تفسير البحر المحيط أبي حيان الغرناطي/سورة الأنبياء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

{ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } * { مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } * { لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } * { قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ } * { مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } * { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ } * { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ } * { لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ } * { فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ } * { لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } * { قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } * { فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ } * { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } * { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } * { بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } * { وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } * { يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } * { أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } * { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } * { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } * { أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } * { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } * { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } * { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } * { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } * { أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } * { وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } * { وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } * { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } * { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ } * { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } * { وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ } * { خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } * { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } * { بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } * { وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ } * { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ } * { بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } * { قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ } * { وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } * { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ }[عدل]

القصم: كسر الشيء الصلب حتى يبين تلاؤم أجزائه. الركض: ضرب الدابة بالرجل. خمدتالنار: طفئت. دمغة: أصاب دماغه، نحو كبده ورأسه أصاب كبده ورأسه. رتق الشيء: سده فارتتق ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج. فتق:فصل ما بين المتصلين. الفج: الطريق المتسع. السبح: العوم، كلأه: حفظه يكلؤه كلاءة. ويقال: اذهب في كلاءة الله واكتلأت منهاحترست. وقال ابن هرمة:

إن سليمى والله يكلؤها     ضنت بشيء ما كان يرزؤها

النفخة: الخطوة، ونفخله من عطاياه أجزأه نصيباً. قال الشاعر:

إذا ربدة من حيث ما نفخت له     إياه برياها خليل يواصله

الخردل: حب معروف. {ٱقْتَرَبَ * حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍمّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَٱلسّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ بَلِٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِـئَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ ٱلاْوَّلُونَ * مَا ءامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَاأَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ * فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ * لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْأَفَلاَ تَعْقِلُونَ }. هذه السورة مكية بلا خلاف، وعن عبد الله: الكهف، ومريم، وطه، والأنبياء من العتاق الأول، وهنمن تلادي أي من قديم ما حفظت وكسبت من القرآن كالمال التلاد. ومناسبة هذه السورة لما قبلها أنه لما ذكر

{ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ فَتَرَبَّصُواْ }

قال مشركو قريش: محمد يهددنا بالمعاد والجزاء على الأعمال وليس بصحيح، وإن صح ففيه بعدفأنزل الله تعالى {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ }، و{ٱقْتَرَبَ } افتعل بمعنى الفعل المجرد وهو قرب كما تقول: ارتقب ورقب. وقيل:هو أبلغ من قرب للزيادة التي في البناء. والناس مشركو مكة. وقيل: عام في منكري البعث، واقتراب الحساب اقتراب وقتهوالحساب في اللغة إخراج الكمية من مبلغ العدد، وقد يطلق على المحسوب وجعل ذلك اقتراباً لأن كل ما هو آتوإن طال وقت انتظاره قريب، وإنما البعيد هو الذي انقرض أو هو مقترب عند الله كقوله

{ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ }

أو باعتبار ما بقي من الدنيا فإنه أقصر وأقل مما مضى. وفي الحديث: بعثت أنا والساعة كهاتين . قال الشاعر:

فما زال من يهواه أقرب من غد     وما زال من يخشاه أبعد من أمس

و{لِلنَّاسِ } متعلق باقترب. وقال الزمخشري: هذه اللام لا تخلو من أن تكون صلة لاقترب، أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهمكما تقول أزف للحي رحيلهم، الأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي رحيلهم ونحوه ما أورده سيبويه في باب مايثني فيه المستقر توكيداً عليك زيد حريص عليك، وفيك زيد راغب فيك ومنه قولهم: لا أبا لك لأن اللام مؤكدةلمعنى الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأول انتهى يعني بقوله صلة أنها تتعلق باقترب، وأما جعله اللام تأكيداً لإضافة الحسابإليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم الظاهر فلا نعلم أحداً يقول ذلك، وأيضاً فيحتاج إلى ما يتعلق به ولايمكن تعلقها بحسابهم لأنه مصدر موصول ولا يتقدم معموله عليه، وأيضاً فالتوكيد يكون متأخراً عن المؤكد وأيضاً فلو أخر فيهذا التركيب لم يصح. وأما تشبيهه بما أورد سيبويه فالفرق واضح لأن عليك معمول لحريص، وعليك الثانية متأخرة توكيداً وكذلكفيك زيد راغب فيك يتعلق فيك براغب، وفيك الثانية توكيد، وإنما غره في ذلك صحة تركيب حساب الناس. وكذلك أزفرحيل الحي فاعتقد إذا تقدّم الظاهر مجروراً باللام وأضيف المصدر لضميره أنه من باب فيك زيد راغب فيك وليس مثله،وأمّا لا أبا لك فهي مسألة مشكلة وفيها خلاف، ويمكن أن يقال فيها ذلك لأن اللام جاورت الإضافة ولا يقاسعلى مثلها غيرها لشذوذها وخروجها عن الأقيسة، وقد أمعنّا الكلام عليها في شرح التسهيل والواو في {وَهُمْ } واو الحال.وأخبر عنهم بخبرين ظاهرهما التنافي لأن الغفلة عن الشيء والإعراض عنه متنافيان، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين أخبر عنهمأولاً أنهم لا يتفكرون في عاقبة بل هم غافلون عما يؤول إليه أمرهم. ثم أخبر عنهم ثانياً أنهم إذا نبهوامن سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك، والذكر هنا ما ينزل منالقرآن شيئاً بعد شيء. وقيل المراد بالذكر أقوال النبي ﷺ في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره ووصفه بالحدوثإذا كان القرآن لنزوله وقتاً بعد وقت. وسئل بعض الصحابة عن هذه الآية فقال محدث النزول محدث المقول. وقال الحسنبن الفضل: المراد بالذكر هنا النبيّ ﷺ بدليل {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } وقال:

{ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً }

وقد احتجت المعتزلة على حدوث القرآن بقوله {مُّحْدَثٍ } وهي مسألة يبحث فيها في علمالكلام. وقرأ الجمهور {مُّحْدَثٍ } بالجر صفة لذكر على اللفظ، وابن أبي عبلة بالرفع صفة لذكر على الموضع، وزيد بنعليّ بالنصب على الحال {مّن ذِكْرِ } إذ قد وصف بقوله {مّن رَّبّهِمُ } ويجوز أن يتعلق {مّن رَّبّهِمُ }بيأتيهم. و{ٱسْتَمَعُوهُ } جملة حالية وذو الحال المفعول في {مَا يَأْتِيهِمْ } {وَهُمْ يَلْعَبُونَ } جملة حالية من ضمير {ٱسْتَمَعُوهُ} و{لاَهِيَةً } حال من ضمير {يَلْعَبُونَ } أو من ضمير {ٱسْتَمَعُوهُ } فيكون حالاً بعد حال، واللاهية من قولالعرب لهي عنه إذا ذهل وغفل يلهى لهياً ولهياناً، أي وإن فطنوا لا يجدي ذلك لاستيلاء الغفلة والذهول وعدم التبصربقلوبهم. وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى {لاَهِيَةً } بالرفع على أنه خبر بعد خبر لقوله {وَهُمْ }. و{ٱلنَّجْوَىٰ }من التناجي ولا يكون إلا خفية فمعنى {وَأَسَرُّواْ } بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولايعلم أنهم متناجون. وقال أبو عبيد: {أَسَرُّواْ } هنا من الأضداد يحتمل أن يكون أخفوا كلامهم، ويحتمل أن يكون أظهروهومنه قول الفرزدق:

فلما رأى الحجاج جرد سيفه     أسر الحروري الذي كان أضمرا

وقال التبريزي: لايستعمل في الغالب إلاّ في الإخفاء، وإنما {أَسَرُّواْ } الحديث لأنه كان ذلك على طريق التشاور، وعادة المتشاورين كتمان سرهمعن أعدائهم، وأسروها ليقولوا للرسول ﷺ وللمؤمنين إن ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررناه وجوزوا في إعراب{ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } وجوهاً الرفع والنصب والجر، فالرفع على البدل من ضمير {وَأَسَرُّواْ } إشعاراً أنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيماأسروا به قاله المبرد، وعزاه ابن عطية إلى سيبويه أو على أنه فاعل، والواو في {أَسَرُّواْ } علامة للجمع علىلغة أكلوني البراغيث قاله أبو عبيدة والأخفش وغيرهما. قيل: وهي لغة شاذة. قيل: والصحيح أنها لغة حسنة، وهي من لغةأزدشنوءة وخرج عليه قوله

{ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ }

وقال شاعرهم:

يلومونني في اشتراءالنخيل أهلي وكلهم ألوم    

أو على أن {ٱلَّذِينَ } مبتدأ {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } خبره قاله الكسائي فقدّم عليه، والمعنى: وهؤلاء {أَسَرُّواْ *ٱلنَّجْوَىٰ } فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم أنه ظلم، أو على أنه فاعل بفعل القول وحذف أي يقول{ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } والقول كثيراً يضمر واختاره النحاس قال ويدل على صحة هذا أن بعده هل هذا إلا بشر مثلكم.وقيل التقدير أسرها الذين ظلموا. وقيل: {ٱلَّذِينَ } خبر مبتدأ محذوف، أي هم {ٱلَّذِينَ } والنصب على الذم قاله الزجاج،أو على إضمار أعني قاله بعضهم. والجر على أن يكون نعتاً للناس أو بدلاً في قوله {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ } قالهالفراء وهو أبعد الأقوال. {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } استفهام معناه التعجب أي كيف خص بالنبوة دونكم معمماثلته لكم في البشرية، وإنكارهم وتعجبهم من حيث كانوا يرون أن الله لا يرسل إلاّ ملكاً. و {أَفَتَأْتُونَ ٱلسّحْرَ }استفهام معناه التوبيخ و {ٱلسِّحْرُ } عنوا به ما ظهر على يديه من المعجزات التي أعظمها القرآن والذكر المتلو عليهم،أي أفتحضرون {ٱلسّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } أنه سحر وأن من أتى به هو {بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } فكيف تقبلون ما أتىبه وهو سحر، وكانوا يعتقدون أن الرسول من عند الله لا يكون إلا ملكاً وأن كل من ادعى الرسالة منالبشر وجاء بمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر، وهاتان الجملتان الاستفهاميتان الظاهر أنهما متعلقتان بقوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } وأنهما محكيتان بقولهللنجوى لأنه بمعنى القول الخفي، فهما في موضع نصب على المفعول بالنجوى. وقال الزمخشري: في محل النصب بدلاً من{ٱلنَّجْوَىٰ } أي {وَأَسَرُّواْ } هذا الحديث ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمراً انتهى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص والأعمش وطلحةوابن أبي ليلى وأيوب وخلف وابن سعدان وابن جبير الأنطاكي وابن جرير {قَالَ رَبّى } على معنى الخبر عن نبيهعليه الصلاة والسلام. وقرأ باقي السبعة قل على الأمر لنبيه ﷺ {يَعْلَمْ } أقوالكم هذه، وهو يجازيكمعليها و {ٱلْقَوْلِ } عام يشمل السر والجهر، فكان في الإخبار بعلمه القول علم السر وزيادة، وكان آكد في الاطلاععلى نجواهم من أن يقول يعلم سرهم. ثم بين ذلك بقوله {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } {ٱلسَّمِيعُ } لأقوالكم {ٱلْعَلِيمُ }بما انطوت عليه ضمائركم. ولما ذكر تعالى عنهم أنهم قالوا إن ما أتى به سحر ذكر اضطرابهم في مقالاتهمفذكر أنهم أضربوا عن نسبة السحر إليه و {قَالُواْ } ما يأتي به إنما هو {أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ } وتقدم تفسيرهافي سورة يوسف عليه السلام، ثم أضربوا عن هذا فقالوا {بَلِ ٱفْتَرَاهُ } أي اختلقه وليس من عند الله،ثم أضربواعن هذا فقالوا {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } وهكذا المبطل لا يثبت على قول بل يبقى متحيراً، وهذه الأقوال الظاهر أنهاصدرت من قائلين متفقين انتقلوا من قول إلى قول أو مختلفين قال كل منهم مقالة. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونتنزيلاً من الله لأقوالهم في درج الفساد، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني وكذلك الرابع منالثالث انتهى. وقال ابن عطية ثم حكى قول من قال إنه شاعر وهي مقالة فرقة عامّية لأن بنات الشعر منالعرب لم يخف عليهم بالبديهة، وإن مباني القرآن ليست مباني شعر. وقال أبو عبد الله الرازي: حكى الله عنهم هذهالأقوال الخمسة وترتيب كلامهم أن كونه بشراً مانع من كونه رسولاً لله سلمنا أنه غير مانع، ولكن لا نسلم أنهذا القرآن ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدار البشر قلنا لم لا يجوز أن يكونذلك سحراً وإن لم يساعد عليه فإن ادعينا كونه في نهاية الركاكة قلنا إنه أضغاث أحلام، وإن ادعينا أنه متوسطبين الركاكة والفصاحة قلنا إنه افتراء، وإن ادعينا أنه كلام فصيح قلنا إنه من جنس فصاحة سائر الشعر، وعلى جميعهذه التقديرات لا يثبت كونه معجزاً. ولما فرغوا من تقدير هذه الاحتمالات قالوا {بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ بَلِ }اقترحوا من الآيات ما لا إمهال بعدها كالآيات في قوله

{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلاْرْضِ يَنْبُوعًا }

قال الزمخشري: صحة التشبيه في قوله {كَمَا أُرْسِلَ ٱلاْوَّلُونَ } من حيث إنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات، لأنإرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات، ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول أتى محمد بالمعجزة، وأن تقول: أرسل محمدبالمعجزة انتهى. والكاف في {كَمَا أُرْسِلَ } يجوز أن يكون في موضع النعت لآية، وما أرسل في تقدير المصدر والمعنىبآية مثل آية إرسال {ٱلاْوَّلِينَ }، ويجوز أن يكون في النعت لمصدر محذوف أي إتياناً مثل إرسال {ٱلاْوَّلِينَ } أيمثل إتيانهم بالآيات، وهذه الآية التي طلبوها هي على سبيل اقتراحهم، ولم يأت الله بآية مقترحة إلا أتى بالعذاب بعده.وأراد تعالى تأخير هؤلاء وفي قولهم {كَمَا أُرْسِلَ ٱلاْوَّلُونَ } دلالة على معرفتهم بإتيان الرسل. ثم أجاب تعالى عنقولهم {بَلْ قَالُواْ } بقوله {مَا ءامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } والمراد بهم قوم صالح وقوم فرعونوغيرهما، ومعنى {أَهْلَكْنَـٰهَا } حكمنا بإهلاكها بما اقترحوا من الآيات {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } استبعاد وإنكارأي هؤلاء أعني من الذين اقترحواعلى أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا فأهلكهم الله، فلو أعطينا هؤلاء ما اقترحوا لكانوا أنكث منأولئك، وكان يقع استئصالهم ولكن حكم الله تعالى بإبقائهم ليؤمن من آمن ويخرج منهم مؤمنين. ولما تقدم من قولهم{هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } وأن الرسول لا يكون إلاّ من عند الله من جنس البشر قال تعالى راداًعليهم {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً } أي بشراً ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا، ثم أحالهم على {أَهْلَ ٱلذّكْرِ }فإنهم وإن كانوا مشايعين للكفار ساعين في إخماد نور الله لا يقدرون على إنكار إرسال البشر. وقوله {إِن كُنْتُم لاَتَعْلَمُونَ } من حيث إنّ قريشاً لم يكن لها كتاب سابق ولا إثارة من علم. والظاهر أن {أَهْلَ ٱلذّكْرِ }هم أحبار أهل الكتابين وشهادتهم تقوم بها الحجة في إرسال الله البشر هذا مع موافقة قريش في ترك الإيمان بالرسولﷺ، فشهادتهم لا مطعن فيها. وقال عبد الله بن سلام: أنا من أهل الذكر. وقيل: هم أهلالقرآن. وقال علي: أنا من أهل الذكر. وقال ابن عطية: لا يصلح أن يكون المسؤول أهل القرآن في ذلك الوقتلأنهم كانوا خصومهم انتهى. وقيل {أَهْلَ ٱلذّكْرِ } هم أهل التوراة. وقيل: أهل العلم بالسير وقصص الأمم البائدة والقرون السالفة،فإنهم كانوا يفحصون عن هذه الأشياء وإذا كان {أَهْلَ ٱلذّكْرِ } أريد بهم اليهود والنصارى فإنهم لما بلغ خبرهم حدالتواتر جاز أن يسألوا ولا يقدح في ذلك كونهم كفاراً. وقرأ الجمهور: يوحي مبنياً للمفعول. وقرأ طلحة وحفص {نُوحِى} بالنون وكسر الحاء و {*الجسد} يقع على ما لا يتغذى من الجماد. وقيل: يقع على المتعذي وغيره، فعلى القولالأول يكون النفي قد وقع على {*الجسد} وعلى الثاني يكون مثبتاً، والنفي إنما وقع على صفته ووحد الجسد لإرادة الجنسكأنه قال: ذوي ضرب من الأجساد، وهذا رد لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام، وهذه الجملة من تمام الجواب للمشركينالذين قالوا {ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } لأن البشرية تقتضي الجسمية الحيوانية، وهذه لا بد لها من مادةتقوم بها، وقد خرجوا بذلك في قولهم {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } يأكل مما تإكلون منه ويشرب مما تشربون،ولما أثبت أنهم كانوا أجساداً يأكلون الطعام بين أنهم مآلهم إلى الفناء والنفاد، ونفى عنهم الخلود وهو البقاء السرمدي أوالبقاء المدة المتطاولة أي هؤلاء الرسل بشر أجساد يطعمون ويموتون كغيرهم من البشر، والذي صاروا به رسلاً هو ظهور المعجزةعلى أيديهم وعصمتهم من الصفات القادحة في التبليغ وغيره. {ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ } ذكر تعالى سيرته مع أنبيائه فكذلكيصدق نبيه محمداً ﷺ وأصحابه ما وعدهم به من النصر وظهور الكلمة، فهذه عدة للمؤمنين ووعيد للكافرينو {صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ } من باب اختار وهو ما يتعدى الفعل فيه إلى واحد وإلى الآخر بحرف جر، ويجوز حذفذلك الحرف أي في {ٱلْوَعْدُ } وهو باب لا ينقاس عند الجمهور، وإنما يحفظ من ذلك أفعال قليلة ذكرت فيالنحو ونظير {صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ } قولهم: صدقوهم القتال وصدقني سن بكره وصدقت زيداً الحديث و {مَّن نَّشَاء } هم المؤمنون،والمسرفون هم الكفار المفرطون في غيهم وكفرهم، وكل من ترك الإيمان فهو مفرط مسرف وإنجاؤهم من شر أعدائهم ومن العذابالذي نزل بأعدائهم. ولما توعدهم في هذه الآية أعقب ذلك بوعده بنعمته عليهم فقال {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِذِكْرُكُمْ } والكتاب هو القرآن. وعن ابن عباس: {ذِكْرُكُمْ } شرفكم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وعن الحسن ذكردينكم، وعن مجاهد فيه حديثكم، وعن سفيان مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم. وقيل: تذكرة لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما يجب.وقال صاحب التحرير: الذي يقتضيه سياق الآيات أن المعنى فيه ذكر مشانئكم ومثالبكم وما عاملتهم به أنبياء الله من التكذيبوالعناد، فعلى هذا تكون الآية ذماً لهم وليست من تعداد النعم عليهم، ويكون الكلام على سياقه ويكون معنى قوله {هَلْهَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إنكاراً عليهم على إهمالهم المتدبر والتفكر المؤديين إلى اقتضاء الغفلة. وقال ابنعطية: يحتمل أن يريد فيه شرفكم وذكركم آخر الدهر كما نذكر عظم الأمور، وفي هذا تحريض ثم أكد التحريض بقوله{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } وحركهم بذلك إلى النظر. وقال الزمخشري نحوه قال: {ذِكْرُكُمْ } شرفكم وصيتكم كما قال

{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }

أو موعظتكم أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء، وحسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد وصدقالحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك. {تَعْقِلُونَ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءاخَرِينَ فَلَمَّاأَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّاظَـٰلِمِينَ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً خَـٰمِدِينَ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَلَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَوَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }.لما رد الله تعالى عليهم ما قالوه بالغ تعالى في زجرهم بذكر ما أهلك من القرى، فقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا }والمراد أهلها إذ لا توصف القرية بالظلم كقوله

{ مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا }

قال ابن عباس: الإنشاء إيجاد الشيءمن غير سبب أنشأه فنشأ وهو ناشىء والجمع نشاء كخدم، والقصم أفظع الكسر عبر به عن الإهلاك الشديد {وَكَمْ }تقتضي التكثير، فالمعنى كثيراً من أهل القرى أهلكنا إهلاكاً شديداً مبالغاً فيه. وما روي عن ابن عباس أنها حضوراء قريةباليمن، وعن ابن وهب عن بعض رجاله أنهما قريتان باليمن بطر أهلهما فيحمل على سبيل التمثيل لا على التعيين فيالقرية، لأن {كَمْ } تقتضي التكثير. ومن حديث أهل حضوراء أن الله بعث إليهم نبياً فقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس بعث إليهم جيشاً فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه، ثم خرج إليهم بنفسه فهزمهمفي الثالثة، فلما أخذ القتل فيهم ركضوا هاربين. {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } أي باشروه بالإحساس والضمير في {أَحَسُّواْ }عائد على أهل المحذوف من قوله {وَكَمْ * قَسَمْنَا * مِن قَرْيَةٍ } ولا يعود على قوله {قَوْماً ءاخَرِينَ }لأنه لم يذكر لهم ذنب يركضون من أجله، والضمير في {مِنْهَا } عائد على القرية، ويحتمل أن يعود على {بَأْسَنَا} لأنه في معنى الشدة، فأنث على المعنى ومن على هذا السبب، والظاهر أنهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ركبوا دوابهميركضونها هاربين منهزمين. قيل: ويجوز أن شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم فهم {يَرْكُضُونَ } الأرض بأرجلهم،كما قال

{ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ }

وجواب لما {إِذَا } الفجائية وما بعدها، وهذا أحد الدلائل على أن لما في هذاالتركيب حرف لا ظرف، وقد تقدم لنا القول في ذلك. وقوله: {لاَ تَرْكُضُواْ } قال ابن عطية: يحتمل أنيكون من قول رجال بخت نصر على الرواية المتقدمة، فالمعنى على هذا أنهم خدعوهم واستهزؤا بهم بأن قالوا للهاربين منهم:لا تفروا وارجعوا إلى منازلكم {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } صلحاً أو جزية أو أمراً يتفق عليه، فلما انصرفوا أمر بخت نصرأن ينادي فيهم يا لثارات النبيّ المقتول فقتلوا بالسيف عن آخرهم، هذا كله مروي ويحتمل أن يكون قوله: {لاَ تَرْكُضُواْ} إلى آخر الآية من كلام ملائكة العذاب، وصف قصة كل قرية وأنه لم يرد تعيين حضوراء ولا غيرها، فالمعنىعلى هذا أن أهل هذه القرى كانوا باغترارهم يرون أنهم من الله بمكان وأنه لو جاءهم عذاب أو أمر لمينزل بهم حتى يتخاصموا ويسألوا عن وجه تكذيبهم لنبيهم فيحتجون هم عند ذلك بحجج تنفعهم في ظنهم، فلما نزل العذابدون هذا الذي أملوه وركضوا فارين نادتهم الملائكة على وجه الهزء بهم. {لاَ تَرْكُضُواْ } {وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ }كما كنتم تطمعون لسفه آرائكم. وقال الزمخشري: يحتمل أن يكون يعني القائل بعض الملائكة، أو من ثم من المؤمنين،أو يجعلون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أويلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم. {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } من العيش الرافه والحال الناعمة، والإتراف إبطار النعمةوهي الترفة {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو {ٱرْجِعُواْ }واجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقولوالكم: بم تأمرون وماذا ترسمون، وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدمين، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوبويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم ويستضيئون بآرائكم أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع، ويستطرون ساحئب أكفكم ويميرون إخلاف معروفكم وأياديكمإما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رياء الناس وطلب الثناء، أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم وتوبيخاًإلى توبيخ انتهى. ونداء الويل هو على سبيل المجاز كأنهم قالوا: يا ويل هذا زمانك، وتقدم تفسير الويل فيالبقرة. والظلم هنا الإشراك وتكذيب الرسل وإيقاع أنفسهم في الهلاك، واسم {زَالَت } هو اسم الإشارة وهو {تِلْكَ } وهوإشارة إلى الجملة المقولة أي فما زالت تلك الدعوى {دَعْوَاهُمْ }. قال المفسرون: فما زالوا يكررون تلك الكلمة فلم تنفعهمكقوله

{ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا }

والدعوى مصدر دعا يقال: دعا دعوى ودعوة كقوله

{ آخر دَعْوٰهُمْ }

لأن المويل كأنه يدعو الويل. وقال الحوفي: وتبعه الزمخشري وأبو البقاء: {تِلْكَ } اسم {زَالَت } و {دَعْوَاهُمْ } الخبر،ويجوز أن يكون {دَعْوَاهُمْ } اسم {زَالَت } و {تِلْكَ } في موضع الخبر انتهى. وهذا الذي ذهب إليه هؤلاءقاله الزجاج قبلهم، وأما أصحابنا المتأخرون فاسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول، فكما لا يجوز في باب الفاعل والمفعول إذاألبس أن يكون المتقدم الخبر والمتأخر الاسم لا يجوز ذلك في باب كان، فإذا قلت: كان موسى صديقي لم يجزفي موسى إلى أن يكون اسم كان وصديقي الخبر، كقولك: ضرب موسى عيسى، فموسى الفاعل وعيسى المفعول، ولم ينازع فيهذا من متأخري أصحابنا إلاّ أبو العباس أحمد بن عليّ عُرِّف باب الحاج وهو من تلاميذ الأستاذ أبو عليّ الشلوبينونبهائهم، فأجاز أن يكون المتقدم هو المفعول والمتأخر هو الفاعل وأن ألبس فعلى ما قرره جمهور الأصحاب يتعين أن يكون{تِلْكَ } اسم {زَالَت } و {دَعْوَاهُمْ } الخبر. وقوله: {حَصِيداً } أي بالعذاب تركوا كالصحيد {خَـٰمِدِينَ } أيموتى دون أرواح مشبهين بالنار إذا طفئت و{حَصِيداً } مفعول ثان. قال الحوفي: و{خَـٰمِدِينَ } نعت لحصيداً على أن يكون{حَصِيداً } بمعنى محصودين يعني وضع المفرد ويراد به الجمع، قال: ويجوز أن يجعل {خَـٰمِدِينَ } حالاً من الهاء والميم.وقال الزمخشري: {جَعَلْنَـٰهُمْ } مثل الحصيد شبههم في استئصالهم واصطلامهم كما تقول: جعلناهم رماداً أي مثل الرماد، والضمير المنصوب هوالذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليهما جعل نصبهما جميعاً على المفعولية. فإن قلت: كيف ينصبجعل ثلاثة مفاعيل؟ قلت: حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد لأن معنى قولك: جعلته حلواً حامضاً جعلته للطعمين، وكذلك معنى ذلك{جَعَلْنَـٰهُمْ } جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، والخمود عطف على المماثلة لا على الحصيد انتهى. ولما ذكر تعالى قصم تلكالقرى الظالمة أتبع ذلك بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا وأنه إنما أنشأ هذاالعالم العلوي المحتوي على عجائب من صنعه وغرائب من فعله، وهذا العالم السفلي وما أودع فيه من عجائب الحيوان والنباتوالمعادن وما بينهما من الهواء والسحاب والرياح على سبيل اللعب بل لفوائد دينية تقضي بسعادة الأبد أو بشقاوته، ودنياوية لاتعد ولا تحصى كقوله

{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً }

وقوله

{ مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ }

. قالالكرماني: اللعب فعل يدعو إليه الجهل يروق أوله ولا ثبات له، وإنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء، وليستدل بهما على الوحدانيةوالقدرة انتهى. و{لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } أصل اللهو ما تسرع إليه الشهوة ويدعو إليه الهوى، وقد يكنى بهعن الجماع، وأما هنا فعن ابن عباس والسدّي هو الولد. وقال الزجاج: هو الولد بلغة حضرموت. وعن ابن عباس: إنهذا رد على من قال

{ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا }

وعنه أن اللهو هنا اللعب. وقيل: اللهو هنا المرأة. وقال قتادة:هذا في لغة أهل اليمن، وتكون رداً على من ادعى أن لله زوجة ومعنى {مّن لَّدُنَّـا } من عندنا بحيثلا يطلع عليه أحد لأنه نقص فستره أولى. وقال السدّي: من السماء لا من الأرض. وقيل: من الحور العين. وقيل:من جهة قدرتنا. وقيل: من الملائكة لا من الإنس رداً لولادة المسيح وعزير. وقال الزمخشري: بين أن السبب في تركالتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالي أن الحكمة صارفة عنه، وإلاّ فأنا قادر على اتخاذه إن كنت فاعلاً لأني علىكل شيء قدير انتهى. ولا يجيء هذا إلاّ على قول من قال: اللهو هو اللعب، وأما من فسره بالولد والمرأةفذلك مستحيل لا تتعلق به القدرة. والظاهر أن {ءانٍ } هنا شرطية وجواب الشرط محذوف، يدل عليه جواب {لَوْ }أي إن كنا فاعلين اتخذناه إن كنا ممن يفعل ذلك ولسنا ممن يفعله. وقال الحسن: وقتادة وجريج {ءانٍ } نافيةأي ما كنا فاعلين. {بَلْ نَقْذِفُ } أي نرمي بسرعة {بِٱلْحَقّ } وهو القرآن {عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ } وهو الشيطانقاله مجاهد، وقال كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل: بالحق بالحجة على الباطل وهو شبههم ووصفهم اللهبغير صفاته من الولد وغيره. وقيل: الحق عام في القرآن والرسالة والشرع، والباطل أيضاً عام كذلك و{بَلِ } إضراب عناتخاذ اللعب واللهو، والمعنى أنه يدحض الباطل بالحق واستعار لذلك القذف والدمغ تصويراً لإبطاله وإهداره ومحقه، فجعله كأنه جرم صلبكالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه أي أصاب دماغه، وذلك مهلك في البشر فكذلك الحق يهلك الباطل.وقرأ عيسى بن عمر {فَيَدْمَغُهُ } بنصب الغين، قال الزمخشري: وهو في ضعف قوله:

سأترك منزلي لبني تميم     وألحق بالحجاز فأستريحا

وقرىء {فَيَدْمَغُهُ } بضم الميم انتهى. و{لَكُمْ * ٱلْوَيْلُ } خطابللكفار أي الخزي والهم مما تصفون أي تصفونه مما لا يليق به تعالى من اتخاذ الصاحبة والولد ونسبة المستحيلات إليه.وقيل {لَكُمْ } خطاب لمن تمسك بتكذيب الرسل ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وهو المعنى بقوله {مِمَّا تَصِفُونَ} وأبعد من ذهب إلى أنه التفات من ضمير الغيبة في {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } إلى ضمير الخطاب، ثمأخبر تعالى أن من في السموات والأرض ملك له فاندرج فيه من سموه بالصاحبة والولد ومن عنده هم الملائكة، واحتملأن يكون معطوفاً على {مِنْ } فيكونون قدر اندرجوا في الملائكة بطريق العموم لدخولهم في {مِنْ } وبطريق الخصوص بالنصعلى أنهم من عنده، ويكون {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } جملة حالية منهم أو استئناف إخبار، واحتمل أن يكون ومن عنده مبتدأوخبره {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانةوعلو المنزلة، والظاهر أن قوله {وَلَهُ مَن فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } استئناف إخبار بأن جميع العالم ملكه. وقيل: يحتملأن يكون معادلاً لقوله {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } كأنه يقسم الأمر في نفسه أي للمتخلفين هذه المقالة الويل، وللهتعالى من في السموات والأرض انتهى. والمراد أن الملائكة مكرمون منزلون لكرامتهم على الله منزلة المقرّبين عند الملوك علىطريق التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم، ويقال: حسر البعير واستحسر كل وتعب وحسرته أنا فهو متعد ولازم، وأحسرته أيضاً وقال الشاعر:

بها جيف الحسرى فإما عظامها     فبيض وأما جلدها فصليب

قال الزمخشري: فإن قلت: الاستحسارمبالغة في الحسور، وكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيهيوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أخفاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون انتهى. {يَسْبَحُونَ } هم الملائكة بإجماعالأمة وصفهم بتسبيح دائم. وعن كعب: جعل الله لهم التسبيح كالنفس وطرف العين للبشر يقع منهم دائماً دون أن يلحقهمفيه سآمة، وفي الحديث: «إني لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع راحة إلا وفيه ملك ساجدأو قائم. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلاْرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ * لا * ٱللَّهُ لَفَسَدَتَافَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ * أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً قُلْهَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }. لما ذكر تعالى الدلائل علىوحدانيته وأن من في السموات والأرض كلهم ملك له، وأن الملائكة المكرمين هم في خدمته لا يفترون عن تسبيحه وعبادته،عاد إلى ما كان عليه من توبيخ المشركين وذمهم وتسفيه أحلامهم و{أَمْ } هنا منقطعة تتقدر ببل والهمزة ففيها إضرابوانتقال من خبر إلى خبر، واستفهام معناه التعجب والإنكار أي {ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلاْرْضِ } يتصفون بالإحياء ويقدرون عليها وعلىالإماتة، أي لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف بل اتخذوا آلهة جماداً لا يتصف بالقدرة على شيء فهي غير آلهة لأنمن صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعونذلك لآلهتهم، وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى لأنهم مع إقرارهم بأن الله خالق السموات والأرض وبأنه قادر على المقدوراتكلها وعلى النشأة الأولى منكرين للبعث، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر فكيف يدعونه للجماد الذي لايوصف بالقدرة؟ قلت: الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم الإلهية يلزمهم أن يدعوا لها الإنشاء لأنه لا يستحق هذا الاسم إلاّالقادر على كل مقدور، والإنشاء من جملة المقدورات وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه منالله لا يصح استبعاده لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة ونحو قوله {مّنَ ٱلاْرْضِ } قولك:فلان من مكة أو من المدينة، تريد مكي أو مدني، ومعنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد فيالأرض لا أن الآلهة أرضية وسماوية، من ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله ﷺ: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء فقال: إنها مؤمنة لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثباتالسماء مكاناً لله تعالى. ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعملمن بعض جواهر الأرض. فإن قلت: لا بد من نكتة في قوله {هُمْ } قلت: النكتة فيه إفادة معنىالخصوصية كأنه قيل {أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً } لا تقدر على الإنشاء إلا هم وحدهم انتهى. و{ٱتَّخَذُواْ } هنا يحتملأن يكون المعنى فيها صنعوا وصوروا، و{مّنَ ٱلاْرْضِ } متعلق باتخذوا، ويحتمل أن يكون المعنى جعلوا الآلهة أصناماً من الأرضكقوله

{ أتتخذ أصناماً آلهة }

وقوله

{ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً }

وفيه معنى الإصطفاء والاختيار. وقرأ الجمهور: {يُنشِرُونَ } مضارع أنشرومعناه يحيون. وقال قطرب: معناه يخلقون كقوله

{ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ }

. وقرأ الحسن ومجاهد {يُنشِرُونَ } مضارع نشر،وهما لغتان نشر وانشر متعديان، ونشر يأتي لازماً تقول أنشر الله الموتى فنشروا أي فحيوا، والضمير في {فِيهِمَا } عائدعلى السماء والأرض وهما كناية عن العالم. و{إِلا } صفة لآلهة أي آلهة غير {ٱللَّهِ } وكون {إِلا } يوصفبها معهود في لسان العرب ومن ذلك ما أنشد سيبويه رحمه الله:

وكل أخ مفارقه أخوه     لعمر أبيك إلا الفرقدان

قال الزمخشري: فإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأنلو بمنزلة إن في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله

{ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ }

وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه، والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهةشتى غير الواحد الذي هو فاطرهما {لَفَسَدَتَا } وفيه دلالة على أمرين أحدهما: وجوب أن لا يكون مدبرهما إلاّ واحداً،والثاني أن لا يكون ذلك الواحد إلاّ إياه وحده كقوله {إِلاَّ ٱللَّهُ }. فإن قلت: لم وجب الأمران قلت:لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. وعن عبد الملك بن مروان حينقتل عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز عليّ من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول وهذا ظاهر.وأما طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجادل وطراد ولأن هذه الأفعال محتاجة إلى تلك الذات المتميزة بتلك الصفات حتى تثبت وتستقر.وقال ابن عطية: وذلك بأنه كان يبغي بعضهم على بعض ويذهب بما خلق، واقتضاب القول في هذا أن الهين لوفرضنا بينهما الاختلاف في تحريك جسم ولا تحريكه فمحال أن تتم الإرادتان، ومحال أن لا تتم جميعاً، وإذا تمت الواحدةكان صاحب الأخرى عاجزاً وهذا ليس بإله، وجواز الاختلاف عليهما بمنزلة وقوعه منهما، ونظر آخر وذلك أن كل جزء يخرجمن العدم إلى الوجود فمحال أن تتعلق به قدرتان، فإذا كانت قدرة أحدهما توجده ففي الآخر فضلاً لا معنى لهفي ذلك الجزء ثم يتمادى النظر هكذا جزأ جزأ. وقال أبو عبد الله الرازي: لو فرضنا موجودين واجبي الوجودلذاتهما فلا بد أن يشتركا في الوجود ولا بد أن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بمعيته وما به المشاركةغير ما به الممايزة، فيكون كل واحد مشاركاً للآخر وكل مركب فهو مفتقر إلى آخر ممكن لذاته، فإذا واجب الوجودليس إلاّ واحداً فكل ما عدا هذا فهو محدث، ويمكن جعل هذا تفسيراً لهذه الآية لأنا لما دللنا على أنهيلزم من فرض موجودين واجبين أن لا يكون شيء منهما واجباً، وإذا لم يوجد الواجب لم يوجد شيء من هذهالممكنات، فحينئذ يلزم الفساد في كل العالم. وقال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون بدلاً لأن المعنى يصير إلىقولك {لَوْ كَانَ فِيهِمَا } الله {لَفَسَدَتَا } ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني قومك إلاّ زيد على البدللكان المعنى جاءني زيد وحده. وقيل: يمتنع البدل لأن ما قبله إيجاب ولا يجوز النصب على الاسثناء لوجهين، أحدهما أنهفاسد في المعنى وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلاّ زيداً لقتلهم كان معناه أن القتل امتنع لكون زيدمع القوم، فلو نصب في الآية لكان المعنى فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله مع الآلهة، وفي ذلك إثبات الإلهمع الله، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك لأن المعنى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا } غير {ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }.والوجه الثاني أن {ءالِهَةً } هنا نكرة، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه عند جماعة من المحققين لأنه لاعموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء انتهى. وأجاز أبو العباس المبرد في {إِلاَّ ٱللَّهُ } أن يكون بدلاًلأن ما بعد لو غير موجب في المعنى، والبدل في غير الواجب أحسن من الوصف. وقد أمعنّا الكلام على هذهالمسألة في شرح التسهيل. وقال الأستاذ أبو عليّ الشلوبين في مسألة سيبويه: لو كان معنا رجل إلاّ زيد لغلبنا أنالمعنى لو كان معنا رجل مكان زيد لغلبنا فإلا بمعنى غير التي بمعنى مكان. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بنالصائغ: لا يصح المعنى عندي إلاّ أن تكون {إِلا } في معنى غير الذي يراد بها البدل أي {لَوْ كَانَفِيهِمَا الِهَةٌ } عوض واحد أي بدل الواحد الذي هو {ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة التيجاء بها توطئة انتهى. ولما أقام البرهان على وحدانيته وانفراده بالألوهية نزه نفسه عما وصفه به أهل الجهل بقوله{فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ } ثم وصف نفسه بأنه مالك هذا المخلوق العظيم الذي جميع العالم هو متضمنهم ثم وصف نفسه بكمالالقدرة ونهاية الحكم فقال {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء، وفعله على أقصىدرجات الحكمة فلا اعتراض ولا تعقب عليه، ولما كانت عادة الملوك أنهم لا يسألون عما يصدر من أفعالهم مع إمكانالخطأ فيها، كان ملك الملوك أحق بأن لا يسأل هذا مع علمنا أنه لا يصدر عنه إلاّ ما اقتضته الحكمةالعارية عن الخلل والتعقب، وجاء {عَمَّا يَفْعَلُ } إذ الفعل جامع لصفات الأفعال مندرج تحته كل ما يصدر عنه منخلق ورزق ونفع وضر وغير ذلك، والظاهر في قوله {لاَ يُسْأَلُ } العموم في الأزمان. وقال الزجاج: أي في القيامة{لاَ يُسْأَلُ } عن حكمه في عباده {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } عن أعمالهم. وقال ابن بحر: لا يحاسب وهم يحاسبون. وقيل:لا يؤاخذ وهم يؤاخذون انتهى. {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } لأنهم مملوكون مستعبدون واقع منهم الخطأ كثيراً فهم جديرون أن يقال لهملم فعلتم كذا. وقرأ الحسن: لا يُسَل ويُسَلُون بفتح السين نقل حركة الهمزة إلى السين وحذف الهمزة. ثمكرر تعالى عليهم الإنكار والتوبيخ فقال: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم، وزاد في هذا التوبيخقوله {مِن دُونِهِ } فكأنه وبخهم على قصد الكفر بالله عز وجل، ثم دعاهم إلى الإتيان بالحجة على ما اتخذواولا حجة تقوم على أن الله تعالى شريكاً لا من جهة العقل ولا من جهة النقل، بل كتب الله السابقةشاهدة بتنزيهه تعالى عن الشركاء والأنداد كما في الوحي الذي جئتكم به {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ } أي عظة للذينمعي وهم أمته {وَذَكَرَ } للذين {مِّن قَبْلِى } وهم أمم الأنبياء، فالذكر هنا مراد به الكتب الإلهية ويجوز أنيكون {هَـٰذَا } إشارة إلى القرآن. والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين فذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم، وذكر الأولين بقصأخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم. والمعنى على هذا عرض القرآن في معرض البرهان أي {هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } فهذا برهاني فيذلك ظاهر. وقرأ الجمهور: بإضافة {ذُكِرَ } إلى {مِنْ } فيهما على إضافة المصدر إلى المفعول كقوله

{ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ }

.وقرىء بتنوين {ذُكِرَ } فيهما و{مِنْ } مفعول منصوب بالذكر كقوله

{ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً }

. وقرأ يحيـى بن يعمر وطلحة بتنوين {ذُكِرَ } فيهما وكسر ميم {مِنْ } فيهما، ومعنى {مَعِىَ } هنا عندي،والمعنى {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن } عندي و{مِّن قَبْلِى } أي أذكركم بهذا القرآن الذي عندي كما ذكر الأنبياء من قبليأممهم، ودخول {مِنْ } على مع نادر، ولكنه اسم يدل على الصحبة والاجتماع أُجري مجرى الظرف فدخلت عليه {مِنْ }}كما دخلت على قبل وبعد وعند، وضعف أبو حاتم هذه القراءة لدخول {*} كما دخلت على قبل وبعد وعند، وضعفأبو حاتم هذه القراءة لدخول {مِنْ } على مع ولم ير لها وجهاً. وعن طلحة {ذُكِرَ } منوناً {مَعِىَ }دون {مِنْ } {وَذَكَرَ } منوناً {قَبْلِى } دون {مِنْ }. وقرأت فرقة {وَذِكْرُ مَن } بالإضافة {وَذَكَرَ } منوناً{مِّن قَبْلِى } بكسر ميم من. وقرأ الجمهور {ٱلْحَقّ } بالنصب والظاهر نصبه على المفعول به فلا يعلمون أي أصلشرهم وفسادهم هو الجهل وعدم التمييز بين الحق والباطل، ومن ثم جاء الإعراض عنه. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكونالمنصوب أيضاً على معنى التوكيد لمضمون الجملة السابقة كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل، فأكد نسبة انتفاء العلمعنهم، والظاهر أن الإعراض متسبب عن انتفاء العلم لما فقدوا التمييز بين الحق والباطل أعرضوا عن الحق. وقال ابن عطيةثم حكم عليهم تعالى بأن {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } لإعراضهم عنه وليس المعنى {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } لأنهم لا يعلمونبل المعنى {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } ولذلك {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } وقرأ الحسن وحميد وابن محيصن {ٱلْحَقّ } بالرفع. قال صاحباللوامح: ابتداءً والخبر مضمر، أو خبر والمبتدأ قبله مضمر. وقال ابن عطية: هذا القول هو {ٱلْحَقّ } والوقف على هذهالقراءة على {لاَّ يَعْلَمُونَ }. وقال الزمخشري: وقرىء {ٱلْحَقّ } بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب، والمعنى أنإعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل انتهى. ولما ذكر انتفاء علمهم الحق وإعراضهم أخبر أنه ما أرسل {مِنرَّسُولٍ } إلاّ جاء مقرراً لتوحيد الله وإفراده بالإلهية والأمر بالعبادة. ولما كان {مِن رَّسُولٍ } عاماً لفظاً ومعنى، أفردعلى اللفظ في قوله إلاّ يوحى إليه ثم جمع على المعنى في قوله {فَٱعْبُدُونِ } ولم يأت التركيب فاعبدني، ويحتملأن يكون الأمر له ولأمته، وهذه العقيدة من توحيد الله لم تختلف فيها النبوّات وإنما وقع الاختلاف في أشياء منالأحكام. وقرأ الأخوان والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى والقطعي وابن غزوان عن أيوب وخلف وابن سعدان وابن عيسى وابن جرير{نُوحِى } بالنون وباقي السبعة بالياء وفتح الحاء، واختلف عن عاصم. ثم نزه تعالى نفسه عما نسبوا إليه منالولد. قيل: ونزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى نحو هذا في عيسى واليهود في عزير ثمأضرب تعالى عن نسبة الولد إليه فقال {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } ويشمل هذا اللفظ الملائكة وعزيراً والمسيح، ويظهر من كلامالزمخشري أنه مخصوص بالملائكة قال: نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهمبأنهم {عِبَادِ } والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم {مُّكْرَمُونَ } مقربون عندي مفضلون على سائر العباد لما هم عليه منأحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الذي غرمتهم من زعم أنهم أولادي تعاليت عن ذلك علواً كبيراً انتهى. وقرأ عكرمة{مُّكْرَمُونَ } بالتشديد والجمهور بالتخفيف، وقرأ {لاَ يَسْبِقُونَهُ } بكسر الباء. وقرىء بضمها من سابقني فسبقته أسبقه، والمعنى أنهم يتبعونقوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله: فلا يسبق قولهم قوله. وأل في بالقول نابت مناب الضمير على مذهب الكوفيين أيبقولهم وكذا قال الزمخشري: والمراد بقولهم فأنيبت اللام مناب الإضافة أو الضمير محذوف أي بالقول منهم، وذلك على مذهب البصريين.وهم بأمره يعملون} فكما أن قولهم تابع لقوله كذلك فعلهم مبني على أمره لا يعملون عمالاً ما لم يؤمروابه، وهذه عبارة عن توغلهم في طاعته والامتثال لأمره. ثم أخبر تعالى أنه {*} فكما أن قولهم تابع لقولهكذلك فعلهم مبني على أمره لا يعملون عمالاً ما لم يؤمروا به، وهذه عبارة عن توغلهم في طاعته والامتثال لأمره.ثم أخبر تعالى أنه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي ما تقدم من أفعالهم وأقوالهم، والحوادث التي لها إليهمتسبب وما تأخر وعلمه بذلك يجري مجرى السبب لطاعتهم لما علموه عالماً بجميع المعلومات وظواهرهم وبواطنهم كان ذلك داعياً لهمإلى نهاية الخضوع والدؤوب على العبادة. قال ابن عباس: {يَعْلَمْ } ما قدموا وما أخروا من أعمالهم. وقال نحوه عماربن ياسر، قال: ما عملوا وما لم يعملوا بعد، وقيل {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ } الدنيا. وقيلعكس ذلك. وقيل {يَعْلَمْ } ما كان قبل أن خلقهم وما كان بعد خلقهم. ولما كانوا مقهورين تحت أمرهوملكوته وهو محيط بهم لم يجسروا على أن يشفعوا إلاّ لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في زيادة الثواب والتعظيم، ثم{هُمْ } مع ذلك {مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } متوقعون حذرون لا يأمنون مكر الله. وقال ابن عباس: {لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ }هو من قال: لا إله إلا الله وشفاعتهم: الاستغفار. وقال مجاهد لمن ارتضاه الله أن يشفع. وقيل: شفاعتهم في القيامةوفي الصحيح أنهم يشفعون في الدنيا والآخرة. وبعد أن وصف كرامتهم عليه وأثنى عليهم وأضاف إليهم تلك الأفعال السنيةفاجأ بالوعيد الشديد وأنذر بعذاب جهنم من ادعى منهم أنه إله وذلك على سبيل العرض والتمثيل مع علمه بأنه لايكون كقوله

{ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد. وقرأ الجمهور{نَجْزِيهِ } بفتح النون. وقرأ أبو عبد الرحمن المقري بضمها أراد نجزئه بالهمز من أجزائي كذا كفاني، ثم خفف الهمزةفانقلبت ياء كذلك أي مثل هذا الجزاء {نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } وهم الكافرون والواضعون الشيء في غير موضعه، وأداة الشرط تدخلعلى الممكن والممتنع نحو قوله

{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ }

{أَوَ لَمْ * يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ* كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِى ٱلاْرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْوَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَوَٱلنَّهَـٰرَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ * كُلُّنَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }. هذا استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة، ودلالةعلى تنزيهه عن الشريك، وتوكيد لما تقدم من أدلة التوحيد، ورد على عبدة الأوثان من حيث أن الإله القادر علىهذه المخلوقات المتصرف فيها التصرف العجيب، كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولاينفع والرؤية هنا من رؤية القلب. وقيل: من رؤية البصر وذلك على الاختلاف في الرتق والفتق. وقرأ ابن كثير وحميدوابن محيصن ألم يَرَ بغير واو العطف والجمهور {أَوَ لَمْ } بالواو. {كَانَتَا } قال الزجاج: السموات جمع أريد بهالواحد، ولهذا قال {كَانَتَا رَتْقاً } لأنه أراد السماء والأرض، ومنه أن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا جعل السمواتنوعاً والأرضين نوعاً، فأخبر عن النوعين كما أخبر عن اثنين كما تقول: أصلحت بين القوم ومر بنا غنمان أسودان لقطيعيغنم. وقال الحوفي: قال {كَانَتَا رَتْقاً } والسموات جمع لأنه أراد الصنفين، ومنه قول الأسود بن يعفر:

إن المنية والحتوف كلاهما     يوفي المحارم يرقبان سوادي

لأنه أراد النوعين. وقال أبو البقاء: الضمير يعود علىالجنسين. وقال الزمخشري: وإنما قال {كَانَتَا } دون كنّ لأن المراد جماعة {ٱلسَّمَـٰوَاتِ } وجماعة {ٱلاْرْضِ } ونحوه قولهم: لقاحانسوداوان إن أراد جماعتان فعل في المضمر ما فعل في المظهر. وقال ابن عطية: وقال {كَانَتَا } من حيث همانوعان ونحوه قول عمرو بن شييم:

ألم يحزنك أن جبال قيس     وتغلب قد تباينت انقطاعا

قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة: كانتا شيئاً واحداً ففصل الله بينهما بالهواء. وقال كعب: خلقالله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً بوسطها ففتحها بها وجعل السموات سبعاً والأرضين سبعاً. وقال مجاهد والسدّيوأبو صالح: كانت السموات والأرض مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضون كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها وجعلهاسبعاً. وقالت فرقة: السموات والأرض رتق بالظلمة وفتقها الله بالضوء. وقالت فرقة: السماء قبل المطر رتق، والأرض قبل النبات رتق{فَفَتَقْنَـٰهُمَا } بالمطر والنبات كما قال

{ وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلاَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ }

قال ابن عطية: وهذا قول حسنيجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة للمحسوس بين، ويناسب قوله {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } أي من الماء الذيأوجده الفتق انتهى. وعلى هذين القولين تكون الرؤية من البصر وعلى ما قبلهما من رؤية القلب، وجاء تقريرهم بذلكلأنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، ولأن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائزفي العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص، وهو الله سبحانه وقرأ الجمهور {رَتْقاً } بسكون التاء وهو مصدريوصف به كزور وعدل فوقع خبراً للمثنى. وقرأ الحسن وزيد بن عليّ وأبو حيوة وعيسى {رَتْقاً } بفتح التاء وهواسم المرتوق كالقبض والنفض، فكان قياسه أن يبني ليطابق الخبر الاسم. فقال الزمخشري: هو على تقدير موصوف أي {كَانَتَا }شيئاً {رَتْقاً }. وقال أبو الفضل الرازي: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرك منه اسماً بمعنى المفعول والساكن مصدر،أو قد يكونان مصدرين لكن المتحرك أولى بأن يكون في معنى المفعول لكن هنا الأولى أن يكونا مصدرين فأقيم كلواحد منهما مقام المفعولين، ألا ترى أنه قال {كَانَتَا رَتْقاً } فلو جعلت أحدهما اسماً لوجب أن تثنيه فلما قال{رَتْقاً } كان في الوجهين كرجل عدل ورجلين عدل وقوم عدل انتهى. {وَجَعَلْنَا } إن تعدت لواحد كانت بمعنى{وَخَلَقْنَا * مِنَ ٱلْمَاء } كل حيوان أي مادته النطفة قاله قطرب وجماعة أو لما كان قوامه الماء المشروب وكانمحتاجاً إليه لا يصبر عنه جعل مخلوقاً منه كقوله

{ خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ }

قاله الكلبي وغيره، وتكون الحياة علىهذا حقيقة ويكون كل شيء عاماً مخصوصاً إذ خرج منه الملائكة والجن وليسوا مخلوقين من نطفة ولا محتاجين للماء.وقال قتادة: أي خلقنا كل نام من الماء فيدخل فيه النبات والمعدن، وتكون الحياة فيهما مجازاً أو عبر بالحياة عنالقدر المشترك بينهما وبين الحيوان وهو النموّ ويكون أيضاً على هذا عاماً مخصوصاً، وإن تعدّت {جَعَلْنَا } لاثنين فالمعنى صيرنا{كُلَّ شَىْء حَىّ } بسبب من الماء لا بد له منه. وقرأ الجمهور {حَىّ } بالخفض صفة لشيء. وقرأ حميدحياً بالنصب مفعولاً ثانياً لجعلنا، والجار والمجرور لغو أي ليس مفعولاً ثانياً {لَّجَعَلْنَا } {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } استفهام إنكار وفيهمعنى التعجب من ضعف عقولهم، والمعنى أفلا يتدبرون هذه الأدلة ويعملوا بمقتضاها ويتركوا طريقة الشرك، وأطلق الإيمان على سببه وقدانتظمت هذه الآية دليلين من دلائل التوحيد وهي من الأدلة السماوية والأرضية. ثم ذكر دليلاً آخر من الدلائل الأرضيةفقال: {وَجَعَلْنَا فِى ٱلاْرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } وتقدم شرح نظير هذه الجملة في سورة النحل {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاًسُبُلاً } وهذا دليل رابع من الدلائل الأرضية، والظاهر أن الضمير في {فِيهَا } عائد على الأرض. وقيل يعود علىالرواسي، وجاء هنا تقديم {فِجَاجاً } على قوله {سُبُلاً } وفي سورة نوح

{ لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً }

. فقال الزمخشري:وهي يعني {فِجَاجاً } صفة ولكن جعلت حالاً كقوله:

لميـة موحشـاً طلل    

يعني أنها حال من سبل وهي نكرة، فلوتأخر {فِجَاجاً } لكان صفة كما في تلك الآية ولكن تقدم فانتصب على الحمال قال: فإن قلت: ما الفرق بينهمامن جهة المعنى؟ قلت: وجهان أحدهما إعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفةفهو بيان لما أبهم ثمة انتهى. يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفاً به حالة الإخبار عنه،وإن كان الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال: مررت بوحشي القاتل حمزة، فحالة المرور لم يكنقائماً به قتل حمزة، وأما الحال فهي هيئة ما تخبر عنه حالة لإخبار {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } في مسالكهم وتصكرفهم. ومارفع وسمك على شيء فهو سقف. قال قتادة: حفظ من البلي والتغير على طول الدهر. وقيل: حفظ من السقوط لإمساكهمن غير علاقة ولا عماد. وقيل: حفظ من الشرك والمعاصي. وقال الفراء: حفظ من الشياطين بالرجوم. وعن ابن عباس: أنرسول الله ﷺ نظر إلى السماء فقال: إن السماء سقف مرفوع وموح مكفوف يجري كما يجري السهم محفوظاً من الشياطين وإذا صح هذا الحديث كان نصاً في معنى الآية. {وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا } أي عن ماوضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات ومسايرها وطلوعها وغروبها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال علىالحكمة البالغة والقدرة الباهرة. وقرأ الجمهور {عَنْ ءايَـٰتِهَا } بالجمع. وقرأ مجاهد وحميد عن آيتها بالإفراد، فيجوز أنه جعل الجعلأو السقف أو الخلق أي خلق السماء آية واحدة تحوي الآيات كلها، ويجوز أنه أراد بها الجمع فجعلها اسم الجنس،ودل على ذلك كثرة ما في السماء من الآيات. والمعنى {وَهُمْ عَنْ } الاعتبار بآياتها {مُّعْرِضُونَ } وقال الزمخشري: هميتفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنياوية كالاستضاءة بقمريها والاهتداء بكواكبها وحياة الأرض والحيوان بأمطارها {وَهُمْ عَنْ }كونها آية بينة على الخالق {مُّعْرِضُونَ }. والتنوين في {كُلٌّ } عوض من المضاف إليه، والفلك الجسم الدائر دورةاليوم والليلة. وعن ابن عباس والسدّي: الفلك السماء. وقال أكثر المفسرين: الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر.وقال قتادة: الفلك استدارة بين السماء والأرض يدور بالنجوم مع ثبوت السماء. وقيل: الفلك القطب الذي تدور عليه النجوم وهوقطب الشمال. وقيل: لكل واحد من السيارات فلك، وفلك الأفلاك يحركها حركة واحدة من المشرق إلى المغرب. وقال الضحاك: الفلكليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم، والظاهر أنه جسم وفيه الاختلاف المذكور والظاهر أن كلاًّ يسبح في فلك واحد.قيل: ولكل واحد فلك يخصه فهو كقولهم: كساهم الأمير حلة أي كسى كل واحد، وجاء {يَسْبَحُونَ } بواو الجمع العاقل،فأما الجمع فقيل ثم معطوف محذوف وهو والنجوم، ولذلك عاد الضمير مجموعاً ولو لم يكن ثم معطوف محذوف لكان يسبحانمثنى. وقال الزمخشري، الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها وهو السببفي جمعها بالشموس والأقمار، وإلاّ فالشمس واحدة والقمر واحد انتهى. وحسن ذلك كونه جاء فاصلة رأس آية، وأما كونه ضميرمن يعقل ولم يكن التركيب يسبحن. فقال الفراء: لما كانت السباحة من أفعال الآدميين جاء ما أسند إليهما مجموعاً منيعقل كقوله

{ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ }

قال أبو عبد الله الرازي: وعلى قول أبي عليّ بن سينا سبب ذلك أنهاعنده تعقل انتهى. وهذه الجملة يحتمل أن تكون استئناف إخبار فلا محل لها، أو محلها النصب على الحال من {ٱلشَّمْسُوَٱلْقَمَرُ } لأن {وَسَخَّر لَكُمُ } لا يتصفان بأنهما يجريان {فِى فَلَكٍ } فهو كقولك: رأيت زيداً وهنداً متبرجة والسباحةالعوم والذي يدل عليه الظاهر أن الشمس والقمر هما اللذان يجريان في الفلك، وأن الفلك لا يجري. {وَمَا جَعَلْنَا} الآية. قيل: إن بعض المسلمين قال: إن محمداً لن يموت وإنما هو مخلد، فأنكر ذلك الرسول صلى الله عليهوسلم فنزلت. وقيل: طعن كفار مكة عليه بأنه بشر يأكل الطعام ويموت فكيف يصح إرساله. وقال الزمخشري: كانوا يقدرون أنهسيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة بهذا أي قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشراً فلا أنت ولاهم إلاّ عرضة للموت فإن مت أيبقى هؤلاء؟ وفي معناه قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

تمنى رجال أن أموت وإن أمت     فتلك سبيل لست فيها بأوحدفقل للذي يبغي خلاف الذي مضىتزود لأخرى مثلها فكأن قد

وقول الآخر:

فقل للشامتين بنا أفيقوا     سيلقى الشامتون كما لقينا

والفاء في {وَمَا جَعَلْنَا } العطف قدّمت عليهاهمزة الاستفهام لأن الاستفهام له صد الكلام، دخلت على إن الشرطية والجملة بعدها جواب للشرط، وليست مصب الاستفهام فتكون الهمزةداخلة عليها، واعترض الشرط بينهما فحذف جوابه هذا مذهب سيبويه. وزعم يونس أن تلك الجملة هي مصب الاستفهام والشرط معترضبينهما وجوابه محذوف. قال ابن عطية: وألف الاستفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط انتهى. وفي هذه الآية دليل لمذهبسيبويه إذ لو كان على ما زعم يونس لكان التركيب {وَمَا جَعَلْنَا } هم {ٱلْخَـٰلِدُونَ } بغير فاء، وللمذهبينن تقريرفي علم النحو. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } تقدم تفسير هذه الجملة {وَنَبْلُوكُم } نختبركم وقدم الشر لأن الابتلاءبه أكثر، ولأن العرب تقدم الأقل والأردأ، ومنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقبالخيرات. وعن ابن عباس: الخير والشر هنا عام في الغنى والفقر، والصحة والمرض، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال. قال ابن عطية:هذان الأخيران ليسا داخلين في هذا لأن من هدى فلي هداه اختياراً ولا من أطاع. بل قد تبين خيره. والظاهرأن المراد من الخير والشر هنا كل ما صح أن يكون فتنة وابتلاء انتهى. وعن ابن عباس أيضاً بالشدة والرخاءأتصبرون على الشدة وتشكرون على الرخاء أم لا. وقال الضحاك: الفقر والمرض والغنى والصحة. وقال ابن زيد: المحبوب والمكروه، وانتصب{فِتْنَةً } على أنه مفعول له أو مصدر في موضع الحال، أو مصدر من معنى {*نبلوكم} {فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }فنجازيكم على ما صدر منكم في حالة الابتلاء من الصبر والشكر، وفي غير الابتلاء. وقرأ الجمهور {تُرْجَعُونَ } بتاء الخطابمبنياً للمفعول. وقرأت فرقة بالتاء مفتوحة مبنياً للفاعل. وقرأت فرقة بضم الياء للغيبة مبنياً للمفعول على سبيل الالتفات. {وَإِذَارَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ * خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْعَجَلٍ * سَأُوْرِيكُمْ ءايَـٰتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَلاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَهُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ * قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمبِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَأَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ }: قال السدّي ومقاتل: مرّ الرسول عليه الصلاة والسلام بأبي جهل وأبي سفيان، فقالأبو جهل: هذا نبي عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكرون أن يكون نبياً في بني عبد مناف، فسمعهما الرسولﷺ فقال لأبي جهل: ما تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية فنزلت. ولما كان الكفار يغمهم ذكر آلهتهم بسوء شرعوا في الاستهزاءوتنقيص من يذكرهم على سبيل المقابلة و{ءانٍ } نافية بمعنى ما، والظاهر أن جواب {إِذَا } هو {إِن يَتَّخِذُونَكَ }وجواب إذا بان النافية لم يرد منه في القرآن إلا هذا وقوله في القرآن

{ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً }

ولم يحتج إلى الفاء في الجواب كما لم تحتج إليه ما إذا وقعت جواباً كقوله

{ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ }

ما كان حجتهم بخلاف أدوات الشرط، فإنها إذا كان الجواب مصدراً بما النافية فلا بد من الفاء، نحوإن تزورنا فما نسيء إليك. وفي الجواب لاذا بـأن وما النافيتين دليل واضح على أن {إِذَا } ليست معمولة للجواب،بل العامل فيها الفعل الذي يليها وليست مضافة للجملة خلافاً لأكثر النحاة. وقد استدللنا على ذلك بغير هذا من الأدلةفي شرح التسهيل. وقيل: جواب {إِذَا } محذوف وهو يقولون المحكي به قولهم {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ } وقوله{إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } كلام معترض بين {إِذَا } وجوابه و{يَتَّخِذُونَكَ } يتعدى إلى اثنين، والثاني {هُزُواً } أيمهزوأ به، وهذا استفهام فيه إنكار وتعجيب. والذكر يكون بالخير وبالشر، فإذا لم يذكر متعلقه فالقرينة تدل عليه، فإن كانمن صديق فالذكر ثناء أو من غيره فذم، ومنه

{ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ }

أي بسوء، وكذلك هنا {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُالِهَتَكُمْ }. ثم نعى عليه إنكارهم عليه ذكر آلهتهم بهذه الجملة الحالية وهي {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ }أي ينكرون وهذه حالهم يكفرون بذكر الرحمن، وهو ما أنزل من القرآن فمن هذه حاله لا ينبغي أن ينكر علىمن يغيب آلهتهم، والظاهر أن هذه الجملة حال من الضمير في يقولون المحذوف. وقال الزمخشري: والجملة في موضع الحالأي {يَتَّخِذُونَكَ * هُزُواً } وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله انتهى. فجعل الجملة الحالية العاملفيها {يَتَّخِذُونَكَ * هُزُواً } المحذوفة وكررهم على سبيل التوكيد. وروي أنها نزلت حين أنكروا لفظة {ٱلرَّحْمَـٰنُ } وقالوا: مانعرف الرحمن إلاّ في اليمامة، والمراد بالرحمن هنا الله، كأنه قيل {وَهُمْ بِذِكْرِ } الله ولما كانوا يستعجلون عذاب اللهوآياته الملجئة إلى ازقرار والعلم نهاهم تعالى عن الاستعجال وقدم أولاً ذم {ٱلإِنسَـٰنَ } على إفراط العجلة وأنه مطبوع عليها،والظاهر أنه يراد بالإنسان هنا اسم الجنس وكونه {خُلِقَ } {مِنْ عَجَلٍ } وهو على سبيل المبالغة لما كان يصدرمنه كثيراً. كما يقول لمكثر اللعب أنت من لعب، وفي الحديث لست من دد ولا دد مني . وقال الشاعر:

وإنّا لمما يضرب الكبش ضربة     على رأسه تلقى اللسان من الفم

لما كانوا أهل ضرب الهام وملازمةالحرب قال: إنهم من الضرب، وبهذا التأويل يتم معنى الآية ويترتب عليه قوله {عَنْ ءايَـٰتِي } أي آيات الوعيد {فَلاَتَسْتَعْجِلُونِ } في رؤيتكم العذاب الذي تستعجلون به، ومن يدعي القلب فيه وهو أبو عمرو وإن التقدير خلق العجل منالإنسان وكذا قراءة عبد الله على معنى أنه جعل طبيعة من طبائعه وجزأ من أخلاقه، فليس قوله بجيد لأن القلبالصحيح فيه أن لا يكون في كلام فصيح وإن بابه الشعر. قيل: فمما جاء في الكلام من ذلك قول العرب:إذا طلعت الشعرى استوى العود على الحر باء. وقالوا: عرضت الناقة على الحوض وفي الشعر قوله:

