تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الانفطار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ } * { وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } * { وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ } * { وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } * { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } * { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ } * { ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } * { فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ } * { كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ } * { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } * { كِرَاماً كَاتِبِينَ } * { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } * { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } * { وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } * { يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ } * { وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } * { ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } * { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } {بعثرت المتاع: قلبته ظهراً لبطن، وبعثرت الحوض وبحثرته: هدمته وجعلت أعلاه أسفله.{إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ما قدمت وأخرت، يا أيها الإنسانما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، كلا بل تكذبون بالدين، وإن عليكملحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون، إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنهابغائبين، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدريك ما يوم الدين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذلله}. هذه السورة مكية. وانفطارها تقدم الكلام فيه، وانتثار الكواكب: سقوطها من مواضعها كالنظام. وقرأ الجمهور: {فُجّرَتْ } بتشديدالجيم؛ ومجاهد والربيع بن خيثم والزعفراني والثوري: بخفها، وتفجيرها من امتلائها، فتفجر من أعلاها وتفيض على ما يليها، أو منأسفلها فيذهب الله ماءها حيث أراد. وعن مجاهد: فجرت مبنياً للفاعل مخففاً بمعنى: بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله تعالى: { لاَّ يَبْغِيَانِ } ، لأن البغي والفجر متقابلان. {بُعْثِرَتْ }، قال ابن عباس: بحثت. وقال السدي: أثيرت لبعث الأموات. وقال الفراء:أخرج ما في بطنها من الذهب والفضة. وقال الزمخشري: بعثر وبحثر بمعنى واحد، وهما مركبان من البعث والبحث مع راءمضمومة إليهما، والمعنى: بحثت وأخرج موتاها. وقيل: لبراءة المبعثرة، لأنها بعثرت أسرار المنافقين. انتهى. فظاهر قوله أنهما مركبان أن مادتهماما ذكر، وأن الراء ضمت إلى هذه المادة، والأمر ليس كما يقتضيه كلامه، لأن الراء ليست من حروف الزيادة، بلهما مادتان مختلفتان وإن اتفقا من حيث المعنى. وأما أن إحداهما مركبة من كذا فلا، ونظيره قولهم: دمث ودمثر وسبوسبطر. {مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ }: تقدم الكلام على شبهه في سورة القيامة. وقرأ الجمهور: {مَا غَرَّكَ }، فما استفهامية.وقرأ ابن جبير والأعمش: ما أغرك بهمز، فاحتمل أن يكون تعجباً، واحتمل أن تكون ما استفهامية، وأغرك بمعنى أدخلك فيالغر. وقال الزمخشري: من قولك غر الرجل فهو غار، إذا غفل من قولك بينهم العدو وهم غارون، وأغرة غيره: جعلهغاراً. انتهى. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قرأ: {مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ }، فقال: جهله وقاله عمر رضي الله تعالىعنه وقرأ أنه كان ظلوماً جهولاً، وهذا يترتب في الكافر والعاصي. وقال قتادة: عدوه المسلط عليه، وقيل: ستر الله عليه.وقيل: كرم الله ولطفه يلقن هذا الجواب، فهذا لطف بالعاصي المؤمن. وقيل: عفوه عنه إن لم يعاقبه أول مرة. وقالالفضيل رضي الله عنه: ستره المرخى. وقال ابن السماك:

يا كاتم الذنب أما تستحي     والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله

وقال الزمخشري: في جواب الفضيل، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ. بالاغترار: بالستر، وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظن به قصاصالحشوية، ويروون عن أئمتهم إنما قال: {بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرني كونه الكريم.انتهى. وهو عادته في الطعن على أهل السنة. {فَسَوَّاكَ }: جعلك سوياً في أعضائك، {فَعَدَلَكَ }: صيرك معتدلاً متناسب الخلقمن غير تفاوت. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وطلحة والأعمش وعيسى وأبو جعفر والكوفيون: بخف الدال؛ وباقي السبعة: بشدها. وقراءةالتخفيف إما أن تكون كقراءة التشديد، أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، وإما أن يكون معناه فصرفك. يقال: عدلهعن الطريق: أي عدلك عن خلقة غيرك إلى خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات. والظاهرأن قوله:. {مَا يُجَـٰدِلُ * صُورَةٍ } يتعلق بربك، أي وضعك في صورة اقتضتها مشيئة من حسن وطول وذكورة،وشبه ببعض الأقارب أو مقابل ذلك. وما زائدة، وشاء في موضع الصفة لصورة، ولم يعطف {رَكَّبَكَ } بالفاء كالذي قبله،لأنه بيان لعدلك، وكون في أي صورة متعلقاً بربك هو قول الجمهور. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي ركبك حاصلاً في بعضالصور. وقال بعض المتأولين: إنه يتعلق بقوله: {فَعَدَلَكَ }، أي: لك في صورة، أي صورة؛ وأي تقتضي التعجيب والتعظيم، فلميجعلك في صورة خنزير أو حمار؛ وعلى هذا تكون ما منصوبة بشاء، كأنه قال: أي تركيب حسن شاء ركبك، والتركيب:التأليف وجمع شيء إلى شيء. وأدغم خارجة عن نافع ركبك كلا، كأبي عمرو في إدغامه الكبير. وكلا: ردع وزجر لمادل عليه ما قبله من اغترارهم بالله تعالى، أو لما دل عليه ما بعد كلا من تكذيبهم بيوم الجزاء والدينأو شريعة الإسلام. وقرأ الجمهور: {بَلْ تُكَذّبُونَ } بالتاء، خطاباً للكفار؛ والحسن وأبو جعفر وشيبة وأبو بشر: بياء الغيبة.{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ }: استئناف إخبار، أي عليهم من يحفظ أعمالهم ويضبطها. ويظهر أنها جملة حالية، والواو واو الحال، أيتكذبون بيوم الجزاء. والكاتبون: الحفظة يضبطون أعمالكم لأن تجازوا عليها، وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء. وقرأ الجمهور:{يَصْلَوْنَهَا }، مضارع صلى مخففاً؛ وابن مقسم: مشدّداً مبنياً للمفعول. {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }، فيكتبون ما تعلق به الجزاء. قالالحسن: يعلمون ما ظهر دون حديث النفس. وقال سفيان: إذا هم العبد بالحسنة أو السيئة، وجد الكاتبان ريحها. وقال الحسينبن الفضل: حيث قال يعلمون ولم يقل يكتبون دل على أنه لا يكتب الجميع فيخرج عنه السهو والخطأ وما لاتبعة فيه. {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ }: أي عن الجحيم، أي لا يمكنهم الغيبة، كقوله: { وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } . وقيل: إنهم مشاهدوها في البرزخ. لما أخبر عن صلبهم يوم القيامة، أخبر بانتفاء غيبتهم عنها قبل الصلي، أي يرونمقاعدهم من النار. {وَمَا أَدْرَاكَ }: تعظيم لهول ذلك اليوم. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب وابن كثيروأبو عمرو: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } برفع الميم، أي هو يوم، وأجاز الزمخشري فيه أن يكون بدلاً مما قبله. وقرأمحبوب عن أبي عمرو: يوم لا تملك على التنكير منوناً مرفوعاً فكه عن الإضافة وارتفاعه على هو يوم، ولا تملكجملة في موضع الصفة، والعائد محذوف، أي لا تملك فيه. وقرأ زيد بن علي والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج وباقيالسبعة: يوم بالفتح على الظرف، فعند البصريين هي حركة إعراب، وعند الكوفيين يجوز أن تكون حركة بناء، وهو على التقديرينفي موضع رفع خبر المحذوف تقديره: الجزاء يوم لا تملك، أو في موضع نصب على الظرف، أي يدانون يوم لاتملك، أو على أنه مفعول به، أي اذكر يوم لا تملك. ويجوز على رأي من يجيز بناءه أن يكون فيموضع رفع خبر المبتدأ محذوف تقديره: هو. {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً }: عام كقوله: { فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً } . وقال مقاتل: لنفس كافرة شيئاً من المنفعة. {وَٱلاْمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }، قال قتادة: وكذلك هواليوم، لكنه هناك لا يدعي أحد منازعة، ولا يمكن هو أحداً مما كان ملكه في الدنيا.