تثبيت دلائل النبوة/الجزء الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
  ► الجزء الأول الجزء الثاني ◄  

باب من ذكر أعلام النبوة ودلائل الرسالة

وهو أنه كان ﷺ يتوعد قريشا وهو بمكة بنصر الله له وظهوره عليهم، فيقولون: أيظن محمد أنه يغلبنا على مكه بأتباعه الفقراء والعبيد ونحن الأقوياء الأغنياء والناس كلهم معنا والرغبة عندنا لا عنده والبأس والنجدة لنا لا له، فتلا عليهم سورة القمر وما أنزل الله بأمة أمة من الأمم التي يعرفونها إلى أن قال: {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر. أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر}.

فهزمت جموعهم، وكانت العقبى له كما أخبر وفصل. وقد كان في ظاهر الرأي والحزم وموجب التدبير أن تكون العقبى لهم لا له، وهم الغالبون لا هو، لأنهم واليهود والنصارى وتلك القبائل يد واحدة عليه وفي العداوة له، والكثرة والثروة والبأس والنجدة والكراع والسلاح معهم لا معه، فلن يغلبهم إلا أن يكون من قبل الله ورسولا لله كما أخبر.

ما أشار إليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا

وباب آخر

وهو أنه ﷺ قال حين دعا إلى الله وفي حال وحدته وضعفه: إن الله أرسلني ووعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها، فيكون سلطاني أقهر من سلطان كسرى وقيصر، فأغلب الملوك، ويعلو ملكي وملك أنصاري وأتباعي كل ملك في الأرض. ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ وقرآنا مخلدا يتلى يعرفه العدو والولي، فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} وقال أيضا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ} فكان كما قال وكما أخبر، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى جعل أهله العالين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والقاهرين الملوك والجبابرة بالعز والملكة. ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الممانعة والدفع والمغالبة، وعلى وجه يجعل العدوّ على أهبة، بخلاف تدبير حزمة الملوك ودهاة الجبابرة. فأخبر بهذا وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب كلها مستولية، وهي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك، كل واحد منهم عظيم الشأن، ثم ديانات اليهود وملوكهم، وديانات النصارى والروم وملوكهم بالشام ومصر والمغرب والجزيرة وأرمينية، إلى غير ذلك، وديانات الفرس وممالكها، وهي كانت أعظم ممالك الأرض وأوسعها ملكا وأشدها بأسا، وممالك الهند. فغلب ملوك العرب في جزيرتها، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها، وممالك النصرانية والروم، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر والأخفاق والأقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه، وأسنده إلى عقاب يعتصم بها، ومعاقل يأوي إليها، وقلاع ومطامير وخلجان وبحار يمتنعون بها. ثم ركب البحار إليهم، فأخرج الروم من الشام ومصر وأرض المغرب ولعلها مسيرة سنين، وهي اليوم في أيدي عدة ملوك. وغلب على أرمينية، وصار ملوكها يؤدون الجزية. وسار الإسلام حتى نزل على القسطنطينية وهي محصّنة ممنّعة بالبحار والخلجان والجبال والأسوار، فمذ غزاهم خلفاؤه وأصحابه كانوا في ذلة وفي شعاب ورؤوس مضايق قد سخت نفوسهم عن عيون ممالكهم واستسلموا، وكانوا كأعراب يطلبون النجعة أو كلصوص يطلبون الغرّة ويطرقون النيام، أو كصعاليك ينتظرون الفتنة بين المسلمين فينتهزون الفرصة. فأما أن يكون ملك يظهر لهم ويقيم بإزائهم ويعاديهم الحرب ويناوئهم كما كان ذلك بين ملوك الفرس والروم وملوك الترك والهند فلا.

فما ضربت ملوك الروم وتدا في بلادها فضلا عن بلاد المسلمين منذ غزاهم أصحاب رسول الله ﷺ إلى سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في زمن الديلم، والسلطان بالشام إذ ذاك سيف الدولة علي بن حمدان، وهو معروف الديانة والطوية للإسلام والغزاة وأهل السيرة والعنف بالرعية، ومما كان يلجئهم بالجور إلى الهرب إلى الروم، وشرح ذلك يطول. وكانت الروم تقول قد كفانا بأس المسلمين وشغلهم عنا وألجأهم إلينا، وهو ملكنا الأكبر ودمستقنا الأعظم.

فأما ممالك السند والهند وأصحاب الفيلة والبأس والعز وفي البر والبحر، فأخذ من ممالكهم في البر وركب إليهم في البحر مما يطول شرحه، فحازه وصار من بلدان الإسلام كمولتان والمنصورة وغيرها من المدن والأمصار البحرية ما هو معروف، وشرحه يطول، ومن طلبه وجده.

فقد اعتبر العلماء وأهل التحصيل فما وجدوا أحدا جاء مجيء نبينا محمد ﷺ في الوحدة والفقر والفاقة ومنافرة الأمم كلها ومعاداتها، حتى ما اعتصم بمخلوق ولا صوب ملكا ولا جبارا كان في زمانه كما تقدم شرح ذلك، ثم صار أمره في القهر والغلبة ما صار أمره إليه. فإن ظاهر الأمر وموجب التدبير والعقل أن ذلك لا يتم ولا يكون، وأنه هو المغلوب المقهور المقتول إلا أن يكون من قبل الله الذي لا يغلبه شيء. فإن أمره ﷺ كان كريشة دفعت الجبال فسيرتها وطيرتها، أو كزجاجة وضعت على الجبال فطحشتها وسوتها بالأرض. فتأمل هذه الآية العظيمة. وكل آياته عظام.

وما قلنا إنه نبي لأن دعوته قامت ودولته اتسعت، ولكن لما قدمنا وشرحنا من وحدته وفقره وتبرئه من الأمم وإكفارهم وإسخاطهم كما قد فسرنا غير مرة ومجيء ذلك كما قال وأخبر من أنه مع هذه الحالات سيظهره الله عز وجل. وقد علم ذلك من سمع أخباره ودعوته باضطرار، أنه أخبر بذلك جميعه في أول أمره قبل أن يكون شيء منه وأن الأمر كان كما أخبر.

ومعروف من سيرته أنه ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل وفي المواسم ليتبعوه ويشرط عليهم في دعوته عداوة الأمم كلها ومحاربة الملوك، فيقال له: إن الكسور من ملوك الفرس لا ترضى بهذا ولا تصبر عليه ولا نحن من رجال معاداتهم ومعاداة غيرهم من الملوك، فيقول: أرأيتم إن منحكم الله ملكهم وأفرشكم نساءه أتطيعونه وتعبدونه؟ فيتعجبون من هذا القول، ويقول بعضهم لبعض: ما هذا إلا مجنون واحد وحده لا يغلب على دار بمكة وقد ناصبه قومه وهو يقول هذا، ويقول بعضهم ما هو إلا عاقل، فإن كان رسولا لله كما قال فسيكون ذلك، فيقال: بمن يكون هذا، وأين خزائن الملوك وعساكرها وغضبها لملكها وأنفتها وكبرياؤها ونخوتها حتى يترك هذا يغلبها. ولهذا قال الله تعالى: {وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا}. ولشهرة هذا القول منه قبل أن يتلو به القرآن، أنه عليه السلام لما توفي وارتدت العرب، جال أهل مكة جولة وهمّوا بالردة، فاستخفى عتّاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ على مكة، فقام سهيل بن عمرو فيهم خطيبا ونهاهم عن ذلك، فقالوا: محمد قد مات والناس قد رجعوا عن دينه، فقال لهم سهيل: إن يكن محمد قد مات فإن الله لم يمت. وقد علمتم أني أكثركم قتبا في برّ وجارية في بحر، فأقروا أميركم، وأنا ضامن إن لم يتم هذا الأمر أن أردّها عليكم جذعة وإن كنت أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها. قالوا ومن أين علمت، قال: إني رأيت رجلا واحدا وحيدا لا مال له ولا عزّ قام في ظلّ هذا البيت فقال: إني رسول الله وإني سأظهر، فكنا بين ضاحك وهازل وراجم ومستجهل، فما زال أمره ينمى ويصعد حتى دنا له طوعا وكرها، والله لو كان من عند غير الله لكان كالكسرة في يدي أي فتى من فتيان قريش، وإن هذا، وأشار إلى أبي سفيان، ليعلم من هذا الأمر مثل ما أعلم، ولكن قد ختم على قلبه حسد بني عبد المطلب.

وسهيل بن عمرو هو أحد رجال قريش وعقلائها وخطبائها وذو الرأي منها، وهو صاحب القضية يوم الحديبية، وله تلك الناظرة والمجادلة، وكان أحد أعداء رسول الله ﷺ والمجردين في ذلك، وكان إذا تلا رسول الله ﷺ القرآن بمكة يقوم خطيبا وكأن كلامه يخرج من صدع صخرة، فينثال الناس عليه. وهو القائل وهو على باب عمر مع وجوه قريش وسادات العرب وقد حجبوا، فخرج آذن عمر فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ فينهض هؤلاء الموالي مكرمين ويحجب أولئك، فرآهم سهيل وقد تمعّرت وجوههم فقال لهم: ما لكم تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن غبطتهم اليوم بباب عمر، لما أعدّ الله لهم غدا في الجنة أفضل.

ولما أبى أبو بكر الصديق قبول الصلاة والجهاد ممن منع الزكاة. قال له أصحاب رسول الله ﷺ: يا خليفة رسول الله، من نقاتل ومن ندع، لا طاقة لنا بحرب العرب كلها، اقبل من هؤلاء الصلاة ودع الزكاة فلعلهم إذا رغبوا في الصلاة أن يرغبوا في الزكاة. حتى إذا فرغوا من قولهم تكلم أبو بكر فقال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وخلق فسوّى، وأغنى وأفنى، إن الله جل ثناؤه بعث محمدا ﷺ والإسلام غريب شريد قد رث حبله وولىّ أهله، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا ولا يصرف عنهم سوءا حين غيّروا أو حرفوا، والعرب الأميّون صفر من الله، أضلهم دينا وأشدهم عيشا، فجمعهم الله بمحمد ﷺ، فنصرهم من أنفسهم، ووعدهم بالنصر على عدوهم. فلما توفى الله محمدا ﷺ، ركب الشيطان مركبه الذي كان أنزله عنه فأخذ بحبل رقهم {وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} وقد ارتدّ من حولكم ومنعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أرغب من يومكم هذا، والله لا نبرح نقاتل على أمر الله جل وعزّ حتى ينجز الله لنا وعده ويفي لنا بعهده، فيقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفة ربه في أهله، مطيعين متوكلين، قضاء لا خلف له {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ} وقال الله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. والله لينجزنّ الله لنا ما وعدنا في كتابه، وليظهرنّ ديننا على جميع الأديان، وليمكننّ لنا في الأرض كما وعدنا في كتابه، وهو اليقين الذي لا خلف له.

وقد كانت ردة العرب بعد وفاته عليه السلام بألوان الردة: منهم من ادّعى النبوة، ومنهم من كانت ردته بتعطيل الشريعة كلها، ومنهم من كانت ردته بمنع الزكاة على أن يقيم الصلاة ويجاهد مع المسلمين، فإن لم يقبل منهم ذلك صاروا مع العدو على المسلمين، وأغاروا على المدينة، وزحفوا حتى شارفوا المدينة، وخافهم المسلمون، فسألوا أبا بكر أن يقبل ذلك منهم مدة إلى أن ينكشف ما بالمسلمين، فأبى، فقيل له ما نراك تنحاش لما قد بلغ من الناس ولما يتوقع من إغارة العدو. فقال أبو بكر ما دخلني إشفاق من شرّ ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد منذ ليلة الغار، فإن رسول الله حين رأى إشفاقي عليه وعلى الدين قال: هون عليك أبا بكر، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام. فقبلوا منه ورجعوا إلى قوله، وقاتلوا العرب كلها فغلبوهم وقهروهم مع قلة المسلمين وكثرتهم، لتعلم معرفتهم بما أخبرهم به رسول الله ﷺ من الظهور وثقتهم بذلك.

فلما فرغ أبو بكر من العرب أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ على فارس والروم أن الله قد وعدكم الفتح وأن يظهر دينه على كل دين، وأن يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم، والله متم أمره ومصدق رسوله، ولكن أخوف ما أخاف علينا أن يصرف الله ذلك إلى غيرنا لتقصير يكون منّا، فجدّوا وبادروا لتحوزوا ثوابها. ثم قال لهم: إن بلادهم خرسة -يعني خراسان- فقد سمعنا رسول الله ﷺ يذكرها ويخبر أنكم ستفتحونها. فذكرها وهي أقصى ممالك فارس وأوسعها بلادا وأكثرها رجالا وأشدها بأسا. ولما صار النعمان بن مقرن مع النفر الذين معه من المسلمين إلى يزدجرد بن شهريار ملك فارس برسالة عمر بن الخطاب يدعونه إلى الإسلام وأداء الجزية أو القتال، فقال لهم يزدجرد: لا أعرف أمة أقلّ ولا أشقى منكم. ثم ذكر من ذلّة العرب وسوء حالها ما يطول، ثم قال: تقولون لفارس، وملكها أعزّ ملوك الأرض، وملوك الأرض كلها تخضع لها: تعطوننا الجزية، يا كلاب، لولا أنكم رسل لقتلتكم، سأتقدم إلى رستم، يعني صاحب جيشه، بأن يدفنكم وأميركم، يعني سعد بن أبي وقاص، وكان نازلا بالعذيب يريد ملك فارس، بأن يدفنكم في خندق القادسية، ثم أرسل إلى بلادكم فاستأصلكم وأصنع بكم أشد مما صنعه سابور بكم. وأخذ يتعجب من ضعف أجسامهم ورثاثة سلاحهم وكسوتهم.

فقالوا له: إنا قد فهمنا ما ذكرت أيها الملك من القلة واستطالة الملوك علينا، ولكن الله بعث فينا رجلا منا يدعونا إلى الله، ووصفوا له الإسلام وحال النبي ﷺ ووحدته وفقره، وأنه وعد أن يغلبنا ويغلب الأمم، فعجبنا من قوله، وتلقيناه بالجهل والرد والتكذيب، فلم تزل مواعيده تصدق، فما أخلف في شيء قاله. وقد وعدنا ممالككم وأرضكم ودياركم، ولن يخلف قوله، فأجيبوا إلى دينه فإنه دين يحسن فيه الحسن ويقبح فيه القبيح، نخلف فيكم كتاب الله فتجاهدون من يليكم فتفوزون، وإلا فالجزية نقبلها منكم عن يد وأنتم صاغرون، فإنكم إن تقاتلوا ينصرنا الله عليكم. فقال: ما تريدون بقولكم عن يد؟ قالوا: عن يد منا عليك في قبولها منك، فازداد غيظه وقال: قوموا يا كلاب عني، وجرى لهم معه ما يطول، وإنما أردنا ذكر ثقتهم بهذا الوعد.

ولما سار رستم بجيوشه إلى سعد بن أبي وقاص وهو في المسلمين، أرسل رستم طلائعه وقال لهم: بادروا، ومن وقع بأيديكم من العرب فأسرعوا به إليّ. فجاؤا برجل من المسلمين، فقال رستم للترجمان: قل له ما جاء بكم إلى بلادنا؟ فقال المسلم: لنأخذ موعود الله، فقال رستم: وما هو؟ قال المسلم: أنفسكم وأموالكم ودياركم، فقال رستم الملك له: يا كلاب، كأنا قد وضعنا في أيديكم، فقال له العربي: أعمالكم وضعتكم في أيدينا، أنك لست تحاول البشر وإنما نحاول القدر، فقال له رستم: أما أنت فتقتل الساعة، فقال له المسلم: أنا أقتل فأصير إلى الجنة، ومن بقي من المسلمين يظهر عليكم.

ولما نزل الملك رستم القادسية، أرسل إلى سعد أن أرسل إليّ من يبلغني عنك ويبلغك عني، فأرسل إليه رجلا واحدا، فجلس له على سريره، وأحدق به جنوده وهو في عشرين ومائة ألف في خيول وفيلة وشدة وبأس. فقال رستم للمسلم: قل لي ما جئتم تطلبون -وظن رستم أن المسلمين سيرهبون لما يرون من جنوده- فقال له المسلم: إنك لا تسمع مني أو تنزل إليّ أو أصعد إليك، فهاله ذلك منه وهو رجل واحد، فلما صار معه وصف له الإسلام ورغبه فيه، فقال له رستم: مثلكم معشر العرب مع فارس مثل رجل كان له كرم فدخلته الثعالب فتغافل عنها فطمعت فيه، فسدّ عليها المثاغب ثم قتلها عن آخرها، وكذا يكون أمركم معنا، وذكر من كان يولونه على العرب وغلبتهم لهم، ثم قال: هاتوا يا أشقياء جمالكم هذه نوقرها لكم تمرا وبرّا ونكسوكم فإنكم عراة وترجعون فهو خير لكم، فإنه لا طاقة لكم بالملوك، وخاصة ملك فارس. فقال له المسلم مثل قول أصحابه من حال رسول الله ﷺ وكيف كان ابتداؤها وما وعد به، فانصرف.

ثم عاود رستم سعدا فيمن يرسله إليه، فأرسل إليه رجلا واحدا، وكان رث الهيئة واللبسة والسلاح، فسأله رستم عما جئتم له، فوصف له مثل ما وصف أصحابه، وقال مثل ما قالوا، فسأله رستم عن الإسلام، فوصف أصوله وحدوده -والترجمان يترجم عنه- فأقبل رستم على من حوله من الملوك والقواد والوزراء والأساورة، فقال: ألا ترون إلى حسن ما يصف من هذا الدين، وإلى هؤلاء كيف لا يختلف قولهم مع كثرتهم، فقالوا له: نعيذك بالله أيها الملك أن تستحسن دين هؤلاء، أما ترى عريهم ووسخهم ورثاثة سلاحهم ولباسهم، فقال لهم رستم: أنتم قوم عنيتم بالملابس والمآكل والمشارب وعنوا بالأحساب، انظروا إلى عقولهم وبصائرهم وصبرهم.

وجرى له معهم أكثر مما جرى لهم مع الملك الكبير يزدجرد مما يطول شرحه. وهم يذكرون هذا الوعد مع كثرتهم، ولا يختلف قولهم. وكانت الملوك تمتحنهم بمثل هذا لينظروا هل يختلف قولهم، وهل هناك زلة أو هفوة لصاحبهم فتظهر من بعضهم على طول المدة، أو تميل بهم الرغبة إلى عاجل الدنيا مع تعجل السلامة، وهل يهولهم ما يرون من العتاد والعدة وما يسمعونه من التهديد بالقتل، فما وجدوا عندهم شيئا من ذلك، وكانت قرة أعينهم بما آتاهم الله من البصيرة في دينهم، كما قد قال سليمان عليه السلام: {فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ}.

ولقد كتب أمير المؤمنين عمر إلى سعد: سرت في العرب ونزلت على الفرس، ما تنتظر؟ ناجز القوم. فكتب إليه سعد يذكر له عدد فارس وبأسها وشدتها وعتادها وعدتها وضعف من معه وقلتهم ورثاثة سلاحهم، فكتب إليه عمر: بهذا وعدنا، قال الله: {سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} فاشكر الله يا سعد أن سمعته بأذنك ورأيته بعينك وباشرته بيدك.

وكم كان للمسلمين مثل ذلك مع ملوك الروم بحمص ودمشق وأنطاكية ومصر وغيرها، وما كانت الرسل تقوله لهم عند المجادلة أن نبينا قد وعدنا بظهور دينه على الأديان، وأنه قد أخبرنا وأنذرنا وبشرنا بأمور كثيرة فما أخلفنا في شيء قط، وما جرى لهم معهم يطول شرحه، وهو مذكور في مواضعه. وإنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحيرّ فلم يجد متعلقا فأخذ يقول فيها عند صحتها: هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر، وإنما يقال هذا فيمن أخلف مواعيده وظهر كذبه في شيء بعد شيء، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر بما في هذا القرآن، ثم بنحو مثله من الأخبار، فلم يخلف في شيء منه، كيف يقال فيه مثل هذا، ولو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج من أن يكون آية ودلالة على نبوته وأنه شيء قد انتقضت العادة به، فإنه ﷺ ما خلف بيوت الأموال ولا مروج الكراع ولا خزائن السلاح، بل مات فقيرا، ومرض وعنده سبعة دنانير فقال: "ما كان يقول محمد لربه لو لقيه وهذه عنده" فقسمها وتصدق بها.

وقد حمى نفسه ونساءه وأهله وولده عن الدنيا كما هو معروف، وما خلف في أصحابه وعليهم إلا البصائر فقط، وقد ارتدت العرب بعده إلا ومسجدين، مكة والمدينة، فنهض أصحابه بالأمر وليس معهم إلا التقوى والبصائر. وإنما يقول مثل هذا من لا يعرف الفرس والروم وقديمها وشدة بأسها وحزمها وضبطها ويسرها وكثرة جنودها وتقادم الملك فيها وضنّها بملكها، وحال رسول الله ﷺ وسيرته وما خلفه، وكيف كانت حال العرب في المهانة الضعف والقلة عند ملوك الفرس والروم والهند وغيرهم، وشرح ذلك يطول.

فما غلبت العرب إلا بالتقوى ولا عزت إلا بالإسلام. ولقد كانت الفرس تنفذ إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد وبالنفر اليسير، وكذا الروم فينفذ أمرهم. ولهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبي ﷺ ووجّه باثنين في إشخاصه إليه. فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير. ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السريّة الذين أنفذهم كسرى بسبب النعمان بن المنذر يوم ذي قار، حتى قال النبي ﷺ: "هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا".

ثم عاد الأمر إلى خلاف ذلك، فكان النفر من أصحاب رسول الله ﷺ يلقون الجمع الكثير فينصرون عليهم، حتى كان الرجل وحده يسير إلى بلد من بلدانهم فيأخذه مع رثاثة سلاحهم وقلة عتادهم وعدتهم. ولقد قال أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﷺ في زمن بني أمية وقد رأى لهم رايات وتهويلات: ما تصنعون بهذا ثكلتكم أمهاتكم؟ والله لقد أخذ هذا الملك الذي في أيديكم رجال ما كان لسيوفهم قباع، والله ما كانت مجانّهم إلا برادع جمالهم.

وكان عمر أمير المؤمنين كثيرا [ما] يقوم في الصحابة خطيبا، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيش واستطالة الأمم عليها، ثم إلى أي شيء آل أمرها إليه برسول الله ﷺ، ويقول: إنما أقول هذا لكم لأني سمعت الله يقول لموسى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}، ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صار ملكهم أعز من كل ملك في الأرض ودينهم أظهر الأديان وأهيبها وأجلها، وأنهم ما لزموا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين.

وكانت ملوك الفرس والروم تعجب من انهزام عساكرها الخشنة المعدة القوية الشديدة من بين أيدي المسلمين، مع قلتهم وضعفهم وقلة آلتهم وسلاحهم، حتى لقد قال رستم الملك لما عبر العتيق لحرب سعد بالقادسية: أين عسكر هؤلاء الكلاب، فقيل له: أشخص بصرك إلى هذه الجهة تره، فقال لما أشخص بصره، قال: أرى سوادا فأين هو من السواد، فقيل له: هو السواد، فعجب وقال: وهذا هو كله، قالوا: نعم، قال: وقد بذلنا لهم الصلح فما أجابوا وهذا قدر عسكرهم، لا تقتلوهم وادفنوا هؤلاء الكلاب أحياء، استقلالا لهم. فلما قامت الحرب نزعوا برادع جمالهم يستخفون بها، وقدموا ابن أم مكتوم وهو أعمى ومعه رايتهم، فصاروا عنده كالضحكة، والطمع فيهم أشد، واحتقاره لهم أكثر. فلما رأى صبرهم تحير، حتى قال لجواسيسه: يا ويلكم، أيّ ناس هؤلاء، أما يملّون ما هم فيه، أما يطلبون الراحة، أما يشغلهم أكل. قيل: إنهم إذا قاموا من منامهم ابتدؤوا بأكلهم، قال: وما يأكلون، قيل له: مع كل واحد منهم خشبة يأكلها، يعني بذلك السواك، لأن الجاسوس كان يراهم يستاكون عند القيام من النوم، فظن أن ذلك طعامهم، لأن الفرس والروم لا تعرف السواك.

ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية استعظم انهزامهم، وكان عنده أن المسلمين هم الذين ينهزمون، وأنه يصير إلى المدنية فيستأصلهم، فقال لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرا مثلكم، قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما لكم تنهزمون كلما لقيتموهم، فقال شيخ منهم: من أجل أنهم يقومون بالليل ويصومون بالنهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون، ومن أجل أنّا نزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغضب ونظلم ونأمر بما يسخط الله وننهي عما يرضي الله ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.

وكانت نصارى العرب بين تغلب وتنوخ وبلخ وغسان وغيرها من القبائل تعين الروم والفرس على المسلمين، وكانوا ينغمسون في المسلمين لأنهم عرب فيظنهم المسلمون منهم، فيرجعون بأخبارهم إلى الروم، فيحدثونهم عن عسكرهم وعن أمرائهم ورؤسائهم، كشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وهو أمير الأمراء، وأنهم لا يبينون من جندهم بشيء، وأن كل واحد منهم هو الذي يقوم على فرسه ويخدم أهل عسكره، وأن الذين في عسكرهم من بني هاشم وهم أهل بيت نبيهم ورهط أبي بكر وولد عمر في العسكر كضعفاء الناس، لا يبينون من غيرهم بشيء، وأن من سرق قطعوه، ومن قتل قتلوه، ومن افترى جلدوه، ومن كذب أسقطوه وأبعدوه، وإن كان ابن نبيّهم أو ابن أميرهم. وأنهم في الحدود والحقوق سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى في دينهم. وأنهم رهبان بالليل وفرسان بالنهار. ويحدثونهم بحب النصارى لهم، وتشبثهم بهم، وأنهم أحب إليهم من ملوك النصرانية، وأن أهل حمص بكوا لرحيل أبي عبيدة بن الجراح عندهم لما تكاثرت عليه ملوك الروم، فقيل لأهل حمص: تبكون على هؤلاء وهم أعداؤكم في الدين، والذين يجيئونكم ملوككم وأهل دينكم؟ فيقولون: هؤلاء أهل الأمانة والوفاء وقول الحق والعمل به، وقد أمناهم -فهل سمعتم بمن يأمنه عدوه- دماؤنا محقونة، وأموالنا موفورة، وسبلنا آمنة، وأعراضنا مصونة، وأهل ديننا يفتضّون أبكارنا، ويشربون خمورنا، ويأكلون ودوابهم أقواتنا وعلف مواشينا، ويسخروننا لمعونتهم.

فكان سرورهم بملك المسلمين لهم عظيما، وهكذا كانت رجال الفرس. فإن عمر حين ملكهم أقرّهم على أديانهم وأموالهم، وأخذ الجزية منهم، وفرض على أرضهم القفيز والدرهم، وصدقهم في ادّعائهم، واستعمل عليهم وفي أرضهم وخراجهم حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وعثمان بن حنيف، وأمثالهم، ووصاهم بهم، وحرص الفرس به أن يستعملهم عليهم وضمنوا التوفير، وقالوا نحن أعلم بهم، فلم يفعل، فسقط عن الفرس رسوم ملوكهم عليهم من حق النوروز والمهرجان والكسور والأجور وحق الخزن وغير ذلك، فأيسروا وسمنوا وصاروا كشحم الكلى، فأحبّوا الإسلام والمسلمين فما رأوا سوءا، إلى أن كتب زاذان فرّوخ -رجل منهم- للحجاج، فسار بهم سيرة ملوكهم فقالوا: ما زلنا مع المسلمين بخير حتى دخل بيننا وبينهم رجل منا، فكنا كما يقال: إن فأسا طرح بين شجر فقال بعضهم لبعض: ما لهذه بيننا؟ فقالت شجرة منهن: ما علينا منها بأس ما لم يدخل فيها شيء منّا.

وكانت ملوك الفرس والروم يعجبون من سلطان المسلمين وأنه يقوم بدرّة ومرقعة ويغلب الجبابرة وأهل الملك القديم وأصحاب التدبير والسياسة والترتيب وأصحاب الكنوز. وأتاهم عن عمر أن كنوزهم تحمل إليه فيقسمها ولا يخزنها. وأن قائلا قال له: يا أمير المؤمنين لو ادّخرت من هذا المال ذخرا ليكون إن كان، فقال له: كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، أما إنها لن تضرني ولكنها فتنة لمن بعدي، يدّخر لكون إن كان تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله. وقسم المال ولم يقبل منه. وكان يأخذ عماله بإنصاف الناس ورعايتهم وخدمتهم وأن يعودوا العبيد والضعفاء إلى غير ذلك مما يطول.

ولما انكشف ملوك الروم من الشام ومصر، واحتجزوا من المسلمين بالمضايق والدروب، أخذوا في مداراته ومراسلاته، وطمعوا في كفه واستعطافه بالرفق، فكانت رسلهم ترد المدينة مع نفر من المسلمين في ثغورهم، فلا يرون له قصرا ولا منزلا يتميز به من سائر الناس، بل يرون منازلهم كقامة رجل من جريد النخل، وربما لم يجدوه في بيته ولا في مسجده، فيسأل المسلمون الذين معهم: أين أمير المؤمنين؟ فيقولون: ها هنا كان آنفا وما ندري أين مضى، فيمشون مع رسل الروم يطلبونه في المدينة فيجدونه وحده في طرف من الأطراف مشغولا بشأن المسلمين، فيقول الروم للمسلمين: هذا الذي أخرج الروم والفرس من ممالكها لا قصر له ويمشي وحده حافيا، أما يخاف هؤلاء الملوك؟ فيقول المسلمون لهم: هو أعز على المسلمين من ذلك، فيرجعون إلى ملوكهم بخبره، فيسألون بينهم وفي حكمائهم: هل رأوا وبلغهم أن سلطانا بهذه العزة والغلبة قام بدرّة ومرقّعة، فيقولون: لا، ما سمعنا ولا ظننّا ولولا أنا رأينا ما صدقنا.

وقد كان يزدجرد بن شهريار ملك فارس قال لرستم صاحب جيشه وقد سأله رستم عن النعمان بن مقرن والذين كانوا معه وكيف رآهم، فقال له يزدجرد: ما ظننت أن في العرب أمثالهم، ما تقصر عقولهم عن عقول فارس، وجدتهم على بصيرة ويقين من أمرهم، ولقد وعدوا أمرا لا ينتهون عنه أو يبلغوه أو يهلكوا. ولما ظفر سعد برستم، وهزم جيوش الفرس، صار إلى المدائن، وهرب يزدجرد إلى نهاوند، كان يجاري خواصه، ويكثر تعجبهم من ضعف العرب وغلبهم الجبابرة الأقوياء أهل الملك القديم والتدبير السديد من الروم والفرس وشدة جرأتهم عليهم وإقدامهم عليهم في وقت واحد، لا يكون لهم عندهم من الهيبة ما يصمدون لملك ملك حتى إذا افرغوا منه تفرغوا لغيره، بل تفوقوا عليهم كأنهم ملك واحد أو سلطان واحد فأصابوهم، مع سوء التدبير وإطراح الحزم خلافا لما يفعله حزمة الملوك، فيقول يزدجرد: ما أظن صاحبهم إلا رسولا لله كما ادعى، فلو لم يكن من آياته إلا طاعة العرب له وقد كانوا منتشرين يأكل بعضهم بعضا.

وإنما رماهم يزدجرد بن شهريار بسوء التدبير وسوء الاختيار أنهم قصدوا الملوك كلهم وأثاروا أهل الأرض كلهم على أنفسهم ضربة واحدة، وما هكذا كانت تسير الملوك، بل كانوا يقصدون لبعض الوجوه ويدارون غيرها، ويتقون كل جنبة جنبة منه. هذا قول يزدجرد بن شهريار.

وسار يزدجرد بن شهريار من نهاوند إلى فارس، ورتب عماله وأصحابه في الممالك كلها، وأنه يستثير بالفرس كلها بخراسان ويستنصر بالترك ويرجع، فيخرج العرب من ممالكه، ويصير إلى بلادهم فيقتل عمر ملكهم ويستأصلهم. وخرج من فارس إلى سجستان، ومنها إلى مرو، ومنها إلى خاقان ملك الترك، واستنصره وصاهره، وعيونه وجواسيسه تختلف إلى العرب، ورسله إلى الملوك في ممالكه، يشدّ منهم ويأمرهم بجهاد العرب، ويعدهم بنصرهم والرجوع إليهم، وهم يعذلون الفرس والمجوس الذين أدّوا الجزية وصبروا على العرب، وكانت العرب وملك المسلمين أحب إليهم من ملوك الفرس لما قدمنا، ولأن ملوك الفرس كانوا يسمون أنفسهم الأرباب وغيرهم العبيد، وكذا كانت كتبهم من الأرباب إلى العبيد.

ثم كانت أصول دياناتهم على ما ألقاه زرادشت إلى الملك بستاسف بن لهواسف أن الله خلق الدنيا، فلما خلقها استحسنها، ثم فكر هل هاهنا ضد يدخل عليه، قال: والفكر رديء، فتألف من فكره إبليس، فمثل بين يديه، وما زال يخلق الظلام والأجسام الشريرة كالحيات والعقارب والأمراض والأسقام فيقيم بإزاء كل خلق لله خلقا لنفسه، فلما خلق الله الفار خلق إبليس بإزائه السنور، إلى غير ذلك من الخرافات السخيفات مما هو مذكور عندهم، وقد ذكره الناس عنهم وأخذوه منهم إلى قولهم: وإن الله نزل من السماء إلى الأرض لمحاربة إبليس بملائكته، وإن إبليس لقيه بشياطينه فحاربه أكثر من ألف سنة، وإن إبليس هزمه وحاصره في بعض البساتين، وإن الملائكة سعت بينهم في الصلح فتهادنا سبعة آلاف سنة على أن يرجع إلى مستقر ملكه في سمائه ويترك إبليس في الأرض يصنع ما يشاء إلى انقضاء مدة الهدنة، وإن الملائكة أخذت سيف كل واحد منهما فعدّلوهما. فهذا هو أصل دينهم، وفيه من السخف والجهل والحمق ما هو أكثر من هذا مما هو مذكور في أماكنه.

وأما الفروع، فتجنب الماء، والتطهير بالأبوال، وتعظيم الماء والنار والأرض، وتطهير الحائض والنفساء ببول البقر، يتولى ذلك منهم الهربذ، يجردها ويباركها ويباشر غسل فرجها بيده، ويرى بعينيه، ويأخذ منها من الأجر ما هو معروف مذكور، وفي يده ريشة من ريش النسر يدخلها في فرجها ثم يخرجها لينظر زعم نقيت أم لا. وشرع لهم وطء المغنيات، وفرض على زوج المرأة إذا أراد السفر أن يوكل من يرضى. وشرع لهم نكاح الأمهات والبنات، وأوجب عليهم طاعة الملوك والانقياد لهم في كل ما يأمرونهم، وأمرهم بإقامة النوروز وأنه أعظم الأعياد، وزعم لهم أن الشياطين كانوا ظاهرين مختلطين بالناس يؤذونهم كل الأذى، وأن إبليس أخذ المقادير والنهايات وهو الذي تسميه الفرس قيما، وزعم أن إبليس أخذ المقادير والنهايات من الناس فصاروا يأكلون فلا يشبعون، ويشربون فلا يروون، ويذهبون لحوائجهم فلا يهتدون، وأنه أخذ الأنوار فأظلمت الدنيا عليهم، إلى أمور كثيرة يزعم أن إبليس بلغها منهم يطول شرحها. وأن جمشاذ الفارس استأمن إلى إبليس وصار في عسكره، وتنصح له، وخدمه وقرب منه، وتقرب إليه بكل شيء لتخليص الناس من شره، وأنه لما اختص به طلب المقادير والنهايات التي أخذها إبليس فلم يجدها في خزائنه، وإذا إبليس لشدة كيده قد ابتلعها لئلا تصل يد أحد إليها. ففطن لذلك جمشاذ الفارسي، فرأى إبليس وهو معه في أرض الهند نائما وحده منفردا من عسكره، فأعدّ خيولا، وأدخل يده في دبره وأخذ المقادير والنهايات واستوى على الخيول، فلما صار بأرض فارس أضاءت الدنيا وتندّت الأرض بعد اليبس ورجع إلى الناس المقادير والنهايات، فلهذا صاروا يوقدون النيران ويصبون المياه ويظهرون السرور ويتوفرون على اللذات في النواريز. وأن يد جمشاذ هذا الفارسيّ اسودّت اسودادا قبيحا فاحشا لإدخاله إياها في دبر إبليس، فغسلها بكل شيء فما نقيت، فشكا إلى الله ذلك، فأوحى إليه غسلها ببول البقر فنقيت، قالوا: لهذا شرع زردشت غسل الحائض والنفساء ببول البقر. وزعموا أن جمشاذ هذا كان قبل زردشت، وحرّم عليهم افتضاض الأبكار لأجل الطعن في الدّم وهو الذي يسمونه سولاسم، فمن يمسك بدينه منهم يتوقى ذلك ويحتال لافتضاضها، إما أن تتولى هي ذلك لنفسها بإصبعها أو بغيره إلى أن ينقضي الدم. ولهم في فروعهم فواحش أخر، مثل أكل الميتة، وهو ما يشدونه من البقر الشد الوثيق ويأمرونها بصعود الجبل ويقولون لها: قد أمرناك وأعذرنا إليك فلم تفعلي، فيضربونها إلى أن تموت، ثم يأكلونها، وهذا الذي يسمونه يزدان كشت، تفسيره، قتيل الله، إلى غير ذلك من حمقهم.

فلما جاءهم الإسلام، كان حذيفة وسلمان وغيرهما من الأفراد لا شغل لهم إلا قراءة القرآن ودرسه وتعليمه والظهور للناس والمشي في الأسواق والجلوس في الطرقات. فكانوا يسألونهم عما يقرؤون وعما في كتابهم فيفسرونه للتراجمة ولمن يفهم، فيذكرونه لهم، ويرجعون إلى عقولهم فيما يسمعون من جلال الله عز وجل وعظمته وآياته في كل شيء في مثل قوله: {وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}، وما في قوله في سورة الروم: {ومن آياته}، {ومن آياته}، {ومن آياته}، غير مرة، إلى غير ذلك، وعلم الصحابة به أعظم من علم من بعدهم. فنظر القوم إلى أصول صحيحة يشهد العقل بها، وفروع زكية تدعو إلى التمسك بأصولها، ووجدوا الصحابة يعملون بما يقولون، فأسلموا، وتبادروا إلى الإسلام طوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله كما قد عرف الناس، وبقايا ذلك اليوم بخراسان خاصة.

وهذه كانت سبيل النصارى بمصر والشام وأرمينية، فديانات النصرانية في الأصول على تلك الجهالات والكذب كما قد تقدم لك ذكره، وفروعهم في النجاسة والقذارة كما قد عرفت. ورأوا من الصحابة في المذاكرة بالقرآن والمواظبة على درسه، فأسلموا اختيارا وطوعا من تلقاء أنفسهم، وجاهدوا في سبيل الله عز وجل.

وأما خاص المجوس بجور وإصطخر، فعندهم أن الله مات -جل الله عن قولهم- وأنه خلف ابنين، أحدهما غلب على السماء وهو الخير، وأن الآخر غلب على الأرض وهو الشرير.

وقد كان عامل لعمر رضي الله عنه كتب إليه يعتذر من قلة المال ويقول: أسلم الناس وقلت الجزية، فأنكر عليه عمر هذا الاعتذار وكتب إليه: إن الله بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا. وصرفه ولم يستعمله لحزنه على قلة المال وحرصه على الجباية.

وكان خلفاء رسول الله ﷺ يقولون لعمالهم: ارعوا الناس ولا تجبوهم، فإن الله بعثنا رعاة ولم يبعثنا جباة، وإن من بعد نأمن الأمراء سيصيرون جباة لا رعاة، فإذا أفعلوا ذلك ذهب الحياء والوفاء وقلت البركات، فالزموا الإسلام.

ولما دخل عمر الشام تسامع به النصارى ومن بها من ملوك الروم ممن أقام على الذمة، فأحبوا أن يروه، فخرجوا على براذينهم وخيولهم في زيهم ومراكبهم وملابسهم، فرأوا المسلمين يدخلون أولا أولا، فيقولون لهم: أين الملك؟ فيقولون لهم: هو في الساقة. وتلقاه أبو عبيدة والأمراء، فجاء على جمله ومعه مولى على جمل آخر، فانتهى إلى ماء فنزل ونزع جرموقيه وأخذ برأس بعيره وخاض الماء، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه الأرض، كأنّ أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع والتبذل وهو سلطان المسلمين، وعدوّه كثير، وهم يرونه، وقد سلبهم ملكهم وعزهم، وعيونهم وجواسيسهم معه يرون ذلك ويبلغونه ملك الروم -وللروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم، وظنونهم سيئة، وتيقظهم دائم، حتى إن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الإسلام وذهاب أهله جواسيس وعيونا متوالية إلى أقاصي خراسان، وفي كل الإسلام، ومن يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم ويرجع إليهم بالخبر- فقال عمر لأبي عبيدة: هاه، رافعا بها صوته، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، كنتم أذل الأمم، فأعزكم الله بالإسلام، ومهما تطلبوا العز بغيره يذللكم الله.

ولما ورد الشام وقدم الجابية وهو على جمل أورق تلوح صلعته من الشمس، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عمودين، ووطؤه فرو كبش نجديّ، وهو وطؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، وحقيبته شملة محشوة ليفا، هي وسادته إذا توسد، عليه قميص من كرابيس قد انخرق بعضه. ولقيه أمراء والأجناد في مواكبهم، فكلما لقيه أمير منهم فسلم عليه قال له: امض، فردّه، ولقيه الأسقف، فقال حين رآه لأساقفته: ثكلتكم أمهاتكم، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا، هذا ملك الأرض، فانظروا إليه وإلى حاله. وقد كان قال لعامله على أذرعات وقد قدم عليه، وعلى عمر قميص من كرابيس، فقال لعامله: خذ هذا فاعتله وارفعه، ففعل، وقطع عليه قميصا قبطيا فأتاه به وقال: هذا قميصك وهذا قميص قطعته عليه لتلبسه، فمسه فوجده لينا، فقال: لا حاجة لنا به. ولما قدم دمشق وصار في يوم الجمعة نام عمر فجاء عامله على دمشق فسألهم ما يريد أمير المؤمنين أن يلبس إلى الصلاة، وهل يلبس غير لباسه الذي كان عليه، قالوا: لا، ما يلبس غيره، فكره ذلك عامله وخاف أن تزدريه البطارقة وملوك الشام بعد هيبته في صدورهم وصوته فيهم، فأمرهم عامله أن يغسلوا قميصه، فإنه إذا قام من نومه فوجده رطبا لم يلبسه أعطيناه غيره فلا يجد بدا من أن يلبس. فلما انتبه عمر [و] أراد أن يمضي إلى المسجد للجمعة دعا بقميصه فوجده رطبا قد غسل، فلامهم في ذلك، قالوا: نأتيك بغيره، قال: لا ألبس غيره؛ فعصره ولبسه وصعد المنبر وقد كان أبطأ من أجل القميص، فجعل يعصر ما بقي فيه من الماء وهو على المنبر، ويمدّ كمه فلا يبلغ أصابعه، وهو قميص غليظ، وقال لهم: إنما حبسني أن قميصي هذا غسل، فلما نظروا إليه وإلى هيبته أقبلوا يبكون وينتحبون من كل ناحية ويقولون: ولا رهبانية ابن مريم، ولا رهبانية ابن مريم، مرتين، ما رأينا ملكا في رهبانية أعجب من هذا. وقال الروم: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر، فقال عامل عمر: فكان والله الذي فعل أهيب في صدورهم وأبلغ مما أردنا، وجاءت هيبة الدين والتقوى.

وهذه كانت سيرة خلفائه وأعوانهم كبني مقرن، وأبي عبيدة، ومعاذ ابن جبل، وشرحبيل بن حسنة، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وأمثالهم من السابقين والتابعين بإحسان، لا يحصون لكثرتهم. والذين رغبوا فيما أحلّه الله لهم وأباحهم إياه كعبد الرحمن بن عوف وأمثاله، فقد كانوا يبذلون وينفقون في سبيل الخير، ثم لا يعرفون من التواضع من عبيدهم ولا يفرق بينهم وبين عبيدهم وفقرائهم، فكانوا كما قد قيل فيهم: لا يحوي رجاؤك ما حوت أيمانهم، ولا تسري همتك إلى حيث سرت أقدامهم، لم يزدهم الله رفعة وتشريفا إلا ازدادوا هيبة وإجلالا، ولا تسليطا وتمكينا إلا ازدادوا عن الدنيا عزوفا ومنها تقللا، ولا تقريبا واختصاصا إلا ازدادوا من رعيتهم قربا وبالمساكين رأفة وعليهم حدبا وبهم رحمة.

ولقد قال عبد الله بن سلام وغيره لأولئك الذين شغبوا على عثمان، كحرقوص بن زهير، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران: يا قوم، إن سلطانكم يقوم بالدرة، وما سمعنا بسلطان يقوم بالدرة قبله، وإن قتلتموه لم يقم إلا بالسيف، لا تسلوا سيف الله عليكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم، إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله مذ حلّها رسول الله ﷺ وإلى اليوم، والله لئن قتلتموه لتتركنها، فلا تطردوا جيرانكم من الملائكة.

وقد قلنا قبل هذا إنما لم نجعل زهد رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه دليلا على صحة الإسلام ونبوة النبي ﷺ، فإن ذلك إنما يدل عليه ما قدّمنا من الأدلة وأمثاله، ولكن استدللنا بزهدهم على محبتهم لنبيّهم، وأن ظاهرهم كباطنهم، وسريرتهم كعلانيتهم، وعلى بصيرتهم في دينهم، وأنه لم يكن لنبي من الأنبياء عليهم السلام صحابة مثلهم، وأنهم خير أمة أخرجت للناس. واعلم أنك لا تكاد تعدم من يطعن فيما معك من هذه الأخبار لجهله. فإن هذه الأخبار التي معك من كلام الوليد بن المغيرة إلى غير ذلك، كلها قد جاءت مجيئا صحيحا كالقرآن، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ألا ترى أن لرسول الله ﷺ من الغزوات والسرايا والبعوث أكثر من خمسين ولا تعرف العامة ومن جرى مجراهم منها خمسة، وهم يعرفون أبا بكر الصديق في الصحابة ولا يعرفون أبا طلحة وأبا قتادة. ويعرفوه من أزواجه خديجة وعائشة ولا يعرفون سودة بنت زمعة وصفية بنت حيي وغيرهن من أزواجه، فإنه ﷺ تزوج خمس عشرة ومات عن تسع، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وكان له تسعة أعمام، ولا يعرف العامة منهم أكثر من ثلاثة، وكان له سبع عمات ولا يعرفون إلا واحدة، ومثل هذا كثير. ولسنا نريد بقولنا هاهنا العامة كالملاحين والحمالين والفلاحين، ولكنا نريد من لم يباشر هذه الصنعة وإن كان من الخلفاء والوزراء أو القواد والكتاب وكائن من كان.

فإن قيل: فإن هذا الدين وإن ظهر على الأديان كلها وكان أقواها وأعزها فما استأصلها ولا قلع أصولها، فقد بقي في يد الروم بقية من ممالكها وإن كان الإسلام قد أخذ أكثرها وعامتها، وبقي في يد الهند بقية.

قيل له: إنه لم يقل إنه مستأصل الديانات ولا الممالك كلها حتى لا يبقى شيئا منها، بل قال: ليظهره على الدين كلّه، وقد ظهر وغلب، فصار أعزها وأظهرها وأقواها، فقد استوفى الخبر شرطه. ومع هذا فقد فرض الجهاد على أمته إلى يوم القيامة، فدلّ أنه تبقى من الشرك بقية. فقد أحدق الصدق بكل ما قالوا، فما هاهنا عيب يكون لطاعن.

فإن قيل: إن الرّوم قد ارتجعت أكثر ممالكها التي أخذها المسلمون منها، حتى لو قدّر ما ارتجعوه من جزائر البحر وما في البر من الثغور الشامية والجزيرية وأرمينية وأذربيجان، لكان يكون في الكوفة إلى بخارى بلدان عامرة، ثم من بالأحساء والمغرب وما يلي المغرب إلى أن يقارب العراق يعتقدون عداوة الأنبياء كلّهم ويخصون نبيكم محمدا بفضل عداوة، ويجردون في القصد إلى إماتة شريعته واستئصال دعوته كما قد عرف ذلك من تصفح واعتبر، وكما لهم من الآثار في قتل المسلمين والحجاج وغزو مكة والكوفة والبصرة وباليمن وبالشرق والغرب، وإن تستروا بالباطن، فكيف يكون الآن ظاهرا على الأديان كلها.

قيل له: إنه لو ارتد جميع أهل الدين حتى لا يبقى عليه أحد من الناس كلهم لما قدح ذلك في الخبر الذي خبر أنه يظهر على الأديان كلها، لأن ذلك الخبر وتلك المعجزة قد صارت إلى ما قال وكما أخبر، فظهر على الأديان كلها فلما استوفت شرائطها وانتهت إلى حدودها فما قصرت عن شيء قاله عليه السلام أو شرطه.

ثم في غلبة الروم والقرامطة وغيرهم من أعداء الإسلام على ما غلبوا دلالة أخرى على نبوته عظيمة، فإنه قد مرّ أن بعد مضي أصحابه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وفي آخر الزمان ستضعف بصائر أهل ذلك الزمان، ويكرهون الموت، ويشتد حبهم للدنيا وحرصهم على البقاء، فسيظهر عليهم عدوهم ويغلبهم. والأخبار في ذلك أصح وأقوى من كل قويّ، وهي كثيرة، ومجيئها كمجيء القرآن، حتى أنه ﷺ حين وقت المواقيت، وقت ميقاتا لأهل العراق والعراق إذ ذاك في أيدي الفرس، ووقت ميقاتا لأهل الشام والشام إذ ذاك في يد الروم، وكذا غيرها من الأمصار، وذكر ظهور أمته عليهم واستقامة الأمور لهم، ثم ذكر اضطرابها، حتى يقول: ومنعت مصر أردّبّها ودينارها، ومنعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام كذا. حتى يجيء في الأثر: ليخرجنّكم كما أخرجتموهم كفرا كفرا، يعني بلدا بلدا وقرية قرية، لأن أهل الشام يسمون القرى الكفور، فيقولون: كفر طاب وكفر ثوبا وكفر كذا لقرى كثيرة. حتى يذكر آخر الزمان، وأن الأمم تتمالأ على أمته كما تتمالأ الأكلة على قصعتها، فقيل يا رسول الله: أمن قلة يؤتون، فقال: لا، إنهم أكثر ما يكونون ولكن الوهن والفشل، فقيل: يا رسول الله ما الوهن والفشل، قال: «حب الدنيا وكراهة الموت».

وقد وجد أهل الاعتبار ذلك. فإن بابك الخرّمي صاحب الخرميّة من البذ من أرمينية وأذربيجان، ابتدأ في أول أمره وتستر بأنه من المسلمين ويدعو إلى الإسلام وإلى المهدي من أهل بيت رسول الله ﷺ، فلما قوي وظهر كان من أمره ما هو معروف، فكدّ السلطان في زمانه وأتعبه، فكان المعتصم ابن الرشيد، فأرسل بابك إلى ملك الروم وهاداه ولاطفه وتقرب إليه ببغص الإسلام والمسلمين، وأنه إنما تستر بالاعتزاء إلى المهدي حيلة عليهم وسخرية منهم، وقال: إني قد شغلت ملك العرب عنك فما يتفرغ لغزوك فإن فرغ مني تفرغ لك، فانتهز الفرصة لتنهنهه عني وأنهنهه عنك، ففعل ملك الروم ذلك، وسار حتى فتح ربطره وكان له من الأثر في المسلمين ما هو معروف.

وكان له مع صاحب الزّنج من الحرب مثل ذلك أيام المعتمد، فإن صاحب الزّنج شغل السلطان عن ملك الروم فأعانه ملك الروم وانتهز الفرصة وسار فأخذ لؤلؤة من أيدي المسلمين، وهي بلد عظيم ومصر جليل.

وكان صاحب الزنج يدّعي أنه المهدي، وآثاره معروفة، وسيرته في المسلمين معلومة في أن أمنهم ثم قتلهم بعد الأمان وقتل الأطفال، إلى غير ذلك. وكان يذكر أنه علويّ. ولقد أخذ أبا يعقوب الشحام فقال له: لم لا تجيء أنت وأصحابك فتجاهدون معي وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولكنكم معشر المعتزلة منافقون تقولون بما لا تفعلون، فقال له أبو يعقوب: أجيب عن هذا وأنا آمن، قال: نعم، قال: أنا آمن قبل الجواب وبعد الجواب على نفسي وأهلي ومالي، قال: نعم فتوثق منه ثم قال له: أخبرني أيّما خير، أنت أو عليّ بن أبي طالب؟ قال: بل عليّ، قال: فأيما شر من عاداك أو عادى عليّ بن أبي طالب، قال بل من عادى عليّا. قال: فهل بلغك أنه آمنهم ثم قتلهم، لقد حاربوه فما قتل لهم أسيرا ولا أجهز لهم على جريح ولا اتبع لهم موليّا ولا سبى لهم ذرية ولا هجم لهم على منزل، ولقد كانت الخوارج مقيمة معه فما بدأهم بحرب وهم يكفرونه، فقد كان ينبغي أن تسلك سبيله لأنك أنت تدعي أنك من شيعته، فقال له: لولا أني قد آمنتك ولولا ما بيني وبينك لقتلتك. فقام أبو يعقوب وخرج وهرب ولم يأمنه.

وقد كان صاحب الزنج قبل أن يملك البصرة يغشى العلماء ويجلس إليهم ويتقرب من قلوبهم.

وهذه كانت سبيل سعيد الذي خرج بالمغرب أيام المقتدر، فإنه لما تمكن برقادة من أرض المغرب وصار في جيوش، راسل ملك الروم وهاداه وتودده وأغراه بالمسلمين، وبشره بأنه يملك ممالكهم كلها ويستأصل ملك بني العباس، وأن له إخوانا على مثل رأيه باليمن وبالبحرين وبالكوفة وفي الجبال وبخراسان، وأنه قد سلطه عليهم. وكان يبشره بالمكاره التي تنزل بالمسلمين، وسيّر جيشا له عظيما مع ابن له إلى مصر ليأخذها، وعرّف الروم هذا، فسيّروا جيشا إلى الثغور، وكان هؤلاء ينصرون أولئك في الثغور، وشغلوا المسلمين وشتتوهم. وكان هذا بعد الثلثمائة للهجرة. وكان عندهم أن أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابيّ صاحب البحرين يعينهم فإنه كان على رأيهم ومواطئا لهم، وكان عندهم أنه إذا انقضت سنة ثلثمائة ظفروا وظهروا على الإسلام كله، وأن سعيدا الذي بالمغرب هو المهديّ وهو الذي يغلب ويظهر. وكانوا يكاتبون الشيعة بالعراق في كل مكان بذلك، ويقولون لهم: انتظرونا وكونوا على أهبة فإنا لا نتأخر. فاتفق قتل أبي سعيد الجنابي في سنة إحدى وثلثمائة، وأخلف ما ظنوه، وانهزم أولئك الذين نزلوا على مصر ورجعوا إلى المغرب، ورجعت الروم بسبي عظيم من المسلمين، وكان ذلك في سنة اثنين وثلثمائة. ثم عادوا إلى مصر بأعظم من تلك الجيوش في سنة سبع وثلثمائة، وعادت الروم إلى الثغور وحرقوا وسبوا، وخرّب هؤلاء بالاسكندرية والصعيد ونهبوا وانهزموا ورجعوا، وأخذ الروم ملطية وثغورها، فهنأهم هؤلاء الذين بالمغرب بذلك، وبشروهم بما يفعله أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي بالمسلمين وبالحجّاج، وبقلع الحجر وبسبي المسلمين وبقتل الحجّاج وبسلب الكعبة، وأنا قد شغلنا المسلمين بأنفسهم عن غزوكم؛ حتى كتب ملك الروم إلى المسلمين كتابا بذلك وأظهر الشماتة بما نزل بالبصرة وبالكوفة وبمكة وبغيرها من وقائع القرامطة بالمسلمين وإذلالهم الإسلام. وقد أجاب عن هذا الكتاب أحمد بن يحيى بن المنجم نديم السلطان، وأجاب عنه عيسى بن داود بن الجراح وزير السلطان.

وأولاد أولئك الذين كانوا بالمغرب إلى هذه الغاية مقيمون على مسالمة الروم ومقاربتهم ومهادنتهم والتقرب إليهم والشغل بإفساد المسلمين والإسلام. فإن غزا الروم أحد من المسلمين من نواحي الشام ومصر وجاؤا بسبي أو أسير أخذهم هذا السلطان منهم وخلع عليهم ووصلهم وبرهم وأكرمهم وأنزلهم أجل المنازل وقال لهم: من أقام منكم عندنا فله الكرامة ومن شاء فليرجع فله الحباء والصيانة، ويراسلون ملك الروم بأنا ما نغزوكم ولا نتعرض لكم، وما نقدر أن نكاشف في المنع من غزوكم كل المكاشفة، ولا نرد كل أحد عن ذلك، وقد علمتم أن من وصل إلينا منكم رددناه مكرما إليكم، ومن آثر المقام كان في عز وفي كفاية، ولنا جيوش وعساكر في البر والبحر قد جاورناكم، سيما مذ صرنا بنواحي الشام ومصر، وإذا قصدتم لناحية فيها عساكرنا رحلوا عنها وخلوها لكم. ولهم معهم أكثر من هذا التفصيل، وإنما أردنا أن نذكر صحة قوله عليه السلام إن أمته في آخر الزمان تكون إلى حب الدنيا والبقاء فيخذلون وتجتمع عليهم الأمم، وهذا باب من معجزاته.

حول الآية الكريمة {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}

وباب آخر

وهو قوله: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}. وكانت قريش والعرب قد تفرغوا لمكارهه وتركوا كل شغل، وأفردوا كل قوم بضرب من مكروهه كما كانت تفعل اليهود ذلك به، فكانت خمسة من مشيخة قريش قد تفرغوا للاستهزاء والمنع في المواسم والمحافل من أن يستمع منه أو يصغى إلى القول منه. وهم الوليد بن المغيرة المخزوميّ والعاص بن وائل السهميّ والأسود بن المطلب الأسدي والأسود بن عبد يغوث الزهري والحارث بن الطلاطلة. فبلغوا منه في الاذلال، فشكاهم إلى الله عز وجل فأرسل إليه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله تعالى قد أمرني بطاعتك فمر فيهم بما أحببت، فاستند إلى الكعبة، فمرّ به الوليد، فأومئ إلى أخمص رجله، وكان قد مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له، فوطئ على فصل منها، وكان من ذلك مريضا ثم اندمل، فانتقض به عند ذلك ومات. ثم مر به الأسود بن المطلب وبيد النبي عليه السلام ورقة خضراء، فرمى بها في وجهه وقال: اللهم أعم بصره، وأثكله ولده، فعمي بصره وقتل بنوه: زمعة، وعقيل، والحرث بن زمعة. ومر به العاص بن وائل، فأومئ إلى رجله، فركب حمارا يريد الطائف فطرحه الحمار فدخلت في رجله شوكة فمات. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأومئ إلى بطنه فأكل سمكا مملوحا ونام، فلما كان جوف الليل عطش، فقام إلى قربة فيها ماء، فوضع فاه على فيها فشرب، فما روي حتى انشق بطنه ومات.

وقد علمنا أن كان هناك من كان يستهزئ به، وأن قوله عز وجل: {إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} قد كفيهم، وقد قرأ ذلك عليهم، فعلمنا أن كان هناك مستهزئين وقد كفيهم.

حول الآية الكريمة {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون}

وباب آخر

قوله عز وجل {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} فذكرهم بعصمة الله له [و] منعه لهم من قتله مع وحدته وكثرة أعدائه وحرصهم على قتله واستئصاله وإطفاء نوره، فصرفهم الله عن ذلك، وقد راموه غير مرة وحرضوا عليه.

فانظر إلى هذا الادلال وإلى هذه الثقة بمنع الله منه، فإن هذا قول يغيظ ويغضب ويحرضهم على مكروهه ويبعثهم على قتله ويزيدهم حرصا على استئصاله. وهذا من الآيات العظام، وهو أعظم من صرف الله كيد فرعون عن موسى، فإن بني إسرائيل بمصر وهم ستمائة ألف على دين موسى وتصويبه سوى المشايخ والنساء والأطفال وإن كانوا مغلوبين بسلطان فرعون، وطول مقام موسى مع فرعون بعد ادعاء النبوة سنة واحدة. ومحمد ﷺ أقام بمكة خمسة عشرة سنة، وجاءهم وحيدا منفردا بدينه، خالف الأمم كلها من أهل زمانه، ولم يعتصم بمخلوق، ولا صوّب أحدا من الأمم ولا من الملوك الجبابرة.

فإن قيل: أوليس كان عمه أبو طالب يمنع منه، قيل: ليس في هذا قدح فيما ذكرنا، لأنه ما قال إن أحدا لا يدفع عني ولا يسوؤه ما نزل بي، وإنما قال في حال وحدته، لا أقتل ولا تقتلونني مع كيدكم لي، وإن ربي أخبرني بذلك، وهو قال لي: {وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ} وهو قال لي: قل لهم {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} وهو قال لي: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فلو منع نصفهم من قتله لما قدح ذلك في خبره. ودفع أبي طالب عنه يؤكد أمر حجته، فإنه قد كان على غير دينه، وكان على دين أعدائه، ومع هذا كان يدفع عنه ويقول لقريش: هو الأمين الكريم الوفي الذي عرفتموه، وتشفع إليهم في الكف عنه، وقد كانوا مع هذا يضربونه حتى يغمى عليه ويسحبونه، فيقول لبناته وهنّ يبكين: إن أباكنّ لا يقتل بل يؤذى، ويقول هذا للناس كلهم ويناله عمه أبو لهب والنضر بن الحارث بن كلدة وأبي بن خلف وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من قريش، مع حرص أبي طالب في الدفع عنه، فيقول ﷺ: لا تنالون مني أكثر من هذا، والعقبى تكون لي، ولن أقتل ولا أموت حتى أظهر. فيزدادون غيظا عليه، ويجددون عزمهم على قتله، ويقول أبو جهل لبني مخزوم: لأقتلنّ محمدا، فإن شئتم حينئذ فأسلموني إلى بني عبد مناف وإن شئتم فدعوا. فقالوا: نحن لا نسلمك لشيء أبدا. فأرصد لرسول الله ﷺ إلى أن وجده ساجدا، فأخذ صخرة ومشى إليه، فلما دنا ليرضح رأسه بالصخرة التزقت الصخرة بكفه وولى هاربا، فأنزل الله فيه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْدًا إِذا صَلَّى} حتى قال: {فَلْيَدْعُ نادِيَهُ} لأنه معروف العداوة سيد مطاع.

فانظر كيف يقول له: {فليدع ناديه. سندع الزبانية}، وقد أرصدوا له للقتل مرات لا يحصيها إلا الله، وكان أشد ما عليهم إذا قرأ القرآن وفيه عيبهم وعيب آلهتهم، مثل قوله في سورة ص وياسين والفرقان، وما أشبه ذلك، فإنهم كانوا يثورون له ويفورون من أجله، وكان ذلك شديدا على رسول الله ﷺ لوحدته وضعفه، ولما يعرف من بأسهم وغلظ أكبادهم، حتى يقول الله: {وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا، وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا}. وإنما قال: {جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا} لما كان يصيبهم من الغضب والغيظ عند تلاوته القرآن، فأضاف ذلك إلى نفسه لهذا المعنى، لا أنه جعل على قلوبهم أكنة ولا في آذانهم وقرا، وهذا كقول رسول الله ﷺ: «شيبتني هود وأخواتها»، لما كان يلحقه عند الفكر فيما يتلوه منها من خشية الله وخوف نقماته، لا أن هود وأخواتها كانت تفعل فيه الشيب. ومثله قوله عليه السلام: "حبّك للشيء يعمي ويصم" لا أن الحبّ يفعل العمى والصمم، ولكنه إذا أحبّ الشيء ذهب مكبّا على وجهه فلم يتثبت، فتبصر عينيه ولا يصغي فيسمع قول من ينصح له. وقد قال الله عز وجل {فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا} والنذير لا يفعل فيهم النفور، ولكنهم لما نفروا عند إنذاره نسب نفورهم إليه. وهذا من الاستعارة الحسنة، وهو معروف في اللغة.

فسلامته ﷺ منهم وهذه حالهم، وحاله كمن قال: الدلالة على صدقي أني أخوض هذه النار العظيمة وألبث فيها وأخرج منها سليما، فهذه كانت حال رسول الله ﷺ مع هذه الأمم، فإنه أقام بعد ادعاء النبوة بمكة خمسة عشرة سنة بين هذه الشدائد المتوالية والأهوال المتصلة، وهو يخرج إلى المواسم، ويقوم في المحافل، ويبرز إلى القبائل، ويعرض نفسه، ويذكر ما يدعو إليه، وهو وحده ومعه أبو بكر الصديق أو أبو بكر وعلي بن أبي طالب. وقريش ترصده وتتبعه برجالها ودهاتها في التنفير عنه والصد عنه. فأين كان أبو طالب، وكم يكون أبو طالب مع هذه القبائل والعشائر وهم يتوعدونه وهو لا يلين ولا يفتر.

ولقد كان عمه أبو طالب يعذله فيما أتاه من مخالفة دين آبائه ويسأله أن يكف عنهم وأن يلين لهم، ويضرع له ويطاوله ويدبره في كل جهة ويخوفه بأسهم وسطوتهم وأنه لا يأمن قبلهم، فلا يلين، ويقول: يا عم، ما كان لي أن أراهن في أمر الله، حتى يبكي ﷺ من طول معاتبة عمه له ويقول: ما كنت لأفعل. فإذا قال له: إني أخاف عليك منهم، إني غير آمن عليك مكر قريش وإن دافعت عنك، فيقول ﷺ: إن ربي قد ضمن لي صرفهم عني، فيقول أبو طالب: يا ابن أخي، ما أطوع ربك لك، فيقول له: وأنت يا عم لو أطعته أطاعك.

وقد مات أبو طالب، وأقام ﷺ بعده وهو على شدته عليهم، وأشد بكثير مما كان عليه في حياة أبي طالب، وغيظهم أشد. فإن القرآن كان يتوالى نزوله بما يكرهون، فيجيب من يجيب منهم رسول الله ﷺ، فيتضاعف غيظهم، ويتجدد عزمهم على قتله واستئصاله، فيجدّون ويشمرّون ويسعون ويرهجون فلا يغني عنهم كيدهم شيئا، {وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ}.

ولقد كانوا يمكرون به المكر العظيم، كما قال الله تعالى: {وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ} وما كان ليقول هذا عنهم والعدو والوليّ يسمعه إلا وهو كما حكاه عنهم.

وفي هذا المعنى يقول عز وجل: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ} أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة ولن يفي له بما يدعي محمد عليه، فليجتهد جهده وليستفرغ وسعه في استئصال محمد وإطفاء نوره وطلب كذب يكون منه، ثم لينظر هل يجد ما يشفي غيظه، فإنه لا يجد ذلك، بل يجد ما يضاعف غيظه. وهذا أيضا من تلك الأبواب التي تبعث على قتله وتذكر باستئصاله.

وكم كان يلقي من يجيب رسول الله من الذل والضرب والهوان والتجويع والتعطيش والجفاء والسبّ وأصناف المكاره التي يطول شرحها، وهي مذكورة في مواضعها، معروفة لا يشك أهل العلم فيها. حتى يكون مثل عثمان بن عفان مع كثرة ثروته وصلته لأرحامه وشرف رهطه وحلمه وأناته لا يمكنه المقام بمكة، ففر إلى أرض الحبشة ومعه رقية بنت رسول الله ﷺ. وكذلك جعفر بن أبي طالب وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين. وفر الزبير مع شرفه وشجاعته. ومن شئت من الوجوه والأشراف فما أمكنهم المقام وهذه حالهم. فكيف بالموالي والفقراء وقريش تطلبهم وتعبر البحار في طلبهم ويكون لهم مع النجاشي ما هو معروف. ومن هاجر إلى المدينة اتبعوه، فإن وجدوه في الطريق ردوه قهرا، وإن وجدوه في المدينة خدعوه وسألوه زيارة أهله وعطفوه على أبويه ورغبوه في صلة رحمة وأمنوه على نفسه ودينه ما أقام معهم، فكم ممن أجابهم واغتر بهم لما ردوه صفدوه بالحديد وعذبوه. ومن أحسّ منهم بولده قد أسلم قيّده، كما فعل سهيل بن عمرو بابنه أبي جندل بعد الهجرة، وكما صنع أبو أحيحة سعيد بن العاص بابنه خالد بن سعد، فإن أبا بكر الصديق لقيه وعرفه حسن الإسلام، فأجابه، فعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه جماعة فأخبروه أنهم لا يجدونه، فقال: الطائف، فجاؤوا الطائف فلم يجدوه، فأخبروه أنه يكون بأعلى مكة في شعب أبي ذر قائما يصلي، فأتوا به إلى أبيه، فأنّبه وبكّته وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال له: اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم، وزعمه أن للناس بعد موتهم دارا يدخلوتها فيخالدون فيها، فما أعجب هذا، وأخواته وأهله يشهدون، بل هم ردوه إلى أبيه، فقال خالد: قد اتبعته وصدق والله محمد. وحاجّه ابنه، فغضب أبو أحيحة ونال من ابنه وشتمه، وقال: اذهب يا لكع حيث شئت، والله لأمنعنك القوت، قال: إن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت. فخرج خالد، فلقيه أبو سفيان صخر بن حرب فقال: قد فعلتها يا خالد، ما شكرت أباك، ولقد هدمت شرفك الذي ينالك، فقال خالد: بل عمرت ذلك الشرف، قال: أنت غلام حدث، لو بسط عليك العذاب لأقصرت. وصار خالد إلى رسول الله ﷺ، فكان يلزمه. وجعل من لقيه من قومه يؤنبونه، ويستقصرون فعل أبيه وتركه له، وأنه قد كان ينبغي له أن يبسط عليه المكروه ويواليه عليه. فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا أحيحة، ما أدري أضعفت أم ضجعت الرأي أو أدركتك المأقة، قال: وما ذاك، قال: تركت ابنك يتبع محمدا أو أنت سيد قريش وكبيرها والمطاع فيها، فيتجرأ علينا شبابنا ويقولون: هذا ولد أبي أحيحة قد أسلم ولم يصنع به شيئا، فقال: لا ما ضعفت، إني لأقوى قريش نفسا وأكثرها عددا ومالا. وأما قولك: ضجعّت الرأي، فما الرأي عندك في أمره، قال: حبسه والتضييق، فقال: والله ضربته حتى كسرت العصا على رأسه، وحرمته القوت، فهذا أشد الأمور عليه، فلم أره حفل بواحدة منها. وأما قولك: المأقة، لقد غاظني أمر محمد أنه أوسطنا نسبا، وأنه نشأ فينا كأحسن ما نشأ به أحد من الشباب من حسن الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق، فجاء بدين محدث، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وأذهب بهاءنا واجترأ علينا. وأخرى إن صدقني ظني -وهو صادق- أنه خارج إلى قوم يقوى بهم ثم يدخل بهم عليكم. قال أبو جهل: لا تقل هذا، فما الفرج لنا إلا في إخراجه وتحويله عن ديارنا، فإنه إن خرج عادت إلفتنا، وعدنا لديننا القديم الذي كان عليه آباؤنا. فخرج من عنده وهو يقول: تغيّر أبو أحيحة، ما هو إلا الكبر، ما اجترئ عليه بهذا حتى أنسوا ضعفا. ففر خالد إلى أرض الحبشة.

وإنما ذكرت لك طرفا يسيرا من صنيعهم بفتيانهم وأولادهم ومهجهم إذا أسلموا وشدة الرؤوساء منهم على من لم يبالغ في ذلك. فأمّا ما صنعوا بأبي بكر مع حلمه ونبله وسعة جاهه وكثرة خلّانه من ساداتهم، ثم بمن يليه طبقة طبقة، فأعظم من كل عظيم.

{{عيميني|حول الآية الكريمة {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} وكيف ورثها أصحاب الرسول {{صل} }}}

وباب آخر

وهو قوله عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}. فورثها أصحاب محمد ﷺ كما قال وكما أخبر. وفيه مع كونه دلالة على نبوة محمد ﷺ لما في الكتب التي أنزلها الله عليهم أن النبيّ الأخير من ولد إسماعيل بن هاجر بن إبراهيم القائم من فاران هو أعز وأعلى وأقهر من جميع النبوات، وأن أتباعه الصالحين يرثون الأرض ويحيون الحق ويميتون الباطل ويذلون الجبابرة كما هو مذكور في الكتب ذكرا تقدم به الحجة عند العلماء. وقد ذكره من أسلم، مثل عبد الله بن سلام ومن يليه طبقة طبقة. وللعلماء فيه كتب مفردة، مثل أحمد بن يحيى بن المنجم المعروف بالنديم، ومثل أبي عبد الله محمد بن زيد الواسطي الكاتب، ومثل أبي بكر الزهيري الكاتب، ومثل ابن قتيبة، وغيرهم. فإنهم ذكروا تلك المواضع من تلك الكتب وما فيها من البشارات والإشارات، فإن أردتها وجدتها، وإن كان معك ما يغنيك عنها.

وفي هذا أيضا دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأتباعهم وشيعهم، فإن الله قد شهد لهم بالصلاح وهم ورثوا الأرض.

فإن قيل فقد ورثها بعضهم ممن ليس هو في مثل حالهم عندكم، حتى انتهى ذلك إلى القرامطة والروم وأشباههم، ومن يقرب حاله من حالهم، فإنهم قد غلبوا على كثير من الأرض. قيل له: لو ملكوا الأرض كلها لم يقدح ذلك في هذا العلم ولم يؤثر في هذا الخبر، لأنه ما قال: لا يرثها إلا الصالحون، ولا تخرج من أيدي الصالحين. ومثله قال موسى لقومه: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، ومثله قوله: {أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا}، وقد خرجت من أيدي بني إسرائيل وملكها بخت نصرّ وملوك الروم وأمثالهم من الكفرة، وهذا غير مشكل.

وقوله في آخر الآية: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} يزيدك علما بأن المراد أن الوارثين للأرض هم أهل دينه والقائمون بشريعته. وهذا خبر وبشرى ووعد، وإخبار الله لا يكذب، ووعده لا خلف له.

فشهد عز وجل لمن قدّمنا بالصلاح، وعند الإمامية وطبقات الرافضة أن أبا بكر وعمر وعثمان والبدريين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم وأعانوهم على وراثة الأرض حتى أبادوا الأمم وغلبوا ملوك الفرس والروم والترك وغيرهم من أمم الشرك كانوا كفارا مشركين طلاب دنيا لا طلاب دين، وأنهم غيروا القرآن وعطّلوا النصوص وبدلوا الشريعة من الطهارة والأذان والصلاة والمواقيت والصوم والمواريث والنكاح والطلاق، ورفعوا ما كان ووضعوا ما لم يكن. وشهادة الله لهم بخلاف قول هؤلاء فيهم.

وأنت وإن كنت قد عرفك الله بعقلك بطلان دعاويهم عليهم فاعرفه أيضا بالسمع، فقد أتاك الله به في غير موضع من القرآن ومن غير القرآن. وفي قوله عز وجل: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} دلالة أيضا على طهارتهم وعمق إيمانهم وبراءة ساحتهم، فهم أظهروا الدين، وأخذوا الممالك والأمصار ممن قبلهم، والذين من بعدهم إلى طاعتهم رجعوا، وبأمرهم سفكوا الدماء، وبقولهم أخذوا وأعطوا. فلو كانوا مبطلين لما كان الظاهر هو دين رسول الله ﷺ على الدين كله، بل كان ما ذهب إليه هؤلاء الصحابة ظاهرا، ودين رسول الله ﷺ الذي تدعيه الرافضة خاملا خفيا ميتا، فإن الذي يقول الإمامية إنه الحجة وإن الحق معه قد كان مغلوبا مقهورا، قد أسكته بزعمهم الخوف عن النطق بالحق والدعاء إلى دين النبي، وألجأه إلى تصديق الكاذبين وتكذيب الصادقين وموالاة المشركين. والذي قرّره هؤلاء الصحابة من الدين والشريعة والقرآن هو الظاهر على الأديان القائم به الحجة إلى الآن. فإذًا قد أخلف هذا الوعد من قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، فاعلم ذلك ففيه أتم كفاية.

