تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الانشقاق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ } * { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } * { وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } * { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } * { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } * { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } * { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } * { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } * { وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } * { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ } * { فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً } * { وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } * { إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } * { إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } * { بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } * { فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ } * { وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } * { وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } * { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } * { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } * { وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ } * { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ } * { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } * { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } الكدح: جهد النفس في العمل حتى يؤثر فيها، من كدح جلده إذا خدشه،قال ابن مقيل:

وما الدهر إلا تارتان فمنهما     أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

وقالآخر:

ومضت بشاشة كل عيش صالح     وبقيت أكدح للحياة وأنصب

حار: رجع، قال الشاعر:

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه     يحور رماداً بعد إذ هو ساطع

الشفق: الحمرة بعدمغيب الشمس حين تأتي صلاة العشاء الآخرة. قيل: أصله من رقة الشيء، يقال شيء شفق: أي لا يتماسك لرقته، ومنهأشفق عليه: رق قلبه، والشفقة: الاسم من الشفاق، وكذلك الشفق. قال الشاعر:

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا     والموت أكرم نزال على الحرم

وسق: ضم وجمع، ومنه الوسق: الأصواع المجموعة، وهي ستون صاعاً، وطعام موسوق:أي مجموع، وإبل مستوسقة، قال الشاعر:

أن لنا قلائصاً حقائقا     مستوسقات لو يجدن سائقا

اتسق، قال الفراء: اتساق القمر: امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر، وهو افتعال من الوسق الذي هو الجمع، يقال: وسقته.فاتسق، ويقال: أمر فلان متسق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. طبقاً عن طبق: حال بعد حال، والطبق: ما طابق غيره،وأطباق الثرى: ما تطابق منه، ومنه قيل للغطاء الطبق. قال الأعرج بن حابس:

إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره     وساقني طبق منه إلى طبق

وقال امرؤ القيس:

ديمة هطلاء فيها وطف     طبق للأرض تجري وتذر

{إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا ٱلاْرْضُ مُدَّتْ* وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ * وَحُقَّتْ * يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلَـٰقِيهِ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَكِتَـٰبَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَىٰ سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنلَّن يَحُورَ * بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً * فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ * وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَٱلْقَمَرِ إِذَاٱتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ * فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىء عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءانُ لاَ يَسْجُدُونَ * بَلِٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذّبُونَ * وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌغَيْرُ مَمْنُونٍ }. هذه السورة مكية، واتصالها بما قبلها ظاهر. قال ابن عباس: انشقت تنشق: أي تتصدع بالغمام، وقالهالفراء والزجاج. وقيل: تنشق لهول يوم القيامة، كقوله: { وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } . وقرأ الجمهور: بسكون تاء انشقت ومابعدها وصلاً ووقفاً. وقرأ عبيد بن عقيل، عن أبي عمرو: بإشمام الكسر وقفاً بعدما لم تختلف في الوصل إسكاناً. قالصاحب اللوامح: فهذا من التغييرات التي تلحق الروي في القوافي، وفي هذا الإشمام بيان أن هذه التاء من علامة ترتيبالفعل للإناث، وليست مما تنقلب في الأسماء، فصار ذلك فارقاً بين الاسم والفعل فيمن وقف على ما في الأسماء بالتاء،وذلك لغة طيـىء؛ وقد حمل في المصاحف بعض التاءات على ذلك، انتهى. وقال ابن خالويه: إذا السماء انشقت بكسر التاء،عبيد عن أبي عمرو. وقال ابن عطية، وقرأ أبو عمرو: {وَٱنشَقَّتِ }، يقف على التاء كأنه يشمها شيئاً من الجر،وكذلك في أخواتها. قال أبو حاتم: سمعت أعرابياً فصيحاً في بلاد قيس يكسر هذه التاءات، وهي لغة. انتهى. وذلك أنالفواصل قد تجري مجرى القوافي. فكما أن هذه التاء تكسر في القوافي، تكسر في الفواصل؛ ومثال كسرها في القوافي قولكثير عزة:

وما أنا بالداعي لعزة بالردى     ولا شامت أن نعل عزة زلت

وكذلكباقي القصيدة. وإجراء الفواصل في الوقف مجرى القوافي مهيع معروف، كقوله تعالى: { ٱلظُّنُونَاْ } ، و { ٱلرَّسُولاَ } في سورة الأحزاب. وحملالوصف على حالة الوقف أيضاً موجود في الفواصل. {وَأَذِنَتْ }: أي استمعت وسمعت أمره ونهيه، وفي الحديث: ما أذن الله بشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن . وقال الشاعر:

صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به     وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

