصنعة على الصانع. {*ولتجزي}: هي لام كي معطوفة على بالحق، لأن كلاًّ من التاءواللام يكونان للتعليل، فكان الخلق معللاً بالجزاء. وقال الزمخشري: أو على معلل محذوف تقديره: ليدل بها على قدرته، {بِٱلْحَقّ وَلِتُجْزَىٰكُلُّ نَفْسٍ }. وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكون لام الصيرورة، أي فصار الأمر منها من حيث اهتدى بها قوموضل عنها آخرون، لأن يجازي كل واحد بعمله، وبما اكتسب من خير أو شر. انتهى. {أَفَرَأَيْتَ } الآية، قال مقاتل:نزلت في الحرث بن قيس السهمي، وأفرأيت: هو بمعنى أخبرني، والمفعول الأول هو: {مَنِ ٱتَّخَذَ }، والثاني محذوف تقديره بعدالصلاة التي لمن اهتدى، يدل عليه قوله بعد: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ }، أي لا أحد يهديه من بعدإضلال الله إياه. {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ }: أي هو مطواع لهوى نفسه، يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده، كمايعبد الرجل إلهه. قال ابن جبير، إشارة إلى الأصنام: إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة. وقال قتادة: لا يهوىشيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله، فلهذا يقال: الهوى إله معبود. وقرأ الأعرج، وأبو جعفر: آلهة، بتاء التأنيث، بدل منهاء الضمير. وعن الأعرج أنه قرأ: آلهة على الجمع. قال ابن خالويه: ومعناه أن أحدهم كان يهوى الحجر فيعبده، ثميرى غيره فيهواه، فيلقى الأول، فكذلك قوله: {إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } الآية. وإن نزلت في هوى الكفر، فهي متناولة جميع هوىالنفس الأمارة. قال ابن عباس: ما ذكر الله هوى إلاّ ذمه. وقال وهب: إذا شككت في خبر أمرين، فانظر أبعدهمامن هواك فأته. وقال سهل التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وفي الحديث: والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . ومن حكمه الشعر قول عنترة، وهو جاهلي:

إني امرؤ سمح الخليقة ماجد     لا أتبع النفس اللجوج هواها

وقال أبو عمران موسى بن عمران الإشبيلي الزاهد، رحمه الله تعالى:

فخالف هواها واعصها إن من يطع     هوى نفسه ينزع به شر منزع ومن يطع النفس اللجوج تردهو

{وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ }: أي من الله تعالى سابق، أو على علم منهذا الضال بأن الحق هو الدين، ويعرض عنه عناداً، فيكون كقوله:

{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ }

. وقال الزمخشري: صرفه عنالهداية واللطف، وخذ له عن علم، عالماً بأن ذلك لا يجدي عليه، وأنه ممن لا لطف به، أو مع علمهبوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقربة. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. وقرأ الجمهور: {غِشَـٰوَةً }: بكسر الغين؛ وعبد الله،والأعمش: بفتحها، وهي لغة ربيعة. والحسن، وعكرمة، وعبد الله أيضاً: بضمها، وهي لغة عكلية. والأعمش، وطلحة، وأبو حنيفة، ومسعود بنصالح، وحمزة، والكسائي، غشوة، بفتح الغين وسكون الشين. وابن مصرف، والأعمش أيضاً: كذلك، إلا أنهما كسرا العين، وتقدم تفسير الجملتينفي أول البقرة. وقرأ الجمهور: {تَذَكَّرُونَ }، بشد الذال؛ والجحدري يخففها، والأعمش: بتاءين.

{ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا }

: هي مقالة بعض قريش إنكاراً للبعث. والظاهر أن قولهم: {نَمُوتُ وَنَحْيَا } حكم على النوع بجملته من غير اعتبارتقديم وتأخير، أي تموت طائفة وتحيا طائفة. وأن المراد بالموت مفارقة الروح للجسد. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي نحياونموت. وقيل: نموت عبارة عن كونهم لم يوجدوا، ونحيا: أي في وقت وجودنا، وهذا قريب من الأول قبله، ولا ذكرللموت الذي هو مفارقة الروح في هذين القولين. وقيل: تموت الآباء وتحيا الأبناء. وقرأ زيد بن علي: ونحيا، بضم النون.{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ }: أي طول الزمان، لأن الآفات تستوي فيه كمالاتها هذا إن كان قائلو هذا معترفين بالله،فنسبوا الآفات إلى الدهر بجهلهم أنها مقدرة من عند الله، وإن كانوا لا يعرفون الله ولا يقرون به، وهم الدهرية،فنسبوا ذلك إلى الدهر. وقرأ عبد الله: إلا دهر، وتأويله: إلا دهر يمر. كانوا يضيفون كل حادثة إلى الدهر، وأشعارهمناطقة بشكوى الدهر، حتى يوجد ذلك في أشعار المسلمين. قال ابن دريد في مقصورته:

يا دهر إن لم تك عتبي فاتئد     فإن اروادك والعتبي سواء

و{مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ }، ليست حجة حقيقة، أي حجتهم عندهم، أو لأنهم أدلوابها، كما يدلي المحتج بحجته، وساقوها مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم؛ أو لأنه في نحو قولهم:

تحيـة بينـهـم ضـرب وجيـع    

أي:ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد نفي أن يكون لهم حجة البتة. وقرأ الجمهور: حجتهم بالنصب؛ والحسن، وعمروبن عبيد، وزيد بن علي، وعبيد بن عمير، وابن عامر، فيما روى عنه عبد الحميد، وعاصم، فيما روى هارون وحسين،عن أبي بكر عنه: حجتهم، أي ما تكون حجتهم، لأن إذا للاستقبال، وخالفت أدوات الشرط بأن جوابها إذا كان منفياًبما، لم تدخل الفاء، بخلاف أدوات الشرط، فلا بد من الفاء. تقول: إن تزرنا فما جفوتنا، أي فما تجفونا. وفيكون الجواب منفياً بما، دليل على ما اخترناه من أن جواب إذا لا يعمل فيها، لأن ما بعد ما النافيةلا يعمل فيما قبلها. {ٱئْتُواْ }: يظهر أنه خطاب للرسول والمؤمنين، إذ هم قائلون بمقالته، أو هو خطاب لهولمن جاء بالبعث، وهم الأنبياء، وغلب الخطاب على الغيبة. وقال ابن عطية: إئتوا، من حيث المخاطبة له؛ والمراد: هو وإلههوالملك الوسيط الذي ذكره هو لهم؛ فجاء من ذلك جملة قيل لها إئتوا وإن كنتم. انتهى. ولما اعترفوا بأنهم مايهلكهم إلا الدهر، وأنهم استدلوا على إنكار البعث بما لا دليل لهم فيه من سؤال إحياء آبائهم، ردّ الله تعالىعليهم بأنه تعالى هو المحيـي، وهو المميت لا الدهر، وضم إلى ذلك آية جامعة للحساب يوم البعث، وهذا واجب الاعترافبه إن أنصفوا، ومن قدر على هذا قدر على الإتيان بآبائهم. {وَللَّهِ مُلْكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * وَيَوْمَ تَقُومُٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ * وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ * إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْفِى رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ *وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً }.العامل في {وَيَوْمَ تَقُومُ }: يخسر، و{يَوْمَئِذٍ }: بدل من يوم، قاله الزمخشري، وحكاه ابن عطية عن فرقة. والتنوينفي يومئذ تنوين العوض عن جملة، ولم تتقدم جملة إلا قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ }، فيصير التقدير: ويوم تقوم يومإذ تقوم إذ تقوم الساعة يخسر؛ ولا مزيد فائدة في قوله: يوم إذ تقوم الساعة، لأن ذلك مستفاد من ويومتقوم الساعة. فإن كان بدلاً توكيدياً، وهو قليل، جاز ذلك، وإلا فلا يجوز أن يكون بدلاً. وقالت فرقة العامل: فيويوم تقوم ما يدل عليه الملك، قالوا: وذلك أن يوم القيامة حال ثالثة ليست بالسماء ولا بالأرض، لأن ذلك يتبدل،فكأنه قال: {وَللَّهِ مُلْكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }، والملك يوم القيامة، فحذفه لدلالة ما قبله عليه؛ ويومئذ منصوب بيخسر، وهيجملة فيها استئناف، وإن كان لها تعلق بما قبلها من جهة تنوين العوض. و{ٱلْمُبْطِلُونَ }: الداخلون في الباطل. {جَاثِيَةً }:باركة على الركب مستوفرة، وهي هيئة المذنب الخائف. وقرىء: جاذية، بالذال؛ والجذو أشد استيفازاً من الجثو، لأن الجاذي هو الذييجلس على أطراف أصابعه. وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة. وعن قتادة: جماعات، من الجثوة: وهي الجماعة، يجمع على جثى، قالالشاعر:

ترى جثوتين من تراب عليهما     صفائح صم من صفيح منضد

وعن مورج السدوسي: جاثية: خاضعة، بلغة قريش.وعن عكرمة: جاثية: متميزة. وقرأ يعقوب: {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ }، بنصب كل أمة على البدل، بدل النكرة الموصوفة من النكرة؛والظاهر عموم كل أمة من مؤمن وكافر. قال الضحاك: وذلك عند الحساب. وقال يحيى بن سلام: ذلك خاص بالكفار، تدعىإلى كتابها المنزل عليها، فتحاكم إليه، هل وافقته أو خالفته؟ أو الذي كتبته الحفظة، وهو صحائف أعمالها، أو اللوح المحفوظ،أو المعنى إلى ما يسبق لها فيه، أي إلى حسابها، أقوال. وأفراد كتابها اكتفاء باسم الجنس لقوله:

{ وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ }

،{ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ }، {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا }، هو الذي دعيت إليه كل أمة، وصحت إضافته إليه تعالى لأنه مالكه والآمر بكتبهوإليهم، لأن أعمالهم مثبتة فيه. والإضافة تكون بأدنى ملابسة، فلذلك صحت إضافته إليهم وإليه تعالى. {يَنطِقُ عَلَيْكُم }: يشهدبالحق من غير زيادة ولا نقصان. {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ }: أي الملائكة، أي نجعلها تنسخ، أي تكتب. وحقيقة النسخ نقلخط من أصل ينظم فيه، فأعمال العباد كأنها الأصل. وقال الحسن: هو كتب الحفظة على بني آدم. وعن ابن عباس:يجعل الله الحفظة تنسخ من اللوح المحفوظ كل ما يفعل العباد، ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد على نحو ذلك،فبعيد أيضاً، فذلك هو الاستنساخ. وكان يقول ابن عباس: ألستم عرباً؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟ ثم بين حالالمؤمن بأنه يدخله في رحمته، وهو الثواب الذي أعد له، وأن ذلك هو الظفر بالبغية؛ وبين الكافر بأنه يوبخ ويقالله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِى } عن اتباعها والإيمان بها وكنتم أصحاب جرائم؟ والفاء في: أفلم ينوي بهاالتقديم؛ وإنما قدمت الهمزة لأن الاستفهام له صدراً الكلام، والتقدير: فيقال له ألم. وقال الزمخشري: والمعنى ألم يأتكم رسلي؟ فلمتكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه. انتهى. وقد تقدم الكلام معه في زعمه أن بين الفاء والواو، إذا تقدمهاهمزة الاستفهام معطوفاً عليه محذوفاً، ورددنا عليه ذلك. وقرأ الأعرج وعمرو بن فائد: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ }،بفتح الهمزة، وذلك على لغة سليم؛ والجمهور: إن بكسرها. وقرأ الجمهور: {وَٱلسَّاعَةُ }بالرفع على الابتداء، ومن زعم أن لاسم إنموضعاً جوز العطف عليه هنا، أو زعم أن لأن واسمها موضعاً جوز العطف عليه، وبالعطف على الموضع لأن واسمها هنا.قال أبو علي: ذكره في الحجة، وتبعه الزمخشري فقال: وبالرفع عطفاً على محل إن واسمها، والصحيح المنع؛ وحمزة: بالنصب عطفاًعلى الله، وهي مروية عن الأعمش، وأبي عمرو، وعيسى، وأبي حيوة، والعبسي، والمفضل. {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً }، تقول: ضربتضرباً، فإن نفيت، لم تدخل إلا، إذ لا يفرغ بالمصدر المؤكد، فلا تقول: ما ضربت إلا ضرباً، ولا ما قمتإلا قياماً. فأما الآية، فتأول على حذف وصف المصدر حتى يصير مختصاً لا مؤكداً، وتقديره: إلا ظناً ضعيفاً، أو علىتضمين نظن معنى نعتقد، ويكون ظناً مفعولاً به. وقد تأول ذلك بعضهم على وضع إلا في غير موضعها، وقال: التقديرإن نحن إلا نظن ظناً. وحكى هذا عن المبرد، ونظيره ما حكاه أبو عمرو بن العلاء وسيبويه من قول العرب:

لـيس الــطيب إلا الــمسك    

قال المبرد: ليس إلا الطيب المسك. انتهى. واحتاج إلى هذا التقدير كون المسك مرفوعاً بعد إلاوأنت إذا قلت: ما كان زيد إلا فاضلاً نصبت، فلما وقع بعد إلا ما يظهر أنه خبر ليس، احتاج أنيزحزح إلا عن موضعها، ويجعل في ليس ضمير الشأن، ويرفع إلا الطيب المسك على الابتداء والخبر، فيصير كالملفوظ به، فينحو: ما كان إلا زيد قائم. ولم يعرف المبرد أن ليس في مثل هذا التركيب عاملتها بنو تميم معاملة ما،فلم يعملوها إلا باقية مكانها، وليس غير عامله. وليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب في نحو ليس الطيب إلاالمسك، ولا تميمي إلا وهو يرفع. في ذلك حكاية جرت بين عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، ذكرناها فيماكتبناه من علم النحو. ونظير {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } قول الأعشى:

وجدّ به الشيب أثقاله     وما اغتره الشيب إلا اغتراراً

أي اغتراراً بيناً. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً }؟ قلت؛أصله نظن ظناً، ومعناه إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزيد نفى ما سوى الظن توكيداً بقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}. انتهى. وهذا الكلام ممن لا شعور له بالقاعدة النحوية، من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل ومفعولوغيره، إلا المصدر المؤكد فإنه لا يكون فيه. وقدّره بعضهم: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً، قال: وإنما احتيج إلىهذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، فاهتدى إلى هذه القاعدة النحوية، وأخطأ في التخريج، وهومحكي عن المبرد، ولعله لا يصح. وقولهم: إن نظن، دليل على أن الكفار قد أخبروا بأنهم ظنوا البعث واقعاً، ودلقولهم قبل قوله: { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } ، على أنهم منكرون البعث، فهم، والله أعلم، فرقتان، أو اضطربوا، فتارةأنكروا، وتارة ظنوا، وقالوا: {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } على سبيل الهزء. {وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَـٰتُ مَا عَمِلُواْ }: أيقبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات؛ وأطلق على العقوبة سيئة، كما قال: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } . {وَحَاقَ بِهِم }أي أحاط، ولا يستعمل حاق إلا في المكروه. {نَنسَاكُمْ }: نترككم في العذاب، أو نجعلكم كالشيء المنسي الملقى غير المبالىبهم. {كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ }: أي لقاء جزاء الله على أعمالكم، ولم تخطروه على بال بعد ما ذكرتم بهوتقدم إليكم بوقوعه. وأضاف اللقاء لليوم توسعاً كقوله: { بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } . وقرأ الجمهور: {لاَ يَخْرُجُونَ }، مبنياً للمفعول؛والحسن، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي: مبنياً للفاعل. {مِنْهَا }: أي من النار. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي بطلب مراجعة إلىعمل صالح. وتقدم الكلام في الاستعتاب. وقرأ الجمهور: {رَبّ }، بالجر في الثلاثة على الصفة، وابن محيصن: بالرفع فيهما على إضمار هو.