وهم يقولون: ما ظهر بعد، وإنما يتم ظهوره بقيام صاحب الزمان. وجواب هذا السكوت عنه والتعجب منه، فإنه ليس مع المكابرة مناظرة. وقد علم المتأمل كذب من ادّعى أن دين رسول الله ﷺ كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ذليلا ميتا قد أطفئ نوره وقلعت أصوله. وقد علمنا أن في زمان هؤلاء كسرت الأصنام وهدمت بيوت النيران وتعطل النوروز والمهرجان وعيد السلامة وعيد الصليب وتمزق التقويم وكسر الاصطرلاب. ولما انضاف إلى ذلك من جميل أفعالهم فقد تيقّنّا أن هذا هو المراد من دين الإسلام وهو معنى ظهوره.

ومن عجيب الأمور أن أصحاب الزنجاني القاضي قد تستروا بالتشيع، وهم من عداوة النبي ﷺ والطعن عليه وإخراج الناس من دينه بكل حيلة، إذا أرادوا التشفي منه قالوا لنا: الآن انحلّ أمره وبطل دينه،. وأوردوا ما قد ظهر من تعطيل الحدود وأخذ المكوس وارتكاب المحرمات وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقولون: انظروا إلى وجوه قريش واعتصامهم بالتقويم والاسطرلاب ورجوعهم إلى أرباب هذه المقالات وتدبرهم بهم دون الاستخارة بالقرآن والرجوع إلى وصايا نبيهم، وغير ذلك مما قد ارتكبه الملوك والخاصة. ولو استطعنا تسمية أصحاب الزنجاني وذكر القرشيين الذين قد سلكوا هذه السبيل والأمصار التي غلب عليها هذا لكان أشفى وأبين، ولكنا لا نقدر على ذلك من الخوف. والله المستعان.

حول الآية الكريمة {وأنذر عشيرتك الأقربين}

وباب آخر

من آياته، لما أنزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين}، فجمعهم وقام فيهم وخطبهم ودعاهم إلى مفارقة دين آبائهم، وذكر لهم ما لهم في ذلك من نعيم الجنة إن أجابوا، وما عليهم من عاجل العقاب إن أبوا، وأن الله يبعث عليهم جندا من جنوده يجاهدونهم مع رسوله ونصرة لدينه مع ما عليهم من عاجل العقاب، فغضبوا ونفروا ومشوا إلى أبي طالب يشكون ويتوعدون، وأنهم أكثر جندا. وقد ذكر الله ذلك في قوله حاكيا عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا} إلى قوله: {جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ}، وهذا نزل بمكة قبل الحرب فكان كما قال. فانظر في أي حال توعدهم بهزيمتهم، وعلى أيّ وجه أورده على قلوبهم وأثارهم وغاظهم وأوجعهم، فإنها حال كان فيها في قبضتهم وأسيرا في أيديهم، وهم القوم الذين لا صبر لهم على ضيم، ولا ينامون على وتر، ولا يقيمون على مكابرة الغيظ، كيف يقصر الله أيديهم عنه، ويقيه كيدهم وشرهم، وتلك حالهم، فاحفظ هذا وأمثاله.

واعلم أن أعداء رسول الله ﷺ اجتمعوا وجمعوا كيدهم وقرؤوا كتابه، فزعموا أنه ﷺ في ابتداء أمره وهو مقيم بمكة ما خالف قومه ولا أغضبهم ولا أغاظهم، بل كان مصوّبا ومقاربا لهم، ألا ترون أنه قال لهم: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وأنه قال لهم: {لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ}. قالوا: وإنما توعد بالحرب وزال عن هذا حين صار بالمدينة وفي جماعة. وهذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع لاوي اليهودي، وساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا ودبّروا وكادوا المسلمين، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات وسمّوا الكتاب الذي ضمنوه هذا وأمثاله كتاب الدامغ.

وكل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به أنه ﷺ حين ادّعى النبوة وساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص، وأكفر كلّ من خالفه، وادّعى أنه يظهر ويغلب، وأنه يصير في جماعات وعساكر، وأنه يقتل أعداءه ومخالفيه ويذلهم، وأن العقبى تكون له. ثم أكّد ذلك بأن جعله قرآنا يتلى.

فمما نزل بمكة من ذلك قوله: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}، وقوله: {جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ}، وقوله: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}، أي تغلب ولا تغلب، وقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} إلى قوله: {وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ}، فإنهم قد كانوا بمكة يقاتلون أشد القتال، وكانت محنة المسلمين فيها أغلظ، فإنهم كانوا يضربون ويداسون ويحبسون ويجتمع النفر بعد النفر منهم فيدفعون عن أنفسهم، سيّما حين أسلم عمر، فإنهم عزوا به ونهنه عنهم قليلا، ثم ما أطاقوا المقام. وأمثال هذه من الآيات مما نزل بمكة كثير.

ثم في قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} إكذاب لهم وتضليل لهم، وهو كقول الرجل لخصمه إذا أراد الرفق به لينقاد له ولينظر فيما معه إذا كان مدلا بحجته: أحدنا مبطل وأحدنا ضال هالك. لا يشك عاقل أن هذا تعريض بخصمه. وكذا قوله: {لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ} هو في هذا القول أشد ما كان في في إقامة الحجة عليهم، فتأمل قوله عز وجل: {فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ} إلى ما بعد ذلك، وإنما هو كقول الرجل لخصمه إذا ظهرت حجته واتضح قوله وبان بطلان ما أتى به خصمه: ما بعد هذا كلام، وما بعد هذا مقال، وما بيننا حجة، وما يحتاج إلى شاهد ولا دليل. فمن أبين فضيحة ممن طعن على رسول الله ﷺ بمثل هذا بعد أن جمعوا كيدهم واستفرغوا وسعهم، ولكنهم لشدة إفلاسهم وقلة حيلتهم وخيبة سعيهم لم يجدوا في الطعن عليه إلا التكذّب عليه والبهت له.

وهم الذين قالوا في قوله: {وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} قالوا: قد أظهر الشك في أمره ورجع عن قوله. وكل عاقل سمع أخباره يعلم باضطرار من قوله وقصده أن لا حقّ إلا ما كان معه ومنه ومن عنده ومع أتباعه إلى يوم القيامة، يعلم هذا من قصده قبل العلم بنبوته. ولهذا نظائر مما يذكرونه، وإنما ذكرت هذا لك لتعرف مقدار كيد الخصوم وظهور فضيحتهم. وهؤلاء هم الغايات في التجريد في طلب معايبه والتفرغ لذلك، يمدّ بعضهم بعضا ويعين بعضهم بعضا. ولهم من يزيح عللهم بالأموال من من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء رسول الله ﷺ وممن يتستر بالتشيع، فقد كانوا يأخذون ابن الراوندي وأمثالهم فيزيحون عللهم ويجمعون الكتب لهم ويأتونهم بمن يعينهم ويكتب عنهم ولهم.

حول الآية الكريمة {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق}

وباب آخر

مما جاء من آياته، وما أخبر به عن سلامته وقيام حجته وظهور أمره ودينه على الدين كله، قوله في سورة بني إسرائيل وهي مكية: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا، وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا}، فتأمل ما في هذا القول من امتهان الخصم وإذلاله وتهيجه وإغضابه وإثارته والعلو عليه، وأنه مفتضح لا حجة معه ولا حراك به، وهم أشد الناس حرصا على تكذيبه وفضيحته واستئصاله وإطفاء نوره.

ومثله قوله: {قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ} أي: قد أخرسهم حقك وأسكتهم وأماتهم فما يجدون سبيلا إلى تكذيبك. وهذا أشد على قريش والعرب من ضرب السيوف ووقع السهام، وهم المعروفون بغلظ الأكباد والفرار من العار.

ومثله قوله: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} وقوله: {وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}، فتأمل في هذا فإنه قول مختصر وفيه معان عظيمة، ولقد قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم» "واختصر لي اختصارا". ولو بلغهم دون هذا عن ملك الصين أو الروم لما صبروا حتى يذبّوا عن مجدهم وينضحوا عن أنفسهم. فكيف عمّن هو معهم وفي قبضتهم ومنهم، وقد ادّعى ما فيه كل الرئاسة والسؤدد، وما ترك شيئا يغيظهم ويغضبهم ويسقط من أقدارهم وأقدار آبائهم إلا وقد أتى به وارتكبه، وألجأهم إلى تكذيبه وإقامة حجة عليه، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

ولقد كان يبلغهم أن كسرى ملك فارس يسفه أحلام العرب ويستخف عقولهم، فيقلقهم ذاك ويحزنهم، ويرسلون إليه من يستأذنه في النطق بين يديه فيما بلغهم عنه، ولا يصبرون وإن كانوا مقهورين مغلوبين والملوك تتحيفهم وتستركهم. وليس أحد يبكي من الهجاء ويحزن من الضيم غير العرب وسيما قريش، فكيف بهم مع رجل يقيم على هجومهم خمسا وعشرين سنة بكتاب يتلو فيه ليلا ونهارا مثل قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} وقوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ومثل قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، ومثل قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ}، ومثل هذا كثير، فتأمل تجده، وتأمل ما في هذا من الادلال بالحق والدعاء إلى البحث والنظر وعرض ما معه على عقول العقلاء لينظروا فيما أتاهم به. والمبطل لا يفعل هذا.

فتأمل مذاهب النصارى والمجوس فإنهم يمتنعون عن البحث والنظر والتفتيش والقياس. وكذا يصنع الفلاسفة، فإنهم ينهون أصحابهم عن المتكلمين ويقولون: هؤلاء سوفسطائية، ويقتصرون على الرضا عن أنفسهم والعجب بما معهم. وانظر إلى هذه الطائفة القرامطة التي قد طبقت الأرض، وفيها الملك، واستهوت الأمم، كيف يحلفون من يجيئهم على كتمان ما يلقونه إليه، وأن لا يخرج به إلى أحد، ولا يشكو ما به إلى أحد، ولا يعرض ما معه على أحد لينظر ما عنده، هذا مع الملك القاهر والتستر بالإسلام، فتأمل ما في هذا.

ولقد ضاقت قريش ذرعا بما يسمعونه منه ﷺ ليلا ونهارا، ويتربصون به الموت فلا يموت، ويرومون قتله مع وحدته فلا يتم. فأجمع رأيهم على هجرته وهجرة الأدنين من بني هاشم، مؤمنهم وكافرهم، إلا من جرّد في قصده مثل تجريدهم، وترك مبايعتهم ومناكحتهم، ومنعهم من ابتياع ما يؤكل ويشرب، والتضييق عليهم والإساءة إليهم، وحصرهم في شعب من شعاب مكة، حتى يقتلوا محمدا أو يسلموه إليهم حتى يقتلوه أو يمثلوا به. وتحالفوا على ذلك، وكتبوه في صحيفة علقت في بيت الله الحرام بمكة. فمكث ﷺ ومن معه من أهله في ذلك الشعب أربع سنين متواليات في الحصار الشديد، لا يدخل إليهم ما يتقوتونه إلا بالحيلة والمسارقة، ولا يقدر أن يخرج منهم إنسان في حاجة إلا عن غفلة من المشركين أو ليلا. وقد شملهم الخوف فلا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، وأهله يتضرعون إليه بأن يلين لقومه من قريش ويمسك عن عيب آلهتهم، أو يرجع عن تضليل آبائهم، ويخوفونه فلا يلين، ولا يزداد إلا شدة وصرامة. ثم أخبرهم بعد أربع سنين: أن ربي أوحى إليّ أني قد سلطت الأرضة على الصحيفة التي كتبها المشركون فأكلت كل موضع منها فيه ذكر عقوق أو قطيعة وتركت ما سوى ذلك، فقال له عمه أبو طالب وكان كافرا مقيما على دين قريش: يا ابن أخي، انظر ما تقول، فإني لست آمن إن لم يكن الأمر حقا أن يشتد علينا قومنا ويزيد أذاهم لنا، فقال له رسول الله ﷺ: ما قلت لك إلا حقا، فامض لشأنك. فنزل أبو طالب وقريش في أنديتها، فلما رأوه قالوا له: نرجو أن تكون يا أبا طالب جئت لصلاح وخير، وأن يكون ابن أخيك قد أقصر عن شأنه وما نكره من أمره، قال أبو طالب: للخير والصلاح جئت. فلما استقر به مجلسه قال: إن محمدا أخبرني -ووالله ما كذب قط قبل أن يقول إن ربه أرسله فكيف الآن- أن ربه أوحى إليه في هذه الليلة أنه سلط الأرضة على الصحيفة التي تمالأتم على كتبها علينا فأكلت منها كل موضع فيه ذكر عقوق وقطيعة ومأثم، فانظروا فيما ذكر، فإن كان الأمر على ما قال فعلام تستجيزون ما أنتم عليه. فأحضرت الصحيفة وفتحت، فوجد الأمر على ما أخبر به النبي ﷺ عن ربه، فخزي المشركون، وفرح المسلمون، وفرّج الله عن بني هاشم، فخرجوا من الحصار الذي كانوا فيه، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وكان هذا من الفتوح العظيمة.

والأمر في شأن هذه الصحيفة معروف، يعرفه أهل العلم كمعرفتهم بما كتبه النضر بن الحارث بن كلدة من أخبار رستم واسفنديار حين دخل إلى الفرس يشكو إليهم رسول الله ﷺ ويأتي بما يعارض به القرآن. وكالعلم بما كتبه رسول الله ﷺ إلى كسرى ملك فارس مع عبد الله بن حذافة السهمي، وبما كتبه إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي، وبما كتبه إلى المقوقس ملك مصر مع حاطب بن أبي بلتعة، وبما كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة. فأهل العلم لا يرتابون بشيء من أمر هذه الصحيفة، كما لا يرتابون بما قدمنا ذكره. فاعرف هذا فإنه باب من أعلامه، ولا تظنه من أخبار الآحاد والنفر، وإنه جاء مجيء ما قدمنا ذكره من تلك الأمور التي جاءت مجيء القرآن، ولها نظائر.

وإنما أردنا ذكر شدة قريش على رسول الله ﷺ والمسلمين تلك السنين، فقد كانوا منهم في مثل النار المتأججة.

واستأذن الصحابة رسول الله ﷺ في الهجرة والفرار لما يلقون من الأذى، فأذن لهم، غير أبي بكر فإنه احتبسه لنفسه، وقال له: أقم عليّ، فلعل الله يأذن لي في الهجرة فتكون معي، فأقام. ومات أبو طالب، واشتدت قريش على رسول الله ﷺ، وقالوا: إلى كم نصبر على سبّ محمد لنا ولآبائنا وآلهتنا، وإلى كم لا نناجزه، فإما حبسناه أو أخرجناه إلى حيث نرى أو قتلناه، خذوا فيما يريحنا منه، وقدموه ولا تؤخروه. فاجتمعوا ودخلوا دار الندوة، وكتموا سرهم، ولم يدخل معهم إلا من انتخبوه من ثقاتهم. فقال قائلهم: انظروا في شأن هذا الرجل، فوالله ليوشكنّ أن يواتيكم في أمركم بمن قد بايعه من أصحابه، وقد تسمعون وعيده، وأنه يملككم ويملك الأرض. فقال قائل منهم: شدوه وثاقا واحبسوه، فيكون أسيرا في أيديكم إلى أن يموت، وقال بعضهم: أخرجوه من بين أظهركم لتستريحوا منه، وقال قائل: ليس هذا برأي. حتى قال أبو جهل: فإني أشير برأيي: أرى أن يؤخذ من كل قبيلة غلاما شابا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، فيضربونه ضربة رجل واحد حتى يقتلوه، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقومون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فوديناه لهم، وقطعنا عنا شأفته واسترحنا منه. فأجمعوا على هذا الرأي، ورسول الله ﷺ لا يعلم ذلك، ولا أحد من المسلمين. فأتاه جبريل فأخبره بما عزموا عليه وأمره بالهجرة. فاجتمعوا ببابه ينتظرون اجتماع الفتيان ليقتلوه في ليلته، فخرج وهم ببابه وهو يتلو: {وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} وجعل على رؤوسهم التراب، ومضى إلى بيت أبي بكر في الهاجرة، وقد كان يأتيه في كل يوم مرة، فأتاه في ذلك اليوم مرتين: في الهاجرة وفي ساعة مبكرة، وخلا بأبي بكر وأخبره بما عزمت عليه قريش، وبما أتاه جبريل به، وقال له: إنّ ربي قد أمرني بالهجرة وأن آخذك معي، فبكى أبو بكر مسرورا.

وقد كان أبو بكر أعدّ راحلتين يعلفهما ورق التمر منذ أخبره رسول الله ﷺ بأنه ينتظر أمر ربه في الهجرة. فخرجا جميعا من بيت أبي بكر، وصار إلى الغار، وطلبته قريش فلم تجده صبيحة ذلك اليوم، وطلبت أبا بكر فلم يجده، فتحرقوا والتهبوا، وهاجوا يطلبونه ويطلبون أبا بكر بمكة وشعابها وجبالها، وجعلوا لمن أتاهم برسول الله ﷺ مائة ناقة، ولمن أتاهم بأبي بكر مائة ناقة، أسيرين أو مقتولين. وقد كان رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: تغشّ ببردي ونم في مضجعي فإنه لا بأس عليك ولن يصلوا إليك. وصار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار، وسارت قريش في طلبهما ومعهم قائف.

وحين دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار، ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار ومعهم القائف يطلب آثارهما، فلما انتهى إلى ثور انقطع الأثر، فقال قائل منهم: ادخلوا الغار، فقال أميه بن خلف: وما أراكم للغار، إن عليه لعنكبوتا كانت قبل ميلاد محمد، فمذ ذاك نهى النبي ﷺ عن قتل العنكبوت، وقال: إنها جند من جنود الله. وتحرق أبو جهل على فوات النبيّ ﷺ، واستبد أسفه، وقال: أما والله إني لأحسبنه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا.

صفة حديث الغار من الجمع بين الصحيحين

قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فعولنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردناه، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام، فقال لرجل من أهل المدينة، فقلت أفي غنمك لبن، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي، قال: نعم. فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعب والتراب والقذى، قال: فرأيت البراء يصرف بيده على الآخرى ينفض، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن، قال: ومعي إداوة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتى استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله، اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن الرحيل، قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس. واتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت: يا رسول الله أتينا، فقال: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا} فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت [فرسه] إلى بطنها، أُرى فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما عليّ فادعوا الله لي، فالله لكما عليّ أن أردّ عنكما الطلب. فدعا رسول الله ﷺ، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ثم قال: وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي وغلماني في مكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. فقدمنا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال: أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك. فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الخدم والغلمان الطرق ينادون: يا محمد، يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله.

فهذا من آياته العظيمة الباهرة. قد نطق بذلك القرآن، فقال عز وجل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}.

ولقد يئست قريش من رسول الله، وقالوا إنه لا محالة مقتول، لما لجّ المشركون وألحوا وقصدوا لهذا الكيد. وقد كان فيهم من يكره أذاه والعنف به وإن لم يصدقه، منهم جبير بن مطعم، فإنه كان عنده أنهم سيقتلوه، فخرج حتى لحق بدير من الديارات فكان فيه حتى لا يشهد قتله. فأقام عندهم، فسألوه عن خبره ولأي شيء أقام عندهم، فأخبرهم وقص عليهم قصة رسول الله ﷺ، وساق دعوته. فعجبوا لذلك، وقال له رئيسهم: تعرف شبهه لو تراه مصورا، فقال: نعم، إنما عهدي به قريب. فأراه صورا مغطاة، فجعل يكشف صورة صورة فيقول: أتعرف، فيقول: لا، حتى كشف عن مثل صورته، فقال جبير: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله وحسنه وبعد ما بين منكبيه. فقال له الرئيس: فتخاف أن يقتلوه، فقال: أظنهم قد فرغوا منه، فقال له الرئيس: لا والله لا يقتلونه، وليقتلن منهم من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنّه الله، ولكن قد وجب حقك علينا فامكث ما بدا لك. فمكث عندهم حينا. ثم قدم مكة، فوجد رسول الله ﷺ قد نجا من أيديهم وهرب إلى المدينة، فتعجب من قول رئيس الدير، وازداد بصيرة بشأن رسول الله ﷺ. فقالت له قريش حين قدم مكة وقد خرج رسول الله ﷺ ونجا من كيدهم: قد تبين لنا أمرك وعرفنا شأنك، هلم أموال الصبية التي عندك التي استودعكها أبوك، قال: ما كنت لأفعل هذا حتى أموت، يعيّر بها ولدي في أمانة، ولكن أدفعها إليهم. فقالوا: إن عليك عهدا لله وميثاقه لا تأكل من طعامه، قال: نعم. فقدم المدينة وقد بلغ رسول الله ﷺ الخبر، فدخل عليه فقال له فيما يقول: إني لأراك جائعا، هلموا طعاما، قال جبير: لا آكل حتى أخبرك، فإن رأيت أن آكل أكلت. فحدثه بما أخذوا عليه، فقال له رسول الله ﷺ: فأوف بعهد الله ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. وتحدث جبير بحديث أهل الدير وما كان من الصورة، وأنه رأى مع صورة النبي صورة أبي بكر قد أخذ بعقب رسول الله ﷺ قال، فقال أهل الدير: فهل تعرف هذا الذي أخذ بعقبه، قلت: نعم، قالوا: نشهد أن صاحبكم نبيّ وأن هذا الخليفة من بعده.

ولعظم شأن هذه الآية قد أعاد الله ذكرها، فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فذكر المؤمنين بهذه الآية وعظم هذه المعجزة، وما اشتملت عليه، مع نجاته منهم، وما أغشى أبصارهم حين خرج وهم ينظرونه، وسلامة علي رضي الله عنه كما قال له، وما كان من نسج العنكبوت. وفي الحديث الصحيح أن أبا بكر نظر إلى أقدام المشركين فقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.

وانظر إلى قوله عز وجل: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ}، أي: فقد عرفتم نصري له حين هاجرتم وتركتموه مع صاحبه وحيدين، فأبطلت كيد المشركين مع كثرتهم ووحدته، وصدقت وعدي بمنعي عنه وعصمتي له، وأكذبت أقاويلهم. وهو معنى قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا} فتأمل هذا ففيه آيات بينات باهرات. وهذا الخطاب والعذل والاستزادة إنما هي للمؤمنين. ألا تسمع قوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}. وأيضا فلا يجوز أن يقول للعدو: {إلا تنصروه} ولقد قال العلماء من السلف: إن الله أفرد أبا بكر الصديق بفضل الصبر على جميع المؤمنين من غير تأثيم لهم، كأنه يقول: لو صبرتم مثل صبره ولم تترخصوا لكان ذلك أفضل، فإن أبا بكر يفضل صبره عليهم. وقوله: {لا تحزن} ليس بنهي، وإنما هو بشرى، كقوله لموسى وهارون: {لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى} وكقوله لأم موسى: {وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} وقوله: {إن الله معنا} بالنصر والتأييد، كما قال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. وأبو بكر في هذا الحزن ممدوح لأنه خاف على رسول الله ﷺ الأذى والعنف من المشركين، فجازاه الله بأن بشره أنه معهما بالنصر والتأييد. قال أهل العلم في قوله: {فأنزل الله سكينته عليه} يعني على أبي بكر، فأما النبي ﷺ فقد كانت السكينة عليه قبل ذلك.

ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال وهو يثني على أبي بكر حين توفى: كنتَ ثاني اثنين، وصاحبه، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة والمواطن الكريمة.

وقالوا في قوله: {وأيده بجنود لم تروها}: إنه أيد أبا بكر كما يؤيد المؤمنين من غير أن يروهم، وبشره رسول الله ﷺ بذلك فعلمه وتيقنه بتعريفه إياه.

وإنما ذكرنا حال أبي بكر عند ذكر الآية التي هو مذكور فيها، ولأن الخصوم يسألون عن ذلك، ولحاجتك إليه، ولأن الطاعنين على أبي بكر بمثل هذا هم الطاعنون على رسول الله ﷺ بما قدمنا وبأمثاله من الآيات التي يسألون عنها. وجعلوا الطعن على أبي بكر وأمثاله من المهاجرين والأنصار آكد الطرق إلى تكذيبه، والطعن عليه، والإيحاش منه، والتنفير عنه، وأيسرها التشكيك في صدقه ونبوته، وهم أبو شاكر الديصاني، وأصحابه الحداد وأبو عيسى وابن الراوندي والحصري. ولكلهم كتب في الطعن على رسول الله ﷺ وفي نصرة الإمامية وطبقات الرافضة؛ ولأن الطريق في العلم ببراءة أبي بكر والمهاجرين والأنصار مما رموهم به، كالطريق في العلم ببراءة رسول الله ﷺ مما رموه به.

ما في الآية الكريمة {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} من وعد تحقق

وباب آخر

من آياته، قوله عز وجل لرسوله ﷺ: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ}، ومعاد الرجل بلده، وسمي معادا لأنه ينصرف في البلاد ويضرب في الأرض ثم يعود إليه، وكذلك مثاب الرجل منزله، لأنه يثوب إليه. ومنه قول الله عز وجل: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} يريد أنهم يثوبون إليه كل سنة وفي كل حين، أي يعودون للحج والعمرة. وهذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين خرج من مكة يريد المدينة، فكان خروجه منها محزونا لمفارقة وطنه فبشره الله بالظهور والغلبة، وأعلمه أنه يعود إلى مكة، فكان كما قال وكما أخبر.

ما في الآية {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} من تحد دائم لم يستطع أحد الوقوف أمامه

وباب آخر

من آياته، وهو قوله عز وجل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}، فما أتوا بمثله مع حاجتهم إليه. فانظر كيف يقطع الشهادة أنهم لا يأتون بمثله، وهذا من التحدي المهيج الذي يغيظ ويغضب، وفي هذا غيوب كثيرة لا يأتي بمثلها حذاق المنجمين ولا يتفق مثلها بالتبخيت ولا بالتخرص.

فإن قيل: فما تنكرون أن يكونوا قد أتوا بمثله، قيل له: لو أتوا بمثله لجاء ذلك مجيء القرآن، ولكان العلم به كالعلم بالقرآن، ولجاء مجيء أمثاله من الأمور التي كانت بينهم وبينه، وما قاله لهم وقالوه له.

فإن قيل: فإن الغلبة والدولة منعت من إظهار ذلك ونشره ونقله والتحدث به لأنه ظهر وقهر في حياته، وقام أبو بكر بعده فقتل مسيلمة وردّ الردة وأسر طليحة، وغزا فارس والروم وأذل أعداء محمد ﷺ في كل مكان وأسكتهم وأخرسهم وأعز أولياءه وأهل طاعته، وكذا من أتى بعده من الخلفاء والملوك وبعد، وكيف تنقلون ذلك وتذكرونه وأنتم تكرهونه وفيه بطلان قولكم ودينكم.

قيل له: إنك ما تزيدنا على الدعاوى الخالية من كل حجة، وإذا أثبتنا لك بطلان دعواك الأولى انتقلت إلى دعوى أخرى. فإنك قلت في الأول: أتوا بمثله، فقلنا لك: فأين هو وأين العلم به، فانتقلت فادعيت أن الغلبة والدولة منعت من إظهاره ونقله، فدعواك الثانية كالأولى. على أن دليلنا هذا قد دلّ على أنهم ما أتوا بمثله ولا بما يقاربه، ولا بما يدانيه، ما هناك شيء ينقل ولا يذكر ولا يكتم ولا يستر، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن مائة ألف قد أتوا بمثله، وإنما الدولة قهرتهم ومنعتهم من إظهار ما أتوا به.

على أن الدول والممالك لا تأتي ولا تغطي على الأمور التي قد كانت ووقعت، ولا يطمع عاقل في كتمان ما هذا سبيله وإن ضره ظهوره وساءه انتشاره وأسقط من قدره. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما ادّعى النبوة، وأكفر الأمم وفرض مجاهدتهم، وأباح دماءهم وأموالهم وحريمهم، قد ساءهم ذلك وضرهم، وأسقط من أقدارهم، وذهب برئاستهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، فما كتموه، ولا طمعوا في طيّه وتزميله، بل هم تحدثوا بذلك لكل أحد، ونقلوه وعرفوه، وأدوه إلى من لا يسمعه، لأنه ﷺ لم يكن حين ادعى ذلك ودعا إليه له أتباع يخالدون ذلك ويدونونه وينقلونه، وإنما كان يفعل ذلك عدوه.

وتأمل ذلك بالشعر الذي هجي به، ومن هجاه من الشعراء، وما كان له معه من ضربه وسبّه وأذيته، ومن قتلوا من أعمامه ومن أصحابه، ومن ادّعى بعده ومعه النبوة، فإن المسلمين قد نقلوا ذلك وخلدوه ودوّنوه وإن غمهم وساءهم. وانظر إلى الكتب التي صنفت في تكذيبه وفي الطعن عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، التي صنفت في دولة الإسلام وأشد ما كان الإسلام شوكة وغلبة، كالتي عملها الحدّاد والورّاق وابن الراوندي والحصري والكندي والرازي وأمثالهم، وادّعوا أن فيها الحجة والبرهان في إبطال الربوبية وتكذيب الأنبياء. وأنت تراها مبثوثة ظاهرة، تباع في أسواق المسلمين، لا يسقط منها حرف. والمسلمون كلهم قد كرهوا ذلك وغمّهم، وودّوا أنه لم يكن، وإنما كان يضعها الواحد بعد الواحد مستخفيا خائفا لا يظهر ادعاءها ولا يعلن وضعه لها، بل يكتم اسمه ويكني عن ذكره، وإنما يلقيه إلى الواحد بعد الواحد من أمثاله، كما صنع أبو عيسى بكتبه، وترجمتها تصنيف الغريب المشرقيّ، وهي من الظهور اليوم على ما ترى، حتى إنها لتبلغ مشارق الأرض ومغاربها. فالعدو ينشرها للاحتجاج بها، والمسلمون ينشرونها لنقضها والإجابة عنها. فعلمت أن الدولة والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور التي قد كانت ووقعت، وبهذا تعلم أنه ما كان لرسول الله ﷺ زلة ولا هفوة ولا سقطة ولا غدرة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أخجله خصم.

يزيدك بذلك علما أن معاوية وأشباهه من بني أمية قد عادوا أمير المؤمنين وبني هاشم وغلبوهم واستولوا على ملك الدنيا وعظموا نفوسهم بكل ما قدروا عليه، فما أمكنهم أن يجعلوا لمعاوية منزلة لم تكن له وهو سيدهم، ولا أن يجعلوه من البدريين السابقين، ولا من أهل الشجرة، ولا من أهل الشورى، ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، وقد ودّوا أن يكون له شيء من ذلك أو من هذه المنازل. ولا أمكنهم أن يخرجوه من جملة الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولا أمكنهم أن يخرجوا أمير المؤمنين عن منازله، من كونه من السابقين والبدريين والفقهاء والعلماء والزهاد، ومن العشرة ومن أهل الشجرة، ومن أهل الشورى، وممن اختاره المهاجرون والأنصار للإمامة بعد عثمان، ولا أن يغطّوا على ما سنّه علي وفرضه ودعا إليه من محاربتهم ومجاهدتهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، وقد ضرهم ذلك كل الضرر، فتعلم أن الدول والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور التي قد كانت ووقعت.

وتأمل ما كان لمعاوية من احتيالاته في التوصل إلى الملك، في إطعام عمرو ابن العاص مصر، وبادعائه زيادا، وبمن استماله ببذل الدنيا له، كذي الكلاع وخالد بن المعمر ومصقلة بن هبيرة، وأشباه ذلك، وما كان لملك ملك مما هذه سبيله.

فانظر إلى بني العباس لما غلبوا على أعدائهم من بني أمية، ما أمكنهم أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، ولا أمكن أعداء بني العباس أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم من إقامة المواسم وعمارة الثغور وغير ذلك من محاسنهم. وأنت تجد ما يكون من مساوئ الملوك وما يكون من غدرهم وظلمهم وما يلحق كل نقص وفضيحة بهم ظاهرا في دولتهم، مع بقاء مملكتهم واتصال عزهم. فتأمل ذلك شيئا فشيئا تجده ظاهرا مكشوفا، وإن كان ذلك مهيجا لهم ومسقطا لأقدارهم وقادحا في نبلهم ورئاستهم، وقد ودّوا أن ذلك لم يكن.

روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم دون الجماعة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة.

وتأمل أحوال هؤلاء الباطنية الذين قد تستروا بالإسلام، وبقراءة القرآن، وبالصلاة والصيام والحج، وإظهار التحقق بأهل البيت، وقد أوثقوا أمورهم بالكتمان وبأخذ الأيمان والعهود على من أجابهم، وتجنبوا استدعاء الأدباء والعلماء والفقهاء، وسلكوا الواسطة، وقصدوا الأطراف البعيدة التي قد استولى على أهلها الغافلة والجهل والقوة، وقصدوا أهل الترفه والعجب والشغل بالدنيا والملك، وتسمّوا بالاسم الحسن من أنهم الشيعة، وغرّوا المسلمين. فانظر إلى فضائحهم مع هذه الأمور كلها.

فإن أبا القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زاذان الكوفي النجار عرف أهل عدن لاعة وجبال لاعة من أرض اليمن وأنهم شيعة، فصار إليهم مع أبي الحسين محمد بن علي بن الفضل من أهل جيشان والجند والمذيخرة من أرض اليمن. وكان هذا أحد المياسير والرؤساء من الشيعة من أهل تلك البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل واحد منهما بمكانه، وتسمى ابن حوشب بالمنصور من آل أحمد، وتسمى الآخر بالولي. ومكثا مدة يتستران بإقامة الشريعة، ثم ظهر منهما الإباحة، وليلة الإفاضة، وأولاد الصفوة، ونكاح الأمهات والأخوات والبنات، والمشاركة في الزوجات، وتعطيل الشرائع، وشتم الأنبياء عند التمكن والقدرة. ثم ظهر بين ابن حوشب وبين ابن الفضل من المشاتمة وبرئ كل واحد من صاحبه، ودعا كل واحد منهما إلى نفسه بأنه إله وربّ، وغزا وقصد العلويين بالمكاره والقتل وسبي الذرية. وقد كان نصب هذين الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح الذي زعم أنه الإمام وهو خليفة محمد بن اسماعيل بن جعفر، وقال لهذين وغيرهما ممن خرج معهما إلى اليمن: إذا ملكتم وغلبتم خرجت إليكم، وجعلنا الملك باليمن، والمهدي يظهر باليمن، وهكذا روينا عن أهل البيت. فلما تمكنوا باليمن، أخرج إليهم ابن ميمون القداح الحسين الأهوازي الداعية من قبله، فطلب منهم مالا يحملونه إليه، فأعطوه مرة بعد مرة، ثم رجع إليهم وعرّفهم أن الحجة خليفة محمد بن اسماعيل يخرج إليهم لينصروه، فشتموه وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرّفنا بهذا، فلم نسلم الملك إليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع والإسلام، فاشكروا له وأطيعوه، فشتموه وشتموا من وجّه به. فرجع الرسول إلى الحسين بن أحمد وعرّفه أن القوم قد أظهروا الباطن وعملوا به وفطنوا له وتشاتموا وتفاضحوا بينهم. ثم صمد يحيى بن الحسين العلوي رضي الله عنه لجهادهم. وقد كان ابن حوشب هلك وبقي ابن الفضل، فهلك هو وابنه أمام يحيى بن الحسين العلوي كما هو مذكور، وفضائحهم مشهورة عند أهل العلم.

ومن عند ابن حوشب انبثت دعوتهم باليمن والمغرب.

ثم تأمل فضيحتهم بالبحرين، فإن داعية لهم خرج إلى من بها من الشيعة وقال: أنا رسول المهدي إليكم، وقد قرب خروجه، فأعدوا واستعدوا، واحملوا إليه زكواتكم وأعشاركم وفضول أموالكم. فاجتمعوا، وكانوا نحو ثمانمائة، وأعطوه ما طلب. وغاب عنهم ورجع إليهم وأخبرهم عن المهدي: أن للأشياء كلها بواطن، وأن خاصة المهديّ لا يحرم عليهم شيء، وأن المهدي قد أحل لكم كل شيء، وأنه يحل للمؤمن أن يشارك أخاه في ماله وأهله، وأن علامة إيمانه أن تطيب نفسه بذلك كله. وكان فيمن أجابهم أبو سعيد الحسين بن بهرام الجنابيّ، وكان يبيع الطعام والدقيق بالراذة من أرض البحرين، وكان شريرا فاسقا جاهلا لا يعرف من كتاب الله شيئا ولا من سنة نبيه، ولا شيئا من الأدب، ولا شغل له إلا بالمعاش. وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز. وكان يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي بكر زكريا يحيى بن نبهان فقال له: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت مع أبي سعيد الجنابي وقد جاءه رجل من أهل جنابة يقال له يحيى بن علي، فأكلنا عنده فلما فرغنا قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى هذا في بيت، وقال لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. فمضى يحيى بن نبهان بإبراهيم الصائغ إلى هذا الأمير علي بن مسمار فأخبره بما وقف عليه، فأرصد عليّ بن مسمار لذلك وتعرفه، فأخذ الرجل فضربه بالسوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم خلى سبيله، وطلب أبا سعيد فهرب إلى جنابة، وبحث عنهم وعن أحوالهم فإذا هم يتسترون بالتشيع ويعطلون الشريعة. وبقي أولاد أبي سعيد وأصهاره في البحرين، فبحث الناس عن أحوالهم وأحوال بني سنبر وأمثالهم فإذا هم على هذه الحال.

ثم تمكنوا، وعاد أبو سعيد بعد أن صار إلى النيل وسواد الكوفة، ومعه الدعوة ورجالها، مثل حمدان بن الأشعث، وهو المعروف بقرمط، وإليه ينسب القرامطة، وخال ابن أبي المليح القرني، وخال عيدان. وقد كان بالبحرين يحيى الطمامي داعية لهم، فلما تمكن أفسد وغدر، وأظهر الإباحة. وكان شريك أبي سعيد الجنابي في الدعوة، فوثب عليه أبو سعيد وغدر به وقتله، واستولى على الأمر، وغدر بالناس لما ملكهم، وأظهر من الإباحة وتعطيل الشرائع ما هو مذكور. وقال إنه رسول الأمين الإمام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض كلها. وكان هذا القول والوعد من أبي سعيد في سني نيّف وثمانين ومائتين للهجرة. وكان يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويحلف لهم أنه يدخل بهم إليها ويملكها. فلما كان في سنة ثلاثمائة، قتل أبا سعيد خادمٌ كان لأبي الفضل العباس بن عمرو الغنوي في الحمام، وكذبت أخباره، وظهرت فضائحه، فخجلوا لذلك خجلة يا لها، وتحيروا.

وقد كان علي بن عيسى بن داود بن الجراح وزير المقتدر بالله كاتب أبا سعيد يقول له: زعمت أنك رسول المهديّ، وقد قتلت العلويين، وسبيت آل الأخيصر العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين. وقد كان حاصر أهل هجر أربع سنين ومنعهم الأقوات، وحبس عنهم الماء، ثم وصل إليهم وما بهم رمق فأتى عليهم، وقتلهم عن آخرهم. وقد كان صنع بأهل القطيف شبيها بذلك، وغدر بهم أقبح غدر.

فأجاب ولد أبي سعيد علي بن عيسى عن كتابه بأن أهل البحرين بغوا علينا، وغدروا بنا، ورمونا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون وما نحل من اتهمنا بغير الإسلام.

فكتب إليهم عليّ بن عيسى: إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى المسلمين.

فأطلقوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة القرآن، وخجلوا من الفضيحة. ومما كانوا يقولونه ويقوله أبو سعيد من خروج المهدي في سنة ثلاثمائة لحقهم الخجل والفضيحة.

وكان بنو بسطام وبنو القاسم بن عبد الله والعزاقريّ وأمثالهم يستولون على دولة المقتدر بالله، وكانوا يتشيعون. فراسلوا أولاد أبي سعيد وقالوا لهم: أنتم خرجتم أيام المعتضد والمكتفي، فلما صار الأمر إلى هذا الصبي المقتدر بالله قعدتم، قوموا فنحن كتابه وأصحابه، والدولة لكم، ولا يوحشنكم قتل أبي سعيد وما كان منه، فإن الناس قد تناسوا ذلك.

فقالوا: هذا الرجل علي بن عيسى رجل صالح، وما دام هو الناظر فما نختار مخالفته. فلما قبض السلطان على علي بن عيسى، أطلق من ببغداد والكوفة من الشيعة الطيور إلى البحرين بذلك، فغزوا البصرة على غفلة وغدروا بهم أقبح غدرة، ثم غزوا الكوفة، وسرّ بهم الشيعة وقالوا: أبو طاهر بن أبي سعيد ولي الله وحجة الله وخليفة المهدي بالبحرين يخرج عن قرب، وأبو طاهر خليفته، وهو الذي يأخذ الأرض له ويكون ملكه بالبحرين. فبادر من أهل الكوفة وسوادها خلق كثير، وقالوا: نهاجر إلى بلد المهدي قبل ظهوره، فنقلوا أموالهم وعيالهم، ومن منهم ببغداد والكوفة وسوادها يراعون أمر المقتدر، وينقلون أخباره إلى أبي طاهر بن أبي سعيد.

وقد كان حصل لأبي طاهر من أموال الحجاج والخراسانية والكوفة والبصرة بيوت كثيرة، وأطمعه الشيعة ببغداد في السلطان وعرّفوه ضعفه، وأن النجوم تدل على أن أبا طاهر يغلب السلطان، وأنه يدخل بغداد ويستولي على الملك. فتحمل أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال: أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان في كراعه. وسار ونزل ظهرا بالكوفة، ولقيه ابن أبي الساج فهزمه، ونادى مناديه أن يكون لنا وقعة مع مؤنس الخصي برصافة الكوفة ونهزمه ويستغني أهل الكوفة من ذلك النهب، وأسير فأدخل بغداد في يوم ثلاثاء، وفي يوم طشّ، واستكتب عليّ بن عيسى، واستعمل على الشرطة أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان. وجلس بظهر الكوفة يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويتماسكون ويختارون. فلم يخرج مؤنس من الكوفة ورحل من بغداد ونزل بطباطبا، وهي من بغداد على فراسخ يسيرة. وطال انتظار أبي طاهر له، وكان من ببغداد من الشيعة قد راسلوا أبا طاهر أنه ما بقي عند السلطان إلا مؤنس الخصي، وهو الذي يلقاك. وهو أضعف من ابن أبي الساج بألف طبقة، وأنت تهزمه وتدخل بغداد. فصبر مؤنس ولم يبرح من طباطبا، وأبو طاهر يراسله: ما انتظارك؟ وإن كنت رجلا فابرز، ومؤنس لا يبرح. فسار أبو طاهر وعبر الفرات، وجاء فنزل بالقرب من مؤنس، فانقلبت بغداد، وعبر الكثير من أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، إلا من كان من الشيعة. وانحدر كثير منهم وأحدروا عيالهم إلى البصرة. وخرج إلى أبي طاهر من أهل بغداد من الشيعة وغيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح للمؤمنين القتل فيه ثلاثة أيام، قالوا: لا تصنع هذا، ولكن سبعة أيام، وتنظم جانبي دجلة بالمصلين من بني هاشم والقراء والفقهاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: كذا نفعل. وأظهر من بالكوفة لعن بني العباس والسلف، وخرج أبو الغيث بن عبيدة العجلي في ثلاثين ألفا، وأقام أبو القاسم عيسى بن موسى حتى عيدان في البقلية أصحابه، وأظهروا الخلاف، وقالوا: ظهر الحق وقام المهدي وانقضت دولة بني العباس والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث، وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر وما جئنا لإقامة دولة، ولكن لإزالة شريعة. فقيل لهم: إن الخصي قد قطع قنطرة نهر بطباطبا، فقالوا: قد عبر أبو طاهر الفرات فلا يعبر نهر بطباطبا، وإنما هو كالساقية بالإضافة إلى الفرات.

فسار أبو إسحاق إبراهيم بن ورقاء الشيباني الأمير، وكان رجلا صالحا لا يعين السلطان إلا فيما يحل ويحسن. فسار إلى الفرات في السماريات، ومنع القرامطة من العبور ومن ورود الماء، فضاق صدر أبي طاهر من تأخرهم عنه، فرحل عن مؤنس ورجع إلى الفرات، وصاعد نحو الرقة يقتل وينهب من ظفر به، وقد ظن بعض الناس أنه كان يتوقع من بالمغرب من القرامطة أن يوافيه لوعد بينهم، فما جاءه أحد، فرجع إلى الأحساء، وكذبت أخباره تلك كلها. وكانت لهم من الفضائح ما لا يكاد يحصى. وكان أصحابه ومن بالكوفة وسوادها له على أحسن طاعة، لا يشكون أنه وليّ الله وحجة الله، فلما رجع بتلك الخيبة، وقد كذبت أخباره وأقاويله، أخذ خواصه يلقون إلى من معه من البوادي إذا قالوا لهم: قتلنا عيالنا واقتسمنا قصور بغداد ثم رجعنا خائبين، وقد قتل ابن أبي الساج صناديدنا وعيون من بقي منا، فيقولون مرة: لهذا القول وهذه المواعيد باطن، ومرة يقولون: إن في كتب الحدثان والملاحم أنا نرجع، ومرة يقولون: سرنا بأمر، وأمثال هذا من الحيل والمخاريق.

ثم سار من البحرين إلى مكة، فوصل إليها في عشر ذي الحجة وبها الحجاج من أهل الدنيا كلها، والإسلام أكثر ما كان، فمنعه من بمكة من الحجاج وغيرهم من دخولها، ونقلوا صناديق البيت إلى ناحية دار ابن داود، وحاربوه أياما. فلما لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلى الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهروا أنهم محرمون، ونادوا بالتلبية، واستدعى من قريش من أهل مكة من راسلهم به، هو أبو الإمام بها والقاضي في يومنا هذا، فقالوا: كيف تكون حاجا وأنت في عشية ورودك الحرم قد قتلت المسلمين؟ فقال: هذا كان بغير أمري ولا رضاي، وقد يكون مثل هذا من الأتباع ومن معرة العساكر، ووجه إليهم بخاتمه وسوطه ليؤمنهم، وحلف لهذا القرشي بالأيمان الغليظة أنه قد أمنهم على دمائهم وأموالهم وحرمهم، وأنه لا يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، إلا أصحاب الجند والسلطان فإنه لا يؤمنهم، وقال: أنا لا أغدر ولا أغر من نفسي، ولو أردت ذلك لأمنت أصحاب السلطان ثم غدرت بهم، ولكن لا أؤمنهم، لأنهم يشربون الخمر ويلبسون الحرير ويعينون السلطان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة ويشرب الخمر ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له حتى دخل ووضعوا السلاح.

فلما دخل وتمكن وسكن الناس، وثب بهم أغرّ ما كانوا، وقال لأصحابه: ضعوا السيف واقتلوا كل من لقيتم، ولا تشتغلوا إلا بالقتل. فلم يزل كذلك ثلاثة أيام، ولاذ المسلمون بالبيت وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، وقتلوهم في المسجد الحرام وفي البيت، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم: {ومن دخله كان آمنا}، أفآمنون أنتم يا حمير، أما ترون كذب صاحبكم. وأمروا من يصعد لقلع الميزاب، فصعد وهو يقول مستهزئا: هو في السماء وبيته في الأرض. وسلب البيت، وقلع الحجر الأسود، وأبو حفص عمر ابن زرقان صهر أبي سعيد واقف حذاء البيت والسيف يأخذ الناس، وهو على فرسه يضحك ويتلو: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} حتى [وصل] إلى قوله: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} قال: ما آمنهم من خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة، حجّوا إلى البحرين، وهاجروا إلى الأحساء من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها.

ثم أمر أصحابه بالنهب، فجمع شيئا عظيما من العين والورق والجوهر والطيب، ومن متاع مصر واليمن والعراق وخراسان وفارس وبلدان الإسلام كلها، وحمل مقدار مائة ألف جمل، وأحرق الباقي، وسبى من العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألف رأس، وسار إلى الأحساء، فكانت حادثة في الإسلام لم يكن مثلها قط، وأحصوا القتلى عند الدفن فكانوا عشرين ألفا وثمان مائة. ولعلك تستكثر مائة ألف جمل لما ترى في زمانك من سوء حال الإسلام والمسلمين، وإذا تأملت الحال في ذلك الزمان استقللتها، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، وإذا تصورته استقللت ذلك. وإذا تأملت خراسان وحدها، والمسلمون يصلون من نواحي الصين، ثم من نواحي الهند، وكابل ثم عمان، ومشجر عمان، ثم اليمن، وجزيرة العرب وهي أوسع من بلاد الروم، ثم المغرب من الأندلس والقيروان والمغرب تشبه لكثرة رجالها وجمالها وبلدانها بخراسان، وأما أذربيجان فيشبه من السعة بما يقارب فارس أو العراق، وإنما ذكرت ذلك لأنا أردنا لا نخلي ما نقوله من حجة، وإن كان الناس قد ذكروه.

فلما صار أبو طاهر إلى البحرين، سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي وجمع الناس بالبحرين، وقال: معشر الناس، إنا كنا ندخل عليكم بحسب أهوائكم، مرة بمحمد، ومرة بعليّ، ومرة بإسماعيل بن جعفر، ومرة بمحمد بن إسماعيل، وبالمهديّ، وهذا كله باطل، وهو سر كنا نكتمه ومن قبلنا منذ ستين سنة، واليوم قد أظهرناه، وهذا إلهنا وإلهكم وربنا وربكم، يعني ذكيرة الأصفهاني، فإن عاقب فبحق، وإن عفا فبفضل، أظهروا اللعن على الكذابين: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد معشر الأجمعين، يعني بالأجمعين قسّين وجنبلا. وعرج عمن كان عندهم بالبحرين ومن سواد الكوفة وأهل الكوفة، وقال: معشر الدعاة والخاصة، اذكروا ما عندكم، فذكروا معنى ما جرى بين عبد الله بن ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان وبين محمد بن الحسين بن جهاربخنان المعروف ببندار من أعمال الحيلة على المسلمين، والتستر بالتشيع، والدعاء إلى المهديّ، فإذا وقع التمكن، وصاروا في ملك وسيف أظهروا تكذيب الأنبياء، وتعطيل الشرائع، وقتلوا المسلمين، مما هو مذكور في كتاب ابن رزام وكتاب عطية، وغيرهما من العلماء.

فأخذهم ذكيرة بلعن الأنبياء جهارا في الأسواق، وتقدم بإحراق المصاحف وبراءة الذمة ممن ترك عنده شيئا من المصاحف أو التوراة والإنجيل. وجمع هذا كله وأمر بطرحه في الحشوش والاستنجاء به. ونادى بنكاح الأمهات والبنات والأخوات وذوات المحارم، وبإباحة اللواط، وبأن تطعن البهائم في خواصرها إلى أن تموت، ثم تموت. وبأشياء كثيرة يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب العلماء، وقال لهم: تأهبوا فإني سائر إلى العراق لاستئصال دين محمد وقتل أتباعه، فقد انقضت دولته، وقد أحييته ثلاث مرات، واستتبته من إضلال الناس فما تاب، فالعنوه والعنوا الكذابين، يعني الأنبياء. فكانت الأصوات ترتفع بذلك في الأسواق. وقتل بني زرقان وبني سلمان ومن وجوه عسكره في مدة ثمانين يوما سبعمائة رجل، وأمرهم بأن يعرضوا عليه نساءهم من بيت أبي سعيد وغيره، فعرضوهن فاختار منهن من أراد، فكان فيمن اختار زينب بنت أبي سعيد امرأة عمر بن زرقان، وقد كان قتل زوجها، وكان له منها ابن، فأمر ذكيرة أبا طاهر بذبحه، فأخذه أبو طاهر خاله فذبحه.

ثم بعد مدة، قال أبو دلف لأم أبي طاهر: إن ذكيرة الأصبهاني قد عزم على قتل ابنك وإخوتك، وكان لأبي طاهر خمسة إخوة، وهم ولد أبي سعيد، فاتفق قتلهم له نهارا، فماج القصر لذلك، فقال لهم الحسن بن سنبر: أغلقوا باب القصر، فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له: ولم قتلتموه، قال: ما نريد أن نذكر لكم السبب في ذلك فأمسكوا، وقال لهم ابن سنبر: إن شئتم أن تذهبوا فاذهبوا، فما نعرفكم السبب. ثم قال لهم: يا قوم لا تفضحونا وأنفسكم، ولا تشمتوا بنا المسلمين وبكم، وارجعوا عن جميع ما قاله لكم أبو طاهر إلى ما كنتم عليه وكنا من قبل ذلك، من أنا أصحاب المهدي والدعاة إلى المهدي، والمؤمنون والشيعة، فإنه كنا نحدّث أن ستكون للمؤمنين زلة وهي هذه، فالله الله في أنفسنا وأنفسكم، فما أدخلناكم في شيء إلا بعد أن دخلنا فيه. قالوا: نريد أن نراه إن كان مقتولا، وخافوا أن لا تكون حيلة من جملة حيلهم وكذبهم الذي كان لأبي طاهر، ففتحوا الباب وأدخلوهم، فرأوا ذكيرة مقتولا، وجاءت زينب بنت أبي سعيد امرأة ابن زرقان، فشقت جوفه، واستخرجت كبده فأكلتها، وكانت فضيحة عظيمة. فقال ابن سنبر لأبي طاهر: فرق المال في الرؤساء وأرضهم، فإن هذه سقطة عظيمة سقطناها، فوجه أبو طاهر في الليل إلى الرؤساء وتلافاهم وخضع لهم، ولم تكن عادته.

ثم إنه غزا بعد قتل ذكيرة ونهب، وجاء إلى الكوفة. فصار أصحابه لا يمتثلون أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو غنموه يسلموه إليه ولا يخونونه في شيء منه، لأنه حجة الله، وأن المال يجبيه للمهدي، فصار بعد قصة ذكيرة لا يعطونه ما ينهبونه. وصاروا يشربون ويسمعون القيان ويطلبون المواخير. وإذا جاءهم العرفاء وقالوا لهم: هاتوا ما غنمتم، لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: السيد يأمركم بكذا، قالوا: ناك السيد أمه، وفي است أم السيد. فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب ابن الكذاب فإنه يصير بكم إلى البحرين ويسترهن عيالاتكم، ويطالبكم بما غنمتم، ويأخذه منكم ويستعبدكم. فبلغه قوله، فأخذه وقيده، ورجع إلى الأحساء، فقتل من أصحابه وثقاته نحو أربعمائة، وأقام بالأحساء وقال: قد نهيت عن الغزو، وأمرت بعمارة الأحساء. فأخذ المسلمين الذين أسرهم واستعبدهم بالعمارة. وأقام مدة، ثم غزا وأقام ناحية من الكوفة، ووكل بالعسكر من يراعيه لئلا يدخل إليه غريب، وطمع أن يعود أصحابه كما كانوا، فما فعلوا. ودخل على أهل السواد من الكوفة ومن كان يلتجئ إليه من المتشيعين من الحزن والفضيحة وشماتة الأعداء ما قتلهم حزنا.

وكان مثل عيسى بن موسى ختن عبدان وأصحابه وأمثاله يعاتبون أبا طاهر وأصحابه بينهم سرا، فيقول لهم: ما الحيلة، ما اخترنا هذا لأنفسنا، وقولوا لنا من كان من أهل هذه الدعوة لم تكن له سقطة وفضيحة. ألم يفتضح المنصور بن حوشب بعدن لاعة، ألم يفتضح الولي ابن الفضل بجيشان، ألم يفتضح سعيد بسجلماسة، حتى شيخ المشائخ أبو موسى هارون وهو شيخ الشيعة. وقال لسعيد في وجهه: ويلك، أنت الغاوي لا المهدي، تزني وتلوط وتشرب الخمر وتكذب وتغدر وتسفك الدم، ويلك، أي شيء أنت، وابن من أنت؟ قال: قد قال لكم أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي الداعية إني أنا المهدي، فجاؤا بأبي عبد الله، فقالوا له: هذا هو المهدي، فقال: لا، فقال له سعيد: ألم تقل لأهل العسكر بسجلماسة هذا هو المهدي الذي كنت أدعو إليه؟ فأقبل أبو عبد الله على أبي موسى والجماعة فقال: يا هؤلاء غلطت كما يغلط الناس، أنا رجل من أهل الكوفة من الشيعة، وكنا نذهب إلى إمامة موسى بن جعفر وولده، فرجع ابن حوشب ورجعنا لما مات الحسن العسكري، ووقع علينا من دعانا إلى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولقيت الإمام من قبل محمد بن اسماعيل بالكوفة وودعته وخرجت إلى ابن حوشب باليمن، وبين يدي الإمام بالكوفة غلامان. فقال لي حين ودعته: يا أبا عبد الله، هذان إماماك، فمن دعاك منهما فأجبه. فخرجت إلى اليمن، ومنها إلى مكة، ومنها اليكم إلى المغرب. وبلغنا أن الإمام قد مات وخلف ولده، وكانت الكتب تأتيني من هذين، وفيها بعض العلامات التي كانت بيني وبين الإمام، فظننته المهدي وما هو بالمهدي، ولكنه رجل سوء، كذاب شرّير، عدو الله وعدوّ رسوله وعدوّ أهل بيته، وعدو الشيعة وعدو المهدي. فوافق سعيد أبا عبد الله على غدراته وأكاذيبه وما كان له في كتامة، وتشاتما وانفرد سعيد ومعه الأموال، وأعمل الحيلة، وقتل أبا عبد الله وشيخ المشائخ.

وقام أبو زكريا محمد بن أحمد بن زكريا أخو أبي عبد الله وكان أجل منه وأخص بسعيد وأعلم بالدعوة، فنادى على سعيد بأنه كذاب عدو لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وواقفه وتشاتما، وما زال ينادي عليه برقادة وأرض المغرب إلى أن دس عليه من قتله.

وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها في الشيعة، فما زال ينادي: احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه لا دين له. إلى أن بذل سعيد الأموال في العبيد والجهال إلى أن قتل أبا ذاكي وأصحابه.

أوليس حين مات سعيد وقام ابنه قد رجع عنه خاصته، وقالوا هذا أكفر من أبيه. أوليس قد أظهروا بأرض المغرب شتم نبيّ العرب وأصحابه فقالوا: العنوا الغار ومن حوله، العنوا عائشة وبعلها، ولعنوا جميع الأنبياء وأظهروا الباطن كله، وبعثوا الدعاة، فدعوا إلى سعيد أنه إله حق، وأنه خالق رازق، وأنه هو الذي فتق ورتق وأمات وأحيا. ونكحوا البنات، حتى كان مثل أبي الأسود وأبو طاعة من الدعاة قد نكحوا بناتهم؛ حتى ذهبت الشيعة إلى أبي يزيد مخلد بن كرّاد وهو من الشراة وشكوا إليه ذهاب الإسلام بهؤلاء المشارقة، وقالوا: هذا وإن كان من الشراة فليس ينكر الربوبية ولا يكذب الرسل ولا يلعن الأنبياء ومعه حفظ الأموال، فساروا معه إلى ابن سعيد بعد موت أبيه، فأنفذ إليه ابن سعيد عسكرا بعد عسكر، فما زال يهزمهم إلى أن وافى باب المهدية فأغلق بابه دونه، فأخذ الحلقة بيده وهو شيخ كبير لا يمكنه لعجزه وكبره أن يركب فرسا، فكان يركب حمارا، فحاصر ابن سعيد في المهدية مع عساكره فمات في حصاره فرقا منه. وقام اسماعيل ابنه من بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه. وأعان أبو الحسين بن عمار إسماعيل القائم الثالث منهم على أبي يزيد حتى ظهر عليا، فلما خرج أظهر اسماعيل الرجوع إلى الإسلام. وقتل الدعاة، ونفى بعضهم إلى أرض الأندلس وغيرها. فقال للعامة: من سمعتموه يلعن الأنبياء فاقتلوه وأنا من ورائكم، وأذن للفقهاء والمحدثين، وخضع للعامة، وزعم أن الذي كان من الدعوة ومن الناحية والمنشدين كان بغير علم أبي ولا علم جدي، وخفف الخراج، وأظهر الشغل بالفقه. فسقطات غيرنا من أهل هذه الدعوة أكثر من سقطاتنا، أم تظنون أنا بالبحرين لا نعرف أخبار إخواننا وأهل دعوتنا بالمغرب واليمن والعراق.

فكانوا يحتجون بمثل هذا على من عذلهم من إخوانهم في إظهار الباطن، وكان الدعاة مثل أبي القاسم عيسى بن موسى، وأبي مسلم بن حماد الموصلي، وأبي بكر أخيه، وأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي الكلابي وغيرهم يحدثون أسفا وحسرة بما أتاه أبو طاهر من كشف الدعوة، حتى سقطت هيبته واستخفت العرب به بعد ذلك التعظيم، وحتى كان أبو طالب بن عيسى بن موسى وأمثاله يقولون إذا ذكروا هتيكة أبي طاهر وفضيحته ما لك يا أبا طاهر، لعنك الله ويلك، لم سلمت الأمر إلى ذكيرة الأصبهاني. ويلك، ألا مضيت على غرتك وقد ظن الناس أنك المهدي، وفيهم من ظن أنك فوق المهدي، ويلك، إلى بخارى قدما ما يردك أحد. لعنك الله، وصلى الله عليك يا محمد.

لا يلعنون أبا طاهر براءة منه، ولا يصلون على النبي ﷺ موالاة له وتصديقا بنبوته، ولكن يذهبون إلى أنه وإن كان كذابا محتالا مثل أبي طاهر والذين بالمغرب -وحاشاه ﷺ من قولهم- فما افتضح مثل فضائحهم.

ولقد رجع أبو الغيث العجلي عنهم وكان نابا من أنيابهم، ومطاعا في عشيرته. وكانوا نحو ثلاثين ألفا، وكتب في ذلك كتابا بيّن فيه أنه تموّه أمرهم عليه وظنهم شيعة وأصحاب المهدي. ورجع غيره من رؤسائهم ممن قد ذكره ابن رزام من المراتب الخمس وفي الكتاب الكبير، وذكرهم غيره.

ولقد بلغ الأمر بأبي طاهر أنه كان بعد ذكيرة يغير على الحاج وعلى بلدان المسلمين. ثم يجهد بالعرب أن يعطوه شيئا مما يأخذونه كما كانوا يفعلون من قبل، ويقول هذا مال المهدي، فإن لم تعطونا كله كما كنتم فهاتوا بعضه، فيقولون له: استأمنا إن أعطيناك مفاتحنا وقد عرفناك. فلما رأى استخفافهم به بعد الكرامة قال: لا وجه لما أنا فيه، أقتل المسلمين وأنهبهم ويذهب هؤلاء بالمال. فجاء إلى الكوفة وأمن الناس، ووجه إلى الراضي بعد المقتدر وبعد القاهر، وكان هذا الراضي من الضعف وحجر بحكم والأعاجم عليه على حال قبيحة، وقد تفرقت الجنود عنه، وأخذت الأموال منه؛ فوجه إليه يطلب منه مالا يعطيه ليخدمه ويبذرق الحاج، ففعل الراضي ذلك، وأعطاه مالا معلوما، وقال أبو طاهر هذا أربح لي، آخذ هذا المال وأعطي بعض أصحابي وأعواني وأفوز ببعض. وكان العقلاء يعجبون ويعتبرون، ويقولون عظم أمر أبي طاهر حتى ادّعى قوم أنه إله، وادعى آخرون له أنه نبيّ، وادعى قوم أنه المهدي، وأقل ما ادّعى له أنه ثقة المهدي وسيف المهدي. واستقلوا له ملك الأرض، وما شك الشيعة أنه يملكها، وأظهروا الروايات له بذلك، وأنه مذكور في الملاحم، وفي كتب الحدثان، وأنه حجة الله وصاحب حجة الله، والمهديّ والمنتظر الذي يملك الأرض كلها. وطمع في ذلك أشد الطمع، وكان السلطان في زمانه مقصرا لا يعرف من التدبير قليلا ولا كثيرا، وقد قلد الخلافة وله اثنتا عشر سنة، متخليا بالنساء، كتابه وعماله وخاصته تغلب عليهم التشيع، يظنون أبا طاهر من الشيعة، فكانوا أعوانه على السلطان، فخذله الله حتى صنع مع ذكيرة ما صنع ففضحه الله بلسانه، ثم عاد فقتل ذكيرة ورجع عما كان عليه، ثم لم يزل خذلان الله به حتى جاء إلى الراضي وتلك حاله يطلب بذرقة الحاج منه، وسأله أن يستخدمه في ذلك، وضمن كل ما يجري على الحاج. وخرج إليه إلى الكوفة ابن مقاتل صاحب ابن رائق ووافقه على بذرقة الحاج بعد أن وبخه على ما كان منه، فأنكر أن يكون ما جرى باختياره، وأن البوادي كانت تقتات عليه ولا تطيعه، وأن السلطان قصر في أمره وقد كان ينبغي له أن يعرف مكانه ويعطيه ما يرضي البوادي، ويستخدمه ويجعله أحد صنائعه، فقال الحجاج لا نسير معه ولا نثق به ولا كرامة له، فأقام السلطان أبا عليّ عمر بن يحيى العلوي أميرا عليهم، يسير أبو طاهر مع أصحابه بسيره وينزل بنزوله، ولا يكون له على أحد من الحاجّ أمر ولا نهي.

وإذا تصورت حال أبي طاهر وكيف كانت وإلى أي شيء صارت، حتى يرغب إلى الراضي -وهو أول من زالت دولة بني العباس على يده وأخذت الأموال منه، وأجرى له مقدار الكفاية، وزال أمره عن تدبير الجند وعن الولايات، وهو أول من حجر عليه منهم- في أن يستخدمه في بذرقة الحاج بشيء يعطيه، علمت أن ذلك آية من آيات الله العظام. فقد كان أثخن في الإسلام، وأخرب منازل الحاج، وقد كاتب في الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، ولعل قتلاه أكثر من قتلى بابك وصاحب الزنج، وكانت هيبته قد ملأت القلوب، حتى كتب ملك الروم إلى السلطان كتابا يظهر له الشماتة بأن أبا طاهر القرمطي قد أبادكم وأفناكم وشغلكم عن غزونا وأراحنا منكم وقصد بيت عبادتكم فقتل زواره ومن يعظمه وأنزل بدينكم كل هوان. وكان العامة ومن ليس هو من الدعوة إذا سألوا أصحاب أبي طاهر عما أتاه في باب ذكيرة لا يجيبون بل يقولون: إنما سلم الأمر إليه ليمكر به ولينظر ما عنده، وصبر عليه وعلى ما أتاه ليعرف آخر أمره، فكان لتسليمه باطن غير ما ظهر للناس.

وهذا أعجب ما يكون من فضائح المبطلين وبهتهم، وهذا ما لا يعجز عن ادعائه أحد، فإنهم قد افتضحوا وتقطعوا ندما. وانصرفت عنهم عقيل لهذه الفضائح وهانوا على جندهم بعد الكرامة، وسقطت أقدارهم البتة. ثم يبهتون هذا البهت.

وهذا كقولهم لو قال: إن خادم العباس بن عمرو الغنوي ما وثقنا به ولا سكنا إليه ولا وثق به أبو سعيد ولا ائتمنه ولا سكن إليه وإنما تركناه وقتل أبي سعيد وتلك الجماعة الذين قتلهم في الحمام لننظر ما عنده وليظهر آخر أمره على علم منّا بما سيأتيه ويفعله. وأن ما أتاه الأصفر من قتل رجالنا ومنعنا من التصرف في البلاد والخروج لأخذ ضريبة الحاج وحصاره إيانا في الأحساء ليس عن عجز منا ولا لجهل منا بما كان منه قبل أن يكون، وإنما تركناه على علم وقدرة ليظهر كل ما عنده ولكل أمر باطن. أو كمن قال: إن الأصفر لم يصنع بهم هذا الصنيع عداوة لهم، فكذا ما صنعه ابن أبي الساج، وإنما أراد الأصفر أن يمتحنهم بذلك، ولهذا باطن. وهذا خلق لأهل هذه الدعوة حيث كانوا من مشرق الأرض وغربها، فإنهم متى افتضحوا ومتى بان كذبهم فقالوا لهذا باطن.

فقد كان سعيد أنفذ الجيوش في سنة اثنين وثلاثمائة إلى مصر وقال: تفتحونها وأنا في إثركم، وكانت خالية ليس فيها إلا القاسم بن الأخشيد الفرغاني في سبعة آلاف، وعسكر ابن سعيد الذي ورد به إلى مصر في نحو مائتي ألف، فهزمهم القاسم وردّهم، فرجعوا في سنة سبع وثلاثمائة في ثلاثمائة ألف، وقال: تفتحونها، فرجعوا منهزمين. وكان ابن سعيد رئيس الجند، ويوسف بن غروي الكبير المدبّر، وهو يعجب من رجوعهم وقد قال تفتحون. فقال: لهذا القول باطن، فأخذ يوسف هذا وقتله.

وقد كان الرابع منهم لما ملك مصر والشام قال: الآن أملك الدنيا كلها، وكان له برذون أشهب يقال له عين الفضة، فقال: على هذا أدخل قسطنطينة، وقال: أنا لا أعطي أهل الأحساء عن الحاج ضريبة كما كان كافور الخصيّ الأسود قبلي يعطيهم، فإن خالفوني وجّهت بكتامة فشدّوا براذينهم على أبوابهم بالأحساء وساوم صاحبه وصاحب جيشه في ثياب بياض، ثم قال: وهذه تجلب من نيسابور وإلى هناك نصير فنشتريه من معدنه. فجاء ولد أبي سعيد وأخذوا الرايات السود من بغداد وعليها الإمام المطيع لله أمير المؤمنين، وكانوا في جيش قليل، وأخذوا الشام منه، وقتلوا ابن فلاح صاحبه، وقالوا له ما تحتاج أن تنفد بكتامة إلى الأحساء فقد جئناك، فراسلهم وداراهم، وقال لهم: لم رضيتم لأنفسكم أن تسيروا تحت الرايات السود وتقيموا الدعوة لبني العباس، قالوا له: قد كان ينبغي ألا تمخرق علينا ولا تتكلم فينا، ونحن نعرفك ونعرف أباك، فما زال يراسلهم ويتضرع إليهم ويقول: الدعوة واحدة وهذا البيت وبيت أبي سواء، فساروا إليه إلى مصر وضيقوا عليه، فخندق على نفسه، وبذل الأموال، وبذل المال للبوادي فأخذوا سوادهم وانهزموا من باب مصر، وأسر ابن المنجا وجماعة منهم، فأكرمهم وصانهم وخلع عليهم، وردهم إلى الأحساء وأعطاهم أكثر مما كان يعطيهم كافور، وقتل من كان في عسكرهم من السوقة والباعة وهم ألوف كثيرة، وقال لولد أبي سعيد: أنا ما منعتكم وإنما منعكم هذا العبد جوهر، وتقرب إليهم، وأذكرهم أن الدعوة واحدة وما ينبغي أن نختلف فيشمت بنا المسلمون، وما زال هو ومن بعده يحمل إليهم المال الكثير والبرّ الكثير إلى أن حاصرهم الأصفر ومنعهم، ووافى ملك الروم لعنه الله ونزل الشام.

واتفق موت البرذون عين الفضة، ونما الخبر إلى ابن الزيات وهو بالشام فكتب إليه: قلت إنك تدخل القسطنطينة على عين الفضة وقد مات، وبينك وبين القسطنطينة مسيرة ستة أشهر، وملك الروم فقد نزل بالشام وبينك وبينه مسيرة عشرين يوما، وقد قرب الأمر عليك فالحق. فترك الجواب عن هذا وكتب إلى ابن الزيات: أنت رجل فاضل كامل، صنعتك وأسأت اليك وأنكرت فضلك، وما أدري كيف أعتذر اليك، وأنا من أحوج الناس اليك. وما هذا سبيله من الملاطفة. وإذا طالبت خاصته والدعاة له بتلك الأقوال وبينت لهم كذبها وخلفها قالوا: تلك الأقوال لها باطن.

وعند الخامس منهم من أهل خوارزم والموليان وغيرهما زوار كثير قد جاؤا بالأموال والهدايا، وهم محجور عليهم وموكل بهم، ومع هذا فقد تبلغهم ما هناك من الفواحش والإباحات. فربما استفهم الواحد بعد الواحد من هؤلاء الزوار فيقال له: لهذا باطن، وربما قيل لبعضهم: إنما يفعل هذا مولاكم عمدا ليريكم ويمتحن صبركم فأمسكوا ولا تتكلموا، ثم لا يؤذن بالرجوع لأهل الفطنة منهم.

وقد كان سعيد وهو بالمغرب قد جعل الرصد على من يرد ويصدر بباب البلد فيعرف أخبارهم، فمن كان منهم من الرسل والدعاة الذين يريدهم فلا يدخلهم إلا ليلا ملثمين في هوادج، وإن كانوا جماعة فرق بينهم وأنزلهم ووكل بهم ثقاته، وأخرجهم كذلك، لئلا يقفوا على شيء من أمره. ويدس إليهم من يحدثهم من أخباره بما يريد، ويبرهم ويصلهم ويخلفهم ويخرجهم في الاستخفاء كما دخلوا، ويردهم إلى النسفي وأبي حاتم الرازي وابن حماد.

فتأمل حال هؤلاء وهم في الأطراف، وقد تستروا بدين الإسلام وأقاموا المؤذنين، فكل من يستدعونه في أول أمره يقولون له لسنا كالإمامية أصحاب موسى بن جعفر الذين يقولون: الصلاة إحدى وخمسين ركعة، الذي يجب عليك عافاك الله ثلاث وسبعون ركعة في اليوم والليلة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. وتؤدي الأمانة، وتحصن فرجك، وما نحل لك المتعة كما تحله الرافضة، وتجتنب الكذب والزنا والربا واللواط، ولا تشرب شيئا من المنكر، وما لك في شيء من هذا رخصة البتة. وإذا كان عند الداعية أحد من المحرومين وممن لا يعرف حقيقة الدعوة يصلي الداعية بحداه الليل والنهار. ومع هذا فقد عرف أهل العلم حقيقة الدعوة فكيف بأمر النبوة وهو من الأمور المكشوفة.

ولو أخذت تحصي فضائح هؤلاء في كل زمان مع هذا التحفظ لطال، وينبغي أن تعنى بأمورهم فليس هاهنا من يطعن في النبوات سواهم كما قد تقدم لك، ودعاتهم اليوم مثل جابر المتوفى، وابن جبلة، وابن الكميث، والحسن بن محمد الممدي، يقولون لمن قد بلغوا به، أما ترون أتباع هذا الفاعل الصانع -يعنون رسول الله ﷺ- اليوم أربع مائة سنة قد أقاموا على شريعته ما يفارقونها، ماذا يرون فيها الحمير، وقد كدّهم بالصلاة والصوم والحج والجهاد، أما يفطنون، أما يفيقون.

والعجب ممن ذهب عنه ﷺ مع ظهور أعلامه وانكشاف براهينه، ولو كان لهؤلاء فطنة ومعهم تدبر لكفتهم أنفسهم وأحوالهم في معرفة صدقه، فإنهم مع اعتصامهم به وتسترهم بإقامة شريعته والانتساب إلى أهل بيته ومع الأيمان والمواثيق، يفتضحون في كل طرفة عين.، وهو ﷺ قد جاء ذلك المجيء وأعداؤه منذ أربع مائة سنة يطلبون عثرة له وزلة فلا يجدونها، وهو كما يقال: قد كان ينبغي أن يكون أصحاب الطب من أخشى خلق الله وأعرفهم به لكثرة ما يرون من الشدائد النازلة بالناس وبأنفسهم ثم قل ما يغني طبهم عن أنفسهم وأعزتهم، ولكن قد سبقوا إلى الاعتقادات الباطلة والتقليد للرجال، فتركوا النظر وقلت عبرتهم، فتبلدوا وتحيروا، فتاهت عقولهم، وماتت فطنهم، فنعوذ بالله من طول الغافلة وموت على غرّة وقدوم على حسرة.

علم الرسول ﷺ حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أنهم لن يستطيعوا

وباب آخر

وهو أنه ﷺ قد علم وتيقن حين تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل عشر سور أو بمثل سورة أنهم لا يأتون بذلك. ولو لم يتيقن ذلك لما تحداهم ولا قال. لأن العاقل لا يقدم على مثل هذا وهو لا يأمن أن يأتوا بمثله فيفتضح وتبطل حجته ويستظهر عليه خصمه ويظهر كذبه وينصرف عنه أصحابه وتبطل رئاسته، سيما والعرب أمم كثيرة والفصاحة مبثوثة فيهم غالبة على رجالهم ونسائهم وعبيدهم وإمائهم، وهو لا يعرفهم بأعيانهم ولا يحيط علما بأشخاصهم وبشعرائهم وخطبائهم وبلغائهم وفصحائهم ودعاتهم، فكان لا يأمن أن يتبتّل له قوم منهم غضبا لأديانهم وعصبية لآبائهم وأنفة لأنفسهم، فيأتون بمثل ذلك في الفصاحة والبلاغة، أو بما يقارب ذلك، فيهدمون كل ما بنى، وهو العاقل الحليم الذي لا يدفع عدوه عقله. فلم يكن ليخبر أنهم لا يأتون بشيء من ذلك إلا وهو على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه. فما في الدنيا عاقل تأمل أمره ﷺ إلا وأثمر له الفكر والعلم بذلك.