وقال قعنب:

إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا     وما هم أذنوا من صالح دفنوا

وقال الحجاف بن حكيم:

أذنت لكـم لمـا سمعت هريركـم    

وأذنها: انقيادها الله تعالى حين أراد انشقاقها،فعل المطيع إذا ورد عليه أمر المطاع أنصت وانقاد، كقوله تعالى: { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } . {وَحُقَّتْ }، قال ابن عباسومجاهد وابن جبير: وحق لها أن تسمع. وقال الضحاك: أطاعت وحق لها أن تطيع. وقال قتادة: وحق لها أن تفعلذلك، وهذا الفعل مبني للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، أي وحق الله تعالى عليها الاستماع. ويقال: فلان محقوق بكذا وحقيقبكذا، والمعنى: أنه لم يكن في جرم السماء ما يمنع من تأثير القدرة في انشقاقه وتفريق أجزائه وإعدامه. قيل: ويحتملأن يريد: وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى. وقال الزمخشري: وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، ومعناه:الإيذان بأن القادر الذات يجب أن يتأتى له كل مقدور ويحق ذلك، انتهى. وفي قوله القادر الذات دسيسة الاعتزال، وماأولع هذا الرجل بمذهب الاعتزال، يدسه متى أمكنه في كل ما يتكلم به. {وَإِذَا ٱلاْرْضُ مُدَّتْ }، قال مجاهد:سويت. وقال الضحاك: بسطت باندكاك جبالها، ومنه الحديث:(تمد الأرض مد الأديم العكاظي حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضعقدمه )،وذلك أن الأديم إذا مَّد زال ما فيه ما تئن وانبسط، فتصير الأرض إذ ذاك كما قال تعالى: { فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } . {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ }، قال ابن جبير والجمهور: ألقتما في بطنها من الأموات، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء. وقيل: تخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها. وقالالزجاج: ومن الكنوز، وضعف هذا بأن ذلك يكون وقت خروج الدجال، وإنما تلقى يوم القيامة الموتى. {وَتَخَلَّتْ }: أي عنما كان فيها، لم تتمسك منهم بشيء. وجاء تخلت: أي تكلفت أقصى جهدها في الخلو. كما تقول: تكرم الكريم: بلغجهده في الكرم وتكلف فوق ما في طبعه، ونسبة ذلك إلى الأرض نسبة مجازيه، والله تعالى هو الذي أخرج تلكالأشياء من باطنها. وجواب إذا محذوف، فإما أن يقدره الذي خرج به في سورة التكوير أو الانفطار، أو ما يدلعليه: {إِنَّكَ كَادِحٌ }، أي لاقى كل إنسان كدحه. وقال الأخفش والمبرد: هو ملاقيه، إذا انشقت السماء فأنت ملاقيه. وقيل:{ٱلْقُرْءانَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ }، على حذف الفاء تقديره: فيا أيها الإنسان. وقيل: {وَأَذِنَتْ } على زيادة الواو؛ وعن الأخفش: {إِذَاٱلسَّمَاء } مبتدأ، خبره {وَإِذَا ٱلاْرْضُ } على زيادة الواو، والعامل فيها على قول الأكثرين: الجواب إما المحذوف الذي قدروه،وإما الظاهر الذي قيل إنه جواب. قال ابن عطية: وقال بعض النحويين: العامل انشقت، وأبى ذلك كثير من أئمتهم، لأنإذا مضافة إلى انشقت، ومن يجيز ذلك تضعف عنده الإضافة ويقوى معنى الجزاء، انتهى. وهذا القول نحن نختاره، وقد استدللناعلى صحته فيما كتبناه، والتقدير: وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض. وقيل: لا جواب لها إذ هي قد نصبت باذكرنصب المفعول به، فليست شرطاً. {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا }: أي في إلقاء ما في بطنها وتخليها. والإنسان: يراد به الجنس،والتقسيم بعد ذلك يدل عليه. وقال مقاتل: المراد به الأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، جادل أخاه أبا سلمةفي أمر البعث، فقال أبو سلمة: والذي خلقك لتركبن الطبقة ولتوافين العقبة. فقال الأسود فأين: الأرض والسماء وما جال الناس؟