حسرت كفى عن السربال آخذه    

وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدّي والضحاك ومقاتل والكلبي {ٱلإِنسَـٰنَ } هنا آدم. قال مجاهد: لما دخل الروحرأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل تمام خلقي قبل أن تغيب الشمس. وقال سعيد: لما بلغتالروح ركبتيه كاد يقوم فقال الله {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ }. وقال ابن زيد: خلقه الله يوم الجمعة على عجلةفي خلقه. وقال الأخفش {مِنْ عَجَلٍ } لأن الله قال له كن فكان. وقال الحسن: {مِنْ عَجَلٍ } أي ضعيفيعني النطفة. وقيل: خلق بسرعة وتعجيل على غير تريب الآدميين من النطفة والعلقة والمضغة، وهذا يرجع لقول الأخفش. وقيل: {مِنْعَجَلٍ } من طين والعجل بلغة حمير الطين. وأنشد أبو عبيدة لبعض الحميريين:

النبع في الصخرة الصماء منبته     والنخل منبته في الماء والعجل

وقيل: {ٱلإِنسَـٰنَ } هنا النضر بن الحارث والذي ينبغي أن تحملالآية عليه هو القول الأول وهو الذي يناسب آخرها. والآيات هنا قيل: الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة أييأتيكم في وقته. وقيل: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: آثار القرون الماضية بالشام واليمن، والقول الأول أليق أي سيأتي مايسؤوكم إذا دمتم على كفركم، كأنه يريد يوم بدر وغيره في الدنيا وفي الآخرة. وقال الزمخشري: فإن قلت: لمنهاهم عن الاستعجال مع قوله {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } وقوله

{ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً }

أليس هذا من تكليف مالا يطاق؟ قلت: هذا كما ركب فيه من الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوةوترك العجلة انتهى. وهو على طريق الاعتزال. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم {خُلِقَ } مبنياً للفاعل {ٱلإِنسَـٰنَ } بالنصبأي {خُلِقَ } الله {ٱلإِنسَـٰنَ } وقوله {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } استفهام على جهة الهزء، وكان المسلمون يتوعدونهم على لسانالشرع و{مَتَىٰ } في موضع الجر لهذا فموضعه رفع، ونقل عن بعض الكوفيين أن موضع {مَتَىٰ } نصب على الظرفوالعامل فيه فعل مقدر تقديره يكون أو يجيء، وجواب {لَوْ } محذوف لدلالة الكلام عليه، وحذفه أبلغ وأهيب من النصعليه فقدره ابن عطية لما استعجلوا ونحوه، وقدره الزمخشري لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال. وقيل: لعلموا صحةالبعث. وقيل: لعلموا صحة الموعود. وقال الحوفي: لسارعوا إلى الإيمان. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة وحين يرادبه وقت الساعة يدل على ذلك، بل تأتيهم بغتة انتهى. و{حِينٍ } قال الزمخشري: مفعول به ليعلم أي لويعلمون الوقت الذي يستعجلون عنه بقولهم {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } وهو وقت صعب شديد تحيط بهم النار من وراء وقدام،ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. قال: ويجوز أن يكون {يَعْلَمْ } متروكاً فلا تعدية بمعنى {لَوْ } كانمعهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و{حِينٍ } منصوب بمضمر أي {حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ }يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم أي لا يكفونها انتهى. والذي يظهر أن مفعول {يَعْلَمْ }محذوف لدلالة ما قبله أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستنبطوه. و{حِينٍ } منصوب بالمفعول الذيهو مجيء ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني والمعنى لو يعلمون مباشرة النار حين لايكفونها عن وجوههم، وذكر الوجوه لأنها أشرف ما في الإنسان وعجل حواسه، والإنسان أحرص على الدفاع عنه من غيره منأعضائه، ثم عطف عليها الظهور والمراد عموم النار لجميع أبدانهم ولا أحد يمنعهم من العذاب {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً } أيتفجؤهم. قال ابن عطية {بَلِ * تَأْتِهِم } استدراك مقدر قبله نفي تقديره إن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم انتهى.والظاهر أن الضمير في {تَأْتِيَهُمُ } عائد على النار. وقيل: على الساعة التي تصبرهم إلى العذاب. وقيل: على العقوبة. وقالالزمخشري: في عود الضمير إلى النار أو إلى الوعد لأنه في معنى النار وهي التي وعدوها، أو على تأويل العدةوالموعدة أو إلى الحين لأنه في معنى الساعة أو إلى البعثة انتهى. وقرأ الأعمش بل يأتيهم بالياء بغتة بفتحالغين فيبهتهم بالياء والضمير عائد إلى الوعد أو الحين قاله الزمخشري. وقال أبو الفضل الرازي: لعله جعل النار بمعنى العذابفذكر ثم رد ردّها إلى ظاهر اللفظ {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي يؤخرون عما حل بهم، ولما تقدم قوله {إِنيَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } سلاه تعالى بأن من تقدمه من الرسل وقع من أممهم الاستهزاء بهم، وأن ثمرة استهزائهم جنوهاهلاكاً وعقاباً في الدنيا والآخرة، فكذلك حال هؤلاء المستهزئين. وتقدم تفسير مثل هذه الآية في الأنعام. ثم أمره تعالىأن يسألهم من الذي يحفظكم في أوقاتكم من بأس الله أي لا أحد يحفظكم منه، وهو استفهام تقريع وتوبيخ. وفيآخر الكلام تقدير محذوف كأنه ليس لهم مانع ولا كالىء، وعلى هذا النفي تركيب بل في قوله {بَلْ هُمْ عَنذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } قاله ابن عطية. وقال الزمخشري: بل هم معرضون عن ذكره لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوابأسه حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكالىء وصلحوا للسؤال عنه، والمراد أنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالىء ثمبيّن أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم انتهى. وقرأ أبو جعفر والزهري وشيبة: يكلُوكم بضمة خفيفة منغير همز. وحكى الكسائي والفراء يكلَوكم بفتح اللام وإسكان الواو. {أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ } بمعنى بل، والهمزة كأنه قيلبل ألهم آلهة فأضرب ثم استفهم {تَمْنَعُهُمْ } من العذاب. وقال الحوفي {مّن دُونِنَا } متعلق بتمنعهم انتهى. قيل: والمعنىألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا. وقال ابن عباس: في الكلام تقديم وتأخير، تقديرهأم لهم آلهة من دوننا تمنعهم تقول: منعت دونه كففت أذاه فمن دوننا هو من صلة {ءالِهَةً } أي أملهم آلهة دوننا أو من صلة {تَمْنَعُهُمْ } أي {أَمْ لَهُمْ } مانع من سوانا. ثم استأنف الإخبار عن آلهتهمفبيَّن أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟ وقالابن عباس {يُصْحَبُونَ } يمنعون. وقال مجاهد: ينصرون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. وقال الشاعر:

ينادي بأعلى صوته متعوذا     ليصحب منا والرماح دوان

وقال مجاهد: يحفظون. وقال السدّي: لا يصحبهم من الملائكةمن يدفع عنهم، والظاهر عود الضمير في {وَلَّـٰهُمْ } على الأصنام وهو قول قتادة. وقيل: على الكفار وهو قول ابنعباس، وفي التحرير مدار هذه الكلمة يعني {يُصْحَبُونَ } على معنيين أحدهما أنه من صحب يصحب، والثاني من الإصحاب أصحبالرجل منعه من الآفات. {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاء وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلاْرْضَ نَنقُصُهَا مِنْأَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ قُلْ }:. {هَـؤُلاء } إشارة إلى المخاطبين قبل وهم كفار قريش، ومن اتخذ آلهة من دونالله أخبر تعالى أنه متع {هَـؤُلاء } الكفار {وَءابَاءهُمْ } من قبلهم بما رزقهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهمفي رخاء ونعمة، وتدعسوا في الضلالة بإمهاله تعالى إياهم وتأخيرهم إلى الوقت الذي يأخذهم فيه {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلاْرْضَنَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تقدم تفسير هذه الجملة في آخر الرعد. واقتصر الزمخشري من تلك الأقوال على معنىأنّا ننقص أرض الكفر ودار الحرب ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها دار إسلام قال: فإن قلت:أي فائدة في قوله {نَأْتِى ٱلاْرْضَ }؟ قلت: الفائدة فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهموسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها انتهى. وفي ذلك تبشير للمؤمنين بما يفتح الله عليهم،وأكثر المفسرين على أنها نزلت في كفار مكة وفي قولهم: {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } دليل على ذلك إذ المعنى أنهم همالغالبون، فهو استفهام فيه تقريع وتوبيخ حيث لم يعتبروا بما يجري عليهم. ثم أمره تعالى أن يقول {إِنَّمَا أُنذِرُكُمبِٱلْوَحْىِ } أي أعلمكم بما تخافون منه بوحي من الله لا من تلقاء نفسي، وما كان من جهة الله فهوالصدق الواقع لا محالة كما رأيتم بالعيان من نقصان الأرض من أطرافها، ثم أخبر أنهم مع إنذارهم معرضون عما أنذروابه فالإنذار لا يجدي فيهم إذ هم صم عن سماعه، ولما كان الوحي من المسموعات كان ذكر الصمم مناسباً و{ٱلصُّمُّ} هم المنذرون، فأل فيه للعهد وناب الظاهر مناب المضمر لأن فيه التصريح بتصامهم وسد أسماعهم إذا أنذروا، ولم يكنالضمير ليفيد هذا المعنى ونفي السماع هنا نفي جدواه. وقرأ الجمهور {يَسْمَعُ } بفتح الياء والميم {ٱلصُّمُّ } رفعبه و{ٱلدُّعَاء } نصب. وقرأ ابن عامر وابن جبير عن أبي عمرو وابن الصلت عن حفص بالتاء من فوق مضمومةوكسر الميم {ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء } بنصبهما والفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول ﷺ. وقرأ كذلك إلا أنه بالياءمن نحت أي {وَلاَ يَسْمَعُ } الرسول وعنه أيضاً {وَلاَ يَسْمَعُ } مبنياً للمفعول {ٱلصُّمُّ } رفع به ذكره ابنخالويه. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبي عمرو {يَسْمَعُ } بضم الياء وكسر الميم {ٱلصُّمُّ } نصباً{ٱلدُّعَاء } رفعاً بيسمع، أسند الفعل إلى الدعاء اتساعاً والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل: ولا يسمع النداء الصم شيئاً.ثم أخبر تعالى أن هؤلاء الذين صموا عن سماع ما أنذروا به إذا نالهم شيء مما أنذروا به، ولو كانيسيراً نادوا بالهلاك وأقروا بأنهم كانوا ظالمين، نبهوا على العلة التي أوجبت لهم العذاب وهو ظلم الكفر وذلوا وأذعنوا. قالابن عباس: {نَفْحَةٌ } طرف وعنه هو الجوع الذي نزل بمكة وقال ابن جريج: نصيب من قولهم نفح له منالعطاء نفحة إذا أعطاه نصيباً وفي قوله {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ } ثلاث مبالغات لفظ المس، وما في مدلول النفح منالقلة إذ هو الريح اليسير أو ما يرضخ من العطية، وبناء المرة منه ولم يأت نفح فالمعنى أنه بأدنى إصابةمن أقل العذاب أذعنوا وخضعوا وأقروا بأن سبب ذلك ظلمهم السابق. ولما ذكروا حالهم في الدنيا إذا أصيبوا بشيءاستطرد لما يكون في الآخرة التي هي مقر الثواب والعقاب، فأخبر تعالى عن عدله وأسند ذلك إلى نفسه بنون العظمةفقال {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ } وتقدم الكلام في الموازين في أول الأعراف، واختلاف الناس في ذلك هل ثم ميزان حقيقة وهوقول الجمهور أو ذلك على سبيل التمثيل عن المبالغة في العدل التام وهو قول الضحاك وقتادة؟ قالا: ليس ثم ميزانولكنه العدل والقسط مصدر وصفت به الموازين مبالغة كأنها جعلت في أنفسها القسط، أو على حذف مضاف أي ذوات {ٱلْقِسْطَ} ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله أي لأجل {ٱلْقِسْطَ }. وقرىء القصط بالصاد. واللام في {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال الزمخشري:مثلها في قولك: جئت لخمس ليال خلون من الشهر. ومنه بيت النابغة:

ترسمت آيات لها فعرفتها     لستة أعوام وذا العام سابع

انتهى. وذهب الكوفيون إلى أن اللام تكون بمعنى في ووافقهم ابن قتيبة من المتقدمين، وابنمالك من أصحابنا المتأخرين، وجعل من ذلك قوله {ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي في يوم، وكذلك لا يجليها لوقتها إلاّهو أي في وقتها وأنشد شاهداً على ذلك لمسكين الدارمي:

أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم     كما قد مضى من قبل عاد وتبع

وقول الآخر:

وكل أب وابن وإن عمرا معاًمقيمين مفقود لوقت وفاقد    

وقيل اللام هناللتعليل على حذف مضاف، أي لحساب يوم القيامة و{شَيْئاً } مفعول ثان أو مصدر. وقرأ الجمهور: {مِثْقَالَ } بالنصبخبر {كَانَ } أي وإن كان الشيء أو وإن كان العمل وكذا في لقمان، وقرأ زيد بن عليّ وأبو جعفروشيبة ونافع {مِثْقَالَ } بالرفع على الفاعلية و{كَانَ } تامة. وقرأ الجمهور {ءاتَيْنَا } من الإتيان أي جئنا بها، وكذاقرأ أبي أعني جئنا وكأنه تفسير لأتينا. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفربن محمد وابن شريح الأصبهاني آتينا بمده على وزن فاعلنا من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، فمعناه جازينا بها ولذلك تعدىبحرف جر، ولو كان على أفعلنا من الإيتاء بالمد على ما توهمه بعضهم لتعدى مطلقاً دون جاز قاله أبو الفضلالرّازي. وقال الزمخشري: مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء انتهى. وقال ابن عطية علىمعنى: و{ءاتَيْنَا } من المواتاة، ولو كان آتينا أعطينا لما تعدت بحرف جرّ، ويوهن هذه القراءة أن بدل الواو المفتوحةهمزة ليس بمعروف، وإنما يعرف ذلك في المضمومة والمكسورة انتهى. وقرأ حميد: أثبنا بها من الثواب وأنث الضمير في {بِهَا} وهو عائد على مذكر وهو {مِثْقَالَ } لإضافته إلى مؤنث }كفى بنا حاسبين} فيه توعد وهو إشارة إلى ضبطأعمالهم من الحساب وهو العدّ والإحصاء، والمعنى أنه لا يغيب عنا شيء من أعمالهم. وقيل: هو كناية عن المجازاة، والظاهرأن {*}كفى بنا حاسبين} فيه توعد وهو إشارة إلى ضبط أعمالهم من الحساب وهو العدّ والإحصاء، والمعنى أنه لا يغيبعنا شيء من أعمالهم. وقيل: هو كناية عن المجازاة، والظاهر أن {*} فيه توعد وهو إشارة إلى ضبط أعمالهم منالحساب وهو العدّ والإحصاء، والمعنى أنه لا يغيب عنا شيء من أعمالهم. وقيل: هو كناية عن المجازاة، والظاهر أن {حَـٰسِبِينَ} تمييز لقبوله من، ويجوز أن يكون حالاً. ولما ذكر ما أتى به رسوله ﷺ منالذكر وحال مشركي العرب معه، وقال: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ } أتبعه بأنه عادة الله في أنبيائه فذكر ما آتى{مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } إشارة إلى قصتهما مع قومهما مع ما أوتوا من الفرقان والضياء والذكر، ثم نبه على ما آتىرسوله من الذكر المبارك ثم استفهم على سبيل الذكر على إنكارهم ثم نبه على ما آتى رسوله صلى الله عليهوسلم. و{ٱلْفُرْقَانَ } التوراة وهو الضياء، والذكر أي كتاباً هو فرقان وضياء، وذكر ويدل على هذا المعنى قراءة ابن عباسوعكرمة والضحاك ضياء وذكراً بغير واو في ضياء. وقالت فرقة: القرآن ما رزقه الله من نصره وظهور حجته وغير ذلك،مما فرق بين أمره وأمر فرعون والضياء التوراة، والذكر التذكرة والموعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم أوالشرف والعطف بالواو يؤذن بالتغاير. وعن ابن عباس {ٱلْفُرْقَانَ } الفتح لقوله

{ يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ }

وعن الضحاك قلق البحر. وعنمحمد بن كعب: المخرج من الشبهات و{ٱلَّذِينَ } صفة تابعة أو مقطوعة برفع أو نصب أو بدل. ولما ذكرالتقوى ذكر ما أنتجته وهو خشية الله والإشفاق من عذاب يوم القيامة والساعة القيامة وبالغيب. قال الجمهور: يخافونه ولم يروه.وقال مقاتل: يخافون عذابه ولم يروه. وقال الزجاج: يخافونه من حيث لا يراهم أحد ورجحه ابن عطية. وقال أبو سليمانالدمشقي: يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس، والإشفاق شدة الخوف، واحتمل أن يكون قوله {وَهُمْ مّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } استئنافإخبار عنهم، وأن يكون معطوفاً على صلة {ٱلَّذِينَ }، وتكون الصلة الأولى مشعرة بالتجدّد دائماً كأنها إحالتهم فيما يتعلق بالدنيا،والصلة الثانية من مبتدأ وخبر عنه بالاسم المشعر بثبوت الوصف كأنها حالتهم فيما يتعلق بالآخرة. ولما ذكر ما آتىموسى وهارون عليهما السلام أشار إلى ما آتى محمداً ﷺ فقال {وَهَـٰذَا } أي القرآن {ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} أي كثير منافعه غزير خبره، وجاء هنا الوصف بالاسم ثم بالجملة جرياً على الأشهر وتقدم الكلام على قوله فيالأنعام

{ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ }

وبينا هناك حكمة تقديم الجملة على الاسم {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } استفهام إنكار وتوبيخوهو خطاب للمشركين، والضمير في {لَهُ } عائد على ذكر وهو القرآن، وفيه تسلية للرسول ﷺ إذاأنكر ذلك المشركون كما أنكر أسلاف اليهود ما أنزل الله على موسى عليه السلام.

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } * { وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } * { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } * { قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } * { قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ } * { قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ } * { وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } * { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } * { قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } * { قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } * { قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ } * { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } * { فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * { ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ } * { قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ } * { أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } * { قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ } * { وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ } * { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } * { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ } * { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ } * { وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ } * { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } * { وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } * { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } * { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ } * { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ } * { وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ } * { وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } * { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } * { فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ } * { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ } * { وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ } * { فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ } * { وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } * { إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ } * { وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } * { فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } * { وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } * { حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } * { وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ } * { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } * { لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } * { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } * { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ } * { لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } * { يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } * { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } * { إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } * { قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } * { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } * { إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } * { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } * { قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }[عدل]

التمثال: الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى، مثلت الشيء بالشيء إذاشبهته به. قال الشاعر:

ويا رب يوم قد لهوت وليلة     بآنسة كأنها خط تمثال

الجذ القطع.قال الشاعر:

بنو المهلب جذ الله دابرهم     أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف

النكس: قلب الشيء بحيثيصير أعلاه أسفل، ونكس رأسه بالتشديد والتخفيف طأطأ حتى صار أعلاه أسفل. البرد: مصدر برد، يقال: برد الماء حرارة الجوفيبردها. قال الشاعر:

وعطل قلوصي في الركاب فإنهاستبرد أكباداً وتبكي بواكيا    

النفس: رعي الماشية بالليل بغير راع، والهملبالنهار بلا راع، الغوص: الدخول تحت الماء لاستخراج ما فيه. قال الشاعر:

أو درة صدقة غواصها بهج     متى يرها يهل ويسجد

النون: الحوت ويجمع على نينان، وروي: النينان قبله الحمر. الفرج: يطلق على الحروالذكر مقابل الحر وعلى الدبر. قال الشاعر:

وأنت إذا استدبرته شد فرجه     مضاف فويق الأرض ليس بأعزل

الحدب: المسنم من الأرض كالجبل والكدبة والقبر ونحوه. النسلان: مقاربة الخطو مع الإسراع قال الشاعر:

عسلان الذئب أمسى قاربا     برد الليل عليه فنسل

الحصب: الحطب بلغة الحبشة إذا رمى به في النار قبلوقبل أن يرمي به لا يسمى حصباً. وقيل: الحصب ما توقد به النار. السجل: الصحيفة. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُمِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ * إِذْ قَالَ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَاءابَاءنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ* قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ * ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ * وَتَٱللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْبَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ }. لما تقدم الكلام في دلائلالتوحيد والنبوة والمعاد أتبع ذلك بثلاثة عشر نبياً غير مراعى في ذكرهم الترتيب الزماني، وذكر بعض ما نال كثيراً منهممن الابتلاء كل ذلك تسلية للرسول ﷺ وليتأسى بهم فيما جرى عليه من قومه. وقرأ الجمهور{رُشْدَهُ } بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفى {*رَشَدة} بفتح الراء والشين وأضاف الرشد إلى {ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } بمعنىأنه رشد مثله وهو رشد الأنبياء وله شأن أيّ شأن، والرشد النبوة والاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، أوهما داخلان تحت الرشد أو الصحف والحكمة أو التوفيق للخير صغيراً أقوال خمسة، والمضاف إليه من قبل محذوف وهو معرفةولذلك بنى {قَبْلُ } أي {مِن قَبْلُ } موسى وهارون قاله الضحاك كقوله في الأنعام

{ وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ }

أي من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأبعد من ذهب إلى أن التقدير {مِن قَبْلُ } بلوغه أو {مِن قَبْلُ }نبوته يعني حين كان في صلب آدم. وأخذ ميثاق الأنبياء، أو من قبل محمد ﷺ لأنها محذوفاتلا يدل على حذفها دليل بخلاف {مِنْ * قِيلَ } موسى وهارون لتقدم ذكرهما. وقربه، والضمير في {بِهِ } الظاهرأنه عائد على إبراهيم. وقيل: على الرشد وعلمه تعالى أنه علم منه أحوالاً عجيبة وأسراراً بديعة فأهله لخلته كقوله: اللهأعلم حيث يجعل رسالاته، وهذا من أعظم المدح وأبلغه إذ أخبر تعالى أنه آتاه الرشد وأنه عالم بما آتاه بهعليه السلام. ثم استطرد من ذلك إلى تفسير الرشد وهو الدعاء إلى توحيد الله ورفض ما عبد من دونه.و{إِذْ } معمولة لآتينا أو {*رشدة} و{بِهِ عَـٰلِمِينَ } وبمحذوف أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت، وبدأ أولاً بذكرأبيه لأنه الأهم عنده في النصيحة وإنقاذه من الضلال ثم عطف عليه {قَوْمِهِ } كقوله