فإن قيل: قد يقول العاقل في صنعة يدعيها، أو شجاعة، أو في شدة وقوة وأشباه ذلك: إن أحدا لا يساويني في ذلك ولا يدانيني فيه، وإن كان لا يعلم أن الأمر كما ادّعى ولا يخرجه ذلك من أن يكون عاقلا.

قيل له: لا يسأل عنه وعن أمثاله من تأمل ما قلنا، فإنا لم نقل إنه ليس في الدنيا عاقل ادعى أنه لا يساوى في منزله إلا وهو على يقين من أن الأمر كذلك، وإنما قلنا: إن هذا الرجل ﷺ قد ادعى أعظم الأمور وأجلها، وهو أن الله اصطفاه على العالمين وجعله وحده منذ أرسله حجة على كل من أدركه وكل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، وأن من خالفه فقد حلّ ماله ودمه وأهله وذريته، وعليه الخزي والغضب من الله في الدنيا والآخرة، وأنه قد وجب على كل عاقل طاعته والانقياد إلى أمره إلى غير ذلك مما ادعاه وفرضه مما يطول ذكره، وأن حجته في ذلك أن الخلق أجمعين لو اجتمعوا واجتهدوا لن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه لا يأتون بمثله، وأنهم إن أتوا بذلك فقد بان كذبه وحرمت طاعته ووجبت معصيته وحل دمه ودم كل من صدقه. فبهذه الشريطة قلنا ذلك وادّعيناه، وبهذا قد علمنا، لا بما ظنه السائل.

محاولة اليهود والنصارى في المدينة القضاء على الإسلام وفشلهم

وباب آخر

من أعلامه ﷺ، وهو أنه لما صاروا أصحابه في المدينة مشى اليهود إلى الأوس والخزرج وقالوا لهم: لقد جلبتم على أنفسكم باتباع هذا الرجل الضلال والبلاء العاجل بمعاداة الأمم، ولو كنتم يهودا لناظرناكم. وقد كان في الأوس والخزرج من قد تهود. وقالت النصارى لهم مثل ذلك، ورغبوهم في النصرانية، وهددوهم بنصارى العرب وبملوك الروم، وأكثروا في ذلك وهوّلوا. فقال الله عز وجل: {وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}

فكفاهم الله إياهم كما وعد وكما أخبر، وقد كانوا أشد الناس حرصا على قتله واستئصاله وبواره، يبذلون في ذلك أموالهم ودماءهم. وقد كانت حاله بالمدينة وإن كان قد صار في جماعة وأنصار قريبا من حاله بمكة. فقد كان يجلس وحده ويمشي وحده، ويدعو به الرجل والمرأة لحاجة فيمشي مع من دعاه. وقد يكون في بيته وعند أهله وحده، وإنما بيوته ومسجده من جريد النخل وارتفاعها مقدار قامة. وكانت سبيله في ذلك سبيل خلفائه وأصحابه في البذل والتظرح، وقد قصد العبد النصراني لقتل عمر فقتله، وقصد ابن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله، وقد تحصن عثمان وأخذ حذره وجمع نفسه ومع هذا فقد تسلق عدوّه عليه ودخل من خوخته ونال منه حاجته مع هذه الأنساب وهم الأمراء. فتعلم أن سلامة رسول الله ﷺ من هذه الأشياء من الآيات العظيمة، سيما وقد قال لعدوّه: إن الله سيكفينكم، وفي هذا تهييج لعدوه على نفسه وبعث على مكروهه.

وقد كان أهل مكة يبعثون اليهود والنصارى ومن بالمدينة على قتل رسول الله ﷺ، ويحرشون بين الأوس والخزرج، ويبعثونهم على من آمن برسول الله ﷺ وعلى من اتبعه. وقد كان اليهود وأعداء رسول الله ﷺ ممن بالمدينة يردون مكة ويلقون قريشا فيبعثونهم على مكاره رسول الله ﷺ وقتله.

وقد كان لليهود بالمدينة وبالحجاز وبجزيرة العرب عدد جمّ، وقرى وحصون، ولهم بأس، ولهم نجدة وخيول وفرسان، وأبطال وفصحاء وشعراء، ولهم ثروة، وفيهم أجواد، ويستجار بهم ويجيرون ويمنعون جيرانهم، ويقاومون الملوك ويدفعونهم عن أنفسهم. ونصارى العرب أكثر في هذا كله وأقوى وأشد. فاعرف هذا فبك إلى معرفته أمس الحاجة.

بدر وما فيها من آيات

وباب آخر

من آياته ﷺ وهو ما كان ببدر فإنه يوم كانت فيه آيات كثيرة وأظهر الله عز وجل لنبيه أعلاما عظيمة، وكان للمشركين من قريش عير قد أقبلت فيها أموال وبز وأمتعة فاخرة، وخرجت قريش وقد خافت عليها المسلمين في نحو ألف فارس معدين ومستعدين ليحموها، ووعد الله المسلمين إحدى الطائفتين أن يظفرهم بهم ويغنمهم إياهم، وودّ المسلمون أن تكون هذه الطائفة غير ذات الشوكة لقلة المسلمين وضعفهم وكثرة المشركين وقوتهم، وكان المسلمون في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا يعتقب العدة منهم البعير الواحد، ولا فرس معهم يومئذ إلا فرس المقداد وفرس الزبير، وقد سبقهم العدو إلى الماء واحتوى على الشعاب، واستظهروا على المسلمين بالماء والمكان. فوافى المسلمون في ضعفهم وقلتهم، فحصلوا على المضايق والخروق من الأرض، ولا ماء لهم، فأنزل الله عليهم الماء فشربوا وسقوا ركابهم وتطهروا، وتوطئت الأرض لهم ما كان منها رملا حتى ثبتت أقدامهم عليها، وعند الحرب ألقى عليهم النعاس في الوقت الذي لا يكون فيه نعاس ويطير النوم للخوف على النفوس، فطيب قلوبهم وطير خوفهم وشجع جبنهم، وأرسل إليهم ملائكته فثبتتهم وبشرتهم، وأخذ رسول الله ﷺ كفا من تراب وفيه حصيات فرمى به في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، حم، لا ينصرون، فتفرق الحصى في عسكر المشركين وبلغ إلى خلق كثير بخلاف ما جرت به العادة. وقد ورد القرآن بذلك وتفصيله ورودا يشهد عقل كل عاقل ومتأمل ومعتبر ومتفكر أن ذلك قد كان ووقع في قوله في سورة الأنفال إلى قوله: {كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

فانظر كيف يصف لهم أحوالهم وضعفهم وخوفهم وقلتهم وما كان قد وعدهم به من الظفر بإحدى الطائفتين قبل اللقاء وما نصرهم به على ذلك التفضيل. ولا يجوز أن يقول لهم: قد كنت وعدتكم وقد كنتم كارهين وخائفين ومستضعفين، فأزلت خوفكم وطيبت نفوسكم وأنزلت عليكم الماء وغشيتكم بالنعاس أمنة مني ونصرتكم بالملائكة، وهو يعلم أنهم يعلمون أنه كاذب وأن ذلك لم يكن، وهذا القول يسمعه العدو والوليّ، وهو يمتنّ به على الصحابة وأتباعه، ويحتج به على العدو والوليّ، ويصول بذلك ويدل ويستطيل. هذا لا يقع من عاقل، ولا يتوهمه عاقل تدبر وفكر، فكيف بمن يدعي النبوة والصدق، ويريد من كل أحد سمع قوله أن يتبعه ويعتقد ذلك منه ويطيعه. وهؤلاء الذين اتبعوه وأطاعوه وبذلوا أموالهم ودماءهم إنما فعلوا ذلك لما اعتقدوه من نبوته وعرفوه من صدقه وتحققوه من قوله. ففي كل واحد من هذه الآيات ما فيه أتم الحجة بانفراده، فكيف بترادفه واتصال بعضه ببعض، ولو أفردت لكل آية بابا وشرحت ما فيها لكان أولى وإن طال، وأنت متى شئت قدرت على ذلك.

وانظر ما في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا} إلى قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} فتأمل موافقته لهم واحتجاجه عليهم، وليس يدعي أن هذا قوله، بل يقول لهم: هذا قول ربي وربكم، وهو الذي كان وعدكم هذه المواعيد وضمن لكم النصر وقد وفى لكم بجميع ذلك.

وانظر إلى حسن تدبيره سبحانه وتعالى، فإنه ضمن لهم إحدى الطائفتين ولم يقل أيهما هي، وودوا هم أن تكون غير ذات الشوكة فإنها في عدة من الرجال قليلة وأموالها كثيرة، وكرهوا ذات الشوكة لقوتهم وكثرة عددهم؛ وأراد الله أن يحق الحق بكلماته التي وعد نبيه أنه يهزم جموعهم وينصر ضعف المسلمين عليهم. ولو قال لهم: إنكم تلقون ذات الشوكة هالهم ما عاينوا، إذ هم رجّالة وعدتهم قليلة وأولئك خيّالة وعدتهم كثيرة، فخافوا أن يبرزوا فيجول عليهم العدو جولة يصطليهم فيه، ا فأيدهم بذلك النصر، وسلمهم تلك السلامة، فظفروا بعدوهم فقتلوا سبعين وأسروا سبعين وهزموا الباقين.

وتفهم معنى قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} أي بذلك النصر وذلك التأييد وتلك الآيات والمعجزات استوى لكم قتلهم، {وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى} لأنه ﷺ لما رمى بلّغ الله رميته إلى ما لم يكن في وسعه تبليغها وبثها وإيصالها، فما أحد أصابته إلا قتل أو أسر. وليس يجوز أن يقول لهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ومثل ذلك قد يكون وقد يتفق، وكذا في قوله: {وَلكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ووليّه وعدوّه يسمع هذا، وهم قد مارسوا الحروب قبله وجربوها وعرفوها وسمعوا بها، ليعلم أن ذلك شيء انتقضت به العادة وكان فيه آيات ومعجزات.

وقد سأل الخصوم فقالوا: إذا كان الملائكة ثلاثة آلاف أو خمسة والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر فكيف لم يصطلموا عدوّهم وإنما هم في نحو ألف، وكيف لم يعنه بالملائكة يوم أحد وقد قتل أصحابه، وهو قد كان يوم أحد إلى الملائكة أحوج.

قيل له: قد علمنا بما قدمنا أن الملائكة قد شهدتهم يوم بدر بدلالة امتنانه على المسلمين بذلك والعدوّ والولي يسمعه، فليس في سؤاله قدح في هذا العلم، فإن بيّنا وجه حضورهم فمن طريق التطوع، وهو أنه ليس في حضور الملائكة عليهم السلام سقوط الفرض عن المسلمين في مجاهدة عدوّهم، ولا أذن الله لهم في محاربة العدو، ولكنهم حضروا ليثبتوا الذين آمنوا وليرغبوا الذين كفروا وليقتلوا الواحد بعد الواحد تثبيتا للمؤمنين وإرعابا للكافرين وإيضاحا للمعجزات. وكذا قال الله وقد ذكر نزول الملائكة: {وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} وقال في موضع آخر في هذه القصة: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ}.

وأما قصة أحد، فليس إذا أنزل الله الملائكة يوم بدر وجب أن ينزلهم يوم أحد، وليس إذا عافى الله نبيه وقتا وجب أن يعافيه في كل وقت، بل قد يمتحنه بالمرض في وقت ويكلفه الصبر، وكذا ينصر وقتا بالملائكة ويخليه من ذلك وقتا آخر فتشتد محنته ويلزمه الصبر. وإنما يسأل عن هذا من ادعى أن الله ينصر أنبياءه في جميع مواطنهم بالملائكة، وهذا سؤال يذكره ابن الراوندي بعد موافقته أبي عيسى الوراق وابن لاوي اليهودي وأمثالهم من الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ، وهذا غاية كيدهم، وقد بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم فما فضحوا بذلك إلا أنفسهم؛ ولو سكتوا لكان أستر لهم، ولو آمنوا لكان خيرا لهم، لتعلم أن الإسلام نور لا يطفأ، وأن مطاعن الخصوم فيه لا تزيده إلا قوة كالذهب الذي لا يكلف وكلما سبكته وعرضته على النار زاد جودة وصفاء. وقد كان أعداء رسول الله ﷺ في زمانه من قريش واليهود والنصارى أكبر عقولا وأشد كيدا وأكثر شغلا بالتتبّع على رسول الله ﷺ وطلب عثراته، ولهم فضل المشاهدة، فلو وجدوا مطعنا لسبقوا إليه ولوافقوا عليه، فقد كان ينبغي لهؤلاء المتأخرين من أعدائه أن يعملوا هذا فيمسكوا، ولكن الجهل والغباء قد سد مسامعهم وغطّى على أبصارهم، ويأبى الله إلا فضيحتهم وهتيكتهم. وهم لم يسألوا عن الآيات التي كانت تنذر ولا عن المواعيد التي تقدمت بها قبل كونها مع كثرة ذلك واعتداد الله به، وما سألوا إلا عن الملائكة ليأسهم من تلك وطعنهم في هذه. وقد تبينت خيبة أملهم في هذه أيضا وفي شهود الملائكة مع ما قدمنا من الدلالة.

أخبار من ذلك: أن رجلين من مزينة من الكفار كانا على جبل ينظران على من تكون الهزيمة، فقال الباقي: وكنا نحب أن يكون على قريش لأنهم أكثر أموالا ومتاعا فنصيب منه، فرابنا سحابة قد أقبلت، وقائل يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فإنه انكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فتماسكت، فأتى النبيّ فأخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ حيزوم اسم فرس الملك.

ومن ذلك أن حكيم بن حزام لما أسلم وقد كف بصره وكان يوم بدر مع الكفار قال: لو كان بصري صحيحا لأريتكم الوادي الذي خرجت علينا منه الملائكة.

ومن ذلك أن أبا تميم الأسلمي لما رأى الحارث بن هشام يصير إلى مكة داخلا وقد انقطع فرسه فسأله عن الخبر فقال: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق تطير بين السماء والأرض فانهزمنا.

ومن ذلك أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب لما قدم مكة منهزما قال له أبو لهب: إلى أين يا ابن أخي فعندك لعمري الخبر، فقال: يا عم قتل الناس، قال له: أكانوا أكثر منكم، قال: لا، ولكنا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق تطير بين السماء والأرض، فلما رأيناهم انهزمنا، قال أبو رافع مولى العباس بن عبد المطلب وكان مسلما: تلك الملائكة، فوثب عليه أبو لهب فضربه.

ومن ذلك خبر أبي داود المازني قال: بينا أنا أبتغي خلف رجل من الكفار إذ سقط رأسه بين يدي من غير أن أضربه، وقد كان المسلمون لما رأوا كثرة المشركين وعدتهم وبأسهم وضعف المسلمين وقلتهم قالوا: يا رسول الله قد تخلف عنك خلق من المسلمين بالمدينة لم يخرجوا لأنهم لم يظنوا أنك تلقى عدوا تقاتلهم وإنما ظنوا أنك تلقى عير قريش، ولسنا نأمن جولة العدو، فإن رأيت يا رسول الله أن نبني لك عريشا تكون فيه، فأجابهم إلى ذلك، وقال: اتخذوا لي عريشا تسعني وصاحبي، وأخذ بيد أبي بكر الصديق فأدخله معه العريش، وجعل رسول الله ﷺ يدعو ربه، وطالت مناجاته ربه: ربّ ما وعدتني، ربّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض، فاحتضنه أبو بكر من ورائه وقال: بأبي أنت وأمي مناشدتك ربك، فوالذي بعثك بالحق لينجزنّ الله لك ما وعدك. وجعل رسول الله يخبر أبا بكر بما يأتيه به جبريل والملائكة، ويقول له: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله وعونه، هذا جبريل معتمرا بعمامة آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناة النفع، وهذه الملائكة قد سومت.

فأمر الملائكة عليهم السلام وحضورهم يوم بدر وقتال من قاتل منهم من الأمور المشهورة. وقد قدمنا قبل هذه الأخبار دلالة العقل على ذلك، وقوله عز وجل: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا} فقلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرؤوا عليهم ولئلا يهابوهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين، ثم ملأ قلوبهم رعبا منهم ليكون ذلك آية للفريقين. وقد كان المشركون من قريش خرجوا من مكة على خيولهم مستظهرين ووعيدهم أن يغلبون كل من يلقونه ولا غالب لهم من الناس، فلما نجت عيرهم ذات الأموال، قال عتبة بن أبي ربيعة: ننصرف فقد نجت عيرنا من محمد وأصحابه، فقال أبو جهل: لا ننصرف ونقيم ونجزر الجزور ونأكل ونطعم الناس ونأخذ محمدا وأصحابه فإنهم في ضعف وقلة، فلما التقى الجمعان ورأوا قلة المسلمين وضعفهم رهبوهم وزال ما كانوا يظنون. وقد ذكر الله للمسلمين أمرهم فقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ} إلى آخر القصة ولعظم الآيات ببدر ما أذكر الله بها في كل موضع، فقال عز وجل في سورة آل عمران: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} معطوف على قوله: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أي ليس لك ولا لغيرك شيء من هذا النصر، وإنما هو من الله وحده في إنزال الملائكة وفيما ألقى من الرعب وفيما غشي من النعاس وفيما بلّغ من الرمي وغير ذلك. وكان المشركون مغيظين وحنقين ومحفظين يتمنون أن يبرز إليهم رسول الله ﷺ وأصحابه، لا يشكون في أنهم إذا وقعت عيونهم عليهم اصطلموهم واستأصلوا الإسلام وشفوا غيظهم من رسول الله ﷺ. فجاءهم ما لم يحتسبوا.

حول موقف اليهود والنصارى وعبد الله بن أبي سلول

وباب آخر

من آياته وهو أنه ﷺ لما نزل بالمدينة ودعا إلى ربه وبها وحولها من اليهود وخلق كثير، فدعاهم ووعظهم وبين لهم، فرجع الرؤساء والأتباع وتواصوا بالانحراف عنه وبالصدّ وبالقصد له، وكان عددهم كثيرا وشوكتهم شديدة، فمشوا في الأوس والخزرج في الصدّ عنه، ومالوا إلى عبد الله بن أبي سلول، وكان الأوس والخزرج على أن يملكوه عليهم إلى أن جاء الإسلام فانتقض ما عزموا عليه. وكانت اليهود تدّعي أنها على بصيرة من أمرها، وأن الجنة لها، وأن نعيم الجنة خالص لها، فأخبر الله نبيّه أنهم ليسوا من أمرهم على يقين كما يدعون، وأن رهبتهم لكم شديدة، وأنك إن دعوتهم إلى تمني الموت لا يتمنونه، فقال: {قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ}. ثم قال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ} إلى آخر القصة. ثم أعاد هذا التقريع والتوبيخ في سورة أخرى وفي زمان آخر فقال: {قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ}. ثم قال: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}. فما تمنوه أبدا مع هذا الاقتضاء والمطالبة التي تغيظ وتغضب، ومع شدة عداوتهم لرسول الله ﷺ وحرصهم على تكذيبه وفضيحته وزلة تكون منه، وقد بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم وأولادهم وحاربوه وأعانوا عدوه عليه، وتكلفوا كل شدة وكل مشقة في ذلك وما أقدموا على تمني الموت مع سهولته وقربه، وهو أن يقولوا: ليتنا متنا.

وهذه الآيات العظام والأعلام الكبار الهائلة الواضحة المكشوفة الباهرة القاهرة التي ما فكر فيها عاقل إلا ملأت قلبه علما بنبوته ﷺ وصدقه وبهرت عقله، فإنك ما تدري أمن إقدامه ﷺ على الإخبار عنهم بأنهم لا يتمنون ذلك مع خفته وسهولته ومع علمه بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته تعجب، أم من إحجامهم عن ذلك مع شدة حاجتهم إليه. ولم يقل هذا من عندي ولا من مولى بل هذا من قول الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم والعالم بسركم وجهركم، فجعله كتابا يقرأ وقرآنا يتلى ليكون أشد وأغيظ وأبلغ في الحجة وأظهر في التنبيه، ولتعلم أنه ما قال هذا لهم إلا وهو عالم أنهم لا يتمنونه. وهو أعجب من قوله للعرب إنكم لا تأتون بمثل هذا القرآن. وهذا مقام لا يقومه مثله مع عقله وعظم دعاويه إلا مع اليقين، لتعلم ثقته بربه جل وعز وسكونه إلى ما يوحي إليه.

وقد تحيرت الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ وتاهت عقولهم عند هذه الآيات، فهم يلعنون العرب لم لم يأتوا بمثل هذا القرآن، وكون اليهود لم لم يتمنوا الموت فيكذبونه فيستريحون ونستريح. وهذا يقوله مثل الحدّاد وصاحبه أبي عيسى قبحهم الله.

فمرة يقولون: كانوا جهالا بلها، فقيل لهم ما قد تقدم ذكره من أن من رمى أعداء رسول الله ﷺ من قريش واليهود والنصارى بالجهل والغباء فهو كمن رماه ﷺ بذلك. ومرة يقولون: قد كانوا عقلاء وفطناء ولم يكونوا أهل جدل ونظر فيعرفوا مثل هذا، قلنا: لو كانوا مثلكم في النظر والجدل لعميت قلوبهم كما عميت قلوبكم. وبعد فما حاجتهم إلى جدلكم ونظركم ليعرفوا ما دعاهم إليه ﷺ وهم بهذا أعلم الناس، وهو شيء يعرفه الرجال والنساء والصبيان من كل أمة، فإن من استعالى على خصمه بأنه لا يأتي بمثل ما أتى من كتابة أو سباحة أو فصاحة أو خطابة أو شعر فإنه قد عرف الوجه في ذلك، فإن الصبي يقول لقريبه: أنت لا تحسن تكتب كما أكتب ولا تحسب كما أحسب ولا تطفر هذا الجدول كما أطفر، فإن خصمه يدري ما أراده منه وبأي شيء قد طالبه وما الوجه في مغالبته وإكذابه، وكذا تمني الموت قد عرفته اليهود وعرفوا كل أحد منهم ما أراده ﷺ.

فذكر ابن الراوندي أن الوراق كان يقول: إنما لم يتمنوا الموت لأن اليهود والنصارى كانوا يؤمنون بموسى وغيره ممن كان يدعي النبوة، وقد أخبر هؤلاء في كتبهم بنبوة محمد ﷺ فلم يقدموا على التمني لهذا. فقيل له: فهذا يدل على نبوة أولئك ونبوة محمد جميعا فقد لزمكم القول بكتبهم أجمعين، وأنتم تنكرون ذلك كله. قال: إنما إخبار هؤلاء عن مجيء محمد ﷺ كما يخبر المنجم عن ما يكون، فيقولون ذلك. قيل له: ومتى كان مثل هذا في أخبار المنجمين أن يخبروا عن مثل مجيء محمد ﷺ، وفي أي زمان يجيء، وبأي شيء يجييء، ومن أي بلد يجيء، ومن أي جيل هو، وابن من هو، على التفصيل الذي جاء به، مثل هذا لا يكون في أخبار حذاق المنجمين ولا ما يقاربه ولا ما يدانيه، وإنما يتفق لهم الإصابة في شيء مجمل قليل يسير بعد أن يكذبوا ويخطئوا في ألف شيء، فيتفق ما يتفق لهم من ذلك بطريق التجارب والزجر، كما يتفق للصبيان من الإصابة في إخراج الزوج والفرد وفي اللعب بالخاتم، بل ما يتفق للصبيان في الإصابة أكثر وأسرع وأحسن وأبدع، وكذا ما يتفق للقوابل في أن الحمل ذكرا أو أنثى، وكذا ما يتفق لمن يزجر الطير ويضرب بالحصا. وكذا ما يتفق للمتفائلين بالثعلب والمتطيرين بالبوم ولمن يزجر الطير. فكذب المنجمين وخطئهم أكثر من كل كبير، وهو شيء لا يستنكر. وهم يعترفون بهذا فيقولون: لا تعجبوا من خطئنا ولكن اعجبوا من صوابنا، وإنما صوابهم كمجنون نطق بحكمة، أو صبي أتى بنادرة، فإن الناس يحفظون ذلك ويعجبون به لأنه أتى من غير معونة، ولا يحفظون ما يكون من المجانين والصبيان من الجهل والكذب. فكذا ما يكون من المنجم، يخطئ في ألف شيء ويكذب في ألف شيء فلا يحفظ عليه لأن ذلك غير منكر منه، فإذا اتفق له الصواب في شيء واحد تعجبوا وحفظ لقلته من مثله ولأنه أتى من غير معدنه. وعلى أن الناس يكذبون المنجمين ويدّعون لهم ما ليس لهم ولا في صنعتهم ويضايقون الأنبياء ويتعنتوهم، وقد تقدم قبل هذا شيء على المنجمين فارجع إليه.

ثم قال هؤلاء الزنادقة: إنما لم يتمنوا الموت لأنهم لو تمنوه بألسنتهم لقال إنما عنيت أمنية القلوب، فإن قالوا له: قد تمنينا بقلوبنا، قال لهم: قد أخبرني جبريل أنكم لم تفعلوا ذلك.

قيل لهم: قد حصلوا لنا [أنهم] غير متمنين بألسنتهم وانتقضت العادة وقامت الحجة وظهرت البينة، وحصلتم تعللون ما لم يكن وما لم يقع، وقد كنتم نسبتم اليهود في تركهم التمني إلى البله، والآن فقد نسبتموهم إلى التمييز والتحصيل وإلى غاية الذكاء والفطنة، ومن هذه مرتبته كانوا يقولون له: أنت قلت لنا لن نتمنى ذلك أبدا وها قد تمنيناه، وهذا إكذاب لخبرك ظاهر بين. فرجوعك إلى ما في القلوب هو الانقطاع على أنك قد نفيت التمني منا نفيا عاما لما كان منه باللسان وما كان منه بالقلب، فإذا تمنيناه باللسان فقد أكذبناك وقد أفضحناك وقامت حجتنا عليك، وقولك بعد هذا إن جبريل أخبرك أنا ما تمنيناه بقلوبنا قدح منك لأنا نحن نقول لك: إن جبريل ما أتاك ولا يأتيك، فكيف يكون دعواك حجة علينا. فتعلم بهذا بطلان كيد الخصوم في توكلهم لليهود بعد أربع مائة سنة، وبعد فكيف لم يقولوا له: أي الأمنيتين أخبرت أنا لا نفعلها ليبينوا للناس أنه لا حجة عليهم فيما أخبر به عنهم في أنهم لا يتمنون الموت مع حرصهم على تكذيبه وإبطال حجته.

محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة وإخباره تعالى بذلك

وباب آخر

من آياته ﷺ، أنه مضى ومعه أبو بكر وعمر إلى اليهود في بعض الشأن، فلما جلسوا أرسل اليهود من يلقي عليهم صخرة لتقتلهم، فلما صعد رسول اليهود لذلك أنذره الله عز وجل فنهض من ساعته وقال لأبي بكر وعمر: قوما فإن هؤلاء قد أرسلوا من يلقي علينا ما يقتلنا. فخجل اليهود لذلك.

وفي ذلك يقول الله ممتنا عليهم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وهي قصة معروفة، فلهذا جاز الامتنان بها. ولا يجوز أن يمتن ويقول مثل هذا إلا لما هو مشهور معروف عندهم سمعه الوليّ والعدو.

توعد اليهود والنصارى في وقت كثر فيه ممالئوهم

وباب آخر

من آياته ﷺ، وهو أن قوما من المنافقين وممن في قلوبهم مرض وضعف يقين وقلة بصيرة كانوا يمالئون اليهود ويتوددون إليهم، فيقال لهم: لا تفعلوا هذا، فيقولون: الصواب لنا ولكل عاقل أن يفعل ذلك، فإنا لا نأمن أن يكون لليهود دولة فيصيبنا منهم دائرة، وهم كثرة ولهم نجدة وبأس وشدة، فأنزل الله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليهود وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي من تولاهم فإنه منهم في الكفر لا من المؤمنين، إن الله لا يهدي القوم الظالمين أي لا ينجيهم من العذاب ولا يوصلهم إلى الثواب. ثم قال على نسق الكلام: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ} ثم قال: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} والفتح هو نصر رسول الله ﷺ عليهم وغلبته لهم، فوعده بذلك ثم أنجز له ووفى له، وعسى من الله وأحبه. فواقع رسول الله ﷺ اليهود وقائع كثيرة فنصره الله عليهم، وندم أولئك المنافقون في إسراعهم فيهم كما قال وكما أخبر. وقال المؤمنون حين رأوا غمّ المنافقين بما نزل باليهود وبما آتاه الله من نصر نبيّه ﷺ: {أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}.

وفي هذا آيات عظيمة وإخبار بغيوب كثيرة أخبر بها قبل أن تكون على وجه يغيظ ويغضب ويبعث العدو على استفراغ وسعه وبذل مجهوده في تكذيبه وفي إعمال حيله في أن لا يتم ما قال وما أخبر، خلافا لتدبير عقلاء البشر، فإنهم لا يظهارون لعدوهم وجوه مكايدهم لئلا يسبقوهم إليها ولئلا يتحرروا منها، لتعلم أن هذا تدبير الله الغالب لكل شيء، الذي لا يغلبه شيء، وأن هذا القرآن كلامه وقوله لا كلام أحد من البشر. وكان ميل أولئك إلى اليهود فأنزل الله هذا في اليهود وفي النصارى، ونصر المسلمين عليهم أجمعين، وكانت وقائع المسلمين مع النصارى أكثر، وكان بأس النصارى أشد وعددهم أكثر، ومدة محاربتهم أطول، فكانت العقبى للمسلمين.

إخباره تعالى عن المرتدين وأنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في سبيله

وباب آخر

من آياته ﷺ ودلائل نبوته، وهو قوله عز وجل: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}.

فأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه أتى الله بمن يغلبه ويقهره، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدّت القبائل الكبيرة من العرب عامة وخاصة على وجوه من الردة كما قد تقدم شرح ذلك، فشمر أبو بكر الصديق لحربهم، وأرسل المهاجرين والأنصار على قتالهم، وقاموا على ساق، فقهروهم وأذلوهم وغلبوهم وظهرت كلمة الإسلام فكان العز للمسلمين، وهذا من الآيات العظام. فانظر كيف قال عز وجل لهم بالمواجهة: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} ولم يقل: من يرتد عن دينه، فكانت عدة تحتمل التسويف بل قال: {مِنْكُمْ} وفي هذا غيوب كثيرة، فإن القبائل التي ارتدت تلك الأنواع من الردة كانت كثيرة ولها بأس وشدة كما قد تقدم ذكر ذلك، وفي هذا أيضا تأييد لإمامة أبي بكر الصديق وأنها حق وهدى وصواب ورشاد ودين لله، وقد وصفه الله ومن معه بأنهم يحبون الله وأن الله يحبهم، وأنهم يخضعون ويذلون للمؤمنين وأنهم يستعلون ويشتدون على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون أحدا ولا يراقبون أحدا ولا يهابون في الله مخلوقا، وأن هذا فضل من الله ساقه إليهم وخصهم به، وهذه صفات أعلى المؤمنين درجة عند الله، فلو لم يقف من غلط من اتهمهم ورماهم بالريب إلا من هذا الوجه لكفى وأغنى وزاد على الكفاية. ولو كان أبو بكر رضي الله عنه وأصحابه ارتدّوا وكفروا كما زعم هؤلاء وادعوا لأتى الله بمن يقهرهم ويغلبهم، وإلا كان خبر الله قد كذب وأخلف، وحاشا لأخبار الله أن تكون كذلك.

وعند هؤلاء الزنادقة أن هؤلاء الصحابة قد ارتدوا، وأنهم أعداء الله وأعداء رسوله، وأن أمير المؤمنين ونفرا كانوا معه على الإسلام مغلوبين مقهورين مقصودين بالإذلال والمكروه، وأن أبا بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار كانوا يعزون المشركين وأعداء الدين والمرتدين والمبدلين والمغيرين ويذلون المؤمنين. وهذا ضد التنزيل وتكذيب لقول الله فيهم كما قد شرحه الله وبينه في الآية وأظهره من ضمائر هؤلاء ونياتهم. وعلى ما يقوله الخصم كان ينبغي أن يكون التنزيل: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يبغضهم ويبغضونه يجاهدون في سبيل الشيطان" فهذه صفاتهم عند هؤلاء الخصوم، نعوذ بالله من العمى.

والذي عند العلماء أن عليا رضي الله عنه كان في أيام هؤلاء أعز المؤمنين وأجلهم وأعلاهم، نافذ الأمر مسموع الغلب، مثلهم في سلطانه، وبه قام سلطان أبي بكر وبأمثاله من المؤمنين، وقد تولى لأبي بكر أتعاب المدينة، وتولى له أموال رسول الله، وسار معه إلى الربذة وإلى ذي القصة، وغزا معه، وأشار عليه بتلك الآراء، وردّه إلى المدينة، وأطاعه حياته وبعد موته، ونفذ وصيته في عمر. وكان رضي الله عنه يضرب المثل لأصحابه، وأنه كان في سلطان أبي بكر وعمر أنفذ قولا، وأن أولئك كانوا أعرف بحقي منكم، وأني لو كنت الخليفة في زمانهم لكانت طاعتهم إلي أحسن، وكان يقول لعدوه مثل ذلك، ولقد كتب إلى معاوية يتمنى أولئك الذين مضوا من المهاجرين والأنصار فقال:

لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا ** أو حمزة الليث الهمام الأزهرا

أو أن لي صدّيقها أو عمرا ** أو من أولاك السابقين معشرا

رأت قريش نجم ليلي ظهرا

والخصم في زمانك هذا يقول: ما أسلموا قط ولا لهم إسلام، وأنهم ما زالوا أعداء المسلمين. والذي يعرف أهل العلم والتحصيل أنهم كانوا خاصة رسول الله ﷺ وبطانته وأمناءه وثقاته على نفسه وأهله ودينه؛ وأنه كان يحبهم ويودهم ويجلهم ويعزهم ويواليهم. وأنه قد فرض محبتهم وموالاتهم وأوجبها على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. والعلم بهذا قبل العلم بنبوته، وهو كالعلم بأن عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمثالهم، كانوا أعداء رسول الله ﷺ، وأنه قد فرض بغضهم والبراءة منهم إلى يوم القيامة. فما يحتاج في هذا إلى تلاوة آية ولا إلى رواية خبر، وإن كان القرآن مملؤا بذلك، والحديث مستفيضا به. فإن فعلت ذلك فمن طريق الزيادة في الحجة والمظاهرة بالبينة. ولحكاية تلك الألفاظ عمل الناس الكتب في تفضيل القرآن وإن كانوا يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يفضله ويجله، وكما عملوا الكتب في تفضيل شهر رمضان وإن كانوا يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يفضله، وكما عملوا الكتب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الجهاد في سبيل الله، وكما عملوا الكتب على المبتدعين من أهل القبلة بأن القديم الأزلي هو الله وحده، وأنه لم يزل موجودا حيا عالما قادرا غنيا ولا يزال كذلك، وأن جميع ما خلقه وفعله وقضاه وقدره وشاءه وأراده وصنعه ودبره ورضيه وأحبه وأمر به ودعا إليه فكله حق وصواب وعدل وحسن من جميع وجوهه، أين كان وفيمن كان، وأنه يجب على العباد قبوله والصبر عليه والرضى به والتسليم له سواء كان شدة أم رخاء، وأن الكفر بالله وشتم أنبياء الله وتكذيب رسل الله وجميع المعاصي قبيحة، فتلوا في ذلك آيات القرآن وذكروا ألفاظ النبيّ ﷺ لما ذكرنا. فاعرف هذا، فالعلم بأن رسول الله ﷺ مدح أبا بكر وعمر وتلك الجماعة من السابقين أقوى من العلم بأنه مدح أحدا وأثنى عليه، أو أنكر أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وتلك الجماعة مدحوا رسول الله ﷺ وأعظموه أو صلوا خلفه. وإنما ذكرنا هذا للحاجة إليه ولأن الناس قد أكثروا فيه في هذا الزمان فما يستغلون الآية.

حول غزوة أحد

وباب آخر

من آياته ﷺ، وهو أن قريشا والعرب تجمعوا وأعدوا الخيل والرجال والسلاح وقالوا: نسير إلى محمد فنقتله ونقتل أصحابه ونأخذ بثأرنا يوم بدر. فساروا في ثلاثة آلاف، وقال رسول الله ﷺ ندعهم حتى يردوا المدينة؛ فقال قوم من الأنصار قد أصابوا زروعنا فنخرج إليهم فنلقاهم وراء المدينة، فصار رسول الله ﷺ إلى رأيهم وسار. ثم فكروا وقالوا: نأخذ بما أشار به رسول الله ﷺ ونقاتلهم في المدينة، فقال رسول الله ﷺ: ما كان لي أن ألبس لامتي فأرجع حتى ألقى العدو. فخرج في سبعمائة وفيهم عبد الله بن أبي سلول وأمثاله ممن في قلبه مرض، فقال رسول الله ﷺ: ستكون فيكم مصيبة، وذاك أن النبي ﷺ رأى في المنام أن بقرا تنحر فتأوله قتلا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار قد انفصم فكان قتل عمه حمزة رضي الله عنه، ورأى أن كبشا أعين قتل فتأوله كبش الكتيبة، فكان عثمان بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين. فلما صاروا بأحد التقوا مع المشركين عبّأ رسول الله ﷺ أصحابه قال لهم: إنكم ستهزمونهم، وأقام الرماة من أصحابه في موضع خاف أن يدخل المشركون منه فيصيروا خلف العسكر، وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى بلغنا بهم بموضع بعيد فلا تبرحوا أنتم، فانهزم المشركون كما قال رسول الله ﷺ ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم، ونظر الرماة إلى الهزيمة فتركوا مراكزهم واتبعوا العدو واشتغلوا بالغنائم وثبت أميرهم مع طائفة وقال: والله لا أعصي رسول الله ﷺ، فلما زال الرماة عن مكانهم دخل المشركون وصاروا من ورائهم ونادى مناديهم بصوت عال: قتل محمد وقتل ابن أبي قحافة وقتل ابن الخطاب. وانصرف عبد الله بن أبي سلول بمن معه، وانهزم المسلمون، وبقي رسول الله ﷺ مع نفر يسير، فما برح وما برحوا مع قلتهم وكثرة المشركين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ونفر من الأنصار؛ وأقبل أبو سفيان بأصحابه نحو الجبل الذي فيه رسول الله ﷺ والنفر الذين معه فصرفهم الله فلم يقدموا عليهم، فنادى أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب، فما أجابه أحد فقال: قتل هؤلاء، فقال عمر: يا رسول الله ألا أجيبه، فقال: أجبه، فقال أبو سفيان: اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: الأيام دول، والحرب سجال، وأحد ببدر، وحنظلة بحنظلة، يعني ابنه حنظلة. فقال له عمر: ولا سواء، قتلانا في الجنة يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون، فقال أبو سفيان: يا ابن الخطاب أسألك عن شيء فأخبرني، فقال: قل، فقال: أما أنت فحيّ، سألتك بالله أمحمد حيّ وابن أبي قحافة حيّ، قال: نعم، ورسول الله يسمع كلامك ولك منه ما تكره، فقال: أنت أصدق، فإن ابن قمئة أخبرني أنه قتل. فقال النبي ﷺ: اللهم أقمه في الدنيا قبل الآخرة، فاعتقل عنزا ليحلبها فنطحته فمات.

وفي هذه الوقعة يقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم {حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ} إلى آخر القصة.

فتعلم أنه لا يسوغ ولا يجوز أن يقول رئيس قوم لهم: قد كنت وعدتكم أن تقتلوهم وقد صدقتكم فيما وعدتكم وأريتكم ما تحبون ثم عصيتم أمري وخالفتم وصيتي وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في جميع ذلك، فكيف بمن يدّعي النبوة والصدق في جميع ما يقوله ويخبر به.

وقوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} إلى قوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} يعني أولئك الذين أخلوا المراكز واشتغلوا بالغنيمة {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ثمّ أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم}.

وهذه أيضا من الآيات بأحد، فإن النعاس غشيهم كما غشيهم ببدر في الموضع الذي يطير فيه النعاس؛ والذي يدلّك على كونه امتنان الله عليهم به ولا يجوز أن يمتن عليهم بذلك والعدو والوليّ يسمع هذا الامتنان، وهو أمر لا أصل له وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم في ذلك. إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}، وقال لنبيّه عليه السلام: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} فأمره بالاستغفار لهم وأن يعود لهم إلى حالهم في مشاورتهم، فإن المشورة فيما لم ينزل به قرآن مستحبة حسنة. والذين أشاروا من الأنصار على رسول الله ﷺ بأن تكون الحرب خارج المدينة كان لهم أن يشيروا بذلك، وكان لرسول الله ﷺ أن يأخذ برأيهم. ولقد اجتهد أعداء عثمان في أن يجدوا له عيبا فما قدروا عليه مع طول المخاطبة، فقال له قائل منهم: أنت ممن تولى يوم أحد، فقال له عثمان: فلم تعيرني بذنب قد غفره الله، أما سمعت قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ} إلى آخر الآية.

وفكر في معنى قوله عز وجل: {أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي بذنبكم وتقصيركم وترككم الموضع الذي قال لكم نبيكم ﷺ: "سنهزمهم فلا تتركوا مركزكم ولا تمسوا غنائمهم حتى تفرغوا". وقد كانوا يوم بدر قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلهذا قال لهم: {قد أصبتم مثليها} لأن القتلى من المسلمين كانوا يوم أحد سبعين فلهذا قال لهم: {قد أصبتم مثليها} لأن القتلى من المسلمين كما ذكرنا. فتأمل ما تقرأ وأطل الفكر فيه تقف على المراد به، فإن الذكر للقصة بأحد من قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} إلى قوله: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}. فتأمل طول هذه المراجعة والمواقفة للمؤمنين على الوفاء بما ضمنه لهم، وعلى الصدق فيما أخبرهم وفيما كان من تقصيرهم، فكم فيه من آيات ودلالات. وانظر إلى هذا الادلال بالحق والاستطالة على العدوّ والولي بالحجة حتى ما يستطيع العدو المكاشف أن يدفع شيئا من ذلك.

وانظر إلى المواقفة والمناظرة التي كانت بين عمر وبين أبي سفيان، هل قدر أبو سفيان وأصحابه وهم يناظرون المسلمين من عسكرهم أن يقولوا إن محمدا كذبنا في كذا وأخلف في كذا، وكيف تطيعونه وتفارقون أديانكم وبلدانكم وتقتلون أنفسكم لرجل هذه سبيله وما أشبه ذلك، وهذا موضع حاجتهم إلى ما هذه سبيله.

وانظر إلى أهل الردة على طبقاتهم، فقد كانوا أشد الناس عداوة لأبي بكر وقد نال منهم كل منال وقتلهم كل قتلة، فما استطاع أحد منهم أن يقول له: وأنت فقد بدلت دين محمد ونقضت عهوده فكيف أنكرت علينا ما صنعنا، ولم تقتلنا لأنا منعنا الزكاة، وهذا موضع حاجتهم إليه وحجتهم عليه، ولتعلم أنه لم يكن فيه مغمز كما لم يكن في رسول الله ﷺ.

ولما رجع المشركون من أحد وصاروا بالروحاء، أقبل بعضهم على بعض يتلاومون وأنهم صاروا في عسكر عظيم وهم لا يشكون في أنهم يقتلون رسول الله ﷺ ويستأصلون الإسلام، فخاب أملهم واختلفت أقوالهم وقالوا: لا محمدا قتلتم ولا كواعب أردفتم فبئس ما صنعتم.

وقد كان أبو سفيان نادى أصحاب رسول الله ﷺ قبل انصرافه من أحد: ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى نلتقي بها، فقال النبي ﷺ لمن كان يجيبه من الصحابة: قل نعم إن شاء الله، فلما حضر الوقت تعذر على أبي سفيان الخروج للوعد أو كرهه، فأتى نعيم بن مسعود فقال له: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وقد بدا لي أن لا أفعل، وأكره أن يخرج محمدا وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إليّ، فلك عشرة من الإبل إن حبستهم عني. فقدم نعيم على أصحاب رسول الله ﷺ وهم مجهزون فجعل يثبطهم ويخوفهم ويذكر أن أبا سفيان قد جمع لهم الجمع الكبير، وأنهم إن خرجوا لم يفلت منهم أحد. وجعل يريهم النصح لهم والإشفاق عليهم، فما قبلوا وبادروا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وخرجوا وتخلف أبو سفيان عن الوعد وفيهم نزلت: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} الآية.

فتأمل خيبة المشركين وخلف أقوالهم وحيرتهم مع كثرتهم، وصدق جميع ما وعدهم رسول الله ﷺ، وجرأة المسلمين مع قلتهم وفقرهم وشدة الأمر عليهم.

دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له

وباب آخر

من أعلامه ﷺ، وهو أن نصارى نجران وغيرهم من النصارى دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك، فكذبهم في قولهم بأنهم قالوا: لله ولد، وعظّموا الصليب، وأكلوا الخنزير. فقال شيخ منهم كبير فيهم: من أبو عيسى؟ فسكت النبي ﷺ وكان لا يعجل حتى يأمره الله، فأنزل الله عز وجل {ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إلى قوله: {إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فقرأ رسول الله ﷺ عليهم ذلك، ثم دعاهم إلى المباهلة وأخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة رضوان الله عليهم. فقال واحد منهم لمن معه من النصارى: أنصفَ الرجل، وتشاوروا وقال قائل منهم: إنه لصادق ولئن باهلتموه لتحرقن. فقالوا له: لا نبارزك، وكرهوا الإسلام، وأقروا بالجزية، وسألوه أن يقبلها منهم فأجابهم إلى ذلك، وقال ﷺ: "والذي نفسي بيده لو باهلونا لأضرم الله عليهم الوادي نارا"، فرضوا بالجزية وانصرفوا بالخزي.

فانظر إلى هذا الاحتجاج في أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، احتجاج غير متكلف ولا متعمل ولا مخالط للمتكلمين، ولا هو في بلد الجدل صنعتهم. فأشار لك بهذه الإشارة التي هي من جوامع العلم ومفاتيح الحكمة كما قال ﷺ: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا" فإن خلق آدم من أكبر الحجج على النصارى، وخلقه أبدع، لأنه خلق من غير ذكر ومن [غير] أنثى وأكمل الله له قوته وأداته وعقله وتميزه ضربة واحدة، وتولى الله عز وجل مناجاته وتأدبه وتعليمه بنفسه دون كل أحد من خلقه. وعلى كل حال فالمسيح قد تقلب في الحشا كالأطفال، وخرج من الفرج وكانت أمه تحتاج إلى آية في أنه مولود من غير ذكر، وقد خلق الله حواء من آدم، وقد خلق الملائكة من غير تناسل، ولا أكلوا ولا شربوا ولا بالوا ولا تغوطوا، وليس كذلك المسيح، فإن سبيله في ذلك سبيل سائر الناس.

وقد تقدم لك ذكر أجناس الحيوان التي خلقها الله من غير ذكر ومن غير أنثى وبغير تناسل في كتابك المعروف بالمصباح. وخلق الدودة والذبابة في الحجة كخلق الفيل، فإن المخلوقين لا يتأتى منهم إنشاء علامة ظفر ولا إحياء دودة، بل إحياء الدودة أبدع من إحياء الفيل، كما أن نظم الخردل أبدع من نظم الحنظل.

هذا وقد قدم دلالة العقل في سورة يونس فقال عز وجل: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ}، في أن الولد لا يتخذه الحكيم إلا للعز والرفد وبقاء للذكر، فإذا كانت الحاجات منتفية عن الله عز وجل علمنا أن اتخاذ الولد لا يجوز منه. وقد تبين أيضا من طريق العقل أنه لا كفء له ولا إله معه، فقال عز وجل: {لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا} فليس مع التضادّ نظام ولا مع الشركة استقامة.

ولما قالوا له ﷺ: كفرت أهل الكتب من النصارى ومشركي العرب، بأيّتما آية يا محمد جعلت الإله واحدا؟ فأنزل الله عز وجل: {وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ} فقدم الدعوى، ثم اتبعه بأدلة العقل فقال عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فتبين أنه لو كان هاهنا آلهة أخر لقدّم ما أخره هذا وأخر ما قدمه، وسوّد ما بيضه وبيض ما سوده، وإن كان جميع ذلك حكمة، لأنه ليس بمحال أن تنبت اللحى للنساء وأن يكون ابتداء نبات اللحى أبيض كالضلع أو أخضر كالحصرم، أو أصفر كالزعفران، وأن تلد النساء كأولاد الأنعام وأن تلد الأنعام كأولاد النساء، وأن يكون ماء البحر عذبا فراتا وأن يكون ماء دجلة ملحا أجاجا، وأن يولد المولود كامل العقل والقوى والأدوات كاسيا كيسا كالفروج، عالما بالصنائع من غير تعلم ولا تمرين كفرخ الأوز وعلمه بالسباحة حين يخرج من بيضته، وكعلم دود القز والعنكبوت بالنسج والنحل ببناء البيوت؛ كل هذا ممكن، فلما جاء ذلك على طريق واحدة فلا ينتقض بما نبهت عليه، علمت وتيقنت أنه لا إله إلا هو، وأنه المعتز بالقدم فلا قديم إلا هو، وأن كل موجود ليس هو الله فكائن بعد أن لم يكن.

فإن قيل: فما ينكر أن يكون هناك آلهة جماعة إلا أنها قد وكلت التدبير إلى واحد منها فجرى تدبيره على طريقة واحدة.

قيل له: هذا خلاف ما يعقل وخلاف ما أخرجت العبرة في أن الجماعة لا يتفقون في المشيئة والإرادة والتقدير والتدبير أبدا على طريقة واحدة. ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى في الإنسان الواحد أنه جملة أحياء قادرين عالمين مدبرين غير أنهم قد اتفقوا في الإرادة فلا يختلفون، وهذا خروج من العقل ومما شهدت به العبرة.

وقد بين أيضا بحجة العقل أن الإله لا يكون محتاجا، فقال عز وجل: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} فقال: أنتم ترون حاجته وفقره وضعفه وحاجة أمه وحاجته إلى أمه، فكيف يكون من هذه سبيله إلها؟ فإن كان عندكم إلها بكون الآيات ظهرت على يديه، فقد خلت من قبله رسل كانت لهم آيات ومعجزات عظيمة كثيرة، ثم قال: {أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فقد كان المسيح لا يدفع عن نفسه الحاجات والآفات فكيف يملك لكم. ثم قال: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ} يقول: أنتم معشر النصارى قد آمنتم بنبوة موسى والأنبياء قبل عيسى، وصدقتم كتبهم، وكلهم قد جاء بإخلاص التوحيد، وأنه إله واحد غني قديم لا إله إلا هو، لا يعرفون ما يقوله النصارى من الجوهر والأقانيم والاتحاد وما أشبه ذلك، وأن هذا نمط من ينكر خلق السموات والأرض والبعث والنشور وما جاءت به الأنبياء عليهم السلام، فكيف تكونون من أهل الكتاب وهذه سبيلكم؟ فينبغي أن يصدق قولكم فعلكم. فتأمل رحمك الله هذه الجملة، فإن الجوهر والأقانيم والاتحاد هو من قول أرسطوطاليس وأشباهه من القائلين بالقدم وتكذيب الرسل وبإنكار البعث، وهم قالوا إن الإنسان إذا عرف شيئا فقد اتحد به، وإن العقل والعاقل والمعقول يصير شيئا واحدا، وإن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ولهذا قالوا: هرمس المثلث، فهذه الجهالة والحماقة هي لهؤلاء وعنهم أخذتموها، وهم يسمون حكامهم ورؤساءهم آلهة لا الأنبياء وأهل الكتاب، فانظر إلى هذه من مقالة هؤلاء كيف أطلع الله عز وجل محمدا عليه. ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكان عجبا.

ويبلغ من جهل أرسطوطاليس وأمثاله أنهم يقولون: إن الشمس والقمر والكواكب حية عالمة سميعة بصيرة تخلق وترزق وتحيي وتميت، وهي عندهم آلهة يدعونها ويسألونها ويرغبون إليها في الرزق والعافية والحياة، ولكل كوكب منها عندهم هيكل ودعاء وبخور ودخنة، فقد كان الناس يعجبون من قولهم في الناس أنهم آلهة حتى صاروا يقولون ذلك في الجماد والموات، إذ لا فرق بين من ادعى ذلك في الشمس والقمر أو ادعى في البرق والغيم والريح والنار والياقوت والزجاج، أو ادعى في شعاع الشمس أنه سميع بصير خطيب شاعر.

على أن إخوانهم من المنانية قد ادّعوا في الغيم والمطر والريح والماء وفي جميع الأجسام أنها حية سميعة بصيرة حساسة دراكة. وإنما ذكرنا هذا وإن لم يكن كاملا في النبوة لتعلم أن أدلة التوحيد ونفي الشركة والشبيه مأخوذ من القرآن، مجتذب إلى ما في أدلة العقول من ذلك، ولتعلم أن الخير كله في القرآن ومن القرآن، ومنه صنفت كتب الكلام بما في العقل من ذلك، وقد تقدم لك في كتاب المصباح قطعة منه.

وقد طعن أبو عيسى الوراق وابن الراوندي في قصة المباهلة أنها مشاتمة وأن القوم رفعوا أنفسهم عنها، وقال: وقولكم إنه قال لهم: إن باهلتموني نزلت بكم النقمة، ليس هذا في الكتاب وإنما هو حديث من أحاديثكم.

قيل لهم: هم كانوا يلعنونه ويشتمونه ويبالغون في ذلك وفي شتم أصحابه ولعنهم ويطلبون نفسه بغير حجة، ويرحلون إلى الملوك ويستفرغون الوسع في ذلك، فمتى رفعوا أنفسهم عن هذا. ولكن لما لم يجد هؤلاء في آياته ﷺ مطعنا وقد بذلوا جهدهم عدلوا إلى المباهتة والمكابرة؛ وليست المباهلة كما ظنوا، وذلك لجهلهم باللغة كما جهلوا صنعة الكلام. فإن المباهلة في اللغة تجري مجرى المخاطرة والمبايعة والمراهنة التي يكون صاحبها يؤول أمره فيها إما إلى الظفر، وإما إلى الفضيحة والعطب. وهو لفظ مشتق من الباهل وهي الناقة المخلوع عنها صرارها وهو ما يصر به ضرعها، أي يشد، لئلا ترضع ولا تحلب، فإذا نزع عنها ذلك الصرار فهي باهل، أي متروكة، فمن أراد حلبها نال ذلك منها، وفي الخبر عن امرأة من العرب أنها قالت لزوجها: منحتك مأدومي، وأبثثتك مكتومي، وأتيتك باهلا غير ذات صرار.

فقد علمت ثقة رسول الله ﷺ بربه وسكونه إلى ما يوحى إليه، وإلا لم يكن ليقوم هذا المقام في أن الكاذب يعجل الله له خزيه وينزل به نقمته لأن هذا القول عليهم سهل، فكان لا يأمن أن يجيبوا إلى ذلك فلا ينزل بهم عقاب فتكون الفضيحة. وكان أيضا قد مكنهم من شتمه ولعنه في وجهه وبحضرة أصحابه، وهذا مقام لا يقومه عاقل، فتعلم بدلالة عقلك أنه قد توعدهم بأنهم إن باهلوه نزلت بهم النقمة وأنهم لا ينصرفون من ذلك المقام إلا وقد بان أمرهم لأن الملاعنة لا يعجز عنها أحد، ولو لم يكن إلا الملاعنة وحدها لأجاب إليها القوم ولكان فيها كل فائدة ورغبة، فتعلم بدلالة عقلك أنهم هربوا منها للبوار الذي توعدهم به. ومما يدلك من طريق عقلك أنه قد توعدهم في المباهلة بنزول العذاب امتناعهم منها وفرارهم. ويدلّ أيضا أنه لو لم يكن إلا الملاعنة لما كان لإحضار النبي ﷺ من يعينه من قراباته دون سائر الناس ذلك الموضع معنى، ألا ترى أن الذين حضروا ذلك الموضع ولده وولد ولده ومن يجري مجرى ذلك، فإن الصهر ولد ويعز فقده على العاقل، لا سيما وهو ابن عمه، فأحضر أمسّ الأرحام وأشدهم عليه فقدا، وقد قال لهم: {تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ} فإن لم يكن إلا اللفظ بالملاعنة فما وجه هذا القول وإحضار الولد. فمن تأمل ذلك شهد عقله بأنه عليه السلام قد توعدهم عند المباهلة بالاستئصال ونزول النقمة، وإن كان المتأمل لا يعرف لفظ الخبر كما يعلم إذا فكّر في قوله عز وجل: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ} أنه قد وعدهم بذلك قبل أن يكون، وأنه قد وفى لهم بما وعدهم وإن لم يعرف عين الخبر ولا لفظه، لأنه لا يسوغ أن يقول رئيس قوم لهم إني قد كنت وعدتكم بكذا وتمنيتم كذا وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في ذلك كله. ولهذا قالت العلماء في قول عمر على المنبر متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إن تحريم المتعة قد تقدم من رسول الله ﷺ فعرفه عمر والمهاجرون والأنصار، وإلا لم يكن عمر ليقوم هذا المقام على منبر رسول الله ﷺ ويحضره أصحابه والذين بهم عز وبهم صال واستطال، وهم أوفر ما كانوا، وبهم من المحافظة على دين رسول الله ﷺ ما قد عرفه أهل العلم، هذا مقام لا يقومه عاقل ولا يختاره ممتر. وبعد فهم أولئك القوم الذين صنعوا بعثمان ما صنعوا لأنه وصل سببا وآوى طريدا. فتعلم أن القول من رسول الله ﷺ في تحريم المتعة كان مؤكدا كما علمت الوعيد بالعذاب ونزوله في المباهلة.

وزعم ابن الراوندي أيضا أنه ما دعا النصارى إلى المباهلة واليهود إلى التمني على وجه الاحتجاج بذلك للنبوة، ولو كان إلى هذا قصد لبادروا إلى إجابته.

فقيل له: أما سمعته يقول: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا} فكيف تكون المحاجة إلا كذا لولا حيرتك وانقطاعك وفضيحتك.

قيل له أيضا: كيف لا يكون متحديا ومحتجا بذلك على اليهود والنصارى وغيرهم وقد كان يدّعي من أول أمره أنه لا يكذب فيما يأتيه عن الله عز وجل وأن الكذاب لا يكون نبيا، فإذا أخبرهم بأنهم لا يتمنون الموت فلو تمنوه لكان قد دل ذلك على كذبه وعلى خروجه من النبوة على حكمه بأن من كان نبيا لا يكذب، فأي تحدى واحتجاج يكون أقوى من هذا. وكذا الحال في قولهم في المباهلة.

فإن قيل: كيف يحتج عليهم بالنساء والصبيان؟ قيل له: لم يحتج عليهم بهؤلاء وإنما أحضرهم لأن مقدمهم يعزّ عليه وهم أقرب أرحامه إليه.

حول الآية {الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون}

وباب آخر

من أعلامه ﷺ، من ذلك قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}.

فخبر بإنفاقهم قبل أن ينفقوا، وبقتالهم قبل أن يقاتلوا، وبهزيمتهم قبل أن يهزموا، ثم كان ذلك كما قال وكما أخبر وكما فصل. وأورد ذلك موردا يغيظ ويغضب ويبعث على تكذيبه وعلى الممانعة من وقوع ما أخبر به، بخلاف تدبير البشر، فإن الحكماء يتواصون بكتمان ما يدبرونه ويعزمون عليه ويقولون: من فساد الأمر والتدبير إعلانه قبل الفراغ منه، ثم لا يرضى أن يجعل ذلك خبرا عن نفسه بل يجعله خبرا عن ربه.

إخباره عن اليهود

وباب آخر

من آياته وعجيب أعلامه، وهو إخباره عن اليهود فقال: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا}.

فخبر أن أقلّهم يؤمن ولو لم يكن على بينة من أمره وثقة عن خبر ربه عز وجل وما يوحيه إليه لم يكن ليقول هذا وهو لا يأمن أن يتبعه أكثرهم ويؤمنون ويدخلون في دينه. ثم قال: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} ولو لم يكن على يقين لم يقل: {وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} وهو لا يأمن أن أن يتجاوزوا الأذى إلى أخد المال أو إلى سبي الذرية وإلى قتل الأنفس، وأن يغلبوه إن قاتلوه ولا يولون الأدبار. فقاتلوه ﷺ يوم قينقاع فنزلوا على حكمه، وقاتلوه يوم بني النضير فأجلاهم عن بلادهم، وقاتلوه يوم بني قريظة فولوا الأدبار فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقاتلوه يوم خيبر فهزمهم وملكهم وأخذ عنوة خيبر بالسيف، فرضوا به أن يقرهم على أن يكونوا حرثة يعملون له في النخل.

فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل في هذه الأخبار، فإن مثلها لا يقع اتفاقا ولا من حذاق المنجمين ولا الكهنة، وانظر كيف أخبرهم بها قبل وقوعها، وأنذرهم بما يكون قبل أن يكون، وجعلهم على أهبة، بخلاف تدبير البشر. وقد كانوا جماعات كثيرة لهم خيول وسلاح وحصون، ويمتنعون ويقاتلون من ناوأهم وأرادهم وقصدهم، لتعلم أن هذا من أخبار علّام الغيوب، وهذا من الدلائل الواضحة والأعلام البينة النيرة، لأن السيف إذا لقي السيف دبّ الحياء، ولا يأمن من ليس على يقين مما يخبر به أن يقع الأمر بخلاف ما خبر. ولا يحمل أحد نفسه على هذا من غير يقين إلا الغاية في الحمق والجهل والنقص.

ما أرجف به المشركون بعد هزيمة المسلمين في أحد

وباب آخر

من آياته ﷺ، وهو أنه لما كانت وقعة بدر وصدقت أخباره وتحققت مواعيده، ماج أعداؤه من اليهود وغيرهم، وقال بعضهم لبعض: ما أخلف محمد في شيء أصحابه، وإنه لنبيّ، وستؤول الأمور إلى ما يقول، وسيظهر على الناس وتكون الدولة له. فلما كان يوم أحد وقتل من أصحابه من قتل اشتدت قلوبهم ورجعوا على إخوانهم الذين قالوا لهم ما قد تقدم، وقالوا لهم: أبشروا بما كان عليه يوم أحد، فأنزل الله عز وجل {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ} ثم أذكرهم بالآيات التي كانت يوم بدر فقال: {قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ} فغلبوهم وقهروا كما قال وإلى جهنم يحشرون كما أخبر. فصدق إخباره بالأول يشهد بالثاني. فتأمل هذه الأجوبة والأدلة المكشوفة الواضحة. وانظر كيف يذكر قصة بدر ويحتج عليهم بها ويجعل ذلك عن ربه لتعلم أنها قصة قد عرفها العدوّ والولي.

حول الآية {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}

وباب آخر

من آياته وهو قوله عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ}.

فإن مسجد بيت المقدس قد كان غلب عليه الروم الدهور الطويلة واستولوا عليه مع ملكهم بالشام وأقاموا فيه الشرك ومنعوا من ذكر التوحيد فيه، وغلبت قريش على المسجد الحرام وغيرهم من مشركي العرب، وقد كان أبو بكر الصديق بنى مسجدا بمكة بفناء داره قبل الهجرة فكان يتلو فيه القرآن ويدعو إلى الله وإلى رسوله، وقد كان أجاره رجل من سادات قريش على أن يفعل ذلك. فمشت قريش إلى الرجل الذي أجار أبا بكر، وهو معروف ولكن لم يحضرني اسمه في هذا الموضع، فذكروا له محل أبي بكر وحلمه وبيانه ولطفه، وأنه يمر به القيان والعبيد والنسوان فيسمعون دعاءه فلا يلبثون أن يجيبوه إلى دين محمد، فلا تجره. فقال لهم: إنه رجل يكسب المعدم ويصل الرحم ويقري الضعيف، فكرهت أن يخرج من بينكم ويهرب بدينه عنكم فتعدمون هذا الفضل. قالوا: فيلزم بيته ولا يعلن دينه. فمنعوه من ذكر الله في مسجده.

فبشر الله نبيه عليه السلام وأصحابه بالظهور على هذه المساجد، وملكهم لها ولمن فيها، وأنهم لا يدخلونها إلا أذلاء خائفين مقهورين، أو بأمان وعهد وإذن من رسول الله ﷺ أو من أصحابه. ثم أخبر بخزيهم في الدنيا وعقوبتهم من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. فنزل بهم ذلك الخزي بقتل من قاتل منهم وعليهم، والذل بأداء الجزية لمن رغب في الإقامة فيما غلب عليه الصحابة. فكان كل ذلك كما أخبر، وفي هذا غيوب كثيرة.

وقد كانت ممالك الروم وغيرهم قوية ممتنعة فوفى الله لنبيه بتصديق هذه المواعيد، وبفتح هذه الأمصار، وبنزول الخزي على مشركي العرب في الدنيا. وسينالهم في الدار الآخرة عذاب عظيم كما قال. وكما صدق في الأول صدق في الثاني، فنعوذ بالله من عذابه وسخطه.

قوله ﷺ لعثمان بن أبي طلحة العبدري بأن مفاتيح مكة ستكون له وحصول ذلك

وباب آخر

من هذا الجنس، أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قبل الهجرة جاء ليدخل الكعبة فدفعه عثمان بن أبي طلحة العبدري ومنعه من دخولها، فقال له النبي ﷺ: لا تفعل يا عثمان فكأنك بمفتاح الكعبة في يدي أضعه حيث شئت، فقال له عثمان: لقد ذلت قريش يومئذ وقلّت، فقال النبي ﷺ: بل كثرت وعزت.

واعتبر رحمك الله سيرته في المكاتبة والمراسلة فإنه فعل ذلك بجبابرة الأرض وملوك الدنيا من العرب والعجم في أقطار الدنيا، فدعاهم إلى رفض ما هم عليه، والدخول في طاعته، وامتثال أمره والخضوع له، وأخبرهم بذات نفسه وبما يدعو إليه، وأخبرهم بأن الله عز وجل اصطفاه وحده واختاره وحده ووعده بالظهور والغلبة لملوك الأرض وجبابرتها، وأن السعيد من بادر إلى طاعته من قبل أن تسبى أمواله وتستباح حريمه ويسفك دمه، فما ترك شيئا مما يغضبهم ويغيظهم ويبعثهم على قتله واستئصاله وبواره وبوار أصحابه إلا أتى به وفعله. وهذا ما لم يكن مثله ولا يقدم عليه عاقل إلا وهو على غاية الثقة بالسلامة من العواقب، وأن العاقبة تكون له لا لعدوّه.

أما ترى كيف أغضب كسرى كتابه حين أنفذه مع عبد الله بن حذافة السهمي وهو:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.

فمضى بكتابه، وكان في طريقه وبحضرته ما لعله يرد عليك. فلما بلغه كتابه غاظه ذلك وأغضبه، حتى كتب إلى صاحبه باذان وهو خليفته باليمن وملكها يأمره بإشخاصه إليه، فأرسل باذام في ذلك، فسرّ ذلك أعداء رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى وقريش والعرب واستبشروا. وقال بعضهم لبعض: كفيتموه كفيتموه. فلما وصل الرسول إليه قال له رجل منهم: انطلق معي إلى الملك باذان فنكتب معك كتابا إلى الملك شاهنشاه ينفعك عنده ويكفّ عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، فقال له رسول الله ﷺ: أقم إلى غد حتى أجيبك. فلما كان الغد صار، فقال: ما تقول يا محمد؟ قال ارجع إلى صاحبك فإن ربّي قد خبرني أنه قتل البارحة كسرى، قتله ابنه شيرويه على كذا كذا ساعة من الليل، فقال له: هل تدري ما تقول، إنا قد نقمنا منك أيسر من هذا، فتكتب بهذا عنك ونخبر الملك باذام بذلك؟ قال: نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، إلى أن قال: سيأتي هذا الدين على ما أتى عليه الليل.

وقد كان قال ﷺ لعبد الله بن حذافة لما رجع إليه وأخبره بأن كسرى استخف به ومزق كتابه فقال ﷺ: أما إن الله عز وجل سيمزق ملكه.

فانظر إلى هذه الأقوال المغضبة كيف تتوالى لهم منه، وانظر إلى هذه الثقة هذا الثبات.

وقد كان راسل قيصر ملك الروم بدحية بن خليفة الكلبي، فأكرمه وأكرم كتاب رسول الله ﷺ، وسأل من عنده من أهل مكة وتجار قريش عنه ﷺ وعن أخلاقه وطرائقه وسيرته، واستقصى ذلك، فإذا هو النبيّ الذي تقدمت البشارة به، وردّه مكرما، فقال النبيّ ﷺ: لقد عرف الحق ولكن ضن الخبيث بملكه وعاجل دنياه فآثرها على دينه.

وأرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية حاطب بن أبي بلتعة بكتابه إليه، فدفعه إليه فقرأه، ثم أقبل على جلسائه فضحك وقال لهم: كتب إليّ يصف لي حسن دينه ويدعو إليه، فما منعه إن كان رسول الله أن يسأل الله فيسلط البحر عليّ فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي، فقال له حاطب: فما منع عيسى ابن مريم وهو كما زعمت إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه وجعلوا عليه إكليل شوك وجعلوا على عنقه الخشبة التي صلبوه عليها ثم خرجوا به وهو يبكي حتى صلبوه على الخشبة ثم طعنوه بالحربة حتى مات، فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منهم ويهلكهم ويكفى مؤونتهم ويظهره وأصحابه عليهم، وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة زانية رجلا أن يقتله فقتله وبعث إليها برأسه حتى وضعوه بين يديها فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منها ويهلك الملك. فأقبل المقوقس على جلسائه فقال: والله إنه لحكيم. وما يخرج الحكيم إلا من عند الحكماء، ما تقولون، قالوا: نقول: صدق أيها الملك، قد رأينا ما رأيت. وعاود قراءة كتاب النبي ﷺ، واحتبس حاطب عنده مدة، وسأله عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه وعن سيرته، وردّه مكرما.

وأرسل النبي ﷺ إلى غير واحد من ملوك الشام يدعوهم إلى طاعته. وكان فيمن أرسل الحارث بن عمير الأزدي، فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني، فأنفذ رسول الله ﷺ بعده غير واحد ولامهم على غدرهم وقتلهم الرسل، وقال لهم: أنتم مغلوبون وسلطاني يعلو عليكم، فأغضب ذلك ملوك الروم ونصارى العرب. وأرسلت نصارى العرب إلى ملك الروم: انتهز الفرصة ما دام هذا الرجل في ضعف، فأنفذ جيشا في مائة ألف قاصدا لرسول الله ﷺ بياتوقس البطريق، وعلى نصارى العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو الغساني، فانتهوا إلى مؤتة، فكفاه الله أمرهم كما هو معلوم.

وأرسل إلى ملوك اليمن وملوك البحرين وعمان رسلا معروفين، وقد علمت رحمك الله أنه دعاهم إلى الاختلاع من ملكهم والخروج من عزهم إلى التواضع والتذلل، وإلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم. وهذا غير تدبير البشر وحكماء الملوك، وهذا عندهم من سوء التدبير. فتعلم بعقلك أنه لم يفعل ذلك إلا وهو على يقين من السلامة من سطواتهم وكيدهم وشرهم.

وقد تقدم لك حال كل من جاء بعده من قريش والعرب وغيرهم، وأنهم به لاذوا واعتصموا وعلى ما مهده ﷺ، وأنه هو ما اعتصم بمخلوق بما فيه كفاية، فارجع إليه. وقد أجابه ﷺ من الملوك الذين دعاهم النجاشي وغيره.

وتأمل حال قوم في زمانك وهم من الملوك العظماء، وملكهم واسع، وشأنهم عظيم، فإنهم من تسترهم بالإسلام ومع اعتزائهم إلى النبي ﷺ وأنهم من ولده وقد قدموا على ما مهد لهم، بأي شيء يلقون ملوك الإسلام، وبأي شيء يراسلونهم، وكيف يخضعون لهم ويخدعونهم بألوان الخدع ليستبقوا طاعتهم لهم باللسان، فيقول دعاتهم لكل واحد من هؤلاء حتى لرؤساء الأعراب والأكراد: أخوك فلان ابن فلان ابن رسول الله، وقد علمت عظيم ملكه، وهو يدعى بأمير المؤمنين، وقد فرض رسول الله ﷺ عليك طاعته لقوله كذا ولوصيته الفلانية، وما يطالبك بحقوقه، وما يطلب منك شيئا، ولكنه يرغب في أخوتك وفي صداقتك وفي الانبساط إليك في أن تقبل هديته، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قبل الهدية ورغب في ذلك، وإن كافأت بأقل القليل قبله منك وشكرك عليه. ثم يهاديه بالهدية النفيسة الخطيرة ويقول له: إذا استحكم الأنس وتمت الثقة فتح لك أبوابا يتضاعف بها ملكك، وتشتد بها شوكتك، وما عليك في الوصول إلى ذلك مشقة ولا كلفة ولا مؤونة ولا غرامة، وما هو إلا الثقة بك وأن يعرف طويتك وأنك بحيث يوثق بك. فإذا تعلق قلبه بذلك وطمع، قال له: قد علمت ما جاء في الكتمان والمواثيق المأخوذة من الأنبياء ثم يروضه بعد هذا، فإن كان من أهل الشهوات والرغبة في الدنيا قال له: أنت فيمن قال الله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ} ويبيحه المحظورات ويتقرب إليه بما يسقط عنه الكلف ويؤمنه من كل عقاب آجلا وعاجلا، ويذكر له ما قد أعدّه من التأويلات، ويتحبب إليه بهذا وأشباهه، ويأخذ عليه كتمان السر وأن لا يخبر غيره بما عنده ولا يسأله عن شيء وإن كان مجوسيا.

وإن رآه من المتمسكين بالشريعة زيّن ذلك عنده وقال له: لا تغتر بما يقوله الإمامية القطعية أن الصلاة عند أهل البيت إحدى وخمسين ركعة فإن هؤلاء ليسوا من دين أهل البيت على شيء، وصلاة أهل البيت ثلاث وسبعون ركعة، ويأمره بذلك، ويصلي عنده وبحضرته وبحضرة أتباعه وحشمه، وإن يأت عنده لم ينم الليل من كثرة الصلاة. ويأمره بالزكاة وبكل خير بحسب ما يتفق ذلك عنده، غير أنه يقول: للصلاة باطن، ولكل شيء باطن.

وإن كان يهوديا زيّن عنده اليهودية وما فيها من إقامة السبت وجميع ما هم عليه، وقال: المهديّ الذي ندعو إليه هو المسيح الذي تنتظرونه.

وإن كان نصرانيا مدح الصليب وقال: المهدي الذي ندعو إليه هو الفارقليط الذي بشر به المسيح.

وإن كان مجوسيا مدح عنده المجوسيّة وقال: أنتم الناس، وأنتم العقلاء وأهل الملك القديم.

وإن كان صابئا مدح عنده عبادة الكواكب.