انتهى. وكان مقاتلاً يريد أنها نزلت في الأسود، وهي تعم الجنس. وقيل: المراد أبيّ بن خلف، كان يكدح في طلبالدنيا وإيذاء الرسول ﷺ والإصرار على الكفر. وأبعد من ذهب إلى أنه الرسول ﷺ،والمعنى: إنك تكدح في إبلاغ رسالات الله تعالى وإرشاد عباده واحتمال الضر من الكفار، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل،وهو غير ضائع عنده. {إِنَّكَ كَادِحٌ }: أي جاهد في عملك من خير وشر إلى ربك، أي طول حياتكإلى لقاء ربك، وهو أجل موتك، {فَمُلَـٰقِيهِ }: أي جزاء كدحك من ثواب وعقاب. قال ابن عطية: فالفاء على هذاعاطفة جملة الكلام على التي قبلها، والتقدير: فأنت ملاقيه، ولا يتعين ما قاله، بل يصح أن يكون معطوفاً على كادحعطف المفردات. وقال الجمهور: الضمير في ملاقيه عائد على ربك، أي فملاقي جزائه، فاسم الفاعل معطوف على اسم الفاعل. {حِسَاباًيَسِيراً } قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يقرر ذنوبه ثم يتجاوز عنه. وقال الحسن: يجازي بالحسنة ويتجاوز عن السيئة.وفي الحديث: من حوسب عذب ، فقالت عائشة: ألم يقل الله تعالى {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما ذلك العرض، وأما من نوقش الحساب فيهلك . {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ }: أي إلى من أعد الله له فيالجنة من نساء المؤمنات ومن الحور العين، أو إلى عشيرته المؤمنين، فيخبرهم بخلاصه وسلامته، أو إلى المؤمنين، إذ هم كلهمأهل إيمان. وقرأ زيد بن علي: ويقلب مضارع قلب مبنياً للمفعول. {وَرَاء ظَهْرِهِ }: روي أن شماله تدخل منصدره حتى تخرج من وراء ظهره، فيأخذ كتابه بها. قال ابن عطية: وأما من ينفذ عليه الوعيد من عصاتهم، يعنيعصاة المؤمنين، فإنه يعطى كتابه عند خروجه من النار. وقد جوز قوم أن يعطاه أولاً قبل دخوله النار، وهذه الآيةترد على هذا القول، انتهى. والظاهر من الآية أن الإنسان انقسم إلى هذين القسمين ولم يتعرض للعصاة الذين يدخلهم اللهالنار. {يَدْعُو ثُبُوراً }: يقول: واثبوراه، والثبور: الهلاك، وهو جامع لأنواع المكاره. وقرأ قتادة وأبو جعفر وعيسى وطلحة والأعمش وعاصموأبو عمرو وحمزة: {وَيَصْلَىٰ } بفتح الياء مبنياً للفاعل؛ وباقي السبعة وعمر بن عبد العزيز وأبو الشعثاء والحسن والأعرج: بضمالياء وفتح الصاد واللام مشددة؛ وأبو الأشهب وخارجة عن نافع، وأبان عن عاصم، وعيسى أيضاً والعتكي وجماعة عن أبي عمرو:بضم الياء ساكن الصاد مخفف اللام، بني للمفعول من المتعدي بالهمزة، كما بني ويصلى المشدد للمفعول من المتعدي بالتضعيف.{إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً }: أي فرحاً بطراً مترفاً لا يعرف الله ولا يفكر في عاقبته لقوله تعالى: { لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } ، بخلاف المؤمن، فإنه حزين مكتئب يتفكر في الآخرة. {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ}: أي أن لن يرجع إلى الله، وهذا تكذيب بالبعث. {بَلَىٰ }: إيجاب بعد النفي، أي بلى ليحورن. {إِنَّ رَبَّهُكَانَ بِهِ بَصِيراً }: أي لا تخفي عليه أفعاله، فلا بد من حوره ومجازاته. {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ }: أقسمتعالى بمخلوقاته تشريفاً لها وتعريضاً للاعتبار بها، والشفق تقدم شرحه. وقال أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة: هوالبياض الذي يتلوه الحمرة. وروى أسد بن عمرو أن أبا حنيفة رجع عن قوله هذا إلى قول الجمهور. وقال مجاهدوالضحاك وابن أبي نجيح: إن الشفق هنا كأنه لما عطف عليه الليل قال ذلك. قال ابن عطية: وهذا قول ضعيف،انتهى. وعن مجاهد: هو الشمس؛ وعن عكرمة: ما بقي من النهار. {وَمَا وَسَقَ }: ما ضم من الحيوان وغيره، إذجميع ذلك ينضم ويسكن في ظلمة الليل. وقال ابن عباس: {وَمَا وَسَقَ }: أي ما غطى عليه من الظلمة. وقالمجاهد: وما ضم من خير وشر. وقال ابن جبير: وما ساق وحمل. وقال ابن بحر: وما عمل فيه، ومنه قولالشاعر:

فيوماً ترانا صالحين وتارة     تقوم بنا كالواسق المتلبب

وقال ابن الفضل:لف كل أحد إلى الله، أي سكن الخلق إليه ورجع كل إلى ما رآه لقوله: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ }. وقرأ عمربن عبد الله وابن عباس ومجاهد والأسود وابن جبير ومسروق والشعبي وأبو العالية وابن وثاب وطلحة وعيسى والأخوان وابن كثير:بتاء الخطاب وفتح الباء. فقيل: خطاب للرسول ﷺ، أي حالاً بعد حال من معالجة الكفار. وقال ابنعباس: سماء بعد سماء في الإسراء. وقيل: عدة بالنصر، أي لتركبن أمر العرب قبيلاً بعد قبيل وفتحاً بعد فتح كماكان ووجد بعد ذلك. وقال الزمخشري: وقرىء {لَتَرْكَبُنَّ } على خطاب الإنسان {فِى * ٱلْقُرْءانَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ }. وقالابن مسعود المعنى: لتركبن السماء في أهوال القيامة حالاً بعد حال، تكون كالمهل وكالدهان وتنفطر وتنشق، فالتاء للتأنيث، وهو إخبارعن السماء بما يحدث لها، والضمير الفاعل عائد على السماء. وقرأ عمر وابن عباس أيضاً: بالياء من أسفل وفتح الباءعلى ذكر الغائب. قال ابن عباس: يعني نبيكم ﷺ. وقيل: الضمير الغائب يعود على القمر، لأنه يتغيرأحوالاً من إسرار واستهلال وإبدار. وقال الزمخشري: ليركبن الإنسان. وقرأ عمر وابن عباس أيضاً وأبو جعفر والحسن وابن جبير وقتادةوالأعمش وباقي السبعة: بتاء الخطاب وضم الباء، أي لتركبن أيها الإنسان. وقال الزمخشري: ولتركبن بالضم على خطاب الجنس، لأن النداءللجنس، فالمعنى: لتركبن الشدائد: الموت والبعث والحساب حالاً بعد حال، أو يكون الأحوال من النطفة إلى الهرم، كما تقول: طبقةبعد طبقة. قال نحوه عكرمة. وقيل: عن تجىء بمعنى بعد. وقيل: المعنى لتركبن هذه الأحوال أمة بعد أمة. ومنه قولالعباس بن عبد المطلب في رسول الله ﷺ:

وأنت لما ولدت أشرقت الأر     ض وضاءت بنورك الأفق تنقل من صالب إلى رحم

وقال مكحول وأبو عبيدة: المعنى لتركبن سنن من قبلكم. وقال ابن زيد: المعنى لتركبن الآخرة بعد الأولى. وقرأ عمرأيضاً: ليركبن بياء الغيبة وضم الباء. قيل: أراد به الكفار لا بيان توبيخهم بعده، أي يركبون حالاً بعد أخرى منالمذلة والهوان في الدنيا والآخرة. وقرأ ابن مسعود وابن عباس: لتركبن بكسر التاء، وهي لغة تميم. قيل: والخطاب للرسول صلىالله عليه وسلم، وقرىء بالتاء وكسر الباء على خطاب النفس، وطبق الشيء مطابقة لأن كل حال مطابقة للأخرى في الشدة.ويجوز أن تكون اسم جنس، واحدة طبقة، وهي المرتبة من قولهم: هم على طبقات. و{عَن طَبقٍ } في موضع الصفةلقوله: {طَبَقاً }، أو في موضع الحال من الضمير في {لَتَرْكَبُنَّ }. وعن مكحول، كل عشرين عاماً تجدون أمراً لمتكونوا عليه. {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }: تعجب من انتفاء إيمانهم وقد وضحت الدلائل. {لاَ يَسْجُدُونَ }: لا يتواضعونويخضعون، قاله قتادة. وقال عكرمة: لا يباشرون بجباههم المصلى. وقال محمد بن كعب: لا يصلون. وقرأ الجمهور: {يَكْذِبُونَ } مشدداً؛والضحاك وابن أبي عبلة: مخففاً وبفتح الياء. {بِمَا يُوعُونَ }: بما بجمعون من الكفر والتكذيب، كأنهم يجعلونه في أوعية وعيتالعلم وأوعيت المتاع، قال نحوه ابن زيد. وقال ابن عباس: بما تضمرون من عداوة الرسول ﷺ والمؤمنين.وقال مجاهد: بما يكتمون من أفعالهم. وقرأ أبو رجاء: بما يعون، من وعى يعي. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }: أي سبقلهم في علمه أنهم يؤمنون. {غَيْرُ مَمْنُونٍ }: غير مقطوع. وقال ابن عباس: {مَمْنُونٍ }: معدد عليهم، محسوب منغص بالمن،وتقدم الكلام على ذلك في فصلت، والله الموفق.