{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلاْقْرَبِينَ }

وفيقوله {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ } تحقير لها وتصغير لشأنها وتجاهل بها مع علمه بها وبتعظيمهم لها. وفي خطابه لهم بقوله{أَنتُمْ } استهانة بهم وتوقيف على سوء صنيعهم، وعكف يتعدى بعلى كقوله

{ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ }

فقيل {لَهَا }هنا بمعنى عليها كما قيل في قوله

{ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }

والظاهر أن اللام في {لَهَا } لام التعليل أيلتعظيمها، وصلة {عَـٰكِفُونَ } محذوفة أي على عبادتها. وقيل: ضمن {عَـٰكِفُونَ } معنى عابدين فعداه باللام. وقال الزمخشري: لمينو للعاكفين محذوفاً وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله فاعلون العكوف لها أو واقفون لها انتهى. ولما سألهم أجابوهبالتقليد البحت، وأنه فعل آبائهم اقتدوا به من غير ذكر برهان، وما أقبح هذا التقليد الذي أدى بهم إلى عبادةخشب وحجر ومعدن ولجاجهم في ذلك ونصرة تقليدهم وكان سؤاله عن عبادة التماثيل وغايته أن يذكروا شبهة في ذلك فيبطلها،فلما أجابوه بما لا شبهة لهم فيه وبدا ضلالهم {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي فيحيرة واضحة لا التباس فيها، وحكم بالضلال على المقلدين والمقلدين وجعل الضلال مستقراً لهم و{أَنتُمْ } توكيد للضمير الذي هواسم {كَانَ } قال الزمخشري: و{أَنتُمْ } من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به لأن العطف على ضميرهو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه

{ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ }

انتهى، وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصحالكلام مع الإخلال به لأن الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل المرفوع، ولا فصلوتنظيره ذلك: باسكن أنت وزوجك الجنة مخالف لمذهبه في {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ } لأنه يزعم أن وزوجك ليس معطوفاً علىالضمير المستكن في {ٱسْكُنْ } بل قوله: {وَزَوْجُكَ } مرتفع على إضمار، وليسكن فهو عنده من عطف الجمل وقوله هذامخالف لمذهب سيبويه. ولما جرى هذا السؤال وهذا الجواب تعجبوا من تضليله إياهم إذ كان قد نشأ بينهم وجوزواأن ما قاله هو على سبيل المزاح لا الجد، فاستفهموه أهذا جد منه أم لعب والضمير في {قَالُواْ } عائدعى أبيه وقومه و{بِٱلْحَقّ } متعلق بقولهم {أَجِئْتَنَا } ولم يريدوا حقيقة المجيء لأنه لم يكن عنهم غائباً فجاءهم وهونظير

{ قَالَ أولو جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ }

والحق هنا ضد الباطل وهو الجد، ولذلك قابلوه باللعب، وجاءت الجملة اسمية لكونهاأثبت كأنهم حكموا عليه بأنه لاعب هازل في مقالته لهم ولكونها فاصلة. ثم أضرب عن قولهم وأخبر عن الجدوأن المالك لهم والمستحق العبادة هو ربهم ورب هذا العالم العلوي والعالم السفلي المندرج فيه أنتم ومعبوداتكم نبه على الموجبللعبادة وهو منشىء هذا العالم ومخترعه من العدم الصرف. والظاهر أن الضمير في {فطَرَهُنَّ } عائد على السموات والأرض، ولمالم تكن السموات والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة. وقيل في {فطَرَهُنَّ } عائد على التماثيل.قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم انتهى. وقال ابن عطية: {فطَرَهُنَّ } عبارة عنها كأنها تعقل،هذه من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت في مواضع بما يوصف به من يعقل. وقال غير {فطَرَهُنَّ } أعادضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنها من قبيل من يعقل، فإن الله أخبر بقوله

{ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }

وقوله ﷺ: أطلت السماء وحق لها أن تئط . انتهى. وكأن ابن عطية وهذاالقائل تخيلاً أن هن من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين منيعقل وما لا يعقل من المؤنث المجموع ومن ذلك قوله

{ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ }

والضمير عائد على الأربعة الحرم،والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ربوبيته تعالى ووصفه بالاختراع لهذا العالم و{مِنْ } للتبعيض أي الذين يشهدون بالربوبية كثيرون، وأنابعض منهم أي ما قلته أمر مفروغ منه عليه شهود كثيرون فهو مقال مصحح بالشهود. و{عَلَىٰ ذٰلِكُمْ } متعلق بمحذوفتقديره {وَأَنَا } شاهد {عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أو على جهة البيان أي أعني {عَلَىٰ ذٰلِكُمْ } أو باسمالفاعل وإن كان في صلة أل لاتساعهم في الظرف والمجرور أقوال تقدمت في

{ إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ }

وبادرهم أولاًبالقول المنبه على دلالة العقل فلم ينتفعوا بالقول، فانتقل إلى القول الدال على الفعل الذي مآله إلى الدلالة التامّة علىعدم الفائدة في عبارة ما يتسلط عليه بالكسر والتقطيع وهو لا يدفع ولا يضر ولا ينفع ولا يشعر بما وردعليه من فك أجزائه فقال: {وَتَٱللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } وقرأ الجمهور {وَتَٱللَّهِ } بالتاء. وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بنحنبل بالله بالباء بواحدة من أسفل. قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين التاء والباء؟ قلت: إن الباء هي الأصلوالتاء بدل من الواو المبدل منها، وإن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يبدهوتأتيه لأن ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته وتعذره، ولعمري إن مثله صعب متعذر في كل زمان خصوصاً في زمننمروذ مع عتوّه واستكبار وقوّة سلطانه وتهالكه على نصر دينه ولكن:

إذا الله سنى عقد شيء تيسرا    

انتهى. أما قولهالباء هي الأصل إنما كانت أصلاً لأنها أوسع حروف القسم إذ تدخل على الظاهر، والمضمر ويصرح بفعل القسم معها وتحذفوأما أن التاء بدل من واو القسم الذي أبدل من باء القسم فشيء قاله كثير من النحاة، ولا يقوم علىذلك دليل وقدر هذا القول السهيلي والذي يقتضيه النظر أنه ليس شيء منها أصفلا لآخر. وأما قوله: إن التاء فيهازيادة معنى وهو التعجب فنصوص النحاة أن التاء يجوز أن يكون معها تعجب، ويجوز أن لا يكون واللام هي التييلزمها التعجب في القسم. والكيد الاحتيال في وصول الضرر إلى المكيد، والظاهر أن هذه الجملة خاطب بها أباه وقومهوأنها مندرجة تحت القول من قوله {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ }. وقيل: قال ذلك سرًّا من قومه وسمعه رجل واحد. وقيل:سمعه قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس يوم خرجوا إلى العيد وكانت الأصنام سبعين. وقيل: اثنين وسبعين.وقرأ الجمهور {تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } مضارع ولّى. وقرأ عيسى بن عمر {تَوَلَّوْاْ } فحذف إحدى التاءين وهي الثانية على مذهبالبصريين. والأولى على مذهب هشام وهو مضارع تولى وهو موافق لقوله

{ فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ }

ومتعلق {تَوَلَّوْاْ } محذوف أيإلى عيدكم. وروي أن آزر خرج به في يوم عيد لهم فبدؤوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماًخرجوا به معهم، وقالوا: لن ترجع بركة الآلهة على طعامنا فذهبوا، فلما كان في الطريق ثنى عزمه عن المسير معهمفقعد وقال: إني سقيم. وقال الكلبي: كان إبراهيم من أهل بيت ينظرون في النجوم، وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لميتركوا إلا مريضاً فأتاهم إبراهيم بالذي هم فيه فنظر قبل يوم العيد إلى السماء وقال لأصحابه: إني أشتكي غداً وأصبحمعصوب الرأس فخرجوا ولم يتخلف أحد غيره، وقال {وَتَٱللَّهِ لاكِيدَنَّ } إلى آخره وسمعه رجل فحفظه ثم أخبر به فانتشرانتهى. وفي الكلام حذف تقديره فتولوا إلى عيدهم فأتى إبراهيم الأصنام {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } قال ابن عباس: حطاماً. وقالالضحاك: أخذ من كل عضوين عضواً. وقيل: وكانت الأصنام مصطفة وصنم منها عظيم مستقبل الباب من ذهب وفي عينيه درتانمضيئتان فكسرها بفأس إلا ذلك الصنم وعلق الفأس في عنقه، وقيل: علقه في يده. وقرأ الجمهور {جُذَاذاً } بضم الجيموالكسائي وابن محيصن وابن مقسم وأبو حيوة وحميد والأعمش في رواية بكسرها، وابن عباس وأبو نهيك وأبو السماك بفتحها وهيلغات أجودها الضم كالحظام والرفات قاله أبو حاتم. وقال اليزيدي {جُذَاذاً } بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة. وقيل: بالكسر جمعجذيذ ككريم وكرام. وقيل: الفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود فالمعنى مجذوذين. وقال قطرب في لغاته الثلاث هو مصدر لا يثنىولا يجمع. وقرأ يحيـى بن وثاب جذذاً بضمتين جمع جذيذ كجديد وجدد. وقرىء جُعذذاً بضم الجيم وفتح الذال مخففاً منفعل كسر رفي سرر جمع سرير وهي لغة لكلب، أو جمع جذة كقبة وقبب. وأتى بضمير من يعقل فيقوله {فَجَعَلَهُمْ } إذ كانت تعبد وقوله {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } استثناء من الضمير في {فَجَعَلَهُمْ } أي فلم يكسر،والضمير في {لَهُمْ } يحتمل أن يعود على الأصنام وأن يعود على عباده، والكبر هنا عظم الجثة أو كبيراً فيالمنزلة عندهم لكونهم صاغوه من ذهب وجعلوا في عينيه جوهرتين تضيئان بالليل، والضمير في {إِلَيْهِ } عائد على إبراهيم أيفعل ذلك ترجياً منه أن يعقب ذلك رجعه إليه وإلى شرعه. قال الزمخشري: وإنما استبقى الكبير لأنه غلب في ظنهأنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكار لدينهم وسبه لآلهتهم فيبكتهم بما أجاب به من قوله

{ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْـئَلُوهُمْ }

. وقال ابن عطية: يحتمل أن يعود إلى الكبير المتروك ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلامانتهى وهو قول الكلبي. قال الزمخشري: ومعنى هذا لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون مالهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك قال: هذا بناء على ظنه بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهمفي آلهتهم وتعظيمهم لها أو قاله مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم واستجهالاً، وإن قياس حال من يسجدله ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل فإن قلت: فإذا رجعوا إلى الصنم بمكابرتهم لعقولهم ورسوخ الإشراك فيأعراقهم فأي فائدة دينية في رجوعهم إليه حتى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه غرضاً؟ قلت: إذا رجعوا إليه تبين أنهعاجز لا ينفع ولا يضر وظهر أنهم في عبادته على أمرعظيم. {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ* قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ * قَالُواْ * قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ *قَالُواْ ءأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا يإِبْرٰهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْـئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ * فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْفَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِمَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }. في الكلاممحذوف تقديره: فلما رجعوا من عيدهم إلى آلهتهم ورأوا ما فعل بها استفهموا على سبيل البحث والإنكار فقالوا: {مَن فَعَلَهَـٰذَا } أي التكسير والتحطيم إنه لظالم في اجرتائه على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير {قَالُواْ } أي قال الذين سمعواقوله

{ وَتَٱللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ }

{يَذْكُرُهُمْ } أي بسوء. قال الفراء: يقول الرجل للرجل لئن ذكرتني لتندمن أي بسوء.قال الزمخشري: فإن قلت: ما حكم الفعلين بعد {سَمِعْنَا فَتًى } وأي فرق بينهما؟ قلت: هما صفتان لفتى إلا أنالأول وهو يذكرهم لا بد منه لسمع لأنك لا تقول: سمعت زيداً وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمع، وأما الثانيفليس كذلك انتهى. وأما قوله: هما صفتان فلا يتعين ذلك لما أذكره إما سمع فإما أن يدخل على مسموع أوغيره إن دخلت على مسموع فلا خلاف أنها تتعدى إلى واحد نحو: سمعت كلام زيد ومقالة خالد، وإن دخلت علىغير مسموع فاختلف فيها. فقيل: إنها تتعدى إلى اثنين وهو مذهب الفارسي، ويكون الثاني مما يدل على صوت فلا يقالسمعت زيداً بركب، ومذهب غيره أن سمع يتعدى إلى واحد والفعل بعده إن كان معرفة في موضع الحال منها أونكرة في موضع الصفة، وكلا المذهبين يستدل لهما في علم النحو فعلى هذا المذهب الآخر يتمشى قول الزمخشري أنه صفةلفتى، وأما على مذهب أبي عليّ فلا يكون إلاّ في موضع المفعول الثاني لسمع. وأما {يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ }فيحتمل أن يكون جواباً لسؤال مقدر لما قالوا {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } وأتوا به منكراً قيل: من يقال له فقيلله إبراهيم، وارتفع {إِبْرَاهِيمَ } على أنه مقدر بجملة تحكى بقال، إما على النداء أي {يُقَالُ لَهُ } حين يدعىيا {إِبْرَاهِيمَ } وإما على خبر مبتدأ محذوف أي هو {إِبْرَاهِيمَ } أو على أنه مفرد مفعول لما لم يسمفاعله، ويكون من الإسناد للفظ لا لمدلوله، أي يطلق عليه هذا اللفظ وهذا الآخر هو اختيار الزمخشري وابن عطية، وهومختلف في إجازته فذهب الزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن مالك إلى تجويز نصب القول للمفرد مما لا يكون مقتطعاً منجملة نحو قوله:

إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة    

ولا مفرداً معناه معنى الجملة نحو قلت: خطبة ولا مصدراً نحو قلتقولاً، ولا صفة له نحو: قلت حقاً بل لمجرد اللفظ نحو قلت زيداً. ومن النحويين من منع ذلك وهو الصحيحإذ لا يحفظ من لسانهم قال: فلان زيداً ولا قال ضرب ولا قال ليت، وإنما وقع القول في كلام العربلحكاية الجمل وذهب الأعلم إلى أن {إِبْرَاهِيمَ } ارتفع بالإهمال لأنه لم يتقدمه عامل يؤثر في لفظه، إذ القول لايؤثر إلاّ في المفرد المتضمن لمعنى الجملة فبقي مهملاً والمهمل إذا ضم إلى غيره ارتفع نحو قولهم: واحد واثنان إذاعدّوا ولم يدخلوا عاملاً لا في اللفظ ولا في التقدير، وعطفوا بعض أسماء العدد على بعض، والكلام على مذهب الأعلموإبطاله مذكور في النحو. {قَالُواْ } أي أحضروه {بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } أي معايناً بمرأى منهم فعلى أعينالناس في موضع الحال و{عَلَىٰ } معناها الاستعلاء المجازي كأنه لتحديقهم إليه وارتفاع أبصارهم لرؤيته مستعل على أبصارهم {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} عليه بما سمع منه أو بما صدر منه من تكسير أصنامهم أو يشهدون ما يحل به من عذابنا أوغلبنا له المؤدي إلى عذابه. وقيل: {ٱلنَّاسِ } هنا خواص الملك وأولياؤه وفي الكلام حذف تقديره {فَأْتُواْ بِهِ } علىتلك الحالة من نظر الناس إليه. {قَالُواْ ءأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا } أي الكسر والتهشيم {بِـئَالِهَتِنَا } وارتفاع {أَنتَ }المختار أنه بفعل محذوف يفسره {فَعَلْتَ } ولما حذف انفصل الضمير، ويجوز أن يكون مبتدأ وإذا تقدم الاسم في نحوهذا التركيب على الفعل كان الفعل صادراً واستفهم عن فاعله وهو المشكوك فيه، وإذا تقدم الفعل كان الفعل مشكوكاً فيهفاستفهم عنه أوقع أو لم يقع، والظاهر أن {بَلِ } للإضراب عن جملة محذوفة أي قال لم أفعله إنما الفاعلحقيقة هو الله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } وأسند الفعل إلى {كَبِيرُهُمْ } على جهة المجاز لما كان سبباً في كسرهذه الأصنام هو تعظيمهم وعبادتهم له ولما دونه من الأصنام كان ذلك حاملاً على تحطيمها وكسرها فأسند الفعل إلى الكبيرإذ كان تعظيمهم له أكثر من تعظيمهم ما دونه، وقال قريباً من هذا الزمخشري. ويحتمل أن يكون فعل الكبير متقيداًبالشرط فيكون قد علق على ممتنع أي فلم يكن وقع أي إن كان هؤلاء الأصنام {يِنْطِقُونَ } ويخبرون من الذيصنع بهم ذلك فالكبير هو الذي صنع ذلك وأشار إلى نحو من هذا ابن قتيبة. وقال الزمخشري: هذا منتعاريض الكلام ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الراضة من علماء المعاني، والقول فيه إن قصد إبراهيم صلواتالله عليه لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوبتعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما قال لك صاحبك وقد كتبت إليه كتاباً بخط رشيق وأنتشهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا وصاحبك أميّ لا يحسن الخط أو لا يقدر إلاّ على خرمشة فاسدة؟ فقلت له:بل كتبته أنت كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك ولا إثباته للأمي أو المخرمشلأن إثباته والأمر دائر بينكما للعاجز منكما استهزاءً وإثبات للقادر، ويجوز أن يكون حكاية لما يعود إلى تجويزه مذهبهم كأنهقال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعي إلهاً أن يقدر على هذا وأشد منه.ويحكى أنه قال {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } هذا غضب أن يعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها انتهى. ومن جعلالفاعل بفعله ضميراً يعود على قوله فتى أو على ابراهيم أو قال آخر بغير المطابق لمصلحة دينية، واستدل بما رويفي الحديث أو وقف على {بَلْ فَعَلَهُ } أي فعله من فعله وجعل {كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } مبتدأ وخبراً وهو الكسائيأو أصله {*فعلة} بمعنى لعله وخفف اللام وهو الفراء مستدلاً بقراءة ابن السميفع {بَلْ فَعَلَهُ } بمعنى لعله مشدد اللامفهم بعداء عن طريق الفصاحة {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ } أي إلى عقولهم حين ظهر لهم ما قال إبراهيم عليه الصلاةوالسلام من أن الأصنام التي أهلوها للعبادة ينبغي أن تسأل وتستفسر قبل، ويحتمل أن يكون {فَرَجَعُواْ } أي رجع بعضهمإلى بعض {فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } في سؤالكم إبراهيم حين سألتموه ولم تسألوها ذكره ابن جرير، أو حين عبدتمما لا ينطق قاله ابن عباس، أو حين لم تحفظوا آلهتكم قاله وهب، أو في عبادة الأصاغر مع هذا الكبيرقاله وهب أيضاً أو حين أبهتهم إبراهيم والفأس في عنق الكبير قاله مقاتل وابن إسحاق أو {ٱلظَّـٰلِمُونَ } حقيقة حيثنسيتم إبراهيم إلى الظلم في قولكم {إِنَّهُ عَلِىٌّ * ٱلْظَّـٰلِمِينَ } إذ هذه الأصنام مستحقة لما فعل بها. {ثُمَّنُكِسُواْ عَلَىٰ * رُؤُوسَهُمْ } أي ارتكبوا في ضلالهم وعلموا أن الأصنام لا تنطق فساءهم ذلك حين نبه على قيامالحجة عليهم وهي استعارة للذي يرتطم في غيه كأنه منكوس على رأسه وهي أقبح هيئة للإنسان، فكان عقله منكوس أيمقلوب لانقلاب شكله، وجعل أعلاه أسفله فرجوعهم إلى أنفسهم كناية عن استقامة فكرهم ونكسهم كناية عن مجادلتهم ومكابرتهم. ويحتمل أنيكون {نُكِسُواْ عَلَىٰ * رُؤُوسَهُمْ } كناية عن تطأطىء رؤوسهم وتنكيسها إلى الأرض على سبيل الخجل والانكسار مما بهتهم بهإبراهيم من قول الحق ودمغهم به فلم يطيقوا جواباً. {وَلَقَدْ عَلِمَتِ } جواب قسم محذوف معمول لقول محذوف فيموضع الحال أي قائلين {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـؤُلاء يَنطِقُونَ } فكيف تقول لنا {فَاسْـئَلُوهُمْ } إنما قصدت بذلك توبيخاً ويحتملأن يكون النكس للفكرة فيما يجيبون به. وقال مجاهد {نُكِسُواْ عَلَىٰ * رُؤُوسَهُمْ } أي ردّت السفلة على الرؤساء و{عَلِمَتِ} هنا معلقة، والجملة المنفية في موضع مفعولي علمت إن تعدت إلى اثنين أو في موضع مفعول واحد إن تعدتلواحد. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم وابن الجارود والبكراوي كلاهما عن هشام بتشديد كاف {نُكِسُواْ } وقرأرضوان بن المعبود {نُكِسُواْ } بتخفيف الكاف مبنياً للفاعل أي نكسوا أنفسهم. ولما ظهرت الحجة عليهم أخذ يقرعهم ويوبخهمبعباده تماثيل ما لا ينفع ولا يضر، ثم أبدى لهم التضجر منهم ومن معبوداتهم وتقدم الخلاف في قراءة {أُفّ }واللغات فيها واللام في {لَكُمْ } لبيان المتأفف به أي لكم ولآلهتكم، هذا التأفف ثم نبههم على ما به يدركحقائق الأشياء وهو العقل فقال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي قبح ما أنتم عليه وهو استفهام توبيخ وإنكار. {قَالُواْ حَرّقُوهُوَٱنصُرُواْ ءالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ * قُلْنَا يٰذَا * نَّارٍ * كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداًفَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلاْخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلاْرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ* وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلوٰة وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ وَكَانُواْ لَنَا عَـٰبِدِينَ * وَلُوطاً اتَيْنَـٰهُ حُكْماًوَعِلْماً وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰئِثَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فَـٰسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ* وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَاإِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ * وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْشَـٰهِدِينَ * فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍلَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلاْرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلّشَىْء عَـٰلِمِينَ * وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ }. ولما نبههم علىقبيح مرتكبهم وغلبهم بإقامة الحجة عليهم لاذوا بالإيذاء له والغضب لآلهتهم واختاروا أشد العذاب وهو الإحراق بالنار التي هي سببللإعدام المحض والإتلاف بالكلية وكذا كل من أقيمت عليه الحجة وكانت له قدرة يعدل إلى المناصبة والإذابة كما كانت قريشتفعل مع رسول الله ﷺ حين دمغهم بالحجة وعجزوا عن معارضة ما آتاهم به عدلوا إلى الانتقاموإيثار الاغتيال، فعصمه الله والظاهر أن قول {قَالُواْ حَرّقُوهُ } أي قال بعضهم لبعض. وقيل: أشار بإحراقه نمروذ. وعن ابنعمر رضي الله عنهما: رجل من أعراب العجم. قال الزمخشري: يريد الأكراد. وقال ابن عطية: روي أنه رجل من الأكرادمن أعراب فارس أي باديتها فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وذكروا لهذا القائل اسماً مختلفاًفيه لا يوقف منه على حقيقة لكونه ليس مضبوطاً بالشكل والنقط، وهكذا تقع أسماء كثيرة أعجمية في التفاسير لا يمكنالوقوف منها على حقيقة لفظ لعدم الشكل والنقط فينبغي اطراح نقسها. وروي أنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوابيتاً كالحظيرة بكوثي واختلفوا في عدة حبسه وفي عرض الحظيرة وطولها، ومدة جمع الحطب، ومدة الإيقاد، ومدة سنه إذ ذاك،ومدة إقامته في النار وكيفية ما صارت أماكن النار اختلافاً متعارضاً تركنا ذكره واتخذوا منجنيقاً. قيل: بتعليم إبليس إذ كانلم يصنع قبل فشد إبراهيم رباطاً ووضع في كفة المنجنيق ورمى به فوقع في النار. وروي أن جبريل عليه السلامجاءه وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وذكر المفسرون أشياء صدرت من الورغ والبغل والخطاف والضفدعوالعضرفوط الله أعلم بذلك. وعن ابن عباس: إنما نجا بقوله حسبي الله ونعم الوكيل. قيل: وأطل نمروذ من الصرح فإذاإبراهيم في روضة ومعه جليس له من الملائكة فقال إني مقرب إلى آلهك فذبح أربعة آلاف بقرة. وكف عن ابراهيم،وكان إبراهيم إذ ذاك ابن ست عشرة سنة، وقد أكثر الناس في حكاية ما جرى لإبراهيم والذي صح هو ماذكره تعالى من أنه ألقي في النار فجعلها الله عليه {بَرْداً وَسَلَـٰمَا } وخرج منها سالماً فكانت أعظم آية والظاهرأن القائل {قُلْنَا يٰذَا * نَّارٍ } هو الله تعالى. وقيل: جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى. وعن ابن عباس:لو لم يقل: {وَسَلَـٰماً } لهلك إبراهيم من البرد، ولو لم يقل على إبراهيم لما أحرقت نار بعدها ولا اتقدتانتهى. ومعنى {وَسَلَـٰماً } سلامة، وأبعد من ذهب إلى أنها هنا تحية من الله ولو كانت تحية لكان الرفع أولىبها من النصب. والمعنى ذات برد وسلام فبولغ في ذلك كان ذاتها برد وسلام، ولما كانت النار تنفعل لما أرادهالله منها كما ينفعل من يعقل عبر عن ذلك بالقول لها والنداء والأمر. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف بردتالنار وهي نار؟ قلت: نزع الله عنها طبعها الذي طبعها عليه من الحر والإحراق وأبقاها على الإضاءة والإشراق والاشتعال، كماكانت والله على كل شيء قدير، ويجوز أن يدفع بقدرته عن جسم إبراهيم أدنى حرها ويذيقه فيها عكس ذلك كمايفعل بخزنة جهنم، ويدل عليه قوله {عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } انتهى. وروي أنهم قالوا هي نار مسجورة لا تحرق فرموافيها شيخاً منهم فاحترق وأرادوا به كيداً. قيل: هو إلقاؤه في النار {فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلاْخْسَرِينَ } أي المبالغين في الخسران وهوإبطال ما راموه جادلوا إبراهيم فجدلهم وبكتهم وأظهر لهم وأقر عقولهم، وتقووا عليه بالأخذ والإلقاء فخلصه الله. وقيل: سلط عليهمما هو من أحقر خلقه وأضعفه وهو البعوض يأكل من لحومهم ويشرب من دمائهم، وسلط الله على نمروذ بعوضة واختلففي كيفية إذايتها له وفي مدة إقامتها تؤذيه إلى أن مات منها. والضمير في {وَنَجَّيْنَـٰهُ } عائداً على إبراهيموضمن معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض ولذلك تعدى {نَجَّيْنَـٰهُ } بإلى ويحتمل أن يكون {إِلَىٰ } متعلقاً بمحذوف أي منتهياً{إِلَى ٱلاْرْضِ } فيكون في موضع الحال، ولا تضمين في {وَنَجَّيْنَا } على هذا و{ٱلاْرْضِ } التي خرجا منها هيكوثى من أرض العراق، والأرض التي صار إليها هي أرض الشام وبركتها ما فيها من الخصب والأشجار والأنهار وبعث أكثرالأنبياء منها. وقيل: مكة قاله ابن عباس، كما قال