ويقول لكل واحد من هؤلاء الأصناف: إن الديانات كلها سواء وهي تتفق في الباطن ولكن أصحابها لا يعلمون. ويظهارون التودد إلى كل أحد بما يهواه، ثم يتواصون بكتمان ذلك وأن لا يظهروا ذلك إلا لمن أحبهم أو مال إليهم. ويقصدون بالدعوة الأعراب والأكراد والديلم والبربر والنبط والمترفين من الأمراء والوزراء والكتاب وأهل الجهالة، ويتظهارون على من انتمى إلى القول بالإمامة والتشيع. وهؤلاء يسرعون إلى إجابتهم والقبول منهم، ويوثقون الجميع بالأيمان الغليظة والعهود المؤكدة. وملوك الأرض منذ نحو مائة سنة من الديلم وبني حمدان ومن بالبحرين وعمران في البطيحة ومن باليمن والشام وأذربيجان، وكل هؤلاء الملوك أصحاب إمامة ومشيّعة، وفي الأرض كلها، ودولة بني العباس لم يبق منها إلا اسمها في بعض المواضع، والموضع الذي فيه سلطانهم وملكهم وعزهم يشتم فيه العباس وولده والمهاجرون والأنصار ويلعنون، ثم هؤلاء القوم مع الملك ومع تسترهم برسول الله ﷺ واعتصامهم، ومع هذه الأحوال كلها التي تستروا بها وتوثقوا بها، أنت ترى فضائحهم في الأطراف وفي أقطار الأرض في كل حين كما قد تقدم لك طرف منه. ثم هو شيء يحدث في كل حين، وتبدو فيه الفضيحة كل قليل مع الملك والقهر والغلبة والسيف والقتل الذريع الذي قد تقدم لك طرف من ذكره. لتعلم أن السبل التي سلكها رسول الله ﷺ لا يسلكها عاقل، ولا تخطر بقلبه، ولا تسمو إليها همته، ولا يحدث بها نفسه، ولا يدخل فيها طمعه، إلا أن يكون رسولا لله ونبيا لله وواثقا بوحي الله. ثم هو شيء ما كان في أحد من الأنبياء قط منذ كانت الدنيا، على ما حصله العلماء وأحصوه وبلغهم خبره، أن يكون إنسان ضعيف فقير أجير وحيد معيل مبتدئ مع هذه الحال، فيذكر ملوك العرب وملوك الفرس وملوك الروم حتى يذكر خراسان وملوك الشرك والترك وأنه يحويها ويحوزها وهو على تلك الحال، ثم يكاتبهم ملكا ملكا وسيدا سيدا وقبيلا قبيلا وبلدا بلدا يذكرها. ويوصيهم بالقبط وما لهم من الحرمة بمارية القبطية فإنهم يفتحون مصر، ويقول: أبشروا بفتح العروسين غزة وعسقلان، ويذكر دمشق وبيت المقدس، ويسمع ذلك نصارى العرب ويذكرونه لملوك الروم وغيرهم فيغتاظون من ذلك، وتذكر قريش ذلك للفرس. ولما دخلت رسل المسلمين إلى الشام ولقوا ملوك النصارى بها رأوا بعضهم قد جلس على فرش عالية يرقى إليها بسلم وعليه السواد، وفي رسل المسلمين عبادة بن الصامت الأنصاري، قال: ما هذا السواد عليك وما هذه المسوح التي قد لبستها، قال الملك: لبستها نذرا لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام وأفعل وأفعل، فقالوا له المسلمون: سنمنعك مجلسك هذا ووالله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم. ثم ساروا من عنده إلى الملك الأعظم من ملوك الروم وأبلغوه الرسالة، فأنزلهم أكرم منزل واحتبسهم عنده مدة طويلة، وخلا بهم، وناظرهم وامتحنهم، وسألهم عن شيء فشيء من أمر رسول الله ﷺ ومن أمر الإسلام والمسلمين ليلا ونهارا، وكان لهم معه ما هو مذكور، إلى أن قالوا له: إن أرضك هذه نأخذها منك ونغلبك عليها، أخبرنا بذلك نبينا، فساءه هذا القول وقال: مهما قال من شيء فقد صدق، والله لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي وأكون عنده فأخدمه وأشد ملكه، ولكن نفسي لا تطيب.

وقال المقوقس ملك مصر لحاطب: إنكم ستملكون ملكي هذا كما قال صاحبكم.

وملوك الروم كانت أعرف بحق رسول الله ﷺ، فلذلك كانت ألين وإن كانت نصارى العرب تغضبها وتثيرها عليه ﷺ، ولم تكن كالجبار الشقي كسرى وما فعله برسول رسول الله ﷺ وتمزيق كتابه فمزق الله ملكه كل ممزق كما قال ﷺ، أخبر أن ابنه قتله في تلك الليلة وبينه وبين كسرى نحو ثلاثمائة فرسخ، وذلك من آياته المعروفة التي جاءت مجيء القرآن، يعرف ذلك أهل العلم كما يعرفون أن رسوله كان إليه عبد الله بن حذافة السهمي، وكما يعرف ما كان بينه وبين النجاشي، وبين صاحب عمان، وغيرهم من الملوك. وإسلام باذان ملك صنعاء واليمن لأجل هذه الآية معروف، وإخلاصه ومن معه في الإسلام وهم يعرفون بالأبناء. ولما تنبأ العنسي الكذاب باليمن ناقشوه وباحثوه فلم يجدوا عنده آية ولا علامة، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ في أمره، فأمرهم بجهاده ففعلوا، وقتله فيروز الديلمي الذي كان أحد رسل الملك باذان إلى رسول الله ﷺ، ولم يكن ديلمي الأصل وإنما كان أحد عمال الفرس على ثغور الديلم.

ولما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ كان لهؤلاء الأبناء من باذان ومن معه من البصيرة في الإسلام والإقامة عليه ومجاهدة المرتدين ومعونة أبي بكر الصديق وعماله ما هو معلوم. وإنما أجرينا هذا من أعلامه ﷺ عند ذكر مكاتبته ومراسلته الملوك، والنية ذكر أعلامه التي ليست في القرآن بعد الفراغ مما في القرآن، فإن وهب الله ذلك وإلا ففيما معك فوز عظيم فاحتفظ به وحافظ عليه واطلب ما بعده، فإنه أكبر الجهاد وأجل العبادة.

إخبار الرسول أصحابه أن الله سيمكن لهم في الأرض ويستخلفهم

وباب آخر

من آياته ﷺ، وهو ما أخبر أصحابه من أنه يمكّن لهم في الأرض ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ويؤمن خوفهم، فيخلصون في عبادته وحده لا يشركون به شيئا، فقال عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} إلى آخر الآية. وهذه نزلت في غزوة الأحزاب وفي الخندق وقد تحزبت العرب واليهود عليهم، وغدر من حول المدينة بهم وهم في حومة الموت وشدة الخوف، وما كان بأيديهم إلا المدينة مع من بها من اليهود والمنافقين. فأظهر الله أصحاب رسول الله ﷺ واستخلفهم ومكّن لهم وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وعبدوه وحده وأطاعوه، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون بالاتفاق ولا لحذاق المنجمين، ولا هو مما يغلب في العقل، بل الغالب في العقل والظاهر في الحزم والتدبير أن يكونوا هم المغلوبون المقهورون، إلا أن يكونوا من قبل الله، وأن يكون صاحبهم رسولا لله. والذي يدلك على أن هذا نزل وهم غير متمكنين وأنهم قد كانوا خائفين من قوله عز وجل: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن يقول: هذا قول الله لكم، ووعد الله لا وعدي، وبشارة الله لا بشارتي. وفي هذا دلالة على صحة الخلفاء من بعده، ألا تسمعه يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} ولو قال: الذين آمنوا لكانت عدة تحتمل التسويف والتأويل، فلما قال: {منكم} جعلها فيهم ولهم ومنهم، فزالت الشكوك وارتفع اللبس، ولو كان الأمر على ما يقول الإمامية لكانت هذه الأخبار قد كذبت وهذه المواعيد قد أخلفت، لأنهم زعموا أن المستخلف كان علي بن أبي طالب، وأنه ما كان متمكنا ولا آمنا بل كان مقهورا مغلوبا خائفا، فأين تصديق ما وعد الله. فنعوذ بالله من الذهاب عن الحق. وعندنا أنه رضي الله عنه كان في زمن أبي بكر والخلفاء قبله ممكنا غالبا قاهرا آمنا عزيزا نافذ الأمر مسموع القول كما قد تقدم شرح ذلك لك. وبه وبإخوانه من المهاجرين والأنصار كانت خلافة من قبله وعزّ سلطانهم، فالعدة فيه وفي أبي عبيدة بن الجراح وفي سعد ومعاذ وعبد الرحمن وغيرهم من المهاجرين والأنصار. والله عز وجل لا يستخلف إلا المتقين ولا يمكن إلا لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته. وليس لمن أسلم في عام الفتح، وفي هذا خبط، لأن هذه نزلت في عام الخندق وفي غزوة الأحزاب قبل فتح مكة، وأولئك من الطلقاء لا من المهاجرين ولا من الأنصار. وليس هذا بنصّ جليّ مكشوف في خلافة هؤلاء رضي الله عنهم، ولكنه شيء يعرف بالاستنباط والاستدلال والتدبر في هذه التلاوة. فلا يسوغ في تأويلها وتفسيرها إلا هذا.

وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ حين ارتدت العرب بعد وفاته وكثر من خالفهم يستبشرون بظهور الإسلام وغلبة المسلمين بهذه الآية. وقد تلاها أبو بكر الصديق عليهم في ذلك الزمان وقال لهم ما لعله قد تقدم لك شيء من ذكره. وهذا شيء قد تقدم به الإجماع وسبق به الاتفاق قبل أن يخلق هشام بن الحكم الذي هو الأصل في الطعن على خلفاء رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار. ومع هذا فقد ذكر هشام بن الحكم أنه أدرك الشيعة وكلهم يتولى أبا بكر وعمر وعثمان، ويقولون هؤلاء ما أنكروا فضل الوصي علي بن أبي طالب ولا دفعوه عن حقه، وإن الذين دفعوه عن حقه وأنكروا فضله هم المنافقون الذين كان القرآن يهتف بهم. قال هشام: وهذا كله تلزيق وتلفيق دعاهم إليه هيبة أولئك القوم فما أقدموا على تهمتهم ولو عرفوهم لاتهموهم. ثم أخذ يذكر ما عنده من تهمتهم. فقد أقر بلسانه أنه لم يسبقه أحد إلى شتمهم ولعنهم. ولو لم يقر لكان العقل يشهد به ويدل عليه.

قوله ﷺ في أوان ضعفه إنه سيعظم أمره ويعلو شأنه

وباب آخر

من أعلامه وآياته، وهو أنه كان يقول في أوان ضعفه وعنفوان أمره أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه، وتتحزب الأمم عليه، وتقصد لقتاله وقتله واستئصاله واستئصال أتباعه، ويأتونهم من كل وجه، وأن أصحابه يثبتون ويزدادون بصيرة ويقينا في أمرهم عند ذلك. وأن من رآهم ورأى من سار إليهم يكون عنده وفي عقله ورأيه أنهم لا ينجون، فكان ذلك كما قال وأخبرهم الله في تلك الحال أنه عز وجل سيكفيهم أمر هؤلاء وأمر من ظاهرهم من أهل الكتاب، ويستخلفهم في الأرض، ويؤمن خوفهم، ويبدلهم بالضعف قوة، ويمكن لهم في الأرض، وكان هذا في قصة الأحزاب، وأنزل الله فيها وفي يومها الآية التي تقدم ذكرها في سورة النور. وقد كان ﷺ أجلى بني النضير من اليهود لأذيتهم له وغدرهم به، فرحلوا عن المدينة من جواره، وصاروا إلى قريش وإلى عبس وذبيان وفزّارة وغيرهم من القبائل، وحرضوهم عليه بأنه أكفر أسلافكم وعاب أديانكم واستجهلكم وذهب بسيادتكم ورئاستكم وبأحسابكم وفرق آلافكم وحمل الأبناء على قتل الآباء والآباء على على قتل الأبناء، وهو يزعم أنه يظهر عليكم ويستأصلكم وأنتم غير آمنين مما يوعدكم به، فبادروا ما دام في ضعف قبل أن يقوى بأشد مما كنتم عليه ببدر وأحد.

وكانت لليهود بالحجاز رئاسات وضيافات ومنن على العرب، يجيرون من استجار بهم ويمنعون عن جيرانهم ويقاتلون دونهم، فأثاروا قريشا والعرب على رسول الله ﷺ، فساروا إليه في نحو عشرين ألفا، وجاء حييّ بن أخطب اليهودي النضري إلى بني قريظة من اليهود، وكانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن يسالموه ولا يعينوا أحدا عليه أبدا وكتبوا بينهم وبينه في ذلك كتابا، فجاء حييّ بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد رئيس بني قريظة، وقال له: جئتك بشرف الدنيا وبالعزّ، وهذه القبائل من قريش والعرب قد ساروا إلى محمد فكن معنا، فقال: دعني فإن هذا الرجل قد عرفناه بالصدق والوفاء، إن قال نعم فهي نعم، وإن قال لا فهي لا، ما لقوله خلف، وأكره أن يغدر به ولعلكم ألا تظفروا به. فقال حيي: ليس هذا من تلك العساكر التي لقيته قبل هذا، ونحن في كثرة وهو في قلة، ولن ننصرف عنه أو نستأصله، فتندم في قعودك عنا، وإنما هو وأصحابه قليلون، وهذه قريش في هذا العدد. وذكر عدد تلك القبائل وما زال بهم حتى غدرت قريظة. فأرسل رسول الله ﷺ بسعد بن معاذ وسعد بن عبادة إليهم ليعرف ما عندهم وهل غدروا أم لا. فلما بصرت قريظة بالسعدين مزقوا الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وسبوه، فرد عليهم سعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: كفّ، فما بيننا وبينهم أجلّ من السباب. فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه بغدرهم تعريضا إشفاقا على ضعف المسلمين، وكانت قريظة بالقرب من المدينة وفي أحد جوانبها. وجاءت قريش والقبائل من وجه آخر. وأشار سلمان الفارسي رحمة الله عليه بحفر خندق، وكان هذا أول مشهد شهده سلمان. فأمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق وأخذ كل جماعة من الصحابة قطعة يحفرونها، فاعترضتهم صخرة صلبة لا يعمل فيها المعول فهموا بالتعريج عنها، ثم قال قائل: عرّفوا رسول الله ﷺ، وقد كان ﷺ سار بالمسلمين عن المدينة وعسكر بإزاء العدو. فنزل ﷺ إلى الصخرة وأخذ المعول فضربها ضربة فثار منها برقة عظيمة. فكبر وكبر المسلمون، وقال: رفعت لي صنعاء واليمن فرأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة عظيمة فكبر وكبر المسلمون فقال: رفعت لي قصور الشام كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة ثالثة فكبر وكبر المسلمون وقال: رفعت لي قصور مدائن فارس وفارس وأنتم تفتحونها وتملكونها فأبشروا. وتصدعت الصخرة فصعد رسول الله ﷺ من الخندق وهو مستبشر مسرور، ورتب أصحابه لحراسة الخندق وجعله بينهم نوائب كما هو مذكور.

وكان بالخندق من الضيق ما تطفره خيول شجعانهم، فطفره عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وضرار بن الخطاب. وأقاموا أياما يحاربون، ثم تواعدوا عشية أن يكونوا من غد يحملون حملة واحدة من كل جانب، ويقتحمون على المسلمين. فأرسل الله عليهم ريحا عاصفا قلعت أخبيتهم وأبنيتهم، ونفرت خيولهم وإبلهم، وأخذهم من الرعب ما لم يملكوا أنفسهم، ومروا هرابا على وجوههم، وكفى الله المؤمنين قتالهم، وبات المسلمون من تلك الريح في كل عافية.

فإن قيل: ومن أين لكم صحة هذا أنه جرى، قيل له: قد جاء مجيئا إذا تدبّره من سمعه وفكر فيه علم وتيقن أن الأمر كذلك، فإن القرآن نزل به مذكرا هذه النعمة ومحتجا بهذه الآية وممتنا على المؤمنين فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا}

فلو كانت هذه الريح وغيرها من الأمور التي جرت العادة مثلها لما امتن الله به ولا احتج والعدو والولي يسمعه، [هذا] لا يفعله عاقل فكيف بمن يدعي النبوة. ثم يؤكده بأن يجعله قولا لله وأن الله يذكرهم بهذه النعمة.

ثم قال: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} لما كان قد تقدم به البشرى، فكانوا يقولون: الواحد منا ما يستطيع أن يذهب لحاجته من العساكر التي قد أحاطت بنا وهو يعدنا بملك اليمن وملك كسرى وقيصر. ثم أذكرهم بقول طائفة أخرى: {يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا} وقد كان قوم من بني حارثة قالوا ذلك، أخبرهم الله بضمائرهم في قولهم، ولا يجوز أن يقول ذلك إلا وهو كما قال، ثم قال: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا. ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا} إلى قوله: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ} يصف جبنهم وخورهم وخداعهم، وأنهم إذا زال الخوف وأمنوا قالوا: فعلنا وصنعنا واجتهدنا، ويظهارون احتقار العدو وإن عادوا عاودناهم، ثم قال: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ} يحكي عن هؤلاء المنافقين وعن من قلت بصيرته وعن من في قلبه مرض، أنهم يحسبون أن الأحزاب لم يذهبوا ولم ينصرفوا، وأنهم سيرمون شعثهم مما نالهم من الريح ويرجعون، وأن عسكرا مثل هذا في الكثرة والقوة لا ينصرفون بإزائهم في ضعف وهم مع ذلك في قلة، و {يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} فأخبر عن أسرارهم وعن ضمائرهم وواجههم بنفاقهم وسوء نياتهم. وهذا لا يفعله إلا نبي واثق بتأييد الله له وبنصره إياه، لأن من صواب الرأي ومحكم التدبير عند الحكماء والرؤساء وطلاب الملك وخطاب الدنيا أن يقبلوا الطاعة ممن أظهرها لهم وإن اتهموا ضمائرهم، وأن لا يردوا ما ظهر من نصحهم ولا يقولوا لهم ليس ظاهركم كباطنكم وأنتم أعداء، ليس هذا من حقوق الرئاسة ولا يسوغ في تدبير السيادة ولا يقع هذا من عاقل إلا أن يكون نبيا. لأن الرئيس إذا فعل هذا حملهم على مكروهه وبعثهم على مكاشفته واستفراغ الوسع في الإفساد عليه وفي قتله. وفي أمثال الحكماء: لا تسمّه عاقّا فيعق،. وقال في وصاياه التي ترتضيها العقلاء:

اقبل مقالة من يأتيك معتذرا ** إن برّ عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ** وقد أجلك من يعصيك مستترا

وكان أيضا لو لم يكن نبيا لا يأمن أن يكون باطنهم في طاعته مثل ظاهرهم، فإذا قال لهم قد نافقتم وهم بخلاف ذلك لكان طعن في قوله، وإن لم يواجهوه بالكذب قالوه من ورائه وذكروه لأتباعه ولمن قد اعتقد صدقه، ويذكرونه لعدوه من اليهود والنصارى. فإنهم كانوا أشد الناس حرصا أن يقع له كذبة أو زلة، فهم كانوا يواجهونه بالتكذيب وليس معهم حجة، فكيف إذا صار لهم حجة. فتعلم أنه لم يقل ذلك إلا عن علم ويقين، وهذا باب كبير من الإخبار بالغيوب وهو كثير في القرآن فاعرفه، فهو من الآيات العظام. ثم قال لهم: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} فقد كانوا رأوه ﷺ في تلك الشدائد والأهوال ساكن القلب طيب النفس يبشرهم بالنصر على هؤلاء وعلى أمم العرب والعجم.

ثم قال: {وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا}.

وقد كانوا يقولون عند قول النبي ﷺ وهو بمكة: إني سأصير في جماعات وعساكر، فيقولون: ملكنا أبسط وحزبنا أغلب وجندنا أكثر، فأنزل الله إذ ذاك وقبل الهجرة: {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ. جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ} فلما رآهم المؤمنون ذكروا هذا الوعد من الله عز وجل فازدادوا إيمانا. ولهذا الوعد نظائر وأمثال كقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} ومثل قوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} وغير ذلك. وقوله: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} لم يرد به الذكر باللسان وإنما أراد الذكر ذكر القلب والفكر في آيات الله ودلائله وحججه، وهذا أعظم الذكرين وأجلهما وأنفعهما، والذكر باللسان بعده. ولا يغني عن ذكر القلب شيء البتة. ثم قال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} فأخبر عن ضمائر المؤمنين السابقين والمهاجرين والأنصار، وأن باطنهم في الإسلام كظاهرهم وسريرتهم كعلانيتهم. كما أخبر عن باطن المنافقين ومن في قلبه مرض، وفي إخباره عن بواطن المؤمنين من الدلالة مثل ما في إخباره عن ضمائر المنافقين، فتأمل ذلك لتعرفه فشرحه يطول.

وقوله: {منهم من قضى نحبه}، أي من قتل في سبيل الله أو مات وهو مقيم على موالاة الله وإيثار مرضاته، ومن بقي ينتظر مثله ونيته وطويته ألا يزول عن ذلك، وما بدلوا تبديلا ولا غيروا. وفكر في قوله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}

فانظر كيف تمنن عليهم بأنه صرف عنهم هؤلاء الجنود وهذه العساكر بالريح وكفاهم قتالهم. وما نال المسلمين من الريح أذى مع قرب المسافة. بل باتوا منها في كل عافية وبات أولئك في كل بلية. وهذا بخلاف ما جرت به العادة، ولا يقدر على صرف الريح في الجهات وإجرائها على هذه السبيل إلا الله عز وجل. وهمّ النبي ﷺ بالانصراف إلى المدينة والرجوع إليها بعد انصراف الأحزاب، فأتاه جبريل يقول له عن الله: لا تنزع درعك حتى تصير إلى بني قريظة، فسار إليهم ونزل عليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب منه ﷺ مع كثرتهم، فامتنعوا بحصونهم، وقال ﷺ: يا يهود يا إخوة القرود، فقالوا يا محمد: ما عهدناك فحّاشا، فقال ﷺ: غدرتم بي ونبذتم عهدي، إنا إذا حللنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر فقالوا له: يا أبا لبابة أننزل على حكم محمد، قال: نعم، وأومئ بإصبعه إلى حلقه، أي أنه الذبح، فأنزل الله عز وجل: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وما كان من أبي لبابة إلا إيماء بإصبعه، فأخبر الله بما كان من إشارته وما كان بينه وبينهم. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، وذهب من وجهه فأوثق نفسه بسارية في المسجد، فقال ﷺ: أما إنه لو أتاني لاستغفرت له فأما إذ فعل فلا أحلّه حتى يكون الله هو الذي يحله، وما زالت سارية أبي لبابة معروفة في المسجد، وهذه آية أخرى.

وقد كان بنو قريظة في كثرة وبأس ونجدة، فقذف الله في قلوبهم الرعب عند نزول رسول الله ﷺ. فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فجاء على حمار أقمر، وقد كان أصابه يوم الأحزاب سهم، وكان يقول: اللهم لا تمتني حتى تريني في بني قريظة ما أحب، فقال له رسول الله ﷺ: إن بني قريظة قد رضوا بك وبالنزول على حكمك، فقال له الأوس: يا أبا عمرو هم حلفاؤك، فقال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم، لينزلوا حتى أحكم. فلما نزلوا قال: قد حكمت بقتل مقاتلتهم، وسبي ذريتهم، وغنم أموالهم، وأن تكون للمهاجرين دون الأنصار. فقال رسول الله ﷺ: قد حكمت بحكم الله. وهو معنى قوله: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}.

فانظر كيف يمتن عليهم بهذا، والعدو والولي يسمع. ولا يجوز أن يمن عليهم إلا بما قد كان وعلموه. فانظر كم علم في قصة الأحزاب، وكم آية وكم دلالة وكم أعجوبة.

وقد دخل في هذا الباب باب آخر وهو بانفراده حجة تامة، بل في كل موطن منه حجة ودلالة، فمن ذلك قوله عز وجل: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} فانظر كيف يخبر عن عدوه أنهم سيقولون ما فيه حجة عليهم قبل أن يقولوه، فيقولون ذلك ويفعلونه كما أخبر عنهم، وهذا من عجيب الأمور. ولها نظائر، مثل قوله عز وجل: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ} وقوله: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} ومثل هذا كثير.

فإن قيل: فما ينكرون أن يكون قد أخبر عنهم بعد أن قالوا.

قيل له: هذا لا يفعله عاقل بأن يقول لأمر قد كان وقد وجد وفرغ منه هذا سيكون، فيكذب هذا الكذب الظاهر عند قوم يعلمون أنه قد كذب وهو يدعي الصدق والنبوة وأنه وحده حجة الله وصفوة الله وأنه لا أحد معه في ذلك ولا بعده إلى يوم القيامة. فاعرف هذا وراعه في أماكنه من القرآن إذا تلوته.

وتأمل قوله عز وجل: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وقوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا}. فإن العاقل لا يفعل هذا بمن أظهر له الطاعة وإن كان متهما الباطنية، بل يظهر له القبول. هكذا حق الرئاسة وهو الذي تقضيه السيادة وهو الحزم ومن سوء التدبير إظهار تهمة مثله. وهذا لا يفعله إلا من كان نبيا أو رسولا لله صادقا كما قد تقدم شرح ذلك لك.

ومما يؤكد ذلك أنه ﷺ كان يوصي أمته بالمداراة وبالصفح وبترك المكاشفة، ويقول: هذا هو الحزم. وقد كان ﷺ واجدا على بعض أحياء العرب، فوردوا عليه وهو معرض عنهم، فقام رجل منهم فأنشده:

فحي ذوي الأضغان تستبق ودهم ** تحيتك الحسنى فقد يرفع النفل

وإن أظهروا سوءا فأظهر كرامة ** وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل

فإن الذي يؤذيك منه استماعه ** وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

فأقبل ﷺ ورضي عنهم وقال: إن من الشعراء لحكماء، وإن من البيان لسحرا. وأعاد قول الشاعر: وإن الذي قالوا وراءك لم يقل، استحسانا له واستصوابا. فلما صار إلى أمر الله عز وجل ما رضي إلا بمواطأة القلب للسان، وأن يكون الظاهر مثل الباطن، ثم ما رضي بأن يكون هذا القول منه ومن عنده حتى قال هذا القول قول الله لا قولي وقول خالقكم وخالق العالم بضمائركم وما أخفيتم.

وتأمل قوله: {قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} إلى قوله: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ}

فانظر كيف يقول لأولئك لما جاؤا معتذرين وسامعين ومطيعين: إنكم قد قلتم بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، وإن قعودكم لم يكن لشغلكم بأموالكم وأهليكم بل لظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا.

ويقول لهؤلاء الآخرين الذين بهم ضعف بصيرة وقد جاؤا مذعنين وسامعين ومطيعين: لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا. فلا يسوغهم دعوى الإيمان مع ضعف البصيرة.

ويقول: {إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} فيعطيهم العطاء الجزيل ويقول: هؤلاء الذين ضعفت بصائرهم أعطيهم أتألف قلوبهم لانحطاط منزلتهم عن منازل المهاجرين والسابقين والأنصار، فيسميهم باسم المنقصة ويلبسهم جلباب المذلة وقد أعطاهم تلك العطايا الوافرة. وهذا خلاف تدبير عقلاء الناس وحكماء البشر، فإن هذا عندهم تضييع للمال وتنفير للناس وجناية على الملوك ونقض عرى الملك وهدم لأركانه.

وفي هذا المعنى قوله عز وجل: {إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ} إلى قوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} وهذا من ذلك الجنس الذي قدمنا، وهي في قوم من المنافقين معروفين وهم عبد الله بن أبي سلول الخزرجي وأتباعه، وهذا كان سيدا في الخزرج مطاعا عظيم الشأن، وكان متقدما في الأوس والخزرج جميعا، وكان رأس المنافقين يطيعونه ويرجعون إليه. وكان قد حسد رسول الله ﷺ وسبق عليه أمره، وكان سعد بن عبادة يقول للنبي ﷺ: اصبر عليه يا رسول الله واحتمله، فوالله لقد نظمنا خرزات تاجه لنسوده حتى جاءنا الله بك. وكان معه على النفاق جماعة من الأوس والخزرج يؤملونه ويرجون أن تكون الرئاسة له، وكانوا يعدلون قومهم من الأنصار في محبتهم لرسول الله ﷺ وأتباعه. وكانت الأنصار تحب إسلامه وإجابته وإخلاصه، فيذكرون له صحة الإسلام وحسنه، ويوبخونه في إبطائه عنه، فيجيبهم إلى ذلك فيسلم؛ ثم ينظر في أمره وأنه ليس له منزلة خبّاب بن الأرتّ، وسهيل بن سنان، وزيد بن حارثة، وبلال مولى أبي بكر الصديق، وعمّار بن ياسر، وأمثالهم من الموالي مع حبه للرئاسة إذ هو رئيس وسيد قبل الإسلام، فيتحسر، ويحمله الحسد، فيرجع ويتردد. وقد كان في بعض غزوات رسول الله ﷺ، إما في غزوة المريسيع أو غيرها قد ازدحم الناس على الماء لضيقه، فوقع بين الجهجاه الغفاري صاحب عمر بن الخطاب وأجيره وبين رجل من الأنصار، فقال الغفاري: يا للمهاجرين وقال الأنصاري: يا للأنصار، وبلغ ذلك عبد الله بن أبيّ بن سلول وهو في مجلسه وفي جماعة من خواصه وخدنه وعبيده وأهل بيته، وكان في هذه الغزاة، فأظهر التعجب من أن يقال يا للمهاجرين وأن يكون أحد يعازّ الأنصار وقومه من الأوس والخزرج، وأخذ يلوم الأنصار في مجيئهم بهم وأنهم جاؤا بقوم فقراء فواسوهم ومطرودين فآووهم وأنزلوهم ديارهم ومخذولين فنصروهم، فلما قووا واشتدوا واثبوهم وقالوا: يا للمهاجرين، وهذا كما قيل: سمّن كلبك يأكلك، وينبغي لهم أن يقطعوا النفقة عنهم حتى ينفضوا عن هذا الرجل، ولئن رجعنا إلى المدينة لنأخذنهم بهذا، ولننضحن لهم، وليخرجن الأعز منها الأذل. وكان قد قال هذا بحضرة ثقاته وظن أن ذلك لن يبلغ رسول الله ﷺ، فجاء زيد بن أرقم الأنصاري وكان من أهل بيته فأعاد على رسول الله ﷺ المجلس، فذكر ﷺ ذلك للأنصار، فجاؤا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول فذكروا له ذلك، وأن زيدا بن أرقم حكى ذلك عنه، فقال: ما قلت هذا، وحلف، وقال: قد كذب من ذكر ذلك عني، وأنا أعرف بحق رسول الله ﷺ من أن أقول هذا، وزيد بن أرقم غلام حدث لا يدري ما يقول. فقالوا له: كذا الظن بك، وأقبلوا على زيد بن أرقم يعذلونه، وجاء هو إلى رسول الله ﷺ مع أصحابه وخاصته يكذبون زيدا فيما حكاه ويحلفون على ذلك وأنهم يعتقدون في قلوبهم وضمائرهم نبوة رسول الله ﷺ وصدقه. فقبل رسول الله أيمانهم وسمع منهم وأقبل عليهم [لا] يكذب زيد بن أرقم ولا صدقه، بل أمسك عنه. فأخذه ﷺ الوحي كما كان يأخذه، فأقبل على أصحابه ودعا بأبي بكر وعمر، وتلا السورة، وأخبرهما بصدق زيد بن أرقم وأنه على حداثته قد أجاب وصدق. فقال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله لم لا تأذن في قتل هذا، تقدم إلى بشر بن البر الأنصاري أو إلى غيره يقتله، وتلا رسول الله ﷺ السورة على الأنصار، فقاموا إلى عبد الله بن أبي بن سلول فتلوا ذلك عليه وعرفوه ما كان وعذلوه ولاموه ولاموا أصحابه ومن حوله ممن يريد هذا، وقالوا: إلى كم يا ويحك وإلى متى تكون هذه الفضائح ويفضحكم الله مرة بعد مرة، توبوا وارجعوا، فقالوا: نتوب ونرجع.

وجاء ابن لعبد الله بن أبيّ بن سلول إلى رسول الله ﷺ وكان مخلصا وكان برّا بأبيه شديد المحبة له، فقال: يا رسول الله، قد بلغني ما كان من أبي وما أحسب ولدا أبرّ بوالد مني ولكني لا أرضى له ما يأتيه، وقد بلغني ما أشار به عمر، فإن أردت قتله فمرني بذلك فإني والله أقتله مع حبي له وبرّي به، وإن قتله غيري خشيت ألا أصبر أن أرى قاتل أبي في الناس فأقتله فأدخل النار. فقال له النبي ﷺ: لا تقتله وتأنّ به. ولما رجع رسول الله ﷺ من هذه الغزاة يريد المدينة، فلما قرب اعترض ابن عبد الله بن أبي بن سلول هذا أباه واعتقل جمله وثنى ركبته، فقال له أبوه: ما لك يا بني وما تريد، فقال له: والله لا دخلت المدينة أو تقول رسول الله ﷺ الأعزّ وأنا الأذل، فما زال يدافعه ويسأله تركه وتخليته فلا يفعل، ويمر به الناس على طبقاتهم في سيرهم. فمنهم من يسأله الصفح عنه والتخلية له ومنهم من لا يفعل، وأصحابه وأعوانه يرون ذلك به ويشتد حسرتهم عليه، فما أفرج ابنه عنه حتى قال ذلك ونادى على نفسه.

فتأمل ما في هذا من دلالات وعلامات وآيات بينات تدل كل عاقل استدل بها على نبوة محمد ﷺ وصدقه. وفيه من ذلك أكثر مما شرحنا فتأمله تجده. وهؤلاء المنافقون كبراء ورؤساء في قومهم، وكانوا مطاعين ولهم أتباع، وقد كان اليهود يجلسون إلى عبد الله بن أبي بن سلول ويعظمونه ويجلّونه ويزيدون في ذلك لأجل عداوته للنبي ﷺ، ويبعثون الأوس والخزرج على طاعته، ويقولون: سيدكم القديم ولحمكم ودمكم، وإنما محمد وأصحابه دخلاء فيكم.

وقد كان الجدّ بن قيس أحد السادة القدماء المطاعين في بني قيلة من الأوس والخزرج، وقد كانت سبيله في النفاق سبيل عبد الله بن أبي بن سلول.

فإن قال قائل: قد لعمري كان هذا من سيرة محمد ﷺ وأفعاله وهو بخلاف سيرة حزمة الملوك، ولن يقوم الملك بمثل هذا التدبير، ولكن إنما فعل محمد هذا في آخر أمره وحين صار بالمدينة وصار في عساكر وجماعات، وحين استتب أمره، فألا فعل هذا بمكة؟

قيل له: ما في هذا طعن ولا جئت بشيء، بل ما حصلت ولا تدري ما تقول، ولو سكت لكان أستر لك، لأنك ما زدت على أن قلت: هذا كان بالمدينة ولم يكن بالمدينة، وكان حين صار في عساكر وجماعات، فما في هذا من الطعن، ولو قد تدبرت لعلمت أن هذا زائد في حجته. لأنه بالمدينة ما رجع عن دعوى النبوة والصدق والعصمة كما كان بمكة، وحين صار بالمدينة وفي عسكر وعدوه في عسكر يقصده ويطرقه، فهو إلى الرجال وإلى التدبير بتدبير حزمة الملوك وطلاب الدنيا ومداراة من يتهم باطنه وترك مكاشفة مثل هذا أولى، فما زدتنا بسؤالك هذا إلا قوة في الحجة.

وقولك: ألا كان هذا بمكة؟ فكيف يكون بمكة وما هناك منافق البتة؟، وكيف ينافقونه بمكة وهو وأتباعه كانوا بها مقهورين مغلوبين، وبها من المسلمين من يكتم إيمانه خوفا من قريش، والذين كانوا يظهرون إيمانهم بمكة قبل الفتح، أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأشباههم من تلك الجماعة المعروفة، على ما عليهم في ذلك من الشدة والأذية والبلية من قومهم وسواهم من الرجال والنساء كانوا يضعفون عما يقوى عليه أولئك فيكتمون إيمانهم. فمن أين يكون بمكة منافق، والأمر بالضد مما كان بالمدينة. فكأنك تقول له ﷺ: لم لم تكذب وأنت بمكة كما صدقت وأنت بالمدينة. وأيضا فهو كان بمكة وحيدا فريدا، ومن معه في ذلة وقلة وقبل أن يتبعه أحد، فما لان لعدوه بل كاشف وبالغ فيما يغضبهم ويغيظهم وجبههم بالإكفار والتجهيل بمثل قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ} {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ} ومثل قوله: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ومثل قوله: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} ومثل قوله: {وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} إلى غير ذلك من نظائره مما لم يكاد يحصى لكثرته، وهذا لا يفعله حازم ولا عاقل إلا أن يكون نبيّا كما تقدم لك شرحه في غير موضع من كتابك هذا.

وتدبر قوله في أصحابه ببدر: {يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} كيف يواقفهم على اليسير مما كانوا يجدونه من الشدة والخوف من عدوهم لقلتهم وكثرة عدوهم. وفي هذا المعنى قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقوله في قصة أحد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} فواقف الذين أرادوا من الدنيا المباح من الغنائم على هذا المقدار، بخلاف تدبير البشر ومن له حرص على طلب الرئاسة والملك، حتى قال ابن مسعود: ما شعرت أن أحدا يريد الدنيا حتى سمعت رسول الله يقول: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} لأن المهاجرين والأنصار اتبعوا النبي لصدقه ونبوته لا لغير ذلك، فإن اتفق لهم رزق مباح لم يكن بذلك بأس.

إلى قوله: {وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا} وهذا كان قاله عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه يوم أحد، وهو من ذاك الجنس.

ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ} والعاقل إذا تدبر علم أنهم لو لم يكونوا كذلك في ضمائرهم وطويتهم لما قاله فيهم ولما أخبر به عنهم، لأنهم كانوا ألفا وأربع مائة، فكان لا يأمن أن تكون طويتهم غير خالصة وإن أظهروا له ذلك، فكان لا يأمن أن يهجم منهم على خلاف ذلك، فيتبينون كذبه، وهذا لا يفعله عاقل، فكيف بمثل محمد ﷺ وهو يدعي النبوة والصدق ويدعو الناس إلى أن يعتقدوا ذلك فيه، ويريده منهم، ومع هذا فيقول إن هذا ليس بقولي وإنما هو قول ربّي وربّكم علام الغيوب. وهذا فيه علوم بغيوب كثيرة لا يعلمها إلا الله ولا يطلع عليها إلا صفوته وأنبياؤه. ولو كان فيهم من ليس بخالص الطوية لرجع إلى نفسه فكان يظهر ذلك ولو بعد حين، ولا يدع التحدث به وإن لم يَجبه به رسول الله ﷺ، وكان يتحدث مع اليهود والرؤساء الذين ذكرناهم من أعداء النبي ﷺ ويخبرهم بما كان عليه وما قاله، وكانوا يسرّون بعثرة لرسول الله ﷺ وزلّة إن لو كانت، وحاشاه من ذلك، فكان يبلغ ذلك رسول الله والمسلمون ويتحدثون به ويشيع الأمر، كما ظهر أمثاله من قول المنافقين مع إخفائهم لذلك. فتعلم حينئذ بدليل عقلك أن بواطنهم له ﷺ كانت كظواهرهم كما أخبر وكما قال. وقد كانوا يتعنتون ويتعلقون بالضعيف من الأمور ويسألون، ألا ترى أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد كان يكتب لرسول الله ﷺ، فكان إذا انتهى إلى آخر القصة وقد أملى عليه رسول الله ﷺ: {وكان الله} فيقول ابن أبي سرح: غفورا رحيما، أو عليما حكيما، فيقول رسول الله ﷺ: هكذا نزلت فاكتب، فقال للناس: إنما يأتي محمد بهذا من تلقاء نفسه. وحكى مثل هذه الصورة، فكيف بما فيه الحجة لهم عليه. ولهذا نظائر مما قد سألوا عنه وترددوا فيه. وليس أحد من أصحابه من أخبر عنه مع كثرتهم شكّ أو تردد أو أخبر عن ضميره بخلاف ما أخبر ﷺ.

ومن هذا الجنس قوله عز وجل: {لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فأخبر عن المهاجرين المكيين بأنهم هاجروا لله وابتغاء لمرضاة الله وشهد لهم بالصدق، ثم قال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فشهد لهم بالفلاح، وهم خلق كثير، أخبر عن طوياتهم وضمائرهم، وهذا من الغيب لا يعلمه إلا الله.

ومن هذا الجنس إخباره في القرآن عن عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به، فأخبر عز وجل ببراءة ساحتها وبغافلتها عما رميت به، وأنّ ذلك لم يخطر ببالها ولا همّت به فضلا عن أن تفعله، فقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} وقد جلد رسول الله ﷺ أولئك القذفة وقال: الله أمرني بجلدهم وأخبرني بكذبهم في قذفهم عائشة، وتلا عليهم: {إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي ما ضركم بل كانت عقبى لكم، فإن الله عز وجل تولى إكذابهم بنفسه، وأنزل فيه القرآن المعجز والآيات البينات التي لا إكذاب لها إلى يوم القيامة، ثم قال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ} ثم عاتب المؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة ووبخهم على ذلك وعلى إمساكهم عن تكذيب أولئك والرد عليهم وحسن الظن بعائشة وبصفوان فقال عز وجل: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ} حتى قال: {فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ}. فانظر إلى هذا التعنيف النازل بالمؤمنين الذين حكوا ما قالته القذفة في عائشة وقالوا: إنما قلنا ما قيل لا أنا قذفنا ولا أنا شهدنا. ثم عاد إلى من كان له في القصة هوى فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فتأمل هذا الوعيد لمن كان له في هذا هوى وقوله للمؤمنين الأبرياء: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ثم قال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ} أي إن هذا مما يزينه الشيطان ويدعو إليه والشيطان لا يريد إلا الباطل. ثم قال: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} أي لولا لطفه بخلقه وحسن اختياره لهم وجميل تدبيره لما زكى منهم أحد أبدا. ثم قال: {وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا القول يقوله الله لأبي بكر، فإن مسطح بن أثالة كان من بني عبد مناف وكان ابن خالة أبي بكر وكان في عياله، وقد كان خاض مع الخائضين في شأن عائشة، فلما أنزل الله براءتها حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح، وقد كان تاب وندم وكان من المهاجرين، فلما قال الله هذا القول لأبي بكر الصديق قال: بلى يا رب نحب أن تغفر لنا، فرده في عياله.

فتأمل هذا النكال النازل بالقذفة والفضيحة الحالّة بهم والتوبيخ لمن أصغى لحديثهم والتزكية العظيمة لهذه المقذوفة. وقد وقع في هذه القصة جماعة كثيرة فيما يكرهون على طبقات، وهذا قول يغيظ ويغضب ويخرج المخبآت ويذكر بالأحقاد وبالأمور القديمة ويبعث على البهت فضلا عن الإنصاف، فكيف بأمر قريب العهد. ولهؤلاء القذفة والخائضين نفوس وأكباد وعشائر وأحباب، وفيهم مثل عبد الله بن أبيّ بن سلول، ويتصلون بأعداء رسول الله ﷺ من اليهود وغيرهم، ولهم الحرص الشديد على كذبة أو زلة تقع منه فما قدروا، فلو لم يكن في هذه القصة إلا إنسان واحد أو عائشة وحدها وكان هناك كذب لظهر، فكيف وفيها جماعة، فلو لم يكن الله قد أطلعه وأخبره بصدق عائشة وصفوان لما أخبر بهما فإن كان لا يأمن كذبهما، هذا لا يختاره عاقل سيما وهو يدعي الصدق.

فقد علمت أن الملوك وطلاب الدنيا لا يؤمن غدرهم وكذبهم وبهتهم، بل تلك عادتهم وسجياتهم، وهم يطوون أسرارهم ولا يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد من ثقاتهم ممن يشاركهم في ملكهم ونعمهم، ثم لا يأمن إن أظهر ذلك على نعمته ودمه، ثم لا يلبث السرّ الذي هذه سبيله أن يظهر ذلك في زمن الملك من جهته أو من جهة ذلك الثقة الذي أطلعه عليه، وليس للناس بإظهار ذلك عناية، وربما لم يكن في ذلك ما يتعلق بالدين وفيه معاداة الناس كلهم، وعنايتهم به وطلب عثرات من أتى به شديدة، ويتمنون وقوع ذلك منه. ومن لا عيب فيه ولا عادة في وقوع الكذب منه ومن يدّعي العصمة فصغار الأمور كبيرة منه، وقد يشيع عليه بما يشبه العيوب والذنوب بأنه عيب وذنب، ويتعلق عليه بمشكل الألفاظ ومتشابه الكلام. وقد كان أعداؤه ﷺ معه وبهم من الكثرة والقوة والملك والسطوة ما قد عرفه الناس، ومع هذا فقد ارتد من ارتد من قبائل العرب بعد موته، وناظرهم أصحابه وحاجوهم وحاربوهم فما أمكن أحد من أولئك الأعداء من المرتدين ولا المنافقين ولا اليهود ولا النصارى أن يقيموا حجة في هفوة أو زلة أو فيما يشبه ذلك كان منه ﷺ مع حاجتهم إلى ذلك وحرصهم عليه، فكانوا يدفعون بأس أصحابه عن أنفسهم بذلك ويوقعون الخلاف بينهم بذلك، لأن أصحابه إنما استحلوا دماء من خالفه ديانة لأنه نبي ولأنه صادق لا يخطئ ولا يزل ولا يكذب، ولو وقع منه شيء من ذلك لما حلت نصرته ولا تصديقه ولا اتباعه، فلو كان فيمن زكاه وشهد على ضميره ونيته من ليس كذلك لما لبث أن يخبر بذلك ويرجع عن نبوته وتصديقه، وكان لا يسر بما أظهره من تزكيته لأنه يعلم أنما أظهر تلك التزكية والتصديق حيلة عليه وخديعة له وسخرية منه. فكيف والذين زكاهم وشهد على ضمائرهم جماعات كثيرة في أوقات متغايرة، وكذا من شهد بنفاقه. فاعرف هذا فإنه باب كبير من ورائه أبواب في دلائل نبوته ﷺ.

ثم عدت إلى ما كنت بدأت به، فمن هذا الجنس قوله تبارك وتعالى: {لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ}. فتبين رحمك الله ما في هذا، فقد تقدم لك شرح نظائره. ثم قال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} وهذا في قوم معروفين استأذنوه عليه السلام ثم قال فيهم: {وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} وهذا خلاف تدبير عقلاء البشر، فإنهم إذا خلفوا من خلفوا خوفا من ضرره وهربا من شره وقدموا من قدموا ليهلك فيستريحون من شره لا يفضحون بذلك ولا يظهرونه وإنما يظهرون خلافه، فيقولون لمن خلفوه إنما خلفتك لحاجتي لتكون من ورائي ولثقتي بك ولتعويلي عليك، وكذا يقولون فيمن يقدمونه. ثم قال: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ} يريد ما كان من حرصهم على قتلك واستئصالك حتى طمعوا فيك لوحدتك ثم لضعف من اتبعك حين آمنوا بك ولقلتهم حتى جاء ما وعد الله من النصر والظفر والظهور. ثم قال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ} وقد كان ﷺ قال للجد بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر، يعني الروم. فقال هو وغيره: بل تأذن لنا فنقيم ونتخلف ولا تفتنا فتغلظ المحنة علينا بأمرك إيانا بالخروج وترك إعفائنا منه، فلعل ذلك أن يثقل علينا فنخالف أمرك فيه. فقال الله: {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} أي فيما ذكروا أنهم يحذرونه من المعصية والخلاف سقطوا، والنار من ورائهم محيطة بهم على أفعالهم ونفاقهم وقعودهم عنك. ثم قال: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ} وليس من تدبير عقلاء البشر أن يقول لمن أظهر طاعته وأنفق فيها ماله وبذل فيها مهجته: إن هذا لا ينفعك ولا يقبل منك. ثم قال: {وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ} وهذا من ذلك الجنس في المكاشفة. ثم قال: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ}، فقد كان للجد بن قيس ولعبد الله بن أبي وأضرابهما ممن نافق من الأوس والخزرج أموال ظاهرة ونعم وأولاد، وهم جماعة كثيرة، فأخبر الله نبيه بسوء أحوالهم في الباطن وأن أموالهم وبال عليهم والله يعذبهم بها بما يكلفهم من إنفاقها، فهم ينفقون أموالهم ويكدّون أبدانهم ويقاتلون أولياءهم مع أعزائهم، وهذا من ذلك الجنس. وليس يريد كفرهم، وإنما يريد تعذيبهم بكفرهم في حال كفرهم، كما قد يقول الرجل لصاحبه: إنما أريد أن تعودني وأنا مريض، وإنما أريد أن تزورني وأنا محبوس، وإنما أريد أن تسد خلتي وأنا فقير، وهو لا يريد أن يكون مريضا ولا محبوسا ولا فقيرا، وإنما يريد أن يعامل بهذه المعاملة وهو في هذه الأحوال، فكذا أراد الله تعذيبهم وهم كافرون، أي في حال كفرهم ولأجل كفرهم وإن كان لكفرهم كارها. ثم قال: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} وهذا في قوم من المنافقين معروفين اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فقال رجل كانوا يظنونه منهم وهو مسلم: والله الذي لا إله إلا هو إنه لحق ولأنتم شر من الحمير. ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فدعاهم فقال: أنتم القائلون كذا وكذا، فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله ذلك، فقال رجل منهم: قد والله قلنا، وأرى الله قد عرض علي التوبة وبذلها لي، والله لأقبلنها؛ فتاب واعتذر. وهو معروف. وقد قلت لك: إنك بعقلك تعلم أن هناك قوما هذه صفتهم وقد قالوا ما حكاه الله عنهم وإن لم نعرف أسماءهم وأعيانهم. وقوله: {وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} فقد كان رسول الله ﷺ يعطيهم من الغنائم إذا حضروا الحرب على ظاهر الإسلام ويعطيهم من الصدقات بظاهر الفقر، فأذكرهم الله بهذه النعم، وهذا كقولك ما لي إليك ذنب إلا نصحي لك ومحبتي إياك.

ثم قال: {وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} إلى قوله: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} وقد كان النبي ﷺ حث الناس على الصدقة، فجاء عمر بصدقته وجاء عبد الرحمن بصرة يعجز عنها الكف، وجاء عثمان أيضا بما هو معروف من عظم صدقته، وكذلك غيرهم من الصحابة. وجاء رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: لو كان لنا مال لأعطينا أكثر مما أعطى عبد الرحمن، وقالوا لصاحب الصاع: إن الله لغني عن صاعك هذا، فلمزوا من إعطاء الكثير ومن إعطاء القليل، فلهذا قال الله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} فلهذا فصل الله عز وجل بين الفريقين. وأما قوله: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} فإن الله لا يفعل سخرية الساخرين، ولا ظلم الظالمين، ولا استهزاء المستهزئين، ولا خداع المخادعين، ولا جور الجائرين، ولكنهم لما جازاهم على سخريتهم جاز أن يقال سخر منهم، وهذا جزاء، كقوله: {فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} و {جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} فالأولى سيئة والثانية جزاء. ثم قال: {وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} وهؤلاء قوم معروفون بأعيانهم تخلفوا عن الخروج مع رسول ﷺ إلى غزوة تبوك وقالوا هذا القول، وكان الخروج في أشد ما يكون من الحر، وكانت نصارى العرب قد خرجوا إلى ملك الروم يحثونه على قصده لرسول الله ﷺ، وقالوا له: هو وأصحابه في جهد وضر شديد، فانتهز الفرصة فيهم. فبادره رسول الله ﷺ وخرج بأصحابه وهم في ضرّ شديد وإعواز وعدم القوت، وتوجه نحو الشام في عشرة آلاف فارس وعشرين ألف راجل، وأقام بتبوك، وملك الروم بدمشق، فراسله النبي ﷺ ودعاه إلى إجابته والدخول في طاعته ووبخه. وكان له معه ما هو معروف.

{وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ}، والمعذّر بالتشديد هو المقصر الذي لم يستفرغ وسعه، والمعذر بالتخفيف الذي قد قدم فيما بينه وبين أخيه وصاحبه ما هو غاية في العذر. وكان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ: المعذرون بالتخفيف، ويقول: لعن الله المعذرين، ذهب إلى الذي يعتذر بغير عذر.

ثم قال: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ}. وكذا يجب على المسلم أن يرضى ما رضي الله وعمّن رضي الله ويسخط ما سخط الله، ولهذا قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يرضى بقدر الله". فالرضى بقدر الله واجب، وسخط المعاصي فرض لازم، فالويل لمن رضي بمعاصي الله والويل لمن لم يرض بقدر الله.

وقوله عز وجل: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا} إلى قوله: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وكان رجل من كبار الأوس يقال له أبو عامر عبد عمرو بن صيفي وكان يعرف بأبي عامر الراهب، وقد كان أظهر الترهب وأنه يطلب الحنيفية ودين الحق. فلما قدم النبي ﷺ المدينة لقيه أبو عامر فقال: يا محمد إلام تدعو، فقال إلى دين الحنيفية الذي تطلبه بزعمك، فقال له: ما أنت عليه؟ فقال له رسول الله ﷺ: بلى، ودعاه فأبى، وحسد رسول الله ﷺ، وقال له أبو عامر: الكاذب منا أماته الله غريبا شريدا طريدا، يعرّض برسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: نعم فعل الله ذلك بالكاذب منا. ثم أقبل أبو عامر على قومه ينهاهم عن اتباع رسول الله ﷺ وعن طاعته ويجتهد. وأعلام رسول الله ﷺ وآياته تتزايد وتظهر ويكثر أتباعه من قوم أبي عامر فيزداد غيظا. واتخذ مسجدا يجمع إليه الناس فيحادثهم وينهاهم من اتباع رسول الله ﷺ، ويزعم أنه على الحنيفية، وأن دينه سيظهر ويصير في جماعة وعز. فكان يجتمع إليه قوم من المنافقين، ويجلس إليهم اليهود ويقوون منهم الخلاف على رسول الله ﷺ. ثم إنه خرج إلى مكة وبعثهم على غزو النبي وحربه، ويقول: أنا معكم وقومي من الأوس معكم، فإذا لقيتم محمدا صرنا إليكم. وكان معهم في وقعة أحد، فلما تنازلوا نادى أبو عامر قومه معاشر الأوس: أنا أبو عامر، فقالوا: لا مرحبا بك يا فاسق، وسبّوه ولعنوه، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر. وقد كان خرج إلى مكة من قومه جماعة كثيرة وهم على رأيه في رسول الله ﷺ، وكانوا نحو خمسين رجلا، فقاتلوا المسلمين مع قريش قتالا شديدا. ثم صار أبو عامر إلى الروم ولقي قيصر ملك الروم بالشام، فدعاه إلى قتال رسول الله ﷺ والمسلمين وحرضه على ذلك، وهوّن أمرهم عنده بضعفهم وفقرهم وقلة عددهم وكثرة عدوهم، وخوفه العواقب إن هو لم يفعل ذلك بما لا يأمنه من قوة الإسلام. ثم إن أبا عامر مات بالشام طريدا غريبا وحيدا كما دعا رسول الله ﷺ، وهذا أيضا من أعلامه في إجابة دعوته.

وقوله: {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} دلالة على أن الفتنة بمعنى النعمة. وفيها دلالة على أن الله قد أنعم على الكافرين والمنافقين بنعمة الإيمان وأكمل عقولهم وقواهم وأزاح عللهم، فبدلوا نعمة الله كفرا وأبطئوا عن التوبة والتذكر.

وانظر إلى ما في قوله: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وهذه نزلت في هؤلاء الثلاثة من المؤمنين خاصة، وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار، وكان هؤلاء تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم ندموا واغتموا غمّا شديدا وحزنوا لذلك حزنا عظيما ضاقت صدورهم به، فأخبره الله عز وجل عن صدق نياتهم وخلوص ضمائرهم وما فيها من الحزن والغم بتأخرهم، وما كان ليتلو ذلك إلا وقد علم وتيقن ما في ضمائرهم. وفي هذا من الدلالة مثل ما تقدم، والكلام فيه مثل الكلام في ذلك، فاعرفه.

وكان تخلف عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة خلق كثير من المسلمين نحو ثمانين رجلا، وذكروا ما أخرهم، وصدقوا عن أنفسهم. ومنهم من لحق به بتبوك قبل أن يرجع إلى المدينة. وكانت هذه الغزاة صعبة شديدة، خرجوا في الحر الشديد، وكانوا في إضاقة وفي قلة من الزاد، وكان الزمان حريقا، وأقبل ﷺ من تبوك، حتى إذا دنا من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه من المؤمنين، فقال رسول الله ﷺ: لا يكلمنّ رجل منهم ولا يجالس حتى آذن لكم، وأعرض عنهم رسول الله ﷺ والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وعن أخيه، وحتى إن المرأة لتعرض عن زوجها. فمكثوا أياما، ويجعلون يعتذرون إلى النبيّ ﷺ بالجهد ويحلفون له، فرحمهم ﷺ واستغفر لهم. وقالت بنو سلمة لكعب بن مالك: امش إلى رسول الله ﷺ فاعتذر إليه وبايعه لعله يقبل منك، فأقبل معهم ورسول الله ﷺ جالس في المسجد يبايع، فسلم عليه فأعرض عنه، فقيل إن كعبا قال: لم تعرض عني يا رسول الله، فو الله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت، فقال رسول الله ﷺ: فما خلفك عني؟ قال: أما إني لا أعتذر إلى رسول الله ﷺ بعذر، لقد كنت شابا موسرا ولكن أصابني فتنة فتخلفت. فسمع مرارة بن ربيعة وهلال بن أمية بالذي قال كعب فقالا مثل قوله. فأعرض عنهم رسول الله ﷺ، فقاموا من عنده. فقالت بنو سلمة لكعب: والله ما أصبت ولا أحسنت ولو اعتذرت لقبل منك، فقال لهم كعب: والله لا أجمع اثنتين: أتخلف وأكذب وقد اطلع الله على ما في نفسي. فقالت بنو سلمة: والله إنك لشاعر مفوه بليغ جرئ على الكلام، فقال كعب: لن أجترئ على الكذب.

فمكث هؤلاء الثلاثة قريبا من شهرين لا يكلمهم أحد من المسلمين ولا يجالسهم، حتى أعرض عنهم نساؤهم، ووجلوا أشد الوجل، وخرجوا من أهاليهم إلى البرية، وطلبوا الفساطيط يأوون إليها بالليل ويتعبدون الله. وكتب جبلة بن الأيهم ملك غسان إلى كعب بن مالك أنه بلغنا أن صاحبك نبا بك وأقصاك، هلم إلينا فإن لك متحولا ولا تقم على الهوان. فأقبل كعب بكتابه إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال: يا رسول الله، ما زال إعراضك عني حتى رغب فيّ المشركون يدعونني إلى الشرك، فلم يراجعه رسول الله ﷺ. فرجع كعب أحزن ما كان وأشده كربا، وقد أقام أياما في الفسطاط ينتظر التوبة وهو بالحمى فضاقت عليه برحبها، فرجع إلى سلع فكان يقيم به بالنهار صائما ويأوي إلى داره بالليل، حتى نزلت التوبة له ولصاحبيه ورضي الله عنهم، ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة فقام من الليل فتوضأ واستن ثم قال لأم سلمة: الحمد لله الذي أنزل لإخواننا التوبة، فقالت: من هم يا رسول الله، فقال: كعب بن مالك وصاحباه، فقالت أم سلمة: أفلا أبعث إليهم وأبشرهم، فقال رسول الله ﷺ: أصبحي، فصلى رسول الله ﷺ الصبح وانصرف، فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار فقال لهم: قد تاب الله على إخوانكم الليلة، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، وسعى أبو بكر وعمر يبتدران كعبا ليبشراه، فسبق أحدهما صاحبه، فارتقى المسبوق على سلع فصاح: يا كعب بن مالك، أبشر بتوبة الله، فقد أنزل الله فيكم القرآن. وكعب جالس في مسجد قومه فسمع الصوت فوقع ساجدا يبكي سرورا بالتوبة، واجتمعت إليه بنو سلمة رجالهم ونساؤهم يهنئونه بالتوبة. وأقبل كعب سريعا إلى رسول الله فبايعه واستغفر له وبشره بالتوبة التي نزلت فيه وفي أصحابه، وقرأ عليه: {لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} إلى آخر القصة.

وهذا كعب بن مالك أحد الشعراء والسادة والبلغاء وكذلك صاحباه فمن السادة، وكانت هذه حالهم في تخلفهم وما امتحنوا به وما صدقوا به عن أنفسهم والإخبار عما في ضمائرهم، لتعلم حسن هذا التدبير وإدلال رسول الله ﷺ بالصدق والأمانة والبعد من كل ريبة ومن كل حيلة ومما جرى عليه أمر البشر. فتدبر ما يقرأ ويكتب لتعرف أعلام النبوة وتظهر لك حيل المحتالين على المسلمين في تشكيكهم فيها وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون، فإن القوم الذين قدمنا ذكرهم حين كادوا الإسلام تستروا بالتشيع، وقالوا: يجوز على أنبياء الله وحججه تزكية المشركين ومدح الكافرين وشتم النبيين والبراءة من الصديقين على طريق الخوف والاتقاء. وإنما قالوا ذلك لما قد قهرهم من مدح رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين لأبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة من المهاجرين والأنصار، فقالوا: إن هذا المدح على طريق الخيفة من هؤلاء واتقاء لهم ولبأسهم. وأنت ترى مكاشفة رسول الله ﷺ للأعداء في حال الوحدة وهو خائف يترقب، وهو في أيديهم وفي قبضتهم مقهورا مغلوبا، وقد تقدم شرح ذلك. وتقدم لك أيضا أن هؤلاء المهاجرين والأنصار قد علمنا أنهم أحباب رسول الله ﷺ وأولياؤه وثقاته وأمناؤه، وأنه كان يحبهم ويتوالاهم، وأن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، وأنه قد فرض على أمته وأهل طاعته محبتهم وموالاتهم كما فرض عليهم البراءة من الوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة بن ربيعة وأمثالهم من أعدائه من قريش ومن اليهود والنصارى على ما تقدم لك من شرح ذلك. وقد تقدم لك أيضا أن أنبياء الله وحججه لا يجوز أن يتقوا وإن خافوا وإن غلبوا وإن قهروا.

وأعجب الأمور أن رؤساء الجاهلية وأقيال العرب والمتبوعين والمطاعين كعيينة بن حصن والعباس بن مرداس وعامر بن الطفيل وأضرابهم قالوا لرسول الله ﷺ: إنا نحب أن نجلس إليك ونسمع منك ونحن وجوه الناس، وإنما حولك هؤلاء الفقراء والعبيد كصهيب بن سنان وخباب بن الأرت وعمار ابن ياسر وبلال، وأرواح ثيابهم كأرواح الجلود العطنة، ونكره أن ترانا العرب معهم، فاجعل لنا يوما ولهم يوما. فهمّ رسول الله ﷺ بذلك ولم ير به بأسا، رجاء لإسلام هؤلاء وأنهم متبوعون مطاعون يسلم بإسلامهم الخلق الكثير، فأنزل الله: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} وقد كان قوم من هؤلاء الرؤساء الذين قدمنا ذكرهم قالوا: يقدم هؤلاء العبيد والموالي والفقراء علينا، فأنزل الله: {وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وفي هذا المعنى نزل قوله عز وجل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}. فانصرف رسول الله ﷺ عن ذلك العزم ولم يفرد أولئك الرؤساء بمجلس يخصهم، وقدّم هؤلاء الفقراء والعبيد والموالي، فكانوا أقرب الناس إليه، ويجلس إليهم ما جلسوا، ولا يقوم عنهم حتى يقوموا. وقد كانوا عرفوا ذلك منه، وكانوا إذا أقبلوا يقول لهم: سلام عليكم مرحبا بكم، بأبي من عاتبني فيهم ربي، اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. يريد المتواضعين للمسلمين.

فتأمل هذا التدبير، وكم كان من الرؤساء من قريش وغيرهم يبطئهم عن الإسلام أنهم قد علموا أنهم إذا أسلموا لم يتقدموا عند رسول الله ﷺ على هؤلاء الموالي والعبيد، بل لم يكن رسول الله ﷺ يسوي بينهم، وإنما كان الناس يتقدمون عنده على السابقة والهجرة والبصيرة. فلما فتحت مكة وأسلمت العرب ويئس عدو الإسلام من الطمع فيه تحدث أبو سفيان وأمثاله من بني عبد مناف أن الذي أخرنا عن الإسلام أنا حسدنا بني عمنا من بني هاشم. ولقد أوفى الحارث بن هشام على مرقب حين خرج من مكة، فلم يبق بها نافخ ضرمة إلا خرج مودعا له ومستوحشا لفراقه، فقال: ما بلد أحب إلي من بلدكم ولا قوم أحب إلي منكم، ولكن حدث هذا الأمر فسبق إليه رجال ليسوا من أقدارنا، ولئن سبقنا عمار وبلال وصهيب إلى الإسلام فلن يسبقونا إلى الجنة، وأنا حبيس في سبيل الله ما حييت. فكان منه ومن عكرمة ابن أخيه وغيرهما من بني مخزوم وهم كانوا أعداء رسول الله ﷺ ومن مسلمة الفتح من الجهاد في سبيل الله وفي قتال المرتدين بعد وفاة رسول الله ﷺ حتى ردوهم إلى دين الإسلام ومن جهاد الفرس والروم ومن الصبر على تلك الشدائد ما هو مذكور في كتب العلماء.

وفي هذا المعنى ما كان آذن عمر بن الخطاب يخرج وببابه سادات العرب فيقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ أين خباب؟ فينهضون مقدمين مكرمين، وبالباب سهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وعيينة بن حصن، وأمثالهم من السادة. فنظر إليهم سهيل بن عمرو وقد تمعرت وجوههم من جلوسهم بالباب والإذن لأولئك قبلهم فقال لهم: ما لكم معشر العرب تتمعر وجوهكم، هؤلاء قوم دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم اليوم بباب عمر، لما أعد الله لهم في الجنة غدا أفضل. وهذا سهيل بن عمرو كان من أعداء رسول الله ﷺ ومن أشدهم عليه وهو من مسلمة الفتح، فاسمع قوله وتأمل أمره.

وكم يحدّث معاوية وآل أبي سفيان وآل مروان في ملكهم وفي سلطانهم بعد مضي أئمة الهدى أن الذي أخرهم وأخر أباهم عن الإسلام الأنفة أن يكونوا كمن قد قدمنا ذكره.

ومنهم من أخره الحسد والمنافسة، ومنهم من أخره منع إخوانه وساداته. وهذا باب مفرد.

وقد علمت أن الملوك والجبابرة قد تكون لهم الهفوات والزلات فتقف عليها ثقاتهم ووزراؤهم وشركاؤهم في الملك ومن يخافهم على دمه في التحدث بعيوبهم فيحدثون به في حياتهم ويلقونه إلى ثقاتهم ولا يملكون أنفسهم لثقل الكتمان على الناس، فأما إذا مات الملك أو الرئيس فيحدثون به كل أحد مجاهرين. هكذا جرت العادة ودلت عليه العبرة، وهؤلاء تحدثوا بهذا في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته، لتعلم وثاقة أمر النبوة وأن أمرها وأساسها وضع على مثل الجبال. وما كنا في هذا الباب وإنما كنا في بطلان قول الذين رموا الأنبياء بكتمان الحق وإظهار الباطل، فاتصل الكلام بما أشبهه فخرجنا إلى هذا.

ثم عدت إلى بيان بطلان قول هؤلاء، فتأمل قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا}.

وقد كان بعض سادات العرب وأغنياؤهم قصد رسول الله ﷺ ببعض شأنه، فأقبل ﷺ على كلامه رجاء إسلامه، وأتاه في تلك الحال ابن أم مكتوم - وكان أعمى- يكلمه، فتشاغل رسول الله ﷺ عن جوابه بذلك السيد فعاتبه الله هذا العتاب في شيء هذا قدره. فكيف يسوغ أن يظن عاقل متأمل بالنبيّ ﷺ ما ادعاه هؤلاء عليه.

وتأمل قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} وهذه نزلت في قصة زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ قد زوجها بزيد بن حارثة وكان مولى. وكان قد زوّج أيضا ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ المقداد بن الأسود وكان من الموالي، أراد رسول الله ﷺ بطلان مذاهب الجاهلية في الأكفاء، وكانت زينب هذه شرسة الأخلاق كثيرة النقار لزيد والخصومة له، وكان ذلك يشق على رسول الله ﷺ ويكره أذية زيد، وكان زيد لا يصبر ولا يطيق أخلاقها، وكان رسول الله ﷺ كالمتندم على تزويجها به ويقول في نفسه: ليتني كنت تزوجتها فكنت أحق باحتمالها والصبر عليها من زيد وغيره لقربها مني، وكان زيد إذا همّ بطلاقها نهاه رسول الله ﷺ عن ذلك وقال: اصبر واحتمل وأمسك عليك زوجك، فلم يصبر زيد فطلقها، فأحب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فكره استحياء من زيد وغيره، فقال الله عز وجل له هذا القول في شيء ليس بمعصية. ثم أمره بالتزويج بها لما أراده ونواه من صلة رحمه، ولئلا ينحرج المؤمنون في التزوج بأزواج أدعيائهم ومن يتبنونه ولم يكن من أصلابهم، فقال عز وجل: {فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}. فتأمل هذه الأقوال في هذه الأمور الصغار. وتأمل دعوى هؤلاء على رسول الله ﷺ كأنما يحدثونك عن مسيلمة أو عن كسرى وقيصر في سيرتهم، لا عن محمد رسول الله ﷺ وسيرته وتدبير الله له.

حول الآية الكريمة {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وكيف كان كما أخبر تعالى

وباب آخر

وهو قوله عز وجل: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} فكان ذلك كما أخبر، حتى تم أمر المسلمين وكانت العقبى لهم، وإن كان في خلال ذلك قد كانوا ينالون من المسلمين ويقتلون منهم إلا أن العقبى كانت لهم عليهم كما قد تبينت ولهذا قال ﷺ: {نصرت بالرعب}. وقد كان المسلمون يرون ذلك ويتحدث المشركون بما يجدونه منه وقالت بنت للحكم بن أبي العاص لجدها: ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا ولا أعجز في أمر رسول الله ﷺ منكم يا بني أمية، فقال: لا تلومينا يا بنية لا أحدثك إلا ما رأيت بعينيّ هاتين. تواعدنا مع قريش لنأخذه، فلما دنونا إليه سمعنا صوتا خلفنا ظننا أنه ما بقي بتهامة جبل إلا تفتت، فغشي علينا وما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى فلما جاء نهضنا إليه، قال فرأيت الصفا والمروة قد التقى أحدهما بالآخر فحالا بيننا وبينه فوالله ما نفعنا ذلك حتى رزقنا الله الإسلام.

ولقد قال لهم أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم، قالوا: نعم قال: فالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فقيل له ذات يوم: هو ذاك يصلي فانطلق إليه ليفعل به ما قال، فما رأيناه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، قالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: بيني وبينه حدق وهول وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.

واجتمع مرة الملأ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: قد التبس علينا أمر محمد، فلو علمنا رجلا يعلم الشعر والسحر والكهانة بعثنا به إليه يكلمه ويأتينا ببيان أمره، فقال عتبه بن ربيعة: أنا أعرف الكهانة والشعر والسحر وقد علمت منه علما، فأنا آتيه فلا يخفى عليّ أمره، فأتاه فقال: يا محمد، أأنت خير أم عبد الله، أأنت خير أم هاشم، أأنت خير أم عبد المطلب، فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا وتفعل وتفعل، إن كانت بك الرئاسة جعلناك رئيسا علينا حتى تموت، وإن كان بك الباه زوجناك عشرة نسوة تختارهن من قريش، وإن كان بك المال أعطيناك ما تستغني به وعقبك، والنبيّ ﷺ ساكت؛ فلما فرغ عتبة قال له رسول الله ﷺ: يا أبا الوليد قد قلت فاسمع: ثم قرأ ﷺ {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} حتى بلغ إلى قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ} فأمسك عتبة على فم رسول الله ﷺ وقال: أنشدك بالرحم لما كففت. ثم رجع إليهم فقالوا له: يا أبا الوليد رجعت بغير الوجه الذي ذهبت، فقال: يا قوم أمسكوا عن هذا الرجل فإن تم أمره فشرفه لكم، ومضى إلى منزله فقال أبو جهل: ما أرى عتبة إلا قد صبأ واتبع محمدا، انطلقوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: ما نراك إلا قد صبأت واتبعت محمدا، فغضب وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ولكني أتيته، وقص عليهم ما قاله له، قال: فقرأ عليّ: بسم الله الرحمن الرحيم {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} حتى بلغ {أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ} فأمسكت على فيه وناشدته بالرحم وعلمت أن محمدا لا يكذب، وخفت أن يأتيكم العذاب.

وقال الزبير بن العوام وهو يذاكر الناس بحال رسول الله وحالهم بمكة قبل الهجرة: رأيت نفرا من المشركين حول الكعبة ورأسهم يومئذ أبو جهل، وأقبل رسول الله ﷺ وهم يتآمرون بمناهضته، فقال لهم: قبحتم وقبح ما اجتمعتم له، قال: فخرسوا فما منهم إنسان يكلمه، ولقد رأيت أبا جهل وهو يعدو في إثر رسول الله ﷺ يعتذر إليه ويقول: يا محمد أمسك عنا ونمسك عنك، ورسول الله ﷺ يقول: لا أمسك عنك حتى تؤمن بالله أو أقتلك، فقال أبو جهل وأنت تقدر على قتلي، قال له رسول الله ﷺ: الله يقتلك ويقتل هؤلاء معك، فولى أبو جهل وأصحابه فما بقي من أولئك أحد إلا قتل. والصحابة يتذاكرون ذلك ويتعاودونه.

وقصة أخرى كانت لقريش مع رسول الله ﷺ بمكة، وقد قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشيّ حتى وقف على نادي قريش، فقال: يا معشر قريش، إني غريب وابن سبيل، وقد غلبني أبو الحكم بن هشام على حقي، فرجل منكم يأخذ حقي منه؟ ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد. فقال أهل المجلس للأراشيّ: ترى ذلك الرجل، يعنون رسول الله، إنه نديم أبي الحكم، اذهب إليه فهو يأخذ لك حقك منه، يهزؤن به لما يعلمون من شدة عداوة أبي جهل لرسول الله ﷺ، والأراشي لا يعرفه. فأقبل الأراشيّ حتى وقف على رسول الله ﷺ، فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حقي قبله وأنا غريب وابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي حقي فأشاروا عليّ بك، فخذ لي منه بحقّي رحمك الله، فقام رسول الله ﷺ معه، فلما رآه أهل المجلس قد قام معه قالوا لرجل منهم: اتبعه وانظر ما يصنع. فجاء رسول الله ﷺ إلى أبي جهل فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال محمد: اخرج إليّ، فخرج إليه وما معه روحه وقد امتقع لونه، فقال له رسول الله ﷺ: اعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ فقال للأراشي: الحق بشأنك، فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لي حقي، وجاء الرجل الذي بعثوه معه، قالوا له: ما الذي رأيت؟ قال عجبا من العجب، والله ما هو أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه، فأعطاه حقه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: ما لك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، وتحدثوا بأنهم هم أشاروا على الأراشي بمحمد هزءا بالأراشي لما سألهم وجيها عندك ونديما يأخذ له حقه، وما ظنوا أن رسول الله ﷺ يسأله ولا إن سأله في الأراشي إلا منعه وحرمه ونال منه ومن محمد، فقال لهم أبو جهل: ويحكم والله إن هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعبا وخرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني.

ومرة أخرى اجتمع الملأ من قريش في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى بآلهتهم كلها لو قد رأينا محمد لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت بنته فاطمة عليها السلام تبكي حتى دخلت عليه فقالت: يا أبت إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك ولو رأوك لقد قاموا اليك فقتلوك فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك فقال: يا بنية أدني وضوءا، فتوضأ ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم على صدورهم فلم يرفعوا إليه بصرا ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم وأخذ قبضة من تراب ثم قال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم بها فما أصاب رجل منهم من ذلك الحصباء إلا قتل كافرا.

ومرة أخرى كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويده في يد عثمان بن عفان، وفي الحجر عقبة بن أبي معيط وأبو جهل وأمية، فمر بهم رسول الله بين أبي بكر وعثمان، فلما حاذاهم أسمعوه ما يكره، وأدخل أصابعه في أصابع عثمان وطافوا جميعا فلما حاذاهم أيضا قال أبو جهل: والله ما نصالحك ما بلّ بحر صوفة، أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. ثم مضى عنهم وصنعوا به في الشوط الثاني كذلك، حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه، وقام أبو جهل يريد أن يأخذ مجمع ثوبه، فدفع عثمان في صدره فوقع لقفاه، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول الله ﷺ عقبة بن أبي معيط، فأفرجوا عن رسول الله ﷺ، فقال لهم ﷺ: أما والله ليحلّنّ بكم عقابه عاجلا، فما منهم رجل إلا رعب وأخذه إفكك، ثم قال لهم وهم في تلك الحال من الرعب: بئس القوم أنتم لنبيكم، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أبي بكر وعثمان فقال: أبشرا فإن الله مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيّه، إن هؤلاء الذين ترون يجري الله ذبحهم بأيديكم عاجلا. فقال عثمان وهو يذاكر الصحابة بهذه القصة: فوالله لأجرى الله ذبحهم على أيدينا يوم بدر.

وقال بعض العرب، وقد كان مع عدو رسول الله ﷺ في وقعة حنين: إن محمدا لما أخذ كفا من الأرض ورمانا به وقال شاهت الوجوه، وجدنا في قلوبنا الرعب.

ولسنا نقول: إن الله كان يمنع منه ﷺ في كل وقت ويرعب عدوه منه في جميع الحالات، بل قد ضربوه وسحبوه وخنقوه ووضعوا التراب على رأسه والسلا والفرث وأخافوه، ولكن بينا أن الرعب قد وقع كما قال الله وقامت به الحجة وانتقضت به العادة، فليس يقدح في ذلك أن لا يكون في كل وقت، كما أن العادة انتقضت بقتال الملائكة يوم بدر، فليس يقدح في ذلك ألا يكونوا قاتلوا يوم أحد.

في اخراج يهود بني النضير من المدينة وما فيه من آيات

وباب آخر

في الدلالة على نبوته، أن بني النضير من اليهود غدروا به بعد مهادنة كانت بينه وبينهم، فأرسل إليهم بعد أن سار إليهم ونزل عليهم: أنكم غدرتم بي ونقضتم الصلح الذي كان بيني وبينكم، ومع هذا يصعد عمرو بن جحاش ليطرح عليّ صخرة ليقتلني حتى أطلعني الله على ذلك، فأخرجوا من جواري. فأرسل إليهم عبد الله بن أبي بن سلول بغير واحد من أصحابه يشجعهم ويقول لهم: لا تخرجوا من دياركم فأنا معكم ومن ورائكم، فإن قاتلكم محمد قاتلنا معكم ونصرناكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأطلع الله نبيّه على ذلك، فقال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ}. فتلا رسول الله ﷺ هذه على الناس وأخبرهم بما كان من المنافقين وبما أسرّوه إلى اليهود ونادى بفضحهم، ثم أخرج بني النضير من ديارهم وأجلاهم، فلم يخرج معهم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه كما ضمن لهم، وقد قاتلهم النبي ﷺ فما نصروهم.

فتأمل كيف أخبر بما أسرّوا وبما تراسلوا وبما قد كان من كيدهم ومحالا يكون إن لو كان كيف كان يكون، ثم كان جميع ذلك كما أخبر وكما فصل، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون لأحد من المتخرصين، إلا لنبيّ صادق من الله.

ولقد ركب ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده من مرض أصابه على حمار عليه أكاف فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف، وأردف أسامة بن زيد بن حارثة، فمر ﷺ بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل مزاحم أطمه وحوله خلق كثير من المشركين ومن اليهود ومن المنافقين، وكان فيهم من المسلمين عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير وبشير بن سعد فتذمم رسول الله ﷺ من أن يتجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فقرأ القرآن، ودعا إلى الله عز وجل، وذكّر به، وحذّر وبشّر وأنذر، وعبد الله زامّ لا يتكلم حتى فرغ رسول الله ﷺ من مقالته، فقال ابن أبي سلول: يا هذا ما أحسن ما تقول إن كان حقا، فلو أنك جلست في بيتك فمن أتاك حدثته ولم تعرضه على من لا يريده، وشيع بعض اليهود كلامه، فأقبل سعد بن الربيع على اليهودي وقال: ما لك ولهذا لا أم لك، كف عن هذا المنطق، فقال ابن أبي سلول: وما قال؟ يذهب محمد إلى من أخرجه من بلاده ومولده فأما من لم يخرجه فلا يغشاه، وقال زيد بن اللضيب معينا لعبد الله: انظر يا محمد إلى الذين جاؤك فأخرجوك من بلادك فأتهم واترك من لم يدعك. وخاض المسلمون الذين كانوا في المجلس، وناظروا ووعظوا عبد الله مع إكرامهم له وهيبتهم له، إلى أن قال عبد الله بن رواحة: بل اغشنا بهذا في منازلنا ورحالنا فإنا نحب ذلك. فاغتاظ ابن أبي بن سلول مما كان وقال في ذلك:

متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ** تذل ويعلوك الذين تضارع

وهل ينهض البازي بغير جناحه ** وإن قص يوما ريشه فهو واقع

ثم قام رسول الله ﷺ وركب حتى أتى سعد بن عبادة وذكر له ما كان من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال له سعد: يا رسول الله، والذي أكرمك بالنبوة لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه، أنشدكم الله أتعلمون ذلك، قال القوم: نعم، فما يرى إلا أنك نزعت شيئا في يديه، قال سعد: والله ليرى أنك نزعت ملكه، لقد جئت وإنا لنجمع الخرز لنعقد على رأسه التاج، وأنت أحق من عفا عنه لأنه خالك.

فتأمل ما في هذا وانظر كيف يتكلم كل أحد بما عنده غير خائف ولا هائب، وانظر إلى عبد الله وتلك الجماعة من قومه واليهود الذين قد زينوا عداوته لرسول الله ﷺ. وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى دينه واحتج عليهم وتلا القرآن، فما أتوا بشيء يقدح فيما تلاه واحتج به، ولا قالوا هذا كلام يقدر على مثله، ولا أتوا بشيء أكثر من قولهم له: ما نريد أن تتلوه علينا ولا تدعونا إليه. وهذا عبد الله بن أبي عربي فصيح ومفكر داهية وملك من الملوك، وكذلك من معه فصحاء بلغاء وأعداء، لتعلم وضوح هذا الأمر ويأس الأعداء من قدح فيه. واعرف هذه المجالس والمواطن والمقامات.

ولقد قال له مربع بن قيظيّ من بني حارثة بن الحارث حين اجتاز رسول الله ﷺ عليه في حائطه ومعه أصحابه عامدا إلى أحد: لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فابتدره القوم، فقال لهم رسول الله ﷺ: دعوه فهذا أعمى القلب.

وكم كان القوم يقولون للأنصار: جئتم بغريب وغرباء فقراء وعاديتم الأمم وطمعتم في الجنة، جنة لعمري من حرمل، وطمعتم في الحياة بعد الموت، وهيهات لما توعدون. وترد الأجوبة عن ذلك مما هو في القرآن من أنه إن لم يكن هاهنا إعادة ومجازاة فخلق العباد لهو ولعب كقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ} وقوله: {وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}. أي ليس هذا الأثر وهذا الفعل فعل من يجوز أن يكون منه لعب أو لهو أو عبث أو ظلم أو جور. ثم بيّن اقتداره على الإعادة مما هو مذكور في سورة بني إسرائيل، وفي سورة يونس، وفي سورة الروم، وفي سورة الواقعة، إلى أن قال رسول الله ﷺ: يا عجبا كل العجب للشاكّ في قدرة الله وهو يرى خلقه، ويا عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، ويا عجبا كل العجب للمكذب بنشور الموت وهو يموت كل يوم وليلة ويحيا. ويا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور، ويا عجبا كل العجب للمختال الفخور وإنما خلق من نطفة وهو يعود جيفة وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به. إلى غير ذلك مما كان يذكره ﷺ ويذكره أصحابه رحمهم الله مما أصله في القرآن، ولم تكن العناية تشتد به استغناء بالقرآن ولأنه تنبيه على ما وضعه الله في العقول، فهو متحل بمن نظر ثم فكر واعتبر.

وقد كان لعبد الله بن أبي بن سلول حين أظهر الإسلام مقام يقومه كل جمعة، إذا جلس رسول الله ﷺ ليخطب الناس فيقوم عبد الله ويقول: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم كرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا، ويجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام يوم الجمعة يفعل ما كان يفعل، فأخذ الأنصار بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ويقول: والله لكأنما قلت هجرا أن قمت أسدد أمره فوثب علي أصحابي يجذبونني ويعنفونني كأنني قلت هجرا، قالوا: ارجع يستغفر لك رسول الله، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي، فاجتمع إليه قومه ممن على رأيه وفي نفاقه، واليهود يتوجعون له ويقعون في رسول الله ﷺ والمسلمين ويدبرون الرأي ويعملون الحيل في شيء يصنعونه بالأنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ﷺ فلا يجدون، وهذا من تلك المواطن وموضع الحاجة.

ولما أخذ أولئك المنافقون في التتبع على رسول الله ﷺ، والتعرف لأخباره، والتحفظ لما يكون منه مع المسلمين ومع غيرهم، وقد اختلطوا بالمسلمين وأظهروا الإسلام، فينقلون الأخبار إلى إخوانهم وأمثالهم من المنافقين واليهود، ويحلون معهم. وكان هؤلاء المنافقون أكثر من ستين رجلا، فلما كثر منهم ذلك تقدم رسول الله ﷺ بإخراجهم من المسجد، فقام الأنصار فأخرجوهم وسحبوهم واحدا واحدا وأذلوهم، وقالوا لهم: يا أعداء الله، قد اختلطتم بنا وصليتم معنا، وأصغيتم إلى حديثنا مع رسول الله ﷺ، فلا أنتم وجدتم ما تحبون وتتمنون، ثم لا تنتهون ولا تخلصون. وهذا من تلك المواطن التي قد تقدم نظائرها وأنها لا تكون من تدبير البشر، فانظر إلى هذه المكاشفة. فلو وجدوا عثرة أو زلة أو ما يشبه ذلك لذكروه واحتجوا به، فهذا موضع الحاجة إلى ذكره، وهؤلاء المنافقون الذين سحبوا وأخرجوا من المسجد أسماؤهم معروفة وكذلك أنسابهم واحدا واحدا.

وفي هذا تكذيب لمن زعم أن رسول الله ﷺ كان يداهن أصحابه وأتباعه ويظهر تزكيتهم ومدحهم وتعظيمهم وإجلالهم ولا ينطوي على ذلك ولا ينويه ولا يضمره، وهذا يقوله من زعم أنه من المسلمين، وإنما وضع هذا من أراد الطعن في الإسلام وتحيير المسلمين وتشكيكهم وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون.

ثم انظر إلى اليهود منهم من بني قينقاع، مثل زيد بن الصليت، وسعد بن حنيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وعزيز بن أبي عزيز، وغيرهم من رؤساء بني قينقاع، وإلى بني النضير ورؤسائهم، كحييّ بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني قريظة ومن رؤسائهم كعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، والزبير بن باطا بن وهب، واعزال بن شماويل، وقزوم بن كعب، ونافع بن أبي نافع، ووهب بن يهوذا، وأسامة بن حبيب، وغيرهم من رؤساء بني قريظة. فهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ بالمدينة وحول المدينة وإلى من يحبذون رؤساءهم، فقد كانوا حين سمعوا رسول الله ﷺ وهو بمكّة وما ادّعاه من النبوة ثقل ذلك عليهم، سيّما على أحبارهم ورؤسائهم، فجردوا في عداوته وظاهروا قريشا والعرب عليه ونهوهم عن اتباعه وتصديقه.

وكانت قريش تشكوه إليهم، وكان من يجتاز من أهل مكة في متجرهم إلى الشام يذكرون لهم ذلك، وفي قريش من يقصدهم لهذا، كالنضر بن الحارث وأمثاله يطلبون منهم ما يكون فيه تكذيب لرسول الله ﷺ وما ينفر الناس عنه وعن القبول منه مما يجدونه في كتبهم ويأثرونه عن أنبيائهم ورؤسائهم، فيقولون لهم: سلوه عن يوسف وما كان من أمره وإلى أي شيء انتهى، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: سلوه عن أصحاب الكهف من هم وكم عدتهم، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: فاسألوه عن رجل مؤمن سار من مغرب الشمس إلى مشرقها، فينزل القرآن في ذي القرنين، إلى غير ذلك. فلما نزل رسول الله ﷺ المدينة وجاورهم وصار معهم، كانت عداوتهم أشد، وشغلهم به ﷺ وبالمسلمين والدخول بينه وبين الأوس والخزرج والنهي عن اتباعه. وكانوا معدن الشر والشبه والفتح على العرب أبواب الضلالة، وفيهم شجاعة وثروة، وكان كيدهم أحد من سيوفهم وأنفذ من رماحهم. وقد رحل بنو النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ إلى قريش وبعثوهم على حربه وقصده، وكان من بني قينقاع وقريظة وخيبر ما هو مذكور وشرحه يطول.

فانظر هل ظفروا مع طول هذا الطلب والحرص بزلة أو هفوة أو عثرة أو ما يشبه ذلك. وقد كان منهم باليمن وبعدن وبوادي القرى خلق كثير يمدون هؤلاء الذين بالمدينة ويصنعون صنيعهم في إلقاء الشبه للعرب. فتأمل هذا فكم فيه من نور وهدى.

ولقد كان هؤلاء وجميع أعداء رسول الله ﷺ يتراجعون أمره فيما بينهم، فإذا هم لا يجدون مطعنا ولا مغمزا. كالذي كان من بني قريظة قبل النكث ونقض عهد رسول الله ﷺ، حين قال عمرو بن سعد للزبير بن باطا: أطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فوالله أنكم لتعلمون أنه نبي قد بشر به علماؤنا، منهم ابن الهيبار وأبو عمير بن حواش ممن قدم إلينا من علماء بيت المقدس يتوكفان قدومه وأمرانا باتباعه وأن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينه ودفناهما بجزيرتنا هذه. فأمسك القوم فلم يتكلم منهم أحد. فأعادوا الكلام فقال الزبير: قد قرأت صفته في كتاب باطا التي أنزلت على موسى.

وذكروا صلاح بن الهيبار، وأنه حين حضرته الوفاة قال: ما الذي ترون؟ أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، قال: أتوكف خروج نبي قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تُسبقوا إليه فإنه يسفك الدماء ويسبي الذراري، فلا يمنعكم هذا منه، فقال له كعب بن أسد: فما يمنعك من اتباعه، قال: أنت، قال: كعب: ولم؟ ما حلت بينك وبينه، قال: أنت صاحب عقدنا وعهدنا، فإن اتبعته اتبعنا وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة إنه للعز والشرف، وإنه لعلى منهاج موسى وننال معه شرف الدنيا وننزل معه ومع أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا ولا يخفر محمد لنا ذمة، وننتظر ما يصنع حييّ بن أخطب، فقد أخرج إخراج ذل وصغار، ولا أراه يقر حتى يغزو محمدا، فإن ظفر فهو ما أردنا أقمنا على ديننا، وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير. وتحولنا من جواره. قال عمرو: ولم نؤخر الأمر وهو مقبل، قال كعب: ما على هذا فوت، متى أردت هذا من محمد أجابني. قال عمرو: بلى إن عليه لفوتا إذا سار إلينا وتحصّنا في حصوننا هذه التي هي قد خدعتنا فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا. قال كعب: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا بقول هذا الإسرائيلي لا يعرف لي فضل البتة ولا قدر النعال، قال عمرو بن سعدى: بلى، لنعرفن ذلك لك، وطال ما بينهم، ونزل قوم منهم ولحقوا برسول الله ﷺ وأسلموا.

فانظر إلى طول البحث والمراجعة بينهم، وإلى أعداء رسول الله ﷺ من رؤسائهم وأحبارهم وهم يصدون عن اتباعه بجهدهم، هل يقول قائل منهم هذا الذي من غدراته ونكثه كذا وكذا، وكذبه يوم كذا، وهذا موضع الحاجة إليه وإلى ذكره، أو أن موسى قد وصّى بأن شريعته لا تنسخ، وأن السبت لا يعطل مما يدعيه اليهود. والمناظرة والمراجعة تذكر بالأمور المتقادمة وتخرج الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله ﷺ فيه مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه ﷺ من مشهد وموقف بهم الحاجة إلى ما قد ذكرنا وبيّنّا.

وقد علمت مقامه بمكة وقد تفرغوا له وجعلوا شغلهم كله في طلب عثراته وفي الصد عنه، وفيهم مثل أبي لهب، وأبي جهل، وأخيه العاص، والعاص بن سعيد، والحكم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وابن الأصد الهذلي، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن عبد يغوث، وابن العيطلة وهو الحارث بن قيس بن عديّ السهمي، والوليد وأبي وأمية ابنا خلف، وأبي قيس بن الفاكه والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي، والأسود بن عبد الأشد، هؤلاء جيرانه. وكانت عداوة أبي سفيان صخر بن حرب، وعتبة وشيبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، وسلمة والحارث ابني هشام، وأمثالهم، تصغر في جنب عداوة هؤلاء وهو معهم وأسير في أيديهم بمكة، يضربونه ويخنقونه ويطرحون التراب الفرث على رأسه ويطرحون الجيف ببابه، فيقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا.

وكان الموسم إذا جاء يخرج إلى الموسم فينذر ويدعو إلى الله تعالى ويقول: أيها الناس، إن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله، هلموا إلى عبادة الله وحده، ويتلو القرآن فيتبعوه ويضربوه، ويرمي عمه أبو لهب أعقابه حتى يدميها، ويتفرقون في الشعاب وعلى الطرق إذا جاء الموسم، ويلقون الناس ليصدوهم عن رسول الله ﷺ، فيقتسمون الطرق على عقاب مكة، فيقول لهم الوليد بن المغيرة: تفرقوا حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عنه فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم ساحر، وبعضكم شاعر، وبعضكم غاو يفرق بين الأب وابنه وبين الأخ وأخيه، فإذا انتهوا إليّ صدّقتكم. وهؤلاء الذين كانوا يفعلون هذا: حنظلة، وأبو سفيان، وعتبة وشيبة، وأبو جهل والعاص بن هاشم، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أمية، وهلال، والسائب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ومنبه بن الحجاج، وأمية، وأوس بن المغيرة مولى وهب بن حذافة، وزمعة بن الأسود.

وكان أصحاب رسول الله ﷺ ممن أسلم بمكة يخرجون فيتفرقون مع هؤلاء المقتسمين، فإذا ذكروا ما عندهم في رسول الله ﷺ قال لهم المسلمون: كذب هؤلاء، بل محمد رسول الله صادق يدعو إلى عبادة الله وحده وإلى صلة الرحم ورحمة اليتيم، وإلى كذا؛ ويتلون القرآن، وأولئك يمنعونهم ويضربونهم في الموسم الذي يأمن فيه الناس، فلا يأمن فيه رسول الله ﷺ ولا أصحابه وهم يدعون إلى الله، ويقولون هذا مع كونهم مقهورين مغلوبين وقليلا وضعفاء يخافون أن يتخطفهم الناس.

فتأمل هل قدرت قريش أو أهل مكة أن يقولوا فيه ﷺ إنه غدر أو كذب أو احتال أو أتى بفاحشة أو شيئا مما يدعيه أعداؤه وملحدة زمانك، مع طول تلك السنين التي كان مقيما فيها بمكة منذ ادعى النبوة وهي خمس عشرة سنة، فما زادوا في الطعن فيه على التكذب عليه. وكان أهل الموسم إذا سمعوا قول أصحاب رسول الله ﷺ يقول بعضهم لبعض: قول هؤلاء أحسن وخير.

فتأمل رحمك الله الأمور، وأطل الفكر والتأمل وأصر على ذلك، لتعلم حقائق الأمور. فقد بليت في زمانك بمن يقول في الصحابة المكيين والمهاجرين والذين بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول ﷺ لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما اعتقدوا إلا تكذيبه ولا أضمروا إلا سقوطه واحتياله.

وهؤلاء قوم اتبعوه وهو وحيد فقير ذليل خائف مقهور مغلوب، وأهل الأرض يد واحدة في عداوته وعداوة أتباعه؛ فخرجوا باتباعه من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزّ إلى الذل ومن الكرامة إلى الهوان ومن الراحة إلى النصب، ومن الأوطان إلى الغربة. وزعم ملحدة زمانك أنهم فعلوا [ذلك] نفاقا وأنهم كانوا منافقين. فمن ينكر بعد هذا أعجوبة، أو ينفي عن الناس حماقة أو يحسن بأحد ظنا، وهل هذا إلا كقائل قال: إن محمدا نبيّ المسلمين كان ينافق قريشا والعرب تدافعهم وإن كان قد خرج معهم إلى تلك الأمور، وإن السحرة قد نافقوا فرعون وداهنوه في اتباعهم موسى وانصرافهم عنه ومكاشفتهم له حين قال لهم: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} و {فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى. قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى}

والأعجب من هذا، أنه ﷺ قد أوجب على العباد موالاة هؤلاء المهاجرين السابقين وفرض محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم وحرّم سوء الظن بهم إلا أن يظهر منهم كبيرة، كما أوجب معاداة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان. هذا معلوم من دينه ﷺ ودعوته. غير ما قد ضمنه الله كتابه من مدح المهاجرين والأنصار وملأ القرآن به. وهذا كله خلاف ما يدعيه هؤلاء الذين غرّهم من لقنهم هذا، فإنه كاد بهذا الصنيع للإسلام والمسلمين من حيث لا يشعرون. وإنما أردنا ذكر حال أعداء رسول الله ﷺ من أهل جيرته وبلده وأهل بيته من طبقات قريش مع الدهاء، وأنهم قد توكلوا لجميع أعدائه وكفوهم وزادوهم على الكفاية، فما وجدوا شيئا يكون لهم حجة أو شبه الحجة في إبطال أمره، فبطل كيدهم مع طول العناء وبار مكرهم كما قال الله: {وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ}.

وقد خرج ﷺ إلى الطائف ودعا إلى الله وقال: أجيروني حتى أبلغ رسالة ربي ودعوا ما أنتم عليه فإن الله يسخط، وعاب دياناتهم وما كان عليه آباؤهم، وذم قريشا بما تأتيه من تكذيبه، فما كان عندهم في ردّه شيء إلا أن قالوا له: كيف اختارك الله من بين أهل مكة ومن بين الناس كلهم وهناك من الحكماء والعقلاء كفلان وفلان، وفي أهل الطائف فلان وفلان، وإذا كان الله قد اصطفاك فكيف أحوجك إلى نصرة الناس، إلى غير ذلك مما لقوه به من الجفاء. وقد غاظهم وأغضبهم ما ذكره من قبح أديانهم وتضليل آبائهم.

فانظر هل يرجعون في تكذيبه إلى حجة أو ما يشبه الحجة، وهل يجدون مطعنا أو مغمزا مع حاجتهم إلى ذكر ذلك في هذه المواضع.

ومن هذا الجنس، لما أمر الله عز وجل رسوله بعرض نفسه على القبائل، وهو أمر معروف وقد ذكره الناس وتحدثوا به. وممن كان يتحدث به عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أمر الله رسوله ﷺ بعرض نفسه على القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسابة، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة، قال: ومن أي ربيعة؟ ثم ذكر عليّ رضي الله عنه ما كان بينهم وبين أبي بكر، قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وقد غلبهم خصالا ولسانا، وكانت له عذبتان تسقطان على تربيته، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف عن قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم حد، قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله: يديل علينا مرة، ويديل لنا مرة، لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله، وهاهو ذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلى ما يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ، وقام أبو بكر يظلّه بثوب. فقال عليه السلام: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني. فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله ﷺ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال مفروق: هذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، هذا زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون الزلة مع العجلة. ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حزبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فهو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، التامة والشامة. فقال رسول الله ﷺ: ما هاتان الضربتان فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، نزلنا بينهما على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإنا نرى يا قرشي أن هذا الأمر الذي تدعو أنت إليه مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالحق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم لو لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك. فنهض رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد أبي بكر ويقول: يا أبا بكر أية أحلام في الجاهلية -أو أية أخلاق شكّ الراوي الراوي أيهما قال- ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم ببعض وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال علي رضي الله عنه: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ وكانوا صدقاء صبراء، وأنفذ رسول الله ﷺ معهم بعد أن تردد إليه منهم قوم بعد قوم يسلمون وينصرفون: مصعب بن عمير رضي الله عنه لتلاوة القرآن والتفقيه في الدين، وكانت الأوس والخزرج قبائل كثيرة وعددا جما فأسلموا طوعا بهذا الشرط وغلب عليهم الإسلام. ولغلبة الإسلام على هذه القبائل ولاستبصار أهلها ما كان في الأوس والخزرج منافقون لما رأوا قومهم وقد عمهم الإسلام وكانوا كثيرا، والمنافقون قليل فأحبوا أن يحقنوا دمائهم وأن يشاركوا قومهم في العز فأظهروا الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه.

ثم انظر إلى صنيع قريش فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فقد كان صار بها نحو المائة من كبار المهاجرين واستجاروا بالنجاشي ملك الحبشة فأجارهم وقبلهم، فعبدوا الله آمنين مطمئنين واستراحوا من المكاره التي كانت تجري عليهم من قريش فقد كانت عظيمة، فلما بلغ قريشا أمرهم قلقوا لذلك وقاموا وقعدوا، ثم ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فيهم رجلين منهم، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ثم لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن أن تكلموا النجاشي، ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه بأن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما الملك ثم قالا لكل بطريق منهم إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا فيهم إلى الملك أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قرّبا هداياهما إلى الملك فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وما عابوهم فيه. ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو وسائر قريش من أن يسمع النجاشي كلام المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي: لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل إليهم فدعاهم إليه. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وأمرنا به نبينا ﷺ، كائن في ذلك ما هو كائن. وكان عمرو بن العاص صديق النجاشي قديم المعرفة به والمهاداة له، وكان يرفعه في مجلسه ويكرمه الكرامة الكبيرة. فدخلوا عليه، وعمرو بن العاص عن يمينه، فلما بصر بهم من حول الملك قالوا لهم: اسجدوا للملك، وكان الصحابة قد جعلوا أمرهم إلى جعفر بن أبي طالب ليكلم الملك عنهم. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله وحده، فزبرهم من حول الملك فما سجدوا، فقال لهم الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل، فقال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجواري، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال له: فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحلّ علينا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك. فقال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم، فقال النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من {كهيعص} فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: هذا من عند الله انطلقوا فوالله لا سلمتكم إليهما. فورد على عمرو والبطارقة الذين أعانوه وهاداهم ما كرهوا، وغلظ عليهم. فلما خرجوا من عنده قال عمرو: والله لأبيتنه غدا بما أستأصل به خضراءهم، والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم واسألهم عما يقولون فيه. وبلغ ذلك المسلمين ولم ينزل بهم مثلها، فاجتمع المسلمون، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه، فقالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا عليه السلام كائن في ذلك ما هو كائن، فقال: فأرسل إليهم النجاشي، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الحصينة. وقد كان رسول الله ﷺ أرسل عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام ويقول له: عندك أصحابي فأجرهم وقربهم ولا تتجبر عليهم، وأرسل إلى المسلمين بما أنزله الله عليه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} فلما سمع النجاشي ذلك ضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ذلك فقال لهم: وإن نخرتم، ثم أقبل على المسلمين فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، ما أحب أني آذيت رجلا منكم بجبل ذهب. ردوا على هذين هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فنال بطارقتهم من هذا ما غمهم وساءهم. وخرج عمرو وصاحبه من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقام المسلمون عنده بخير دار عند خير جار. ثم أقبل عليهم وبسطهم ورفع منهم ولم يزل يسمع، وأسلم وأجاب رسول الله ﷺ عن كتابه بأني قد أسلمت، وترددت رسله وكتبه إلى رسول الله ﷺ مع هداياه، وأنفذ ابنه إلى النبي عليه السلام فغرق في البحر قبل أن يصل إليه. وكان من أمر النجاشي ما هو من المعلوم من إسلامه.

والذي أردنا من هذا أن مثل عمرو بن العاص قد تباهى في سب رسول الله ﷺ والتنفير عنه والصد عنه عند النجاشي. فانظر هل أمكنه أن يذكر في ذلك حجة أو ما يشبه الحجة، أو غدرة أو زلة. وقد كان رسول الله ﷺ هاجر وكان له مع قريش واليهود والنصارى تلك الوقائع والمشاهد، وقد شهدها عمرو وبلغه ما لم يشهده. فانظر هل كان عنده في ذلك شيء ينفر به عن رسول الله ﷺ أو يحتج به على المسلمين وقد استفرغ.

ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن الراوندي والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش سبيلهم سبيله في عداوة رسول الله ﷺ والمسلمين، وكم له مع النجاشي من المراجعات في أمر عمرو بن أمية الضمري ليمكنه منه ليقتله فما مكنه، ثم عاد بعد ذلك إلى النجاشيّ بمدة طويلة وسفرة بعد سفرة، فوعظه النجاشي ودعاه إلى الإسلام ورغبه في الهجرة، وقد كان أخوه هشام بن العاص أفضل منه وأجل قدرا فأسلم وهاجر وجاهد في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته واستشهد رحمة الله عليه.

فانظر إلى تدبير قريش في مهاداة البطارقة ليكونوا معهم على المسلمين وليصرفوا النجاشي عن المسلمين، فإن هذا تدبير العقلاء والدهاة والمنكرين، ولا يمكن العاقل الكامل المتأني أن يفعل أكثر من هذا ليعرف عقول قريش وخصوم رسول الله ﷺ من العرب على غيرهم، ثم ما أغنى عنهم فيما راموه من الطعن على رسول الله ﷺ.

وانظر كيف لما ذكره المسلمون بأنا نعرف أمانته وصدقه وعفافه إلى غير ذلك هل تهيأ لعمرو أو لغيره من أعدائه أن يقدح فيه أو ينكره، ورسول الله ﷺ ابنهم وهم ولدوه وهم ربوه ومعهم نشأ ومعهم أقام وسافر.

كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها

وباب آخر

أن معجزاته ﷺ والآيات التي نقضت العادات يغني بعضها عن بعض ويسد بعضها مسد بعض. فإن من استدل ببلاغة القرآن وفصاحته على نبوة النبي عليه السلام عرف صدقه وإن لم يعلم ما في القرآن من الإخبار بالغيوب، ومن لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب. وليس كذلك النصوص على الأمور التي يعم فرضها ويشمل وجوبها، فإن بعضها لا ينوب عن بعض ولا يغني بعضها عن بعض، ولا بد من أن يحصل العلم بكل واحد منها ويكون مجيء جميعها مجيئا واحدا. بيّن لك ذلك أن النص على القبلة لا يغني عن النصّ عن شهر رمضان، والنص على الجمعة لا يغني عن النص على غسل الجنابة، وكذا في الخمر، والخنزير، والزنا، واللواط، والأمهات، والأخوات، والبنات، وجميع الفروض العامة الوجوب، فاعرف ذلك.

وإنما ذكرنا هذا لأن قوما من الإمامية والرافضة ادّعوا أن رسول الله ﷺ نصّ على إمامة رجل بعينه، وأوجب على جميع الخلق من الذكور والإناث والعبيد والأحرار والمسافرين والمقيمين والمرضى والأصحاء طاعته واعتقاد ولايته وموالاته.

فقيل لهم: لو كان الأمر كما يدعونه لجاء العلم بذلك مجيء أمثاله من الفروض العامة الواجبة، لأن قوله ﷺ: "هذا إمامكم وهذا حجة الله عليكم بعدي" يجري في شمول وجوبه مجرى نصه على نبوته، وقوله: "أنا رسول الله اليكم". فهذا أعم في الفرض من القبلة وشهر رمضان. فإذا علمنا نصّه على القبلة وشهر رمضان فقد كان ينبغي أن يكون العلم بما يدعون أقوى.

قالوا: فاجعلوا ما يدّعيه من النص كالمعجزات التي هي غير القرآن. قيل له: إن إخراجكم هذا النص عن نظائره وأمثاله من النصوص من أدل الدليل على ضعف يقينكم فيه ويأسكم من صحته. وكفى بهذا بيانا منافيا في بطلان ما يدّعونه.

وأيضا، فقد علم كل من سمع الأخبار أنه ﷺ قد ادّعى النبوة وادّعى أن معه آيات ومعجزات ودلالات لا يرتاب بذلك من صدّقه ولا من كذّبه، فوازن ذلك. ونظيره أن يعلم كلّ من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ قد نص النصّ الذي تدّعونه. وهذا فليس بمعكم ولا لكم، فقد صار ما صرتم إليه من أمر هذه المعجزات عليكم لا لكم.

وأيضا، فإن هذه المعجزات التي مع النبيّ فيها ما يعلم كل من سمع الأخبار أنه عليه السلام قد ادّعى أنها حجة له في نبوته، ومنها ما اجتمعت الأمة عليه. وما تدّعونه فلا يعلم باضطرار ولا فيه إجماع، فهذا كما ترون في بعده مما تدعون.

وجواب آخر، أنه ينبغي أن تعلم أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القرآن يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن، وهذا تجده فيمن كثر سماعه واشتدت عنايته بمبعث رسول الله ﷺ وبمقامه بمكة وبهجرته إلى المدينة وبسيرته وبمكاتباته وبمراسلاته وبغزواته، ولهذا تجد أبا الهذيل وعمرو بن بحر الجاحظ ومحمد بن شبيب وأمثالهم من القدماء يدّعون في كتبهم التي صنفوها في النبوة في المعجزات التي ليست في القرآن العلم الضروري. وكذا أبو عمر الباهلي. وقد ذكر أبو هاشم في نقض الفريد نحو هذا، فادّعى في استسقاء النبي وفي إخباره عن المقتولين في غزاة مؤتة وفيما كان بين النبي ﷺ وأهل مكة من المراجعة في غلبة الروم على فارس علم الاضطرار. فاعرف ذلك، ولتشتد عنايتك بهذه الأمور لتساويهم في العلم بذلك.

كتب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم وملك فارس وما فيها من دلالات

وباب آخر

كتاب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم كما كتب إلى كسرى ملك فارس.

وكان كتابه إلى ملك الروم مع دحية بن خليفة الكلبي؛ وكان رسول الله ﷺ قد أمر دحية إلى أن يدفع كتابه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ملك الروم. فلما قرئ على قيصر فيما يدعوه إلى الله وعبادته وحده، وأن لا يضن بملكه، وأن لا يتحمل آثام الروم مع إثمه. وكان ملك الروم بالشام بحمص ودمشق، يشتو في بلد ويصيّف في بلد، فطال فكره في رسول الله ﷺ وفي كتابه، ووجد قلبه يخشع، فقال لأصحابه: التمسوا لي هل هاهنا من قوم هذا العربي الذي يزعم أنه نبيّ من أحد لنسأله عنه. فوجدوا بالشام رجالا من قريش قدموا تجارا في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش وفيهم أبو سفيان صخر بن حرب، فأشخصوا إليه وقد صار إلى بيت المقدس. فأدخلوا عليه وهو جالس في مجلس ملكه، وعليه التاج، وحوله عظماء الروم. فقال لترجمانه أيهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم إليه، فقال ملك الروم: ما قرابة ما بينك وبينه؟ قال أبو سفيان: هو ابن عمي، وما كان في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غير أبي سفيان. فقال ملك الروم له: ادن مني، ثم أمر أصحابه من قريش فجعلوا خلف ظهره عند كتفه، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل عن هذا الذي يزعم أنه نبي فإن كذب فكذبوه، فقالوا: نعم. ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب، فقال ملك الروم: فهل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ قال: لا، قال ملك الروم: فهل كان في آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال ملك الروم: أفيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون، قال ملك الروم: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا، ونحن الآن منه في هدنة ونحن نخاف أن يغدر. قال ملك الروم: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قال أبو سفيان: نعم. قال ملك الروم: فكيف كانت حربكم وحربه؟ قال أبو سفيان: كانت دولا سجالا، يدال علينا مرة ويدال عليه الآخرى، قال: بما يأمركم به؟ قال أبو سفيان: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عن كل ما يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وأولئك الملأ من قريش يسمعون قول أبي سفيان، فصدقوه. فقال ملك الروم لترجمانه: قل له: إني سألت عن نسبه فيكم فزعمتم أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال هذا القول أحد فيكم قبله فزعمت أن لا، فقلت لو كان قال هذا القول منكم أحد قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه في الكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك هل كان من آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك آبائه. وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حتى يخالط القلوب لا ينقضه أحد. وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك هل قاتلكم وقاتلتموه فزعمت أن قد فعل وأن حربكم دولا، وكذلك الرسل قد تبتلى ويكون لها العاقبة. وسألتك عما يأمركم فزعمت أنه يأمر أن تعبدوا الله وحده وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء وأداء الأمانة، وهذه صفة النبي، قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فأمر به فقرئ إلى أن انتهى منه إلى قوله: {يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظاماء الروم وكثر لغطهم فما أدري ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت: لقد أمر أمر بن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه. وقال أبو سفيان لأصحابه: والله لولا الحياء من أن يأثروا عني الكذب لحدثته عنه حين سألني، ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقت عنه، ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين قال لي: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن منه في هدنة ونحن نخاف أن يغدر.

فهذا أبو سفيان عدو رسول الله ﷺ إذ ذاك، وهذا كان قبل إسلامه وفي حال عداوته، والذين معه من قريش على حاله في العداوة، وهذا ملك الروم عاقل حازم. وانظر كيف استظهر في أن يسأل عنه ﷺ أعداءه. فأحضرهم وهم لا يدرون ما يريده منهم، وسألهم عنه على تلك السبيل التي استنطق واحدا منهم بحضرة جماعة بغتة على حال يبعد فيها المواطأة.

ثم قول أبي سفيان لأصحابه: لولا خوفي منكم أن تأثروا عني الكذب واستحيائي منكم لما صدقت ملك الروم عنه ولكذبت عليه، وما قدرت أن أطعن عليه إلا بقولي: ونحن نخاف أن يغدر، ما قدرت على أكثر من هذا. وخاف أبو سفيان أن لو كان وحده أن يسأل ملك الروم غيره فيتبين كذبه.

وتأمل قول ملك الروم: هل يرتد أحد سخطة لدينه أي لعثرة أو زلة تكون منه. ولما أسلم أبو سفيان كان يعيد هذا الحديث ثم يقول: فوالله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمر محمد ﷺ سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا له كاره.

وجعل ملك الروم كتاب النبي ﷺ بين يديه، وراجع الفكر فيه، وأدام المسألة عنه ﷺ. فقدم عليه أمية بن أبي الصلت الثقفي، وحكيم بن حزام القرشي، فسألهما عنه، فأخبراه بحاله ودعوته على نحو ما أخبر به أبو سفيان وأولئك النفر، فقال لأمية بن أبي الصلت: أآمنت به؟ قال لم أكن لأومن لنبيّ إلا أن يكون من ثقيف.

وكان هذا الملك متخشعا، ولما انكشف عنه جنود فارس مشى من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله.

وكانت القصة المعروفة التي قد تقدم ذكرها لك لقوله عز وجل: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} فرجع ملكهم إليهم في عام الحديبية، وأرسل ملك الروم إلى رجل كان برومية يقرأ بالعبرانية ويعرف الكتب القديمة، فكتب إليه يخبره بورود كتاب النبي ﷺ عليه، وبما ذكر فيه، وبما وقف عليه حين سأل عنه. فكتب إليه صاحب رومية أنه النبي الذي كنا ننتظر لا شك فيه، فلما وقف ملك الروم على هذا أمر بطارقته فجمعوا له في دسكرة ملكه، فأمر بها فأشرجت عليهم بأبوابها، ثم اطلع عليهم من علية له خوفا على نفسه، فقال: يا معشر الروم، إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، ووالله إنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه ونصدقه وتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا باب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها مغلقة، فقال: كرّوهم عليّ، فلما رجعوا قال: يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسرّ به. فوقعوا له سجّدا، وأمر بباب الدسكرة ففتحت لهم. وكان الناس يتحدثون بذلك، ويقول الروم: إن الملك [فعل] هذا امتحانا لأصحابه، ويقول غيرهم من النصارى: ما فعل هذا إلا لورود كتاب صاحب رومية عليه بما ورد. وقد كان بقي منهم من أدرك خلافة عبد الملك بن مروان. غير أن الجملة التي لا ريب فيها عند أهل العلم إكرام ملك الروم لكتاب رسول الله، ومسألته عنه، ومدحه له، وقوله إنه للنبيّ الذي كنا ننتظر، وما صنعه في الدسكرة، وما قاله لبطارقته والروم بعد ذلك من محاسنها وحزم ملوكها. والعلم بذلك كالعلم بكتابه عليه السلام إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، وتمزيق كسرى للكتاب واستخفافه به وبرسوله. وكانت كتبه ﷺ في أكارع الأدم يكتبها جهارا بعلم عدوه ووليه، وينفذها جهارا، ويعلم العدو والوليّ بما يكون من الجواب.

فتأمل الحال في ذلك وحال الملوك في زمانك الذين يزعمون أنهم من ولده، وكيف يسترون مكاتباتهم عن أوليائهم فضلا عن أعدائهم، ويكتمون ذلك بجهدهم، ويعظمون الكتاب ويزينونه ويصورونه ويهولونه، ويضمنونه المخاريق والخدع، هذا مع تسترهم بالإسلام، وأنهم من ولد النبي ﷺ والأئمة الذين وصى إليهم النبي ﷺ. ويكون مع تلك الكتب الأموال والهدايا والتحف العجيبة، ويذكرون للمكتوب إليه ملكهم، وأنهم قد وجدوا ذلك في كتب الحدثان وفي الملاحم والأبار، ويطمعون المكتوب إليه في المشاركة في الملك، وإن كان ملكا قالوا: نقرّك ونزيد في ملكك، ويحلفونه في كتمان ذلك وكتمان ما يلقونه إليه، ويهولون عليه بأن فلانا الملك، وفلانا الأمين، وفلانا السلطان، قد أجابونا، وهم أهل دعوتنا، وقد عرفوا حقيقة ما قلناه لهم، فبادروا في الإجابة لتكون لكم الوسيلة قبل ظهور الدعوة، وقبل ملك الإمام لجميع الأرض، وقبل انغلاق باب التوبة. وإنما يكتبون بهذا إلى الملوك الذين هم في الإسلام، والذين يزعمون أنهم شيعة، وقد تواطئوا لهم من كل وجه، وقد لاذوا برسول الله ﷺ، وأظهروا الاعتصام به، ويقولون: السنّة السنّة تكون الغلبة، وظهور الأمر على جميع الأرض، فلا يكون لذلك أصل، ويموت من وعدوه ذلك، ويتناسى، ويبتدئون فيسخرون بقوم آخرين فيبطل ذلك ولا يكون، ويبتدئون بقوم آخرين، ويموت ذلك الذي قالوا لهم إنه الإمام الذي يظهر، ويدعون إلى آخر ويموت الذي بعده، ثم الذي بعده كذلك.

كما وعدوا نصر بن أحمد أمير خراسان، ومرداويج الحالي، وأسفار بن شيرويه، وابن أبي الساج، وأمثالهم، ثم من بعدهم. ومات أولئك الذين كانوا يقولون في كل واحد منهم في زمانه أنه الإمام الذي يقوم ويغلب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها.

فتأمل وفكر، فبالفكر تكون البصائر. وإنما عرض هذا في ذكر كتبه ومكاتباته فضلا على ما تقدم لتعلم أن أحواله كلها محفوفة بالعصمة، مكنونة بالحجة الظاهرة والبينة القاهرة.

وإنما ذكرنا أحوال هؤلاء الملوك الذين في زمانك بعد ذكر من تقدم من ملوك بني أمية وبني العباس، لأن هؤلاء معك وفي زمانك، وهم يدعونك ويدعون الناس كلهم. فتأمل أحوالهم، فإنك إن ذهبت عما في زمانك كنت عما فاتك زمانه أذهب.

ولما ذكر الله عز وجل نعمه على بني آدم بما سخره لهم حين قال: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا} إلى قوله {وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} وهو كما قال عز وجل، فإن العاقل إذا ترك الفكر فيما يشاهد، وذهب عن معرفة النعم التي عليه في الدنيا، فهو عما أراده الله به من نعم الآخرة أذهب.

بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي

ومن جنس ما تقدم أن جرير بن عبد الله البجلي سمع بأرضه من رجل تاجر من اليهود قدم عليهم بمتاع يشترونه منه: لا والذي أنزل التوراة على موسى، فقال له جرير: من موسى هذا، وما التوراة؟ فقال اليهودي: موسى بن عمران رجل من بني إسرائيل أرسله الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه كتابا يسمى التوراة، فقال له جرير: فأخبرني خبره، فقص عليه شأنه، فقال له جرير: فهل أرسل الله أحدا قبله، قال: نعم، فقص عليه قصة نوح، قال له: فهل أرسل الله بعد نوح أحدا، قال: نعم، فقص عليه قصة إبراهيم، فقال له جرير: فهل غير هؤلاء؟ قال: كثير، فجعل يسم له الرسل، فقال له جرير: بأي شيء يرسلون، وما يقال لهم؟ قال: يرسلون أن يعبد الله وحده، وبالصدق وأداء الأمانة، وغير ذلك، قال له جرير: فكيف صنع قومهم بهم؟ قال: آذوهم وضربوهم وقتلوا بعضهم، ودخل في دينهم ناس من قومهم؛ وجرير يستزيده من حديثهم ويعجب، ويعجب قومه من ذلك، وهو شيء ما سمعوا به أصلا، ولا سمعوا أسماء هؤلاء الرسل، فضلا عن غير ذلك. فقال جرير: والله ما سمعت بهذا قط ولا ظننته، فلعل محمدا هذا القرشيّ رسول مثل هؤلاء، فقد سمعنا خبره ثم عزب عنا ذكره، وقد خفي علينا أمره. ثم شاور جرير من يعقل من قومه في الرحيل إلى النبي ليسمع منه وينظر فيما يقوله، فقيل له: إنه قد ساجل قومه الحرب ولا يؤمن عليك، ومن الرأي أن ينتظر الأشهر الحرم فيخرج للحج مع الحاج. فلما دخلت الأشهر الحرم رحل مع قومه فوافى إلى عكاظ وإلى ذي المجاز وإلى منى، وصدروا إلى مكة، فعمدوا إلى مجلس من قريش أكثره كهلا وأبداه شرفا، فجلسوا إليهم وتحدثوا معهم وباسطوهم في الحديث. فقال جرير: ما فعل صاحبكم هذا الذي يزعم أنه رسول الله؟ قالوا: فعل شرّا، شتمناه وشتمنا، وفعل وفعل، ثم حاربنا فقتلنا وقتلناه. فقال جرير: وما نقمتم عليه؟ قالوا: نقمنا سحره وكذبه، قال جرير: فكيف علمتم أنه ساحر؟ قالوا: سحر قلوب فتياننا حتى اتبعوه وعصونا، قال جرير: ما علمتم إلا بهذا؟ قالوا: لا، قال جرير: فما دلكم على كذبه، هل حدثكم شيئا فوجدتموه باطلا؟ قالوا: لا والله، إلا أنه يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله أن آلهتنا باطل، وأن سلفنا ضلال من أهل النار. قال جرير: دعوا هذا فماذا يقول سوى ذلك؟ قالوا: والله ما يقول إلا حسنا، إنه ليأمر بصلة الرحم، والكف عن المحارم، والخلق الجميل، والعفو عن المسيء، وأخلاق سوى ذلك جميلة لو قالها من عند نفسه ولم يزعم أن الله أرسله بها ما أنكرنا عليه، قال جرير: فلعله رسول الله، فقد أرسل الله رسلا قبله، إبراهيم ونوحا وموسى، قالوا: وأين هو من موسى؟ قال جرير: لمه، فأنتم خير وأكرم أم قوم موسى؟ قالوا: لا بل نحن، قال: فما أنكرتم أن يرسل الله منكم رسولا كما أرسل من قوم موسى؟ وجادلهم عنه ﷺ. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ساحر وكذاب، ثم قالوا لجرير: ألقيته قط؟ قال: لا والله ما لقيته قط ولا كلمته، ولكن هذا هكذا، فغلظوا في شتم رسول الله ﷺ وسبه، قال جرير: أنتم أعلم. ورجع إلى قومه وعشيرته بمن معه. فجاء قومه يسألونه عن الموسم، وعن العرب وما كان بينهم، فحدثهم بذلك، ثم قال: وغير ذلك، قالوا: وما هو: فحدثهم عن رسول الله ﷺ، وأنه بيثرب، وما كان من قريش، وأنه ما وجد عند عدوه مطعنا غير السفاهة، ووجدت قومه قد خافوه، فهل لكم في خبر، قالوا: ما هو؟ قال جرير: قد أرسل الله قبله رسلا، فهل لكم أن أخرج قبله وترسلوا معي رسلا تأمنونهم وتثقون بعقولهم وتطمئنون إليهم وإلى خبرهم، فنأتيه ونسائله، فلا يخفى أمره علينا، إن كان صادقا سالمناه وآمنا به ودخلنا في دينه وأخذنا لكم منه سببا وحبلا، وإن كان غير ذلك أريناكم برأينا. قالوا: ما بما قلت بأس. فأرسلوا معه من اختاروه، وخرجوا حتى قدموا عليه المدينة؛ وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: أتاكم خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك، وكان جرير جميلا سيدا وسيما. فلما قدموا المدينة نزلوا منزلا ثم لبسوا أجمل ثيابهم وخرجوا، فلقوا رسول الله ﷺ، وجلسوا إليه، وكلموه، وساءلوه عما يقول وما يدعي، وما يدعو إليه. فذكر ذلك وشرحه، وتلا القرآن، وبيّن لهم. فقال جرير: رضينا منك، وأسلم، وأسلم أصحابه ومن معه.

فتأمل ما في هذا. فإن بجيلة هي حي عظيم وقبائل كبيرة يجاورون مكة ما سمعوا باسم موسى فضلا على أن يعلموا هل أرسله الله، بل لم يعلم جلهم وأكثرهم أن هناك من يدّعي له الرسالة والنبوة، وهذا قد يكون من قلة الطلب والمساءلة، ومن قبل عدم من يقصد الناس ويدعوهم إلى ذلك ويذكرهم به، ومن قبل غير ذلك مما يطول شرحه.

وقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن بكر الاسفذاني صاحب أبي علي رضي الله عنهما حج، وكان كثير الحج، فأسرته القرامطة مرة ثم أرسلوه، فحصل في البوادي، فأجرى ذكر رسول الله ﷺ فلم يعرفوه، وقالوا: ما سمعنا به، فتعجب من ذلك. وهذا أبو الحسن كان كبيرا من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، وكبيرا من أصحاب الحديث، غزير الرواية زاهدا، واعظا مجيدا، وكان خلا لأبي الحسن الكرخي رحمة الله عليهما، وكان يلقى جبابرة الملوك من البريديين والديلم بالموعظة، ويصدقهم ويعظهم، وله كتب كثيرة في العلم، ولعل أكثرها في خزانة الوقف بالريّ. وكان يكثر تعجبه وهو فارسيّ من بلاد العجم ومن أهل عسكر مكرم، وهو أعلم الناس أو من أعلمهم بنبوة رسول الله ﷺ وبآثاره وبأخلاقه وشريعته، وقومه من العرب وجيرانه في البلد لا يعلمون شيئا من ذلك. وهذا إنما صار كذلك لترك السلطان العناية بالدين وإرسال العلماء والفقهاء في البوادي والآفاق كما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وخلفاؤه ولا يخلون القبائل من مقرئ وفقيه وساعي. ومع هذا فابتلي الناس بيحيى الطحاني وبأبي سعيد الجنابي وولده وأمثالهم من القرامطة في جزيرة العرب، فزعموا أنهم شيعة ودعاة إلى المهدي ابن رسول الله ﷺ، فقتلوا المسلمين ومن يقيم شريعة الإسلام، وسبوا المسلمين، وغزوا مكة وغيرها، وأحرقوا المصاحف، وصنعوا ما هو معلوم، فلهذا خفي على أولئك ذكر رسول الله ﷺ. وإذا تدبرت هذا إن دارت بصيرتك بصدق قوله في قصة نوح عليه السلام: {تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

فهذا جرير وبجيلة يقولون: ومن موسى، وما التوراة؟ وإن كنت قد علمت بعقلك بما تقدم لك، أنه ﷺ ما عرف ما أقصه من قصة نوح وغيره من الأنبياء إلا بالوحي. وانظر كيف صنع جرير وبجيلة في معرفة أخبار رسول الله ﷺ، فإنهم ابتدؤوا فسألوا عنه أهل بلده، وأهل بيته، ومن رباه، ومن ربّي معه، وأعداءه، ومن ناصبه وطلب عثراته، فعرف ما عندهم، فلم يجد عيبا ولا مطعنا، فرجع إلى قومه بمن معه فأخبروهم بما سمعوا، ثم تخيروا عقلاءهم وفضلاءهم فأرسلوهم إلى المدينة فسألوه وسمعوا منه. وهذا غاية ما يفعله العاقل الحازم المرتاد الطالب.

فتأمل هذا وما قبله من تلك المحافل والمقامات والمواطن التي تقدم لك ذكرها، مما كان بمكة وبأرض العرب وبأرض الحبشة وبالشام عند ملوك الروم وبالعراق عند ملوك الفرس، وأحضره فهمك، وواصل درسه. وتدبر قول قريش لجرير وبجيلة في رسول الله ﷺ إنه ساحر، فإنهم لما سمعوا القرآن ورأوا غيره من آياته ودلالاته ﷺ فلم يمكنهم دفعها بالحجة، قالوا: سحر وهذا ساحر، وإنما يقولون ذلك لما لطف وغمض ودقّ وأخذ بالعقول: هذا سحر وهذا ساحر. ولهذا قال أبو جهل حين خرجوا ومعهم القافة في طلب رسول الله ﷺ حين هاجر ومعه أبو بكر في قصة الغار: والله إني لأراه معنا في بعض هذه الشعاب يرانا من سحره وما نراه، ولما نزل قوله عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} سأل ﷺ عمه أبا طالب ليجمعهم له، فكان يراجعه ويدافعه، ثم أجابه لما يعرف من صدقه ولشدة محبته له فجمعهم، فلما حضروا، أطعمهم حتى امتلئوا شبعا من يسير من الطعام، وسقاهم حتى أرواهم من عسّ لبن، ثم ابتدأ بدعوتهم وإنذارهم لأن الله أمره بذلك، وإنه قال للملك: إني إن فعلت ذلك تفلق قريش رأسي فلق الخبزة، فقال لي: يا محمد، إنك إلا تفعل ذلك تعذّب، وإن الله قد اتخذ لك جندا تبعثهم، وإن الله ينزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان، وإن قريشا والعرب ليست على شيء من الله ولا لله، وإن الله يقول: إني خلقت عبادي جميعا حنفاء مسلمين، وجعلت ما يحلهم من رزق فهو لهم حلال، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي. فقطع أبو لهب كلامه وأمر أصحابه بالقيام فقاموا وخرجوا، وتحادّوا أنه أشبعهم وأرواهم من ذلك الطعام والشراب اليسير الذي لا يكاد يشبع الواحد ولا يروي، فقال أبو لهب: هذا من سحره، وهذا بعض سحره. كالذي قالوه لجرير وأولئك الرهط من بجيلة.

وهذا المقام الذي كان له مع قريش كتلك المقامات التي قد تقدم ذكرها من شأن الإسراء وقصة الروم وغير ذلك، لا يرتاب بها العلماء ولا يشكون فيها. وقد علمت أن إسلام الأنصار كان في الاستقصاء وطول السؤال والمراجعة أشد من استقصاء جرير وبجيلة. وفي نحو ذلك كان إسلام قبائل عبد القيس. وهذه كانت سبيل قبائل طيّ. وتأمل أحوال قريش من أعداء رسول الله ﷺ فيما كان يظهر من آياته ويصدق من أقواله، كيف كان يرجع بعضهم إلى بعض في الرؤساء خاصة: إن هذا الرجل ما تزل له قدم، ولا يخلف في شيء قاله، ولا يغني كيدنا له شيئا، متأسفين ومتحسرين على ما يخيب من سعيهم، فيقول بعضهم لبعض: فلعله نبي كما يقول، فنحن جميع وهو وحده، ونحن أغنياء وهو فقير، فيقول بعضهم لبعض: هذا من سحره.

ولما دخل سعد بن معاذ الأنصاري رحمة الله عليه مكة بعد هجرة النبي ﷺ إليهم، نزل على أبيّ بن خلف وكان خلّا له، فأراد أن يطوف بالبيت، فخاف عليه ابن خلف قريشا، فقال له: اصبر إلى أن يخف الناس، فلما خفوا خرجوا وطاف، فأبصره أبو جهل فقال له: أتطوف بالبيت آمنا وقد آويتم محمدا، لأفعلن ولأفعلن، فخاصمه ابن معاذ وجادله ولامه في عداوته لرسول الله ﷺ، وذكر عذرهم في قبولهم منه ﷺ، وأنه جاءهم بالنور والهدى، وأنكم على ضلال في تكذيبه، فلم يكن عنده ولا عند قريش حجة ولا ما يشبه الحجة، من ذكر زلة أو هفوة يصرفون سعد بن معاذ والأنصار عنه مع حاجتهم إلى ذلك. واستطال سعد على أبي جهل، فقال له أبي بن خلف: أترفع صوتك على أبي الحكم وهو سيد البطحاء، فقال له سعد: أما أنت فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يقتلك. فراعه ذلك، ودخل على امرأته كئيبا، فقال لها: أما تسمعين ما قال أخي اليثربي، زعم أنه سمع محمدا يقول إنه يقتلني، وما كذب محمد قط. فلحق المرأة من الرعب أكثر مما لحق أبيّا. فلما كانت بدر، قال له أبو جهل: اخرج معنا، فقالت له امرأته: اذكر ما قال أخوك اليثربي، فكره الخروج، فما تركه أبو جهل حتى أخرجه، فقتل كما قال رسول الله ﷺ.

والذي بدأنا به وأردنا خوض أهل مكة في عداوته ﷺ واجتهادهم في صرف الناس عن اتباعه بكل وجه وحيلة فلا يجدون مطعنا، واتصل بهذا إخباره ﷺ عن قتل أبي بن خلف فكان كما قال، وهذا آية أخرى.

وكم لاموا أنفسهم فيما بينهم لما نزل بهم ببدر، وقد كانوا خرجوا واثقين بالظفر برسول الله ﷺ وأصحابه لقلتهم وضعفهم، ولقوة قريش بالكراع والسلاح والمال وكثرة العدد، وكم تلاوموا فيما بينهم حين رجعوا من أحد وقد خرجوا في ثلاثة آلاف، وهم لا يشكون أنهم يظفرون برسول الله ﷺ وأنهم يسبون المدينة، ومعهم أبو عامر الراهب كما تقدم لك.

ولما رجعوا مع الأحزاب والخندق وقد جمعوا تلك الجموع، فنزل بهم من الريح والرعب ما قد تقدم لك ذكره، تجمع كل قوم إلى رئيس وصاحب يتعجبون من ذلك، فقال عمرو بن العاص للذين اجتمعوا إليه: والله إني لأرى أمر محمد يعلو على الأمور علو المنبر، فتشاوروا فيما يصنعون، فقال عمرو: إني قد رأيت رأيا، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي -وكان له صديقا- فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يده أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. وصاروا إلى النجاشي، فأقاموا عنده. وورد على النجاشي عمرو بن أمية الضمري رسول رسول الله ﷺ، وأفاضوا في ذكر رسول الله ﷺ وما أتى به وما دعا إليه، فأجمعوا على حسن ذلك، وعذلهم النجاشي في إبطائهم عنه. فما وجدوا في رسول الله ﷺ غميزة يذكرونها أو يحتجون بها، فكروا راجعين إلى مكة. وقد رحلوا إلى النجاشي غير مرة، وكانت له معهم في هذا الشأن محافل ومجالس.

ولقد قال خالد بن الوليد بن المغيرة لأصحابه وأهل أنسه قبل إسلامه وقبل هجرته: والله لقد استقام الميسم وإن الرجل لنبيّ، فحتى متى؟ ثم هاجر وأسلم بعد الحديبية، وهاجر بعده عمرو بن العاص وأسلم، وكان منهما ما هو معلوم.

ولما قسم رسول الله ﷺ شعره على أصحابه في حجة الوداع، ما زال خالد بن الوليد يضرع ويقول: يا رسول الله ناصيتك، يا رسول الله ناصيتك، فيها أرجو النصر، فنادى أبو بكر الصديق في الناس متعجبا ومعتبرا ومنبها، وقال: أيها الناس، هذا خالد بن الوليد الذي لقينا منه ببدر وأحد والخندق والحديبية ما لقينا، انظروا اليوم إليه وإلى بصيرته.

ولما قسم رسول الله ﷺ غنائم أرطاس، وأعطى المؤلفة ما أعطاهم، قال عيينة بن حصن: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فقال ﷺ: خير الناس يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. وكان ﷺ يقول في عيينة بن حصن: الأحمق المطاع، وكان من أمره معه ومع الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس المسلمي وتلك المؤلفة ما هو معلوم. ولما أعطاهم من تلك العناية ما أعطاهم، وحرم السابقين والبدريين والمهاجرين والأنصار، قال قائل من الأنصار: نظهر على هذه الغنائم بأسيافنا ويأخذها هؤلاء دوننا، وبلغه ذلك، فأرسل ﷺ وجمع الأنصار وقال: أخبروني عنكم معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلّالا فهداكم الله بي؟ قالوا بلى، قال: ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى، قال: فما مقالة بلغتني عن بعضكم؟ وأعاد عليهم القول، فقالوا: يا رسول الله أيما كان، هذا من بعض أحداثنا، فأما نحن فراضون. فقال ﷺ: هذا مال تألفت به قلوب هؤلاء الذين عهدهم بالإسلام حديث، وببصائرهم ضعف، أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رجالكم؟ قالوا: بلى، رضينا. وبكوا، فقال رسول الله ﷺ: لو شئتم أن تقولوا أتيتنا طريدا فاويناك، ومخذولا فنصرناك، لقلتم، فزاد بكاؤهم وخشوعهم، وقالوا: المنّة علينا في ذلك لله ولرسوله.

سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في السابقين والبدريين

وكم قد كان مثل هذا، فتأمل هذا المقال والفعال للفريقين من المؤلفة ومن الأنصار، ففيه العبرة الكبيرة والبصائر النيّرة، وتأمل سيرته ﷺ في السابقين والبدريين، لأهل بيته، وفي ولده وأزواجه، كيف حرمهم الدنيا وحماهم منها، وكيف ملأ قلوبهم بالوعيد والمخاوف، وكيف جعلهم أسوة الناس كلهم في الأحكام والقصاص والحلال والحرام، وفي أن من جازت شهادته من العجم والموالي على الحاكة والحجامين والزيالين، جازت شهادته على القرشيين والهاشميين والسابقين والبدريين، وكيف حرم الصدقات على أهل بيته وأوجبها في أموالهم للناس، وكيف شرع وبيّن أن الخطأ والزلل جائز على كل واحد من أصحابه وأهل بيته وخاصته، ووصى بمراعاة أفعالهم وأقوالهم وأن يذكروا وأن يعلموا وأن يتفقوا حين جعلهم قواما على المسلمين، ووكلاء وخدما، لما علم الله عز وجل أن الأتقياء والأولياء الأذكياء من قريش أحرص على رشاد المسلمين وصلاحهم من سائر الناس، فقال فيهم: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم. وتلك الأقوال التي قد تقدم لك ذكرها، فأحضرها فهمك وتأمل ما فيها.

الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

ثم لم يجعل العصمة والأمانة من الزلل في دين الله إلا له وحده إلى يوم القيامة، لا يشاركه أحد فيه، ولا يقوم مقامه ولا يسدّ مسدّه. فقبلوا كل ذلك منه، وخضعوا له، وتدينوا به، وأجابوه إلى ذلك على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها. لتعلم بمكان الاعلام والدلائل والبراهين التي انتقضت بها العادة فبهرت عقولهم، وقد كانوا من أعظم الناس نخوة وأنفة وحميّة. ثم لا تجدهم لما صحبوه واختصوا به وأجابوه حدث لهم نبوه عنه، ولا نفور منه، ولا طعن عليه في دينه لشيء وقفوا عليه، أو وقف عليه واقف، أو استراب فيه مريب في شيء من أحواله، لا من الرجال ولا من النساء، ولا من الخدم، ولا من الأزواج، لا في حياته ولا بعد وفاته، وأزواجه عدد كثير وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه وخاصته، وفيهن بنات أعدائه.

فإن قيل: أوليس الرافضة تدّعي أنه قد شهد بالعصمة لابن عمه عليّ بن أبي طالب، وأنه كالأنبياء في أن الخطأ والزلل لا يجوز عليه البتة في حال من الأحوال، ولا يلحقه سهو ولا غفلة، وأنه يسدّ مسدّه ويقوم مقامه، وأنه مفزع الخلق، وكذا ولده بعده، فيهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من يقول اثنا عشر، ومنهم من يقول أكثر.

قيل له: إنا لم نقل أن هؤلاء ادّعوا هذا، ولا أخبرنا عنهم، وإنما أخبرنا عن شرعه ﷺ وسنته ووصاياه، لا عما يقول هؤلاء. وقد تقدم لك الأدلة على بطلان دعاويهم، وأن أصحابه كلهم من أولهم إلى آخرهم أطبقوا على ذلك قرنا بعد قرن، ثم الذين يلونهم ثم التابعين لهم، ثم الذين يلونهم في القرون والاعصار، إلى زمن هشام بن الحكم، فإنه ابتدع هذا القول، ثم أخذ عنه الحداد والوراق وابن الراوندي، وأرادوا به كيد رسول الله ﷺ وإفساد دينه وتشكيك الناس في نبوته. وأحوالهم في شدة عداوته معروفة. وقد تقدم لك بيان ذلك والبرهان عليه بما لا حاجة لك إلى إعادته.

وقد ذكر أبو عليّ رحمه الله طرفا من ذلك في "التفسير" وفي "نقض الإمامة على ابن الراوندي"، وذكره غيره من العلماء. والعلماء يقولون: إن من قال إن رسول الله ﷺ جعل مفزع الذين أرسل إليهم واتباعه في العلم بالحلال والحرام إلى واحد، كمن قال ما أرسل إلا إلى ذلك الواحد، ولا آمن به ولا اتبعه إلا ذلك الواحد، ولا زكّى ولا مدح إلا ذلك الواحد، ولا شهد بالجنة إلا لذلك الواحد. قالوا: وإنما تكلم من قال إن بعض أصحابه أعلم من بعض وأوعى وأحفظ، وأنه ما استخلف على أمته واحدا بعده كما استخلف أبو بكر ويدله على ذلك.

فأما من قال ذلك القول فسبيله ما ذكرنا، ونظيره ما مثلنا. وهؤلاء يدّعون أن رسول الله ﷺ بيّن عصمته وعصمة ولده، ونصّ لأمته على ذلك، وأداه لهم بحسب وجوبه على كل واحد منهم من عبد وحر، وذكر وأنثى، وحضهم على ذلك، وأن الاعلام والمعجزات كانت تظهر عليه وعلى ولده، وأنها ظاهرة إلا على إمام الزمان الذي هو معنا وحجة علينا.

وقد علم كل عاقل سمع الأخبار أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قد ابتلي من الخلاف والتضليل والتخطئة والإكفار ما لم يبل بمثله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، فما احتج لنفسه بأنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ولا أن النبيّ نصّ عليه ووصى إليه واستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه -مثل الحسن والحسين وعبد الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب الأنصاري، وصعصعة بن صوخان، وعديّ بن حاتم، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وجهر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وشريح بن هاني، والأحنف بن قيس، وأبي الأسود الدؤلي، وغيرهم ممن أرسلهم إلى من خالفه من أهل البصرة، ومن أرسله إلى أهل الشام، ومن أرسله إلى الخوارج، ومن أرسله إلى أهل الكوفة يستنفرهم حين قعدوا عنه بمشورة عامله أبي موسى، وكان يجادل عنه بحضرته من كان يرد عليه من رسل معاوية ويجادل الخوارج- لا يعرفون شيئا مما يدعيه هؤلاء بوجه من الوجوه، ولا يرجع فيما يحتج به رضي الله عنه إلا إلى الاجماع، فيقول: وجبت طاعتي كما وجبت طاعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه قد بايعني من بايعهم، وإنما الأمر في الإمامة إلى السابقين والبدريين من المهاجرين والأنصار، لا إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويحتج بأنه من أهل الشورى التي وضعها عمر، ويحتج في التحكيم بالقياس، ويردّه إلى الاجتهاد، ويقول: قد أمر الله بإرسال الحكمين في شقاق يقع بين المرأة وزوجها وفي أرنب تصاب في الحرم قيمتها ربع درهم، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين، ويشير عليه ولده وأهله وأصحابه وخاصته الذين قدمنا ذكرهم وغيرهم، ويقولون له: الرأي أن تفعل كذا وقد فعلت كذا ولم يكن الرأي أن تفعله، كما قال له الحسن ابنه وابن عباس حين قبل البيعة، وكما قال له قيس بن سعد في شأن مصر، وحين قال له الأحنف في شأن التحكيم. ففي آرائهم ما يأخذ به ويدع رأيه لرأيهم، ومنه ما يقيم على رأيه دون رأيهم، ويقول: هو أصوب. وإذا فعل الشيء يسأل الناس عنه، هل هو صواب أم خطأ، ويسمع منهم ويجادلهم ويعتذر إليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض أصحابه لما حكّم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟ فقيل له: أما أهل الرأي فيقولون: إن عليا كان له بناء فهدمه، وكان له جمع ففرقه، فحتى متى يبني مثل ما هدم، ويجمع مثل ما فرّق، فلو أنه إذ عصاه من عصاه مضى بمن أطاعه فإما فتح وإما قتل، فكان أعذر مما صنع. فقال رضي الله عنه: أنا هدمت أم هم، أنا فرقت أم هم؟ وأما قولهم: لو مضى بمن أطاعه من أصحابه إذ عصاه من عصاه ففتح أو قتل فكان أعذر، فوالله ما غبي عليّ هذا الرأي ولا ذهب عني، ولكن كان هذان، يعني الحسن والحسين، متى حملت اتبعاني، وهذان، يعني محمد بن الحنيفية وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقدماني، فكرهت أن يهلك هذان فلا يبقى لرسول الله ﷺ ذرية، وكرهت أن يهلك هذان فإنهما شابان ومن أجلي أقدما، وسترون إذا عدت إن شاء الله إلى الشام، لا أدع هؤلاء في عسكري.

فانظر كيف يباحث أهل الرأي ويقبل الصواب ويحمده ويبين عذره لما هو.

ولما قال له قائل بالكوفة: ذهبت إلى الشام ورجعت فلم تصنع شيئا، فيكون من جوابه أن على الإنسان أن يجتهد رأيه، ولا لائمة عليه بعد ذلك. ولا يحتج في شيء من ذلك بنصّ، ولا حكمة، ولا عصمة، ولا آية ولا معجزة، ولا يقول: هكذا وصاني رسول الله ﷺ وقال لي: ينبغي أن تفعل كذا، ويقول لأهل الكوفة: اخترتكم على أهل البصرة وظننت أن عندكم ما أحب من الطاعة والنصرة، فقلت لابن عباس هؤلاء أشد شوكة، وهم أزالوا كسرى عن ملكه، فلم تكونوا كما ظننت.

وخطبهم مرة فقال: ليتني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا،

وجرعتموني بكأس التهمام أنفاسا.

ويقول في بعض أقواله: ندمت على كذا، ويقول:

إني عثرت عثرة لا أجتبر ** سوف أكيس بعدها أو أستمر

وأجمع الرأي الشتيت المنتشر

وقد قال في الجد بأقوال مختلفة، ورجع من قول إلى قول، وكذا في الخلية والبرية، وفي أمهات الأولاد، وفي غير ذلك. وهو في الاجتهاد وفي الرجوع من قول إلى قول أشهر من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. وكان يستقضي ويستعمل من يخالفه في الاجتهاد والرأي، ويحكم بغير قوله، مثل ابن عباس، وشريح بن الحارث، وأبي مسعود البدري، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وكان الناس في سلطانه وفي بلدان ملكه وحيث ينفذ أمره والبلدان التي هو فيها وفيها عماله يفتي الناس فيها بالرأي والاجتهاد بما يخالف اجتهاده ورأيه، مثل من كان بالكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن بالمدينة من زيد بن ثابت وغيره، ومن بالبصرة، ويعلم بذلك ويجاريهم فيه، فلا ينكره ولا يردّه، بل يسوغهم، ويصوب الأحياء ويترحم على الموتى، حين حكم أهل الكوفة في إبل ابني عم، أحدهما أخ لأم، فجعلوا أهل الكوفة المال كله للأخ للأم، فقال لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: هكذا فعل ابن مسعود، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن. وكان مذهبه غير هذا، إلى ما لا يحصى كثرة.

ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي عليه السلام ما نصّ على عليّ ولا استخلفه ولا كان علي يدّعي النصّ والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه ما نصّ على عمار، ولا على بلال، ولا على أبي ذرّ، لأن عليا قد كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وبقي بعدهم خليفة وسلطانا مائة ألف سيف تطيعه وتنقاد لأمره، وقد خوصم وخولف ونوزع، وجادل وخاصم أصحابه وأهله عنه، فما احتج قط بنص ولا وصية ولا عصمة مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له أحد من أولئك.

ومن عجيب أمر هؤلاء الإمامية أنهم يقولون: إن رسول الله ﷺ قد كان عرّفه عدوّه ووليّه وما يجري عليه بعده، وأنه خرج إلى صفين وهو يعلم أنه لا يظفر بمعاوية، وأن معاوية سيرفع المصاحف وينقض تدبيره ويفسد عليه أصحابه، ويرده كئيبا حزينا، وأن عمرو بن العاص سيغلب صاحبه أبا موسى إذا أنفذه للحكومة، ويجعل ذلك حجة لأهل الشام. وأن عبد الرحمن بن ملجم سيقتله في تلك الساعة، وأنه خرج إليه وهو يعلم أنه ينتظره ليقتله، وأن الحسين عليه السلام وجه بابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأخذ البيعة عليهم وهو يعلم أنه لا يتم له أمر وأن عدوه سيقتله، وأن أهل الكوفة لما كاتبوه بالمصير إليهم وضمنوا له النصرة فقبل كتبهم وقولهم وسار إليهم وهو يعلم أنهم لا يفون له، وأنه إذا صار إليهم ومن معه سيقتلونهم ويقتلون إخوته، ويحملون رأسه وذريته إلى الشام، وأن أمير المؤمنين استعمل مصقلة بن هبيرة الشيباني وائتمنه على كورة أردشير خرة وعلى مال من ناحية، وهو يعلم أنه سيغدر به ويخونه ويصير إلى معاوية، وأنه استعمل زياد بن سمية الثقفي على كورة اصطخر، وهو يعرف عداوته له، وما يؤول إليه أمره من مصيره بعده إلى معاوية، وقتله لشيعته، وإظهاره للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين عليه السلام، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله الذين استعملهم واختارهم، فخانوه وغدروا به. وأنه استعمل قيس ابن سعد على مصر، ثم أظهر تهمته وتقصيره والخوف من خيانته فعزله، مع شهامته وكفايته وأمانته وثقل وطأته على عدوه معاوية، واستعمل على مصر بدلا منه محمد بن أبي بكر الصديق، وهو يعلم أنه يقصر عن منزلة قيس، وأن معاوية سيقتله ويقتل أصحابه. وأنه بعد قتل محمد أنفذ الأشتر واليا على مصر، وهو يعلم أن صاحب القلزم سيقتله، وأنه والأئمة من ولده كانوا يعلمون ضمائر الخصوم الذين يرتفعون إليهم، ومن المحق منهم ومن المبطل، ويعرفون ضمائر الشهود والذين يشهدون عندهم ومن هو الكاذب من الصادق.

والعلم رحمك الله إنما يحتاج إليه لاجتلاب المنافع ودفع المضار. فهذ موضع الانتفاع بتقدمة المعرفة، ولولا ذلك لكان طلب العلم جهلا، والرغبة في المعرفة عناء. والله عز وجل يقول لنبيّه: قل يا محمد: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ} ويقول له في قوم كانوا يظهرون له الخير فيظن ذلك بهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ} وقال له في آخرين ظن بهم هذا الظنّ: {وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} إلى قوله: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} وقد قال ﷺ: "إنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أحكم بالظاهر والله هو المتولي للسرائر، فمن قضيت له بشيء بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار".

وهذا باب لا يتكلف نقضه على الخصوم، وإنما ذكرناه على طريق التعجب، فإنّ من عرف أمير المؤمنين وولده رضي الله عنهم يعلم أنهم كانوا لا يعلمون ما يدعيه هؤلاء عليهم، وأنهم كانوا يعملون فيها بظنونهم وما يغلب على رأيهم. وهؤلاء يزعمون أنهم كانوا يقصدون ما يفسد أمرهم ويقتل نفوسهم وأحبابهم ويشمت عدوهم ويميت سلطانهم ويكسر عساكرهم ويمكن لعدوهم على علم ويقين. فإذا الجهال من أعدائهم الذين يعملون بالجهل والخبط ويختارون لأنفسهم بجهلهم ونقضهم أسلم على عمالهم وأصحابهم، من معاوية وبني أمية، من هؤلاء العالمين المعصومين. فلو أراد مريد أن يبالغ في سبّ هؤلاء السادة صلوات الله عليهم لما بلغ منهم ما بلغ هؤلاء الذين زعموا أنهم لهم شيعة وأولياء. ولكن العلماء قالوا: إن أوائلهم أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ ولدينه ولأهل بيته، فلم يمكنهم المكاشفة بذلك، فادعوا أنهم شيعة، وتستروا بذلك، وسبوهم هذا السب وطعنوا عليهم هذا الطعن الذي لم يبلغه العدو المكاشف بعداوتهم من الحرورية وبني أمية.