{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ }

الآية. وقيل أرض مصر وبركتها نيلها وزكاةزروعها وعمارة مواضعها. وروي أن ابراهيم خرج مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وكان ابن أخيه، فآمنت به سارة وهيابنة عمه فأخرجها معه فارًّا بدينه، وفي هذه الخرجة لقي الجبار الذي رام أخذها منه فنزل حران ومكث زماناً بها.وقيل: سارة ابنة ملك حرّان تزوجها إبراهيم وشرط عليه أبوها أن لا يغيرها، والصحيح أنها ابنة عمه هاران الأكبر، ثمقدم مصر ثم خرج منها إلى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة منالسبع أو أقرب فبعثه الله نبياً. والنافلة العطية قاله مجاهد وعطاء أو الزيادة كالمتطوع به إذا كان إسحاق ثمرة دعائهرب هب لي من الصاحين، وكان {يَعْقُوبَ } زيادة من غير دعاء. وقيل: النافلة ولد الولد فعلى الأول يكون مصدراًكالعاقبة والعافية وهو من غير لفظ {وَهَبْنَا } بل من معناه، وعلى الآخرين يراد به {يَعْقُوبَ } فينتصب على الحال،و{كَلاَّ } يشمل من ذكر إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب. {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } يرشدون الناس إلى الدين. و{أَئِمَّةَ } قدوةلغيرهم. {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ } أي خصصناهم بشرف النبوة لأن الإيحاء هو التنبئة. قال الزمخشري: {فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ } أصله أنيفعل {فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ } ثم فعلا الخيرات وكذلك {صَـٰلِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ } انتهى. وكان الزمخشري لما رأى أن {فِعْلَٱلْخَيْرٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلوٰة وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ } ليس من الأحكام المختصة بالموحي إليهم بل هم وغيرهم في ذلك مشتركون، بنى الفعلللمفعول حتى لا يكون المصدر مضافاً من حيث المعنى إلى ضمير الموحى، فلا يكون التقدير فعلهم الخيرات وإقامهم الصلاة وإيتاؤهمالزكاة، ولا يلزم ذلك إذ الفاعل مع الصمدر محذوف، ويجوز أن يكون مضافاً من حيث المعنى إلى ظاهر محذوف يشملالموحى إليهم وغيرهم، أي فعل المكلفين الخيرات، ويجوز أن يكون ذلك مضافاً إلى الموحى إليهم أي أن يفعلوا الخيرات ويقيمواالصلاة ويؤتوا الزكاة، وإذا كانوا قد أُوحِي إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك ولا يلزم اختصاصهم به ثم اعتقادبناء المصدر للمفعول الذي لم يسم فاعله مختلف فيه أجاز ذلك الأخفش والصحيح منعه، فليس ما اختاره الزمخشري مختاراً.وقال ابن عطية: والإقام مصدر وفي هذا نظر انتهى. وأي نظر في هذا وقد نص سيبويه على أنه مصدر بمعنىالإقامة، وإن كان الأكثر الإقامة بالتاء وهو المقيس في مصدر أفعل إذا اعتلت عينه وحسن ذلك هنا أنه قابل {وَإِيتَاء} وهو بغير تاء فتقع الموازنة بين قوله {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } وقال الزجاج: فحذفت الهاء من إقامة لأنالإضافة عوض عنها انتهى. وهذا قول الفراء زعم أن تاء التأنيث قد تحذف للإضافة وهو مذهب مرجوح. ولما ذكرتعالى ما أنعم على إبراهيم ما أنعم به على من هاجر معه فارًّا بدينه وهو لوط ابن أخيه وانتصب {وَلُوطاً} على الاشتغال والحكم الذي أوتيه النبوة. وقيل: حسن الفصل بين الخصوم في القضاء. وقيل: حفظ صحف إبراهيم، ولما ذكرالحكم ذكر ما يكون به وهو العلم و{ٱلقَرْيَةِ } سدوم وكانت قراهم سبعاً وعبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة،وكانت من كورة فلسطين إلى حد السراة إلى حد نجد بالحجاز، قلب منها تعالى ستاً وأبقى منها زغر لأنها كانتمحل لوط وأهله ومن آمن به أي {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ } أهل {ٱلقَرْيَةِ } أي خلصناه منهم أو من العذاب الذيحل بهم، ونسب عمل {ٱلْخَبَـٰئِثَ } إلى القرية مجازاً وهو لأهلها وانتصبْ {ٱلْخَبَـٰئِثَ } على معنى {تَّعْمَلُ } لأعمال أوالفعلات الخبيثة وهي ما ذكره تعالى في غير هذه السورة مضافاً إلى كفرهم بالله وتكذيبهم نبيه، وقوله {أَنَّهُمْ } يدلعلى أن التقدير من أهل القرية {وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَا } أي في أهل رحمتنا أو في الجنة، سماها رحمة إذكانت أثر الرحمة. ولما ذكر تعالى قصة إبراهيم وهو أبو العرب وتنجيته من أعدائه ذكر قصة أبي العالم الإنسيكلهم وهو الأب الثاني لآدم لأنه ليس أحد من نسله من سام وحام ويافث، وانتصب {نُوحاً } على إضمار اذكرأي واذكر {نُوحاً } أي قصته {إِذْ نَادَىٰ } ومعنى نادى دعا مجملاً بقوله

{ أَنّى مَغْلُوبٌ }

فانتصر مفصلاً بقوله

{ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلاْرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً }

والكرب أقصى الغم والأخذ بالنفس، وهو هنا الغرق عبر عنهبأول أحوال ما يأخذ الغريق، وغرقت في بحر النيل ووصلت إلى قرار الأرض ولحقني من الغم والكرب ما أدركت أننفسي صارت أصغر من البعوضة، وهو أول أحوال مجيء الموت. {وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ } عداه بمن لتضمنه معنى {نَجَّيْنَـٰهُ} بنصرنا {مِنَ ٱلْقَوْمِ } أو عصمناه ومنعناه أي من مكروه القوم لقوله

{ أَفَمَنِ * يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَاءنَا }

. وقال الزمخشري: هو نصر الذي مطاوعه انتصر، وسمعت هذلياً يدعو على سارق: اللهم انصرهم منه أي اجعلهم منتصرينمنه، وهذا معنى في نصر غير المتبادر إلى الذهن. وقال أبو عبيدة {مِنْ } بمعنى على أي {وَنَصَرْنَـٰهُ } على{ٱلْقَوْمَ } {فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ } أي أهلكناهم بالغرق. و{أَجْمَعِينَ } تأكيد للضمير المنصوب وقد كثر التوكيد بأجمعين غير تابع لكلهم فيالقرآن، فكان ذلك حجة على ابن مالك في زعمه أن التأكيد بأجمعين قليل، وأن الكثير استعماله تابعاً لكلهم. {وَدَاوُودَوَسُلَيْمَـٰنَ } عطف على {وَنُوحاً }. قال الزمخشري: {وَإِذَا } بدل منهما انتهى. والأجود أن يكون التقدير واذكر {دَاوُودُ *وَسُلَيْمَـٰنَ } أي قصتهما وحالهما {إِذْ يَحْكُمَانِ } وجعل ابن عطية {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ } معطوفين على قوله {وَنُوحاً } معطوفاًعلى قوله {وَلُوطاً } فيكون ذلك مشتركاً في العامل الذي هو {ءاتَيْنَا } المقدرة الناصبة للوط المفسرة بآتينا فالتقدير وآتينانوحاً وداود وسليمان أي آتيناهم {حُكْماً وَعِلْماً } ولا يبعد ذلك وتقدير اذكر قاله جماعة. وكان داود ملكاً نبياً يحكمبين الناس فوقعت هذه النازلة، وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم وكانوايدخلون إلى داود من باب آخر، فتخاصم إليه رجل له زرع وقيل كرم و{ٱلْحَرْثِ } يقال فيهما وهو في الزرعأكثر، وأبعد عن الاستعارة دخلت حرثه غنم رجل فأفسدت عليه، فرأى داود دفعها إلى صاحب الحرث فعلى أنه كرم رأىأن الغنم تقاوم وما أفسدت من الغلة وعلى أنه زرع رأى أنها تقاوم الحرث والغلة فخرجا على سليمان فشكى صاحبالغنم فجاء سليمان فقال: يا نبيّ الله إني أرى ما هو أرفق بالجميع، أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليهويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل، فإذا عادالحرث إلى حاله صرف كل مال صاحبه إليه فرجعت الغنم إلى ربها والحرث إلى ربه فقال داود: وفقت يا بنيوقضى بينهما بذلك. والظاهر أن كلاًّ من داود وسليمان حكم بما ظهر له وهو متوجه عنده فحكمهما باجتهاد وهو قولالجمهور، واستدل بهذه الآية على جواز الاجتهاد. وقيل: حكم كل واحد منهما بوحي من الله ونسخ حكم داود بحكمسليمان، وأن معنى {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } أي فهمناه القضاء الفاصل الناسخ الذي أراد الله أن يستقر في النازلة. وقرأ عكرمةفأفهمناها عُدِّي بالهمزة كما عُدِّي في قراءة الجمهور بالتضعيف والضمير في {فَفَهَّمْنَـٰهَا } للحكومة أو الفتوى، والضمير في {لِحُكْمِهِمْ }عائد على الحاكمين والمحكوم لهما وعليهما، وليس المصدر هنا مضافاً لا إلى فاعل ولا مفعول، ولا هو عامل في التقديرفلا ينجل بحرف مصدري. والفعل به هو مثل له ذكاء ذكاء الحكماء وذهن ذهن الأذكياء وكان المعنى وكنا للحكم الذيصدر في هذه القضية {شَـٰهِدِينَ } فالمصدر هنا لا يراد به العلاج بل يراد به وجود الحقيقة. وقرأ {*لحكمهما} ابنعباس فالضمير لداود وسليمان. ومعنى {لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } لا يخفى علينا منه شيء ولا يغيب قال الزمخشري (وان قلت)ما وجهكل واحدة من الحكومتين (قلت) ام وجه حكومة داود فلأن الضرر لما وقع بالغنم سلمت بجنايتها إلى المجني عليه كماقال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك أويفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث، ووجه حكومة سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فاتمن الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتىيزول الضرر والنقصان. فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه لا يرونفيه ضماناً بالليل والنهار إلاّ أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، والشافعي يوجب الضمان انتهى. والظاهر أن كلاًّمن الحكمين صواب لقولهه {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً }. والظاهر أن {يُسَبّحْنَ }جملة حالية من {ٱلْجِبَالُ } أي مسبحات. وقيل:استئناف كأن قائلاً قال: كيف سخرهن؟ فقال: {يُسَبّحْنَ } قيل: كان يمر بالجبال مسبحاً وهي تجاوبه. وقيل: كانت تسير معهحيث سار، والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق خلق الله فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول الله صلى اللهعليه وسلم وسمع الناس ذلك، وكان داود وحده يسمعه قاله يحيـى بن سلام. وقيل: كل واحد. قال قتادة: {يُسَبّحْنَ }يصلين. وقيل: يسرن من السباحة. وقال الزمخشري: كما خلقه يعني الكلام في الشجرة حين كلم موسى انتهى. وهو قول المعتزلةينفون صفة الكلام حقيقة عن الله تعالى. وقيل: إسناد التسبيح إليهن مجاز لما كانت تسير بتسيير الله حملت من رآهاعلى التسبيح فأسند إليها، والأكثرون على تسبيحهن هو قول سبحان الله. وانتصب {وَٱلطَّيْرُ } عطفاً على {ٱلْجِبَالُ } ولا يلزممن العطف دخوله في قيد التسبيح. وقيل: هو مفعول معه أي يسبحن مع الطير. وقرىء {وَٱلطَّيْرُ } مرفوعاً على الابتداءوالخبر محذوف أي مسخر لدلالة سخرنا عليه، أو على الضمير المرفوع في {يُسَبّحْنَ } على مذهب الكوفيين وهو توجيه قراءةشاذة. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قدمت {ٱلْجِبَالُ } على {ٱلطَّيْرُ }؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل علىالقدرة، وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق انتهى. وقوله: ناطق إن عنى به أنه ذو نفس ناطقة كمايقولون في حد الإنسان أنه حيوان ناطق فيلزم أن يكون الطير إنساناً، وإن عنى أنه متكلم كما يتكلم الإنسان فليسبصحيح وإنما عنى به مصوّت أي له صوت، ووصف الطير بالنطق مجاز لأنها في الحقيقة لا نطق لها. وقوله{وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ } أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهنّ والطير لمن نخصه بكرامتنا {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ }اللبوس الملبوس فعول بمعنى مفعول كالركوب بمعنى المركوب، وهو الدرع هنا. واللبوس ما يلبس. قال الشاعر:

عليها أسود ضاريات لبوسهم     سوابغ بيض لا يخرّقها النبل

قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وحلقها داوودفجمعت الخفة والتحصين. وقيل: اللبوس كل آلة السلاح من سيف ورمح ودرع وبيضة وما يجري مجرى ذلك، وداود أول منصنع الدروع التي تسمى الزرد. قيل: نزل ملكان من السماء فمرا بداود فقال أحدهما للآخر: نعم الرجل إلاّ أنه يأكلمن بيت المال، فسأل الله أن يرزقه من كسبه فألان له الحديد فصنع منه الدروع امتن تعالى عليه بإيتائه حكماًوعلماً وتسخير الجبال والطير معه وتعليم صنعة اللبوس، وفي ذلك فضل هذه الصنعة إذ أسند تعليمها إياه إليه تعالى.ثم امتن علينا بها بقوله {لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } أي ليكون وقاية لكم في حربكم وسبب نجاة من عدوّكم. وقرىء{لَبُوسٍ } بضم اللام والجمهور بفتحها. وقرأ الجمهور: ليحصنكم بياء الغيبة أي الله فيكون التفاتاً إذ جاء بعد ضمير متكلمفي {وَعَلَّمْنَاهُ } ويدل عليه قراءة أبي بكر عن عاصم بالنون وهي قراءة أبي حنيفة ومسعود بن صالح ورويس والجعفيوهارون ويونس والمنقر كلهم عن أبي عمرو ليحصنكم داود، واللبوس قيل أو التعليم. وقرأ ابن عامر وحفص والحسن وسلام وأبوجعفر وشيبه وزيد بن علي بالتاء أي {لِتُحْصِنَكُمْ } الصنعة أو اللبوس على معنى الدرع ودرع الحديد مؤنثة وكل هذهالقراءات الثلاث بإسكان الحاء والتخفيف. وقرأ الفقيمي عن أبي عمرو وابن أبي حماد عن أبي بكر بالياء من تحت وفتحالحاء وتشديد الصاد، وابن وثاب والأعمش بالتاء من فوق والتشديد واللام في {لَكُمْ } يجوز أن تكون للتعليل فتتعلق بعلمناه،أي لأجلكم وتكون {لِتُحْصِنَكُمْ } في موضع بدل أعيد معه لام الجر اذ الفعل منصوب بإضمار إن فتتقدّر بمصدر أي{لَكُمْ } لإحصانكم {مّن بَأْسِكُمْ } ويجوز أن تكون {لَكُمْ } صفة للبوس فتتعلق بمحذوف أي كائن لكم، واحتمل أنيكون ليحصنكم تعليلاً للتعليم فيتعلق بعلمناه، وأن يكون تعليلاً للكون المحذوف المتعلق به {لَكُمْ } {فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ } استفهاميتضمن الأمر أي اشكروا الله على ما أنعم به عليكم كقوله

{ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }

أي انتهوا عما حرم الله.ولما ذكر تعالى ما خص به نبيه داود عليه السلام ذكر ما خص به ابنه سليمان عليه السلام، فقال{وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } وجاء التركيب هنا حين ذكر تسخير الريح لسليمان باللام، وحين ذكر تسخير الجبال جاء بلفظ مع فقال{وَسَخَّرْنَا مَعَ * دَاوُودُ * ٱلْجِبَالُ } وكذا جاء

{ يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ }

وقال فسخرنا له الريح تجري بأمره،وذلك أنه لما اشتركا في التسبيح ناسب ذكر مع الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان أضيفت إليه بلامالتمليك لأنها في طاعته وتحت أمره. وقرأ الجمهور {ٱلرّيحَ } مفرداً بالنصب. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر في رواية بالرفعمفرداً. وقرأ الحسن وأبو رجاء الرياح بالجمع والنصب. وقرأ بالجمع والرفع أبو حيوة فالنصب على إضمار سخرنا، والرفع على الابتداءو{عَاصِفَةً } حال العامل فيها سخرنا في قراءة من نصب {ٱلرّيحَ } وما يتعلق به الجار في قراءة من رفعويقال: عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة، ولغة أسد أعصفت فهي معصف ومعصفة، ووصفت هذه الريح بالعصف وبالرخاء والعصف الشدة فيالسير والرخاء اللين. فقيل: كان ذلك بالنسبة إلى الوقت الذي يريد فيه سليمان أحد الوصفين فلم يتحد الزمان. وقيل: الجمعبين الوصفين كونها رخاء في نفسها طيبة كالنسيم عاصفة في عملها تبعد في مدة يسيرة كما قال تعالى

{ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ }

. وقيل: الرخاء في البداءة والعصف بعد ذلك في التقول على عادة البشر في الإسراع إلى الوطن، وهذاالقول راجع إلى اختلاف الزمان وجريها بأمره طاعتها له على حسب ما يريد، ويأمر. و{ٱلاْرْضِ } أرض الشام وكانتمسكنه ومقر ملكه. وقيل: أرض فلسطين. وقيل: بيت المقدس. قال الكلبي كان يركب عليها من اصطخر إلى الشام. قيل: ويحتملأن تكون {ٱلاْرْضِ } التي يسير إليها سليمان كائنة ما كانت ووصفت بالبركة لأنه هذا حل أرضاً أصلحها بقتل كفارهاوإثبات الإيمان فيها وبث العدل، ولا بركة أعظم من هذا. والظاهر: أن {ٱلَّتِى بَارَكْنَا } صفة للأرض. وقال منذر بنسعيد: الكلام تام عند قوله {إِلَى ٱلاْرْضِ } و{ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } صفة للربح ففي الآية تقديم وتأخير، يعني إنأصل التركيب ولسليمان الريح {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } عاصفة تجري بأمره {إِلَى ٱلاْرْضِ }. وعن وهب: كان سليمان إذا خرجإلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان لا يقعد عن الغزو فيأمر بخشبفيمد والناس عليه والدواب وآلة الحرب، ثم يأمر العاصف فيقله ثم يأمر الرخاء فتمر به شهراً في رواحة وشهراً فيغدوه وعن مقاتل: نسجت له الشياطين بساطاً ذهباً في إبريسم فرسخاً في فرسخ، ووضعت له في وسطه منبراً من ذهبيقعد عليه وحوله كراسي من ذهب يقعد عليها الأنبياء، وكراسي من فضة يقعد عليها العلماء، وحولهم الناس وحول الناس الجنوالشياطين، والطير تظله من الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح، وقدأكثر الأخباريون في ملك سليمان ولا ينبغي أن يعتمد إلاّ على ما قصه الله في كتابه وفي حديث رسول اللهﷺ. ولما كانت هذه الاختصاصات في غاية الغرابة من المعهود، أخبر تعالى أن علمه محيط بالأشياءيجريها على ما سبق به علمه، ولما ذكر تعالى تسخير الريح له وهي جسم شفاف لا يعقل وهي لا تدركبالبصر ذكر تسخير الشياطين له، وهم أجسام لطيفة تعقل والجامع بينهما أيضاً سرعة الانتقال ألا ترى إلى قوله

{ قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ٱلْجِنّ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ }

{وَمِنْ } في موضع نصب أي وسخرنا {مِنْ* ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ } أو في موضع رفع على الابتداء، والخبر في الجار والمجرور قبله. والظاهر أن {مِنْ }موصولة. وقال أبو البقاء: هي نكرة موصوفة، وجمع الضمير في {يَغُوصُونَ } حملاً على معنى {مِنْ } وحسن ذلك تقدمجمع قبله كما قال الشاعر:

وإن من النسوان من هي روضة     يهيج الرياض قبلها وتصوح

لماتقدم لفظ النسوان حمل على معنى من فأنث، ولم يقل من هو روضة والمعنى {يَغُوصُونَ } له في البحار لاستخراجاللآلىء، ودل الغوص على المغاص فيه وعلى ما يغاص لاستخراجه وهو الجوهر، فلذلك لم يذكر أو قال له أي لسليمانلأن الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره، فذكر أن الغوص ليس لأنفسهم إنما هو لأجل سليمان وامتثالهم أمره والإشارة بذلك إلىالغوص أي دون الغوص من بناء المدائن والقصور كما قال

{ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ }

الآية.وقيل: الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون من استخراجهم. {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ } أي من أن يزيغوا عن أمره أويبدّلوا أو يغيروا أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه. وقيل: {حَـٰفِظِينَ } أن يهيجوا أحداً في زمان سليمان.وقيل {حَـٰفِظِينَ } حتى لا يهربوا. قيل: سخر في أمر لا يحتاج إلى حفظ لأنه لا يفسد ما عمل، وتسخيرأكثف الأجسام لداود وهو الحجر إذ أنطقه بالتسبيح والحديد إذ جعل في أصابعه قوة النار حتى لان له الحديد، وعملمنه الزرد، وتسخير ألطف الأجسام لسليمان وهو الريح والشياطين وهم من نار. وكانوا يغوصون في المائ والماء يطفىء النار فلايضرهم، دليل واضح على باهر قدرته وإظهار الضد من الضد وإمكان إحياء العظم الرميم، وجعل التراب اليابس حيواناً فإذا أخبربه الصادق وجب قبوله واعتقاد وجوده انتهى. {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱسْتَجَبْنَالَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ * وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِكُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ * وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ * وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَعَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ }. طوّل الأخباريون في قصة أيوب، وكان أيوب رومياًمن ولد إسحاق بن يعقوب، استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله، وكان له سبع بنين وسبع بنات، ولهأصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت فهلكواوبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثمان عشرة سنة. وقيل دون ذلك فقالت له امرأته يوماً لو دعوت الله فقال لها:كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي،فلما كشف الله عنه أحياء ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم. وروي أن امرأته ولدت بعد ستة وعشرين ابناً وذكروا كيفيةفي ذهاب ماله وأهله وتسليط إبليس عليه في ذلك الله أعلم بصحتها. وقرأ الجمهور {إِنّى } بفتح الهمزة وعيسىبن عمر بكسرها إما على إضمار القول أي قائلاً {إِنّى } وإما على إجراء {نَادَىٰ } مجرى قال وكسر إنيبعدها وهذا الثاني مذهب الكوفيين، والأول مذهب البصريين و{ٱلضُّرُّ } بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس منمرض وهزال فرق بين البناءين لافتراق المعنيين، وقد ألطف أيوب في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربهبغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ولم يعين الضر الذي مسه. واختلف المفسرون في ذلك على سبعة عشر قولاً أمثلهاأنه نهض ليصلي فلم يقدر على النهوض، فقال {مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ } إخباراً عن حالة لا شكوى لبلائه رواه أنس مرفوعاً،والألف واللام في {ٱلضُّرُّ } للجنس تعم {ٱلضُّرُّ } في البدن والأهل والمال. وإيتاء أهله ظاهره أن ما كان لهمن أهل رده عليه وأحياهم له بأعيانهم، وآتاه مثل أهله مع أهله من الأولاد والأتباع، وذكر أنه جعل له مثلهمعدة في الآخرة. وانتصب {رَحْمَةً } على أنه مفعول من أجله أي لرحمتا إياه {وَذِكْرَىٰ } منا بالإحسان لمن عندناأو {رَحْمَةً } منا لأيوب {وَذِكْرَىٰ } أي موعظة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب.وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: كان ذو الكفل عبداً صالحاً ولم يكن نبياً. وقال الأكثرون: هو نبي فقيل: هو إلياس.وقيل: زكريا. وقيل: يوشع، والكفل لنصيب والحظ أي ذو الحظ من الله المحدود على الحقيقة. وقيل: كان له ضعف عملالأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم. وقيل: في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح. وانتصب {مُغَـٰضِباً } على الحال. فقيل:معناه غضبان وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكاً، نحو: عاقبت اللص وسافرت. وقيل {مُغَـٰضِباً } لقومه أغضبهم بمفارقته وتخوفهمحلول العذاب، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه فأوعدهم بالعذاب، ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عندنزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج. وقيل {مُغَـٰضِباً } للملك حزقيا حين عينه لغزو ملك كان قدعاب في بني إسرائيل فقال له يونس: آلله أمرك بإخراجي؟ قال: لا، قال فهل سماني لك؟ قال: لا، قال ههناغيري من الأنبياء، فألح عليه فخرج {مُغَـٰضِباً } للملك. وقول من قال {مُغَـٰضِباً } لربه وحكى في المغاضبة لربه كيفياتيجب اطّراحه إذ لا يناسب شيء منها منصب النبوة، وينبغي أن يتأول لمن قال ذلك من العلماء كالحسن والشعبي وابنجبير وغيرهم من التابعين، وابن مسعود من الصحابة بأن يكون معنى قولهم {مُغَـٰضِباً } لربه أي لأجل ربه ودينه، واللاملام العلة لا اللام الموصلة للمفعول به. وقرأ أبو شرف مغضباً اسم مفعول. {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ }أي نضيق عليه من القدر لا من القدرة، وقيل: من القدرة بمعنى {أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } الابتلاء. وقرأ الجمهور{نَّقْدِرَ } بنون العظمة مخففاً. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب بضم الياء وفتح الدالمخففاً، وعيسى والحسن بالياء مفتوحة وكسر الدال، وعليّ بن أبي طالب واليماني بضم الياء وفتح القاف والدال مشددة، والزهري بالنونمضمومة وفتح القاف وكسر الدال مشددة. {فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ } في الكلام جمل محذوفة قد أوضحت في سورة والصافات،وهناك نذكر قصته إن شاء الله تعالى وجمع {ٱلظُّلُمَـٰتِ } لشدة تكاثفها فكأنها ظلمة مع ظلمة. وقيل: ظلمات بطن الحوتوالبحر والليل. وقيل: ابتلع حوته حوت آخر فصار في ظلمتي بطني الحوتين وظلمة البحر. وروي أن يونس سجد في جوفالحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر، و{ءانٍ } في {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ } تفسيرية لأنه سبق{فَنَادَىٰ } وهو في معنى القول، ويجوز أن يكون التقدير بأنه فتكون مخففة من الثقيلة حصر الألوهية فيه تعالى ثمنزهه عن سمات النقص ثم أقر بما بعد ذلك. وعن النبيّ ﷺ: ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلاّ استجيب له . و{ٱلْغَمّ } ما كان ناله حين التقمه الحوت ومدة بقائه في بطنه. وقرأ الجمهور: {نُنَجّى} مضارع أنجى، والجحدري مشدداً مضارع نجّى. وقرأ ابن عامر وأبو بكر نجى بنون مضمومة وجيم مشددة وياء ساكنة، وكذلكهي في مصحف الإمام ومصاحف الأمصار بنون واحدة، واختارها أبو عبيد لموافقة المصاحف فقال الزجاج والفارسي هي لحن. وقيل: هيمضارع أدغمت النون في الجيم ورد بأنه لا يجوز إدغام النون في الجيم التي هي فاء الفعل لاجتماع المثلين كماحذفت في قراءة من قرأ ونزل الملائكة يريد وننزل الملائكة، وعلى هذا أخرجها أبو الفتح. وقيل: هي فعل ماض مبنيلما لم يسم فاعله وسكنت الياء كما سكنها من قرأ وذر وإما بقي من الربا والمقام مقام الفاعل ضمير المصدرأي نجى، هو أي النجاء المؤمنين كقراءة أبي جعفر

{ لِيَجْزِىَ قَوْماً }

أي وليجزي هو أي الجزاء، وقد أجازإقامة غير المفعول من مصدر أو ظرف مكان أو ظرف زمان أو مجرور الأخفش والكوفيون وأبو عبيد، وذلك مع وجودالمفعول به وجاء السماع في إقامة المجرور مع وجود المفعول به نحو قوله:

أتيح لي من العدا نذيرا     به وقيت الشر مستطيرا

وقال الأخفش: في المسائل ضرب الضرب الشديد زيداً، وضرب اليومان زيداً، وضرب مكانك زيداًوأعطى إعطاء حسن أخاك درهماً مضروباً عبده زيداً. وقيل: ضمير المصدر أقيم مقام الفاعل و{ٱلْمُؤْمِنِينَ } منصوب بإضمار فعل أي{وَكَذٰلِكَ } هو أي النجاء {وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ } والمشهور عند البصريين أنه متى وجد المفعول به لم يقم غيرهإلا أن صاحب اللباب حكى الخلاف في ذلك عن البصريين، وأن بعضهم أجاز ذلك. {لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } أيوحيداً بلا وارث، سأل ربه أن يرزقه ولداً يرثه ثم رد أمره إلى الله فقال {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } أيإن لم ترزقني من يرثني فأنت خير وارث، وإصلاح زوجه بحسن خلقها، وكانت سيئة الخلق قاله عطاء ومحمد بن كعبوعون بن عبد الله. وقيل: إصلاحها للولادة بعد أن كانت عاقراً قاله قتادة. وقيل: إصلاحها رد شبابها إليه، والضمير في{أَنَّهُمْ } عائد على الأنبياء السابق ذكرهم أي إن ستجابتنا لهم في طلباتهم كان لمبادرتهم الخير ولدعائهم لنا. {رَغَباًوَرَهَباً } أي وقت الرغبة ووقت الرهبة، كما قال تعالى

{ يَحْذَرُ ٱلاْخِرَةَ وَيَرْجُواْ * رَّحْمَةِ رَبّهِ }

وقيل: الضمير يعودعلى {زَكَرِيَّا } و{زَوْجَهُ } وابنهما يحيـى. وقرأت فرقة يدعونا حذفت نون الرفع وطلحة بنون مشددة أدغم نون الرفع فينا ضمير النصب. وقرأ ابن وثاب والأعمش ووهب بن عمرو والنحوي وهارون وأبو معمر والأصمعي واللؤلؤي ويونس وأبو زيد سبعتهمعن أبي عمر و{رَغَباً } ورهباً} بالفتح وإسكان الهاء، والأشهر عن الأعمش بضمتين فيهما. وقرأ فرقة: بضم الراءين وسكون الغينوالهاء، وانتصب {*} بالفتح وإسكان الهاء، والأشهر عن الأعمش بضمتين فيهما. وقرأ فرقة: بضم الراءين وسكون الغين والهاء، وانتصب {رَغَباًوَرَهَباً } على أنهما مصدران في موضع الحال أو مفعول من أجله. {وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } هي مريم بنتعمران أم عيسى عليه السلام، والظاهر أن الفرج هنا حياء المرأة أحصنته أي منعته من الحلال والحرام كما قالت

{ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً }

. وقيل: الفرج هنا جيب قميصها منعته من جبريل لما قرب منها لينفخ حيث لميعرف، والظاهر أن قوله {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } كناية عن إيجاد عيسى حياً في بطنها، ولا نفخ هناك حقيقة،وأضاف الروح إليه تعالى على جهة التشريف. وقيل: هناك نفخ حقيقة وهو أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعهاوأسند النفخ إليه تعالى لما كان ذلك من جبريل بأمره تعالى تشريفاً. وقيل: الروح هنا جبريل كما قال

{ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا }

والمعنى {فَنَفَخْنَا فِيهَا } من جهة جبريل وكان جبريل قد نفخ من جيب درعها فوصل النفخإلى جوفها. قال الزمخشري: فإن قلت: نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال الله تعالى

{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى }

أي أحييته، وإذا ثبت ذلك كان قوله {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } ظاهر الإشكال لأنهيدل على إحياء مريم. قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها أي أحييناه في جوفها، ونحو ذلك أن يقول الزمارنفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته انتهى. ولا إشكال في ذلك لأنه على حذف مضاف أي{فَنَفَخْنَا فِيهِ } ابنها {مِن رُّوحِنَا } وقوله قلت معناه نفخنا الروح في عيسى فيها استعمل نفخ متعدياً، والمحفوظ أنهلا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى جماع وغير متعد استعمله هو في قوله أي نفخت في المزمار في بيته انتهى.ولا إشكال في ذلك. وأفرد {ءايَةً } لأن حالهما لمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل، وإن كانفي مريم آيات وفي عيسى آيات لكنه هنا لحظ أمر الولادة من غير ذكر، وذلك هو آية واحدة وقوله {لّلْعَـٰلَمِينَ} أي لمن اعتبر بها من عالمي زمانها فمن بعدهم، ودل ذكر مريم مع الأنبياء في هذه السورة على أنهاكانت نبية إذ قرنت معهم في الذكر، ومن منع تنبؤ النساء قال ذكرت لأجل عيسى وناسب ذكرهما هنا قصة زكرياوزوجه ويحيـى للقرابة التي بينهم. {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَارٰجِعُونَ * فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ * لَهُ كَـٰتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْلاَ يَرْجِعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌأَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِحَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَـؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْفِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ }. والظاهر أن قوله {أُمَّتُكُمْ } خطاب لمعاصري الرسول ﷺ و{هَـٰذِهِ } إشارةإلى ملة الإسلام، أي إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها ملة واحدة غيرمختلفة، ويحتمل أن تكون {هَـٰذِهِ } إشارة إلى الطريقة التي كان عليها الأنبياء المذكورون من توحيد الله تعالى هي طريقتكموملتكم طريقة واحدة لا اختلاف فيها في أصول العقائد، بل ما جاء به الأنبياء من ذلك هو ما جاء بهمحمد ﷺ. وقيل: معنى {أُمَّةً وَاحِدَةً } مخلوقة له تعالى مملوكة له، فالمراد بالأمة الناس كلهم. وقيل:الكلام يحتمل أن يكون متصلاً بقصة مريم وابنها أي

{ وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ }

بأن بعث لهم بملة وكتاب، وقيللهم {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ } أي دعا الجميع إلى الإيمان بالله وعبادته. ثم أخبر تعالى أنهم بعد ذلك اختلفوا{وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ } وقرأ الجمهور {أُمَّتُكُمْ } بالرفع خبر {ءانٍ * أُمَّةً وَاحِدَةً } بالنصب على الحال، وقيل بدل من{هَـٰذِهِ } وقرأ الحسن {أُمَّتُكُمْ } بالنصب بدل من {هَـٰذِهِ }. وقرأ أيضاً هو وابن إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوةوابن أبي عبلة والجعفي وهارون عن أبي عمرو والزعفراني {أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } برفع الثلاثة على أن {أُمَّتُكُمْ } و{أُمَّةًوَاحِدَةً } خبر {ءانٍ } أو {أُمَّةً وَاحِدَةً } بدل من {أُمَّتُكُمْ } بدل نكرة من معرفة، أو خبر مبتدأمحذوف أي هي }أمة واحدة} والضمير في {وَتُقَطّعُواْ } عائد على ضمير الخطاب على سبيل الالتفات أي وتقطعتم.ولما كان هذا الفعل من أقبح المرتكبات عدل عن الخطاب إلى لفظ الغيبة كأن هذا الفعل ما صدر من المخاطبلأن في الإخبار عنهم بذلك نعياً عليهم ما أفسدوه، وكأنه يخبر غيرهم ما صدر من قبيح فعلهم ويقول ألا ترىإلى ما ارتكب هؤلاء في دين الله جعلوا أمر دينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة الشيء لهذا نصيب ولهذا نصيب، تمثيلاًلاختلافهم ثم توعدهم برجوع هذه الفرقة المختلفة إلى جزائه. وقيل: كل من الثابت على دينه الحق والزائغ عنه إلى غيره.وقرأ الأعمش زبراً بفتح الباء جمع زبرة، ثم ذكر حال المحسن وأنه لا يكفر سعيه والكفران مثل في حرمان الثوابكما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله شكور ولا لنفي الجنس فهو أبلغ من قوله فلا يكفر سعيه،والكتابة عبارة عن إثبات عمله الصالح في صحيفة الأعمال ليثاب عليه، ولا يضيع، والكفران مصدر كالكفر. قال الشاعر:

رأيت أناساً لا تنام جدودهم     وجدي ولا كفران لله نائم

وفي حرف عبد الله لا كفر و{لِسَعْيِهِ }متعلق بمحذوف، أي نكفر {لِسَعْيِهِ } ولا يكون متعلقاً بكفران إذ لو كان متعلقاً به لكان اسم لا مطولاً فيلزمتنوينه. وقرأ الجمهور {وَحَرَامٌ } وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وطلحة والأعمش وأبو حنيفة وأبو عمرو في رواية وحِرْمبكسر الحاء وسكون الراء. وقرأ قتادة ومطر الوراق ومحبوب عن أبي عمرو بفتح الحاء وسكون الراء. وقرأ عكرمة وحُرِمُ بكسرالراء والتنوين. وقرأ ابن عباس وعكرمة أيضاً وابن المسيب وقتادة أيضاً بكسر الراء وفتح الحاء والميم على المضي بخلاف عنهما،وأبو العالية وزيد بن عليّ بضم الراء وفتح الحاء والميم على المضي. وقرأ ابن عباس أيضاً بفتح الحاء والراء والميمعلى المضيّ. وقرأ اليماني وحُرِّمَ بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم. وقرأ الجمهور {أَهْلَكْنَـٰهَا } بنون العظمة. وقرأالسلمي وقتادة بتاء المتكلم، واستعير الحرام للمتنع وجوده ومنه

{ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }

ومعنى {أَهْلَكْنَـٰهَا } قدرنا إهلاكهاعلى ما هي عليه من الكفر، فالإهلاك هنا إهلاك عن كفر و{لا } في {لاَ يَرْجِعُونَ } صلة وهو قولأبي عبيد كقولك: ما منعك أن لا تسجد، أي يرجعون إلى الإيمان والمعنى وممتنع على أهل قرية قدرنا عليهم إهلاكهملكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الإيمان إلى أن تقول القيامة، فحينئذ يرجعون ويقولون {كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْهَـٰذَا } وغياً بما قرب من مجيء الساعة وهو فتح {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } وقرىء {أَنَّهُمْ } بالكسر فيكون الكلام قدتم عند قوله {أَهْلَكْنَـٰهَا } ويقدر محذوف تصير به {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } جملة أي ذاك، وتكون إشارة إلىالعمل الصالح المذكور في قسيم هؤلاء المهلكين، والمعنى {وَحَرَامٌ * عَلَىَّ } أهل {قُرْبَةٌ } قدرنا إهلاكهم لكفرهم عمل صالحينجون به من الإهلاك ثم أكد ذلك وعلله بأنهم {لاَ يَرْجِعُونَ } عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك فالمحذوف مبتدأوالخبر {وَحَرَامٌ } وقدره بعضهم متقدماً كأنه قال: والإقالة والتوبة حرام. وقراءة الجمهور بالفتح تصح على هذا المعنى وتكون {لا} نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون. وقيل {أَهْلَكْنَـٰهَا } أي وقع إهلاكنا إياهم ويكون رجوعهم إلى الدنيا فيتوبونبل هم صائرون إلى العذاب. وقيل: الإهلاك بالطبع على القلوب، والرجوع هو إلى التوبة والإيمان. وقال الزجاج {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍأَهْلَكْنَـٰهَا } حكمنا بإهلاكها أن نتقبل أعمالهم لأنها {لاَ يَرْجِعُونَ } أي لا يتوبون، ودل على هذا المعنى قوله قبل{فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي يتقبل عمله ثم ذكر هذا عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. وقال أبومسلم بن بحر {حَرَامٌ } ممتنع و{أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } انتقام الرجوع إلى الآخرة، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع فالمعنىأنه يجب رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة ويكون الغرض إنكار قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم من أنهلا كفران لسعي أحد وأنه يجزى على ذلك يوم القيامة. وقيل: الحرام يجيء بمعنى الواجب يدل عليه