وكذا يقول العلوية من بني الحسن، والزيدية من بني الحسين، والقاسمية والناصرية: الرافضة أضرّ علينا وأنكأ فينا من الحرورية وبني أمية الذين ولغوا في دمائنا.

ومما يزيدك في العجب قولهم: إن النبي ﷺ وأمير المؤمنين والذين يدّعون لهم الإمامة من ولده يعرفون اللغة الفارسية والرومية والهندية والقبطية والتركية والديلمية وسائر اللغات ويتكلمون بها، ولا يجوز أن يكون في أهل هذه اللغات أحد أعلم بها منهم؛ قالوا: ويجب أن يعلموا ذلك بدليل العقل، ولو لم يعلموا ذلك لكان نقصا فيهم وهم حجج الله على خلقه، والإمام لا يترجم له ولا يحتاج إلى ترجمان إذا حضره الخصوم، ولا بد من أن يكون عالما بجميع اللغات. قالوا ويجب أن يعلم جميع الأقلام، ويكتب بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب منهم، فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام كلها بالخطوط التي لا يكون أحسن منها، ونطقوا باللغات كلها، وأن النبي ﷺ قد كان قرأ صحف إبراهيم، وما نزل على آدم ونوح وموسى وداود وعيسى وجميع الأنبياء، بتلك الألسن، وكتبها بتلك الأقلام.

وأنت تجده ﷺ يحتج في نبوته على عدوه حين تلا عليهم ما في كتبهم بأنه من قبل الله وعلمه، وأنه ما تلا قبله كتابا ولا خطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون، ويدلّ بذلك، ويستطيل على الخصوم ويقول: إن الله قد نعته ووصفه للأنبياء قبله بأنه النبي الأمي. وهؤلاء يقولون لم يكن الأمر كذلك، وزعموا أنهم يمدحونه بهذا القول وفيه تكذيبه. فتأمل ما يجلب هؤلاء على رسول الله ﷺ وعلى دينه من المكاره. وهم يتجاوزون هذا إلى أن هؤلاء القوم يعلمون ما تريده السباع بعوائها، وكذا جميع الطير والبهائم، وهذا لهم مسطور. وأنت فقد علمت بدليل عقلك أن رسول الله ﷺ ما قرأ كتابا قط ولا خطه بيمينه كما تقدم ذلك، وبأي شيء تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان والعباس وعبد الرحمن وأمثالهم ما كانوا يكتبون بهذه الأقلام ولا يحسنون هذه اللغات إلا والعلم بأن رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين والحسن والحسين رضي الله عنهم ما كانوا يحسنون ذلك أقوى وأظهر، وأن هؤلاء ما كانوا يكتبون إلا بالعربية، وأن رسول الله ﷺ ما كان يكتب لا بالعربية ولا بغيرها من الأقلام. وهم يدّعون على رسول الله ﷺ وعلى هؤلاء الذين يدعون إمامتهم أنهم كانوا يحسنون الصنائع كلها، وأنهم أعلم الناس بها، من النجارة والخياطة والصباغة، وكل صناعة في الدنيا صغرت أو كبرت ارتفعت أو اتضعت، وأن رسول الله ﷺ كان أعلم بالشعر من كل شاعر. وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه العرب والعجم والفصيح والأعجم، ولا يستقيم له ولا يجري على لسانه، والله عز وجل يقول: {وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} فمن هذا الجنس مدائحهم لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وهو الغاية في تكذيبه والطعن في نبوته.

الرد على دعوى أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم

وانظر إلى قولهم فيهم أنهم كانوا يعلمون المكاره التي كانت تنزل بهم، وتفسد أمرهم، وتشمت عدوهم، وكانوا يسعون إليها على عمد وعلم، والله قد أقامهم حتى يحافظوا عباده ويمنعوهم من الفساد، ولا يمكّنوا من غفر حمار يهودي، وهم يمكنون من أنفسهم وعيالهم على علم، والله يقول: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ويقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} ويقول في قصة سليمان ﷺ: {فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ} يقول عز وجل: إن الجن وعفاريتها كانت تدعي علم الغيب، وفي الإنس من يدّعي ذلك لها، وكان سليمان عليه السلام واقفا بإزائها، ويستعملها في تلك الأعمال الشاقة المؤذية المهينة، وهي تعمل خوفا منه، وهو متكئ على عصا كانت في يده، فتوفاه الله عز وجل على تلك الحال، والشياطين لا تعلم، وهي تعمل وتظن أنه يراها ويشاهدها، وكانت إن قصّرت عذّبها، فهي تخاف نكاله بها، فبقيت على هذا حينا من الدهر تظنه حيا وهو قد مات، فلما أكلت دابة الأرض عصاه صلى الله عليه تبيّنت الجن أنه قد مات مذ حين طويل وهو حذاءها ولا تعلم، ولو علمت لانتفعت بهذا العلم ولتخلصت من العذاب المهين، فإنما يراد العلم بالعواقب لينتفع به. وهؤلاء يدّعون على القوم أنهم كانوا يعلمون العواقب ويلقون أنفسهم في المهالك. وقد بيّن عز وجل أن يوسف ﷺ لما أعلمه بالعواقب في تلك السنين انتفع بذلك العلم واستعمله، فدفع به المضار، واجتلب به المنافع، وصار به إلى ملك الأرض، وإلى أن خضعت له الملوك وألقت تقاليدها إليه، فقرت عينه وعين كل ولي له، وسجنت عيون أعدائه وماتوا كمدا، فقال لهم: ستتوالى عليكم سبع سنين خصبة، فلا تغتروا واخزنوا الطعام، فسيأتي بعدهن سبع شداد قحطة تأكلون فيها جميع ما خزنتم في السبع الخصبة، وليكن ما تخزنونه في سنبله وتبنه لئلا يعفن أو يقع فيه السوس، ولا تخرجوا من السنبل إلا ما تتدبرونه، حين قال لما سأله رسول الملك عن رؤيا الملك.

والله عز وجل يقول: {الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} بيّن عز وجل أن العاقل إذا علم العواقب بدأ بنفسه فتحرز من المضار سلم من المكاره ثم بعد ذلك ينتفع غيره إن شاء، ففي وقوعهم في المكاره من أدلّ الدليل على أنهم لا يعلمون العواقب، فلم قالوا لغيرهم: لو أطاعونا ما قتلوا، ما في هذا فضيحتهم. وهذا مثل قصة سليمان مع الجن.

فتأمل ما في هذا الكلام من الحكم البالغة. فإنه وإن كان كلاما في توبيخ الشيع فيما أضافوه إلى النبي ﷺ وإلى أهل البيت، ففيه بيان شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل رحمه الله حين استدعاه المأمون وسأله الكلام عليهم فقال لهم: أخبروني أيما أيسر عندكم، العلم بما سيكون أو العلم بما قد كان، فقال لهم: فأخبرونا عما قد كان، إن شئتم بالبصرة، وإن شئتم بالكوفة، وإن شئتم ببغداد، وإن شئتم في هذا القصر، بأن تقولوا في خزانة الكسوة كذا وكذا صندوقا أو رزمة أو عدلا، وفي الصندوق الفلاني كذا وكذا قميصا وكذا وكذا قباء وكذا وكذا عمامة، وفصّلوا ما في كل واحد منها، وهو شيء قد كان ووجد، وعرفه الخزان والفراشون، ولكم الكلام. فسكتوا فما أحاروا جوابا، وهذا شاف كاف بل زائد على الكفاية فما تحتاج معه إلى غيره في بيان فضيحتهم، فاعرف ذلك.

الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون أو أن الأئمة يعلمون الغيب

وكذا قال لهم أبو الفضل جعفر بن حرب رحمه الله: إذا قلتم إن النجوم تدل على ما كان ويكون وما هو موجود ومعدوم، فما يمنعكم أن تستدلوا على كنوز كسرى وقيصر فتستغنوا بها عن خدمة الملوك وطلب ما في أيدي الناس والتذلل لهم لأجل ما عندهم، وكذلك معادن الذهب والفضة والغوص على الدر، فيجعلون للملوك عليه الجعل الثمين، ويخبروهم بمبلغ ما فيها. وقد سألهم أبو علي الجبائي عن مثل هذا وسألهم أصحابه. وهذا ما لا حيلة لهم فيه. وإنما أنطق هؤلاء القرآن وما نبه الله عليه عباده مما تقدم ذكره، فعليك بمداومة درسه والفكر فيما تدرسه والتدبر له.

ولو كان للمنجمين فطنة الشيع وما عندهم لما انقطعوا في يد أحد، فإنهم كانوا يقولون: قد علمنا ما كان وما يكون ولكن لا نقول، ونخطئ على عمد، ونفضح أنفسنا على عمد، ونشمت أعداءنا على عمد، ولو شئنا لاستغنينا وأغنينا من شئنا ولكن لا نفعل على ضرب من التدبير. وعلى قول الشيع لا يفتضح كذاب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبئ، فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبيّ، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب من التدبير ولمحنة امتحني الله بها، كما تقول ذلك الشيع في أئمتها، فلا يكون للشيعة معهم كلام، ولا من قولهم انفصال.

فأما أنت رحمك الله، فلو قال لك قائل من المنجمين أو المحتالين المتكسبين هذا لكان من جوابك أن تقول: أنا أعلم أنك تكذب لأنك مضطر ملجأ إلى أن تغني نفسك وعيالك وإلى أن لا تفضح نفسك وتشمت عدوك، فأنت لا تعلم شيئا مما ادعيت ولا تقدر عليه ولا تجد سبيلا إليه.

والعجب أن الشيع تزعم أن الله أطلع الأئمة على هذه الغيوب لأنهم حجج الله على خلقه، ولتقوم حجتهم عليهم بهذه العلوم، ثم لا يظهر من هؤلاء القوم شيء مما يدّعون مع حاجتهم إلى ذلك. بل أفعالهم تشهد أنهم لا يعلمون ذلك، وأنهم كغيرهم من طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن. فسبيل أمير المؤمنين سبيلهم، بل الأمر في بابه عليه السلام أوضح في كذب هؤلاء عليه في ادعائهم له النص والعصمة والمعجزات، وقد خالفه من ذكرنا ونازعهم وخاصمهم فما احتج بشيء من ذلك مع حاجته إليه كما تقدم ذكر ذلك في غير موضع من هذا الكتاب.

والعجب أن أمير المؤمنين رضي الله عنه يسأل عما كان من طلحة والزبير، فيقال له: قد سارا مع عائشة إلى البصرة، فيعجب ويقول: ما ظننت أنهما يفعلان هذا، ويسأل عن معاوية وأهل الشام ويتعرف بأخبارهم من واحد بعد واحد، ويتعجب من إخراج من بالبصرة عامله عثمان بن حنيف منها بعد أن بايعوه، وأنه ما ظن أنهم يفعلون ذلك. ولما سار إلى البصرة وصار بالربذة قال: من له هداية بذي قار يهدينا ويعرفنا الطريق، فجاء رجل فقال له: أنا من أهدى الناس بذي قار، فسار بين يديه حتى جاء إلى ذي قار. ولما اشتبكت الحرب بالبصرة قال للحسن ابنه عليهما السلام: يا حسن، أما ترى، ودّ أبوك أنه قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، قال له الحسن: قد أمرتك وخوفتك فعصيتني، فقال: والله يا بني ما ظننت أن الأمر يصير إلى هذا.

وكان ابن عباس يقول: كان علي رضي الله عنه لسابقته وقرابته يرى أنه لا يخالف ولا يريد أمرا إلا بلغه، فلم يكن كما ظن.

ورأى عليه السلام على بنت له لؤلؤة من المال فعرفها، فانزعج، فقال: من أين لها هذه لله، عليّ أن أقطع يدها، فقال له أبو رافع خازنه على بيت المال لما رأى جده في ذلك: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فهدأ وسكت.

ودخل على الحسن عليه السلام رجل فقال له: من أنت ومن تكون؟ فقال له: أنا رسول معاوية إليك، فقال له: أوهكذا يدخل الناس على الناس، اخرج فاستأذن وسلم. ففعل ذلك ودخل بعد أن أذن له، فقال له: في أي شيء أرسلك معاوية، فقال له: يقول لك أنت من أهل العراق على غرر، قد راسلني رؤساؤهم بأنهم يسلمونك إلي، وهذه كتبهم، فألقاها بين يديه ليقرأها، فلما وقف على ذلك قال: حتى أعرف ما عند الناس، فخرج وعلا المنبر، وجمع الناس، ثم قال: يا أهل العراق، الله الله في جيرانكم وضيفانكم من أهل نبيكم، فبكى الناس، ثم خطبهم فقال: إنه والله ما ثنانا عن قتال معاوية شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وقد كنتم في مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وإنا كما كنا لكم ولستم كما كنتم لنا، وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، والباكي خاذل، والطالب ثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت ردنا عليه وحاكمناه إلى الله، وإن أردتم البقية أخذنا لكم بالوثيقة، فنادوه البقية البقية يا أمير المؤمنين، فجلس، وتعجب أن معاوية قد صدق عليهم، وقال: يا أهل العراق سخا بنفسي عنكم قتل أبي وجراحتكم لي وانتهابكم متاعي.

ولما مات معاوية عزم الحسين عليه السلام على المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله عن رأيه، فأخبره أن أهل الكوفة قد راسلوه وبايعوه، فقال له عبد الله بن عمر: لا تقبل منهم ولا تسر إليهم، ولا تأمن بني أمية، فإنهم طغاة ضلال طلاب دنيا، لا يبالون من قتلوا، فلا تغتر بأهل الكوفة فإنهم قتلوا أباك وخذلوا أخاك، وهم يسلمونك في طاعة بني أمية. فقال الحسين: هذه كتبهم وقد بايعوني، وأخذ عليهم مسلم بن عقيل البيعة لي، وكاتبوني بالقدوم عليهم وأنهم ينصروني؛ وابن عمر يقول له لا تثق بهم فإنهم يسلمونك، والحسين عليه السلام يذكر عنهم ويذكر ثقته بهم، وأنه قد راجعهم ووبخهم بما كان منهم، وأنه وثق منهم أنهم لا يسلمونه ولا يصنعون به ما صنعوا بأبيه وأخيه، فلما رآه ابن عمر واثقا بهم لا يقبل منه فيهم، قال له: أستودعك الله من قتيل.

وأتاه عبد الله بن عباس فنهاه عن المسير إليهم، وقال له نحو قول ابن عمر، فأخرج كتبهم وأقرأه إياها، يقولون: قد اخضرّ الجناب فأقدم، فإنما تقدم على جند مجنّد. فقال له ابن عباس: لا تقبل منهم، فإنما يدعونك إلى القتال وهم يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له: لا تفعل فإنهم لا يفون. فلما رآه ابن عباس لا يقبل منه، قال له: فلا تسر بعيالك معك فتقتل وهم يرونك. فسار بعياله معه واثقا بهم ليستوطن الكوفة، مسرورا مستبشرا بأنه لا يلقى قتالا ولا من أهل الكوفة خلافا ولا غدرا، وأنه يدخلها مع عياله بغير دافع ولا مانع.

ولم يكن عبيد الله بن زياد بالكوفة بل كان بالبصرة، فسار إلى الكوفة فأخذ مسلم بن عقيل فقتله، وقتل هانئ بن عروة المرادي، والحسين قاصد إلى الكوفة لا يعلم بشيء من ذلك. وأرسل أخاه من الرضاعة إلى الكوفة ليعرّف مسلم بن عقيل وأهل الكوفة بأنه عليه السلام قد سار إليهم وقرب منهم، فأخذه عبيد الله بن زياد فقتله، والحسين عليه السلام لا يعلم بشيء من ذلك. فلما قرب من الكوفة لقيه من قد جاء من الكوفة يريد البادية، فسأله عن الخبر، فأخبره بقتل مسلم وهانئ والرضيع، وأن أهل الكوفة ما دافعوا عبيد الله بن زياد عنهم، وأنه قد تمكن. فبقي عليه السلام كئيبا حزينا، وصار في نسائه مأتم بمسلم ابن عمه وكان زوج أخته، فقال له من لقيه: ارجع، فقبل منهم وهمّ بالرجوع. فقال له بنو عقيل إخوة مسلم: يقتل أخونا ونرجع وما أخذنا بثأرنا، سر بنا حتى نلقى أهل الكوفة. فسار معهم وظنّ أن أهل الكوفة إذا رأوه نصروه وصاروا معه على ابن زياد، وهو يسير وكل من يلقاه يقول له: ارجع فإن أهل الكوفة قد غدروا بك، وهو يظن أنهم إذا رأوه صاروا معه.

فلما قرب من الكوفة وجّه عبيد الله بن زياد بأهل الكوفة فأحاطوا بالحسين ومنعوه من الرجوع، فقال لهم: ويلكم بكتبكم جئت، ومنكم قبلت، وناداهم يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هذا كتابك، قد كنا ساكتين وعدونا عنا ممسك، فسللتم علينا سيفا كان مغمودا عنا، وفعلتم وفعلتم، فما زالوا يحاربونه، وعياله يضجون ويبكون، ومن معه من إخوته وولده وبني عمه يقتلون، وهو يبكي ويذكر قول ابن عمر، وكلما ضج نساؤه يقول: لا يبعد الله ابن عباس، وقد أيقن بالقتل، وهو يودع عياله ويوصيهم بأن لا يشقوا عليه جيبا ولا يظهروا عويلا، وأخته زينب تقول له: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله، أنا الفداء لك، أتغتصب نفسك على القتل، ويقول كيف أصنع يا أخية، اصبري واحتسبي، قتل أبي وهو خير مني، ومضى أخى وهو خير مني، ويحتسب على أهل الكوفة، وأنهم غروه وكذا أبوه، ويندم على قبوله منهم وعلى قدومه، وأنه ما علم أنهم لا يفون، وأنه ليته لم يقدم، وأنه حين قدم لم يقدم بعياله. وكم مثل هذا من أفعالهم وأقوالهم لو أردت أن تحصيه لاحتجت فيه إلى الطوامير الطوال، ثم كنت لا تأتي على جميعه لكثرته.

والعلم بأن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى المعرفة بما في نفس عدوهم ووليهم مثل غيرهم من الناس أقوى من العلم بأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب.

الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي رضي الله عنه وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا كان منكرا لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا

ولا يزال هؤلاء الشيع يقولون: الدلالة على أن أمير المؤمنين خير من أبي بكر وعمر وأن المعجزات كانت تظهر عليه أن قوما في زمانه قد ادّعوا فيه أنه إله العالمين ورب السموات والأرضين، وأن مثل ذلك ما قيل في أبي بكر وعمر.

قيل لهم: فقد ادّعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها آلهة وأرباب وعبدوها، وادّعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على قياسكم أن يكون قد ظهر منها آيات ومعجزات، وأن تكون خيرا من الأنبياء. وقد ادعى قوم لخلق بما تقدم ذكره.

ومن عجيب الأمور أن أفعال هؤلاء وأقوالهم تشهد بأنهم عليهم السلام ما ادّعوا ما تدعيه الشيع لهم من النصوص والوصايا والمعجزات. وقد تيقن ذلك كل متوسم ومتأمل، فقالوا ننصرف عن هذا كله لقول جاهل لا يعرف الربوبية من الإنسانية؟ فإن الذي ألقى هذا في عسكر أمير المؤمنين إلى قوم جهال لا يعرفون عبد الله بن سبأ وهو المعروف بابن السوداء، وكان يهوديا من ناحية اليمن، وكان خبيثا منكرا، فأظهر الإسلام في زمن عثمان، وسار حتى أتى الحجاز، وأظهر التقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاختلاط بالمسلمين. وكان يطلب الرئاسة فلم يقم له سوق ولم يؤبه له. فرحل إلى الكوفة فأقام مدة يطلب ذلك فلم يقم له سوق. فرحل إلى الشام وأقام يطلب ذلك واختلط بالصحابة، وتقرب إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففطن أولئك له فنهوه. وأوقع بين أبي الدرداء وبين قوم بالشام شرا وتبين أمره بالشام فرحل إلى مصر. وكان على هذا، واغتر به قوم فأوقع خلافا بين الناس، ووافى عمار بن ياسر رسولا لعثمان إلى مصر، فحمل أقواما على أن بلغوا عمارا رحمه الله عليه من بمصر عن الولاة مكروها، فثار من ذلك فتنة. وسار ابن السوداء هذا إلى المدينة مع المصريين الذين تظلموا من عمال عثمان وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من المصريين، فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية. ثم وثب المصريون فأثاروا فتنة عظيمة بعد قتل عثمان. ولما نفر طلحة والزبير وعائشة من أفعالهم وصاروا إلى البصرة، راسلهم أمير المؤمنين بالقعقاع بن عمرو، وبابن عباس، وبمحمد بن حاطب، وبكليب الجرمي، واصطلحوا على أن يصير أمير المؤمنين إلى البصرة ويجتمعون وينظرون. فدس ابن السوداء أصحابه وقال لهم: أوقعوا الفتنة حتى تنشب الحرب، فإنهم إن اصطلحوا فما يصطلحون إلا عليكم. فكانت الفتنة، وكل هذا فقد ذكره غير واحد من العلماء وشرحوه طويلا مفصلا، وحاله هذه معروفة.

وكان بالكوفة يظهر تعظيم أمير المؤمنين بما لا يرضاه أمير المؤمنين ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، وكالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم. وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين عليهم في الفضل، لأنه كان يدعي ما ادعاه أبو الخطاب وهشام بن الحكم. وكان يدّعي عند أمثال هؤلاء أن أمير المؤمنين يستخصه ويخرج إليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وأمير المؤمنين لا يعلم بذلك.

ولقد قال قائل لأمير المؤمنين: عجبت لقوم كنت فيهم كيف ولّوا عليهم وعليك غيرك؟ فقال له أمير المؤمنين: أرأيت أبا بكر الصديق؟ قال: لا، قال أما إنك لو قلت لي إنك رأيته لفعلت بك وفعلت.

وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدها حجرا حجرا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف له أسرارا ويعرفهم أنه ربهم. وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.

ولقد أتى أمير المؤمنين رضي الله عنه سويد بن عقلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفير من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه، رحمة الله عليهما. ثم نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي سويد حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فجلس عليه متمكنا، قابضا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوا برئ، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ، فلما قبض الله نبيه عليه السلام واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعا، وأقدمه سلما وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك. ثم ولى الأمر بعده عمر، واستأمر في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي ﷺ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونا وناصرا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فطنا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت اليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإنه عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

فإن قالوا: لا نصدق بهذا، قلنا: العجب أنكم تصدقون قوله عليه السلام: «من كنت مولاه فعلي مولاه» ولا تصدقون بهذا، ومجيئه أقوى من مجيء ذاك.

والحال التي وصفها أمير المؤمنين في هذا الحديث بينة معلومة قد شهد بها العقل، وقد تقدم بيان ذلك. وإنما ذكرنا هذا عند ذكركم للتفضيل وتعلقكم بصحته مما ادعته السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو ابن السوداء.

ولقد قال أبو القاسم البلخي في كتابه الذي نقض به اعتراض ابن الراوندي على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر قد جاء مجيئا لا ينكره من له في العلم نصيب، وذكر جماعة ممن رووا فضلهم ونبلهم وكثرتهم وجلالتهم، ثم قال: ولكن عندنا ما أراد نفسه.

ثم ذكر أبو القاسم رحمة الله عليه أن شريك بن عبد الله كان من كبار الشيعة وكان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر وهما خير من علي، ولو قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي، لأنه قد قام على هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فنكذبه، والله ما كان كذابا. قال أبو القاسم: الخبر صحيح، ولكنه عندنا مخصوص.

ولم نقصد لذكر ما قاله أمير المؤمنين في فضلهما، فإن ذلك أوضح من الشمس وهو كثير، وله كتب كثيرة مفردة طويلة، وإنما ذكرنا هذا عند ذكر عبد الله بن سبأ وما كان منه. وبما أفسد به على أمير المؤمنين، وربما ألقى عبد الله بن سبأ هذا ما ألقاه وظهر إلى قوم كان يلقيه إليهم من أنه إله، واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفيرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام قيل لابن سبأ: قد قتل ومات ودفن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق، فأهدم مسجدها حجرا حجرا وأفعل وأفعل، فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات. ولما افتضح بهت وادّعى على أمير المؤمنين ما لم يقله.

والشيع الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها وفي العراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضيا بقوله وبقول الذين حرقهم، وإنما أحرقهم لأنهم أظهروا السر، ثم أحياهم بعد ذاك. قالوا: وإلا فقولوا لنا لم لم يحرّق عبد الله بن سبأ؟

قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر.

وأنت رحمك الله، إذا شاهدت الإمامية مع هؤلاء ومع من يقول في أمير المؤمنين وولده إنهم أنبياء، فإن الإمامية تقول لهم: قد كان هؤلاء الأئمة بين الناس فما ادّعوا النبوة، فيقولون لهم: قد كانوا بين الناس فما ادعوا ولا أظهروا ما يدّعون عليهم من الإمامة والنص والوصية والعصمة والآيات والمعجزات، فإن كان ما يقولون لنا من أنهم ما أظهروا النبوة حجة، فهذا حجة عليكم لمن خالفكم. فإن قلتم: قد أظهروا ما يدّعون، بهتم الناس وليس مع المباهتة مناظرة، وقلنا لكم: أيضا قد أظهروا ادعاء النبوة. فإن قلتم بالعقل قد علمنا أنه لا بد من إمام معصوم، قلنا لكم: بالعقل علمنا وبالسمع جميعا أنه لا تخلو الدنيا من نبي موجود فيها قائم العين ولا تقوم شريعة نبي إلا بنبي مثله، ولا يبلغ شريعة نبي إلا نبي مثله، وقد قال الله: {ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا} وقال: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا} فإن قلتم: هذا انصراف عن الضرورات بالظواهر والتأويلات، لأن رسول الله ﷺ قال: «لا نبي بعدي»، قلنا: فما حالنا نحن وقد ادعينا ذلك، فإن ادعيتم علينا المكابرة ادّعينا عليكم مثله، وبعد فنحن ندّعي أن هؤلاء القوم قالوا لنا ولسلفنا إنهم أنبياء وقد ذكرنا لكم بحجة العقل وحجة السمع، فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم من أفعال رسول الله ﷺ وأقواله وأفعال أمير المؤمنين وأقواله أن الإمامة بالاختيار، وأن الإمام يجوز أن يخطئ ويعصي. فإن قلتم لنا: أنتم كفار عندنا. قلنا لكم: هذا أول انقطاعكم وأيضا فإنكم عندنا كذلك، فإنه لا حجة تقوم لكم، ونحن نروي أن النبي ﷺ قال لعلي: "لا نبي بعدي إلا أنت وولداك" فإن قلتم هذا كذب ولدتموه، قالت لكم المعتزلة والفقهاء وأصحاب الحديث: قولكم: إنه لا بد من نص ووصية من النبي وبيان شخص الإمام وأنه معصوم وأن الآيات قد ظهرت عليه شيء وضعه هشام وفرية ابتدعها، والعقل والسمع يشهد بكذبه. فلا يجدون فصلا. وإذا كلم هؤلاء الإماميةَ من يقول أمير المؤمنين إله، فإنهم ينقطعون في أيديهم أيضا كما انقطعوا في أيدي الذين قالوا إنه نبي، لأنهم إن قالوا لهم: جسم لا يكون قديما، قالوا لهم فهشام بن الحكم وأمثاله من الإمامية يقولون في الله إنه جسم ذو نهاية، وإنه نور وإنه يتحرك ويرى ويلمس، قالوا: والعقل يشهد بذلك.

قالوا: ومع هذا فإنا أخذنا هذا عن الأئمة بالمشافهة، قالوا لهم: دعوا ما حكته المعتزلة عن هشام وأصحابه في أن الله جسم ونور يتحرك ويرى ويصعد وينزل ويلمس وأنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون. وخذوا فيما حكاه عنهم أبو عيسى الوراق وابن الراوندي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو سهل النوبختي والسوس النجردي وأمثالهم من الإمامية، وكتبهم مملوءة بذلك، ويذكرونه عن كل من سبق وتقدم من الإمامية، وكذا أيضا يذكرون عنهم القدر. قالوا لهم: ونحن نروي أن أمير المؤمنين قال في خطبته وعلى منبره: أنا رفعت سماءها وحفرت بحارها ونصبت جبالها. فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول النبي: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله؛ قالوا: ما هكذا قال، قد حرفتم القول، إنما قال: أأنا عبد الله، أأنا أخو رسول الله، على طريق الإنكار لقول من يحكي هذا عنه. فينقطع الإمامية في أيديهم.

وهؤلاء يروون عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب قال: كنت عند جعفر بن محمد فأستأذنت عليه هذه الإمامية الذين يقولون فيه إنه إمام وحجة الله على أهل زمانه، فقال: ائذن لهم، عليهم لعنتي وغضبي، فلما دخلوا قطع الكلام الذي كان يتكلم به قبل أن يدخلوا، فلما خرجوا أتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، ما خلقتُ خلقا أبغض إلي من هذه الإمامية، وإني لأتقيهم أكثر مما أتقي الناصبة، وأتبعهم اللعن، وقال: يا أبا الخطاب، أنا إلهك وأنت رسولي إلى خلقي. وكان أبو الخطاب إذا لبى يقول: لبيك جعفر لبيك.

وإنما أوردنا هذا لأنه مثل ادعاء الإمامية وروايتهم أن أمير المؤمنين وولده كانوا يدّعون أنهم يعلمون الغيب وما في نفس عدوهم ووليهم، ويظهرون المعجزات، ويدّعون العصمة. فليس لكذبهم عليه غاية، وفي كل حين قد ولّد أهل ذلك العصر من الإمامية على أهل البيت غير ما ولده من قبلهم. ويدّعون أن هذا مما قاله النبيّ عليه السلام ونص عليه ومما هذا سبيله. وقد أذاعوه في هذا العصر ووضعوا أنّ النبيّ ﷺ قال: "إن بنتي فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار" فلا يجوز أن يدخل النار أحد من ولد فاطمة. فأعداء رسول الله ﷺ يطعنون عليه بمثل هذا. قلنا: لو كان هذا من نصوصه لجاء مجيء أمثاله ممن نص عليه ﷺ أنه لا يدخل النار وأن النار لا تمسه مثل آدم ونوح وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم؛ بل كان يجب أن يكون العلم بما ادعوه لولد فاطمة عليها السلام أقوى من العلم بنصه على أولئك، لأن عهد هؤلاء أقرب من عهد أولئك، وهم خلق كثير وأمم عظيمة أحياء بين الناس، وهذا نص فيهم وحجة لهم. فالعلم به كان ينبغي أن يكون أقوى، فلما لم يكن كذلك علمت أنه أمر لا أصل له، وهو كادعائهم النص والعصمة والمعجزات لأئمتهم.

حول قولهم بأن الله حرم ذرية فاطمة رضي الله عنها عن النار

ولقد قال عظيم من ولد فاطمة عليها السلام وملك من ملوكهم لأبي عبد الله محمد بن علي بن زيد بن رزام الطائي الكوفي: نحن أمرنا على يقين، فإن فاطمة أمنا حصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار. فقال له ابن رزام فهل بلغك أن حواء زنت قط؟ ما كانت إلا حصينة الفرج، فذريتها محرمة على النار؟ فسكت. وهو كما قال ابن رزام، وفي هذا كلام كبير.

والذي يعرف العلماء أن النبي ﷺ قال: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، ويا عباس عم محمد، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم شيئا، لا تأتوني بالأنساب ويأتي غيركم بالأعمال، فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى أعمالكم، كلكم لآدم وآدم من تراب، والناس سواء كأسنان المشط، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، فخيركم من اتقى الله.

وكم مثل هذا من قوله، وكم في القرآن مثل هذا، وأنت تعرفه. والذي جعله الله في عقول العلماء من عباده هو الذي قاله رسول الله لا يجوز غيره. وهؤلاء القرامطة يدّعون أنهم شيعة أهل البيت، وهم فيما بينهم يتواصون بقتل العلوية أين تمكنوا، ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء شر من ولد العباس وأشد في الإدلال على الناس بجدهم من أولئك. وقد سلطهم على الناس. وهذا مذكور لهم في البلاغ السابع والنيموس الأعظم الذي فيه حقيقة مذهبهم الذي يخرجون به إلى من قد بلغوه، وهو وصيتهم لأبي طاهر بن سعيد الجنابي.

حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين

ومما يذكرونه الآن للناس مما هذا سبيله قولهم للمعتزلة: إنكم تقولون إن هذا الرجل الذي هو نبيكم قد زهد في الدنيا وحمى أهل بيته عنها، وولد العباس وولد أبي طالب لا يتدافعون أنهم قد جعل لهم خمس الأرض وخمس ما في أيدي الناس كلهم، حتى يقولوا عظماؤهم وأغنياؤهم وملوكهم وأهل الثروة منهم: لنا في أموال الناس كلهم الخمس، حتى الأرملة الفقيرة التي تعيش بغزلها لنا فيه الخمس.

فقيل لهم: لو كان ﷺ قد نص على هذا وفرضه لجاء مجيء أمثاله من النصوص، وكان العلم به أقوى من العلم بقسم الصدقات، لقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ} إلى آخر الآية، ومن قسمة المواريث بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} إلى آخر الآيات، لأن هذا نص في رجال سادة أشراف معروفين. وكان ينبغي أن يكون رسول الله ﷺ قد قسم فيهم خمس جزيرة العرب فقد ملكها، وأن يكون أمير المؤمنين قد قسم فيهم خمس الأرض، فقد كان ملك الإسلام كله إلا كورة فلسطين وحدها، ونفذ أمره فيها خمس سنين.

فإن قالوا: قد فعل رسول الله ﷺ ذلك، وفعله أمير المؤمنين حين ملك، قلنا: فقد كان ينبغي أن يكون العلم بذلك حاصلا لمن سمع الأخبار ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن كونه بالكوفة وبالنهروان، وما كان له مع من حاربه بها، لأن قسمة ما ادعوه فعل يتكرر على رجال ونساء صفتهم ما قدمنا، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى أنه عليه السلام كان قد أقطع عبيد الله اليمن حين ولاه إياها لتكون له ولولده مما يستحقه من الخمس، وكذا فعل بابن عباس حين ولاه البصرة، وبتمام بن العباس حين ولاه المدينة، وبقثم حين ولاه مكة، وبمعبد بن العباس حين ولاه خراسان، وأنه أقطع عقيل بن أبي طالب أصبهان، وولد جعفر بن أبي طالب الجبل، والحسن ابنه مصر، والحسين عليه السلام عمان والهند، أو ادّعى أن رسول الله ﷺ قسم ذلك عليهم في حياته وتقدم إلى أمته بذلك.

والذي يعرف أهل العلم أن رسول الله ﷺ حرم عليهم الصدقات وأوجبها على أغنيائهم لفقراء المسلمين من ليس من بني هاشم، وجعل للفقراء من بني هاشم من خمس الخمس من الفيء بمقدار ما يسدّ به الخلة.

وقد كان يمنعهم إذا سألوه، فكان أمير المؤمنين يتحدث بذلك فيقول: ألا أحدثكم عنا وعن رسول الله ﷺ، إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قمّت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقيل لها: إن أباك قد أتاه سبي وهو يقسمه بين الناس فلو سألتيه خادما يكفيك، فاستحيت أن تسأله، فمشى معها عمات رسول الله ﷺ ومشينا معها، فأتيناه وهو مشغول بالناس، وطال انتظارنا فرجعنا، فلما فرغ أُخبر بذلك فأتانا، فقال: ما جاء بك يا فاطمة، فاستحيت أن تقول، فقلنا: جاءتك يا رسول الله لتخدمها من السبي الذي أتاك خادما، فإنها قد قمت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقال لها: يا بنية أيتام بدر أحق منك، ألا أعلمك ما هو خير لك من هذا، تسبحين الله كذا وتحمدينه كذا، وذكر الحديث، وهي قصة معروفة طويلة.

وأتته فاطمة مرة أخرى بالحسن والحسين، فقال: يا نبي الله أنحلهما، فقال: نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت هذا الصغير المحبة والرضا، فما زاد على هذا.

وكم قد سأله ﷺ غير واحد من بني هاشم فمنعهم. وتفصيل ذلك يطول، وهو مذكور في كتب العلماء. وما كان يعطي المحتاجين منهم إلا من خمس الخمس من الفيء، وربما دفعه إلى العباس ليقسمه عليهم.

وكانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير حبسا لنوائبه، وجزأ خيبر ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل. فكان عمر بن عبد العزيز يعجب من إقطاع معاوية إياها مروان بن الحكم وهي لأبناء السبيل وقد سألته إياها فاطمة بنته ﷺ فمنعها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله، لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فسألته إياها فاطمة رضي الله عنها، فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك. فكان ﷺ يضع ما كان يأتيه منها في أبناء السبيل. ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله ﷺ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي مال أحب إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.

فعادة رسول الله ﷺ في منع أهله معروفة، وكان يعطي الناس الجزيل الكثير ويمنع أهله. ولقد سأله رجل غنما ما بين جبلين فأعطاه إياها كلها. وكم من رجل قد أعطاه مائة بعير وأكثر، وكان إذا أتاه المال لا يدخل بيوته حتى يقسمه كله ثم يدخل، وربما أمسى عنده منه شيء فيبيت في المسجد إلى أن يقسمه. وكان أصحابه من السابقين الأولين يتذاكرون سيرته ﷺ في هذا، وأنه كان يأتيه الفيء العظيم فيمسي وإن بيوته لصفر ما أدخلها حلوا ولا مرا حتى يرد عليه من بيوتنا.

ولقد دخلت من الأنصار امرأة على عائشة فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله، إن فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك، وذهبت فبعثت إلي بهذا، فقال: رديه، فلم تردّه، وأعجبها أن يكون في بيتها، فراجعته فقال لها ذاك ثلاث مرات. وكم مثل هذا مع أزواجه في ستر يراه وغيره مما يطول شرحه، وقد عرفت شرطه على أزواجه وما أنزل الله في سورة الأحزاب، وقد تقدم لك ذكر ذلك.

وإنما هذا وأمثاله من الأحاديث التي يضعها الملحدة ويتقربون بها إلى بني هاشم ليغروهم بالناس، وليلبسوا عليهم دينهم، ثم يأتون العلماء فيسألون عنها في المطاعن على رسول الله ﷺ، فيشغبون من كل وجه. فقلّ ملحد إلا وهو يدعي التشيع ويصنف الكتب في نصرة الرفض كما هو معروف. وقد تقدم لك ذكر ذلك. والذي يجب على رسول الله ﷺ البيان، وليس يجب عليه ألا يكذب عليه أحد ولا يلزمه ذلك.

وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله ﷺ ليست تلك النخيلات التي بالحجاز وإنما فدك التي نحلها رسول الله ﷺ فاطمة هو ما سقته الفرات والنيل ودجلة وسيحون وجيحون، فأولادها يأكلون من مال أمهم، والشيعة يأكلون من مال مواليهم. وكأنك بهذا قد انتشر وصار له إسناد، وادّعوا فيه التواتر.

وكان أبو الفتح هذا ينزل ببغداد في الجانب الشرقي في سوق يحيى، وقريبه مات، وكانت الشيع ترجع إليه في الرواية ويعرض عليه شعراؤهم شعرهم، مثل أبي الحسن علي بن وصيف الجلاء الذي تسمى بالناشئ، وحمام ابن فراس في هذا الموضع معروف.

الرد على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته عليه الصلاة والسلام وشيعته

وقد وضعوا أن رسول الله ﷺ قال: "إن الصلاة والصوم والزكاة والحج لا تجب على أهل بيتي ولا على شيعتي، ولا يحرم عليهم شيء من هذه المحرمات، وإنما هذه عذاب على أعداء أهل النبي وأهل بيته، وما كان الله ليجمع بين أوليائه وأعدائه في الفروض".

وزوّر لهم في ذلك الروايات وتأولوا في ذلك القرآن. وقد انتشر هذا وانبث، وعليه خلق كثير منهم بسواد الكوفة وبالبحرين وببغداد وبنواحي اليمن وبالشام، ولا يكاد أحد من هؤلاء يصلي إلا إذا حضره الناس ولأجل الناس وفي المشاهدة ليغتر به الناس. وبينما ترى الواحد وقد ادّعى التشيع حتى قد تبرأ من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار حتى قد ادّعى أن القرآن مغير ومبدل، حتى ادعى أن له باطنا غير ما عليه العلماء والفقهاء والعامة، ثم لا يلبث أن يدعي أنه ما يحرم عليه لا زنا ولا لواط ولا ربا ولا تجب عليه عبادة، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.

وقد علم كل من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ أوجب هذه الفرائض على كل عاقل بلغته دعوته، وأنها بركة ورحمة من الله على عباده، وأنها لا تسقط عن أحد يستطيعها، ولا يحل الزنا والاشتراك في الزوجات واللواط وغير ذلك لأحد البتة، وأنها على البررة والخاصة والعلماء ومن أهل البيت أوجب وألزم منها للعامة الفجرة، وأنها ليست بعذاب على أحد، وأن لمن فعلها وقام بحقوقها ولم يبطلها ولم يحبطها الثواب والمدح والإجلال والكرامة في الدنيا والآخرة. والعلماء يعرفون من سنة محمد ﷺ أن تكاليفه الثقيلة إنما هي على خاصته والسابقين، وأنه كان يولي على أهل بيته ويلزمهم الطاعة لولاته، فقد ولى عتاب بن أسيد مكة وبها من بني هاشم خلق كثير فكانوا له رعية. وقد ولّى على المدينة في غزواته وأسفاره غير واحد من المهاجرين والأنصار وبها من بني هاشم ومواليهم رجال كثير. وقد ولى زيد بن حارثة على عسكر مؤتة وعلى جعفر بن أبي طالب، فكان هو الأمير دون جعفر، وقد كان هناك غير جعفر هذا. وجعفر رضي الله عنه قديم الإسلام، قديم الهجرة. وقد وّلى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وجعله خليفة على عسكره وجيشه يوم الطائف ويوم الفتح ويوم حنين، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذلك العسكر وفي هذه المواطن كلها. وقد ولّى رسول الله ﷺ على عسكره وجيشه أبا بكر الصديق في غزوة تبوك، وأقام بالمدينة يحرض الناس على غزو الروم، وفي ذلك الجيش الذين أمرهم غير واحد من بني هاشم، وكان أبو بكر يصلي بهم ويأمرهم وينهاهم. ولما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك قدم أبا بكر وعمر على معظم جيشه وقدمهما أمامه وسار في آخر الناس في نفر يسير، وفي ذلك العسكر غير واحد من بني هاشم، وهي قصة معروفة، وفيها يقول رسول الله ﷺ لمن معه: كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيّهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أليس في القوم أبو بكر وعمر، إنهما سيرشدان الناس، فإن أطاعوهما فقد رشدوا ورشدت أمهم، وإن عصوهما فقد غووا وغوت أمهم، يقولها ثلاثا.

حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله

وقد ولى رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع وفيه عليّ بن أبي طالب وغير واحد من بني هاشم، وأبو بكر الأمير والمصلي والخطيب والدافع بالناس دون علي ودون أحد من بني هاشم. وقد استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الصلاة في مرضه، فصلى ببني هاشم وبالمهاجرين والأنصار وبالناس كلهم، وهناك من بني هاشم خلق كثير، فكانوا في كل ذلك سامعين ومطيعين. وما كلفهم من الشدائد فأعظم. ولمثل هذا قال أمير المؤمنين لمعاوية في كتابه إليه وقد ذكر فيه الشدائد التي كلفها رسول الله ﷺ بني هاشم: فكان إذ حمى الناس ودعي إلى البراز قدم رسول الله ﷺ أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيف وحر الأسنة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وقتل أخي جعفر يوم مؤتة، وقتل زيد بن حارثة يوم مؤتة، وأراد من لو شئت لذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع نبي الله ﷺ غير مرة غير أن آجالهم عجلت ومنيته تأخرت، فما سمعت ولا رأيت أحدا هو أنصح ولا أطوع لله ولرسوله في طاعة ربه ولا أصبر من أهل بيته، وفي المهاجرين خلق كثير يعرفونه لهم، فجزاهم الله خيرا.

فتأمل رحمك الله هذه السيرة من رسول الله ﷺ. فإنها ضد سيرة طلاب الدنيا وخطاب الملك في أولاوهم أقاربهم وأهل بيتهم. وفي هذا كلام كثير، وقد تقدم له نظائر وأمثال. وقد تقدم ذكر وصاياه لأصحابه في مرضه فارجع إليها وتأملها.

وتأمل حالهم حين قبض رسول الله ﷺ وقد خاضوا فيمن الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع أمير المؤمنين، وما كان من السقيفة، وقد جرت تلك الخطوب التي قد تقدم لك ذكرها يوم موت رسول الله ﷺ على وجه الأرض لم يدفن بعد، وقد تذاكروا وخاضوا وأدلى كل قوم بما لهم من الفضائل وبما قاله رسول الله ﷺ في كل فريق، وقد تجاذبوا الإمارة وفيمن تكون الرئاسة. فانظر كيف أجمعوا كلهم على تزكية رسول الله ﷺ والتسليم لأوامره والاقتفاء بأثره والطلب لوصاياه. فما هناك أحد منهم أظهر معتبة أو شك في شيء من أمره وأفعاله ﷺ ولا سأل على طريق الاستفهام عن شيء من أموره بوجه من الوجوه. هذا والعهد قريب، وفيهم من يريد شرف الرئاسة في قومه، فما رجعوا إلا إلى وصاياه في أن يكون في الأخيار من قريش، وهذا موضع يخرج فيه الأضغان ويظهر الشحناء. ثم انظر كيف جعلوها فيمن كان يجله ويعظمه ويقدمه وفي أهل السابقة، وهناك من سادات العرب وذوي الشرف والنخوة والعدد والعدة وكثرة العشيرة وظهور الثروة ما لا يحصى كثرة. ثم هناك من الأقارب من سادات بني هاشم خلق كثير، ولو لم يكن إلا العباس مع فضله وعقله الذي كان يدعى حليم قريش، وإذا كان حليم قريش وقريش أحلم العرب إذ ذاك وأعقل العرب فهو حليم العرب كلها، فجعلوها في أبي بكر وهو أضعف حي في قريش وأقله عددا وأظهر فقرا، فقد كان له مال فأنفقه على رسول الله ﷺ وفي نوائب الإسلام، حتى لم يكن له ثوب يكفن فيه حين مات فوصى أن يكفن في أطماره الرثة، فلما قيل له: ألا نشتري لك ثوبا جديدا نكفنك فيه، فقال: الحي أحوج إلى الجديد.

ولما استخلف غدا إلى السوق وعلى عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا خليفة رسول الله ﷺ أصبح غاديا يبايع الناس في الأسواق، وله بشأن المسلمين شغل، ولن يبلغ أحدا خبره من سادات العرب وملوك العجم إلا احتقروا أمركم، فأتوه وكلموه في ذلك، وقالوا له قولا غليظا شديدا، فقال: إنما أنا كاسب أهلي، فإن أنا أضعتهم فأنا لمن وراءهم أضيع، وقد كرهت أمركم وحرصت أن أكون وزيرا فأبيتم إلا بيعتي وأكرهتموني. وكان من أمرهم معه ما هو مذكور.

فتأمل هذه المواطن والمقامات، فكم فيها من دلائل وعلامات على سلامة النبوة من كل دنس وطهارتها من كل لبس.

فإن قيل: أوليس الرافضة تدّعي أن أبا بكر غلبهم وقهرهم وأنهم في السقيفة اتزروا بالأزر الصنعانية واقتتلوا على الملك والخلافة؟ قلنا: قد فرغنا من هذا، وبينّا بطلان هذه الدعوى، وأن القوم الذين اعتقدوا نبوة النبي ﷺ وتدينوا بصدقه واتبعوه بتلك الشرائط التي قدمنا ذكرها هم الذين اجتمعوا على خلافة أبي بكر واستخلفوه واعتقدوا إمامته وطهارته، وتقربوا إلى الله بطاعته وامتثال وصاياه وأوامره. فلا فرق بين من ادّعى هذا وأن أبا بكر غلبهم وقهرهم وخدعهم وسحرهم، وبين من ادّعى ذلك في رسول الله ﷺ وادعى ذلك في أمير المؤمنين ومن أطاعه واعتقد إمامته. ولا فرق [بين] من ادعى أنهم لبسوا الأزر الصنعانية أو ادعى أنهم تقاتلوا عليها بالسيوف والرماح على الخيول، فإن الملك بمثل هذا يؤخذ لا بالأزر، وإنما هذه دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ﷺ.

وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة والبأس والنجدة، وهم أكثر من جميع المهاجرين وجميع قريش الذين بالمدينة، وتبعه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، فكيف كان يغلب الأنصار بهؤلاء الثلاثة؟ ولو أراد أن يغلبهم بكل من بالمدينة من قريش لما أطاقوا ذلك، ولكن الأنصار رحمهم الله طلبوا في بدء الأمر الخلافة فلما بيّن لهم أبو بكر أنه لا ينبغي ذلك رجعوا عنه لله وابتغاء وجه الله.

قال متكلم الشيع: خدع أبو بكر الأنصار بأن قال: منكم الوزراء ومنا الأمراء، فأطمعهم ثم غدر بهم، فما استوزر أحدا منهم لا هو ولا من بعده من الخلفاء، فلهذا أجابوه واتبعوه.

قلنا: هذا من دعاويكم التي لا دليل عليها، والوزارة التي ذكرها أبو بكر لهم إنما هي المعونة والمؤازرة في طاعة الله لمن يلي الأمر من قريش، فهذا زيادة في كلفة الأنصار في شدة الوطأة عليهم والمشقة الشديدة فيما ألزمهم من معونة الخلفاء، فأين الإطماع الذي ادعيتم عليهم؟ وهذا الذي شرطه أبو بكر عليهم إلى النفور عنه وإلى الايحاش منه أقرب، فهذه الوزارة التي شرطها عليهم. وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال: ولّوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند وفاته: ليتني يوم سقيفة بني ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي عبيدة، وكنت وزيرا لا أميرا، يريد معينا. وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا إليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا. ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد سلطان الزمان منه جباية الأموال وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك وتمدحه الشعراء ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار والبحار، كابن كلّس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر هكذا ينبغي أن تكون، أوما علموا أن موسى سأل ربه فقال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} وقال رسول الله ﷺ: "وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر" ولولا فساد الزمان وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام.

وبعد، فإن العاقل يعلم بطلانه من كل وجه، فإن الأنصار لو كان غرضهم الدنيا لقالوا لأبي بكر: ولم ندع الأمارة ونصير تبعا لك والدار دارنا والبلاد بلادنا والبادية باديتنا والعدد والعدة فينا والبأس والنجدة لنا، وأنت وصاحبك وجميع قريش جئتمونا هرابا إلينا مستجيرين بنا، فما بنا حاجة إليك أن تكون من أتباعنا وحاشيتنا فكيف تكون أميرا علينا، وما حاجتنا والدنيا طلبتنا ونيتنا والعاجلة بغيتنا أن نتكلف هذه التكاليف الشديدة التي أتانا بها صاحبك من الصلاة والصيام والزكاة والحج والمواساة والحدود ومعاداة الأمم والمجاهدة للملوك حتى يقيموا دينه ويتملكوا بشريعته، ونسفك دمانا في ذلك، ونكفر أسلافنا الذين خالفوا دينه وشريعته. وهذا مثل دعوى من ادعى أن رسول الله ﷺ خدع المهاجرين والأنصار بغير ما ادعى هؤلاء عليهم. فقال عز وجل: {لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فأخبر عن نياتهم وشهد بصدقهم، وقال في الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فأخبر أنهم يؤثرون الفقر في طاعة الله ويواسون المحتاجين في ذات الله مع ما بهم من الخصاصة وشهد لهم بالفلاح، وقال رسول الله ﷺ: «لو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديهم» وقال لهم: "إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع" إلى غير ذلك مما قاله فيهم رضي الله عنهم.

فهذه الشيع تقول فيهم بخلاف ما دل عليه العقل وبخلاف ما قال الله وبخلاف ما قال رسوله. ولكن الأنصار رحمهم الله لما علموا أن الإمامة لا تكون فيهم جعلوها في الفاضلين من مهاجرة قريش، ولو أرادوا الدنيا والملك لكذبوا أبا بكر حين قال لهم إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» أو كانوا يقولون: وإن قال هذا فإنا لا نقبل، فقد كانوا على ذلك قادرين والغلبة والعز لهم وفيهم، ولو أرادوا الدنيا والملك لقدحوا في رسول الله ﷺ ولكذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء. فتعلم بهذا صحة النبوة وسلامة رسول الله ﷺ من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره، وأن الأنصار ما أرادوا إلا الله والدار الآخرة في تصييرهم الخلافة في أبي بكر وأمثاله من قريش، وأنهم قدموه لأن رسول الله ﷺ قدمه، ولقوله ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» فكان أبو بكر وعمر هما اللذان يليانه إذا قام لصلاته وإذا استوى في مجالسه. ولهذا قالوا وهم يصفون مجالس رسول الله ﷺ ومنازل أصحابه عنده، قالوا: إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تكون كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل إليه رسول الله ﷺ بوجهه وألقى إليه حديثه وسمع الناس. ولقد أقبل العباس يوما فتنحى له أبو بكر وأجلسه معه، فعرف السرور في وجه رسول الله ﷺ بتعظيم أبي بكر للعباس.

فاعرف هذا فإن الإمامية اليوم يروون عن رسول الله ﷺ أنه كان يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم من المهاجرين والأنصار، وأنه كان يتلو في ذلك القرآن كما كان يتلوه في لعن فرعون وهامان وقارون وإبليس وأبي لهب وأبي جهل. وهذا باب ينبغي أن تراعيه، فإن الأدلة تشهد ببراءة هؤلاء من كل عيب، كما تشهد ببراءة رسول الله ﷺ. والكلام على الفريقين ممن كشف قناعه في الطعن على رسول الله ﷺ واعتقد افتعاله واحتياله ونسب الطعن عليه بتهمة أصحابه.

وأيضا فإن أبا بكر ما قبض الأموال لنفسه ولا لولده ولا لأصهاره ولا لأهل بيته، ولا أقطعها القواد والجند، فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ويجتازون.

وقد قال أبو علي محمد بن عبد الله العلوي المصري الفاطمي الحسيني أفقه أهل بيته في زمانه وأرواهم لأحاديثهم وأخبارهم، وكان رحمة الله عليه من الزهد والنزاهة والعبادة بالمنزلة التي لم يكن في أهل بيته وزمانه مثله، فقال رحمه الله: من الدلالة على براءة ساحة أبي بكر الصديق مما رمته الرافضة به أنه منع العباس وفاطمة وأزواج النبي ﷺ أموال رسول الله ﷺ وجعلها في سبيل الله، فإنه إنما فعل هذا وتم له وأقدم عليه مدلّا بالحق الذي كان عليه، ولو كان مبطلا لأعطاهم إياها وأكثر منها، لأنه برسول الله ﷺ عزّ، وبه تقدم، وبه كانت له الرئاسة، وبه صار صدّيقا، وأصحابه وأنصاره جعلوه خليفة، فلو كان مبطلا وطالب دنيا لأعطاهم ذلك وأرضاهم بكل ما يقدر عليه ليتم له ما يطلبه من الملك، فليس من الحزم أن يمنعهم هذا المقدار وينفرهم ويوحشهم لأجل شيء هذا قدره، وقد كان عاقلا حازما بالأمور عارفا بالأمور لا يدفعه عن هذا من عرفه، فإنما منعهم ذلك لأن رسول الله ﷺ منعهموه. ذكر أبو عليّ رحمه الله هذا ومعناه في رسالته التي بين فيها مَن الرافضة ومن الناصبة ومن الشيعة.

يزيدك بذلك علما أن معاوية بعد أن قاتل بني هاشم وقتل منهم ومن شيعهم وملك الأرض واستتب له الأمر، حتى ما بقي أحد يقاومه أو يدفعه، جعل لأعدائه من بني هاشم ومن كان يخافه من قريش العطاء الجزيل، استكفافا لهم، وليتم له ملكه، وليستقيم له أمره وسلطانه. فكان يعطي الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم لكل واحد منهم في كل سنة ألف ألف درهم، ويقضي حوائجهم، ويتبع ذلك بغيره من الألطاف والهدايا. وأبو بكر رضي الله عنه لم يعطهم شيئا من ذلك، بل كان يعطيهم على قدر الحاجة، ويسوي بين الناس كلهم في العطاء.

ولما اتسعت الأموال في زمن عمر، ودوّن الدواوين، وأعطى من شهد بدرا، وسوّى بين الموالي والعرب ممن شهدها في ذلك، سألوه الصحابة في أن يجعل للحسن والحسين مثل ذلك، وكان مقدار خمس مائة دينار تقربا إلى رسول الله ﷺ وبرا به ﷺ فقد كان يحبهما، فأشاروا عليه بذلك، وأذنوا له فيه، فجرى أمر عمر على ذلك، وعليه عمل عثمان، وعليه عمل أمير المؤمنين حين صارت الخلافة إليه.

ولقد سأل خالد بن المعمر السدوسي أمير المؤمنين في أن يزيدهما رضي الله عنهما في عطائهما فلم يفعل وراجعه، فغضب أمير المؤمنين فقال: ما كنت لأزيدهما على ما فرض لهما عمر. وسأله عبد الله بن جعفر في أن يزيد عائشة وهي بالبصرة فقال: ما كنت لأزيدها عما فرض لها عمر. وسأله أخوه عقيل ليزيده على ما فرض له عمر فلم يفعل، وراجعه فلم يفعل. وسأله جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن أخته أن يعطيه فما زاده على ما فرض له عمر. وقال له أتريد أن يكون خالك سراقا. وكان رضي الله عنه لا يأخذ في خلافته وسلطانه إلا ما فرض له عمر، ومثل هذا كثير.

فإن قيل: ولم لا عرّف رسول الله ﷺ أئمته وأزواجه أنهم لا يرثونه فكانوا لا يحتاجون أن يسألوا أبا بكر؟ قيل لهم: الذي يلزم رسول الله ﷺ أن يقيم الحجة ويقول، وقد فعل، وعند حاجة أهله إلى ذلك عرفوه ووجدوه قد قاله وعلموا ذلك. ومن كان الحق طلبته ففي أقل قليل مما ذكرنا كفاية، ولو لم يكن إلا فعل أمير المؤمنين رضي الله عنه وشبهه.

وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله ﷺ أحبّ إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم. وهم فتحوا الدنيا ودعوا أهلها إلى حب رسول الله ﷺ وبني هاشم وسلموها إليهم. ولم نقل هذا من طريق حسن الظن بهم، ولكن بدلائل العقول التي قد تقدم ذكرها في غير موضع من هذا الكتاب.

وقد سأل موسى أخاه هارون عليهما السلام وأخذ برأسه يجره إليه، ثم رجع إليه حين عرف الجواب عند حاجته إليه. فغير منكر أن تعرف فاطمة وأهل رسول الله ﷺ ما احتاجوا إليه من أبي بكر. ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرف الله موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرفه وجه الصواب في حرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر إليه بأنه نسي. ولم لا عرف سليمان عليه السلام حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف الهدهد ومساءلته وطول مراجعته. ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار ما صحبوا رسول الله ﷺ للأعلام التي كانت معه ولا لبصيرة في دينه، وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم وينافقونه وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف بيته، ونحّوا خليفته ووصيه في حياته وبعد موته، وضربوا بنته وقتلوا جنينها في بطنها.

وقد علمت رحمك الله على أي وجه كانت إجابتهم لرسول الله ﷺ ومتى أجابوه وما لقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود الله، وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها. ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها طلب، فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال: لا، هو خير لكم وأقواكم عليكم. وقال: اللهم إني وليتهم ولم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة، وقد حضرني من أمرك ما حضر، اللهم عملت فيهم بالعدل جهدي، وآثرت محبتك على محبتي، واجتهدت لهم الرأي، فوليت عليهم خيرهم لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على رشدهم، ولم أرد به صحابة عمر وأنا خارج من الدنيا داخل في الآخرة، فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدي نبيه نبيّ الرحمة ﷺ، وهدي الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، وأسلم لعمر أن لا يكون تلبس من هذا الأمر بشيء، وذلك أن الفارغ من أمر الناس يقبل على شغل نفسه، وأن والي الناس يتعرض فيما لا يدري ما يختم له به في آخر عمره، فإن هذه الدنيا قد غرّت من كان قبلكم وتنافسوا فيها فأوردتهم موارد الهلكة، فندموا حيت لا تنفعهم الندامة، قد انقطعت الآمال، وعاينوا أعمالهم، فلا يقبل من محسن عمل ولا من مسيء نزوع عن خطيئة، فمن استطاع أن يقدم عملا يعيذه الله به من مساوئ يوم القيامة فليفعل.

فما حقد عمر على طلحة ما قاله ولا تنكر له ساعة قط. ولقد جعلها عمر شورى في ستة من غير رغبة كانت من واحد منهم إليه في ذلك ولا مسألة، ولم يقل أحد من أولئك السابقين الذين لم يدخلهم في الشورى لم لا أدخلتنا فيها، ولا قالوا هذا بعد موته، ولا عيب أحد عليه، وقد جعلهم كلهم لصهيب رعية وهو مولى، فصلى بهم ثلاثة أيام إلى أن استخلفوا عثمان، فما أنكروا ذلك، لتعلم زهدهم فيها، وأنهم كانوا يرونها مع الكلف الثقيلة. فإذا وجدوا من يقوم بحقوقها ويحمل أثقالها استراحوا إليه وتمنوا مكانه.

ولما دفن عمر وأخذ أهل الشورى في الانصراف، ناداهم المهاجرون والأنصار إلى أين أيها الرهط، أما سمعتم عهد أمير المؤمنين، اجلسوا واختاروا واحدا منكم، فجلسوا ناحية يتشاورون، فقال أبو طلحة الخزرجي: أبرموا أمركم أظنكم تتنافسونها، لقد كنت أرى أنكم تتدافعونها، فتبرؤا من المنافسة فيها، وأنهم إنما يديرون الرأي في واحد منهم.

فتعلم من ذلك أن أمرهم الزهد فيها وأن الطريف الغريب أن يرغبوا فيها، فردوا الأمر إلى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم، فأخرج نفسه وابن عمه منها، وأخرج الجماعة واختار عثمان وقال: قد شاورت ونظرت، فما رأيت الناس يعدلون بعثمان أحدا، فبايعه الناس وعبد الرحمن وبايعه علي بعده، فما أنكر ذلك أمير المؤمنين ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد بن أبي وقاص ولا تعتبوا، ولهذا كان يقول عثمان للذين تنكروا له في آخر عمره: أدخلت في الشورى من غير طلب مني ولا رغبة، ثم اجتمع الناس علي من بين أهل الشورى من غير طلب ولا رغبة فبايعوني، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون متبعا غير مبتدع.

وأما أمير المؤمنين رضي الله عنه فقد عرضت عليه، وعرضها عليه العباس وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبيّ وبعد عثمان فأباها وردها، واختلفوا إليه أياما كثيرة فامتنع منها، ومد يده فقبضها وقال: اختاروا غيري أبايعه وتبايعونه.

وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ولكن للطلب بدم عثمان، فقد كان حرقوص بن زهير وتلك الجماعة أفحشوا فيما أتوه، وقد كانوا شكوا إلى طلحة عمال عثمان فأعانهم على عثمان، وظن أنهم صادقين، فتجرؤوا على عثمان بمعاتبة طلحة له ومعونته إياهم عليه. فلما اغتالوه وقتلوه، ندم طلحة أشد الندم على ما كان منه إلى عثمان. ولما نزل هو والزبير وعائشة ومن كان معهم حين ساروا إلى البصرة الجفير أرسل عثمان بن حنيف الأنصاري عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤليّ إلى عائشة فقال: انطلقا فاعلما علمها وعلم من معها، فقالا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله ﷺ أم رأي رأيتيه، فإن أميرنا بعثنا اليك، فهل أنت مخبرتنا؟ قالت: بلى هو رأي رأيته والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يعطي لبنيه الخمر، إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ فأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، إنا نقمنا عليه ضربة السوط وموقع المسحاة المحماة وإمرة الوليد وسعيد، فعدوا عليه فاستحلوا منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص الإناء، فركبوا هذه منه ظالمين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا، وقرأت: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ} إلى آخرها، ثم قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان فما أنصفنا عثمان إذ لم نغضب له من سيفكم، فهذا شأننا، معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر نحثكم على تغييره وننهاكم عنه.

فخرجا من عندها فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال: أولم تبايع عليا؟ قال: بلى، وذكر شغب المصريين -الذين غزوا عثمان- في البيعة، وقولهم للناس: من لم يبايع قتلناه، ثم قال: وما أستقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فسألاه، فقال مثل ما قال طلحة سواء. فهذا الذي أخرجهما لا طلب الإمارة والمنافسة فيها. ثم أقاما بالبصرة وترددت الرسل بينهم وبين أمير المؤمنين، وتقرر الأمر بينهم على أن يقدم أمير المؤمنين عليهم البصرة ويكون الأمر له، ويستقبلون النظر فيمن غزا المدينة، فأفسد الأمر عليهم ابن السوداء وأمثاله، كما تقدم ذكره.

فإن قيل: كيف تقولون ما كان لهم في الإمارة رغبة وهذا عثمان قد قال له عبد الرحمن بن عدس في المصريين ليملأ الكتاب الذي وجدوه عن عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح في ضرب المصريين المتظلمين وحبسهم وأن لا يسلم الأمر إلى محمد بن أبي بكر الصديق ولا يلتفت على الكتاب الذي معه، فقالوا له: إمام المسلمين يكتب بضرب المسلمين وحبسهم ويظهر شيئا ويبطن خلافه، فقال: ما كتبت ولا أمرت ولا علمت، قالوا: نصدقك، ولكن تختلع لضعفك عن القيام بها ولخبث بطانتك. فقال: لا أنزع قميصا قمصنيه الله، فما خلعها حتى قتل. وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صاروا خوارج، وأرادوه أن يتوب عن الحكومة أو يعتزل الأمر فما فعل، وقاتلهم وقتلوه، وما نزل عن الخلافة. وقد سأله أهل الشام أن يعتزل لينظروا في الأمر وفيمن قتل عثمان ثم يولون الأمر بعد ذلك من يرون، فما اعتزل. وقد خلعه رسوله وصاحبه الذي أرسله حكما في دومة الجندل فما قبل حكمه. وقد تولاها الحسن فما اعتزل حتى اضطهده معاوية. وقد أرسل الحسين إلى أهل الكوفة وطلبها وخرج إليهم لأجلها، فلما أحاط به عدوه أرادوه أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وعلى حكم يزيد بن معاوية ويبايعه ويقر له بالخلافة ويبرأ من الخلافة، فما فعل حتى قتل. فأية رغبة تكون أشد من هذه الرغبة.

قلنا: الذي عمله عثمان وعلي والحسن والحسين هو الصواب، وما كان يحل لهم أن يختلعوا، ولو فعلوا لعصوا ربهم، لأنهم كانوا أحق بالأمر ممن ينالهم الاختلاع، وهو فرض قد تعين عليهم القيام به، وقد كانوا أدخلوا فيه وصحت البيعة لهم. وإنما قلنا إن المهاجرين الأولين لم يكونوا يرغبون فيها إذا وجدوا من أمثالهم من يقوم بها، فأما بعد دخولهم فيها فلا يحل لهم الإفراج عنها وتركها لأجل الجهال الذين خالفوهم فيها، بل يجب عليهم مجاهدتهم إذا وجدوا أعوانا، فإذا لم يجدوا كان لهم أن يعتزلوها إلى أن يجدوا أعوانا، كما فعل الحسن رضي الله عنه حين أسلمه أهل الكوفة.

وما يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه يتمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكما فعل القرّاء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن مروان، وكما فعل أهل المدينة في وقعة الحرة، وكما فعل أهل مكة مع ابن الزبير حين مات معاوية، وكما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما فعل يزيد بن الوليد بن عبد الملك فيما أنكروه من المنكر.

وبزهد المهاجرين الأولين في الخلافة كان يضرب المثل كما قد تقدم ذكر ذلك. وعثمان وعليّ رضي الله عنهما فما عهدا في أحد البتة. وأبو بكر وعمر لما عهدا لم يكن العهد في أحد من أولادهما ولا من أهلهما.

ولما عزم معاوية في العهد لابنه يزيد فرق الأموال، وأخذ له على أهل الشام، وأرسل إلى المدينة وكان أميرها من قبله مروان بن الحكم وأبا زرعة روح بن زنباع الجذامي، ففرق الأموال، وقام مروان في الناس خطيبا وقال لهم: إن أمير المؤمنين معاوية قد جعل لكم ملجأ تلجئون إليه بعده وهو ابنه يزيد فقوموا وبايعوا، فلكم كذا وكذا، وذكر ما لِمَن أطاعه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: يا بني أمية إن هذا الأمر كان لرسول الله ﷺ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان أهلا فلم يفعل، وكان لأبي بكر وكان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا، وقد كان في عمر وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية، كلما هلك هرقل قام هرقل، فانفل الجمع، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: {وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي} إلى آخر القصة، فسمعت عائشة من وراء الحجرة فقالت: كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله ﷺ أباك وأنت في ظهره.

فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي بكر وغيرهم ينطقون بالحق في زمن الجبابرة الذين قد أفنوا الأمم بالسيف ومما يكاد أحد ينطق إلا بما يهوون ويريدون، ومنها إدلال هؤلاء بصحة إمامة أبي بكر وعمر وبراءتها من كل عيب، فما نطق مروان ولا أحد من بني أمية بعيب مع حاجتهم إلى ذلك، وفيهم الملك ولهم الأمر، والذي قد غاظهم وأغضبهم ولد أبي بكر.

ولما حج معاوية أخذ من كان يصلح للإمامة من قريش ومن كان يخافهم مثل الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر، فقال لهم: بايعوا ليزيد، فقال له ابن الزبير: ارض منا بسيرة رسول الله ﷺ فإنه ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو بسيرة أبي بكر فتنص على رجل مرضي عند الأمة ليس من أهلك، أو كما فعل عمر فتجعلها شورى من قوم مرضيين معروفين ليس فيهم أحد من أهلك، فلك ولنا بهؤلاء أسوة. فغضب معاوية وهددهم وتوعد الناس وقال: لستم في زمن أبي بكر وعمر وإنما هم بنو أمية، من عصاهم أوجلوه السيف، فلاذت تلك الجماعة بعائشة وخافوه على أنفسهم فأرسلت إليه فجاءها وكلمته في أمرهم وقالت له: قد كان لمن يقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت في ابنك، فما زال يخرجها من باب وتخرج معه حتى أيبست ريقه انقطاعا في يديها، إلى أن قالت: إنما هو ملك بباطل تجعلونه بني أمية فيمن تهوونه.

وفي هذا مثل ما في الذي قبله وأكثر قال قائل من الإمامية: أنتم تزعمون أن عليّا كان يرضى سيرة أبي بكر وعمر وقد قال له عبد الرحمن بن عوف في الشورى: أوليك هذا الأمر على أن تقضي بكتاب الله وبسنة رسول الله وسيرة أبي بكر وعمر قال: أما بكتاب الله وسنة رسول الله فنعم، وأما سنة أبي بكر وعمر فلا، فما الذي يبقى بعد هذا؟

قيل له: هذا يبطل من وجوه منها: أنكم تقولون أن عليا رضي الله عنه كان في زمن هؤلاء في تقية وخيفة يمتثل أمرهم ولا يجسر يرد عليهم ولا يظهر خلافهم، وكذا كان بعد موتهم، وفي سلطانه وخلافته ومعه مائة ألف سيف، يقولون: ما جسر أن يظهر مخالفتهم ولا عيبهم ولا الرد عليهم، لأن أعوانه ومن كانوا معه كانوا يتدينون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلو عابهم أو اتهموه بعيبهم لقتلوه. قلتم: إنه خرج من الدنيا وما أظهر ما في نفسه، وإنه سار في أموال رسول الله ﷺ في خلافته بسيرتهم، وقرأ هذا القرآن، وصلى التراويح، وحيا الأرض كما حيوها، ومدحهم على منابره بالمدح العظيم الذي قد امتلأت الكتب به، وإذا سألناكم قلتم: هذا كله صحيح قد فعله عليّ وقاله، إلا أن باطنه فيه خلاف ظاهره، وإنما قاله تقربا إلى أنصاره وأعوانه لأن ذلك كان يعجبهم ويرون إمامة هؤلاء، فقاله خوفا منهم وتقربا إليهم. فكتب أسلافكم مملوءة بأنه قد فعله تقية وخيفة، والآن تذكرون بأنه قد كاشف في البراءة منهم ومن أفعالهم في زمن عثمان وقبل أن تصير الخلافة إليه. فأنتم لا تعملون على تحصيل، ولقلة حيلتكم وأنه ليس معكم حجة في مذهبكم ما، تأتون بالشيء تظنونه حجة لكم فتنقضون به على أنفسكم من حيث لا تشعرون، ففي هذا كفاية.

علي رضي الله عنه استن بسنن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعمل بها

ومنها: أنه قد علم كل من سمع الأخبار أن عليا رضي الله عنه قد استن بسنن أبي بكر وعمر وعمل بها، وأطاعهما حياتهما ونفذ وصاياهما بعد موتهما، فأطاعهما حيّين وميتين. ألا ترى أنه بايع أبا بكر وعمل له على أموال رسول الله ﷺ، وعمل له على الأتعاب بالمدينة وضبطها له، وغزا معه، وأشار عليه. ونفذ وصيته في عمر، وأطاعه أحسن طاعة، وخلفه على المدينة غير مرة، وصاهره، وأتى في طاعته ومرضاته ما يطول ذكره، وأدخله في الشورى فدخل، وجعله رعية لصهيب فقبل، وردّه إلى عبد الرحمن فرجع، وغير ذلك مما يطول شرحه. فكيف يقول: لا أسير بسيرة أبي بكر وعمر، أو يصدق عاقل سمع الأخبار مثل هذا الظن؟ ومن ذا الذي يدع المعروف المشهور بالمكاتبات ويرجع عن المعروف بمجهول التأويل.

وإنما قال ذلك، لأن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتمل الزيادة ولا النقص البتة. وسنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر الذي قال له عبد الرحمن هو اجتهادهما في الدين وحياطته وحفظه والزهد والعفاف الذي هو مشهور عنهما، فلو قال نعم للزمه الدخول في ذلك من غير زيادة ولا نقص، وقد لا يجد الشخص من نفسه القيام بما يقوم به غيره. ثم الفتيا في المسائل التي ليس فيها نص كتاب ولا سنة والعمل فيها بالقياس والاجتهاد من الإمام، ما كان يمكنه التقليد فيه وترك نفسه من الاجتهاد، ولهذا المعنى أشار وله أراد. هذا لا يشك فيه من له فطنة ولا دراية، والله أعلم. وأيضا فليس هاهنا إلا أنه قيل إن عبد الرحمن قال لعلي تقضي بسنة أبي بكر وعمر. لأنه جاء أن عمرو بن العاص أتى عليّا ليالي الشورى فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، ثم لقي عمرو بن العاص عثمان فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل. قال: فلما قال عبد الرحمن لعليّ: هل أنت يا عليّ تبايعني على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، قال له عليّ: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، ومن يطيق ذلك. فقال لعثمان هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، فقال: نعم، فبايعه. فقال عليّ: خدعة، يعني أن ابن النابغة خدعه، فهكذا جاء الحديث. فإن كان صحيحا فاقبلوه، فأنتم أول من يقول لا يجوز أن يقال لأمير المؤمنين بكتاب الله وسنة رسول الله فيقول هذا القول؛ ولا يجوز أن يخدعه عمرو بن العاص. فأنتم لا تقبلون ما قد ذكر، وإذا دعيتم إليه نفرتم عنه. ثم تدّعون ما لم يكن وتجعلونه أصلا تنصرفون به عن المعروف من اتباع أمير المؤمنين لهؤلاء القوم وتصويبه لهم. على أن الذي ثبت عند العلماء أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى: إني قد نظرت وشاورت واستخرت فما وجدت الناس يعدلون بعثمان أحدا.

وأيضا فقد كان في الصحابة من يخالف أبا بكر وعمر في مسائل الاجتهاد. ولا يحتشم ذلك، ولا ينكر أبو بكر وعمر ذلك، وقد خالفهما ابن مسعود وأبي ومعاذ وزيد بن ثابت وابن عباس، وغيرهم. فتعلم أن ما يتعلق به هؤلاء باطل.