{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ * أَن لا * تُشْرِكُواْ }

وترك الشرك واجب. وقالت الخنساء:

حرام علي أن لا أرى الدهر باكيا     على شجوه إلاّ بكيت على صخر

وأيضاً فمن الاستعمال إطلاق الضمير على ضده، وعلى هذا فقالمجاهد والحسن {لاَ يَرْجِعُونَ } عن الشرك. وقال قتادة ومقاتل إلى الدنيا. قال ابن عطية: ويتجه في الآية معنى ضمنهوعيد بيّن وذلك أنه ذكر من عمل صالحاً وهو مؤمن ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهملا يحشرون إلى رب ولا يرجعون إلى معاد فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم، فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاءأي وممتنع على الكفرة المهلكين {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه، فيكون لا علىبابها والحرام على بابه. وكذلك الحرم فتأمله انتهى. و {حَتَّىٰ } قال أبو البقاء متعلقة في المعنى بحرام أييستمر الامتناع إلى هذا الوقت ولا عمل لها في {إِذَا }. وقال الحوفي {حَتَّىٰ } غاية، والعمل فيها ما دلعليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلقت {حَتَّىٰ} واقعة غاية له وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة بحرام، وهي غاية له لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتىتقوم القيامة، وهي {حَتَّىٰ } التي تحكي الكلام، والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء أعني إذا وما في حيزها انتهى.وقال ابن عطية: هي متعلقة بقوله {وَتُقَطّعُواْ } ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تعلق بيرجعون، ويحتمل أن تكونحرف ابتداء وهو الأظهر بسبب {إِذْ } لأنها تقتضي جواباً هو المقصود ذكره انتهى. وكون {حَتَّىٰ } متعلقة فيه بعدمن حيث ذكر الفصل لكنه من جهة المعنى جيد، وهو أنهم لا يزالون مختلفين غير مجتمعين على دين الحق إلىقرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك الاختلاف وعلم الجميع أن مولاهم الحق وأن الدين المنجي هو كان دينالتوحيد. وجواب {إِذَا } محذوف تقديره {قَالُواْ يأَبَانَا } قاله الزجاج وجماعة أو تقديره، فحينئذ يبعثون {ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ}. أو مذكور وهو واقترب على زيادة الواو قاله بعضهم، وهو مذهب الكوفيين وهم يجيزون زيادة الواو والفاء فيفإذا هي قاله الحوفي. وقال الزمخشري: وإذا هي المفاجأة وهي تقع في المفاجآت سادة مسد الفاء لقوله تعالى

{ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }

فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط، فيتأكد ولو قيل {إِذَا * هِىَ شَـٰخِصَةٌ }كان سديداً. وقال ابن عطية: والذي أقول أن الجواب في قوله {فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ } وهذا هو المعنى الذيقصد ذكره لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرّم عليهم امتناعه، وتقدم الخلاف في {فُتِحَتْ } في الأنعام ووافق ابنعامر أبو جعفر وشيبة وكذا التي في الأنعام والقمر في تشديد التاء، والجمهور على التخفيف فيهن و {فُتِحَتْ يَأْجُوجُ }على حذف مضاف أي سد {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } وتقدم الخلاف في قراءة {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } والظاهر أن ضمير {وَهُمْ }عائد على {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } أي يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويعمون الأرض. وقيل: الضمير للعالم ويدل عليه قراءة عبدالله وابن عباس من كل جدث بالثاء المثلثة وهو القبر. وقرىء بالفاء الثاء للحجاز والفاء لتميم وهي بدل من الثاءكما أبدلوا الثاء منها قالوا وأصله مغفور. وقرأ الجمهور {يَنسِلُونَ } بكسر السين وابن أبي إسحاق وأبو السمال بضمها{وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } أي الوعد بالبعث الحق الذي لا شك فيه {وَٱقْتَرِب } قيل: أبلغ في القرب من قربوضمير {هِىَ } للقصة كأنه قيل: فإذا القصة والحادثة {أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } {شَـٰخِصَةٌ } ويلزم أن تكون {شَـٰخِصَةٌ }الخبر و {أَبْصَـٰرُ } مبتدأ، ولا يجوز ارتفاع أبصار شاخصة لأنه يلزم أن تكون بعد ضمير الشأن، أو القصة جملةتفسر الضمير مصرح بجزأيها، ويجوز ذلك على مذهب الكوفيين. وقال الزمخشري: {هِىَ } ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره كما فسرالذين ظلموا وأسروا انتهى. ولم يذكر غير هذا الوجه وهو قول للفراء. قال الفراء: {هِىَ } ضمير الأبصار تقدمت لدلالةالكلام ومجيء ما يفسرها وأنشد على ذلك قول الشاعر:

فلا وأبيها لا تقول خليلتي     إلاّ قرّ عني مالك بن أبي كعب

وذكر أيضاً الفراء أن {هِىَ } عماد يصلح في موضعها هو وأنشد:

يثوب ودينار وشاة ودرهم     فهل هو مرفوع بما ههنا رأس

وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي في إجازته تقديمالفصل مع الخبر على المبتدأ أجاز هو القائم زيد على أن زيد هو المبتدأ والقائم خبره، وهو عماد وأصل المسألةزيد هو القائم، ويقول: أصله هذه فإذا {أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هي {شَـٰخِصَةٌ } فشاخصة خبر عن {أَبْصَـٰرُ } وتقدممع العماد، ويجيء على مذهب من يجيز العماد قبل خبره نكرة، وذكر الثعلبي وجهاً آخر وهو أن الكلام ثم عندقوله: {فَإِذَا هِىَ } أي بارزة واقعة يعني الساعة، ثم ابتدأ فقال {شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهذا وجه متكلفمتنافر التركيب. وروى حذيفة لو أن رجلاً اقتنى فلو أبعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة يعني فيمجيء الساعة إثر خروجهم. {*يا ويلنا} معمول لقول محذوف. قال الزمخشري: تقديره يقولون وهو في موضع الحال من الذينكفروا وتقدم قول الزجاج أن هذا القول جواب {مِن قَبْلِكُمْ إِذَا } والشخوص إحداد النظر دون أن يطرف في غفلةمن هذا انتهى. أي مما وجدنا الآن وتبينا من الحقائق ثم أضربوا عن قولهم {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ } وأخبروابما قد كانوا تعمدوه من الكفر والإعراض عن الإيمان فقالوا {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } والخطاب بقوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِندُونِ ٱللَّهِ } للكفار المعاصرين رسول الله ﷺ، ولا سيما أهل مكة ومعبوداتهم هي الأصنام. وقرأالجمهور {حَصَبُ } بالحاء والصاد المهملتين، وهو ما يحصب به أي يرمى به في نار جهنم. وقبل أن يرمي بهلا يطلق عليه حصب إلا مجازاً. وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة ومحبوب وأبو حاتم عن ابن كثير بإسكان الصاد،ورويت عن ابن عباس وهو مصدر يراد به المفعول أي المحصوب. وقرأ ابن عباس: بالضاد المعجمة المفتوحة وعنه إسكانها، وبذلكقرأ كثير عزة: والحضب ما يرمى به في النار، والمحضب العود أو الحديدة أو غيرهما مما تحرك به النار. قالالشاعر:

فلا تك في حربنا محضبا     فتجعل قومك شتى شعوبا

وقرأ أُبي وعليّ وعائشة وابن الزبيروزيد بن علي حطب بالطاء، وجمع الكفار مع معبوداتهم في النار لزيادة غمهم وحسرتهم برؤيتهم معهم فيها إذ عذبوا بسببهم،وكانوا يرجون الخير بعبادتهم فحصل لهم الشر من قبلهم ولأنهم صاروا لهم أعداء ورؤية العدوّ مما يزيد في العذاب. كماقال الشاعر:

واحتمال الأذى ورؤية جابيه     غذاء تضنى به الأجسام

{أَنتُمْ لَهَا } إي للنار {وَارِدُونَ} الورود هنا ورود دخول {لَوْ كَانَ هَـؤُلاء } أي الأصنام التي تعبدونها {مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ } أي ما دخلوهاودل على أنه ورود دخول قوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } وقرأ الجمهور {ءالِهَةً } بالنصبعلى خبر {كَانَ }. وقرأ طلحة بالرفع على أن في {كَانَ } ضمير الشأن {وَكُلٌّ فِيهَا } أي كل منالعابدين ومعبوداتهم. {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } وهو صوت نفس المغموم يخرج من القلب، والظاهر أن الزفير إنما يكون ممنتقوم به الحياة وهم العابدون والمعبودون ممن كان يدعي الإلۤهية كفرعون وكغلاة الإسماعيلية الذين كانوا ملوك مصر من بني عبيدالله أول ملوكهم، ويجوز أن يجعل الله للأصنام التي عبدت حياة فيكون لها زفير. وقال الزمخشري: إذا كانوا هم وأصنامهمفي قرن واحد جاز أن يقال لهم فيها إن لم يكن الزافرين إلاّ وهم فيها {لاَ يَسْمَعُونَ } وروي عنابن مسعود أنهم يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون وقال تعالى { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } وفي سماع الأشياء روح فمنع الله الكفار ذلك في النار. وقيل {لاَ يَسْمَعُونَ } ما يسرهم من كلام الزبانية.{إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ * فِيمَا * ٱشْتَهَتْ *أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ * لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء كَطَىّ ٱلسّجِلّلِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ أَنَّٱلاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ * إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ * قُلْ إِنَّمَايُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاء وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَمبَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰحِينٍ * قَالَ رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }. سبب نزول {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْمّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } قول ابن الزبعري حين سمع { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } قال لرسول اللهﷺ: قد خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة فقالﷺ: هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}. وقيل: لما اعترض ابن الزبعري قيل لهم: ألستم قوماً عرباً أو ما تعلمون أن من لمن يعقل وما لمالا يعقل، فعلى القول الأول يكون ابن الزبعري قد فهم من قوله {وَمَا تَعْبُدُونَ } العموم فلذلك نزل قوله {إِنَّٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ } الآية تخصيصاً لذلك العموم، وعلى هذا القول الثاني يكون ابن الزبعري رام مغالطة، فأجيب بأن منلمن يعقل وما لما لا يعقل فبطل اعتراضه. {*والحسنى} الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن، إما السعادة وإما البشرىبالثواب، وإما التوفيق للطاعة. والظاهر من قوله {عَنْهَا مُبْعَدُونَ } فما بعده أن من سبقت له الحسنى لا يدخل النار.وروي أن علياً كرم الله وجهه قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعدوعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة فقام يجرّ رداءه وهو يقول {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } والحسيس الصوت الذي يحسمن حركة الأجرام، وهذا الإبعاد وانتفاء سماع صوتها قيل هو قبل دخول الجنة. وقيل: بعد دخولهم واستقرارهم فيها، والشهوة طلبالنفس اللذة. وقال ابن عطية: وهذه صفة لهم بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أنه في الموقف تزفر جهنمزفرة لا يبقى نبيّ ولا ملك إلاّ جثا على ركبتيه و {ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ } عام في كل هول يكون فييوم القيامة فكان يوم القيامة بجملته هو {ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ } وإن خصص بشيء فيجب أن يقصد لا عظم هو لهانتهى. وقيل: {ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ } وقوع طبق جهنم عليها قاله الضحاك. وقيل: النفخة الأخيرة. وقيل: الأمر بأهل النار إلى النار،روي عن ابن جبير وابن جريج والحسن. وقيل: ذبح الموت. وقيل: إذا نودي

{ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } وقيل {يَوْمَنَطْوِى ٱلسَّمَاء } ذكره مكي. {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } بالسلام عليهم. وعن ابن عباس: تلقاهم الملائكة بالرحمة عند خروجهم منالقبور قائلين لهم {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } بالكرامة والثواب والنعيم. وقرأ أبو جعفر {لاَ يَحْزُنُهُمُ } مضارع أحزنوهي لغة تميم، وحزن لغة قريش، والعامل في {يَوْمٌ لاَّ } و {*تتلقاهم} وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً منالعائد المحذوف في {كُنتُمْ تُوعَدُونَ } فالعامل فيه {تُوعَدُونَ } أي أيوعدونه أو مفعولاً باذكر أو منصوباً بأعني. وأجاز الزمخشريأن يكون العامل فيه {ٱلْفَزَعُ } وليس بجائز لأن {ٱلْفَزَعُ } مصدر وقد وصف قبل أخذ معموله فلا يجوز ماذكر. وقرأ الجمهور {نَطْوِى } بنون العظمة. وفرقة منهم شيبة بن نصاح يطوي بياء أي الله، وأبو جعفر وفرقةبالتاء مضمومة وفتح الواو و {ٱلسَّمَاء } رفعاً والجمهور {ٱلسّجِلّ } على وزن الطمر. وأبو هريرة وصاحبه وأبو زرعة بنعمرو بن جرير بضمتين وشد اللام، والأعمش وطلحة وأبو السماك {ٱلسّجِلّ } بفتح السين والحسن وعيسى بكسرهما، والجيم في هاتينالقراءتين ساكنة واللام مخففة. وقال أبو عمر: وقراءة أهل مكة مثل قراءة الحسن. وقال مجاهد {ٱلسّجِلّ } الصحيفة. وقيل: هومخصوص من الصحف بصحيفة العهد، والمعنى طياً مثل طي السجل، وطي مصدر مضاف إلى المفعول، أي ليكتب فيه أو لمايكتب فيه من المعاني الكثيرة، والأصل {*كثيّ} الطاوي {كَطَىّ ٱلسّجِلّ } فحذف الفاعل وحذفه يجوز مع المصدر المنحل لحرف مصدري،والفعل، وقدره الزمخشري مبنياً للمفعول أي كما يُطْوَى السجل. وقال ابن عباس وجماعة {ٱلسّجِلّ } ملك يطوى كتب بني آدمإذا رفعت إليه. وقالت فرقة: هو كاتب كان لرسول الله ﷺ، وعلى هذين القولين يكون المصدر مضافاًللفاعل. وقال أبو الفضل الرازي: الأصح أنه فارسي معرب انتهى. وقيل: أصله من المساجلة وهي من {ٱلسّجِلّ } وهو الدلوملأى ماء. وقال الزجاج: هو رجل بلسان الحبش. وقرأ الجمهور: للكتاب مفرداً وحمزة والكسائي وحفص {لِلْكُتُبِ } جمعاً وسكنالتاء الأعمش. وقال الزمخشري: {أَوَّلَ خَلْقٍ } مفعول نعيد الذي يفسره {نُّعِيدُهُ } والكاف مكفوفة بما، والمعنى نعيد أول الخلقكما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأهقلت: أو له إيجاده من العدم، فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم. فإن قلت: ما بال خلقمنكراً؟ قلت: هو كقولك: هو أول رجل جائني تريد أول الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً فكذلك معنى{أَوَّلَ خَلْقٍ } أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيدهوما موصولة، أي نعيد مثل الذي بدأناه {نُّعِيدُهُ } و {أَوَّلَ خَلْقٍ } ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أوحال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى انتهى. والظاهر أن الكاف ليست مكفوفة كما ذكر بل هيجارة وما بعدها مصدرية ينسبك منها مع الفعل مصدر هو في موضع جر بالكاف. و {أَوَّلَ خَلْقٍ } مفعول {بَدَأْنَا} والمعنى نعيد أول خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلىالوجود. في ما قدره الزمخشري تهيئة {بَدَأْنَا } لأن ينصب {أَوَّلَ خَلْقٍ } على المفعولية. وقطعه عنه من غير ضرورةتدعو إلى ذلك وارتكاب إضمار يعيد مفسراً بنعيده وهذه عجمة في كتاب الله، وما قوله: ووجه آخر وهو أن ينتصبالكاف بفعل مضمر يفسره {نُّعِيدُهُ } فهو ضعيف جداً لأنه مبني على أن الكاف اسم لا حرف، فليس مذهب الجمهورإنما ذهب إلى ذلك الأخفش وكونها اسماً عند البصريين غير مخصوص بالشعر. وقال ابن عطية: يحتمل معنيين أحدهما: أن يكونخبراً عن البعث أي كما اخترعنا الخلق أولاً على غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى فنبعثهم من القبور. والثاني أنيكون خبراً عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا ويؤيده «يحشر الناس يومالقيامة حفاة عراة غرلاً» {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } وقوله {كَمَا بَدَأْنَا } الكاف متعلقة بقوله {نُّعِيدُهُ } انتهى.وانتصب {وَعْداً } على أنه مفعول مصدر مؤكداً لمضمون الجملة الخبرية قبله {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } تأكيد لتحتم الخبرأي نحن قادرون على أن نفعل و {ٱلزَّبُورِ } الظاهر أنه زبور داود وقاله الشعبي، ومعنى هذه الآية موجود فيزبور داودوقرأناه فيه و {ٱلذّكْرِ } التوراة قاله ابن عباس. وقيل {ٱلزَّبُورِ } ما بعد التوراة من الكتب و {ٱلذّكْرِ} التوراة وقيل {ٱلزَّبُورِ } يعم الكتب المنزلة و {ٱلذّكْرِ } اللوح المحفوظ. {ٱلاْرْضِ } قال ابن عباس أرض الجنة.وقيل: الأرض المقدسة {يَرِثُهَا } أمة محمد ﷺ. والإشارة في قوله {إِنَّ فِى هَـٰذَا } أيالمذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة لبلاغاً كفاية يبلغ بها إلى الخير. وقيل: الإشارة إلى القرآنجملة، وكونه عليه السلام رحمة لكونه جاءهم بما يسعدهم. {*وللعالمين} قيل خاص بمن آمن به. وقيل: عام وكونه {مّنْهُرَحْمَةً } للكافر حيث أخر عقوبته، ولم يستأصل الكفار بالعذاب قال معناه ابن عباس. قال: عوفي مما أصاب غيرهم منالأمم من مسخ وخسف وغرق وقذف وأخر أمره إلى الآخرة. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون معناه {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ }للعالمين {إِلاَّ رَحْمَةً } أي هو رحمة في نفسه وهدى بين أخذ به من أخذ وأعرض عنه من أعرض انتهى.ولا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد {إِلا } بالفعل قبلها إلا أن كان العامل مفرغاً له نحو مامررت إلاّ بزيد. وقال الزمخشري: إنما تقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد قائم وإنمايقوم زيد وقد اجتمع المثلان في هذه الآية لأن {إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد و{أَنَّمَاإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } بمنزلة إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى الرسول ﷺمقصور على استئثار الله بالوحدانية انتهى. وأما ما ذكره في {إِنَّمَا } إنها لقصر ما ذكر فهو مبني علىإنما للحصر وقد قررنا أنها لا تكون للحصر، وإنما مع أن كهي مع كان ومع لعل، فكما أنها لا تفيدالحصر في التشبيه ولا الحصر في الترجي فكذلك لا تفيده مع أن وأما جعله {إِنَّمَا } المفتوحة الهمزة مثل مكسورتهايدل على القصر، فلا نعلم الخلاف إلاّ في {إِنَّمَا } بالكسر، وأما بالفتح فحرف مصدري ينسبك منع مع ما بعدهامصدر، فالجملة بعدها ليست جملة مستقلة، ولو كانت إنما دالة على الحصر لزم أن يقال إنه لم يوح إليه شيءإلاّ التوحيد. وذلك لا يصح الحصر فيه إذ قد أوحى له أشياء غير التوحيد وفي الآية دليل على تظافر المنقولللمعقول وأن النقل أحد طريقي التوحيد، ويجوز في ما من {إِنَّمَا } أن تكون موصولة. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ }استفهام يتضمن الأمر بإخلاص التوحيد والانقياد إلى الله تعالى {ءاذَنتُكُمْ } أعلمتكم وتتضمن معنى التحذير والنذارة {عَلَىٰ سَوَاء } لمأخص أحداً دون أحد، وهذا الإيذان هو إعلام بما يحل بمن تولى من العقاب وغلبة الإسلام، ولكني لا أدري متىيكون ذلك و{ءانٍ } نافية و{أَدْرِى }معلقة والجملة الاستفهامية في موضع نصب بأدري، وتأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة إذ لوكان التركيب {أَقَرِيبٌ } {مَّا تُوعَدُونَ } {أَم بَعِيدٌ } لم تكن فاصلة وكثيراً ما يرجح الحكم في الشيء لكونهفاصلة آخر آية. وعن ابن عامر في رواية {وَإِنْ أَدْرِى } بفتح الياء في الآيتين تشبيهاً بياء الإضافة لفظاً، وإنكانت لام الفعل ولا تفح إلا بعامل، وأنكر ابن مجاهد فتح هذه الياء والمعنى أنه تعالى لم يعلمني علمه ولميطلعني عليه، والله هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء. {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ } أي لعل تأخير هذاالموعد امتحان لكم لننظر كيف تعملون، أو يمتنع لكم إلى حين ليكون ذلك حجة وليقع الموعد في وقت هو حكمة،ولعل هنا معلقه أيضاً وجملة الترجي هي مصب الفعل، والكوفيون يجرون لعل مجرى هل، فكما يقع التعليق عن هل كذلكعن لعل، ولا أعلم أحداً ذهب إلى أن لعل من أدوات التعليق وإن كان ذلك ظاهراً فيها كقوله { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ }وقيل {إِلَىٰ حِينٍ } إلى يوم القيامة. وقيل: إلى يوم بدر.وقرأ الجمهور {قُل رَّبّ } أمروا بكسر الباء. وقرأ حفص قال وأبو جعفر {رَبّ } بالضم. قال صاحب اللوامح:على أنه منادى مفرد وحذف حرف النداء فيما جاز أن يكون وصفاً لأي بعيد بابه الشعر انتهى. وليس هذا مننداء النكرة المقبل عليها بل هذا من اللغات الجائزة في يا غلامي، وهي أن تبنيه على الضم وأنت تنوي الإضافةلما قطعته عن الإضافة وأنت تريدها بنيته، فمعنى {رَبّ } يا ربي. وقرأ الجمهور {أَحْكَمُ } على الأمر من حكم.وقرأ ابن عباس وعكرمة والجحدري وابن محيصن ربي بإسكان الياء أحكم جعله أفعل التفضيل فربي أحكم مبتدأ وخبر. وقرأت فرقةأحكم فعلاً ماضياً. وقرأ الجمهور {تَصِفُونَ } بتاء الخطاب. وروي أن النبيّ ﷺ قرأ على أبي علىما يصفون بياء الغيبة، ورويت عن ابن عامر وعاصم.