ومن عجيب ما يدعونه أن عمر احتال على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حتى أدخله في الشورى، وقال: إنه يصلح للخلافة، وأنه قال إذا صار أهل الشورى ثلاثة وثلاثة فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن، وأن عبد الرحمن كان عدوا لعليّ وصرفها عنه إلى عثمان، وأن عمر إنما قال هذا حرصا على أن ينصرف عن عل. ويصير إلى عثمان. وليس معهم في هذا دلالة ولا برهان، إنما هو البهت والفرية وظنون كاذبة كغيرها من أقاويلهم. وقد تقدم لك الدلالة على أنه لم يكن بين علي وأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة عداوة، بل كان بينهم من الموالاة والمودة في الدين والإسلام ما فيه كفاية.

ثم يقال لهم: لو أرادها عمر لعثمان وحده أو لعبد الرحمن أو لأحد يريده لنص عليه كما تقدم النص من أبي بكر أو كما نص هو على صهيب في الصلاة، فكان الناس يمتثلون ذلك وقد استراح مما ادعيتموه. ولم يكن عليه خوف، كما لم يكن على أبي بكر خوف.

والعجب أنكم تقولون: إن أبا بكر وثب بمقام رسول الله ﷺ، فقام فيه في حياته وفي بيته وبحضرته وبحضرة جميع بني هاشم والمهاجرين والأنصار، اغتصابا وقهرا، وتم له ذلك. واغتصبهم بعد موته وساعده الناس، ونصّ على عمر فقبلوا منه فأنفذوا وصيته، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ ولم ينفذوا وصيته، وقبلوا من عمر في الشورى وفي كل ما وصى به، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ وصيته ونصه على وصية علي رضي الله عنه وقد بين لهم الفرض في ذلك وهو من فرض الكافة. وها هنا يقولون إن عمر خاف ولم يكشف ما أراده وأخفاه ودلسه، كصنيع المغلوب المقهور الخائف المترقب. فأقاويلكم يكذب بعضها بعضا، وأنتم تنقضون مذاهبكم وأصولكم بأيديكم وتبعثون خصومكم على النقض عليكم. فلستم ممن يستقر له قول ولا يتقرر له مذهب.

وقد علمت رحمك الله في الجملة أنه ما كان يجري في ذلك الزمان وبحضرة أولئك السابقين ولا يقبل ولا يمتثل إلا الصواب، وإن من أتى بغيره ردّوه وأنكروه. وقد تقدم لك بيان ذلك وبرهانه. فكلما بلغك عنهم مما له ظاهر تنكره، فإما أن لا يكون له أصل البتة، وأما أن يكون إن كان حقا المراد به والنية فيه والقصد غير الظاهر الذي أنكره الخصم وأوّله، فقد علمت حالهم في تمسكهم بدين رسول الله ﷺ ووصاياه والقيام على نصوصه وعهوده، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا لو أرادوا في سلطانهم أن يغيروا نصا لرسول الله ﷺ في امرأة أرملة ذمية لما تمكنوا منه، وأن سلطان هؤلاء لم يكن كسلطان معاوية ومن بعده من الملوك.

فاحفظ هذا الأصل وارجع إليه فيما ذكروه عن عمر في قتل أهل الشورى وفي ادعائهم على أبي بكر أنه أمر خالد بن الوليد بقتل علي بن أبي طالب ثم بدا له فقال لا تفعل بحضرة المهاجرين والأنصار. وأنه وجّه بالنعمان بن بشير والمغيرة بن شعبة فقاتلا سعد بن عبادة الأنصاري. وأن أبا سفيان وبني أمية كانوا في زمن عثمان يظهارون بين الناس بتكذيب النبي وأنه ما هاهنا معاد ولا جنة ولا نار،. ولهم في هذا روايات كثيرة عن الصحابة من الرجال والنساء، وذكرها يطول. غير أنك تعلم كذبهم فيها بالدليل الذي تقدم من تمسك المهاجرين والأنصار بدين النبي ﷺ، وأن الغلبة في زمانهم كانت للمقيمين على دينه وللمعتقدين على تصديقه.

على أن هذا الانكار والتكذيب له وبالبعث والنشور والحساب والجنة والنار وما أشبه ذلك، ما كان أحد يجسر على إظهاره في زمن معاوية وأئمة الجور من بني أمية، ولا في زمن ملوك بني العباس وحيث كان الملوك منهم، فإن الملوك من بني أمية وبني العباس ما كانوا ملحدة ولا زنادقة ولا أعداء لرسول الله ﷺ، بل كانوا على ملة الإسلام ويحبون رسول الله ﷺ ودينه، ويبرؤون من أعدائه، وإن شابوا ذلك بحب الدنيا وبإيثار العاجلة وقتل من يأمرهم بالقسط من الناس وغير ذلك من الكبائر والمناكير التي ارتكبوها. فقد كان لهم تعظيم القرآن وجهاد العدو وعمارة الثغور. وقد كانوا كلهم يعيبون المسرفين منهم، وقد كانوا في مجالسهم يتذاكرون أعلام رسول الله ﷺ وآياته، وكانت أظهر وأقهر من أن يعتقدوا خلافها، وقد كانوا يوصون أولادهم بالإسلام.

ولم نقل هذا فيهم من طريق حسن الظن بهم، ولكن إذا اعتقدوا عداوته أو تكذيبه أو عيبه أو عيب شيء من طرائقه وأخلاقه ومذاهبه ﷺ لظهر ذلك ولبدا في أخلاقهم وطرائقهم وفلتات ألسنتهم وفي سقطات أعمالهم، فبهذا جرت العبرة والعادة سيما وهم ملوك.

ولقد تفاءل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو خليفة وملك جبار، وهو أغنى بني مروان، فخرج له في المصحف ما يكرهه، فرمى بالمصحف من يده وتسخط ما خرج له، فقام إليه ابن عمه فضرب عنقه في هذا المقدار وجعله حجة في قتله. وأنت تتبين ذلك وأن مثله لا يخفى بمثل ابن العميد وزير ركن الدولة، وبأبي جعفر بن بانو السجزي ملك سجستان، وأبي علي بن إلياس ملك كرمان، وأمثالهم. فإن هؤلاء وقعت عليهم الباطنية فما زالوا بهم حتى خرجوا من الإسلام، وما أمكنهم المجاهرة والمكاشفة بعداوة رسول الله ﷺ، غير أن ذلك بدا في فلتات ألسنتهم وسقطات أعمالهم وإن اجتهدوا في كتمانه.

الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له

فأما من بالأحساء ومصر والمغرب فما يظهر منهم من عداوته ﷺ والقصد إلى إطفاء نوره وإماتة شريعته فعظيم. وكان مما ادّعوه على المهاجرين والأنصار أنهم كانوا ممن يبغض أمير المؤمنين لقتل من قتل من المشركين. قالوا فلهذا أخروه ولم يقلدوه الخلافة. قالوا ومع هذا فحسدوا بني هاشم أن يجتمع فيهم الخلافة والنبوة جميعا.

وهذا كأمثاله من الافتراء الذي لهم على المهاجرين والأنصار. فقد علمت أحوالهم وكيف أجابوا النبي عليه السلام من تلقاء أنفسهم تصديقا له وإيمانا بما أتاه. وقد كان لهم بمكة وبالمدينة وبأرض الحبشة ما قد تقدم ذكره لك ويشهد عندك ببطلان هذه الدعوى.

وبعد فقد علمت ما كان للمهاجرين والأنصار من الخوض في باب الإمامة في حياة النبي ﷺ، وفي مرضه وبعد موته وقبل دفنه. وفيما جرى بين أبي سفيان والعباس وبني هاشم، وفي السقيفة، وعند استخلاف عمر، وفي الشورى، وفي غير ذلك. فما ذكر ذاكر أن هذا يكرهه لأنه قتل الآباء والأبناء ولا بألا يحب أن تكون النبوة والخلافة جميعا في بني هاشم. وما نطق أحد من خلق الله بحرف من هذا ولا خطر ببالهم.

وقد دخل أمير المؤمنين رضي الله عنه في الشورى فما أنكر أحد دخوله ولا نفر أحد ولا نطق أحد في ذلك بحرف، بل رضي الناس كلهم بذلك كما رضوا بغيره ممن كان في الشورى. وقد تبادر الناس إليه بعد عثمان، وأكبوا عليه ومدوا يده، فقبضها مرة بعد مرة وحرصوا به وأحبوا خلافته وبيعته، فما نطق أحد بحرف مما يدّعيه هؤلاء. وفي كل هذا تكذيب لدعاويهم وفريتهم. وقد علمنا أنه لم يكن له رضي الله عنه في زمن رسول الله ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان عدو من المهاجرين ولا من الأنصار، حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى، لأن ذلك لو كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم.

وليس معاداة من عاداه بعد ذلك وبرئ منه دليلا على أنهم قد كانوا أعداءه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر وعمر وعثمان. فقد عادى قوم عثمان رضي الله عنه وخالفوه ونازعوه في آخر أيامه. ولا يدل هذا على أنهم كانوا عدوه في زمن رسول الله ﷺ، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن الخوارج إنما خالفوه وأكفروه لأنه قتل المشركين ولأنه كسر الأصنام ولأنهم كرهوا أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم. وكذا أهل الشام في خلافهم عليه. وهذا كله بهت واختلاط ممن ادعاه. بل الأمور التي لها ومن أجلها خالفه من خالفه من أهل الصلاة معروفة، كما أن الأمور التي لها ومن أجلها خولف عثمان معروفة.

وبعد فإن المهاجرين والأنصار إنما كانوا يقدمون من قتل المشركين ويجلونه ويعظمونه ويعظمون من كانت وطأته على المشركين أشدّ، ولهذا جلّ عندهم من شهد بدرا والمشاهد التي كانت في قتال المشركين وقتلهم، ولم تكن منزلة غيرهم من مسلمة الفتح ومن أسلم بعد الفتح منزلتهم. وكان مما يجل به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه احتز رأس أبي جهل. وكان مما يجل به عمر عندهم أنه يوم بدر ما أسر أسيرا وأن كل من وقع بيده من المشركين قتله. وكان فيمن قتله العاص بن هشام وكان خاله، وطلب خاله الحارث بن هشام فأفلت من يده. ومما كانوا يقدمونه فيه أنه يوم بدر أشار على النبي ﷺ بقتل الأسرى وقال له: سلم كل رجل منهم إلى أقاربه وأهل بيته فليضرب عنقه، فهم رؤوس الشرك، وهم كذبوك وأخرجوك، فسلمْ عقيلا إلى أخيه علي ليقتله، وفلانا إلى فلان. ولقتل المشركين تقدم عندهم الزبير وأبو دجانة وبنو عفرة والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل كان من كانت نكايته في المشركين أشد تقدما عندهم ممن جمع القرآن وقرأه. وما دعوى من ادعى هذا إلا كمن ادعى أن المهاجرين والأنصار كانوا يبغضون عليا لقراءته القرآن ولصلاته الطويلة ولكثرة ما كان يقول لا إله إلا الله.

وقد كان هناك من المهاجرين والأنصار من قد قتل القتل الكثير غير من ذكرنا، وهم أكثر مما يحصون. وما كان هناك أحد من مسلمة الفتح ممن قتل له أمير المؤمنين قتيلا إلا أبو سفيان صخر بن حرب، فإن أمير المؤمنين قتل ابنه حنظلة يوم بدر؛ وأبو سفيان فهو الذي كان أشد الناس حرصا يوم مات النبي ﷺ أن تكون الخلافة في بني عبد مناف وأن يكون عليّ بن أبي طالب هو الخليفة دون أبي بكر. وقد تقدم لك ذكر ذلك.

فأما المهاجرون والأنصار والسابقون فهم كانوا يتولون قتل أحبابهم وأهليهم. ولقد برز أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى أبيه يوم بدر ليقتله فمنعه النبي ﷺ من ذلك، وقال له دعه يقتله غيرك، فقُتل أبوه وعمه وأخوه وابن أخيه وغير واحد من أهله وهو صابر راض يشكر الله على ذلك وبما وهبه الله لرسوله من النصر. وهذا من أولاد سادات قريش ومن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة. وكم مثله فيهم رضي الله عنهم.

فإن قالوا: وما حرص أبي سفيان أن تكون الخلافة في عليّ؟ قلنا: لأنه من رهطه وبني عمه فأحب أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وكذا أحب العباس وخالد بن سعيد بن العاص وغير هؤلاء من بني هاشم. غير أن خالد بن سعيد لم يكن من مسلمة الفتح بل كان ممن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، وقد تقدم لك ذكر إسلامه. فتعلم بطلان دعاويهم من كل وجه.

فإن قالوا: فإنا لا نصدق أن أبا سفيان حرص في أن تكون في عليّ دون أبي بكر، قلنا: لا فرق بين من ادّعى هذا فيه أو في العباس، وأنه جرى بينه وبينه في ذلك قول ولا خوض ولا مراجعة، ولا فرق بين من أنكر هذا أو أنكر السقيفة والشورى. ويمثل ما علمت أنه لم يكن لعلي ولا لعثمان في المهاجرين عدوّ ولا مخالف منهم ولا من غيرهم، تعلم أنه لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا لأولئك السابقين عدو من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من بني هاشم ولا من أحد من الصحابة ولا من السابقين ولا من سائر المسلمين إلى أن حدث من أمر هشام بن الحكم وأمثاله ما حدث. فاعرف ذلك فإنه لو كان يعرف الناس الحال فيه كما عرفوه في غيره مما قد تقدم ذكره من شأن من خالف على عثمان وعلي وعاداهما وما كان من شأن سعد بن عبادة، فإن من ادّعى هذا كمن ادعى أنه قد كان في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر رافضة وخوارج، لتتأكد لك المعرفة من كل وجه ببطلان دعاوى هؤلاء على القوم الخلافَ يوم موت رسول الله ﷺ إلى غير ذلك من دعاويهم. وقد تقدمت لك أدلة العقول قبل أدلة القرآن بمحبة النبيّ ﷺ لهؤلاء، وأنه قد فرض محبتهم على الأولين والآخرين من أمته.

فأما دعوى عبد الله بن سبأ وأصحابه فلم تكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، إنما كان في التفضيل. ثم كان من إنكار أمير المؤمنين ما هو مذكور ثم خرجوا إلى ما خرجوا إليه هؤلاء. وما هم من المهاجرين ولا الأنصار ولا من التابعين، ولا يعرفون بشيء من الخبر البتة.

وقد تقدم لك شدة تمسك المهاجرين والأنصار بدين رسول الله ﷺ وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله ﷺ، لا يملكون أنفسهم غضبا على من خالفه أو خرج من دينه، حتى يقول الأخ منهم لأخيه والوالد لولده إذا قال أحدهما لصاحبه أقم أنت حتى أخرج أنا، فيقول الآخر: أنا أريد من الشهادة والجهاد مثل ما تريد، فيودعون الأهل والأحباب ويقولون لعلنا لا نرجع إليكم ولا يلوون على شيء من الدنيا. ولقد التقوا مع مسيلمة فانكشفوا فقالوا: عوّدنا الأعراب الفرار، ما هكذا كنا نقاتل مع النبي ﷺ، وقالوا لخالد بن الوليد وهو أميرهم أخلصنا بعدونا فأخلصهم وحفروا الحفائر وثبتوا فيها يقاتلون إلى أن ظفروا، وقتل مسيلمة، وقتل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسالم مولى أبي حذيفة وثابت بن قيس وزيد بن الخطاب، وغيرهم من المهاجرين والأنصار نحو أربعمائة، فيهم من حفّاظ القرآن سبعين رجلا، وفيهم ممن شهد له النبيّ عليه السلام بالجنة وأنه يقتل شهيدا، وهذا من آياته. وكلهم قتل في طاعة أبي بكر.

ولأجل هذه القضية وهذا الزحف اجتمع الصحابة إلى أبي بكر وقالوا له: اجمع القرآن في مصحف واحد ليناله كل أحد، فقد قتل في هذا الزحف خلق كثير ممن حفظ القرآن ولا نأمن زحفا مثله يقتل فيه آخرون ممن قد جمع القرآن، فيذهب منه أو يضيع، وهؤلاء ما يملكون أنفسهم ولا يصبرون عن الجهاد ولا عن الموت في طاعة الله، [وهو] أحب إليهم من الحياة. أفعلى هؤلاء يدّعى أنهم كانوا يعادون من قتل المشركين أو أنهم تغيروا بعد نبيهم.

ولقد انطلق أبو الجهم بن حذيفة العدوي يوم اليرموك يطلب ابن عم له ومعه شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت رجل يقول: أوّه، فأشار ابن عمه إليه أن انطلق إليه واسقه، فأتاه فإذا هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، فقال له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: أوّه، وما بهشام طرف يتكلم فأشار هشام أن انطلق إليه، فجاءه فإذا هو قد مات، فرجع إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتى ابن عمه فإذا هو قد مات.

وكم مثل هذا لو أخذت أذكره لطال ذلك، وأنت تجدها في أماكنها.

وهؤلاء هم الذين كانوا أعداء رسول الله ﷺ في أول أمره حين دعا إلى الله عز وجل وأولاد أعدائه.

وانظر إلى مسلمة الفتح. فهذا الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعباس بن أبي ربيعة، فإنهم هجروا الأوطان وفارقوا الأهلين ورفضوا الأموال وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة.

ولقد استلحموا، وجلت عنهم المعركة وقد أصابهم أشد العطش من حر السلاح، فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث: اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا، فلم يصل إلى أحد منهم حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحر الحديد.

فكيف يتوهم على هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل رسول الله ﷺ آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة وعلى جميع أعدائه ﷺ.

ومثلهم سهيل بن عمرو والمهاجر بن أبي أمية وعتاب بن أسيد وجبير بن مطعم، فهؤلاء من ردّ الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ورجال أسد وغطفان، وما قنعوا بقتلهم حتى أحرقوهم بالنار غضبا لرسول الله وحمية لدينه. وهم كانوا أشد الناس عليه، ولكن لما أسلموا زال ذلك كله، وأخلصوا أشد الاخلاص. وهؤلاء وأمثالهم قد كانوا عرفوا الحق فمنعهم من الدخول في الإسلام الحمية وحب الرئاسة، وقد كانوا علموا أن رسول الله ﷺ لا يقدمهم على الفقراء والموالي الذين سبقوا إلى الإسلام كما قد تقدم ذكر ذلك لك، فلما قهرهم الحق وجاء الفتح أسلموا، وكانت نفوسهم أبية يأنفون من النفاق والفسق والغيبة، فأسلموا وهذه أخلاقهم، فأخلصوا ونصحوا.

وقد تقدم لك ما قاله الحارث بن هشام حين خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله. ولهذا المعنى قال أبو جهل لابن مسعود حين أكب عليه ليجهز عليه: ألست رويعيا بتهامة، لقد ركبت مركبا صعبا. وقد تقدم لك للاسباب نزول قوله عز وجل: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}.

ولقد ذكر سهيل بن عمرو أن الحمية والأنفة وحب الرئاسة مما منعهم من الدخول في الإسلام، وكان يقول: وأبو سفيان يعرف من هذا الحق ما أعرف، ولكنّ حسد بني عبد المطلب قد ختم على قلبه. وقد كان أبو سفيان يتحدث بمثل ذلك فيقول: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي وطليق بن سفيان بن أمية تجارا إلى الشام، وكان أمية بن الصلت يأتي النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب لا أثق به، ولئن حدثني ما أكره لأوجلن منه. فأقام عندهم أمية ثم رجع كئيبا حزينا، فلما سرنا قال لي [ هي عن عتبة بن ربيعة يجتنب المحارم والمظالم، قلت إي والله، قال ويصل الرحم ويأمر بصلتها، قلت نعم، قال ومحوج، قلت نعم، قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه، قلت لا والله ما أعلم، قال: كم أتى له قلت: سبعون هو لها هو ابنها]. قلت: وأنت قائل شيئا فقله، قال: والله لا تذكر حديثي حتى تأتي منه ما هو آت، قلت: لا أذكره، قال: إني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، فأخبرني عن نبيّ من العرب منتظر، وأنه من أهل بيت يحجه العرب، قال: قلت فينا بيت تحجه العرب، قال: لا، هو من إخوانكم وجيرانكم قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، فكنت أرجو أن أكون أنا هو، قلت فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: شابّ، حين دخل في الكهولة بدأ أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج، ليس ينازع الشرف، كريم الطرفين في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قال: قلت: ما آية ذلك؟ قال: قد رجف الشام منذ هلك عيسى ثمانين رجفة كلها فيه مصيبة عامة وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة، نخرج على أثرها. قال أبو سفيان: قلت: إن هذا والله هو الباطل، لئن بعث الله رسولا إلا شريفا مسنا، قال: ثم رحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول: أصابت الشام رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا. وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة تاجرا فكمثت بها خمسة أشهر ثم أقبلت حتى قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي حتى جاءني آخرهم محمد بن عبد الله وعندي هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق، فقلت: والله إن هذا الفتى للعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني عنها، وما بلغت، والله إن له معه لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها، فقالت هند: أوما علمت شأنه؟ قلت: وفزعت: ما شأنه؟ قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله. فذكرت قول النصارى، ووجمت، حتى قالت لي: ما لك؟ فانتهيت فقلت: إن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت: بلى والله إنه ليقول، وإن له لصحابة على أمره معه، قال: قلت: هذا الباطل، فخرجت، فبينما أطوف إذ لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان وكان فيها خير، فأرسل إليها فخذها، ولست آخذ فيها ما آخذ من قومك. قال: فاني غير آخذها حتى تأخذ مني ما تأخذه من قومي، قال: قلت: ما أنا بفاعل، قال: فو الله لا آخذها، فأرسلت إليها وأخذت منها ما كنت آخذه من غيره، وبعثت إليه ببضاعته. ولم ألبث أن خرجت تاجرا إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية فتغديت معه، ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصراني؟ قال: أذكره، قلت: فقد كان، قال: ومن هو، قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. ثم قصصت عليه خبر هند، قال: فالله يعلم أنه تصبب عرقا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله قال. ومضيت إلى اليمن فلم ألبث أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى قدمت الطائف، فنزلت على أمية، قلت: قد كان من أمر هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان، قلت: فأين أنت؟ قال: والله ما كنت لأؤمن لرسول ليس من ثقيف، قال: وأقبلت إلى مكة فوجدته هو وأصحابه يُضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ ودخلني ما دخل الناس من التعاسة.

ولهذا نظائر من حديثهم، وقد كان معاوية يتحدث به في زمن ملكه وسلطانه، ويتحدث به عنه مروان بن الحكم، ويتحارون الأسباب التي أبطأت بهم عن الهجرة من الأنفة والرجال الذين كانوا يصدون عن ذلك من بني أمية، مثل عقبة بن أبي معيط ومثل الحكم بن أبي العاص، ومثل أبي سفيان من بني أمية، ومن كان كذلك من بني مخزوم، وما كان يلحق من أسلم منهم من الأذى من هؤلاء. كما كان يتحدث بذلك سهيل بن عمرو، وعمرو بن العاص وغيرهم. ويذكر بعضهم بعضا في حياة النبي عليه السلام وبعد وفاته وبعد مضي الخلفاء الراشدين. فتعلم بصائر مسلمة الفتح والذين أبطؤوا عن رسول الله ﷺ، وإذا تأملت وجدت لبني أمية وبني مخزوم من المهاجرين منهم ومن مسلمة الفتح آثارا كثيرة عظيمة في نصرة الإسلام في حياة رسول الله ﷺ، والذي لهم بعد وفاته أعظم. ولم يكن الخلاف الذي كان بين أولئك القوم وبين أمير المؤمنين رضي الله عنه لشك في النبوة ولا لضعف بصائر هم فيها، لأن ذلك لو كان لبان كما قدمنا الدلالة على ذلك، لأنه لا يمكن أن تقول إن عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه من الخوارج إنما خالفوا أمير المؤمنين وأكفروه وقاتلوه لبغضهم لرسول الله ولا لشكهم في نبوته، وقد كانت لهم عبادة وقراءة القرآن وصوم وأمور كثيرة حسنة جميلة يطول تفصيلها، غير أنهم أحبطوا ذلك كله بمخالفتهم لأمير المؤمنين.

وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله ﷺ، واستعمله غير واحد من الخلفاء بعده على ثغور الروم، فضبطها وفتح الفتوح، وغزا معه في تلك المغازي خلق كثير من المهاجرين والأنصار والبدريين، وكانت فيه عفة عن أموالهم. وكان عمر رضي الله عنه كثير التصفح لأحوال العمال والاستبدال بهم، فما وجد عليه ولا استبدل به. فلما مضى عثمان فكان من أمر معاوية ما كان من الخلاف على أمير المؤمنين رضي الله عنه انصرف عنه البدريون، وصاروا في جملة أمير المؤمنين، ولم يبق معه منهم أحد من البدريين خاصة. وأقام على خلاف أمير المؤمنين فأحبط عمله وضل ضلالا بعيدا. فليس أحد من هؤلاء خالف أمير المؤمنين لشكه في النبوة، ومع هذا فما سار أمير المؤمنين في قتال هؤلاء سيرة من شك في النبوة. ولا أخرجهم من أن يكونوا من أهل الصلاة وأهل القبلة وما زاد على تضليلهم.

وقد دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه بأمرة المؤمنين، وأقام على حرب بني أمية تسع سنين وتفانوا بالقتل، وقتل بنو أمية آل الزبير وأفنوهم وصلبوهم. ولم يكن ذاك لشك من أحد الفريقين في النبوة. والعجب أن عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه أكفروا أمير المؤمنين فما أكفرهم هو ولا زاد على تضليلهم. وكذا سار القراء والتابعون الذين قاموا مع ابن الاشعث وأنكروا شأن عبد الملك والحجاج، فإنما أنكروا فسقهم وجورهم، لا أن أحد الفريقين شك في النبوة. ومثل هذا كثير فاعرفه. فإن قوما قد دخلوا بين الناس وألقوا إليهم مثل هذا لشدة عداوتهم للنبي ﷺ، حتى قالوا في العباس بن عبد المطلب إنه كان عدوا لرسول الله ﷺ، وإن رسول الله ﷺ كان يمقته وكان إذا سلم عليه لا يرد عليه ويقول له: لعنك الله ولعن أبا لهب، وأنه لم يكن من بني هاشم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس.

وأهل المعرفة يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يعظمه ويجله ويقول فيه: ما كان لي أن أرفع صوتي بحضرة عمي. ويجله بما لا يتهيأ له إحصاء لطوله في هذا الموضع. وقد كان أمير المؤمنين يجلّه ويعظمه ويقدمه ولا يقطع أمرا دونه. وكان ولده هم خاصة أمير المؤمنين وبطانته وخلفاء على رعيته كما هو معلوم. وكذا كان ولده عليه السلام مع ولد العباس بعده، وكلمتهم واحدة. إلى أن وقع الخلاف بين عبد الله بن حسن بن حسن وبين أبي جعفر، وراموا أخذ الأمر منه وانتشبت العداوة منذ ذاك بينهم، لا لشك في النبوة ولا لعداوة قديمة كانت بين رسول الله ﷺ وبين أبيهم، ولا بين عليّ والعباس. وها أنت تجد بني العباس يثب بعضهم ببعض ويقتل بعضهم بعضا، يقتل الأخ أخاه والعم ابن أخيه، أتراها لعداوة في الأصل أو في الآباء والأجداد؟ وتجد من ولد أبي طالب مثل ذلك. ألا ترى إلى من بطبرستان وبلاد الديلم منهم كيف يثب بعضهم ببعض ويقاتل بعضهم بعضا، وكذا من منهم بصعدة من أرض اليمن، وكذا من منهم بالعراق، يقتتلون في الرئاسة لا لعداوة كانت في الآباء والأجداد. وإنما أكثرنا من ذكر هذا وشبهه وما تعلق بالإمامة لأن أكثر الملحدة من هذا الباب يدخلون في خديعة المسلمين وإفسادهم في الدين. وقد تقدم لك ذكر أوائلهم.

حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين إلى التخلي عن حقائق الإيمان والفرائض

وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمديّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، وأبي يتيم الرلباي، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد الله محمد بن النعمان. فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق. وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبة رسول الله ﷺ وأهل بيته، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن عمر قتله، ويذكرون لهم تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم إنما هو لعداوته ﷺ وللشك في نبوته، ويقيمون المنشدين والمناحات في ذلك، ويأخذون على الناس العهود ويحلفونهم بالأيمان الغليظة، فإذا حصلوا كذلك قالوا لهم: إياكم ومجالسة الفقهاء واستماع الحديث من أصحاب الحديث واستماع القرآن من العامة، وعليكم برواية الخاصة، فقد قال جعفر بن محمد كتابة: حديث العامة يعمي القلب، وإياكم وفقه أبي حنيفة ومالك والثوري والحسن البصري وأمثالهم فإنهم كفرة وأعداء أهل البيت، والرشد كله في خلافهم، وإذا عمي على أحدكم الصواب فلينظر ما عليه الفقهاء فيعمل بخلافه فإنه يصيب الحق.

ثم يأخذونهم في مجلس يسمى مجلس التغذية بأن لكل شيء باطنا علمه عند مولاكم العزيز بالله، يظهره لكم إذا ترقيتم الدرجات في طاعته، ثم يأخذونهم بأن يقولوا لهم: لم صلاة الصبح يجهر بها والظهر لا يجهر فيها، ولم حوصة سعفة النخلة طويلة، وورقة الكرم مستديرة وورقة الموز طويلة عريضة، فإذا سألوهم الجواب قالوا لهم: أنتم من المجربين ومن المبتدئين، والمبتدئ كالطفل يغذى باللبن ثم بعد اللبن بما هو أقوى منه، ويقولون لهم: أليس قد قال الله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ونحن وأنتم لا نأكل لحم الذبيحة حتى تموت، ولا نأكل السمك حتى يموت، وإنما معنى هذا أن النبي ﷺ قد مات وحرام أن تقام شريعته، وينبغي أن يمتثل أمر العزيز مولانا الذي هو حجة الله، وهذا علم الخاصة، ولكن الفقهاء الحمير وأهل الظاهر لا يعرفون هذا، لذهابهم على إمامهم ولي الله وحجة الله على خلقه.

ويقولون لطائفة أخرى: ما عليكم صلاة ما دام في الدنيا لكم عدو يمنعكم من التمكن في الأرض، فإن الله يقول: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} ويقولون لآخرين: الصلاة شخص، والصلاة عذاب على أهل الظاهر. ويرقون الناس بحسب طبقاتهم واحتمالهم للشك والحيرة. وهذه مجالس الترقية كما هو مذكور لهم ومرسوم في البلاغ السابع والناموس الأعظم. ثم يرقون من يثقون به بأنه لا يحرم عليه أمه ولا بنته ولا أخته ولا خمر ولا خنزير ولا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا شيء البتة، وأنه لا يحل لك أن تمنع أخاك ومن هو مثلك في البلاغ السابع والعلم الباطن من زوجتك فإنها تحل له كما تحل لك، والاشتراك في الزوجات كالاشتراك في الطعام، والكريم هو الذي تنكح زوجته بحضرته كما يؤكل طعامه بحضرته، وقد قال أفلاطن: الغيرة شح في الطبيعة.

فيقال لهؤلاء الدعاة: قد ادّعيتم على رسول الله ﷺ وعلى إخوانه من الأنبياء أنهم كذابون محتالون طلاب دنيا ورئاسة، ونحن فقد ذكرنا لكم مجيئه وسيرته وطرفا من آياته وأعلامه، وأن أهل الأرض بأسرهم قد خاصموه وطلبوا عثرة تكون له فما وجدوا. ولو كان كما قد ادعيتم لكانت سبيله سبيل أئمتكم، فقد علمتم حال سعيد الذي زعم أنه ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان بن سعيد الغضبان الخرميّ. وأبو القاسم بن الأبيض العلويّ وغيره من أهل هذه الدعوة يزعمون أن سعيدا هذا ليس هو ابن الحسين وإنما هو ابن امرأة الحسين هذا، وأبوه يهودي حدّاد من أهل سلمية من أرض الشام، وأن الحسين لما تزوج بأمه حظيت عنده، فأحب ولدها سعيدا هذا، وإنما رغب فيها لفرط جمالها وكمالها.

كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها

وكان سعيد ابنها هذا يشبهها في الجمال، وكان له ذكاء وفطنة. فتولى الحسين زوج أمه تربيته وتعليمه وتخرجه على ما يحب ويختار، فقبل منه وأخذ عنه، فعرفه حال هذه الدعوة ورجالها وأسرارها ودعاتها، وأين هم وكم هم، وكيف كان أولها وابتداؤها، وزوجه الحسين [ابنة عمه] أبي الشلعلع، وأبو الشلعلع هذا من ولد عبد الله بن ميمون القداح، وكان ذلك، فولدت لسعيد ابن فسماه عبد الرحمن. ثم صار سعيد إلى سجلماسة من أرض المغرب، وتسمى بعبيد الله واكتنى بأبي محمد، وادّعى أنه من نواحي الأهواز ومن بناتها ورؤسائها وأنه هرب هو وأبوه من جور عمرو بن الليث، وأن ضياعهم بكور الأهواز كثيرة، ولهم بها، وأن المواد تأتيه منها. وكان يقول لمن يثق به ويأنس به في ابنه عبد الرحمن أنه يتيم في حجره، وأنه وصيّ أبيه، وأن أباه من أهل البيت، وكان يحتال على اليسع بن المدرار أمير سجلماسة وعلى أهل بيته بالدعاوى. فلما تمكن وأمكنته الحيلة بأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الكوفي الداعية غدر ببني المدرار، وقد كانوا أجاروه وأحسنوا إليه، فغدر بهم ذلك الغدر الفاحش، فقال له أبو عبد الله: قد كانت كتبك ورسائلك تأتيني بأنك مع بني المدرار بكل خير وأنك ما نزلت بأكرم منهم، وقد قتلتهم فما أبقيت منهم رجلا، حتى قتلت صبيا من صبيانهم واستبحت أموالهم ونساءهم، فقال له: هو كما كتبت إليك، ولكن اليسع ما ألعقني لعقة عسل إلا ومعها لعقة صبر، وأما هذا الصبي فإنه جاءني برسالة من عمه أحمد بن المدرار جافية. فكانت هذه أول فضائحه ولها تفصيل طويل. وسمى ابنه عبد الرحمن الحسن. ثم لما تمكن وملك قال هو ابني، وسماه محمدا وكناه بأبي القاسم.

ولما أراد الرحيل من سجلماسة إلى القيروان وأفريقية من أرض المغرب دخل المغاربة أصحاب أبي عبد الله لإخراج رحله، فوجدوا ملابس الحرير والديباج وأواني الذهب والفضة وخصيان رومة وآثار الأنبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم مع بلادة البربر، وسألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك، وإنما أنكروا ذلك لأن أبا عبد الله هذا كان مقيما سنين كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهدي الذي هو حجة الله ويزعم أنه صاحبه، وكان أبو عبد الله يتقشف ويلبس الخشن ويأكل الخشب، ويعدهم عن المهدي بمثل ذلك، فلهذا أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه، وكان معه أتباع كثير.

ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هارون بن يونس شيخ المشايخ وأبي عبد الله الحسن بن احمد بن زكريا الداعية وأخيه أبي العباس محمد بن أحمد بن زكريا وأبي زاكي تمام بن معارك وكان من كبار الشيعة، بعد قتله لهؤلاء وتمكنه بالمغرب استصفى أهل الثروة وأخذ أموالهم كلها، وأرسل ابنه وجعله وليّ العهد بعده والخليفة وسماه القائم. فكان ينزل في العساكر على بلد بلد فيستصفي أمواله ويهدم حصونه وقلاعه، ويأخذ ما فيه من الأسلحة والأمتعة ويقتل الرؤساء والوجوه والفقهاء وأصحاب الحديث، ويتخذ جهالهم ويجعل لهم الأحوال والأموال ويسلطهم على أهل الفضل، ويضع المكوس والضرائب، ويتوصل إلى إزالة النعم، والتضييق على المسلمين بكل ما يقدر عليه وما يطول شرحه. وكان يرسل على الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين. وكان الشيعة ببغداد، مثل بني بسطام وبني أبي البغل وآل الفرات، يرجفون أن المهدي قد ظهر بالمغرب، وهو هناك يحيي الموتى ويقف على المقبرة فينادي الموتى فيقومون من قبورهم، وكان أبو الحسن محمد بن أحمد النسفي صاحبهم بخراسان، فذكر لنصر بن أحمد مثل ذلك، وأبو حاتم أحمد بن حمدان يذكر مثل ذلك بالري لأسفار بن شيرويه. وكثرت الروايات عن رسول الله ﷺ وأهل بيته في أن المهدي يظهر بالمغرب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها وينفذ أمره فيها وأحكامه على أهلها في سنة ثلثمائة للهجرة، وهو معنى ما جاء في الحديث من طلوع الشمس من مغربها، وكم كان لهم من الخطب المنسوبة إلى أمير المؤمنين بأن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن هذا موجود في الملاحم.

وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن الأرض كلها لك، والخليفة ببغداد يومئذ جعفر المقتدر بالله، وهو صبي ونحن أجلسناه، وله اثنتا عشر سنة، وأولياؤه ومن حوله شيعته من آل الفرات وآل بسطام وآل القاسم بن عبد الله وآل أبي البغل والكرخيين وآل نوبخت. فسير ابنه في سنة ثلثمائة في عساكر عظيمة من البر والبحر، وعنده أنه يظهر على الأرض كلها بسبب ما تقدم ذكره، ولأجل من بخراسان والبحرين من أهل هذه الدعوة.

فقدم مصر ونزل عليها في سنة اثنين وثلثمائة، وإذا أبو سعيد الجنابي قد قتل بالبحرين وقد ظهرت الفضيحة بها، ولقيه بظاهر مصر القاسم بن سيما الفرغاني في سبعة الاف فردّ تلك العساكر كلها ورجع ابن عبيد الله إلى أبيه بالمغرب بالخيبة والهزيمة، وذهبت تلك الأموال. وجاءت جواسيسه إلى الشيعة المقدم ذكرهم بالعراق تعنفهم فيما كان من إطماعهم له وما كان من القاسم بن سيما الفرغاني، فاعتذروا إليه وقالوا له: ارجع، فرد ابنه في سنة سبع وثلثمائة بأكثر من تلك الجيوش في البر والبحر، فنزل على مصر سنين متوالية، ونزل على عسكره في الماء ثمل الخادم من طرسوس في ثمانية عشر مركبا فهزمهم، فرجع إلى أبيه بالخيبة والهزيمة، ثم ردّ العسكر إلى مصر. وقد قتل المقتدر، فرجع بالخيبة والهزيمة. وكان مع هذه الحال يشتد على أهل القيروان وما يملكه من أرض المغرب بالجور وقتل الرجال واستصفاء الأموال وقصد الفقهاء والعلماء، وقد كان بثّ دعاته فيها يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود، ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم واحتمال كل طبقة منهم، فمنهم من يلقون إليهم أنه المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقي أنه رسول الله وحجة الله، ومنهم من يلقي أنه الله الخالق الرازق. فكان إذا ضج الناس من هذا وظهر منهم الإنكار يأخذ الدعاة، فمرة يحبس بعضهم، ومرة يقتلهم، ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول الدعاة: هو أمرنا وبأمره فعلنا، وله أن يمتحننا. وكان من جوره وكذبه وفضائحه ما يطول، فإنه مكث في ملكه نيفا وعشرين سنة.

ولما هلك، قام ابنه الّذي قد تقدم ذكره مقامه، وتسمى بالقائم أمير المؤمنين، وزاد شره على شر أبيه أضعافا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق إفريقية والمهدية، وهي مدينة كان بناها أبوه وحصنها، فكان يقال: العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى. وقتل الفقهاء والعلماء القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى عليه أبوه، فإن بلدان المغرب واسعة عظيمة وهي تشبه بخراسان في السعة وكثرة الرجال، وهي في يد عدة من الملوك، وكانوا يقولون في هذا إنه هو الذي يظهر ويملك الأرض، وإنه هو الحجة والمهدي. وكتب إلى أبي طاهر القرمطي المقيم بالبحرين البلاغ السابع والناموس الأعظم، وهو سر الدعوة وحقيقتها. وبعثه على قتل المسلمين، واحراق المساجد والمصاحف. وكان قد كتب هذا في الكتاب في حياة أبيه، وكان أبوه في أول أمره يقول: إن هذا يتيم في حجري وهو علوي من ولد إسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان في أول أمره يظن أنه لا يتم له أمر الملك، فلما تمكن وفعل هذا قال: هذا ابني وهو علوي. وشرح ظلم هذا القائم وقسوته وفجوره يطول. وهو أكثر مما أتى أبوه.

وكان لهذا الذي يسمى بأمير المؤمنين القائم بن المهدي ابن يقال له القاسم، وكان قد تأدب وقال الشعر، وكان فارسا، فاستخلفه ونصّ عليه، وقال: هذا القائم الإمام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان: ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة. ولكثرة ما كان من جور هذا وقتله للناس واستصفائه الأموال اجتمع قوم من أهل الجبل بالمغرب على رجل من الإباضية يقال له أبو يزيد مخلد بن كيداد فبايعوه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا لا يمكنه لضعفه أن يستمسك على فرس. فكان يركب حمارا، وكان له وزير يستشيره أعمى، فأنفذ إليه هذا الذي تسمى بالقائم بن المهديّ بعسكر فكسره وردّه، وتسامع به الناس، وأنه ينكر المنكر، فاجتمعوا إليه وأتوه، وسار من الجبل إلى الأمصار، ولقيته العساكر فكسرها كلها، ودخل إفريقية، وأزال الظلم والمكوس، وملك كل ما كان في أيدي هؤلاء القرامطة من أرض المغرب، إلا المهدية، فإنه حاصرهم فيها، وإلا صقلية وطرابلس من أرض المغرب. ومات هذا المتسمي بالقائم بن المهدي في الحصار وعرض له وسواس وزال عقله مما نزل به من الذل وقتل الرجال وزوال الملك وجوع من بقي معه بالمهدية بالحصار.

وقام بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل، وضمن للناس تغيير سيرة أبيه وجده، وأنه لا يتعرض لدياناتهم، وحلف على ذلك، وأكد وأشهد، واستعان بأبي الحسين بن عمار، فأشار عليه بهذه الأمور. وقد كان أبو يزيد مخلد بن كيداد ملك خمس سنين، وكثرت عساكره، فانتشر عليه أمره، وأظهر أصحابه دين الإباضية، فكرهه الناس، وخرج أبو طاهر إسماعيل وحاربه وكبسه في صحراء وأخذه وسلمه وصلبه، ووفى للناس بما وعد، وعدل وأنصف وأخذ الدعاة الذين كانوا لهم فحلق لحاهم، ونفاهم، وقال لأهل القيروان: من سمعتموه ينال من أصحاب رسول الله ﷺ فاقتلوه فإني معكم ومن ورائكم. وأطلق المحدثين في الحديث، والناس في إقامة التراويح، وأطلق الناس في غزو الروم وأذلوهم، وأعزّ المسلمين والثغور على يدي أبي القاسم بن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده إلى هذه الغاية. وهم قوم مسلمون فيهم خير كثير، والشرك مقموع بهم هناك، ولهم سيرة حسنة طويلة مذكورة.

واشتغل اسماعيل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم خوفا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد مخلد بن كيداد. وتقدم إسماعيل إلى الفقهاء بأن يتركوا له حلقة في الجامع خاصة له يقعد فيها أصحابه تكون حلقة لجعفر بن محمد، فجلس فيها جماعة لا يختلطون بالفقهاء، وكانوا يتذاكرون في حلقهم ذكر أفلاطن وبطليموس وأرسطو، فقال الناس: هؤلاء ملحدة وزنادقة وأعداء الأنبياء فكيف تكون هذه الحلقة حلقة جعفر بن محمد، وإذا نية إسماعيل غير صافية في الإسلام، وإنما أظهر الرجوع عن سيرة أبيه وجده خوفا مما جرى.

وكان لإسماعيل أخ يقال له يوسف، وكان ينظر في الكتب ويسأل العلماء، وكان فيه فضل، وكان يقول: إنا أولاد النبيّ ولا نعظم إلا أعداء الأنبياء من الفلاسفة، ودعاتنا كل سفلة كذاب ركاب لكل فاحشة، ولو كنا من أولاد الأنبياء ونحب الأنبياء ما كانت هذه حالنا، ثم يسمى الدعاة واحدا واحدا ويذكرهم بما فيهم، فقد كان فيهم أبو الأسود وكان ينكح بنته. وقصة يوسف هذا معروفة ومات بأحدابيه في مصيره إلى مصر، وفيما أظن أن ولده بمصر إلى هذه الغاية.

ثم إن اسماعيل استخلف ابنه أبا تميم معدّا وجعله ولي عهده، وسماه بالمعز لدين [الله]. ومات إسماعيل في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وقام أبو تميم بعده، وسار سيرته، ورفق بالناس وتمكن، وصفت له المغرب فما تحرك عليه أحد، واتسع ملكه وجبى الأموال. ثم تغيّر وقرّب الدعاة فقالوا: هذا هو المهديّ، وهو الذي يملك، وهو الشمس التي تطلع من غربها. واتفق أن الروم أخذت ثغور المسلمين من طرسوس وأذنة والمصيصة وعين زربة وغيرها في أيامه، واحتوت عليها، فاشتد طمعه في الإسلام، وسره المصائب التي نزلت بالمسلمين. وبلغه أنه قد كتب على المساجد ببغداد لعن خلفاء رسول الله ﷺ، فطار سرورا بهذا وطغى وتجبر. وهمّ بغزو مصر لأن فيها شيعة كثرا، وإنما سلطانها خصيّ أسود مولى لموالي بني العباس، وقال: عقله عقل امرأة، والذين معه من الجند أسوأ حالا منه، قد اعتادوا الترفه والأكل والشرب، وليست لهم بالحرب عادة، ومن بها من الشيعة يكاتبنا ويهون أمر هذا الخصي، والثغور فقد ذهبت، وما بقي للإسلام سلطان ولا ملك، والديلم الذين بالعراق والجبال شيعة لنا ومن قبلنا. فكان يقول له من حوله مثل ولد أبي الحسين بن عمار وجعفر بن فلاح بن مرزوق ومحمد بن سليمان: يا أمير المؤمنين، مصر قد أفنت رجالكم وفرغت بيوت أموالكم، وقد طمع فيها آباؤك مرة بعد مرة فما تم ما أرادوا. وكان الدعاة يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود، وليس هذا كغيره، فإن لم نملك هذه الأرض كلها فكلما نقول لكم باطل. يعنون بالحجر الأسود كافورا الخصيّ الأسود أمير مصر.

فمات كافور في سنة ست وخمسين وثلثمائة، واختلف العسكر بمصر، وكان أميرهم ابن عبيد الله بن الأخشيد، وكان شيعيا قد دخل في الدعوة، وكان رخوا مخنثا، فقال له أبو جعفر بن نصر: أيها الأمير، أمير المؤمنين أبو تميم المعز لدين الله هو لك كالوالد، والجند فقد طمعوا فيك، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال: إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب الأنباري فقال له: يا أبا يعقوب، قد جعل هؤلاء الجند في فؤادي كل دودة مثل هذه، وأشار إلى إصبعه، وأخذ ابن نصر كتابه إلى أبي تميم بذلك. فأرسل أبو تميم صاحبه وهو عبد كان لهم من الروم يقال له جوهر، فخرج في مائة ألف فوافى مصر ودخلها بلا حرب ولا قتال ولا خلاف في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، واستولى على الكنوز وبيوت الأموال، وخرج أميرها أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن الأخشيد فأقام بالرملة، فخرج إليهم جعفر بن فلاح في عسكره فكبسه وأنفذه إلى جوهر، فأنفذه إلى المغرب، إلى أبي تميم. فلما حصل عنده أظهر له البشر والبشاشة وقال له: أنت ولدي ولحمي ودمي، وإنما أنفذت جوهرا لنصرتك وطاعتك، والله يا بني ما حصل جوهر بقلشانة حتى لزمني عليه أربعة ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وقلشانة هو منزل بالغرب من إفريقية. فظن ابن عبيد الله أن الأمر كما قال، فقعد يسعى بجوهر والقواد الذين استأمنوا إليه من المصريين، مثل نحرير الأزغلي، ونحرير شويزان، وشمول، وغيرهم من القواد والأمراء، وكان كل واحد منهم كقارون في الغنى. فكتب المعز إلى جوهر فقبض عليهم وغدر بهم أجمعين، وحملهم إلى المغرب وقبض نعمهم وكنوزهم. وحصلوا بالمغرب مع ابن عبيد الله بن الأخشيد، فما يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية. ووافى أبو تميم معدّ بن اسماعيل مصر في سنة اثنين وستين وثلثمائة.

وقد كان للقرامطة الذين بالأحساء عليه أتاوة وجزية يأخذونها منه عن أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم، فقال: من هؤلاء الكلاب، الآن أنفذ كتامة إلى الأحساء فيشدون براذينهم على أبوابهم ويسبونهم.

واحتجب المعز بمصر، فكان لا يصل إليه إلا الواحد بعد الواحد من خواصه، وبث جواسيسه وعيونه وثقاته من الرجال والنساء في الناس يتعرفون له أخبارهم من الجند والعامة، ويأتون بها ويلقون من الأراجيف في الناس ما يوصيهم به. وطال استئثاره حتى أرجف الناس بموته، وهو متوفر على التنعم والأغذية التي تشحم وتسمن، والأطلية التي تنقي البشرة وتحسن اللون والصورة. ثم ظهر للناس بعد مدة طويلة، وجلس لهم في حرير فائق رائق أخضر مذهب وعمامته منه، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت وهي تلمع كالكواكب، وأوهم أنه كان غائبا في السماء، وأن الله رفعه إليه. وكان يتحدث بما كان يأتيه به أصحاب أخباره في حال استتاره، ويوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب، ويعرض بالجمل دون التفصيل، ويقول: قوم قالوا كذا، وقوم قالوا كذا، وقوم عزموا على كذا، وبث الجواسيس بالأراجيف بأنه كان في السماء وأن الله استزاره ورفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه، وظنوا ذلك، وأن كل ما يتوعد به ويعد به من تلك الأرض كلها حق.

ووافى العراق أبو عليّ الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي من الأحساء في عسكر، والسلطان ببغداد أبو منصور بختيار بن معز الدولة، فسأله أبو عليّ هذا القرمطيّ أن يأخذ له عهدا ولواء من الخليفة المطيع لله ولاية على مصر والشام، وقال لهم: أنا أعرف بهذا الممخرق أبي تميم منكم، وأعرف أصله وأبوته ومخاريق عبد الله بن ميمون القدّاح وأولاده، وأن أبلغ به أقصى المغرب وأردّه من حيث جاء. فقال الخليفة المطيع لله لبختيار وقد سأله ذلك: لا أفعل هذا، هؤلاء كلهم قرامطة، وهؤلاء قتلوا الحجاج بمكة، فإن تابوا من ذلك وبرئوا ممن فعله وتركوا التسمي بالسادة وليتهم، وإلا لم أفعل. فثقل على أبي علي هذا وكان يعترف بالتقصير وبرئ من فعل إخوته وبني عمه من أبي سعيد وأبي طاهر وغيرهما من آبائه وأخذ يعتذر لما صنعوا بمعاذير طويلة، وأنهم ما فعلوا ذلك عداوة للإسلام ولا خروجا عن طاعة الخلفاء من بني العباس، فما قبل ذلك المطيع وأقام على منعهم. وطال خضوع أبي عليّ هذا فما أجابهم المطيع، فأشار عليه بختيار أو غيره بأن يذهب ويدعي أن المطيع قد ولاك، وقيل له: العسكر الذين معك جندك وأهلك وأصحابك ومن مالك تنفق عليهم، ولست تطمع في أن يعطيك المطيع شيئا من مال ولا جند، فقبل ذلك. وما كان رغبته في تقليد المطيع إلا لتقبله العامة بالشام ومصر. فلما لم يجبه المطيع إلى ذلك اتخذ هو لنفسه أعلاما سودا ورايات، وكتب عليها المطيع لله أمير المؤمنين، وتحته: السادة الراجعين إلى الحق. ثم سار إلى الشام. فلقي عساكر أبي تميم وواقعهم وقتلهم، وقتل أميرهم ابن فلاح وقتل أصحابه، واستولى على الشام، وأقام الدعوة للمطيع ولخلفاء بين العباس، وأظهر تعظيمهم ووجوب طاعتهم، وأخذ في لعن أبي تميم، وذكر آبائه واحدا واحدا، وأنهم ولد القداح، وأنهم ما كانوا قط إلا كذابين ممخرقين أعداء الإسلام يذهبون مذاهب الزنادقة. وأبو تميم قد انحجز مع عساكره بمصر، ومع هذا فيبذل له من الجزية والأتاوة أكثر مما كان يأخذ قبل هذا. والحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ويبين فيها عيّه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه، وحفر خندقها وعمقه، والحسن يبلغه ما ينادي به أبو تميم من فضائحهم تحريضا للناس عليه، فيقوم بالشام وينادي بفضائحهم وعداوتهم للإسلام كما هو مذكور في كتبه وأشعاره فيهم.

ولكثرة ما قال وبيّن من ذلك قال أبو بكر النابلسي رئيس الفقهاء بالشام: جهاد هؤلاء أولى من جهاد الروم، وغزو هؤلاء أولى وأوجب من غزو الروم. إذ الروم أهل كتاب وهؤلاء كفار مشركون ليسوا أهل كتاب بل هم أعداء جميع الأنبياء وجميع الكتب التي أنزلها الله، والروم لا تكتم دينها بل تفضح بما تدعوا إليه، وهؤلاء يضمرون الشرك ويخدعون الناس بإظهار التشيع.

وسار الحسن هذا حتى نزل على خندق القاهرة وحاصر أبا تميم وأشرف على أخذه، فبذل أبو تميم الأموال لابن الجراح الطائي هذا الذي هو حيّ وهو كثير العشيرة، فغدر بالحسن هذا، وأخذ سواده من ورائه وشغله بنفسه وأفسد تدبيره، فانصرف عن الخندق وانهزم بمن معه، ولحق أبو تميم المنهزمين من أصحاب الحسن فأخذهم وأخذ أتباع العسكر وأهل السوق في العسكر، وأرسل إلى الشام وأخذ أبا بكر النابلسي الفقيه، وسأله عما بلغه عنه وما أفتى فيه، فاعترف به وقال له ما هو أغلظ منه، فأمر بسلخه حيا فسلخ. وهذه عادة لهم في سلخ المسلمين أحياء، قد فعل ذلك سعيد وغيره، وأخذ من ظفر به من قرامطة الأحساء فأكرمهم ووصلهم وخلع عليهم وعاتبهم وردهم مكرمين إلى الاحساء.

وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان من المأسورين فأطلقه وأطلق غيره من الأسارى، فذهبوا وأصلحوا بينهم، وقبلوا الأموال والأتاوة من أبي تميم وأجراها لهم في كل سنة، فكفوا عنه، وأخذوها منه في حياته إلى أن مات، وأخذوها من ابنه هذا المتسمى بالعزيز، وهو نزار أبو المنصور بن معدّ، إلى أن حاصر الأصفر العقيلي القرامطة بالأحساء وقتل من يخرج منهم، فهم إلى هذه الغاية ما يخرج لهم سرية خوفا من الأصفر.

وبادر نزار بن أبي تميم هذا فهادى الأصفر بهدايا كثيرة نفيسة، وحمل إليه أموالا عظيمة، وسأله أن يرسل إليه ثقة له. فأرسل الأصفر ابن أخته فأكرمه نزار الكرامة التامة، وحمل على سرج من ذهب، وقاد بين يديه الخيول، وأعطاه الأموال على أن يدعو خاله للدخول في دعوتهم على أن يقطعه البلدان العظيمة من أرض الشام. فمنع الأصفر من ذلك رجل معه من أصحاب أبي حنيفة يقال له أبو بكر محمد بن محمد النيسابوري، فقال له: لا تغتر بما يظهره نزار من أنه من المسلمين وأنه يدعو إلى الإسلام وإلى الحق، فإنه شر من هؤلاء القرامطة الذين بالاحساء، وهم الأصل في الفساد الذي وقع في الإسلام، وخذ الأموال التي أعطوك فإنما هي هدايا أهدوها لك، وابتدؤوك بها. فأرسل الاصفر إلى نزار في جواب الرسالة: إني لست أجيبك إلى قبول ما بذلت من الأقطاع بالشام إلى أن أفرع من الاحساء وأهلها وأعرفك ما عندي.

فيقال لهؤلاء الدعاة: قد تفرغتم لشتم رسول الله ﷺ، وأكثرتم الطعن فيما أتى به والتعجب من اتباعه والإقامة على دينه، من غير أن تجدوا له كذبة أو عثرة أو زلة كما لم يجده أسلافكم من أعدائه قبلكم، ولو كان كما تزعمون لافتضح كما تفتضحون في كل طرفة عين فضائح لا تحصى لكثرتها. ولو اعملتم النظر والتفكر والتدبر لعلمتم صدقه ونبوته، وكان علمكم بذلك يزيد على علم غيركم، فإنكم مع تستركم في ابتداء أمركم به صلى الله عليه، وإظهاركم الاعتصام بشريعته والدعاء إلى المهدي من ولده، ومع أخذكم له العهود والمواثيق بستر ما يلقونه إلى الناس، ومع كونكم في الأطراف والبوادي ومعدن الجهل والغافلة من المغرب، ومع تجنبكم الفطناء والأدباء وأهل البحث والنظر، قد افتضحتم هذه الفضائح. فلو كان كاذبا ومحتالا كما تقولون لكانت سبيله سبيلكم.

قالوا: إذا حقت الحقائق وحصلنا مع من قد نظر واعتبر اعترفنا بأنا مبطلون ومحتالون، وأنا قد سخر منا حين دعينا، وسخرنا من الناس بالتشيع، وخدعناهم كما خدعنا. وما هاهنا إلا مبطل.

قلنا: أما أنتم فقد صدقتم عن أنفسكم وثبتت فضائحكم، فهاتوا له ﷺ هفوة أو زلة أو كذبة حتى يكون في مثل حالكم، فإنكم ومن تقدمكم لا تجدون ذلك ولا تهتدون إليه.

فقال الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع كتاب ورؤساء: فأين الشعر الذي هجي به.

قيل له: في الشعر الذي هجي به الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل ما تدعي أنت وأمثالك عليه، وفي القرآن مما ادّعوه عليه أكثر مما في شعر أولئك الشعراء، من ادعائهم عليه أنه ساحر وكاهن، وأنه قد اكتتب أساطير الأولين وأعانه على ذلك قوم آخرون. وأحد لا يكون كاذبا بدعوى خصومه عليه كما لا يكون نبيّا بدعوى أوليائه له، وإنما يكون نبيا بالحجة كما قدمنا ويكون كاذبا بأن يشار إلى أكاذيبه وحيله، وتذكر وتفصل كما أشرنا إلى أكاذيبكم وحيلكم وفضائحكم وبيّناها مفصلة.

وإنما أشرنا إلى هذا الزنجاني القاضي لأنه كبير فيهم، ومن أتباعه زيد بن رفاعة الكاتب، وأبو أحمد النهرجوري، والعوقي، وأبو محمد بن أبي البغل الكاتب المنجم، وهؤلاء بالبصرة أحياء وغيرهم في غير البصرة.

ومما يلجئون إليه ويفرحون به وهو عندهم أكبر حجة لهم، قالوا: قلنا لأبي تميم: يا أمير المؤمنين: إن ابن رزام قد وقف على سر الدعوة وعرف أصولها، قال: أليس مع هذا قد صرنا جماعة وصارت لنا مقالة. قالوا: فإذا كنا مبطلين ولنا من الحيل والفضائح والأكاذيب أكثر مما عرفه ابن رزام وأكثر مما عرفه من بعده، ومع هذا فقد صرنا جماعة وصار لنا ملك وصار الخلق الكثير أتباعا لنا يدّعون لنا المعجزات والآيات والدلالات وأن صاحبنا المهدي وحجة الله على خلقه، وإن كان لا أصل لذلك، فأمرنا من أدل الدليل على كذب كل من ادّعى النبوة وأطاعه الناس وكانت له جماعة ومقالة وشريعة. وقد قال أبو تميم مرة: لا يهولنكم ما صنعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها مئتي إنسان يعرف ذلك، فاشتغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فإذا ملكتم الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سرّ مقالتكم. قالوا: وهذا نزار يخطب له في الحرمين والمواسم، وينادى في الحرمين أمير المؤمنين العزيز نزار صاحب الدلالات والعلامات والمعجزات، فلا ينكر ذلك منكر، وما يعرف له من المعجزات إلا بيع الخمور وإقامة دور الزواني والقوادين ونكاح الذكران وأخذ المكوس. فإن قلتم لنا: إن السيف أسكت الناس عن الإنكار، قلنا: وكذا حال من قبلنا من الذين ادّعيتم لهم النبوة.

قيل لهم: مع كونكم قاهرين غالبين وتمام حيلكم على الناس لستم تخرجون من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، وإن قل من يعرف فضائحكم، ولو لم يكن واحد من الناس كلهم اشتغل بطلب عيوبكم لما خرجتم من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، حتى لو رام كل عاقل في الأرض أن يعرف فضائحكم وكيف كان ابتداء أمركم لعرف ذلك، ولو طلبه لوجده ولأحاط به من أوله إلى آخره، فليس تمام حيلكم على من خدعتموه وسخرتم منه بجاعلكم من المحقين، ولو تمت حيلكم على أهل الأرض أجمعين ولو أسكتهم خوفكم وسيفكم. وهو كما قال بعض الناصحين للملوك الظالمين: إنكم إن قدرتم على ختم أفواه الرجال فلا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. وإن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم، فما أثمرت غلبتكم وتمام حيلكم ووصايا أبي تميم لكم إلا الويل الطويل والخزي المقيم الذي يسكت أولكم وآخركم. وما أنتم في هذا إلا كمن خدع رجلا وعاهده وبذل له غليظ الأيمان أنه من أنصح الناس له، حتى وثق به وائتمنه على نفسه وماله، ثم وثب به فقتله واحتوى على نعمته، ثم أخذ يفتخر بما ملكه واحتوى عليه، فقيل له: أنت وإن وصلت إلى هذا فلست تخرج من أن تكون كاذبا غادرا.

وقولكم: إن من ادّعى النبوة في مثل حالنا في الباطل، وقول رئيسكم: أفسد أمور الناس ثلاثة: راعي وطبيب وجمّال، وأغيظهم لنا الجمّال فإنه أفسد سائر الناس، يعنون بالراعي موسى، وبالطبيب عيسى، وبالجمال محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فهل معكم إلا الدّعوى والتكذب عليهم والغيظ منهم.

وانظروا في أمر هذا الذي غيظكم منه أشد، فعهده أقرب وأعلامه أظهر. وهو ما قد ذكرناه لكم من القرآن، ففيه أتم الحجة، وما جاء مجيء القرآن ففيه زيادة الحجة. فيجدون أول أمره كآخره، وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته. وكيف يفضح الله الطاعنين عليه من الأولين والآخرين ولا تزداد حجته إلا قوة ولا برهانه إلا إنارة. وانظروا في أول أمركم وفي آخره وفي ظاهره وباطنه، فإنكم تجدون ذلك في غاية الفضيحة، فإنكم في مبتدأ أمركم وظاهره تدعون إليه وإلى التمسك بشريعته، وباطن أمركم خلاف ذلك، فما لبثّم أن افتضحتم تلك الفضائح.

وبعد، فلو صدقتم الناس عن دعوتكم وكاشفتموهم بها، كما فعل رسول الله ﷺ فيما دعا إليه والأنبياء قبله، لما اتبعكم مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ولا كان يتبعكم من يقر بالربوبية، فأمركم أصدق شاهد في سلامة النبوة من كل عيب، فتركتم هذا وقلتم: دعونا منه وخذوا فيما تم لنا وفيمن خدعناه وإن افتضحنا، ونحن فما قلنا: إن أحدا لا تتم عليه حيلة ولا يسخر منه ولا يخدع، وإن المبطل لا يتبعه أحد. وكانوا قديما إذا وعدوا الناس سرعة خروج المهديّ فأخلف ذلك عن ميقاته الذي ذكروه قالوا لمن يستبطئ ذلك ويسأل عنه، فيقول: ألم تقولوا لنا إن الفرج يكون في هذه السنة وما رأينا فرجا، فيقولون له: استغفر الله وتب إليه فهذا كفر، ويتلون قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي} ومثل قوله: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} فيتحير ذاك اليائس وفي عنقه أيمان قد قيدته عن الشكوى ولقاء العلماء. ويخاف أيضا مما قد توعدوه به من أن جعفر بن محمد قال: من أفشى سرنا أذاقه الله حر الحديد في الدنيا والنار في الآخرة، وربما قالوا قد سخط الله على أهل الأرض فبدا له من إظهاره في الوقت الذي وعد أن يظهر فيه، والله يؤخر المقدم ويقدم المؤخر. وجواباتهم بحسب ما يرون في السائل من فطنة أو بلادة أو فقر أو غنى، أو عز أو ذل، فيورون عن فضائحهم بألوان الحيل.

فيقال لهم: قولكم أخر الله خروجه عن الوقت الذي وقّته لذنوب العباد ولسخطه عليهم. كل هذا سخرية وفضيحة لكم، فإن الله عز وجل لا يعاقب عباده بإخلاف مواعيده وبكذب إخباره، وإذا قال الله إنه يفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، أو إن فلانا سيفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فإن ذاك يكون كما أخبر وكما قال في الوقت الذي قال، لا يتأخر عن ذلك ولا يتقدم عليه، لأنه عز وجل عالم لنفسه لم يزل كذلك ولا يزال، يعلم ما سيكون قبل أن يكون وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون.

وقولكم: هذا مما بدا لله فيه، فإنما يجوز البداء على المخلوقين وعلى من لا يعلم العواقب، وأما علام الغيوب ومن يعلم ما يكون قبل أن يكون فلا تعرض له البدوات، ولكن الله عز وجل أبدى للعباد كذبكم وأظهر بهذا فضائحكم، فأحلتم كذبكم على ربكم وبرأتم منه أنفسكم.

حول بعض الشكوك التي يطلقها الباطنية عن أحاديث الرسول وتعليق واسع حول التداوي والأدوية واستعمالها

ومما يَسألون عنه ما جاء في الرواية من قوله ﷺ: «بيت لا تمر فيه جياع أهله» وهذا قصر مولانا العزيز ما فيه أحد يأكل التمر ولا يشتهيه، وما هم جياع بل شباع.

قلنا: قد علم هو ﷺ وأصحابه الذين قال لهم هذا أن ها هنا أمما كثيرة لا تجد التمر وفيهم من لا يشتهيه، وهم شباع. وإنما أراد بذلك أهل المدينة وأمثالهم من بلدان النخل والقوم الذين هم أكلة التمر وأقواتهم التمر، فحضهم على اتخاذ النخل لقوت عيالهم. وهذا من مسائل أهل الخيبة والإفلاس.

ومما يسألون عنه ما جاء في الرواية من قوله ﷺ: "الشفاء في لعقة عسل أو شرطة حجام أو آية من كتاب الله " وقوله: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» فقالوا: نحن لو أطعمنا العسل المحموم والمبرسم أضررنا به وربما قتلناه، وكذا صاحب الصفراء، ولو حجمنا المفلوج والملقو وصاحب الرطوبة لضره ذلك وأسقمه، قالوا: وقد يقرأ القرآن كله على العليل فلا يبرأ، وربما مات، ولا يعرف الناس في أدوية العين ماء الكمأة.

قلنا: ما قال النبيّ ﷺ لا دواء إلا هذا ولا شفاء إلا في هذا، وإنما قال: في هذا الشفاء، وقد صدق ﷺ. فإن الناس يجدون في العسل من الشفاء في الأدوية والأغذية والمطاعم ما يعم نفعه ولا يمكن دفعه. وفي الحجامة شفاء عظيم لخلق كثير، ولم يأمر ﷺ بذلك في كل مرض فيكون لقائل مقال. وقد قال ﷺ: ماذا في الأمرّين من الشفاء: الصبر والثقاء. وذكر ﷺ الشفاء في أشياء كثيرة من فواكه ونبات يطول شرحها، ونهى عن أكل أشياء كثيرة في أمراض، ونهى الرمد عن أكل التمر، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﷺ مما يطول شرحه، وإن لم يكن معالجا طبيبا فما وجد في قوله مع كثرة ما قاله كذب. وقد علم هو ﷺ والذين قال لهم هذا الذي أراده، وأن الناس قد يتداوون بهذه الأشياء ومع هذا فيموتون ويهرمون. وعلى أن هذه الأدوية لا تفعل الشفاء بل لا تفعل شيئا البتة لأن الفعل لا يكون إلا من الحي القادر، وهذه الأدوية موات، والشفاء لا يفعله إلا الله عز وجل، وقد يفعله بلا دواء ويفعل السقام مع التداوي. ولكنه عز وجل قد أجرى العادة بأن يفعل الشفاء عند التداوي في بعض الأحوال والأوقات دون بعض، كما قد يفعل النبات عند البذر والسقي وقد لا يفعله مع ذلك، وقد ينبت ما لا يحرثه العباد. وقد أجرى العادة بالشفاء من الأمراض المتفاوتة المتضادة بالدواء الواحد وهو القرآن، فما كان للناس دواء في القديم غيره، حتى لا يكاد يحصى من شفاه الله بذلك لكثرتهم، ولا يحصي عددهم إلا الله وحده، وكانوا يستحيون من الله أن يصفوا أمراضهم للأطباء والمخلوقين وإن كان في ذلك رخصة، لأنهم قد علموا أن السقام والشفاء من الله لا يفعله غيره ولا يقدر عليه سواه، فكانوا لا يشكون ذلك إلا إليه ولا يعرفون قارورة ولا ذكر طبيعة.

ولما مرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: لا، الطبيب أمرضني. ولما مرض الربيع بن خيثم قيل له: ألا شاورت طبيبا؟ فقال: قد أردت هذا، ثم ذكرت عادا والقرون الخالية وقد كان لهم أطباء فماتوا ومات الأطباء. وقال الحسن: أدركت أقواما والله ما كانوا يعرفون الهليلج ولا التليلج، وهذا ماء زمزم وهو غليظ وهو لما شرب له. ولو جمع جميع من داواه المتطببون فماتوا عن علاجهم لما كانوا أشطر من وهب الله له الشفاء من علته عند شرب ماء زمزم وحده. وعلى أن ذلك الماء وحده يصلح للأمراض المتفاوتة المتضادة المختلفة.

وهذا الذي ادّعينا في القرآن وفي ماء زمزم هو ما كان عليه الصحابة في الصدر الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، إلى تابعي التابعين والذين بعدهم، يعرفه كل من سمع أخبارهم وتصفح سيرهم، وخلق كثير على مثل طرائقهم في بلدان الإسلام يستشفون بالقرآن وبماء زمزم من أمراض متفاوتة. وربما ادّعوا ذلك عند سماع كلامنا فيقولون: الترياق الكثير قد نعطيه في الأمراض المتفاوتة، ولو كان ذلك كما ادّعوا لكان آكد لما قلنا، ولكن ما يكاد يوجد ذلك في أدويتهم وأخلاطهم كما وجد الناس ذلك في القرآن وفي ماء زمزم.

فأما قولهم ليس في أدوية العين ماء الكمأة، فإن هذا قول من لا يعرف الربوبية ولا العادة ولا الطب ولا الأطباء. فإن أدوية الأمم مختلفة غير متفقة، فطب الهند غير طب العرب، وطب الروم غير طب الفرس، وطب سكان المدن غير طب سكان القرى، وطب البوادي وسكان الجبال وبيوت الشعر والوبر غير طب أهل القرى. ولحنين بن إسحق كتاب ذكر فيه أدوية كثيرة لا يعرفها بقراط ولا جالينوس ولا ذكرها، منها الجدري والحصبة، وزعموا أنه لا يعرفها، حتى قال ابن زكريا الرازي: يشبه أن يكون قد عرفها. فإنه قال: العدس جيد لغليان الدم، فقيل له: كذا تظن أنت يا ابن زكريا. فإن قيل: مثل هذه الأمراض الهائلة العامة الشاملة حتى لا يكاد ينجو منها إنسان إلا القليل، وحتى صارت تعرض لبعض البهائم، وهي خطيرة، لا تقتصر من جالينوس وبقراط وطب الروم واليونانيين على هذا المقدار مع كثرة كلام جالينوس في كتبه في صفة الأمراض والمرض ومن داواه.

وكثير من بلدان خراسان يتداوون من الحمايات الحادة باللحمان وبالشواء والاسفيداج وهو الشفاء عندهم، وأهل هراة وقاين وما إلى ذلك يتداوون من الحمايات بتذويب الإلية والشحوم ويتحسونه حارا ويستشفون به. وأهل نيسابور يتخذون من ورائهم في الحمايات بالسمن. وأهل طبرستان يتداوون من الأمراض بالثوم في الشتاء والصيف ويقولون: هو في الشتاء حار وفي الصيف بارد. وأهل جبال فارس يتداوون من الحمايات بالفراخ ولا يتدافعون أنها باردة.

وحتى أن كثيرا من الادوية تنفع حينا ثم لا تنفع بعد ذلك بل يكون داء قاتلا، لا لشيء أكثر من أنهم وجدوه كذلك. ألا ترى أن جالينوس كان يعالج المقروحين ومن في صدره قرحة السعال وحمى الدق بالفلفل والزنجبيل وما أشبه ذلك. وهذا عند غيره وفي هذا الزمان وفي هذه الأمراض من الأدواء القاتلة.

ولقد عرض ببغداد في زمن موسى بن سنان وإبراهيم بن بكس [وأبي الحسن] بن بكس هذا الضرير الطبيب والحسن اليهودي وأمثالهم من حذاق المتطببين ببغداد، وهي إذ ذاك أعمر ما كانت، وهؤلاء القوم على البيمارستانات وخدمة الملوك، فعرض القفاع وكثر، فقال موسى بن سنان لإبراهيم بن بكس: خذ يا أبا إسحق إلى ساعورك من هؤلاء المقفعّين مائة وتقاسموهم، فقال ابن بكس: فرجعت في علاجهم إلى أدوية جالينوس وأوصافه، فما داويت أحدا منهم إلا مات، وما زالت الجنائز حتى مات منهم ستون، فكففت عن علاج الباقي وهم أربعون، فما مات منهم أحد.

والكتاب المعروف بالميمر لجالينوس وهو سيفه وتجاربه الذي كان يداوي به المرضى، لا يقربه المتطببون ولا يداوون أحدا به، وكذا الكثير من كتبه. وقد كان أبو الحسن بن زهرون الصابئ الحراني واحد الطب ببغداد ورئيسه يتسقط جالينوس في صناعة الطب ويستجهله لما ذكرنا من علاجه. وكان أبو الحسن بن نفيس وهو أحد رؤساء المتطببين (وهو أستاذ ابن بكس هذا) يعتذر هو وغيره لجالينوس بأن الادوية ما تجري على سنن واحدة، وأنها قد تنفع في أمراض بعينها في زمن من الأزمان ثم تضر في تلك الأمراض في زمن آخر. وكانوا يقولون: اعتبروا بما وجدنا في سني نيف وثلاثين وثلثمائة لما حدث القحط والغلاء ببغداد، وعدم أكثر الناس الأقوات وصاروا مرضى مطرّحين على الطرقات لا دواء لهم ولا غذاء، ونحن نتردد إلى المياسير والملوك نداويهم ونصف لهم التفاح الشامي والبنفسج ويجدونه ويتداوون بما نصف لهم، ولهم من يمرضهم ويخدمهم، فيموتون ويبرأ الكثير من أولئك الذين على الطرقات.

واختلاف الأدوية كاختلاف الأغذية، ألا ترى أن أجناس الأنعام وذوات الحوافر تغتذي بالأحطاب والأتبان والحشائش المرة الكرهة القاتلة لحيوان آخر من الأنس، وبالنوى، فيصير هذا الحطب وغيره شحما ولحما ولبنا. والسمك والخنازير والدجاج وكثير من الحيوان يأكل القذرة، ويخلق الله بذلك في أجوافها شحما ولحما ولبنا. والنعام يغتذي بالحصا والنار والحديد ويحمى له سيخ الحديد فيبلعها فتذوب في قوانصه ويخلق الله من ذلك شحما ولحما وبيضا ويدرق الثفل مثل الماء الجاري. والظبي يغتذي بالحنظل ويشرب ماء البحر. والأرانب تغتذي بالأيهل وهو سمّ قاتل. والسقمونيا ترعاه البهائم. والاقنيمون الأقريطشي ترعاه البهائم وتحيا به. والبيش تأكله البهائم التي هي على هيئة الفأر وهي معروفة به. وكل هذه سموم قاتلة لحيوان الانس. والحيات يأكلها قوم، ويأكلها الأيّل والقنفذ والسنّور وغير هذا من الحيوان. ولا ينكر اختلاف الأغذية والأدوية إلا جاهل.

على أن الطب ليس بعلم، وإنما هو شيء وجد بالتجارب، ثم لا تدوم تلك التجارب ولا تمضي على طريقة واحدة، بل تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا كما قد رأيت وسمعت، وذلك من آيات الله ودلائل توحيده. وإنما أجرى به عز وجل العادات ولا يديمه على طريقة واحدة بل يزيد فيه وينقص منه ويجعله في وقت ولا يجعله في آخر حراسة للحق ولئلا يلتبس الدليل بما ليس بدليل، لأنه عز وجل لا يفعل الجهل والضلال.

وقولنا في الطب ليس بعلم لأنه [لو] كان علما لا يتغير قطّ، كالعلم بأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، ولا بد من أن يكون قبل الفعل، ويكون حيا قادرا، وإن كان فعله منسقا محكما فلا بد أن يكون عالما.

ولهذا يقول حذاق الطب إذا قيل لهم في مريض قد أجمعوا على دوائه بدواء معين، فيقال لهم: إن سقيناه هذا يعافى ولا بد؟ قالوا: لا ندري. قيل لهم: فإن لم نسقه يموت لا محالة؟ قالوا: لا ندري. ونحن فقد يطيعنا القليل فنداويه ونرى أمارات الصلاح فيه ثم يرد من زيادة المرض ما لا نحتسبه، وقد يعصينا ونرى أمارات الهلاك ويرد من العافية ما لا نحسبه. هذا معروف مذكور في كتبهم. ولسنا مع ذلك ننهي عن التداوي، بل سبيل كل أحد أن يرجع إلى الله عز وجل ويستشفي بالقرآن وبماء زمزم وبالصدقة، فمن شاء أن يقتصر على ذلك فعل. ثم إن كانت له عادة بالتداوي تداوى بعد أن يقدم ما ذكرنا، فقد جاءت الرخصة بالتداوي بما يحل من الشريعة لأنه قد جاء في الأثر: «ما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم» وجاء: "عود بدنا ما اعتاد".

ثم ليس إلى السلامة سبيل وإن دامت الصحة، وقد قال ﷺ: "كفى بالسلامة داء" وهذه كلمة قصيرة كثيرة المعاني، فإن الإنسان وإن دامت صحته فهو معها يهرم ويبلى ويتغير وإن كان طبيبا حاذقا مقتدرا. وكان أبو عثمان عمرو بن عبيد كثيرا ينشد قول القائل:

يهوى البقاء فإن مدّ البقاء له ** وصادفت نفسه فيه أمانيها

أبقى البقاء له في نفسه شغلا ** مما يرى من تصاريف البلى فيها

وقال آخر:

إذا مات المعالج من سقام ** فأحرى بالمعالج أن يموتا

وقال آخر:

يعيش راعي الضأن في جهله ** عيشة جالينوس في طبه

وربما كان راعي الضأن في جهله أدوم صحة وجلدا وبقاء من جالينوس ومن حذاق الأطباء. وأنت تجد هذا عيانا من الرعاة والملاحين والزبالين وأشباههم. وقل ما يوجد طبيبا حاذقا سليما من الأمراض. هذا أبو الحسن بن بكس عرض له الرمد وأبوه حيّ وبالغ في علاجه، فذهبت إحدى عينيه، ثم طب وحذق وزادت صناعته وذهبت الآخرى بعد ذلك. والمعروف بالتلميذ، به فتق وغيره من الأمراض. وابن سابور قد عرضت له في خصيتيه أذرة قد أثقلته لا يمكنه أن يركب، وسنان الصابئ أكثر أسقاما. وتلميذه أبو عبد الله بن المعلم ها أنت تشاهده أصفر سقيما قد نهكته البواسير. وابن المهزول وأبوه طبيب حاذق مات وما بلغ ثلاثين سنة. وإن بنت أبي الحسن بن بكس امرأة أبي الحسين الطبيب عرض لها مرض أشب ما كانت، وأبوها طبيب، وزوجها طبيب، وعمها طبيب، وحموها طبيب، قد أجمعوا على علاجها، فماتت بأسرع من ذاك.

وهذا بيت بني زهرون الصابئين ومحلهم في الطب والعلم بصنعته المحل العظيم ولهم من القيام على أنفسهم والمراعاة للطب وتوفيته حقه، وهم خلق كثير ومنزلتهم في الجانب الشرقي من سويقة عباسه، وأمراضهم وأسقامهم تكاد تزيد على أمراض الجهال الفقراء الذين تقل مبالاتهم بالحياة والصحة، وأكثرهم يموتون في الشباب والكهولة، ويقل فيهم من تعلو سنه ويهرم، والذي بلغ منهم نيفا وثمانين سنة هو أبو الحسن بن هارون أبو أبي الخطاب، وابنه أبو الخطاب دفنه شابا في حياته. وهذا أبو الحسن بن أبي الخطاب يحيا وهو شاب وبه مرض عظيم، وهؤلاء حذاق الطب وأبناء الحذاق.

ولم نعيرهم بالأمراض فإنها من فعل الله ومما يبتلي به عباده. ولكن ذكرنا هذا للاعتبار والتنبيه على آيات الله عز وجل وهو المبتلي والمعافي، ولأن أكثر هؤلاء الأطباء يعتقدون أن الأدوية تفعل، ولها طبائع تفعل الصحة وتنفي الأمراض، وغير ذلك من الجهالات، وينكرون النبوات ويكذبون الأنبياء ويستجهلون المسلمين وأهل الشرائع، وينكرون الربوبية والبعث والنشور، وعندهم من الحمق والجهل والعجب ما لا يبالون بمن قتلوا من المرضى وأسقموا من الأصحاء. ويقولون في أنفسهم وفيما بينهم: إن التقينا فاقتصوا منا كيف شئتم، وإلى غير ذلك من جهلهم وحمقهم وإرصادهم للمسلمين بما يطول شرحه. وقد عرفت حال من تقدم في زمانك من أسلافهم وتجريدهم في الإلحاد، مثل قسطا بن لوقا، وحنين بن إسحق، وابنه إسحق، وأشباههم. وقد عرفت مكاشفة ابن زكريا الرازي، فهذا كان نصرانيا ابن نصراني، يتستر بالنصرانية ويذهب مذاهب الملحدة، ثم أظهر الإسلام وتسمى بمحمد، وكان اسمه يوحنا، وإنما فعل ذلك مكيدة للإسلام، وكان يقول: محال أن يقدر الله أن يخلق الإنسان من غير تناسل ويكمل له عقله وقوته ضربة، وأنه لو قدر على ذلك لفعله، ولم يفعله كما نرى حالا بعد حال. وليس ما يشاهده العقلاء من خروج الفروج من بيضته كاسيا كاسبا غنيا عن أبيه وأمه وعن أمثاله وخروج فرخ الوز سابحا لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه العقلاء من المعلمين للسباحة وما يبنيه النحل وينسجه العنكبوت ودود القز، وكل هذا ضربة واحدة، وقد تقدم لك ذكر أمثاله في المصباح. ونسي ما خلقه الله ضربة واحدة من السموات والأرضين والجبال، ومن بياض القطن والطير والخيل، وما خلق الله ألوانه ضربة واحدة، وكذا طعومه وأرائحه. فإنه كان ينكر القدرة على خلق العنب وأمثاله ضربة، وكان يقول: لا بد من أن يكون أولا حصرما أخضر، ثم بدت فيه بعد ذلك الحلاوة والسواد. وكان يقول في الشيب: إنه من تعفن الرطوبات في أصول الشعر، فيقال له: الخيول والطيور وغيرها من المخلوقات بيضاء ضربة ولا رطوبة. وكان يقول: ليس لله نعمة في خلقهم، وما خلق الله من الصحة والأسماع والأبصار والقول والجلد والشهوات وما يجدونه من اللذات، ويقول: هؤلاء الذين اعتقدوا هذا جهال حمير لا يميزون، وإنما الذي يجدونه من اللذة راحة من ألم فيهم ووجع يعتريهم، كالذي يجد من الراحة من أثقله بوله وغائطه حين يضعه، وكالذي يستريح بحك جربه ويضع المرهم على شجّته وجرحه.

وكل عاقل في الدنيا يفرق بين ما يلتذ به وبين ما يتداوى به من جرحه، ويتمنى بقاء ما فيه من شهوة وشباب وجلد، ويحرص على اجتلابه، ويأسى على ما فاته منه ويبكي وينوح على ما فاته منه كما يبكي على فقد أحبابه ولذهاب سمعه وبصره، ويتمنى ردّ ذلك عليه، ويستوصف الأطباء ما يقوي الشهوة ويعيدها. وهو لا يتمنى الجرب ليحتك، ولا القروح والجراح ليتداوى، ولا أثقال الغائط والبول له ليقعد لإخراجه. وهذا من الجهل الواضح الذي يعرف بالحس. والعجب أن لابن زكريا في مواضع من كتبه في الطب أبوابا في حفظ الشهوة والصحة والشباب والجلد والقوة، ويوصي بذلك أتم الوصايا.

ثم فهم ينسون المشاهدات. ويدفعون الضرورات، وقد شغلهم الغيظ على من جعل هذه نعما من الله ووعد بأمثالها في الجنة. ويدعون لأنفسهم ولمن أطاعهم في ظنهم أنهم يبرّونه ويديمون صحته وجلده. وحالهم وحال الملوك الذين استطبوهم وأطاعوهم ما قد عرفه الناس.

وبنزار هذا الذي زعم أنه العزيز وفرعون مصر ظهرت بثرة في مشط قدمه قد أضنته ونغصت عيشه، وقد جمع لها حذاق الأطباء، وبذل لهم الرغائب، وهم حوله ومعه لا يفارقونه، وهم آثر الناس وأوجبهم عنده، وما يزداد مرضه إلا قوة، وهو جلد وسيم جسيم.

وقد كان سلطان بلخ عرض له مرض فوصف له ابن زكريا الرازي ما رغبه حتى رحل إليه، فاقترح على هذا السلطان مسألة أبي القاسم البلخي رحمة الله عليه إجابته عما يسأله، ففعل السلطان ذلك، وألزم أبا القاسم هذا فأجابه، ثم قال لابن زكريا: قبل كل شيء فما رأيت أحمق منك، فقال له ابن زكريا: ليس هذا من خلقك وأنت موصوف بالحلم وحسن الأدب، فقال له أبو القاسم رحمه الله: أنا أبين لك ذلك، أنت رجل تنكر ما يقوله المسلمون وأهل الشرائع في الربوبية والنبوات وتراه جهلا، وهم يرون ما أنت فيه كفرا يحل دم من ذهب إليه ورآه، وأنت بينهم وهم معك وحولك في ألوف فراسخ، وأنت تبدي ذلك وتناظر فيه ولست تحسب الأجر والثواب في المعاد ولا في العاجل على ذلك لأنك لا ترى بالمعاد والجزاء، فهذه واحدة. وأخرى أنك تدعي صحة الكيمياء، وأنك تجعل الحجر والمدر ذهبا وفضة، ولك في ذلك كتب تنكر على من أنكر ذلك وكذّب به، ومع هذا فقد خاصمتك امرأتك في نفقتها ونفقة ولد لك وأحوجتها إلى أن رفعتك إلى الحكام ليفرضوا عليك كما يفعل ذلك بأفقر الناس وأقلهم حيلة، فهذه ثانية. وأخرى أن ينصرك من الضعف ويعينك من المرض اللازم ما هو بيّن، وأنت تدعي علم الطبائع ولك حذق في الطب والتقدم فيه والإزراء على من تقدمك من الأطباء، كابن ماسويه وغيره، وعلى أطباء أهل زمانك. فكان من عذر الرازي في سقم بصره حبّه الباقلاء وكثرة أكله له، وأنه يفضله على اللوز، وأنه أطيب منه. ثم من بعد هذا نزل الماء في عيني الرازي هذا وعمي، وكان يجيء بمن يقدح الماء منه ويجيء بمن عمي من نزول الماء في عينه فيستوصفهم كيف عموا، ومتى نزل الماء في أعينهم، وما كانت أغذيتهم، ويجيء بمن يقدح الماء من عيونهم عنده ويدبرهم على أحوط ما يكون في ذلك ليجرب وينظر كيف الأثر في ذلك. وكد وبذل وجمع الأطباء فما رجع عليه بصره، ومات أعمى. وقد كان يعرض له من وجع أذنه ما يقلق القلق العظيم، ويمنعه النوم والقرار، ويتداوى بكل ما ذكره المتطببون في ذلك، وهو على كل حال يتقدم في صنعة الطب، كثير الكتب والمقالات في ذلك، حتى دخلت امرأة على امرأته ورأت ما به من القلق، فسألت امرأته عن ذلك فقالت: من وجع أذنه، فقالت المرأة الداخلة: هذا وهو طبيب، وقد سمعت أن الخنفساء الميتة إذا أغليت مع دهن الورد وقطر في الأذن من ذلك الدهن منع من وجع الأذن، فقالت له امرأته ذلك، فقال: افعلوا وبادروا لعله ينفعني، ففعلوا وقطروا في أذنه فزعم أنه نفعه. ومثل هذا من الأدوية يحكيه جالينوس كثيرا أنه استفاده من القوابل ومن الأكرة ومن الملاحين. وكم قد عرض لحذاق الطب من الأمراض التي لا تظهر، وكم هي فيهم وبأي أمراض ماتوا. فنعوذ بالله من الذهاب عن الله ومن التوكل على غير الله، وإنما ذكرنا هذا لكثرة دعاوى هؤلاء الجهال.

وكم قد بقي الناس وهم لا يعرفون الفصد، وكانوا أطول أعمارا وأصح أجساما. والروم لا تعرف اليوم لا الفصد ولا الحجامة، ولا الدواء المسهل ولا القيء، ولا تتداوى بشيء من ذلك، هذا الغالب عليهم. وأجسامهم صحيحة وصحتهم وجلدهم متصل حتى يقال إن أكثرهم إنما مرضهم مرض موته. ولو أراد المسلمون أن يستغنوا عن الأطباء بمعرفة صنعة الطب لفعلوا، وكان مطلب ذلك والوقوف عليه أقرب وأيسر من معرفة اللغة والنحو والعروض، وهو أن يقرأ شيئا من كتبهم وطول مشاهدة المرضى. ولو تكلف هذا من قد عرف صنعة الكلام، وأن الفعل لا يكون من الجماد ولا من الموات، ولا يقع إلا من الحي القادر، وأنّ هذه الأدوية إنما هي بمجرى العادة، وأنه قد يكون ولا يكون، وينفع ولا ينفع، وأراح المسلمين من هؤلاء الأطباء، فإنهم جهال بالأصول، والغالب عليهم الإلحاد والقسوة وقلة المبالاة. ومن كان منهم يظهر المجوسية فليس بمجوسي، أو يظهر النصرانية فليس بنصراني، أو يظهر اليهودية فليس بيهودي، أو يظهر الإسلام فليس بمسلم، هذا الغالب عليهم، وكذا وجدهم من خالطهم وبحث عنهم. فما أحوج الناس إلى من يجعل الطب في أمناء المسلمين الأتقياء، فإنها أمانة عظيمة، وإن كان ليس في البقاء مطمع، ولا إلى السلامة سبيل، ولكن يتخلص المرضى من تعذيب الملحدين لهم، وممن يتمنى الأسقام ليأخذ أموالهم وتسؤه صحتهم وسلامتهم. فما في الأرض أغيظ من دوام صحة الناس من هؤلاء الأطباء، لما في ذلك من الاستغناء عنهم. وعلى أن الناس ممن هو طبيب نصراني وليس بملحد في مكاره وكذا الصيدلاني وبائع الدواء إذا كان ذلك.

وقد كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن علي البصري رحمه الله يذكر عن ثقة حدثه أن قوما من النصارى قالوا لعبد الله غلام إسرائيل الصيدلاني النصراني، وكان في المخرم في الجانب الشرقي ببغداد، إن فلانا يؤذي النصارى ومنك يشتري الأدوية فاكفيناه، فقال: أفعل.

وأبو الحسن بن كعب الأنصاري أحد علماء المسلمين، وكان صديقا للشيخ أبي بكر أحمد بن علي الرازي رحمهما الله، وكان بينه وبين الصابئين المتطببين خصومة في صنيعه، فدسوا إلى طبيبه وأعطوه مجمعا للمباضع ففصده وأشار بالفصد عليه فقتله.

وذكر الشيخ أبو عبد الله عن حنون المتطبب وكان صديقه وصديق أبي الحسن الكرخي رحمه الله، وحنون هذا هو أبو أبي الطيب المؤمل هذا الذي يحيا وأسلم. قال حنون قال لي المروزي الطبيب وكان أستاذي: يا حنون، اذهب إلى فلان فقل له: عني ينبغي أن تفصد، وافصده ولا تكثر فضولك، قال: فذهبت وأبلغت الرجل هذا فقبل، وفصدته ورجعت إليه، وقلت له: ما كان به حاجة إلى الفصد، فقال لي: كذا هو، ولكن كان لي عليه وظيفة من دراهم يحملها إلي، وقد قطعها عني، فأردت أن يحتاج إلي فقصدت إسقامه بالفصد.

وأما أبو هاشم بن أبي علي رحمهما الله، فقتله أبو حسن اليهودي المتطبب لاعتراضه ونقضه لكتب أرسطاطالس، وكان جاره يؤنسه ويخالطه ويريه المحبة، فشكى إليه يوما شيئا يجده، فقال: المصلحة أن تفصد، فركن إلى قوله، واستدعى حسن أخاه موسى ففصده، فلما خرج الدم، قال له أبو هاشم هذا دم جيد صافي فلم تخرجه، فقال له موسى: هو جيد الكيفية إلا أنه كثير الكمية، فمرض أبو هاشم عقيب ذلك ومات. وكان حسن هذا ظاهر اليهودية وهو ملحد، وكان أحد أطباء الملوك ببغداد. أما موسى هذا، فذكر عنه أحد تلاميذه أنه دخل على عليل وسأله عن خبره فأخبره بما يتداوى به وبما يغتذي به، فقال له موسى من أشار عليك بهذا قال: فلان الطبيب، قال: نعم ما أشار عليك، وقام وخرج وركب، قال تلميذه وهو يعقوب بن يوحنا هذا الواسطي، منزله الجانب الشرقي في دار الروم وفي درب البصرى، فلما ركب موسى مشيت مع البغل وجاريته في أصل ذلك المرض من غير أن أشير إلى العليل، واستفتيه في أدويته فأفتاني بضد ما كان ذكر له ذلك المريض، فقلت له: فهذا العليل هذا مرضه وقد أخطأ عليه طبيبه واستصوبته أنت؟ قال: نعم على عمد، قلت له: ولم؟ قال: عليك بين طبيبين اقتل حتى يمر.

وكم لهم مثل هذا. ولقد قال طبيب لسلطان كبير وهو موفق بن المتوكل، وكان جسيما وسيما أكولا، وهناك من يكره حياته، فأكل يوما ألبانا كثيرة في ألوان كثيرة، قال طبيبه: وأنا واقف وهو يأكل ولا أنهاه وأقول في نفسي هذا يفلج اليوم، لأنه زمن ويأكل هذا لا محالة، فإن لم يفلج، فالطب باطل. فلما أكل وفرغ دخل الخيش ونام فيه، وصرت إلى منزلي، فلما كان بعد قليل سمعت قعقعة بغل البريد فقيل لي: أجب الأمير، فقلت في نفسي: فلج لا محالة فركبت وجئته، فإذا هو في حمى عظيمة مطبقة دموية، فاحتاج أن يفصد من يديه ويخرج من الدم أربعمائة درهم. فكان ذلك بالضد من صناعة الطب وقوانينه.

ومن تدبر وجد العجائب من آيات الله في كل شيء. وخيانات هؤلاء كثيرة. وقد أساء إلى نفسه من استعملهم في الطب والجراح وائتمنهم. وهذه الصفة مما ذكرنا أن هذه الصنعة ليست بعلم وإنما هي تجارب بحسب ما أجرى الله العادة.

وفي الأفاعي ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، وتلسع بعض الناس فتموت الأفاعي ولا ينال الملسوع مكروها. وقد تلسع الإبل والقنفد والسنور وابن عرس وغيرها فلا تضر. هذا عام في الحيوانات، فأما في الإنسان فنادر.

وزعم الكندي المتطبب أن الخليفة المعتصم استدعاه قال فقال لي: من تكون؟ قلت: أنا يعقوب بن إسحق الكندي، فقال لي: عندنا إنسان يرسل عليه الأفاعي فإذا لسعته ماتت ولم يضره، وأنا أحب أن تشاهد ذلك. قال: فأتى برجل طوال نحيف أسمر خلاسي، ثم دعا بسلال الأفاعي فقال: يا فتى نرسلها عليك؟ فقال: على اسم الله، رسمي قبله. فأقبل عليّ المعتصم وقال: رسمه علينا أن نطعمه الكباب ونسقيه النبيذ وتعطيه دينارا. أحسبه قال: على كل أفعى. قال: ففعلوا ذلك، وأرسلوا عليه الأفاعي فأي أفعي لسعته ماتت مكانها وهو كأنشط ما يكون، فقال لي المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقلت: أنظر فيه وأعاود الفكر وأعرّف أمير المؤمنين، قال الكندي: وقد عمل رسالة في هذا الباب، فعدت إلى المعتصم فأخبرته أن هذه الأفعى قد طال مكثها وقد ضعف سمها وشربت الماء، فهات الأفاعي التي ما شربت الماء، قال الكندي: فجيء بها وأرسلت عليه فمات.

وهذه غفلة من الكندي. هب الأمر كما قال وسمّها قد بطل أصلا فما السبب أنها تموت إذا لسعت، وقد كان ينبغي أن تجرب هذه الأفاعي في غير هذا الرجل، فإن لم تضر أحدا غيره فقد أصاب الكندي.

وعقارب الفاطول يموت بعضها من لسع بعض ولا تموت عن لسعها غير العقارب، ومن عجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى، وقد تلسع أكثر الناس فلا تموت. والعقرب التي يحدث من لسعها الموت على غايته ضعف الخلقة، ولعلها أن تكون أضعف من العنكبوت الصغير وأبرتها كالشعرة، وهي توجد بالبنذنجيين وبرامهرمز وبعسكر مكرم من كور الأهواز. والأطباء يرجعون في التداوي من لسعها إلى أهل تلك البلدان، فيقولون لهم: بأي شيء جرت عادتكم بالتداوي من هذه العقارب، فيذكر شيوخهم وعجائزهم للأطباء، فيعلمونهم ويكتبونه في كتبهم. وعقارب () قتالة، وثم عقارب كبار تضرب القمقم وغيره فتحرقه بإبرتها ولا يكاد يموت أحد من لسعتها، بل ربما ماتت هي، وكل ذلك من آيات الله عز وجل. وفي الحيوان من يعرض له عند لسع العقارب البرد والخدر، ومنهم من يعرض له الحمى والالتهاب. ولقد لسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج، وهي مشهورة ذكرها الأطباء في كتبهم. وكم يجدون في تجاربهم وما يحدث على الأيام مما ليس في كتب المتطببين ولا في تجاربهم بل هو بالضد مما كتبوه فيكتبونه ويخلدونه. وكل ذلك من آيات الله، ويزيدك علما أن الطب تجارب وشيء قد أجرى الله به العادة لقوم خلاف قوم، ثم لا يستمر كما قد تقدم لك بيانه. ومن الناس من يأكل العقارب والحيات.

وهذا الكندي هو أحد الملحدة الذين ظاهرهم الإسلام، وهو كوفيّ، وكان أحد المياسير، فأنفق أمواله كلها في مكاره الإسلام وفي الطعن على الأنبياء أجمعين، وله رسالة يدعي فيها أن سبب المد والجزر إنما هو زيادة القمر، وفي الأرض بحار كثيرة ليس فيها من المد والجزر ما في بحر فارس، وكلها تحت السماء، وعلى جميعها يطلع القمر. وكم لهذا الكنديّ من الجهالات كما لابن زكريا الرازي في الخواص والكيمياء. فاطلب كتبه في الكيميا وقف عليها وما يحكيه عن نفسه وغيره، لتعرف غباء أعداء الإسلام وكذبهم وفضائحهم.

والرازي يزعم أنه خرج إلى ملك بخارى ليعالجه وأن الثلج منعه في طريقه من الاجتياز، فنزل على رجل كبير واسع النعمة، وكان له ابن قد أضناه المرض فطال عليه فصار كالخيال لطول الضنا، قال فأرانيه وشاورني فيه، فلم يكن له دواء ولا فيه رمق، فيئست منه وأمرت بمداراته والرفق به لقرب أجله، وخرجت إلى بخارى وأقمت طويلا، ثم عدت فنزلت عليه، وإذا بحضرته فتى ذكيّ حرك ظريف فأعجبني ذكاؤه وحركته، فسألته عنه، فقال: هذا هو العليل الذي كنت رأيته، فاشتد تعجبي، فقلت: كيف كان؟ وبأي شيء داويتموه؟ فقال: ضاق صدره وأشتد ضجره، فقال لامرأة كانت ربته قد حمل إليها يوما سكباج: أطعميني، فأبت وبقى السكباج في الدار مكشوفا، فأقبلت حية فأكلت ما في الصفحة ثم قذفته في الصفحة وتقايأته، فمشى الغلام إلى الصفحة فشرب ما فيها وأكله ليقل المرض ولعله يستريح، ثم أن المرأة جاءت ورأت الصفحة فهمت تأكل ما بقي فيها فنهاها الغلام، وأخبرها الخبر فأرمت القصعة ثم عرض للغلام عرق وألقى من جلده كالنمشاء ثم أفاق وقام، وهذا كما ترى، فقال الرازي: أنا ما يدريني أن في دارك حية عمرها خمسة آلاف سنة.

فانظر إلى كذبه وقله تحصيله وقلة حيائه وتحرزه مما يتحرز منه العقلاء فيها، أنه لا يعلم أن الأمر كما أخبر الغلام وإن غلب الظن على صدقه، وأخرى أنه لو كان يعرف أن دواء هذا العليل في قيء حية عمرها خمسة آلاف سنة لوصفه لهم لما رأى العليل، وأخرى إخباره بعمرها كأنه قد حصل ذلك واضطر إلى العلم به، وما يدريه لعل عمرها ثلاث سنين ولشبابها نفع سمها ولو كانت هرمة لما انتفع، فهو لا ينفصل من الدعاوي. وهذا من جنس قولهم: إن أفعى ولغت في خمر وقذفته في وعائه، وأن رجلا مجذوما شربه فبرئ، وهو سبب إيجادهم أقراص الأفاعي. فإن كانوا صادقين فهذا من الجنس الذي أخبرنا عنه من آيات الله في إجراء العادة وما تقدم من ذكر ذلك.

ويحيى بن خالد صاحب مربعة الأحنف يذكر أن العقارب لسعت أصحاب ضروب من الحمايات فأفاقوا. ويحيى بن خالد هذا [كان] طبيبا حاذقا مأمونا معروفا بالصدق، وكان يعالج ولا يتكسب بصناعة الطب، ويحفظ له الناس من اللطائف وحسن التأني شيئا كثيرا.

وكم تجد منهم من يصف الدواء للعليل وهو حريص على برئه فيقول له: إن قبلت رأيي وشربت هذا الدواء وفصدت عوفيت من ساعتك، فيطيعه فيموت. فإن قيل له في ذلك أخذ في التخريج والدعاوي، وإذا قيل للعقلاء منهم: ما السبب أن الإنسان إذا صب عليه الماء الحار بوّله؟ قال: نريد عللا مشدودة بخوص إن أردتها ذكرناها. وإذا قيل لهم ما السبب المثير للعطش عند أكل السمك واللبن والباقلاء وهذه كلها باردة رطبة بطبع الماء، وما السبب في انقطاع العطش عند أكل الثوم وهو حار يابس والعطشان يدخل الحمام فينقطع عطشه ويدخله الريان فيحدث له العطش. فأما الجاهل الملحد المعاند فيأخذ في البهت والكذب والدعوى الباطلة.

ومن جناياتهم أنهم يرسمون في الطب والمدخل إلى الطب الكذب الذي ليس من الطب بسبيل، كمسائل حنين في المدخل إلى الطب، أن أجسام هذه الحيوانات مركبة من الهواء وهو حار رطب، والعقلاء كلهم إذا أرادوا أن يبردوا شيئا أو يجففونه أبرزوه للهواء، ثم يقول: ومن الأرض وهي باردة يابسة، والأرض جسم من الأجسام تجوز عليه الحرارة والبرودة وكذا الماء وكذا النار يجوزان يغلبها الله ويخلقها شجرا ومدرا وثلجا ويخرجها من أن تكون نارا، وحنين لا يدري أمن هذه الأشياء خلق الله السماء وغيرها من الأجسام أم من شيء آخر أم من لا شيء، كما خلق النار لا من نار ولا من شيء، وكما خلق الماء لا من ماء ولا من شيء، وكما خلق الأرض لا من أرض ولا من شيء، وكما خلق الشمس لا من شمس، وكذا القمر والكواكب خلقها لا من كواكب ولا من شيء، وقد خلق السماء من دخان كما خلق كثيرا من الحيوان من الماء، وإنما فعل ذلك عز وجل ليعتبر العقلاء من الملائكة والإنس والجن، ولو شاء أن يخلق كل ذلك لا من شيء لفعل كما خلق ما قدمنا ذكره وما لم يذكره لا من شيء ولا لشيء. أما ترى الإنسان المدبر المصنوع كيف يفعل الأصوات والحركات والتأليف والإرادات والاعتقادات والسكون لا من شيء، فيكتب ويبني ويصوغ ويخيط وينسج وغير ذلك من أفعاله لا من شيء، فكيف للقديم الأزلي سبحانه وتعالى الحي القادر العالم الحكيم الغني عن كل شيء الذي لم يزل ولا يزال. على أنه عز وجل إن كان قد خلق الرمّان والتفاح والسفرجل وأشباه ذلك من النار والماء والهواء والأرض أو من الكواكب والسماء فهو أبدع من خلق أعيانها لا من شيء وأدل على القدرة وسعة العلم، ولكن نحتاج في هذا إلى خبر منه عز وجل.

فإن قالوا وجدنا في هذه الاجسام ماء ورطوبة، قلنا: غير منكر أن يخلق الماء الذي فيها لا من هذا الماء كما خلق هذا الماء لا من ماء بل خلقه لا من شيء.

وإذا قيل لهم زعمتم أن الهواء حار رطب فتبردون البارد بالحار، وزعمتم أن الصفراء حارة يابسة والعقلاء يجدونها رطبة سيالة يطفأ بها النار، قالوا: إنما قلنا الهواء حار رطب والصفراء حارة يابسة بالطبع، قلنا: فهذا طبع وقول يكذبه الحس واللمس، وهذا كما قيل لابن عبد الوهاب الكاتب وكان قصيرا معجبا: أنت وإن كنت عند الناس قصيرا فأنت في الحكومة والطبيعة والحقيقة وعند الله طويل. وعلى أن القول: من أي شيء خلق الله عز وجل هذه الأجسام، ليس من الطب بسبيل بل هو مشغلة عن الطب. وقد فطن لهذا حذاق الأطباء فانصرفوا عنه وتوفروا على معرفة العادات والتجارب. وعلى أن فرط الجهل والحيرة تحمل هؤلاء على الكلام في مثل هذا، ولفرط غيظهم من الأنبياء والمسلمين لقولهم: إن الله خلق الأشياء لا من شيء، واخترعها بغير شيء.

وأنت تجدهم يغتاظون من تحريم الخمر والأنبذة ولحم الخنزير، يشيرون بذلك على المرضى، فإن وجدوا مسلما يتوقى شرب الأنبذة كلها قالوا: الأنبذة من دوائك، وأهل العراق يبيحون لك. وإن وجدوا من يترخص ويأخذ بقول أبي حنيفة في الأنبذة، ذموا عنده التمر وما يكون من التمر، فإن وجدوه يشرب مطبوخ العنب ويتوقى ما سواه قالوا: ليس المطبوخ بشيء وإنما الشفاء في الذي لم تمسه النار ولذا قال جالينوس: وبها تعجن الأدوية، كل هذا عداوة لرسول الله ﷺ. ويذكرون عن أفلاطن أنه قال: ما دخل جوف ابن آدم شيء شرّ من الماء.

وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا، فذكر له طبيب بجند يسابور فأحضره، فمكث في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه، فلما طعم طلب من الخدم خمرا، فقالوا له: ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا سبيل، فقال: أنا رجل ذمي وأستحله وبه أحفظ صحتي، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شره، وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت، فقيل له: ما شاء فليصبك ما لك إلى هذا سبيل، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو يشرب الخمر، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه.

وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء، حتى قال قائل منهم: والله ما حرم نبي العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل عقله، فإن الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدا محيلة له، وكذا الغناء، وما شيء أفضل من العقل، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء، وقد وجد في العسل وغيره ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة العقل، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر الأمراض. وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه. قال: فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضل لها ولا خير منها، فنبي العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء. هذا قول من كان له عدوا ومكذبا.

وقد ذكر الناس فضل عقول أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير بما هو مذكور في غير هذا الموضع. والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات بوجود الماء وتلفهم مع عدمه، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره، بل تزيد الخمر في بلائهم. وهم يذمون النخلة، وخيرات الدنيا مقسومة بين النخلة والنعجة والتمور من الأغذية الشريفة النافعة التي يحيا بها الحيوان الأنس وغيره.

وفي التمر مع اللذة بأكله إخراج التعب وراحة للمكدود، والملاحون يسمونه لأجل هذا مسامير الركب، ولما قيل للأعرابي: صف النخلة قال: جذعها بناء وكربها صلاء وسعفها ضياء وثمرها غذاء. ومقدار النعمة بالنخلة يضيق هذا المكان عنه وعن شرحه، ولأبي عثمان عمرو بن بحر رحمه الله كتاب في فضيلة النخلة على كل نبات، وهو كتاب كبير حسن جدا. وجهل هؤلاء عظيم وجناياتهم لا تستقال. ولعل من قد قتلوه بأدويتهم مع حسن نيتهم فيه وحرصهم على برئه أكثر ممن أفاق عند علاجهم، وكم فيهم من قد غلط في نفسه وأولاده وأهله بعلاج، هذا لحذاقهم فضلا عن المبتدئين. ولهم إصابات في الحمايات إذا ابتدأت وكم تلبث ومتى تنصرف وكم دور يكون وبأي شيء يكون بحرانها، إما بالعرق أو بالرعاف أو بالقيء أو بالبول أو بغير ذلك، هذا يعرفونه بالتجربة، ويغلب في العادة، وقد لا يكون. كما يعرف الملاحون الريح متى تسقط وكم تلبث، يعرفون هذا في البحار وفي الأودية ويعرفون أزمانه كما يعرفون أوقات المدّ وأزمان زيادته وأوقات الجزر، وينتظرون ذلك، وكما تعرف القوابل غيره من الحمل، وذكر هو أو أنثى، وكم تلد أمه بعده من ذكر وأنثى مما يتفق لهن فيه إصابات حسنة، وكل هذه عادات وتجارب.

فإن قيل: فإذا كان الدواء والسمّ لا يقتل، فلم تذمون الساقي لذلك والشارب له؟ قلنا: نذمه ونؤثمه على ما حدث من فعله من الشرب والإسقاء، وإن كان ما يحدث من الموت من فعل الله، لأن الله أجرى العادة بفعل الموت عند ذلك، ونذمّه كما يذم من إلقاء غيره إلى السباع، وكما يذم من سعى بالناس إلى الولاة ودل على أموالهم وإن لم يأخذه الولاة ولا أكلهم السباع، لأن الغالب من ولاة الجور أخذ الأموال ومن السباع الأكل. كذا الغالب فيما أجرى الله به العادة: الموت عند شرب الدواء المسموم والسم، فليس لأحد أن يفعل ذلك. وكذلك لا تلم الساقي ولا الشارب إذا تناول ما جرت العادة بالسلامة معه وإن حدث عقيبه الموت. ألا ترى من أطعم غيره طعاما لذيذا ينفعه به فمرض عقيب ذلك ومات لم نلمه لأن الغالب في العادة السلامة. ونلوم من سقى غيره سما قاتلا فعوفي وانتفع بذلك أتم منفعة، فإنا نلومه ونضلله ونؤثمه. والرجوع في جميع ذلك إلى غالب العادة.

فإن قيل: فلم أبيتم أن يقع الفعل من الجماد والموات بالطبع، قلنا: لو وقع الفعل بأيّ وجه كان من الجماد والموات ومن ليس بحي ولا قادر لكان لا اعتبار بأن يكون الفاعل حيّا قادرا، ولا حاجة بالفعل إلى أن يكون فاعله حيا قادرا، ولوجد البناء والكتابة والصياغة وغير ذلك من الإنسان وإن جهل وإن عجز وإن اجتهد في أن لا يقع ذلك منه وأن مات، فلما لم يقع ذلك منه وهو ميت، وقد علمت وتيقنت أن الفعل لا يقع إلا من الحيّ القادر، وإن كان متسقا محكما ففاعله لا بد عالم. ولو وقعت الأفعال من الجماد والموات بالطبع أو بغير ذلك، لوقع من الحجارة والسحر والماء والنار والهواء وغير ذلك البناء والصباغة والنجارة والكتابة على أن هذه الأشياء كلها دون ما أضافوه إلى الأدوية والسموم من الأفعال، لأن الموت والحياة والعافية والسقم أعظم من الخياطة والكتابة وجميع ما ذكرنا. والعجب لجهل هؤلاء إجازتهم وقوع الحياة والموت والصحة والسقم من الجماد بالطبع، ولا يقع منها كتابة ثلاثة أسطر ولا نساجة بارية طولها ثلاثة أذرع.

فإن قيل: إنكم قد دفعتم الضرورة بقولكم إن الفعل لا يقع من الجماد والموات، فنحن نجد الشبع بأكل الخنزير ويزول معه الجوع، وكذا الريّ عند شرب الماء. وكل هذا معلوم باضطرار. قيل له: المعلوم باضطرار زوال الجوع بأكل الخبز والعطش بشرب الماء، هذا لا ينكر ولا ينكره عاقل، فأما من ادّعى أن الفعل للخبز والماء، وأنه قد علم ذلك باضطرار، فقد ركب جهلا، لأن الحيّ الناطق العاقل المستطيع ليس يعلم ما يقع منه من الكتابة والبناء أن فعله باضطرار، وإنما يعلم ذلك باستدلال. ألا ترى أن العقلاء يختلفون في ذلك. فيقول المنجمون إن من وقع منه الوفاء والعدل فذلك من فعل المشتري، ومن وقع منه الجور والغدر فذلك من فعل المريخ فيه. ويقسمون الأفعال كلها على ذلك، ويجعلونها لغير من ظهرت منه. وكذا تقول المنانية، فتجعل ذلك للنور والظلام، ويقولون آخرون إنه لحملة الفلك والكواكب في حيوان الأرض. ويقول المجبرة: إنه من فعل الله فيهم. فإذا كان فعل الحيّ القادر العالم ليس يعلم أنه هو الفاعل له باضطرار، فكيف صرتم أنتم تعلمون باضطرار أن الإحراق فعل النار، والشبع فعل الخبز، والذي فعل الماء والعافية فعل الدواء بالضرورة. وهذا قول من لم يعرف فعلا ولا فاعلا قط. وإن كان حكم النار مخالفا لحكم الدواء والخبز والماء، لأن النار قد خلق الله فيها الحرارة والاعتماد صعدا، فهي إله للعباد في الإحراق والتقطيع، والإنسان المثير لها هو المحرق بها لا هي، كما أن القاتل بالسهم الذي يرميه وينفذه في المقتول هو القاتل لا السهم، وكذا الضارب بالسيف والقاتل به هو المفرق لأجزاء المقتول بالسيف لا السيف، وكذا القاتل بالحجر هو القاتل به لا الحجر. وقد قال أبو هاشم وغيره: إن العاقل يعلم باضطرار أن الجماد لا يقع منها فعل ولا تفعل، كما يعلم أنها لا تسمع ولا تبصر، وإن كان ماني القس الذي تقدم ذكره يقول إنها تسمع وتبصر وتحس. ولكن لما وقع الإسهال عقيب شرب بعض الأشياء ظن هذا الجاهل أن ذاك فعل الدواء، كما ظن هذا عند صوت الخشبة إذا شقت ونشرت أن ذاك صياح منها لتألمها. فاحتجنا أن ننبه على فرط جهلهم، وإن كان الأمر في الوضوح كما قال أبو هاشم. وهم في هذا كمن قال للبيضة فعل الديك، والحيوان فعل أبيه، لأن ذلك يؤخذ عقيب سفاد هذه الفحولة، كما أن الإسهال يكون عقيب شرب الدواء.

فإن قالوا: فقد يكون السفاد ولا يكون الولد وقد يكون ولا يكون، قيل له: وقد يكون الإسهال عقيب الدواء وقد لا يكون، حتى أن الطبيب يعطي لمن بدنه مملوء بالصفراء دواء ليسهله عشر مجالس فقد لا يسهله، وقد يريد يسهله مجلس واحد، فربما جاءه عشرة مجالس، وربما أسهله مائة. وقد وجدنا الحنظال والسقمونيا يأكلها كبير الحيوان فلا يقتلها ولا يسهلها. بل يغذوها ويحييها كما قد تقدم شرح ذلك.

وكذا قال أبو علي رحمه الله للفلكيين والمنجمين حين قالوا: إن النبات فعل الشمس لأنا نجدها إذا طلعت على الأرض ظهر نباتها، فقال لهم: ولم إذا كان ذلك وجب أن يكون هذا الفعل وهذا الأثر للشمس، ثم قال: وقد تطلع على جميع الأرض والجبال وأكثرها لا ينبت شيئا، وقد تغيب الشمس عن الأرض مثل مقدار طلوعها عليها من الزمان، فلم وجب أن يكون هذا الأثر لطلوعها دون أن يكون لغيابها، والنبات بحاله. وقال لهم: قد يحرث الحراث الأرض في وقت الحرث ويسوق إليها الماء ويلقي لها السماد والتراب بحسب حاجتها فتنبت وتريع عند هذا الفعل منه، ومتى لم تحرث ولم تبذر ولم يسق الماء إليها لم تنبت قليلا ولا كثيرا وإن طلعت عليه الشمس والقمر والكواكب، فلو جعلتم هذا الإنبات والريع فعلا للفلاح الحراث كان أشبه وأقرب من جعله فعلا للشمس، لأن الحراث حيّ قادر عالم، ولو كانت الشمس حية قادرة عالمة فإن النبات والريع يجدونه عند فعل الحراث لا عند طلوع الشمس. فكيف والشمس والقمر والكواكب جماد وموات، والعلم بأنها جماد وموات، كالعلم بأن الغيم والبرق والماء والريح والنار والذهب والياقوت والزجاج جماد وموات.

وماني يدّعي في أجسام السماء والأرض كلها قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها بأنها سميعة بصيرة حساسة دراكة. ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادّعى لشعاع الشمس والقمر كذلك، وأنه كاتب وخطيب. وإنما ذكرنا هذا لتعجب من جهله وجهل أتباعه ومن قال بقوله.

فإن قيل: فلم لا قلتم: إن النبات والريع فعل الحراث كما ألزمتموه مخالفكم؟ قيل له: لو كان ذلك فعله لفعله في كل وقت ولنبت في كل وقت ولجاء على ما يدبره من القوة والكثرة، فلما لم يكن كذلك علمت أنه ليس يفعله وإنما هو شيء قد أجرى الله العادة به عند حرث الحراث وعند طلوع الشمس، وقد لا يكون كما قد تقدم ذكر ذلك.

وكان مما يسأل عنه هؤلاء الدعاة الذين قدمنا ذكرهم قوله ﷺ: "صوموا تصحوا" قالوا: فهاهنا من يصوم فيسقم وربما تلف. قيل لهم: هذا القول قاله لمن يصلح بالصوم ويحتاج إلى الصوم، وقد عقل المخاطبون ذلك عنه. ألا ترى أنه قال لهم بأن المسافر والمريض والهرم لا صيام عليه، وأن الفرض يسقط عنه، وهكذا شرع وبيّن، فتلا عليهم ما أوحى إليه ربه عز وجل.

وكان مما يسألون عنه، قوله ﷺ: "سافروا تغنموا" و «بورك لأمتي في بكورها» قالوا: وقد وجدنا من يسافر فلا يغنم ومن يبكر فربما سلب أو قتل. قيل لهم: قد مضى الجواب في مثل هذا، وهو أنه ﷺ أمر بذلك من يحتاج إليه ليفعله على الوجه الذي يغلب على عقله أنه يسلم وينتفع. ألا ترى أنه ﷺ لم يأمر بذلك المرضى والزمنى ولا في الأوقات المحرقة، بل قد نهى عن ذلك. وتلا عليهم الوحي قوله عز وجل: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وقوله {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} فقد عقل أولئك الذين خاطبهم عنه ﷺ مراده في ذلك، وأنه ما أمر بذلك في كل حال، وإن كان هناك مطر مانع أو برد أو حر أو عدو مخوف. وقد نهى ﷺ عن ركوب البحر وعن كل ما فيه غرر وخطر، حتى جاء عنه أن "من بات على سطح غير محجر فقد برئت منه الذمة"، وأن "من ركب البحر عند هيجانه فقد برئت منه الذمة".

ومما يطعنون عليه ﷺ قوله: «لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لاجبت» قالوا: فهذا تعرّض بالناس ورغبة في أموالهم وحيلة على ما في أيديهم، أي هاتوا لي شيئا وأهدوا لي شيئا وأطعموني شيئا. قيل لهم: إن نزاهته وترفعه شيء معلوم من أنه صلى الله عليه ملك جزيرة العرب وهي أوسع من جزيرة الروم، وهي من شجر عمان إلى أوائل الشام في الطول وفي ...

منهم عظيم الشأن، وهي الآن باقية فا ...

وحازه وجيء له وحمل ما له إليه، فحرم نفسه وأزواجه وأهل بيته من ذلك كله وبذله ووهبه للناس كما تقدم شرحه لك في غير موضع من كتابك هذا.

والمعلوم من سيرته أنه كان يكافيء المهدي بأضعاف هديته. والمنصف لا ينصرف عن الأمر المعلوم المتيقن باللفظ المحتمل. فكيف وهذا القول منه ﷺ من الآداب الشريفة والوصايا الكريمة، ونهي منه عن احتقار الفقراء والمساكين، وأنه يجب على الأغنياء أن يقبلوا منهم ما يهدونه إليهم وإن كان حقيرا قليلا، وأن يجيبوهم إذا دعوهم في ولائمهم، وإن قل ذلك، وأن يظهروا لذلك البشاشة والمسرة والطلاقة. وكان ﷺ يقول: إياكم والتكلف، وإذا حضر عند أحدكم زائر فلا يتكلف له ما ليس عنده، وبئسما لأحدكم أن يتكلف ما ليس عنده، وبئسما له أن يحتقر ما عنده، وبئسما لأحدكم أن يحضر عند أخيه فيحتقر ما يقدمه إليه. وهذا معروف من وصاياه، وقد أخذه عنه أصحابه. فلهذا قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل دعاه في وليمة: شرط أن لا تتكلف لنا ما ليس عندك، ولا تؤخر عنا ما عندك. ولهذا قدم سلمان الفارسي رحمه الله لزواره خبزا وملحا جريشا وقال لهم: كلوا فهذا الذي حضر، ولولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت. وكان سلمان أميرا في ثلاثين ألفا من قبل عمر بن الخطاب.

... في باب الدين والدنيا مريحة من بلايا عظيمة ...

قد يحمله ذلك على اغتصاب أموال الناس وعلى احتقار الفقراء فيوقعه في كل ما يكره من تنغيص العيش والكد في العاجل والعذاب الآجل. ولو أخذت في شرح قدر المنفعة بهذه الوصية لطال به الكتاب. فكم فيها من نفي الكبر الذي لا يليق بالإنسان، وهو المعطب له والجالب عليه مقت الله ومقت عباده، وهو المعرض لزوال نعمته، وهذا من تواضعه صلى الله عليه ومن بركاته على العالمين بوصاياه الشريفة النافعة في الدين والدنيا، التي قد ذهب الناس عنها يمينا وشمالا، ولو طلبوها واستعملوها لأغنتهم وأعانتهم على الدين والدنيا.

وقد جمع أبو أحمد الحسن بن سعيد العسكري رحمة الله عليه ألف وصية فاطلبها واكتبها، فهذا من المحاسن التي قد ظنها هؤلاء أنها من المساوئ، ولكن الخيبة والافلاس أحوجهم إلى ذلك حين لم يجدوا فيه ﷺ مطعنا.

وكذا طعنوا في قول أبي بكر الصديق حين أراد أن يستخلف عمر وقال له طلحة أو غيره: ما تقول لربك وقد استخلفت علينا فظا غليظا؟ فقال: أبربي تخوفني، إذا سألني قلت له: استخلفت عليهم خيرهم وأنفعهم لهم وأحرصهم على رشدهم وأقواهم عليهم. فقال هؤلاء الطاعنون: هذا تجبر وتكبر منه. وليس كما ظنوا، ولكن هذا قول واثق بالحجة مدل بالحق، وهذا نظير ما قال الله لرسوله ﷺ أن يقوله لأعدائه: {قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ} ونظيره قول هود عليه السلام لقومه ...

أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه لك ... سقط علي.

وطعنوا في قوله ﷺ: «إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فافعلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهو يداونا بالذي فيه الداء.

وهذا ليس بمنكر، وقد تشاهد ذباب النحل وفي شعرته الذي يلسع بها الدواء وفي جوفه العسل وهو الشفاء.

ويطعنون عليه بأنه كان إذا أكل لطع إصبعه. قالوا هذه هي القذارة، وأين هو عن آداب كسرى والفرس، فإنهم كانوا لا يأكلون إلا بالبارشين وبما قطع بالسكين ...

وهذا أيضا من محاسنه وفضائله في أنه كان يلطع إصبعه، ويردف خلفه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويعين خادمه، ويمشي مع الضيف والأرملة والفقير في حاجتهم، ويصنع لهم. وكم له في ذلك من وصية، وكذا كان خلفاؤه وأمراؤه لرعيتهم، وذلك مذكور في موضعه. والإنسان لا يعاف ريقه ولا ريق ولده وأحبابه. والريق أحد النعم العظيمة من الله على خلقه. وفي جفافه وبطلانه من فم الإنسان هلاكه، وبه يسيغ طعامه، وما في ذلك من النعم أكثر من أن يحصى. وهذا من تواضع الأنبياء وتعريف الناس أقدارهم، ولهذا بصق ﷺ يوما على كفه ثم وضع أصبعه عليه وقال: يقول الله تبارك وتعالى: «ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد جمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان التصدق».

... يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك ...

للظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود، ما غرّك بي إذ كنت تمر بي قدادا. [وهو الذي يخطر في مشيته ويقدم رجلا ويؤخر أخرى ويتكبر. ]

ولهذا قال مالك بن دينار للمهلب بن أبي صفرة وهو يمشي وكان ملكا عظيما وسلطانا كبيرا: ما هذه المشية التي يمقتها الله إلا بين الصفين، فقال له المهلب: أوتعرفني؟ قال: نعم، قال ومن أنا؟ قال مالك: أنت الذي أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. فاستحيا المهلب وقال له: قد عرفتني حق المعرفة. وكم مثل هذا في وصايا السلف وآدابهم رضي الله عنهم، وهؤلاء يعيبونهم ويطالبونهم بالعجب والكبر الذي لا ينبغي لمن صفته ما قال مالك بن دينار، كما يعيبونه ﷺ بأنه حرم المسكر والغناء، ولبس الحرير والديباج، واستعمال أواني الذهب والفضة، وكشف العورة والاشتراك في الزوجة. ونزار المتسمي بالعزيز لا يحرم ذلك ويتزيّن بالجوهر، ويركب إلى الصلاة بالمزاهر، وبين يديه العبيد والملاهي مجردين. ويستقذرونه ﷺ ويستنظفون كسرى والمجوس. وهم يتنزهون عن الماء ويتطهرون بالبول، فالبول طهورهم والميتة طعامهم، وأمه امرأته وصديقه وكيله في وطئها إذا غاب عنها، والهربذ يطهرها بالبول حين يعاين فرجها ويباشر ذلك بيده. وأكل الميتة هو ما يشدونه من البقر في عيد لهم ويأمرونها بعد الشد الوثيق ...

حتى تموت وحل أكلها وهو ...

فانظر من قد استضعفوا و ...

ولا الطهور كما قد تقدم ذكر ذلك، وهم لا يأكلون مع المسلمين في بلادهم في صفحة واحدة. فاعرف هذا من أحوال هؤلاء وتعديهم على الله وعداوتهم لرسول الله ﷺ.

وكان الحسن بن أحمد ملك البحرين قال لأبي الحسن الحرزي حين أخذ جوهر مصر وجاء أبو تميم بعده: يا أبا الحسن، ما ترى أبا تميم يفعل إذا دخل مصر، وما الرأي له أن يفعل؟ فقال له الحرزي: إن هو قدم ورفع حجّابه وتواضع وأنصف الرعية وتباكى وقال إنما خرجت لغزو الروم وارتجاع الثغور ورحمة للناس من جور الديلم فهو يملك الأرض، فما بين يديه أحد، إنما هو ولد سيف الدولة، وناصر الدولة، ومعز الدولة، وهم في غفلة وبطر، وجندهم الديلم وهم شيعة، فرجعت جواسيس الحسن بن أحمد من مصر فذكروا دخول أبي تميم وزيّه وركبه الذهب وملابسه المذهبة حتى خفه وما على رأسه وفي عمامته من الجوهر وما في أدنى دابته، وأنه أطعم الناس على موائد من ذهب وفي أواني الذهب، وكثرة حجابه. فقال الحسن لأبي الحسن الحرزي: قد سمعت ما هو عليه فما عندك؟ فقال له الحرزي: اصفع قفاه فما بين يديك أحد، كلكم قد ظهرت مخرقته وماتت فضيحته. وكان الحرزي جريئا عليهم يحتملونه ويستنصحونه ويحدثهم بحيلهم ومخاريقهم ويكشفونها له ويستزيدون له في الحيل ثقة به. فأكب الحسن على أبي تميم كما ذكرنا وطمع فيه ذلك الطمع ونصحه تلك النصيحة وتشاتما وتفاضحا

... به ومات عقيب ذلك واغتنم أبو تميم ...

وأعطاهم ما أرادوا قبل أن يبعثوا عليه غيره، وأخرج إليهم أربعين كتابا من كتبهم إلى آبائه وإليه وما بينهم من المخالصة وأن الدعوة واحدة كما تقدم.

وإنما جر هذا الكلام عيب هؤلاء الجهال على رسول الله ﷺ بلطع إصبعه وكونه لم يفعل من التجبر والتكبر ما يفعله الملوك. وهذا من محاسنه وآثار نبوته.

وكقوله ﷺ: «من أحب أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار»، وما أكل متكئا قط وكان يجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد وأجلس كما يجلس العبيد» ويلبس الصوف ويعقل العنز. ودخل مكة حين فتحها في عشرة آلاف وهو على رحل رث، وإن عثنونه لينال واسطة رجله من التواضع، ما زاده الله تسليطا وتمكينا إلا ازداد لله هيبة وإجلالا، ومن المساكين قربا وبهم رأفة. وملابسه معروفة، وقبض ﷺ وحاله معروف، وبردته التي يتجمل بها الخلفاء تساوي دانقين.

ويوسف بن دحية ملك عمان وحدها يلبس الوشي المثقل بالذهب، ويستعمل أواني الذهب والفضة، وله العبيد والكراع والأثاث والخزائن. وكذا ملك البحرين وملك عدن. وكذلك ملك صنعاء واليمن. وقد ملك ﷺ هذا كله ونجران وتيماء وتبوك ووادي القرى، وغير ذلك مما يطول تفصيله، فلو أراد ما أراده هؤلاء لقدر على أكثر مما قدروا عليه، وقد ذكرنا ذلك وغيره من حال خلفائه وزهدهم فهؤلاء ...

واعلم أن قول الحرزي وعيسى ابن ...

لأبي طاهر ولأبي تميم ولأبي ...

التدبير فكلكم قد افتضح مع تستركم به، إنما هو غباوة عن معجزاته ودلائل نبوته، وأنه شيء تولى الله حراسته ونقض العادة به، فما زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أسكته خصم، ولا أخجله عدو، مع كثرتهم وجلدهم وطول مقارعتهم كما قد تقدم لك، ولكن هؤلاء الجهال لا يشعرون، قد جعلوا ما أعطاه الله من النصر والحجة أنه شيء ناله بوفور عقله وسداد تدبيره.

كما يقول هشام بن الحكم وابن الراوندي وأمثالهما في أبي بكر الصديق رضي الله عنه بأنه كان ناقصا وجبانا وجاهلا ومجنونا، وأنه ما بايعه أحد ولا أطاعه كثيرا أحد كما هو مذكور لهم ومشروح في كتب الإمامية.

فقيل لهم: فكيف استوى له أن يغلب بني هاشم وشيعتهم وأتباعهم وهم أعقل الناس وأشجع الناس وأفطن الناس وأشرف الناس حتى أطيع في حياته ونفذت وصيته بعد وفاته، فأطيع خليفته بعده ووصايا خليفته بوصاياه فنفذت بعد موته فأطيعا حيين وميتين.

قالوا: هذا عجز فيه الدهر. فكان عذرهم في انقطاعهم أن سموا ما أعطاه الله من الحجة عجز فيه الدهر، كما قال أولئك في حجة رسول الله ﷺ أنه وفور العقل وسداد الرأي والتدبير.

ما شكك به الباطنية من زواج الرسول بابنة مولاه زيد بن حارثة

ومما يطعن هؤلاء الدعاة على رسول الله ﷺ ويعيدونه ويبدونه، أنه جاء مرة يطلب مولاه زيد بن حارثة ولم يكن في بيته، وكانت امرأته تخبز، فأخرجت رأسها من التنور وخرجت إليه ... وأخرج زيد بن حارثة في سرية ليقتله ... من المشيخيين إنما معنى قوله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} أي قد زنيت.

والمتأمل يعرف كذبهم في ذلك قبل أن يعلم أنه نبي صادق، لأن زيد بن حارثة رحمه الله مولاه وصاحبه قديما قبل النبوة وقبل الوحي، خصيص به محب له، يسافر معه ويقيم معه. وامرأته زينب بنت جحش هي بنت عمة رسول الله ﷺ، وهو زوّجه بها، وقد رآها صغيرة وكبيرة، لو قال قائل إنه رآها ألف مرة لما خشي أن يكذب. وكانت زينب رحمها الله امرأة سيئة الخلق كثيرة النفار لزيد، وكان رسول الله ﷺ يشق عليه ذلك، ويكره أذية زيد، وينهي زينب عن ذلك ويعذلها، ويأمر زيد باحتمالها والصبر عليها. وكان ﷺ ودّ لما يرى من نقارها لزيد أنه لم يزوجها به لما يلقى زيد من أذاها، وأنه كان ﷺ قد تزوجها فكان أولى بالصبر على قرابته من الغريب. فأوحى الله إليه أنها مع خلقها مؤمنة، وأن زيدا سيطلقها، فإذا طلقها فتزوجها أنت وضمها إليك. فلم يلبث زيد أن طلقها وجاءه فأعلمه ﷺ ذلك، فقال رسول الله ﷺ لزيد: راجعها وأمسكها، وستر عن زيد ما أوحى الله إليه، فعوتب في ألا عرفه ما أوحى إليه، فلم يؤثر زيد مراجعتها، واعتدّت، فتزوجها رسول الله ﷺ، وكان من قصتها ما قد ذكره الله في سورة الأحزاب، فبين الله ذلك والسبب فيه وعاتبه الله كونه ستر ما أوحى إليه عن ...

وما زال زيد مقيما على طاعته ...

والمحبة وبذل النفس في طاعته ...

مؤتة باذلا نفسه في نصرة رسول الله ﷺ، وقد ودّع الأحبة. وقد قال رسول الله ﷺ لجند زيد ومن معه: زيد أميركم، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة. فغزا زيد الروم وأقحم في قتالهم، وتصيبه الطعنات والضربات والجراحات فلا يرجع ولا ينثني ابتغاء مرضات الله ونصرة لرسوله إلى أن قتل، وقتل بعده جعفر بن أبي طالب، وبعدهما ابن رواحة، في القصة المعروفة، ونال رسول الله ﷺ من فقدهم ما تألم له الألم المعروف. وأسامة بن زيد منزلته من الاختصاص برسول الله ﷺ والقرب منه منزلة أبيه، وكان حبّ رسول الله كما كان أبوه، وكان يقال له أسامة الحب، وقد أمره رسول الله قبل مرض موته على خلق كبير ليخرج إلى الروم، فخرج في خلافة أبي بكر، وغزا الروم وجاهد في إحياء دين رسول الله ﷺ وقصد أعداءه، وأطاع حلفاءه ﷺ بعده. وجاهد وناصح ومضى لسبيله بعد مضيّ خلفاء رسول الله لا يرى لما يدعيه هؤلاء أثرا ولا إمارة لا في حياة زيد ولا بعد وفاته ولا في حياة ابنه ولا بعد ذلك، وهم في المناصحة والإلفة والاختصاص والمحبة بعد تزويج رسول الله بزينب كما كانوا قبل ذلك وفي جميع الأحوال، وفي حياة رسول الله وبعد وفاته، وفي حياة خلفائه وبعد وفاتهم، وهناك من أعداء رسول الله ﷺ ...

المعروفة وأعينهم مادة إلى مطعن ...

نواعن هذا وهو أنه قد اغتصب رجلا من خاصته امرأته فزنا بها وقبله لعداوته له، وهو يدعي النبوة والأمانة وأنه اختاره لأمانته وثقته على الخلق أجمعين، وأنه وحده صفوة الله وأنه لا نظير له في ذلك إلى يوم القيامة. فأين كانوا عن هذا، وأين كان الصحابة الذين قد اتبعوه لأنه نبي وصادق وقد جاءهم بتحريم الزنا وتحريم قتل النفوس بغير حلها.

فإن قالوا: قد تكلموا وقد أنكروا، قيل لهم: لو كان كذلك لجاء مجيء أمثاله، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادّعى أن زيد بن حارثة قد تكلم في ذلك وضج وخطب وصار معه جماعة في ذلك، وحاربوا وصاروا إلى الروم مجلبين على رسول الله وراجعين عن دينه، وكذا كانت قصة ابنه أسامة بعده، إلا أن هذا قد خفي علينا وخدعنا وظهر لكم أنتم وعرفتموه بفضل عقولكم وفطنتكم. وقد قلنا لكم غير مرة لو اعتبرتم ما جرى على ائمتكم وعليكم من الفضائح مع تستركم بالإسلام وأنكم من الفاطميين لكفاكم في الدلالة على نبوته ﷺ، وأنتم تدّعون ما هو في الظهور أعظم من هذا، من أن فاطمة عليها السلام ضربت وقتل جنينها في بطنها جهارا بمشهد من العباس وعلي وجميع بني هاشم وبمشهد من المهاجرين والأنصار وهم أكثر ما كانوا وأوفر، وهذه وقعة أعظم من وقعة كربلاء ومن شهدها أكثر، فكيف لا يدعون على رسول ...

نجد أبا بكر وعمر وبني هاشم ...

بين زيد وأسامة ورسول ...

بعضا كما قد تقدم شرح ذلك، حتى ينقل علي بن أبي طالب إلى عمر أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيزوجه ويفترشها ويولدها، وهذا الذي زعمتم أنه ضربها وقتل جنينها في بطنها، وقد قلنا فيما تدعونه من البقية وجوها في بعضها كفاية.

وتدّعون أن أبا بكر أنفذ المغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير الأنصاري في قتل سعد بن عبادة الأنصاري وهو سيدهم فقاتلاه، وهذا أظهر مما ادعيتم في زيد، فكيف لا تدعون ذاك وقد ادعيتم ما هو أظهر منه. ونحن نجد الخزرج رهط سعد بن عبادة أطوع الناس لأبي بكر وعمر، يعتقدون إمامتهما ويتقربون إلى الله في الجهاد معهما، حتى أن قيس بن سعد وسعيد بن سعد من أخص الناس بهما ومن أنصارهما وأمراء سراياهما. فما تأمل متأمل ولا تدبر متدبر إلا وجد من الادلة على أكاذيب هؤلاء وأكاذيب أسلافهم الذين قدمنا ذكرهم كهشام وأتباعه.

ومما يخدعون به المترفين والمستجيبين لهم بأن يقولوا: هل علمتم لم حرم محمد أزواجه أن ينكحن بعده، ولهذا سر لطيف باطن خفيّ وهو أن أزواجه قد كن وقفن على سحره وحيله فخاف أن يتزوجهن أحد بعده فيتحدثن بذلك لما في النساء من الرقة والضعف، فعلم هو بهذا فحرمهن، وهذا من حكمته وفطنته.

وقلنا قبل كل شيء من أين لكم صحة هذه الدعاوي، أهو شيء علمتموه بالخبر والنقل أو بالإلهام ...

مسائلكم وشبهكم ليست من شبه ...

الزبالين والكساحين، ولعمري إن من كان قادته وسادته وأئمته الذين قدمنا ذكرهم وسيرتهم ومن لهم مثل هذا العزيز فهكذا تكون شبهه ومسائله ودعاويه وحججه. وقد حرم ﷺ على الرجال أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت، فإذًا إنما حرمهن لمثل ما قلتم وهو السر اللطيف والباطن الخفي، هاتوا حكمتكم وفطنتكم.

ثم نسائلكم ونقول لكم: قولوا لنا ما هذه الحيل وما هذا السحر والذي وقف عليه النساء، اذكروه لنا، فإن قالوا: ما ظهر ولا عرفناه، قلنا: فما يدريكم أن التحريم كان لهذا، وإن قالوا قد ظهر، قلنا: فما أغنى تحريم الأزواج شيئا، وهاتوا هذا الذي وقفتم عليه فإنكم لا تذكرون إلا ما يشبهكم ويشبه أسلافكم، فأما هو ﷺ فأمره في الظهور والانكشاف والبعد من كل ريبة كما قدمنا وذكرنا.

والعقلاء يزدادون بصيرة في أمره ﷺ أنه جمع بين الضرائر من بنات الأعداء والأولياء وفطمهن من الدنيا ومما تتناوله يده، وكذا صنع بأهله. وإن هذا الاقدام إقدام الأبرياء من كل ريبة ودنية.

ومن مسائلهم أن أبا القاسم المصري الاقليدسي المهندس النازل في قطيعة النصارى المنقطع إلى ...

جميلة كانت ...

فما تعرفها فيقو ...

عقيب هذا و ...

من المسلمين، ويذهب في هذا أن أمرأة كانت تختلف إليه ﷺ في الريب، فيخدع أصحابه وأزواجه بقوله: هي العافية، وكان هذا من أكبر المطاعن عليه عندهم، وسرورهم بها أتم السرور.

دعواهم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يتستر على نفسه ببعض أفعاله

ومن عجيب أمرهم أن رؤساءهم وأهل العقل منهم إذا افتضحوا يأخذون في الصلاة عليه والوصف له بالحكمة ووفور العقل وملك النفس وطول الصبر حتى لم يفتضح، وأنا من أولنا إلى آخرنا مع التستر به نفتضح في كل طرفة عين.

فانظر إلى اختلاطهم وحيرتهم وفضيحتهم في كل ما يأتون به ويتعرضون له، وكيف ينقضون على أنفسهم ويكذبون أقوالهم بألسنتهم.

ثم يقال لهم: هذا رجل قد أسخط الأمم وعاداها وغاضبها وأغضبها، وادّعى رئاسة ليس فوقها رئاسة لمخلوق، وفرض طاعته، وألزم الناس إقامة شرائعه وإنفاق أموالهم في إحياء دينه وسفك دمائهم في مجاهدة عدوه، وكلف تلك التكاليف الشاقة الصعبة الذي قد تقدم شرحها، وقال إن من أنكرها أو تسخطها كفر بالله وحل دمه، وكان له في الآخرة العذاب الدائم. وأتباعه إنما أطاعوه لأنه عندهم نبي صادق، وتقربوا إلى الله بما أصابهم في اتباعه على ما قد تقدم من شرحه، وهو بزعمكم يكذب ويناقض في الآيات والأحاديث ...

ليزني بنسائهم ...

عن تدبيره ولا ينفر ...

لا يستوحش منه خاصته وبطانتة، وقد اختلف على الرؤساء وعلى من لم يدّع ما ادعاه في أقل القليل كما شرحنا وقدمنا من المحققين والمبطلين، وسلم هو هذه السلامة التامة، وكان له أصحابه في حياته وبعد موته. إن هذا لهو أكبر معجزاته وأعظم آياته، وقد انتقضت له العادات في هذا أيضا كما انتقضت في غيره، فهذه شهادة منكم له يتأكد بها حجته عليكم.

وينبغي أن تعلموا أن الايات التي يسأل عنها هؤلاء وأمثالهم من أعدائه ﷺ والأحاديث التي صحت عنه ما أراد بها ما يظنونه ولا ما يذهبون إليه. إذ لو كان كذلك لكان أولئك الأعداء الذين كانوا معه وفي بلده وفي زمانه من قريش والعرب واليهود والنصارى، وأحوالهم في الفطنة والعداوة والدهاء والكيد ما قدمنا وشرحنا، ينطقون بذلك ويحتجون به ويجادلونه ويجادلون أصحابه، وكان هذا أسهل عليهم مما تكلفوه من إبطال أمره واطفاء نوره وتفريق الناس عنه بمفارقة أوطانهم وإنفاق أموالهم وسفك دمائهم. وبهذا الاحتجاج كان أبو الهذيل والشحام يسكتون الخصوم.

وابن الراوندي والحداد والوراق ...

رسول الله ﷺ ليس ممن يطعن عليه ...

ذلك عليه وتحت ...

على الشدائد من ...

من البلاغة فيجد ...

واسع الحلم، عنده من الصبر ما ليس عند غيره، فلهذا ضبط نفسه من أول أمره وقبل ادعاء النبوة، فما عرفوه إلا بالنزاهة والطهارة والثقة والأمانة، فكان يعرف عندهم بمحمد الأمين، فبفضل العقل تم له ما تم، واستترت عيوبه وحيله، وإن لم نقطع عليه فنحن نجوزه، فأخرجوا معشر المعتزلة هذا التجويز من قلوبنا وإن كان ضعيفا. ذكر هذا المعنى ابن الراوندي في الفريد في غير موضع منه.

فيقال لهم: إن هذا الذي ذكرتموه فإنما المعنى فيه شهادتكم له بالمعجزات والآيات التي لم تجدوا فيها مطعنا فعبرتم عنها بفضل العقل والحزم والصبر والحلم. وقد سلمتم سلامته من كل فضيحة.

وقولكم إنه منذ أوّل أمره قد كان أحسّ بفضل عقله وصبره وحزمه وفصاحته فأمسك عن ذلك ولم يظهره إلى وقت ادّعى فيه النبوة، كمن ادعي عليه وله أنه ولد كامل العقل وافر الحلم، وأنه أحسّ بذلك من نفسه فلم يظهره إرصادا للنبوة، وأظهر التصابي ...

وقد كان ﷺ ...

يقصد إلى ...

حالهم ...

يحيط بهم ...

واحدا ...

له على أن ...

الله اختارني وحدي على العالمين إلى يوم القيامة، أن أحدا لا يأتي بمثل ما معي ولا بمثل سورة منه إلا وهو على يقين أن أحدا لا يأتي بذلك. هذه قضية العقل، فتعلم أنه قد كان على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، وقد تقدم نظير ذلك. وإنما يقال فيمن أراد السلامة من الناس فطلب رضاهم، وانحط في هواهم، وتجنب ذمهم وسخطهم، وتودد إليهم بما يهوونه أنه عاقل، وقد سلم من ذمهم بعقله، كما قيل استحق اسم العقل من رضي عنه الجميع المختلفون.

وهذا ﷺ أتى بما يسخط الأمم كلها فأكفرها وشرع جهادها وفرض قتالها وقتلها واستباحة حريمها وسبي ذريتها وإهانة ملوكها وجبابرتها، حتى كذبوه وشتموه وضربوه وحصروه وأجاعوه وطلبوا نفسه وقتلوا أتباعه وبذلوا الوسع كله في مكارهه، إلى غير ذلك، فكيف يقال في هذا ﷺ أنه ناله من ...

فإذا حصل فعلوا فيه فعل طلاب الدنيا كما فعل غيرهم ممن قدمنا ذكره، فما منهم أحد في ابتداء أمره وفي أول طلبه إلا وقد تودد إلى العامة بأنه يريد الدين والدار الآخرة، فإذا قدر وملك واستولى أثر في نفسه وأهله وولده وتنعم وتمرغ في الدنيا، فكيف انتقضت العادة بهؤلاء، ولو ادّعى مدع في زهد رسول الله ﷺ ومنعه نفسه وأهله وولده وكذا في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه مثل ما ادّعيتم في هؤلاء كان يكون الجواب فيه إلا الجواب في هؤلاء.

وأخرى أنكم معشر الإمامية تدّعون أن رسول الله ﷺ نصّ نصوصا تلزم الخاصة والعامة والرجال والنساء والأحرار والعبيد والمرضى والأصحاء والمقيمين والمسافرين، وأنه عليه السلام بينّ لهم هذا الفرض وبلغهم إياه بحسب وجوبه وشموله وعمومه، فأعلمهم إياه وجعلهم على يقين من وجوبه. وأن هؤلاء اغتصبوه ﷺ مصلاه ومقامه في حياته وفي بيته ونصب عينيه وبحضرته وبحضرة أهل بيته وخاصته ... حياتهم وبعد موتهم، كما قد بينا من إنفاد وصية أبي بكر وعمر، فامتثلوا ذلك كله حتى أن من يدعون النص والإمامة [له] دخل في ذلك وأظهر السمع والطاعة لهم في حياتهم وبعد موتهم خوفا من أتباعهم وشيعتهم وأنصارهم، فمن بقي يتقونه أو يخافونه أو يخدعونه، وكل شيء قد ادعوه ودعوا إليه قد أجيبوا إليه، وقد أطيعوا فيه بغير حجة بزعمكم، مع علم الناس أن ذلك خلاف رسول الله ﷺ وخلاف دينه، إذ هو من الفروض العامة. وهم يأخذون الناس بحب رسول الله ﷺ وموالاته وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه. وهم بزعمكم يبغضونه ويعادونه ويبغضون من أحبه ووالاه، ومن كان يوالي ويحب. فهل سمع بأعجب من أمر هؤلاء القوم فيما يدّعونه، فبخلاف العقل والنقل والأثر كدعوى الملحدة على رسول الله ﷺ.

ومما يصول به هؤلاء الدعاة وأتباعهم من المتصلة بالشام ومصر أن يقولوا للمسلمين: اسمعوا منا ما نقوله في إلهكم الذي تعبدونه ثم ...

يطول شرحه ...

وفعل فإن الحا ...

إن ما لكم إله ...

ففيه تبارك ...

السموات والا ...

حلما عنهم ورحمة وإمهالا لهم ليتوبوا، وأنهم إنما ينقلبون في قبضته وبقدرته التي أعطاهم لطاعته، أولم ينظروا إلى الجبابرة والفراعنة كيف اصطلمهم؟ {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا}.

ومما يغيظهم في شأن رسول الله ﷺ أن يقولوا: انظروا إليه كيف لم يبشر بأحد بعده، ولا علق القلوب بمن يأتي بعده كما فعل من كان قبله من إبراهيم وموسى وعيسى، وأمثالهم، فطم الناس كلهم وقال: «لا نبيّ بعدي»، فصار من يدعي هذا قد أكفرته أمته وبادروا إلى قتله. فهذا الحسد والشره.

فيقال لهم: إبراهيم وموسى وعيسى وأمثالهم كذابون عندكم أصحاب حيل وطلاب رئاسة، وما هاهنا عندكم رب ولا نبي ولا باعث ولا مبعوث، ومن قال إني رسول الله فقد كذب عندكم، ومن قال يأتي من بعدي رسول الله فقد كذب عندكم، فكأنكم عتبتم عليه إذ لم يكذب ولم يزد في الكذب، هذا على ...

شرا ...

ألين من بعده ...

كما قال ...

سود ...

به فافتضح ...

ابن خويلد ...

وكاهنا ...

فأرسل إليه أبو بكر الصديق بمن يجاهده وأحاطوا به، فقال قومه: أين ما كنت تعدنا من النصر والظهور، فأردف وقال لأصحابه: من استطاع أن يكون هكذا فليفعل وولى هاربا أصحاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأخذوه أسيرا وأتوا به أبا بكر الصديق رضي الله عنه.

هذا آخر ما وجدته في النسخة التي نقلت منها

... إن شاء الله أن عليه بل ... كتابة بغير تحيز، ومن أراد تحصيله العبد الفقير إلى الله علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن البكري في ربيع الأول سنة ... وستمائة، وهو يتوسل إلى الله عز وجل بجاه محمد ﷺ أن يجعله من المتقين حتى يتوفاه على ذلك ويبعث عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.