تابع تفسير البحر المحيط

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تفسير البحر المحيط
تابع تفسير البحر المحيط
ابي حيان الغرناطي

محتويات

{ يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } * { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } * { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } * { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } * { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } * { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }[عدل]

الرعاية والمراعاة: النظر في مصالح الإنسان وتدبير أموره. والرعونة والرعن: الجهل والهوج. ذو:يكون بمعنى صاحب، وتثنى، وتجمع، وتؤنث، وتلزم الإضافة لاسم جنس ظاهر. وفي إضافتها إلى ضمير الجنس خلاف، المشهور: المنع، ولاخلاف أنه مسموع، لكن من منع ذلك خصه بالضرورة. وإضافته إلى العلم المقرون به في الوضع، أو الذي لا يقرنبه في أول الوضع مسموع. فمن الأول قولهم: ذو يزن، وذو جدن، وذو رعين، وذو الكلاع. فتجب الإضافة إذ ذاك.ومن الثاني قولهم: في تبوك، وعمرو، وقطرى: ذو تبوك، وذو عمرو، وذو قطرى. والأكثر أن لا يعتد بلفظ ذو، بلينطق بالاسم عارياً من ذو. وما جاء من إضافته لضمير العلم، أو لضمير مخاطب لا ينقاس، كقولهم: اللهم صل علىمحمد وعلى ذويه، وقول الشاعر:

وإنا لنرجو عاجلاً منك مثل ما رجوناه قدماً من ذويك الأفاضل

ومذهب سيبويه: أن وزنه فعل، بفتح العين، ومذهب الخليل: أن وزنه فعل، بسكونها. واتفقوا على أنه يجمع في التكسير علىأفعال. قالوا: أذواء وذو من الأسماء الستة التي تكون في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف، وفي الجر بالياء. وإعراب ذوكذا لازم بخلاف غيرها من تلك الأسماء، فذلك على جهة الجواز. وفيما أعربت به هذه الأسماء عشرة مذاهب ذكرت فيالنحو، وقد جاءت ذو أيضاً موصولة، وذلك في لغة طيء، ولها أحكام، ولم تقع في القرآن. النسخ: إزالة الشيء بغيربدل يعقبه، نحو: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. أو نقل الشيء من غير إزالة نحو: نسخت الكتاب، إذا نقلتما فيه إلى مكان آخر. النسيئة: التأخير، نسأ ينسأ، ويأتي نسأ: بمعنى أمضى الشيء، قال الشاعر:

لمؤن كألواح الإران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجد

الولي: فعيل للمبالغة، من ولي الشيء: جاوره ولصق به.الحسد: تمني زوال النعمة عن الإنسان، حسد يحسد حسداً وحسادة. الصفح: قريب معناه من العفو، وهو الإعراض عن المؤاخذة علىالذنب، مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً. وقيل: هو التجاوز من قولك، تصفحت الورقة، أي تجاوزت عما فيها. والصفوح، قيل:من أسماء الله، والصفوح: المرأة تستر بعض وجهها إعراضاً، قال:

صفوح فما تلقاك إلا بخيلة فمن ملّ منها ذلك الوصل ملت

تلك: من أسماء الإشارة، يطلق على المؤنثة في حالة البعد، ويقال: تلك وتيلكوتالك، بفتح التاء وسكون اللام، وبكسرها وياء بعدها، وكسر اللام وبفتحها، وألف بعدها وكسر اللام، قال:

إلى الجودي حتى صار حجرا وحان لتالك الغمر انحسارا

هاتوا: معناه أحضروا، والهاء أصلية لا بدل من همزةأتى، لتعديها إلى واحد لا يحفظ هاتي الجواب، وللزوم الألف، إذ لو كانت همزة لظهرت، إذ زال موجب إبدالها، وهوالهمزة قبلها، فليس وزنها أفعل، خلافاً لمن زعم ذلك، بل وزنها فاعل كرام. وهي فعل، خلافاً لمن زعم أنها اسمفعل، والدليل على فعليتها اتصال الضمائر بها. ولمن زعم أنها صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر، وهو الزمخشري، وهو أمروفعله متصرف. تقول: هاتي بهاتي مهاتاة، وليس من الأفعال التي أميت تصريف لفظه إلا الأمر منه، خلافاً لمن زعم ذلك.وليست ها للتنبيه دخلت على أتى فألزمت همزة أتى الحذف، لأن الأصل أن لا حذف، ولأن معنى هات ومعنى ائتمختلفان. فمعنى هات أحضر، ومعنى ائت أحضر. وتقول: هات هاتي هاتيا هاتوا هاتين، تصرفها كرامي. البرهان: الدليل على صحة الدعوى،قيل: هو مأخوذ من البره، وهو القطع، فتكون النون زائدة. وقيل: من البرهنة، وهي البيان، قالوا: برهن إذا بين، فتكونالنون زائدة لفقدان فعلن ووجود فعلل، فينبني على هذا الاشتقاق. التسمية ببرهان، هل ينصرف أو لا ينصرف؟ الوجه: معروف، ويجمعقلة على أوجه، وكثرة على وجوه، فينقاس أفعل في فعل الاسم الصحيح العين، وينقاس فعول في فعل الاسم ليس عينهواواً. اليهود: ملة معروفة، والياء أصلية، فليست مادة الكملة مادة هود من قوله: {هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }، لثبوتها في التصريفيهده. وأما هوّده فمن مادة هود. قال الأستاذ أبو عليّ الشلوبين، وهو الإمام الذي انتهى إليه علم اللسان في زمانه:يهود فيها وجهان، أحدهما: أن تكون جمع يهودي، فتكون نكرة مصروفة. والثاني: أن تكون علماً لهذه القبيلة، فتكون ممنوعة الصرف.انتهى كلامه. وعلى الوجه الأول دخلته الألف واللام فقالوا: اليهود، إذ لو كان علماً لما دخلته، وعلى الثاني قال الشاعر:

أولئك أولى من يهود بمدحة إذا أنت يوماً قلتها لم تؤنب

ليس: فعل ماض،خلافاً لأبي بكر بن شقير، وللفارسي في أحد قوليه، إذ زعما أنها حرف نفي مثل ما، ووزنها فعل بكسر العين.ومن قال: لست بضم اللام، فوزنها عنده فعل بضم العين، وهو بناء نادر في الثلاثي اليائي العين، لم يسمع منهإلا قولهم: هيؤ الرجل، فهو هيـىء، إذا حسنت هيئته. وأحكام ليس كثيرة مشروحة في كتب النحو. الحكم: الفصل، ومنه سميالقاضي: الحاكم، لأنه يفصل بين الخصمين. الاختلاف: ضد الاتفاق. {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: هذا أول خطاب خوطب بهالمؤمنون في هذه السورة، بالنداء الدال على الإقبال عليهم، وذلك أن أول نداء جاء أتى عامًّا:

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }

، وثاني نداء أتى خاصاً:

{ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ }

، وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين: اليهودية والنصرانية، وثالثنداء لأمة محمد ﷺ المؤمنين. فكان أول نداء عامًّا، أمروا فيه بأصل الإسلام، وهو عبادة الله. وثانينداء، ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوّفوا من حلول النقم الوبيلة وثالث نداء: علموا فيه أدباً من آدابالشريعة مع نبيهم، إذ قد حصلت لهم عبادة الله، والتذكير بالنعم، والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، فلميبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه. والتبجيل والخطاب بيا أيها الذينآمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين، قيل: ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره. وروي عن ابن عباس:أنه حيث جاء هذا الخطاب، فالمراد به أهل المدينة، وحيث ورد يا أيها الناس، فالمراد أهل مكة. {لاَ تَقُولُواْرٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا }: بدىء بالنهي، لأنه من باب التروك، فهو أسهل. ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصولالاستئناس، قبل بالنهي. ثم لم يكن نهياً عن شيء سبق تحريمه، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالباً، فصارالمعنى: ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظةلهذه العلة، وأمروا بأن يقولوا: انظرنا، إذ هو فعل من النبي ﷺ، لا مشاركة لهم فيه معه.وقراءة الجمهور: راعنا. وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: راعونا، على إسناد الفعل لضمير الجمع. وذكر أيضاً أن فيمصحف عبد الله: ارعونا. خاطبوه بذلك إكباراً وتعظيماً، إذ أقاموه مقام الجمع. وتضمن هذا النهي، النهي عن كل ما يكونفيه استواء مع النبي ﷺ. وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حياة، وابن محيصن: راعنا بالتنوين، جعلهصفة لمصدر محذوف، أي قولاً راعناً، وهو على طريق النسب كلابن وتامر. لما كان القول سبباً في السبب، اتصف بالرعن،فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه، أو يوهم شيئاً من الغض، مما يستحقه صلى اللهعليه وسلم من التعظيم وتلطيف القول وأدبه. وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك،إذ خاطبوا رسول الله ﷺ الرعونة، وكذا قيل في راعونا، إنه فاعولاً من الرعونة، كعاشورا. وقيل: كانتلليهود كلمة عبرانية، أو سريانية يتسابون بها وهي: راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا، اقترضوه وخاطبوا بها رسول الله صلىالله عليه وسلم، وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها. ومن زعم أن راعنا لغةمختصة بالأنصار، فليس قوله بشيء، لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب. وكذلك قول من قال: إن هذه الآية ناسخةلفعل قد كان مباحاً، لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً قبل. وقيل في سبب نزولها غير ذلك. وبالجملة، فهي كماقال محمد بن جرير: كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه، كما قال ﷺ: لا تقولوا عبدي وأمتي وقولوا فتاي وفتاتي ولا تسموا العنب الكرم . وذكر في النهي وجوه: إن معناها اسمع لا سمعت،أو إن أهل الحجازكانوا يقولونها عند المفر، قاله قطرب، أو أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي راعي غنمنا، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة،أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة. وقوله: انظرنا، قراءة الجمهور، موصول الهمزة، مضمومالظاء، من النظرة، وهي التأخير، أي انتظرنا وتأنّ علينا، نحو قوله:

فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب

أو من النظر، واتسع في الفعل فعدى بنفسه، وأصله أن يتعدى بإلى، كما قال الشاعر:

ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراك الظباء

يريد: إلى الأراك، ومعناه: تفقدنا بنظرك.وقال مجاهد: معناه فهمنا وبين لنا، فسر باللازم في الأصل، وهو انظر، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل، والتأنيبه أن يفهم بذلك. وقيل: هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه، فاتسع في الفعل أيضاً، إذأصله أن يتعدى بفي، ويكون أيضاً على حذف مضاف، أي انظر في أمرنا. قال ابن عطية: وهذه لفظة مخلصة لتعظيمالنبي ﷺ، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى: راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة،ليزول تعلق اليهود. انتهى. وقرأ أبي والأعمش: أنظرنا، بقطع الهمزة وكسر الظاء، من الإنظار، ومعناه: أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك.وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور. {وَٱسْمَعُواْ }: أي سماع قبول وطاعة. وقيل: معناه اقبلوا. وقيل: فرغواأسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. وقيل: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه. أكد عليهم ترك تلكالكلمة. وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، فوالذي نفسي بيده، لئن سمعتهامن رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه. {وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }: ظاهره العموم، فيدخل فيهاليهود. وقيل: المراد به اليهود، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه. ولما نهى أوّلاً، وأمر ثانياً، وأمر بالسمع وحض عليه،إذ في ضمنه الطاعة، أخذ يذكر لمن خالف أمره وكفر،

{ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

. {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ }: ذكر المفسرون أن المسلمين قالوا لحلفائهممن اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ، فقالوا: وددنا لو كان خيراً مما نحن عليه فنتبعه، فأكذبهم الله بقوله:{مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب: الذين بحضرة رسول الله ﷺ. والظاهر،العموم في أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، وفي المشركين: وهم مشركو العرب وغيرهم، ونفى بما، ونها لنفي الحال، فهم ملتبسونبالبغض والكراهة أن ينزل عليكم. ومن، في قوله: من أهل الكتاب، تبعيضية، فتتعلق بمحذوف، أي كائنين من أهل الكتاب. ومنأثبت أن من تكون لبيان الجنس قال ذلك هنا، وبه قال الزمخشري، وأصحابنا لا يثبتون كونها للبيان. {وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ }،معطوف على: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }. ورأيت في كتاب لأبي إسحاق الشيرازي، صاحب (التنبيه)، كلاماً يرد فيه على الشيعة، ومنقال بمقالتهم: في أن مشروعية الرجلين في الوضوء هي المسح، للعطف في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ }، على قوله: {بِرُؤُوسِكُمْ }، خرجفيه أبو إسحاق قوله: وأرجلكم بالجر، على أنه من الخفض على الجوار، وأن أصله النصب فخفض عطفاً على الجوار. وأشارفي ذلك الكتاب إلى أن القرآن ولسان العرب يشهدان بجواز ذلك، وجعل منه قوله: ولا المشركين، في هذه الآية، وقوله:

{ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ }

، وأن الأصل هو الرفع، أي ولا المشركون، عطفاً على الذينكفروا، وهذا حديث من قصر في العربية، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيحوتركيبه الفصيح. ودخلت لا في قوله: ولا المشركين، للتأكيد، ولو كان في غير القرآن لجاز حذفها. ولم تأت في قوله:{لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ } لمعنى يذكر هناك، إن شاء الله تعالى. {أَن يُنَزَّلَعَلَيْكُم }: في موضع المفعول بيود، وبناؤه للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وللتصريح به في قوله: {مّن رَّبّكُمْ }. ولوبني للفاعل لم يظهر في قوله: {مّن رَّبّكُمْ }. {مّنْ خَيْرٍ }، من: زائدة، والتقدير: خير من ربكم، وحسن زيادتهاهنا، وإن كان ينزل لم يباشره حرف النفي، فليس نظير: ما يكرم من رجل، لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى،لأنه إذا نفيت الودادة، كان كأنه نفى متعلقها، وهو الإنزال، وله نظائر في لسان العرب، من ذلك قوله تعالى:

{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ }

. فلما تقدّم النفي حسن دخول الباء، وكذلكقول العرب: ما ظننت أحداً يقول ذلك إلا زيد، بالرفع على البدل من الضمير المستكن في يقول، وإن لم يباشرهحرف النفي، لأن المعنى: ما يقول ذلك أحد إلا زيد، فيما أظن. وهذا التخريج هو على قول سيبويه والخليل. وأماعلى مذهب الأخفش والكوفيين في هذا المكان، فيجوز زيادتها، لأنهم لا يشترطون انتفاء الحكم عما تدخل عليه، بل يجيزون زيادتهافي الواجب وغيره. ويزيد الأخفش: أنه يجيز زيادتها في المعرفة. وذهب قوم إلى أن من للتبعيض، ويكون على هذا المفعولالذي لم يسم فاعله هو عليكم، ويكون المعنى: أن ينزل عليكم بخير من الخير من ربكم. {مّن رَّبّكُمْ }:من: لابتداء الغاية، كما تقول: هذا الخير من زيد. ويجوز أن تكون للتبعيض. المعنى من خير كائن من خيور ربكم،فإذا كانت لابتداء الغاية تعلقت بقوله: ينزل، وإذا كانت للتبعيض تعلقت بمحذوف، وكان ذلك على حذف مضاف، كما قدّرناه. والخيرهنا: القرآن، أو الوحي، إذ يجمع القرآن وغيره، أو ما خص به رسول الله ﷺ من التعظيم؛أو الحكمة والقرآن والظفر؛ أو النبوة الإسلام، أو العلم والفقه والحكمة؛ أو هنا عام في جميع أنواع الخير، فهم يودونانتفاء ذلك عن المؤمنين، سبعة أقوال، أظهرها الآخر. وسبب عدم ودهم ذلك: أما في اليهود، فلكون النبوّة كانت في بنيإسماعيل، ولخوفهم على رئاستهم، وأما النصارى، فلتكذيبهم في إدعائهم ألوهية عيسى، وأنه ابن الله، ولخوفهم على رئاستهم، وأما المشركون، فلسبّآلهتهم وتسفيه أحلامهم، ولحسدهم أن يكون رجل منهم يختص بالرسالة، واتباع الناس له. {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء }:أي يفرد بها، وضد الاختصاص: الاشتراك. ويحتمل أن يكون يختصّ هنا لازماً، أي ينفرد، أو متعدّياً، أي يفرد، إذ الفعليأتي كذلك. يقال: اختصّ زيد بكذا، واختصصته به، ولا يتعين هنا تعديه، كما ذكر بعضهم، إذ يصح، والله يفرد برحمتهمن يشاء، فيكون من فاعلة، وهو افتعل من: خصصت زيداً بكذا. فإذا كان لازماً، كان لفعل الفاعل بنفسه نحو: اضطررت،وإذا كان متعدياً، كان موافقاً لفعل المجرّد نحو: كسب زيد مالاً، واكتسب زيد مالاً. والرحمة هنا عامة بجميع أنواعها؛ أوالنبوّة والحكمة والنصرة، اختص بها محمد ﷺ، قاله عليّ والباقر ومجاهد والزجاج؛ أو الإسلام، قاله ابن عباس؛أو القرآن، أو النبي ﷺ،

{ وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ }

، هو نبي الرحمة، أقوال خمسة، أظهرهاالأول. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }: قد تقدّم أن ذو بمعنى صاحب. وذكر جملة من أحكام ذو، والوصف بذو،أشرف عندهم من الوصف بصاحب، لأنهم ذكروا أن ذو أبداً لا تكون إلا مضافة لاسم، فمدلولها أشرف. ولذلك جاء ذورعين، وذو يزن، وذو الكلاع، ولم يسمعوا بصاحب رعين، ولا صاحب يزن ونحوها. وامتنع أن يقول في صحابي أبي سعيدأو جابر: ذو رسول الله ﷺ، وجاز أن يقول: صاحب رسول الله ﷺ. ولذلكوصف الله تعالى نفسه بقوله:

{ ذُو ٱلْجَلْـٰلِ }

، {ذُو ٱلْفَضْلِ }، وسيأتي الفرق بين قوله تعالى:

{ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً }

، وقوله تعالى:

{ وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ }

، إن شاء الله تعالى. وتقدّم تفسير

{ ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }

، ويجوز أنيراد به هنا: جميع أنواع التفضلات، فتكون أل للاستغراق، وعظمه من جهة سعته وكثرته، أو فضل النبوّة. وقد وصف تعالىذلك بالعظم في قوله:

{ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }

، أو الشريعة، فعظمها من جهة بيان أحكامها، من حلال، وحرام،ومندوب، ومكروه، ومباح؛ أو الثواب والجزاء، فعظمه من جهة السعة والكثرة،

{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }

، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وعلى هذه التأويلات تكونأل للعهد، والأظهر القول الأول. {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ }: سبب نزولها، فيما ذكروا، أن اليهود لما حسدوا المسلمينفي التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام قالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم، وينهاهم عنه غداً، ويقول اليوم قولاً،ويرجع عنه غداً، ما هذا القرآن إلا من عند محمد، وأنه يناقض بعضه بعضاً، فنزلت. وقد تكلم المفسرون هنافي حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلاً، ووقوعه شرعاً، وبماذا ينسخ، وغيرذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك الأحكام، وطوّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كلهفيه. وهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يرجع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علمالتفسير مسلمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير، كما فعله أبو عبدالله محمد بن عمر الرازي، المعروف بابن خطيب الري، فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة، لا حاجةبها في علم التفسير. ولذلك حكي عن بعض المتطرفين من العلماء أنه قال: فيه كل شيء إلا التفسير. وقدذكرنا في الخطبة ما يحتاج إليه علم التفسير. فمن زاد على ذلك، فهو فضول في هذا العلم، ونظير ما ذكرهالرازي وغيره، إن النحوي مثلاً يكون قد شرع في وضع كتاب في النحو، فشرع يتكلم في الألف المنقلبة، فذكر أنالألف في الله، أهي منقلبة من ياء أو واو؟ ثم استطرد من ذلك إلى الكلام في الله تعالى، فيما يجبله ويجوز عليه ويستحيل. ثم استطرد إلى جواز إرسال الرسل منه تعالى إلى الناس. ثم استطرد إلى أوصاف الرسول صلىالله عليه وسلم، ثم استطرد من ذلك إلى إعجاز ما جاء به القرآن وصدق ما تضمنه، ثم استطرد إلى أنمن مضمونه البعث والجزاء بالثواب والعقاب. ثم المثابون في الجنة لا ينقطع نعيمهم، والمعاقبون في النار لا ينقطع عذابهم. فبيناهو في علمه يبحث في الألف المنقلبة، إذا هو يتكلم في الجنة والنار، ومن هذا سبيله في العلم، فهو منالتخليط والتخبيط في أقصى الدرجة، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، قدّس الله تربته، يقولما معناه: متى رأيت الرجل ينتقل من فن إلى فن في البحث أو التصنيف، فاعلم أن ذلك، إما لقصور علمهبذلك الفن، أو لتخليط ذهنه وعدم إدراكه، حيث يظنّ أن المتغايرات متماثلات. وإنما أمعنت الكلام في هذا الفصل لينتفعبه من يقف عليه، ولئلا يعتقد أنا لم نطلع على ما أودعه الناس في كتبهم في التفسير، بل إنما تركناذلك عمداً، واقتصرنا على ما يليق بعلم التفسير. وأسأل الله التوفيق للصواب. وما من قوله: ما ننسخ، شرطية، وهيمفعول مقدّم، وفي ننسخ التفات، إذ هو خروج من غائب إلى متكلم. ألا ترى إلى قوله: {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ }؟ {وَٱللَّهُذُو ٱلْفَضْلِ }؟ وقرأ الجمهور: ننسخ من نسخ، بمعنى أزال، فهو عام في إزالة اللفظ والحكم معاً، أو إزالة اللفظفقط، أو الحكم فقط. وقرأت طائفة وابن عامر من السبعة: ما ننسخ من الإنساخ، وقد استشكل هذه القراءة أبو عليالفارسي فقال: ليست لغة، لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية، لأن المعنى يجيء: ما يكتب من آية،أي ما ينزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً. وليس الأمركذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى: مانجده منسوخاً، كما يقال: أحمدت الرجل إذا وجدته محموداً، وأبخلته إذا وجدته بخيلاً. قال أبو عليّ: وليس نجده منسوخاً إلابأن ينسخه، فتتفق القراءات في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ. انتهى كلامه. فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعللوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب. وجعل الزمخشري الهزة فيه للتعدية قال:وإنساخها الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة، بالإعلام بنسخها، وهذا تثبيج في العبارة عن معنىكون الهمزة للتعدية. وإيضاحه أن نسخ يتعدى لواحد، فلما دخلت همزة النقل تعدى لاثنين. تقول: نسخ زيد الشيء، أي أزاله،وأنسخه إياه عمرو: أي جعل عمرو زيداً ينسخ الشيء، أي يزيله. وقال ابن عطية: التقدير ما ننسخك من آية، أيما نبيح لك نسخة، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً. وهذا الذي ذكرابن عطية أيضاً هو جعل الهمزة للتعدية، لكنه والزمخشري اختلفا في المفعول الأول المحذوف، أهو جبريل أم النبي صلى اللهعليه وسلم؟ وجعل الزمخشري الإنساخ هو الأمر بالنسخ. وجعل ابن عطية الإنساخ إباحة الترك بالنسخ. وخرّج ابن عطية هذه القراءةعلى تخريج آخر وهو: أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضاً، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له،قال: ويكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا، فإنانأتي بخير من المؤخر المتروك، أو بمثله، فتجيء الضميرات في منها وبمثلها عائدين على الضمير في ننسأها. انتهى كلامه. وذهلعن القاعدة النحوية، وهي أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه. وما في قوله: ما ننسخ شرطية،وقوله: أو ننساها، عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها نفسها من حيث اللفظ والمعنى، إنما يعود عليهالفظاً لا معنى، فهو نظير قولهم: عندي درهم ونصفه، فهو في الحقيقة على إضمار ما الشرطية. التقدير: أو ما ننسأمن آية، ضرورة أن المنسوخ هو غير المنسوء، لكن يبقى قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } مفلتاً من الجواب، إذلا رابط فيه منه له، وذلك لا يجوز، فبطل هذا المعنى. من آية، من: هنا للتبعيض، وآية مفرد وقعموقع الجمع، ونظيره فارس في قولك: هذا أول فارس، التقدير: أول الفوارس. والمعنى: أي شيء من الآيات. وكذلك ما جاءمن هذا النحو في القرآن، وفي كلام العرب تخريجه هكذا، نحو قوله: { مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ }

{ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ }

، وقولهم: من يضرب من رجل اضربه. ويتضح بهذا المجرور ما كان معمولاً لفعل الشرط، لأنه مخصصله، إذ في اسم الشرط عموم، إذ لو لم يأت بالمجرور لحمل على العموم. لو قلت: من يضرب أضرب، كانعاماً في مدلول من. فإذا قلت: من رجل، اختص جنس الرجال بذلك، ولم يدخل فيه النساء، وإن كان مدلول منعامًّا للنوعين. ولهذا المعنى جعل بعضهم من آية، وما أشبهه في موضع نصب على التمييز. قال: والمميز ما قال، والتقدير:أي شيء نسخ من آية. قال: ولا يحسن أن يقدر أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين آية وبين المميزبآية. لا تقول: أي آية ننسخ من آية، ولا أي رجل يضرب من رجل أضربه. وجوّزوا أيضاً أن تكون منزائدة، وآية حالاً. والمعنى: أي شيء ننسخ قليلاً أو كثيراً. قالوا: وقد جاءت الآية حالاً في قوله تعالى هذه:

{ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً }

، وهذا فاسد لأن، الحال لا يجرّ بمن وجوّزوا أيضاً أن تكون ما مصدراً، وآية مفعولاً به،التقدير: أي نسخ ننسخ آية، ومجيء ما الشرطية مصدراً جائز، تقول: ما تضرب زيداً أضرب مثله، التقدير: أي ضرب تضربزيداً أضرب مثله، وقال الشاعر:

نعب الغراب فقلت بين عاجل ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب

وهذا فاسد، لأن ما إذا جعلتها للنسخ، عرى الجواب من ضمير يعود عليها، ولا بد من ضمير يعودعلى اسم الشرط. ألا ترى أنك لو قلت: أي ضرب يضرب هنداً أضرب أحسن منها، لم يجز لعرو جملة الجزاءمن ضمير يعود على اسم الشرط، لأن الضمير في منها عائد على المفعول الذي هو هند، لا على أي ضربالذي هو اسم الشرط، ولأن المفعول به لا تدخل عليه من الزائدة إلا بشرط أن يتقدّمه غير موجب، وأن يكونما دخلت عليه نكرة، وهذا على الجادة من مشهور مذهب البصريين. والشرط ليس من قبيل غير الموجب، فلا يجوز: إنقام من رجل أقم معه، وفي هذا خلاف ضعيف لبعض البصريين. {أَوْ ننساها }: قرأ عمر، وابن عباس، والنخعي،وعطاء، ومجاهد، وعبيد بن عمير، ومن السبعة ابن كثير، وأبو عمرو: أو ننسأها، بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة. وقرأتطائفة كذلك، إلا أنه بغير همز. وذكر أبو عبيد البكري في (كتاب اللآلىء) ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأراهوهم، وكذا قال ابن عطية، قال: وقرأ سعد بن أبي وقاص تنساها بالتاء المفتوحة وسكون النون وفتح السين من غيرهمز، وهي قراءة الحسن وابن يعمر. وقرأت فرقة كذلك، إلا أنهم همزو. وقرأ أبو حياة كذلك، إلا أنه ضم التاء.وقرأ سعيد كذلك، إلا أنه بغير همز. وقرأ باقي السبعة، ننسها، بضم النون وكسر السين من غير همز. وقرأت فرقةكذلك، إلا أنها همزت بعد السين. وقرأ الشحاك وأبو رجاء: بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين وبلا همز. وقرأأبي: أو ننسك، بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين من غير همز، وبكاف للخطاب بدل ضمير الغيبة. وفي مصحفسالم مولى أبي حذيفة كذلك، إلا أنه جمع بين الضميرين، وهي قراءة أبي حذيفة. وقرأ الأعمش: ما ننسك من آيةأو ننسخها نجيء بمثلها. وهكذا ثبت في مصحف عبد الله، فتحصل في هذه اللفظة، دون قراءة الأعمش، إحدى عشرة قراءة:فمع الهمزة: ننسأها وننسئها وننسأها وتنسأها، وبلا همز: ننسها وننسها وتنسها وتنسها ونسك وننسكها. وفسر النسخ هنا بالتبديل، قاله ابنعباس والزجاج، أو تبديل الحكم مع ثبوت الخط، قاله عبد الله وابن عباس أيضاً، أو الرفع، قاله السدّي. وأما قوله:أو ننسها بغير همز، فإن كان من النسيان ضد الذكر، فالمعنى: ننسكها إذا كان من أفعل، أو ننسها إذا كانمن فعل، قاله مجاهد، وقتادة، وإن كان من الترك، فالمعنى: أو نترك إنزالها، قاله الضحاك، أو نمحها، فلا نترك لهالفظاً يتلى ولا حكماً يلزم، قاله ابن زيد، أو نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء: أي أمرت بتركه، ونسيته: تركته، قال:

إن عليّ عقبة أقضيها لست بناسيها ولا منسيها

أي لا آمر بتركها. وقال الزجاج:قراءة ننسها، بضم النون وسكون النون الثانية وكسر السين، لا يتوجه فيها معنى الترك، لأنه لا يقال: أنسى بمعنى ترك.وقال أبو علي الفارسي وغيره: ذلك متجه، لأنه بمعنى نجعلك تتركها. وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذيهو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي ﷺ، ولا نسي قرآناً. وقال أبو عليّ وغيره:ذلك جائز، وقد وقع، ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بنسئه. واحتج الزجاج بقوله تعالى:

{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } ، أي لم نفعل. قال أبو علي: معناه لم نذهب بالجميع، وحكى الطبري قول الزجاج عنأقدم منه. قال ابن عطية: والصحيح في هذا أن نسيان النبي ﷺ، لما أراد الله أن ينساه،ولم يرد أن يثبته قرآناً جائزاً. وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي ﷺ معصوم منه،قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد أن يحفظ، فجائز عليه ما يجوز على البشر،لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث، حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: «أفي القوم أبي؟» قال: نعميا رسول الله، قال: «فلم لم تذكرني؟» قال: خشيت أنها رفعت». فقال النبي ﷺ: «لم ترفع ولكنينسيتها». انتهى كلام ابن عطية. وأما من قرأ بالهمز فهو من التأخير، تقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض، وأنسأ الإبلعن ظمئها يوماً أو يومين، أو أكثر أخرها عن الورد. وأما في الآية فالمعنى: نؤخر نسخها أو نزولها، قاله عطاءوابن أبي نجيح، أو نمحها لفظاً وحكماً، قاله ابن زيد، أونمضها فلا ننسخها، قاله أبو عبيدة، وهذا يضعفه قوله: {نَأْتِبِخَيْرٍ مّنْهَا }، لأن ما أمضى وأقر، لا يقال فيه نأت بخير منها. وحكي عن ابن عباس أن في الآيةتقديماً وتأخيراً تقديره: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها، أي أنفع منها لكم، أو مثلها. ثم قال: أوننساها، أي نؤخرها، فلا ننسخها ولا نبدلها. وهذه الحكاية لا تصح عن ذلك الحبر ابن عباس، إذ هي محيلة لنظمالقرآن. {نَأْتِ }: هو جواب الشرط، واسم الشرط هنا جاء بعده الشرط والجزاء مضارعين، وهذا أحسن التراكيب في فعليالشرط والجزاء، وهو أن يكونا مضارعين. {بِخَيْرٍ مّنْهَا }: الظاهر أن خيراً هنا أفعل التفضيل، والخيرية ظاهرة، لأن المأتي به،إن كان أخف من المنسوخ أو المنسوء، فخيريته بالنسبة لسقوط أعباء التكليف، وإن كان أثقل، فخيريته بالنسبة لزيادة الثواب. {أَوْمِثْلِهَا }: أو مساو لها في التكليف والثواب، وذلك كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة. وذهب قوم إلىأن خيراً هنا ليس بأفعل التفضيل، وإنما هو خير من الخيور، كخير في قوله: {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّنرَّبّكُمْ }، فهو عندهم مصدر، ومن لابتداء الغاية. ويصير المعنى: أنه ما ننسخ من آية أو نؤخرها، نأت بخير منالخيور من جهة المنسوخ أو المنسوء، لكن يبعد هذا المعنى قوله: {أَوْ مِثْلِهَا }، فإنه لا يصح عطفه على قوله:{بِخَيْرٍ } على هذا المعنى، إلا إن أطلق الخير على عدم التكليف، فيكون المعنى: نأت بخير من الخيور، وهو عدمالتكليف، أو نأت بمثل المنسوخ أو المنسوء، فكأنه يقول: ما ننسخ من آية أو نؤخرها، فإلى غير بدل، أو إلىبدل مماثل، والذي إلى غيره بدل، هو خير أتاكم من جهة الآية المنسوخة أو المنسوءة، إذ هو راحتكم من التكاليف.وأما عطف مثلها على الضمير المجرور في منها فيضعف لعدم إعادة الجار. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّشَيْء قَدِيرٌ }؟ قال ابن عطية: ظاهره الاستفهام المحض، فالمعادل هنا على قول جماعة: أم تريدون. وقال قوم: أم هنامنقطعة، فالمعادل على قولهم محذوف تقديره: أم علمتم، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي ﷺ مخاطبةأمته، وأما إن كان هو المخاطب وحده، فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي. انتهى كلامه ونقله. وما قالوه ليسبجيد، بل هذا استفهام معناه التقرير، فلا يحتاج إلى معادل ألبتة، والأولى أن يكون المخاطب السامع، والاستفهام بمعنى التقرير كثيرفي كلامهم جداً، خصوصاً إذا دخل على النفي:

{ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }

{ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ }

{ أَلَمْ نُرَبّكَ * بِكَ *فِينَا وَلِيداً }

{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَاوَىٰ }

{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }

؟ فهذاكله استفهام لا يحتاج فيه إلى معادل، لأنه إنما يراد به التقرير. والمعنى: قد علمت أيها المخاطب أن الله قادرعلى كل شيء، فله التصرف في تكاليف عباده، بمحو وإثبات وإبدال حكم بحكم، وبأن يأتي بالأخير لكم وبالمماثل. وحكمة إفرادالمخاطب: أنه ما من شخص إلا يتوهم أنه المخاطب بذلك، والمنبه به، والمقرر على شيء ثابت عنده، وهو أن قدرةالله تعالى متعلقة بالأشياء، فلن يعجزه شيء، فإذا كان كذلك لم ينكر النسخ، لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكمما يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه. وفي قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ }، فيه خروج من ضمير جمعمخاطب وهو: {مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ }، إلى ضمير مخاطب مفرد للحكمة التي بيناها، وخروج من ضمير متكلم معظم نفسه،إلى اسم ظاهر غائب وهو الله، إذ هو الإسم العلم الجامع لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة، فهو أبلغ فينسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم، فلذلك عدل عن قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ * إِنَّنَا } إلى قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْأَنَّ ٱللَّهَ }، وقد تقدم تفسيره قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ }

في أوائل هذه السورة، فأغنىذلك عن إعادته. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }؟ هذا أيضاً استفهام دخل على النفيفهو تقرير، فليس له معادل، لأن التقرير معناه: الإيجاب، أي قد علمت أيها المخاطب أن الله له سلطان السموات والأرضوالاستيلاء عليهما، فهو يملك أموركم ويدبرها، ويجريها على ما يختاره لكم من نسخ وغيره، وخص السموات والأرض بالملك، لأنهما منأعظم المخلوقات، ولأنهما قد اشتملا على جميع المخلوقات. وإذا كان استيلاؤه على الطرفين، كان مستولياً على ما اشتملا عليه، أولأنه يعبر عن مخلوقاته العلوية بالسموات، والسفلية بالأرض. وتضمنت هاتان الجملتان التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما:القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادراً، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلكالشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل. فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة. وبدأ بالتقرير علىوصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان. {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ }: انتقل من ضمير الإفراد في الخطابإلى ضمير الجماعة، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصاً في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكونعاماً أيضاً، كان المعنى: وما لكل فرد منكم فرد فرد. {مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ }: وأتى بصيغة ولي، وهو فعيل،للمبالغة، ولأنه أكثر في الاستعمال، ولذلك لم يجيء في القرآن وال إلا في سورة الرعد، لمواخاة الفواصل، وأتى بنصير علىوزن فعيل، لمناسبة وليّ في كونهما على فعيل، ولمناسبة أواخر الآي، ولأنه أبلغ من فاعل. ومن زائدة في قوله: {مِنوَلِىّ }، فلا تتعلق بشيء. ومن: في {مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلقة بما يتعلق به المجرور الذي هو لكم، وهويتعلق بمحذوف، إذ هو في موضع الخبر، ويجوز في ما هذه أن تكون تميمية، ويجوز أن تكون حجازية على ذهبمن يجيز تقدم خبرها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً. أما من منع ذلك فلا يجوز في ما أن تكون حجازية،ومعنى من الأولى ابتداء الغاية. وتكرر اسم الله ظاهراً في هذه الجمل الثلاث، ولم يضمر للدلالة على استقلال كل جملةمنها، وأنها لم تجعل مرتبطة بعضها ببعض ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار. ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهوإيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفياً للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة اللهوسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد. {أَمْ تُرِيدُونَ أَنتَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ }: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل عن ابن عباس: نزلت فيعبد الله بن أمية ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالهاتفجيراً، ونؤمن لك. وقيل: تمنى اليهود وغيرهم من المشركين، فمن قائل: ائتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة.ومن قائل: ائتني بكتاب من السماء فيه: من رب العالمين إلى عبد الله بن أمية، إني قد أرسلت محمداً إلىالناس. ومن قائل: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً. وقيل: إن رافع بن خزيمة، ووهب بن زيد قالاللنبي ﷺ: ائتنا كتاب من السماء، وفجر لنا أنهاراً، نتبعك. وقيل: إن جماعة من الصحابة قالوا للنبيﷺ: ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل في تعجيل العقوبة في الدنيا، فقال: كانت بنو إسرائيل إذا أصابتهم خطيئة وجدوها مكتوبة على باب الخاطىء، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة . وقيل: اليهود وكفار قريش سألوا ردّ الصفا ذهباً، وقيل لهم: خذوه كالمائدة لبني إسرائيل، فأبوا ونكصوا. وقيل:سأل قوم أن يجعل لهم ذات أنواط، كما كانت للمشركين، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها الثمرة وغيرها من المأكولاتوأسلحتهم. كما سأل بنو إسرائيل موسى فقالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ويحتمل أن تكون هذه كلها أسباباً فينزول هذه الآية، وقد طولنا بذكر هذه الأسباب، وذلك بخلاف مقصدنا في هذا الكتاب. وأم: هنا منقطعة، وتتقدر المنقطعةببل والهمزة، فالمعنى: بل أتريدون، فبل تفيد الإضراب عما قبله، ومعنى الإضراب هنا: هو الانتقال من جملة إلى جملة، لاعلى سبيل إبطال الأولى. وقد تقدّم قول من جعل أم هنا معادلة للاستفهام الأول. وقد بينا ضعف ذلك. وقالت فرقة:أم استفهام مقطوع من الأول، كأنه قال: أتريدون. وهذان القولان ضعيفان. والذي تقرر أن أم تكون متصلة ومنفصلة. فالمتصلة: شرطهاأن يتقدّمها لفظ همزة الاستفهام، وأن يكون بعدها مفرد، أو في تقدير المفرد. والمنفصلة: ما انخرم الشرطان فيها أو أحدهما،ويتقدر إذ ذاك ببل والهمزة معاً، وأما مجيئها مرادفة للهمزة فقط، أو مرادفة لبل فقط، أو زائدة، فأقوال: ضعيفة. وعلىالخلاف في المخاطبين، يجيء الكلام في قوله: {رَسُولَكُمُ }. فإن كان الخطاب للمؤمنين، وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، فيكونرسولكم جاء على ما في نفس الأمر، وعلى ما أقروا به من رسالته. وإن كان الخطاب للكفار، كانت إضافة الرسولإليهم على حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم به. ورجح كون الخطاب للمؤمنين بقوله: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ }،وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمن، وبأنه معطوف على قوله: {لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا }، أي هل تفعلون ماأمرتم، أم تريدون؟ ورجح أنهم اليهود، لأنه سبق الكلام في الحكايات عنهم ما قالوا، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسألهما يكون كفراً. كما سئل: الكاف في موضع نصب، فعلى رأي سيبويه: على الحال، وعلى المشهور من مذاهب المعربين:نعت لمصدر محذوف، فيقدر على قولهم: سؤالاً كما سئل، ويقدر على رأي سيبويه: أن تسألوه، أي السؤال كما سئل، ومامصدرية التقدير كسؤال. وأجاز الحوفي أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، التقدير: الذي سئله موسى. وقرأ الجمهور: وسيل. وقرأ الحسنوأبو السمال: بكسر السين وياء. وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري: بإشمام السين وياء. وقرأ بعض القراء: بتسهيل الهمزة بين بينوضم السين. وهذه القراءات مبنية على اللغتين في سأل، وهو أن تكون الهمزة مقرة مفتوحة، فتقول سأل. فعلى هذه اللغةتكون قراءة الجمهور، وقراءة من سهل الهمز بين بين. واللغة الثانية أن تكون عين الكلمة واواً، وتكون على فعل بكسرالعين فتقول: سلت أسال، كخفت أخاف، أصله: سولت. وعلى هذه اللغة تكون قراءة الحسن، وقراءة من أشم. وتخريج هاتين القراءتينعلى هذه اللغة أولى من التخريج على أن أصل الألف الهمز، فأبدلت الهمزة ألفاً، فصار مثل: قال وباع، فقيل فيه:سيل بالكسر المحض، أو الإشمام، لأن هذا الإبدال شاذ ولا ينقاس. وتلك لغة ثانية، فكان الحمل على ما كان لغةأولى من الحمل على الشاذ غير المطرد. وحذف الفاعل هنا للعلم به، التقدير: كما سأل قوم موسى موسى من قبل.{مُوسَىٰ مِن قَبْلُ }: يتعلق هذا الجار بقوله: سئل، وقبل مقطوعة عن الإضافة لفظاً، وذلك أن المضاف إليه معرفةمحذوف. فلذلك بنيت قبل على الضم، والتقدير: من قبل سؤالكم، وهذا توكيد، لأنه قد علم أن سؤال بني إسرائيل موسى،على نبينا وعليه الصلاة والسلام، متقدّم على سؤال هؤلاء رسول الله ﷺ، وسؤال قوم موسى عليه السلامهو قولهم:

{ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً }

{ ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا }

. فأراد تعالى أن يوبخهم على تعلق إرادتهم بسؤال رسول اللهﷺ، وأن يقترحوا عليه، إذ هم يكفيهم ما أنزل إليهم. وشبه سؤالهم بسؤال ما اقترحه آباء اليهودمن الأشياء التي مصيرها إلى الوبال. وظاهر الآية يدل على أن السؤال لم يقع منهم. ألا ترى أنه قال: {أَمْتُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ }؟ فوبخهم على تعلق إرادتهم بالسؤال، إذ لو كان السؤال قد وقع، لكان التوبيخ عليه، لا علىإرادته، وكان يكون اللفظ: أتسألون رسولكم؟ أو ما أشبه ذلك مما يؤدّي معنى وقوع السؤال، لكن تظافرت نقولهم في سببنزول هذه الآية، وإن اختلفوا في التعيين على أن السؤال قد وقع. {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ }؟ تقدّم الكلامفي التبديل، أي: من يأخذ الكفر بدل الإيمان؟ وهذه كناية عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر، كما جاء فيقوله:

{ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ }

. وفسر الزمخشري هذا بأن قال: ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها. وقالأبو العالية: الكفر هنا: الشدة، والإيمان: الرخاء. وهذا فيه ضعف، إلا أن يريد أنهما مستعاران في الشدة على نفسه والرخاءلها عن العذاب والنعيم. وأما المعروف من شدة أمور الدنيا ورخائها، فلا تفسر الآية بذلك، والظاهر حمل الكفر والإيمان علىحقيقتهما الشرعية، لأن من سأل الرسول ما سأل مع ظهور المعجزات ووضوح الدلائل على صدقه، كان سؤاله تعنتاً وإنكاراً، وذلككفر.. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ }: هذا جواب الشرط، وقد تقدم الكلام على الضلال في قوله:

{ وَلاَ ٱلضَّالّينَ }

،وعلى سواء في قوله:

{ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ }

، وأن سواء يكون بمعنى مستو. ولذلك يتحمل الضمير في قولهم: مررت برجلسواء هو والعدم، ويوصف به: {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }، ويفسر بمعنى العدل والنصفة، لأن ذلك مستو، وقالزهير:

أرونا خطة لا عيب فيها يسوى بيننا فيها السواء

ويفسر بمعنى الوسط. قالتعالى:

{ فَرَءاهُ فِى سَوَاء الجحيم }

، أي في وسطها. وقال عيسى بن عمر: كتبت حتى انقطع سواي، وقال حسان:

يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد

وبذلك فسر السواء في الآيةأبو عبيدة، وفسره الفراء بالقصد. ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى، كنى عنها بالسبيل، وجعل من حادعنها: كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بتبدل الكفر بالإيمان، وأخرج ذلك في صورةشرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيراً عن ذلك، وتبعيداً منه. فوبخهم أولاً على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهمسؤاله، وخاطبهم بذلك، ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية. وإن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهجالقويم، فصار صدر الآية إنكاراً وتوبيخاً، وعجزها تكفيراً وضلالاً. وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض ولاطلب ولا إرادة. وإدغام الدال في الضاد من الإدغام الجائز. وقد قرىء: {فَقَدْ ضَلَّ }، بالإدغام وبالإظهار في السبعة.{وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }: المعنبّ بكثير: كعب بن الأشرف، أو حيـي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، أو نفرمن اليهود حاولوا المسلمين بعد وقعة أحد أن يرجعوا إلى دينهم، أو فنحاص بن عاذوراء وزيد بن قيس ونفر مناليهود حاولوا حذيفة وعماراً في رجوعهما إلى دينهم، أقوال. والقرآن لم يعين أحداً، إنما أخبر بودادة كثير من أهل الكتاب.والخلاف في سبب النزول مبني على الخلاف في تفسير كثير من أهل الكتاب، وتخصصت الصفة بقوله: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }،فلذلك حسن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه. والكتاب هنا: التوراة. {لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا }: الكلام فيلو هنا، كالكلام عليها في قوله:

{ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ }

. فمن قال: إنها مصدرية، قال: لو، والفعلفي تأويل المصدر، وهو مفعول. ودّ: أي ودّ ردكم، ومن جعلها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، جعل الجواب محذوفاً،وجعل مفعول ودّ محذوفاً التقدير: ودرّكم كفاراً، لو يردونكم كفاراً لسرّوا بذلك. وقال بعض الناس تقديره: لو يردونكم كفاراً لودواذلك. فودّ دالة على الجواب، ولا يجوز لودّ الأولى أن تكون هي الجواب، لأن شرط لو أن تكون متقدّمة علىالجواب. انتهى. وهذا الذي قدره ليس بشيء، لأنك إذا جعلت جواب لو قوله: لودوا ذلك، كان ذلك دالاً على أنالودادة لم تقع، لأنه جواب للو، وهو لما كان سيقع لوقوع غيره، فامتنع وقوع الودادة، لامتناع وقوع الرد. والغرض أنالودادة قد وقعت. ألا ترى إلى أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية؟ وهي وإن اختلفت فاتفقوا على وقوع الودادة،وإن اختلفت أقوالهم بمن وقعت، وتقدير جواب لو لودوا ذلك، يدل على أن الودادة لم تقع، فلذلك كان تقديره لسرواأو لفرحوا بذلك هو المتعين، إذا جعلت لو تقتضي جواباً. ويرد هنا بمعنى يصير، فيتعدّى إلى مفعولين: الأول هو ضميرالخطاب، والثاني كفاراً، وقد أعربه بعضهم حالاً، وهو ضعيف، لأن الحال مستغنى عنها في أكثر مواردها، وهذا لا بد منهفي هذا المكان. ومن متعلقة بيرد، وهي لابتداء الغاية، وظاهر الواو في يردونكم أنها للجمع، ومن فسر كثيراً بواحد أوباثنين، فجعل الواو له أو لهما، ليس على الأصل. {حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ }: انتصاب حسداً على أنه مفعولمن أجله، والعامل فيه ودّ، أي الحامل لهم على ودادة ردكم كفاراً هو الحسد، وجوزوا فيه أن يكون مصدراً منصوباًعلى الحال، أي حاسدين، ولم يجمع لأنه مصدر، وهذا ضعيف، لأن جعل المصدر حالاً لا ينقاس. وجوزوا أيضاً أن يكوننصبه على المصدر، والعامل فيه فعل محذوف يدل عليه المعنى، التقدير: حسدوكم حسداً. والأظهر القول الأول، لأنه اجتمعت فيه شرائطالمفعول من أجله. ويتعلق المجرور الذي هو: {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ }، إما بملفوظ به وهو ود، أي ودوا ذلك منقبل شهوتهم، لا أن ودادتهم ذلك هي من جهة التدين واتباع الحق. ألا ترى إلى قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ }؟ وإما بمقدر، فيكون في موضع الصفة، التقدير: حسداً كائناً من عند أنفسهم. وعلى كلا التقديرين يكونتوكيداً، أي ودادتهم أو حسدهم من تلقائهم. ألا ترى أن ودادة الكفر والحسد على الإيمان لا يكون إلا من عندأنفسهم؟ فهو نظير، ولا طائر يطير بجناحيه. وقيل: يتعلق الجار والمجرور بقوله: يردونكم، ومن سببية، أي يكون الرد من تلقائهموبإغوائهم وتزيينهم. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ }: تتعلق من هذه بقوله: ود، أي ودادتهم كفركم للحسد المنعبث منعند أنفسهم. وتلك الودادة ابتدأت من زمان وضوح الحق وتبينه لهم، فليسوا من أهل الغباوة الذين قد يغرب عليهم وضوحالحق، بل ذلك على سبيل الحسد والعناد. وهذا يدل على أن الكفر يكون عناداً. ألا ترى إلى ظاهر قوله: {مِّنبَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ }؟ قال ابن عطية: واختلف أهل السنة في جواز ذلك. والصحيح عندي جوازه عقلاً، وبعدهوقوعاً، ويترتب في كل رية تقتضيه أن المعرفة تسلب من ثاني حال من العناد. انتهى كلامه، والألف واللام في الحق،إما للعهد، ويراد به الإيمان، ويدل عليه جريانه قبل هذا، أو الألف واللام للاستغراق، أي من بعد ما اتضحت لهموجوه الحق وأنواعه.. {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ }، قال ابن عباس: هي منسوخة بقوله:

{ قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }

. وقيل:بقوله:

{ ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }

، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان للتوقيف على مدته. {حَتَّىٰيَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ }: غيا العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه موادعة إلى أن أتى أمر الله بقتل بني قريظة وإجلاءبني النضير وإذلالهم بالجزية، وغير ذلك مما أتى من أحكام الشرع فيهم وترك العفو والصفح. وقال الكلبي: هو إسلام بعضواصطلام بعض. وقيل: آجال بني آدم. وقيل: القيامة، وقيل: المجازاة يوم القيامة. وقيل: قوة الرسالة وكثرة الأمة، والجمهور على أنهالأمر بالقتال. وعن الباقر: أنه لم يؤمر بقتال حتى نزل أذن للذين يقاتلون، والأمر بالعفو والصفح هو أن لا يقاتلواوأن يعرض عن جوابهم فيكون أدعى لتسكين الثائرة وإطفاء الفتنة وإسلام بعضهم، لا أنه يكون ذلك على وجه الرضا، لأنذلك كفر. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ }: مر تفسير هذه الآية، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار، ووعد للمؤمنينبالنصر والتمكين. ألا ترى أنه أمر بالموادعة بالعفو والصفح، وغيا ذلك إلى أن يأتي الله بأمره، ثم أخبر بأنه قادرعلى كل شيء؟. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى }: لما أمر بالعفو والصفح، أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام: العبادة البدنية،والعبادة المالية، إذ الصلاة فيها مناجاة الله تعالى والتلذذ بالوقوف بين يديه، والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق بالإيثار على النفس،فأمروا بالوقوف بين يدي الحق وبالإحسان إلى الخلق. قال الطبري: إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم منميلهم إلى قول اليهود: راعنا، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر المؤمنون بما يحطه. انتهى كلامه. وليس له ذلكالظهور. {وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ }: لما قدم الأمر بالصلاة والزكاة أتى بهذه الجملة الشرطيةعامة لجميع أنواع الخير، فيندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما. والقول في إعراب ما ومن خير، كالقول في إعراب: ما ننسخمن آية، من أنهم قالوا: يجوز أن تكون ما مفعولة، ومن خير: حال أو مصدر، ومن خير: مفعول، أو مفعولة،ومن خير: تمييز أو مفعولة، ومن خير، تبعيضية متعلقة بمحذوف وهو الذي اخترناه. لأنفسكم: متعلق بتقدموا، وهو على حذف مضاف،أي لنجاة أنفسكم وحياتها، قال تعالى:

{ يَقُولُ يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى }

. وقد فسر الخير هنا بالزكاة والصدقة، والأظهر العموم تجدوهجواب الشرط، والهاء عائدة على ما، والخيور المتقدمة هي أفعال منقضية. ونفس ذلك المنقضي لا يوجد، فإنما ذلك على حذفمضاف، أي تجدوا ثوابه. فجعل وجوب ما ترتب على وجوداً له، وتجدوه متعد إلى واحد، لأنه بمعنى الإصابة. والعامل فيقوله: {عَندَ ٱللَّهِ }، إما نفس الفعل، أو محذوف، فيكون في معنى الحال من الضمير، أي تجدوه مدّخراً ومعدًّا عندالله. والظرفية هنا المكاتبة ممتنعة، وإنما هي مجاز بمعنى القبل، كما تقول لك: عندي يد، أي في قبلي، أو بمعنىفي علم الله نحو:

{ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ }

، أي في علمه وقضائه، أو بمعنى الاختصاص بالإضافة إلىالله تعالى تعظيماً كقوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ }

. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }:المجيء بالإسم الظاهر يدل على استقلال الجمل، فلذلك جاء إن الله، ولم يجيء إنه، مع إمكان ذلك في الكلام. وهذهجملة خبرية ظاهرة التناسب في ختم ما قبلها بها، تتضمن الوعد والوعيد. وكنى بقوله: بصير عن علم المشاهد، أي لايخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه، ومن كان مبصراً لفعلك، لم يخف عليه، هل هو خير أو شر، وأتى بلفظبصير دون مبصر، إما لأنه من بصر، فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان، أو لأنه فعل للمبالغة بمعنىمفعل، الذي هو للتكثير. ويحتمل أن يكون فعيل بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، قال بعض الصوفية: على المريد إقامة المواصلاتوإدامة التوسل بفنون القربات، واثقاً بأن ما تقدمه من صدق المجاهدات ستزكو ثمرته في آخر الحالات، وأنشدوا:

سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلفك ما تعلم وقدم الخير فكل امرىء

{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }: سبب نزولها اختصام نصارىنجران ويهود المدينة، وتناظرهم بين يدي الرسول ﷺ. فقالت اليهود: {لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء }، وقالت النصارى:{لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء }، وكفروا بالتوراة وموسى، قاله ابن عباس. والضمير في وقالوا عائد على أهل الكتاب من اليهودوالنصارى،ولهم في القول، لن يدخل الجنة، لأن القول صدر من الجميع، باعتبار أن كل فريق منهما قال ذلك، لا أنكل فرد فرد قال ذلك حاكماً على أن حصر دخول الجنة على كل فرد فرد من اليهود والنصارى، ولذلك جاءفي العطف بأو التي هي للتفصيل والتنويع، وأوضح ذلك العلم بمعاداة الفريقين، وتضليل بعضهم بعضاً، فامتنع أن يحكم كل فريقعلى الآخر بدخول الجنة، ونظيره في لف الضمير، وفي كون أو للتفصيل قوله: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }، تهتدوا،إذ معلوم أن اليهودي لا يأمر بالنصرانية، ولا النصراني يأمر باليهودية، ولما كان دخول الجنة متأخراً، جاء النفي بلن المخلصةللاستقبال، ومن فاعلة بيدخل، وهو من الاستثناء المفرّغ، والمعنى: لن يدخل الجنة أحد إلا من. ويجوز أن تكون على ذهبالفراء بدلاً، أو يكون منصوباً على الاستثناء، إذ يجيز أن يراعى ذلك المحذوف، ويجعله هو الفاعل، ويحذفه، وهو لو كانملفوظاً به لجاز البدل والنصب على الاستثناء، فكذلك إذا كان محذوفاً وحمل أولاً على لفظ من، فأفرد الضمير في كان،ثم حمل على المعنى، فجمع في خبر كان فقال: {هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }. وهود: جمع هائد، كعائد وعود. وتقدم مفردالنصارى ما هو أنصران أم نصرى. وفي جواز مثل هذين الحملين خلاف، أعني أن يكون الخبر غير فعل، بل صفةيفصل بين مذكرها ومؤنثها بالتاء نحو: من كان قائمين الزيدون، ومن كان قائمين الزيدان. فمذهب الكوفيين وكثير من البصريين جوازذلك. وذهب قوم إلى المنع، وإليه ذهب أبو العباس، وهم محجوجون بثبوت ذلك في كلام العرب كهذه الآية، فإن هوداًفي الأظهر جمع هائد، وهو من الصفات التي يفصل بينها وبن مؤنثها بالتاء، وكقول الشاعر:

وأيقـظ مـن كـان منكـم نيـامـاً

فنيام: جمع نائم، وهو من الصفات التي يفصل بين مذكرها ومؤمثها بالتاء، وقدم هوداً على نصارى لتقدمها في الزمان. وقرأأبي: إلا من كان يهودياً أو نصرانياً، فحمل الإسم والخبر معاً على اللفظ، وهو الإفراد والتذكير. {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ }:جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين قولهم ذلك وطلب الدليل على صحة دعواهم. وتلك يشار بها إلى الواحدة المفردة، وإلىالجمع غير المسلم من المذكر والمؤنث، فحمله الزمخشري على الجمع قال: أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لاينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلةأمانيهم. انتهى كلامه. وما ذهب إليه في الوجه الأول ليس بظاهر، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء، فقد انفصلتوكملت واستقلت في النزول، فيبعد أن يشار إليها. وأما ما ذهب إليه في الوجه الثاني ففيه مجاز الحذف، وفيه قلبالوضع، إذ الأصل أن يكون تلك مبتدأ، وأمانيهم خبر. فقلب هو الوضع، إذ قال: أن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهمهذه. وفيه أنه متى كان الخبر مشبهاً به المبتدأ، فلا يجوز تقديمه، مثل: زيد زهير، نص على ذلك النحويون. فإنتقدم ما هو أصل في أن يشبه به، كان من عكس التشبيه ومن باب المبالغة، إذ جعل الفرع أصلاً والأصلفرعاً كقولك: الأسد زيد شجاعة، والأظهر أن تلك إشارة إلى مقالتهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ }، أي تلك المقالة أمانيهم، أيليس ذلك عن تحقيق ولا دليل على من كتاب الله ولا من أخبار من رسول، وإنما ذلك على سبيل التمني.وإن كانوا هم جازمين بمقالتهم، لكنها لما لم تكن عن برهان، كانت أماني، والتمني يقع بالجائز والممتنع. فهذا من الممتنع،ولذلك أتى بلفظ الأماني، ولم يأت بلفظ مرجوّاتهم، لأن الرجاء يتعلق بالجائز، تقول: ليتني طائر، ولا يجوز، لعلني طائر، وإنماأفرد المبتدأ لفظاً، لأنه كناية عن المقالة، والمقالة مصدر يصلح للقليل والكثير، فأريد بها هنا الكثير باعتبار القائلين، ولذلك جمعالخير، فطابق من حيث المعنى في الجمعية. وقد تقدّم شرح الأماني في قوله:

{ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ أَمَانِىَّ }

، فيحتملأن يكون المعنى: تلك أكاذيبهم وأباطيلهم، أو تلك مختاراتهم وشهواتهم، أو تلك تلاواتهم. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}: لما تقدم منهم الدعوى بأنه لن يدخل الجنة إلا من ذكروا، طولبوا بالدليل على صحة دعواهم. وفي هذا دليلعلى أن من ادعى نفياً أو إثباتاً، فلا بد له من الدليل. وتدل الآية على بطلان التقليد، وهو قبول الشيءبغير دليل. قال الزمخشري: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل. إن كنتم صادقينفهاتوا برهانكم، أي أوضحوا دعوتكم. وظاهر الآية أن متعلق الصدق هو دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة. وقيل: صادقين في إيمانكم.وقيل: في أمانيكم. وقيل معنى صادقين: صالحين كما زعمتم، وكل ما أضف إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصدق. تقول: رجلصدق، وصديق صدق، ودالة صدق، ومنه:

{ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ }

. وقيل: معناه إن كنتم موقنين بما أخذ اللهميثاقه وعهوده، ومنه: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ }. {بَلَىٰ }: رد لقولهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ }، والكلامفيها كالكلام الذي تقدّم في قوله:

{ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً }

، وقبل ذلك:

{ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }

،وكلاهما فيه نفي وإيجاب، إلا أن ذلك استثناء مفرّغ من الأزمان، وهذا استثناء مفرّغ من الفاعلين. وأبعد من ذهب إلىأن بلى رد لما تضمن قوله: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } من النفي، لأن معناه لا برهان لكم على صدق دعواكم،فأثبت ببلى أن لمن أسلم وجهه برهاناً، وهذا ينبو عنه اللفظ. {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ }: الكلام في: من،كالكلام في: من، من قوله: {مَن كَسَبَ سَيّئَةً }، والأظهر أنها مبتدأة، وجوّزوا أن تكون فاعلة، أي يدخلها من أسلم،وإذا كانت مبتدأة، فلا يتعين أن تكون شرطية. فالجملة بعدها هي الخبر، وجواب الشرط {فَلَهُ أَجْرُهُ }. وإذا كانت موصولة،فالجملة بعدها صلة لا موضع لها من الإعراب، والخبر هو ما دخلت عليه الفاء من الجملة الابتدائية، وإذا كانت منفاعلة فقوله: {فَلَهُ أَجْرُهُ } جملة اسمية معطوفة على ذلك الفعل الرافع لمن. والوجه هنا يحتمل أن يراد به الجارحةخص بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء، أو لأنه فيه أكثر الحواس، أو لأنه عبر به عن الذات ومنه:

{ كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }

، ويحتمل أن يراد به الجهة، والمعنى: أخلص طريقته في الدين لله. وقال مقاتل: أخلص دينه. وقال ابنعباس: أخلص عمله لله. وقيل: قصده. وقيل: فوّض أمره إلى الله تعالى. وقيل: خضع وتواضع. وهذه أقوال متقاربة في المعنى،وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضاً. وهذا نظير ما يقوله النحوي: الفاعل زيدمن قولك، قام زيد، وآخر يقول: جعفر من خرج جعفر، وآخر يقول: عمرو من انطلق عمرو، وهذا أحسن ما يظنبالسلف رحمهم الله، فيما جاء عنهم من هذا النوع. {وَهُوَ مُحْسِنٌ }: جملة حالية، وهي مؤكدة من حيث المعنى،لأن من أسلم وجهه لله فهو محسن. وقد قيد الزمخشري الإحسان بالعمل؛ وجعل معنى قوله: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ }:من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، وهو محسن في عمله، فصارت الحال هنا مبينة، إذ من لا يشركقسمان: محسن في عمله، وغير محسن، وذلك منه جنوح إلى مذهبه الاعتزالي من أن العمل لا بد منه، وأنه بهمايستوجب دخول الجنة، ولذلك فسر قوله: {فَلَهُ أَجْرُهُ } الذي يستوجبه، وقد فسر رسول الله ﷺ حقيقةالإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . وقد فسرهنا الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر، والانتهاء عن المناهي. {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ }: العامل في عندهو العامل في له، أي فأجره مستقر له عند ربه، ولما أحال أجره على الله أضاف الظرف إلى لفظه ربه،أي الناظر في مصالحة ومربيه ومدبر أحواله، ليكون ذلك أطمع له، فلذلك أتى بصفة الرب، ولم يأت بالضمير العائد علىالله في الجملة قبله، ولا بالظاهر بلفظ الله. فلم يأت فله أجره عنده، لما ذكرناه، ولقلق الإتيان بهذه الضمائر، ولميأت فله أجره عند الله، لما ذكرنا من المعنى الذي دل عليه لفظ الرب. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: جمع الضمير في قوله: {عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } حملاً على معنى من، وحمل أوّلاً على اللفظ في قوله:{مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ }، وهذا هو الأفصح، وهو أن يبدأ أولاً بالحمل علىاللفظ، ثم بالحمل على المعنى. وقد تقدم تفسير هذه الجملة. وقراءة ابن محيصن: فلا خوف، برفع الفاء من غير تنوين،باختلاف عنه. وقراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب وغيرهم: فلا خوف، بالفتح من غير تنوين، وتوجيه ذلك، فأغنى عن إعادته هنا.{وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء }، قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى،فهذا من الإخبار عن الأمم السالفة، وتكون أل للجنس، ويكون في ذلك تقريع لمن بحضرة رسول الله صلى الله عليهوسلم من الفريقين، وتسلية له ﷺ، إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله. وقيل: المراد يهود المدينة ونصارى نجران،حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوّة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوّة موسى. فتكون حكاية حال، وأل للعهد،أو المراد بذلك رجلان: رجل من اليهود، يقال له نافع بن حرملة، قال لنصارى نجران: لستم على شيء، وقال رجلمن نصارى نجران لليهود: لستم على شيء، فيكون قد نسب ذلك للجميع، حيث وقع من بعضهم، كما يقال: قتل بنوتميم فلاناً، وإنما قتله واحد منهم، وذلك على سبيل المجاز والتوسع، ونسبة الحكم الصادر من الواحد إلى الجمع. وهو طريقمعروف عند العرب في كلامها، نثرها ونظمها. ولما جمعهم في المقالة الأولى، وهي: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَهُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }، فصلهم في هذه الآية، وبين قولكل فريق في الآخر. وعلى شيء: في موضع خبر ليس، ويحتملأن يكون المعنى: على شيء يعتد به في الدين، فيكون من باب حذف الصفة، نظير قوله:

لقــد وقعــت علــى لحــم

أي لحم منيع، وأنه ليس من أهلك، أي من أهلك الناجين، لأنه معلوم أن كلاً منهم على شيء، أو يكونذلك نفياً على سبيل المبالغة العظيمة، إذ جعل ما هما عليه، وإن كان شيا كلا شيء. هذا والشيء يطلق عندبعضهم على المعدوم والمستحيل، فإذا نفى إطلاق اسم الشيء على ما هم عليه، كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد به،وصار كقولهم أقل من لا شيء. {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ }: جملة حالية، أي وهم عالمون بما في كتبهم، تالونله. وهذا نعي عليهم في مقالتهم تلك، إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاةوالسلام، وصحة نبوّتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد ﷺ، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضاً. وفيهذا تنبيه لأمّة محمد ﷺ في أن من كان عالماً بالقرآن، يكون واقفاً عنده، عاملاً بما فيه،قائلاً بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه، فيكون في ذلك كاليهود والنصارى. والكتاب هناقيل: هو التوراة والإنجيل. وقيل: التوراة، لأن النصارى تمتثلها. {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ }: الذين لايعلمون: هم مشركو العرب في قول الجمهور. وقيل: مشركو قريش. وقال عطاء: هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى. وقال قوم:المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم: أي قال اليهود مثل قول النصارى، ونفى عنهم العلم حيث لم ينتفعوا به فجعلوا لايعلمون. والظاهر القول الأول. وقال الزمخشري: أي مثل ذلك الذي سمعت على ذلك المنهاج. قال: الجهلة الذين لا علم عندهمولا كتاب، كعبدة الأصنام، والمعطلة ونحوهم قالوا: لكل أهل دين ليسوا على شيء، وهو توبيخ عظيم لهم، حيث نظموا أنفسهممع علمهم في سلك من لا يعلم. والظاهر أن الكاف من كذلك في محل نصب، إما على أنها نعت لمصدرمحذوف تقديره: قولاً مثل ذلك القول، {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }، أو على أنه منصوب على الحال من المصدر المعرفةالمضمر الدال عليه قال، التقدير: مثل ذلك القول قاله، أي قال القول الذين لا يعلمون، وهذا على رأي سيبويه. وعلىالوجهين تنتصب الكاف بقال، وانتصب على هذين التقديرين مثل قولهم على البدل من موضع الكاف. وقيل: ينتصب مثل قولهم علىأنه مفعول بيعلمون، أي الذين لا يعلمون مثل مقالة اليهود والنصارى، قالوا: مثل: مقالتهم، أي توافق الذين لا يعلمون مقالاتالنصارى، واليهود مع اليهود والنصارى في ذلك، أن من جهل قول اليهود والنصارى وافقهم في مثل ذلك القول. وجوّزوا أنتكون الكاف في موضع رفع بالابتداء، والجملة بعده خبر، والعائد محذوف تقديره: مثل ذلك قاله الذين. ولا يجوز لقال أنينصب مثل قولهم نصب المفعول، لأن قال قد أخذ مفعوله، وهو الضمير المحذوف العائد على المبتدأ، فينتصب إذ ذاك مثلقولهم على أنه صفة لمصدر محذوف، أو على أنه مفعول ليعلمون، أي مثل قولهم يعني اليهود والنصارى. قال الذين لايعلمون اعتقاد اليهود والنصارى. انتهى ما قالوه في هذا الوجه، وهو ضعيف لاستعمال الكاف اسماً، وذلك عندنا لا يجوز إلافي ضرورة الشعر، مع أنه قد تؤوّل ما ورد من ذلك وأجاز ذلك، أعني أن تكون اسماً في الكلام، ويحذفالضمير العائد على المبتدأ المنصوب بالفعل، الذي لو قدر خلوه من ذلك الضمير لتسلط على الظاهر قبله فنصبه، وذلك نحو:زيد ضربته. نص أصحابنا على أن هذا الضمير لا يجوز حذفه إلا في الشعر، وأنشدوا:

وخالد يحمد ساداتنا بالحق لا يحمد بالباطل

أي: يحمده ساداتنا. وعن بعض الكوفيين في جواز حذف نحو: هذا الضميرتفصيل مذكور في النحو. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }: أي يفصل، والفصل: الحكم، أويريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً، قاله الزجاج، أو يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار، أو يثيب من كانعلى حق، ويعذب من كان على باطل. وكلها أقوال متقاربة. والظرفان والجار الأول معمولان ليحكم، وفيه متعلق بيختلفون. وقدتضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها: افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة،بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب. ثم ذكر ما للمخالف منالعذاب الذي يذله ويهينه. ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزلعليكم شيء من الخير. ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به منيشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع. ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صارأنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أوبما ماثله. وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره. ونبه المخاطب على علمهبقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه. فمن ينصرنا منبأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غيرجائز، كسؤالات قوم موسى له. ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج. ثم ذكرأن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد. ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمرالله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح. ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء،لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة. ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة،وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم. ثم اختتم ذلك حيث نبهعلى أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها. ثم نعىعلى اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان علىدعوى الاختصاص. ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولايحزن على ما مضى. ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءتبه الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا فيالحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة. كما أخبر تعالى عنهم بقوله:

{ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً }

. ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذييتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } * { وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } * { وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } * { بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } * { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ } * { وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } * { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } * { وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }[عدل]

المنع: الحيلولة بين المريد ومراده. ولما كان الشيء قد يمنع صيانة، صار المنعمتعارفاً في المتنافس فيه؛ قاله الراغب. وفعله: منع يمنع، بفتح النون، وهو القياس، لأن لام الفعل أحد حروف الحلق. المساجد:معروفة، وسيأتي الكلام على المفرد أول ما يذكر في القرآن، إن شاء الله. السعي: المشي بسرعة، وهو دون العدو، ثميطلق على الطلب، كما قال امرؤ القيس:

فلولا أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل

فسرهالشراح بالطلب. الخراب: ضد العمارة، وهو مصدر خرب الشيء يخرب خراباً، ويوصف به فيقال: منزل خراب، واسم الفاعل: خرب،كما قال أبو تمام:

ما ربع مية معموراً يطيف به غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب

والخرب: ذكرالحبارى، يجمع على خربان. المشرق والمغرب: مكان الشروق والغروب، وهما من الألفاظ التي جاءت على مفعل، بكسر العين شذوذاً، والقياسالفتح، لأن كل فعل ثلاثي لم تكسر عين مضارعة، فقياس صوغ المصدر منه، والزمان والمكان مفعل، بفتح العين. أين: منظروف المكان، وهو مبني لتضمنه في الاستفهام معنى حرفه، وفي الشرط معنى حرفه، وإذا كان للشرط جاز أن تزيد بعدهما، ومما جاء فيه شرطاً بغير ما قوله:

أيـن تضرب بنـا العـداة تجدنـا

وزعم بعضهم أن أصل أين: السؤال عنالأمكنة. ثم: ظرف مكان يشار به للبعيد، وهو مبني لتضمنه معنى الإشارة، وهو لازم للظرفية، لم يتصرف فيه بغير منيقول: من ثم كان كذا. وقد وهم من أعرهبا مفعولاً به في قوله:

{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }

. بل: مفعول رأيت محذوف. واسع: اسم فاعل من وسع يسع سعة ووسعاً، ومقابلة ضاق، إلا أن وسع يأتي متعدّياً:

{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }

{ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء }

. الولد: معروف، وهو فعل بمعنى مفعول، كالقبض والنقض، ولا ينقاسفعل بمعنى مفعول، وفعله: ولد يلد ولادة ووليدية، وهذا المصدر الثاني غريب. القنوت: القيام، ومنه أفضل الصلاة طول القنوت، أيالقيام والطاعة والعبادة والدعاء. قنت شهراً: دعا. البديع: النادر الغريب الشكل. بدع يبدع بداعة فهو بديع، إذا كان نادراً، غريبالصورة في الحسن، وهو راجع لمعنى الابتداع، وهو الاختراع والإنشاء. قضى: قدّر، ويجيء بمعنى أمضى. قضى يقضي قضاء. قال:

سأغسل عني العار بالسيف جالبا عليّ قضاء الله ما كان جالبا

قال الأزهري: قضى علىوجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، قال أبو ذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع

وقال الشماخ في عمر:

قضيت أموراً ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتق

فيكون بمعنى خلق:

{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ }

، وأعلم:

{ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ }

، وأمر:

{ وَقَضَىٰ رَبُّكَ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ * إِيَّـٰهُ }

، وألزم، منه قضى القاضي، ووفى:

{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلاْجَلَ }

، وأراد:

{ إِذَا قَضَى أَمْرًا }

. لولا: حرف تحضيض، وجاء ذلك في القرآن كثيراً، وحكمها حكم هلا، وتأتي أيضاً حرف امتناع لوجود،وأحكامها بمعنييها مذكورة في كتب النحو، ومنها أن التحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهراً أو مضمراً، وتلك لا يليها إلاالاسم، على خلاف في إعرابه. الجحيم: إحدى طبقات النار، أعاذنا الله منها. وقال الفراء: الجحيم: النار على النار. وقال أبوعبيد: النار المستحكمة المتلظية. وقال الزجاج: النار الشديدة الوقود، يقال جحمت النار تحجم: اشتدّ وقودها. وهذه كلها أقوال يقرب بعضهامن بعض. وقال ابن فارس: الجاحم: المكان الشديد الحر، ويقال لعين الأسد: جحمة، لشدة توقدها، ويقال لشدة الحر: جاحم، قال:

والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح

الرضا: معروف، ويقابله الغضب، وفعله رضي يرضىرضاً بالقصر، ورضاء بالمد، ورضواناً، فياؤه منقلبة عن واو يدل على ذلك الرضوان، والأكثر تعديته بعن وقد جاء تعديته بعلى،قال:

إذا رضيت عليّ بنـو قشيــر

وخرج على أن يكون على بمعنى عن، أو على تضمين رضي معنى عطف، فعديبعلى كما تعدى عطف. الملة: الطريقة، وكثر استعمالها بمعنى الشريعة، فقيل: الاشتقاق من أمللت، لأن الشريعة تبتني على متلو ومسموع.وقيل: من قولهم طريق ممل، أي قد أثر المشي فيه. الخسران والخسارة: هو النقص من رأس المال في التجارة، هذاأصله، ثم يستعمل في النقص مطلقاً، وفعله متعد، كما أن مقابله متعد، وهو الربح. تقول: خسر درهماً، كما تقول: ربحدرهماً. وقال: {خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ }. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ }: نزلت فينطوس بن اسبيسيانوس الرومي، الذي خرب بيت المقدس، ولم يزل خراباً إلى أن عمر في زمان عمر بن الخطاب. وقيلفي مشركي العرب: منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، قاله عطاء، عن ابن عباس، أو في النصارى، كانوايودون خراب بيت المقدس، ويطرحون به الأقذار. وروي عن ابن عباس، وقال قتادة والسدي، في الروم الذين أعانوا بختنصر علىتخريب بيت المقدس: حين قتلت بنو إسرائيل يحيـى بن زكريا، على نبينا وعليه السلام، قال أبو بكر الرازي: لا خلافبين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل. وقيل في بختنصر، قاله قتادة،وقال ابن زيد وأبو مسلم: المراد كفار قريش حين صدوا: رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام. وعلىاختلاف هذه الأقوال يجيء الاختلاف في تفسير المانع والمساجد. وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد، والعموموإن كان سبب نزوله خاصاً، فالعبرة به لا بخصوص السبب. ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه جرى ذكر النصارىفي قوله:

{ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء }

، وجرى ذكر المشركين في قوله:

{ كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ }

، وفي أي نزلت منهم كان ذلك مناسباً لذكرها تلي ما قبلها. ومن: استفهام، وهو مرفوع بالابتداء. وأظلم: أفعلتفضيل، وهو خبر عن من. ولا يراد بالاستفهام هنا حقيقته، وإنما هو بمعنى النفي، كما قال:

{ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }

؟ أي ما يهلك. ومعنى هذا: لا أحد أظلم ممن منع. وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن، وهذا أولموارده، وقال تعالى:

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً }

. وقال:

{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ }

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا }

إلى غير ذلك من الآيات. ولما كان هذا الاستفهام معناه النفي كانخبراً، ولما كان خبراً توهم بعض الناس أنه إذا أخذت هذه الآيات على ظواهرها سبق إلى ذهنه التناقض فيها، لأنهقال المتأول في هذا: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، وقال في أخرى: لا أحد أظلم ممن افترى، وفيأخرى: لا؛ أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها. فتأول ذلك على أن خص كل واحد بمعنى صلته، فكأنهقال: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله، وكذلكباقيها. فإذا تخصصت بالصلات زال عنده التناقض. وقال غيره: التخصيص يكون بالنسبة إلى السبق، لما لم يسبق أحد إلى مثله،حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم، سالكاً طريقتهم في ذلك، وهذا يؤول معناه إلى السبق في المانعية، أو الافترائية.وهذا كله بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربي، وعجمة في اللسان يتبعها استعجام المعنى. وإنما هذا نفي للأظلمية، ونفي الأظلميةلا يستدعي نفي الظالمية، لأن نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق. لو قلت: ما في الدار رجل ظريف، لميدل ذلك على نفي مطلق رجل، وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يكن تناقضاً، لأن فيها إثبات التسوية فيالأظلمية. وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر، لأنهم يتساوون في الأظلمية. وصارالمعنى: لا أحد أظلم ممن منع، وممن افترى، وممن ذكر. ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية. ولا يدل علىأن أحد هؤلاء أظلم من الآخر. كما أنك إذا قلت: لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد، لا يدل علىأن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفي أن يكون أحد أفقه منهم. لا يقال: إن من منع مساجد الله أنيذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها، ولم يفتر على الله الكذب، أقلّ ظلماً ممن جمع بينهما، فلا يكون مساوياً فيالأظلمية، لأن هذه الآيات كلها إنما هي في الكفار، فهم متساوون في الأظلمية، وإن اختلفت طرق الأظلمية. فكلها صائرة إلىالكفر، فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لأفراد من اتصف به، وإنما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم،وللعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة، فنقول: الكافر أظلم من المؤمن، ونقول: لا أحد أظلم من الكافر. ومعناه:أن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره. ومن في قوله: ممن منع، موصولة بمعنى الذي. وجوّز أبو البقاء أن تكوننكرة موصوفة. أن يذكر: يحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لمنع، أو مفعولاً من أجله، فيتعين حذف مضاف، أي دخول مساجدالله، أو ما أشبه ذلك، أو بدلاً من مساجد بدل اشتمال، أي ذكر اسم الله فيها، أو مفعولاً على إسقاطحرف الجر، أي من أن يذكر. فلما حذفت من انتصب على رأي، أو بقي مجروراً على رأي. وكنى بذكر اسمالله عما يوقع في المساجد من الصلوات والتقرّبات إلى الله تعالى بالأفعال القلبية والقالبية، من تلاوة كتبه، وحركات الجسم منالقيام والركوع والسجود والقعود الذي تعبد به، أو إنما ذكر تعلق المنع بذكر اسم الله تنبيهاً على أنهم منعوا منأيسر الأشياء، وهو التلفظ باسم الله. فمنعهم لما سواه أولى. وحذف الفاعل هنا اختصاراً، لأنهم عالم لا يحصون. وجاء تقديمالمجرور على المفعول الذي لم يسم فاعله، لأن المحدث عنه قبل هي مساجد الله، وهي في اللفظ مذكورة قبل اسمالله، فناسب تقديم المجرور لذلك. وأضيفت المساجد لله على سبيل التشريف، كما قال تعالى:

{ وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ }

، وخصّ بلفظالمسجد، وإن كان الذي يوقع فيه أفعالاً كثيرة من القيام والركوع والقعود والعكوف. وكل هذا متعبد به، ولم يقل مقامولا مركع ولا مقعد ولا معكف، لأن السجود أعظم الهيئات الدالة على الخضوع والخشوع والطواعية التامة. ألا ترى إلى قولهﷺ: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ؟ وهي حالة يلقي فيها الإنسان نفسه للانقياد التام،ويباشر بأفضل ما فيه وأعلاه، وهو الوجه، التراب الذي هو موطىء قدميه. قال ابن عطية: وهذه الآية تتناول كلمن منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو خرّب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلهامسجد. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف قيل مساجد الله؟ وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس، أوالمسجد الحرام؟ قلت: لا بأس أن يجيء الحكم عامًّا، وإن كان السبب خاصاً، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً، ومنأظلم ممن آذى الصالحين؟ وكما قال الله عز وجل:

{ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ }

، والمنزول فيه الأخنس بن شريق. انتهىكلامه. وقال غيره: جمعت لأنها قبلة المساجد كلها، يعني الكعبة للمسلمين، وبيت المقدس لغيره. {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا }: إما حقيقة،كتخريب بيت المقدس، أو مجازاً بانقطاع الذكر فيها ومنع قاصديها منها، إذ ذلك يؤول بها إلى الخراب. فجعل المنع خراباً،كما جعل التعاهد بالذكر والصلاة عمارة، وذلك مجار. وقال المروزي: قال ومن أظلم ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد،كما أن حسن الاعتقاد يورث عمارة المساجد. {أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ }: هذه جملة خبريةقالوا تدلّ على ما يقع في المستقبل، وذلك من معجز القرآن، إذ هو من الإخبار بالغيب. وفيها بشارة للمؤمنين بعلوّكلمة الإسلام وقهر من عاداه. إلا خائفين: نصب على الحال، وهو استثناء مفرّغ من الأحوال. وقرأ أبي: إلا خيفاً، وهوجمع خائف، كنائم ونوّم، ولم يجعلها فاصلة، فلذلك جمعت جمع التكسير. وإبدال الواو ياء، إذ الأصل خوّف، وذلك جائز كقولهم،في صوم صيم، وخوفهم: هو ما يلحقهم من الصغار والذل والجزية، أو من أن يبطش بهم المؤمنون، أو في المحاكمة،وهي تتضمن الخوف، أو ضرباً موجعاً، لأن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين من الضرب، أقوال. والظاهر أن المعنى:أولئك ما ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا وهم خائفون من الله وجلون من عقابه. فكيف لهم أن يلتبسوابمنعها من ذكر الله والسعي في تخريبها، إذ هي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَابِٱلْغُدُوّ وَٱلاْصَالِ }؟ وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم بذكر الله فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلاًخائفاً، إذ هو بيت الله أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة. ونظير الآية أن يقول: ومن أظلم ممن قتل ولياًلله تعالى؟ ما كان له أن يلقاه إلا معظماً له مكرّماً أي هذه حالة من يلقى ولياً لله، لا أنيباشره بالقتل. ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم. ولمالم يقع هذا المعنى الذي ذكرناه للمفسرين، اختلفوا في الآية على تلك الأقوال التي ذكرناها عنهم. ولو أريد ما ذكروه،لكان اللفظ: أولئك ما يدخلونها إلا خائفين، ولم يأت بلفظ: ما كان لهم، الدالة على نفي الابتغاء. وقيل المعنى: ماكان لهم في حكم الله، يعني أن الله قد حكم وكتب في اللوح المحفوظ أنه ينصر المؤمنين ويقوّيهم حتى لايدخل المساجد الكفار إلا خائفين. قال بعض الناس: وفيها دلالة على جواز دخول الكفار المساجد على صفة الخوف، وليس كماقال، إذ قد ذكرنا ما دلّ عليه ظاهر الآية. وقيل في قوله: {أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا }: أنلفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر لنا بأن نخيفهم، وإنما ذهب إلى ذلك لأن الله تعالى قد أخبر أنهم سيدخلون بيتالمقدس على سبيل القهر والغلبة بقوله: { فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلاْخِرَةِ * لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا }، ولأن النبي ﷺ أخبر أن ذا السويقتين من الحبشة يهدم الكعبة حجراً حجراً.فلما رأى أن هذا يعارض الآية، إذا جعلناها خبراً لفظاً، ومعنى حملها على الأمر ودلالتها على الأمر لنا بالإخافة لهمبعيدة جداً، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه، بطلت هذه الأقوال. وأما قوله تعالى: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلاْخِرَةِ }، فليسذلك كناية عن يوم القيامة، وسيأتي الكلام عليه في موضعه، إن شاء الله تعالى. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ }، حمل على معنىمن في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ }، ولا يختص الحمل فيها على اللفظ وعلى المعنى بكونها موصولة، بل هي كذلك فيسائر معانيها من الوصل والشرط والاستفهام، وكلاهما موجود فيها في سائر معانيها في كلام العرب. أما إذا كانت موصوفة نحو:مررت بمن محسن لك، فليس في محفوظي من كلام العرب مراعاة المعنى فيها. وقد تكلمنا قبل على كونها موصوفة. وقالبعض الناس في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ }: الآية، دليل على منع دخول الكافر المسجد، ثم ذكر اختلاف الفقهاء فيذلك، وهي مسألة تذكر في علم الفقه، وليس في الآية ما يدل على ما ذكره على ما فهمنا نحن منالآية. {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }: هذا الجزاء مناسب لما صدر منهم. أما الخزيفي الدنيا فهو الهوان والإذلال، وهو مناسب للوصف الأول، لأن فيه إخمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها من ذلك، فجوزواعلى ذلك بالإذلال والهوان. وأما العذاب العظيم في الآخرة، فهو العذاب بالنار، وهو إتلاف لهياكلهم وصورهم، وتخريب لها بعد تخريب

{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }

. وهو مناسب للوصف الثاني، وهو سعيهم في تخريب المساجد، فجوزوا علىذلك بتخريب صورهم وتمزيقها بالعذاب. ولما كان الخزي الذي يلحقهم في الدنيا لا يتفاوتون فيه حكماً، سواء فسرته بقتل أوسبي للحربي، أو جزية للذمي، لم يحتج إلى وصف. ولما كان العذاب متفاوتاً، أعني عذاب الكافر وعذاب المؤمن، وصف عذابالكافر بالعظم ليتميز من عذاب المؤمن. وقيل: الخزي هو الفتح الإسلامي، كالقسطنطينية وعمورية ورومية، وقيل: جزية الذمي، قاله ابن عباس،وقيل: طردهم عن المسجد الحرام، وقيل: قتل المهدي إياهم إذا خرج، قاله المروزي، وقيل: منعهم من المساجد. قال بعض معاصرينا:إن على كل طائفة من الكفار في الدنيا خزياً. أما اليهود والنصارى، فقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وقتل النصارى وفتححصونهم وبلادهم، وإجراء الجزية عليهم، والسيما التي التزموها، وما شرطه عمر عليهم. وأما مشركو العرب، فقتل أبطالهم وأقيالهم، وكسر أصنامهم،وتسفيه أحلامهم، وإخراجهم من جزيرة العرب التي هي دار قرارهم ومسقط رؤوسهم، وإلزامهم خطة الهلاك من القتل إلا أن يسلموا.وقال الفرّاء: معناه في آخر الدنيا، وهو ما وعد الله به المسلمين من فتح الروم، ولم يكن بعد. قال القشيري:في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ } الآية، إشارة إلى ظلم من خرّب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وهي قلوب العارفين وأوطانالعبادة بالشهوات، وهي نفوس العباد وأوطان المحبة بالحظوظ والمساكنات، وهي أرواح الواجدين وأوطان المشاهدات بالالتفات إلى القربات، وهي أسرار الموحدين.{لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ }: ذل الحجاب، وفي الآخرة عذاب لاقتناعهم بالدرجات. انتهى، وبعضه ملخص. وهذا تفسير عجيب ينبو عنهلفظ القرآن، وكذا أكثر ما يقوله هؤلاء القوم. {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ }: قال الحسنوقتادة: أباح لهم في الابتداء أن يصلوا حيث شاؤا، فنسخ ذلك. وقال مجاهد والضحاك: معناها إشارة إلى الكعبة، أي حيثماكنتم من المشرق والمغرب، فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة. فعلى هذا هي ناسخة لبيت المقدس. وقال أبو العالية وابنزيد: نزلت جواباً لمن عير من اليهود بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقال ابن عمر: نزلت في صلاةالمسافر، حيث توجهت به دابته. وقيل: جواب لمن قال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ قاله سعيد بن جبير. وقيل:في الصلاة على النجاشي، حيث قالوا: لم يكن يصلي إلى قبلتنا. وقيل: فيمن اشتبهت عليه القبلة في ليلة متغيمة، فصلوابالتحري إلى جهات مختلفة. وقد روي ذلك في حديث عن جابر، أن ذلك وقع لسرية، وعن عامر بن ربيعة، أنذلك جرى مع رسول الله ﷺ في السفر، ولو صح ذلك، لم يعدل إلى سواه من هذهالأقوال المختلفة المضطربة. وقال النخعي: الآية عامّة، أينما تولوا في متصرّفاتكم ومساعيكم. وقيل: نزلت حين صدر رسول الله صلى اللهعليه وسلم عن البيت. وهذه أقوال كثيرة في سبب نزول هذه الآية، وظاهرها التعارض، ولا ينبغي أن يقبل منهاإلا ما صح، وقد شحن المفسرون كتبهم بنقلها. وقد صنف الواحدي في ذلك كتاباً قلما يصح فيه شيء، وكان ينبغيأن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح. والذي يظهر أن انتظام هذه الآية بما قبلها هو: أنه لما ذكرمنع المساجد من ذكر الله والسعي في تخريبها، نبه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكرالله، إذ المشرق والمغرب لله تعالى، فأي جهة أدّيتم فيها العبادة، فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأديةبالمسجد. والمعنى: ولله بلاد المشرق والمغرب وما بينهما. فيكون على حذف مضاف، أو يكون المعنى: ولله المشرق والمغرب وما بينهما،فيكون على حذف معطوف، أو اقتصر على ذكرهما تشريفاً لهما، حيث أضيفا لله، وإن كانت الأشياء كلها لله، كما شرفالبيت الحرام وغيره من الأماكن بالإضافة إليه تعالى. وهذا كله على تقدير أن يكون المشرق والمغرب أسمى مكان. وذهببعض المفسرين إلى أنهما اسما مصدر، والمعنى أن لله تولى إشراق الشمس من مشرقها وإغرابها من مغربها، فيكونان، إذ ذاك،بمعنى الشروق والغروب. ويبعد هذا القول قوله بعد: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ }. وأفرد المشرق والمغرب باعتبار الناحية، أوباعتبار المصدر الواقع في الناحية. وأما الجمع فباعتبار اختلاف المغارب والمطالع كل يوم. وأما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما.ومعنى التولية: الاستقبال بالوجوه. وقيل: معناها الاستدبار من قولك: وليت عن فلان إذا استدبرته، فيكون التقدير: فأي جهة وليتم عنهاواستقبلتم غيرها فثم وجه الله. وقيل: ليست في الصلاة، بل هو خطاب للذين يخرّبون المساجد، أي أينما تولوا هاربين عنيفإني ألحظهم. ويقويه قراءة الحسن: فأينما تولوا، جعله للغائب، فجرى على قوله: {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ }، وعلى قوله: {وَقَالُواْٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا }، فجرت الضمائر على نسق واحد. قال الزمخشري: ففي أي مكان فعلتم التولية، يعني تولية وجوهكم شطرالقبلة بدليل قوله تعالى:

{ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ * مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }

، انتهى. فقيد التولية التيهي مطلقة بالتولية التي هي شطر القبلة، وهو قول حسن. وقد ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} مسائل موضوعها علم الفقه منها: من صلى في ظلمة مجتهداً إلى جهة، ثم تبين أنه صلى لغير القبلة، ومسألةمن صلى على ظهر الدابة فرضاً لمرض أو نفلاً، ومسألة الصلاة على الميت الغائب، إذا قلنا نزلت في النجاشي، وشحنكتابه بذكر هذه المسائل، وذكر الخلاف فيها، وبعض دلائلها وموضوعها، كما ذكرناه هو علم الفقه. {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ }، هذاجواب الشرط، وهي جملة ابتدائية، فقيل: معناه فثمّ قبلة الله، فيكون الوجه بمعنى الجهة، وأضيف ذلك إلى الله حيث أمرباستقبالها، فهي الجهة التي فيها رضا الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل. وقيل: الوجه هنا صلة، والمعنى فثمّ اللهأي علمه وحكمه. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أو عبر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى:

{ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ }

{ كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }

، وقيل: المعنى العمل لله، قاله الفراء، قال:

أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

وقيل: يحتمل أن يراد بالوجه هنا: الجاه، كما يقال: فلان وجه القوم،أي موضع شرفهم، ولفلان وجه عند الناس: أي جاه وشرف. والتقدير: فثمّ جلال الله وعظمته، قاله أبو منصور في المقنع.وحيث جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى، فله محمل في لسان العرب، إذ هو لفظ يطلق على معان، ويستحيل أنيحمل على العضو، وإن كان ذلك أشهر فيه. وقد ذهب بعض الناس إلى أن تلك صفة ثابتة لله بالسمع، زائدةعلى ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. وضعف أبو العالية وغيره هذا القول، لأن فيه الجزم بإثبات صفة للهتعالى بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب إطراح هذا القول والإعتمادعلى ما له محمل في لسان العرب. إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه منالحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك. والمجازفي كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين. فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسانالعرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها. ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلكمسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً. وفي قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُٱللَّهِ } ردّ على من يقول: إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنهليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن. فحيث لم يخصصمكاناً، علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيهاعلى وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره. {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ عَلِيمٌ }: وصف تعالى نفسه بصفة الواسع، فقيلذلك لسعة مغفرته. وجاء:

{ إِنَّ رَبَّكَ وٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ }

، وهو معنى قول الكلبي: لا يتعاظمه ذنب. وقيل: واسع العطاء، وهومعنى قول أبي عبيدة: غني، ومعنى قول الفراء: جواد. وقيل: معناه عالم، من قوله:

{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }

، علىأحد التفاسير، وجمع بينه وبين عليم على سبيل التأكيد. وقيل: واسع القدرة. وقيل: معناه يوسع على عباده في الحكم دينهيسر. عليم: أي بمصالحهم أو بنيات القلوب التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهرها في قبلة وغيرها. وهذه التفاسير علىقول من قال: إن الآية نزلت في أمر القبلة. وقال القفال: ليس فيها ذكر القبلة والصلاة، وإنما أخبرهم تعالى عنعلمه بهم، وطوق سلطانه إياهم حيث كانوا، كقوله تعالى:

{ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ }

، الآية، وقوله:

{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ }

الآية، ويكون في هذا تهديد لمن منع مساجد الله من الذكر، وسعى في خرابها، أنه لا مهرب له من اللهولا مفر، كما قال تعالى:

{ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ * كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ }

، وكما قال:

فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

وقال:

ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ليعجز والمغتر بالله طالبه

وقال:

أين المفر ولا مفر لهارب وله البسيطان الثرى والماء

وعلى هذا المعنى يكون الخطاب عاماً مندرج فيه من منع المساجد من الذكروغيره. وجاءت هذه الجملة مؤكدة بأن مصرحاً باسم الله فيها دالة على الاستقلال. وقد قدّمنا ذلك في قوله:

{ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهِ }

، وكقوله:

{ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

، وذلك أفخم وأجزل من الضمير، لأن الضمير يشعر بقوةالتعلق والظاهر يشعر بالاستقلال. ألا ترى أنه يصح الابتداء به، وإن لم يلحظ ما قبله؟ بخلاف الضمير، فإنه رابط للجملةالتي هو فيها بالجملة التي قبلها. ألا ترى إلى أن أكثر ما ورد في القرآن من ذلك إنما جاء بالظاهر؟كما مثلناه، وكقوله:

{ فأقيمواٱلصَّلَوٰةَ إن ٱلصلاة كانت }

{ وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ }

، وقال:

ليت شعري وأين مني ليت إن ليتا وإن لوّا عناء

{وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَـٰنَهُ }: نزلتفي اليهود، إذ قالوا:

{ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }

، أو في النصارى، إذ قالوا:

{ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }

، أو في المشركين،إذ قالوا: الملائكة بنات الله، أو في النصارى والمشركين، أقوال أربعة، والأخير قاله الزجاج. ولاختلافهم في سبب النزول، اختلفوا فيالضمير في وقالوا، على من يعود؟ فقيل: هو عائد على الجميع من غير تخصيص. فإن كلاً منهم قد جعل للهولداً، قاله ابن إسحاق، والجمهور على قراءة: وقالوا بالواو، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها.وقيل: هو عطف على قوله: {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا }، فيكون معطوفاً على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذابعيد جداً، ينزه القرآن عن مثله. وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما: قالوا بغي واو، ويكون على استئناف الكلام، أوملحوظاً فيه معنى العطف، واكتفى بالضمير والربط به عن الربط بالواو. وقال الفارسي: وبغير واو هي في مصاحف أهل الشام.تقدم أن اتخذ: افتعل من الأخذ، وأنها تارة تتعدى إلى واحد نحو قوله:

{ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً }

، قالوا: معناه صنعت وعملت،وإلى اثنين فتكون بمعنى: صير. وكلا الوجهين يحتمل هنا. وكل من الوجهين يقتضي تصوره باستحالة الولد، لأن الولد يكون منجنس الوالد. فإن جعلت اتخذ بمعنى عمل وصنع، استحال ذلك، لأن الباري تعالى منزه عن الحدوث، قديم، لا أولية لقدمه،وما عمله محدث، فاستحال أن يكون ولد له. وإن جعلت اتخذ بمعنى صير، استحال أيضاً، لأن التصيير هو نقل منحال إلى حال، وهذا لا يكون إلا فيما يقبل التغيير، وفرضية الولد به تقتضي أن يكون من جنس الوالد لاتقتضي التغيير، فقد استحال ذلك. وإذا جعلت اتخذ بمعنى صير، كان أحد المفعولين محذوفاً، التقدير: وقالوا اتخذ بعض الموجودات ولداً.والذي جاء في القرآن إنما ظاهره التعدي إلى واحد، قال تعالى:

{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً }

{ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ }

{ وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً }

. وقال القشيري: أتى بالولد، وهو إحدى الذات، لا جزاء لذاته، ولاتجوز الشهوة في صفاته. انتهى. ولما كانت هذه المقالة من أفسد الأشياء وأوضحها في الاستحالة، أتى باللفظ الذي يقتضيالتنزيه والبراءة من الأشياء التي لا تجوز على الله تعالى، قبل أن يضرب عن مقالتهم ويستدل على بطلان دعواهم. وكانذكر التنزيه أسبق، لأن فيه ردعاً لمدعي ذلك، وأنهم ادعوا أمراً تنزه الله عنه وتقدس، ثم أخذ في إبطال تلكالمقالة فقال: {بَل لَّهُ مَا فِي * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }: أي جميع ذلك مملوك له، ومن جملتهم من ادعوا أنهولداً لله. والولادة تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده. وقد ذكر بعض المفسرين هنا مسألة من اشترى والد أوولده أو أحداً من ذوي رحمة، وموضوعها علم الفقه. ولما ذكر أن الكل مملوك لله تعالى، ذكر أنهم كلهم قانتونله، أي مطيعون خاضعون له. وهذه عادة المملوك، أن يكون طائعاً لمالكه، ممتثلاً لما يريده منه. واستدل بنتيجة الطواعية علىثبوت الملكية. ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الوالد، إذ الولد يكون من جنس الوالد. وأتى بلفظ ما في قوله:{بَل لَّهُ مَا فِي * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }، وإن كانت لما لا يعقل، لأن ما لا يعقل إذا اختلط بمنيعقل جاز أن يعبر عن الجميع بما. ولذلك قال سيبويه: وأما ما، فإنها مبهمة تقع على كل شيء، ويدل علىاندراج من يعقل تحت مدلول ما جمع الخبر بالواو والنون، التي هي حقيقة فيما يعقل، واندرج فيه ما لا يعقلعلى حكم تغليب من يعقل. فحين ذكر الملك، أتى بلفظة ما، وحين ذكر القنوت، أتى بجمع ما يعقل، فدل علىأن ذلك شامل لمن يعقل وما لا يعقل. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم معقوله قانتون؟ قلت: هو كقوله: سبحان ما سخركن لنا، وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، كقوله:

{ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً }

. انتهى كلامه، وهو جنوح منه إلى أن ما وقعت على من يعلم، ولذلك جعله كقوله:{مَا * وَقَالُواْ لَنَا }. يريد أن المعنى: سبحان من سخركن لنا، لأنها يراد بها الله تعالى. وما عندنا لايقع إلا لما لا يعقل، إلا إذا اختلط بمن يعقل، فيقع عليهما، كما ذكرناه، أو كان واقعاً على صفات منيعقل، فيعبر عنها بما. وأما أن يقع لمن يعقل، خاصة حالة إفراده أو غير إفراده، فلا. وقد أجاز ذلك بعضالنحويين، وهو مذهب لا يقوم عليه دليل، إذ جميع ما احتج به لهذا المذهب محتمل، وقد يؤول، فيؤول قوله: {سُبْحَانَ* مَا }، على أن سبحان غير مضاف، وأنه علم لمعنى التسبيح، فهو كقوله:

سبحــان مـــن علقمــة الفــاخــر

وما: ظرفيةمصدرية أي مدة تسخيركن لنا. والفاعل يسخر مضمر يفسره المعنى وسياق الكلام، إذ معلوم أن مسخرهن هو الله تعالى. وقولالزمخشري: وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، ليست ما هنا مختصة بمن يعقل، فتقول عبر عنهم بماالتي لما لا يعقل تحقيراً لهم، وإنما هي عامة لمن يعقل ولما لا يعقل. ومعنى قانتون: قائمون بالشهادة، قاله الحسن،أو في القيامة للعرض، قاله الربيع، أو مطيعون، قاله قتادة؛ أو مقرّون بالعبودية، قاله عكرمة. وقيل: قائمون بالله. وأورد علىمن يقول القنوت: القيام لله بالشهادة والعبودية، أنه: كيف عم بهذا القول وكثير ليس بمطيع؟ وأجيب: أن ظاهره العموم، والمعنىالخصوص، أي أهل كل طاعة له قانتون، وبأن الكفار يسجد ضلالهم، وبظهور أثر الصنعة فيه، وجرى أحكام الله عليه، وذلكدليل على تذلله لله تعالى، ذكره ابن الأنباري. {وَكُلٌّ * لَهُ }: مرفوع بالابتداء، والمضاف إليه محذوف، وهو عبارةعن من في السموات والأرض، أي كل من في السموات والأرض، وهو المحكوم عليهم بالملكية. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونكل من جعلوه لله ولداً، وهذا بعيد جداً، لأن المجعول لله ولداً لم يجر ذكره، ولأن الخبر يشترك فيه المجعولولداً وغيره. و{قَـٰنِتُونَ }: خبر عن كل، وجمع حملاً على المعنى. وكلّ، إذا حذف ما تضاف إليه، جاز فيها مراعاةالمعنى فتجمع، ومراعاة اللفظ فتفرد. وإنما حسنت مراعاة الجمع هنا، لأنها فاصلة رأس آية، ولأن الأكثر في لسانهم أنه إذاقطعت عن الإضافة كان مراعاة المعنى أكثر وأحسن. قال تعالى:

{ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ }

{ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ }

، و

{ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }

. وقد جاء إفراد الخبر كقوله:

{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ }

، وسيأتي إن شاء الله تعالى هناكذكر محسن إفراد الخبر. {بَدِيعُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }: لما ذكر أنه مالك لجميع من في السموات والأرض، وأنهمكلّ قانتون له، وهم المظروف للسموات والأرض، ذكر الظرفين وخصهما بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات. وارتفاع بديع علىأنه خبر مبتدأ محذوف، وهو من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل. فالمجرور مشبه بالمفعول، وأصله الأول بديع سمواته، ثم شبهالوصف فأضمر فيه، فنصب السموات، ثم جر من نصب. وفيه أيضاً ضمير يعود على الله تعالى، ويكون المعنى في الأصلأنه تعالى بدعت سمواته، أي جاءت في الخلق على شكل مبتدع لم يسبق نظيره. وهذا الوجه ابتدأ به الزمخشري، إلاأنه قال: وبديع السموات من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهذا ليس عندنا. كذلك بل من إضافة الصفة المشبهة إلىمنصوبها. والصفة عندنا لا تكون مشبهة حتى تنصب أو تخفض، وأما إذا رفعت ما بعدها فليس عندنا صفة مشبهة، لأنعمل الرفع في الفاعل يستوي فيه الصفات المتعدية وغير المتعدية. فإذا قلنا: زيد قائم أبوه، فقائم رافع للأب على حدّرفع ضارب له. إذا قلت: زيد ضارب أبوه عمراً، لا تقول: إن قائماً هنا من حيث عمل الرفع شبه بضارب،وإذا كان كذلك، فإضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه لا يجوز لما تقرّر في علم العربية، إلا إن أخذنا كلام الزمخشريعلى التجوّز فيمكن، ويكون المعنى من إضافة الصفة المشبهة إلى ما كان فاعلاً بها قبل أن يشبه. وحكى الزمخشري وجهاًثانياً قال: وقيل البديع بمعنى المبدع، كما أن السميع في قول عمرو:

أمــن ريحانــة الــداعي السميــع

بمعنى: المسمع، وفيه نظر.انتهى كلامه. وهذا الوجه لم يذكر ابن عطية غيره، قال: وبديع مصروف من مبدع، كبصير من مبصر، ومنه قول عمروبن معدى كرب:

أمن ريحانة الداعي السميـ ـع يؤرّقني وأصحابي هجوع

يريد: المسمعوالمبدع والمنشىء، ومنه أصحاب البدع، ومنه قول عمر بن الخطاب في صلاة رمضان: نعمت البدعة هذه، انتهى. والنظر الذي ذكرهالزمخشري، والله أعلم، أن فعيلاً بمعنى مفعل لا ينقاس مع أن بيت عمرو محتمل للتأويل. وعلى هذا الوجه يكون منباب إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وقرأ المنصور: بديع بالنصب على المدح، وقرىء بالجرّ على أنه بدل من الضمير في له.{وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }: لما ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدل علىطواعية المخترع وسرعة تكوينه. ومعنى قضى هنا: أراد، أي إذا أراد إنشاء أمر واختراعه. قال ابن عطية: وقضى: معناه قدر،وقد يجيء بمعنى: أمضى. ويتجه في هذه الآية المعنيان. فعلى مذهب أهل السنة: قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهبالمعتزلة: أمضى عند الخلق والإيجاد. والأمر: واحد الأمور، وليس هنا مصدر أمر يأمر. والمعتقد في هذه الآية أن الله لميزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات. وكل ما في الآية مما يقتضيالاستقبال فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكلّ ما استند إلى الله من قدرة وعلم فهوقديم لم يزل. انتهى ما نقلناه هنا من كلامه. وقال المهدوي: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا }، أي أتقنه وأحكمه وفرغ منه.ومعنى: فإنما يقول له كن فيكون، يقول من أجله. وقيل: قال له كن، وهو معدوم، لأنه بمنزلة الموجود، إذ هوعنده معلوم. قال الطبري: أمره للشيء بكن لا يتقدّم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهوموجود بالأمر، ولا موجوداً بالأمر إلا وهو مأمور بالوجود. قال: ونظيره قيام الأموات من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله ولايتأخر عنه، كما قال:

{ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلاْرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }

. فالهاء في له تعود على الأمر،أو على القضاء الذي دلّ عليه قضى، أو على المراد الذي دلّ عليه الكلام. انتهى ما نقلناه من كتابه. وقالمكي: معنى الآية أنه عالم بما سيكون وما هو كائن، فقوله: كن، إنما هو للموجود في علمه ليخرجه إلى العيانلنا. انتهى كلامه. وقال الزمخشري: كن فيكون، من كان التامة، أي أحدث فيحدث، وهذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول،ثم كما لا قول في قوله:

إذ قــالت الأنسـاع للبطــن ألحـق

وإنما المعنى: ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنمايتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف. كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع،ولا يكون منه الإباء. أكد بهذا استبعاد الولادة، لأن من كان بهذه الصفة من القدرة، كانت حاله مباينة لأحوال الأجسامفي توالدها. انتهى كلامه. وقال السجاوندي: كن على التمثيل لنفاذ الأمر، قال:

فقالت له العينان سمعاً وطاعة وإلا فالمعدوم كيف يخاطب

أو علامة للملائكة بحدوث الموجود، أو على تقدير ما تصوّر كونه في علمه، أو مخصوصفي تحويل الموجود من حال إلى حال، ولو كان كن مخلوقاً، لاحتاج إلى أخرى ولا يتناهي، فدكل على أن القرآنغير مخلوق. انتهى كلامه. قال المهدوي: وفي هذه الآية دليل على أن كلام الله غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقاًلكان قائلاً له: كن، ولكان قائلاً: لكن كن، حتى ينتهي ذلك إلى ما لا يتناهى، وذلك مستحيل مع ما يؤدّيإليه ذلك من أنه لا يوجد من الله فعل ألبتة، إذ لا بد أن يوجد قبله أفعال، هي أقاويل لاغاية لها، وذلك مستحيل. ولا يجوز أن يحمل على المجاز، إذ ذلك إنما يكون في الجمادات، ولا يكون فيمن يصحمنه القول إلا بدليل. ويقوي ذلك أن المصدر فيه الذي هو قولنا من قوله:

{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

، وكد بمصدر آخر، وهو أن نقول، وأهل العربية مجمعون، على أنهم إذا أكدوا الفعل بالمصدركان حقيقة، ولذلك جاء قوله:

{ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً }

، إذ كان الله تعالى متولي تكليمه. وقد قيل: إن معنىفإنما يقول له كن فيكون بكونه. انتهى كلام المهدوي. وقال في المنتخب: كن فيكون ليس المراد أنه تعالى يقول كن،فحينئد يكون ذلك الشيء، فإن ذلك فاسد من وجوه، فلا بد من تأويله، وفيه وجوه: الأول: وهو الأقوى، أن المرادنفاذ سرعة قدرة الله في تكوين الأشياء، وإنما يخلقها لا لفكرة، ونظيرة

{ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }

. الثاني: أنها علامة يعقلهاالملائكة، إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، قاله أبو الهذيل. الثالث: أنه جاء للموجودين الذين قال لهم:

{ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ }

، ومن جرى مجراهم، وهو قول الأصم. الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت، وللموتى بالحياة، والكل ضعيف، والقوي هو الأول. انتهىكلامه. هذا ما نقلناه من كلام أهل التفسير في الآية. وظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إذا أرادإحداث شيء قال له: كن، تبينه الآية الأخرى:

{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

، وقوله:

{ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }

. لكن دليل العقل صد عن اعتقاد مخاطبة المعدوم، وصد عن أن يكون اللهتعالى محلاً للحوادث، لأن لفظة كن محدثة، ومن يعقل مدلول اللفظ. وكونه يسبق بعض حروفه بعضاً، لم يدخله شك فيحدوثه، وإذا كان كذلك، فلا خطاب ولا قول لفظياً، وإنما ذلك عبارة عن سرعة الإيجاد وعدم اعتياصه، فهو من مجازالتمثيل، وكأنه قدر أن المعدوم موجود يقبل الأمر ويمتثله بسرعة، بحيث لا يتأخر عن امتثال ما أمر به. وقرأ الجمهور:فيكون بالرفع، ووجه على أنه على الاستئناف، أي فهو يكون، وعزى إلى سيبويه. وقال غيره: فيكون عطف على يقول، واختارهالطبري وقرّره. وقال ابن عطية: وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين حادث، وقد انتهى مارده به ابن عطية. ومعنى رده: أن الأمر عنده قد تم، والتكوين حادث، وقد نسق عليه بالفاء، فهو معه، أييعتقبه، فلا يصح ذلك، لأن القديم لا يعتقبه الحادث. وتقرير الطبري له هو ما تقدم في أوائل الكلام على هذهالمسألة، من أن الأمر لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه. وما رده به ابن عطية لا يتم إلا بأن تحملالآية على أن ثم قولاً وأمراً قديماً. أما إذا كان ذلك على جهة المجاز، ومن باب التمثيل، فيجوز أن يعطفعلى نقول. وقرأ ابن عامر: فيكون بالنصب، وفي آل عمران:

{ كُنْ فَيَكُونُ }

ونعلمه، وفي النحل، وفي مريم، وفييس، وفي المؤمن. ووافقه الكسائي في النحل ويس، ولم يختلف في {كُنْ فَيَكُونُ } الحق في آل عمران.

{ وَكُنْ فَيَكُونُ }

قوله الحق في الأنعام أنه بالرفع، ووجه النصب أنه جواب على لفظ كن، لأنه جاء بلفظ الأمر، فشبهبالأمر الحقيقي. ولا يصح نصبه على جواب الأمر الحقيقي، لأن ذلك إنما يكون على فعلين ينتظم منهما شرط وجزاء نحوه:ائتني فأكرمك، إذ المعنى: إن تأتني أكرمك. وهنا لا ينتظم ذلك، إذ يصير المعنى: إن يكن يكن، فلا بد مناختلاف بين الشرط والجزاء، إما بالنسبة إلى الفاعل، وإما بالنسبة إلى الفعل في نفسه، أو في شيء من متعلقاته. وحكىابن عطية، عن أحمد بن موسى، في قراءة ابن عامر: أنها لحن، وهذا قول خطأ، لأن هذه القراءة في السبعة،فهي قراءة متواترة، ثم هي بعد قراءة ابن عامر، وهو رجل عربي، لم يكن ليلحن. وقراءة الكسائي في بعض المواضع،وهو إمام الكوفيين في علم العربية، فالقول بأنها لحن، من أقبح الخطأ المؤثم الذي يجر قائله إلى الكفر، إذ هوطعن على ما علم نقله بالتواتر من كتاب الله تعالى. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَاءايَةٌ }: قال ابن عباس، والحسن، والربيع، والسدي: نزلت في كفار العرب حين، طلب عبد الله بن أمية وغيره ذلك.وقال مجاهطد: في النصارى، ورجحه الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولاً. وقال ابن عباس أيضاً: اليهود الذين كانوا في عهدرسول الله ﷺ. قال رافع بن خزيمة، من اليهود: إن كنت رسولاً من عند الله، فقل للهيكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله الآية. وقال قتادة: مشركو مكة. وقيل: الإشارة بقوله: {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } إلى جميعهذه الطوائف، لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، واختلافهم في الموصول مبني على اختلافهم في السبب. فإن كان الموصول الجهلة منالعرب، فنفى عنهم العلم، لأنهم لم يكن لهم كتاب، ولا هم أتباع نبوّة، وإن كان الموصول اليهود والنصارى، فنفى عنهمالعلم، لانتفاء ثمرته، وهو الاتباع له والعمل بمقتضاه. وحذف مفعول العلم هنا اقتصاراً، لأن المقصود إنما هو نفي نسبة العلمإليهم، لا نفي علمهم بشيء مخصوص، فكأنه قيل: وقال الذين ليسوا ممن له سجية في العلم لفرط غباوته، فهي مقالةصدرت ممن لا يتصف بتمييز ولا إدراك. ومعمول القول، الجملة التخصيصية وهي: {لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ }؛ كما يكلم الملائكة، وكماكلم موسى عليه السلام، قالوا ذلك على طريقة الاستكبار والعتو، {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ }، أي هلا يكون أحد هذين، إماالتكلم، وإما إتيان آية؟ قالوا ذلك جحوداً لأن يكون ما أتاهم آية واستهانة بها. ولما حكى عنهم نسبة الولد إلىالله تعالى، أعقب ذلك بمقالة أخرى لهم تدل على تعنتهم وجهلهم بما يجب لله تعالى من التعظيم وعدم الاقتراح علىأنبيائه. {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ }: تقدم الكلام في إعراب كذلك، وفي تبيين وقوع من قبلهمصلة للذين في قوله:

{ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

والذين من قبلهم. إن فسر الموصول في الذين لايعلمون بكفار العرب، أو مشركي مكة، فالذين من قبلهم هم الأمم المكذبة من أسلافهم وغيرهم. وإن فسر باليهود أو النصارى،فالذين من قبلهم أسلافهم، وانتصاب مثل قولهم على البدل من موضع الكاف. ولا تدل المثلية على التماثل في نفس المقول،يل يحتمل أن من قبلهم اقترحوا غير ذلك، وأن المثلية وقعت في اقتراح ما لا يليق سؤاله، وإن لم تكننفس تلك المقالة، إذ المثلية تصدق بهذا المعنى. {تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ }: الضمير عائد على {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }، {وَٱلَّذِينَ مِنقَبْلِهِمْ }. لما ذكر تماثل المقالات، وهي صادرة عن الأهواء والقلوب، ذكر تماثل قلوبهم في العمى والجهل، كقوله تعالى:

{ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ }

. قيل: تشابهت قلوبهم في الكفر. وقيل: في القسوة. وقيل: في التعنت والاقتراح. وقيل: في المحال. وقرأ ابن أبيإسحاق، وأبو حيوة: تشابهت، بتشديد الشين. وقال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز، لأنه فعل ماض، يعني أن اجتماع التاءينالمزيدتين لا يكون في الماضي، إنما يكون في المضارع نحو: تتشابه، وحينئذ يجوز فيه الإدغام. أما الماضي فليس أصله تتشابه.وقد مر نظير هذه القراءة في قوله:

{ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا }

، وخرجنا ذلك على تأويل لا يمكن هنا، فيتطلبهنا تأويل لهذه القراءة. {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }: أي أوضحنا الآيات، فاقتراح آية مع تقدم مجيء آياتوإيضاحها، إنما هو على سبيل التعنت. هذا، وهي آيات مبينات، لا لبس فيها، ولا شبهة، لشدة إيضاحها. لكن لا يظهركونها آيات إلا لمن كان موقناً، أما من كان في ارتياب، أو شك، أو تغافل، أو جهل، فلا ينفع فيهالآيات، ولو كانت في غاية الوضوح. ألا ترى إلى قولهم:

{ إِنَّمَا سُكّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ }

؟ وقول أبيجهل، وقد سأل أهل البوادي الوافدين إلى مكة عن انشقاق القمر، فأخبروه به، فقال بعد ذلك: هذا سحر مستمر. ولماذكر أن اقتراح ما تقدم إنما هو من أهواء الذين لا يعلمون، قال في آخرها: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }. والإيقان: وصففي العلم يبلغ به نهاية الوثاقة في العلم، أي من كان موقناً، فقد أوضحنا له الآيات، فآمن بها، ووضحت عنده،وقامت به الحجة على غيره. وفي جميع الآيات رد على من اقتراح آية، إذ الآيات قد بينت، فلم يكن آيةواحدة، فيمكن أن يدعي الالتباس فيها، بل ذلك جمع آيات بينات، لكن لا ينتفع بها إلا من كان من أهلالعلم والتبصر واليقين. {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا }: بشيراً لمن آمن، ونذيراً لمن كفر. وهذه الآية تسلية لرسولالله ﷺ، فإنه كان يضيق صدره لتماديهم على ضلالهم. ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكرأنه بين الآيات، ذكر من بينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه ﷺ ليعلم أنه هو صاحب الآياتفقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ }، أي بالآيات الواضحة، وفسر الحق هنا بالصدق وبالقرآن وبالإسلام. وبالحق في موضع الحال، أي أرسلناكومعك الحق لا يزايلك. وانتصاب بشيراً ونذيراً على الحال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالاً من الحق، لأن ما جاءبه من الحق يتصف أيضاً بالبشارة والنذارة. والأظهر الأول. وعدل إلى فعيل للمبالغة، لأن فعيلاً من صفات السجايا، والعدل فيبشير للمبالغة، مقيس عند سيبويه، إذا جعلناه من بشر لأنهم قالوا بشر مخففاً، وليس مقيساً في نذير لأنه من أنذر،ولعل محسن العدل فيه كونه معطوفاً على ما يجوز ذلك فيه، لأنه قد يسوغ في الكلمة مع الاجتماع مع مايقابلها ما لا يسوغ فيها لو انفردت، كما قالوا: أخذه ما قدم وما حدث وشبهة. {وَلاَ تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِٱلْجَحِيمِ }: قراءة الجمهور: بضم التاء واللام. وقرأ أبي: وما تسأل. وقرأ ابن مسعود: ولن تسأل، وهذا كله خبر. فالقراءةالأولى، وقراءة أبي يحتمل أن تكون الجملة مستأنفة، وهو الأظهر، ويحتمل أن تكون في موضع الحال. وأما قراءة ابن مسعودفيتعين فيها الاستئناف، والمعنى على الاستئناف أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس إليك،

{ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ }

{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ }

{ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ }

. وفي ذلك تسلية له صلى اللهعليه وسلم، وتخفيف ما كان يجده من عنادهم، فكأنه قيل: لست مسؤولاً عنهم، فلا يحزنك كفرهم. وفي ذلك دليل علىأن أحداً لا يسأل عن ذنب أحد،

{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }

. وأما الحال فعطف على ما قبلها منالحال، أي وغير مسؤول عن الكفار ما لهم لا يؤمنون، فيكون قيداً في الإرسال، بخلاف الاستئناف. وقرأ نافع ويعقوب: ولاتسأل، بفتح التاء وجزم اللام، وذلك على النهي، وظاهره: أنه نهى حقيقة، نهى ﷺ أن يسأل عنأحوال الكفار. قال محمد بن كعب القرظي: قال النبي ﷺ: «ليت شعري ما فعل أبواي»، فنزلت، واستبعدفي المنتخب هذا، لأنه عالم بما آل إليه أمرهما. وقد ذكر عياض أنهما أحييا له فأسلما. وقد صح أن اللهأذن له في زيارتهما، واستبعد أيضاً ذلك، لأن سياق الكلام يدل على أن ذلك عائد على اليهود والنصارى ومشركي العرب،الذين جحدوا نبوّته، وكفروا عناداً، وأصروا على كفرهم. وكذلك جاء بعده: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ } إلا إنكان ذلك على سبيل الانقطاع من الكلام الأول، ويكون من تلوين الخطاب وهو بعيد. وقيل: يحتمل أن لا يكون نهياًحقيقة، بل جاء ذلك على سبيل تعظيم ما وقع فيه أهل الكفر من العذاب، كما تقول: كيف حال فلان، إذاكان قد وقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه. ووجه التعظيم: أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ماذلك الشخص فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشهالسامع وإضجاره، فلا تسأل، فيكون معنى التعظيم: إما بالنسبة إلى المجيب، وإما بالنسبة إلى المجاب، ولا يراد بذلك حقيقة النهي.{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }: روي أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله صلىالله عليه وسلم الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعاً منهم، فأطلعه الله على سر خداعهم، فنزلت نفي الله رضاهمعنه إلا بمتابعة دينهم، وذلك بيان أنهم أصحاب الجحيم الذين هم أصحابها، لا يطمع في إسلامهم. والظاهر أن قوله تعالى:{وَلَن تَرْضَىٰ } خطاب للنبي ﷺ، علق رضاهم عنه بأمر مستحيل الوقوع منه ﷺ،وهو اتباع ملتهم. والمعلق بالمستحيل مستحيل، سواء فسرنا الملة بالشريعة، أو فسرناها بالقبلة، أو فسرناها بالقرآن. وقيل: هو خطاب له،وهو تأديب لأمته، فإنهم يعلمون قدره عند ربه، وإنما ذلك ليتأدب به المؤمنون، فلا يوالون الكافرين، فإنهم لا يرضيهم منهمإلا اتباع دينهم. وقيل: هو خطاب له، والمراد أمته، لأن المخاطب لا يمكن ما خوطب به أن يقع منه، فيصرفذلك إلى من يمكن ذلك منه، مثل قوله:

{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }

، ويكون تنبيهاً من الله على أن اليهودوالنصارى يخادعونكم بما يظهرون من الميل وطلب المهادنة والوعد بالموافقة، ولا يقع رضاهم إلا باتباع ملتهم. ووحدت الملة، وإن كانلهم ملتان، لأنهما يجمعهما الكفر، فهي واحدة بهذا الاعتبار، أو للإيجاز فيكون من باب الجمع في الضمير، نظير:

{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }

لأن المعلوم أن النصارى لن ترضى حتى تتبع ملتهم، واليهود لن ترضى حتى تتبع ملتهم. وقداختلف العلماء في الكفر، أهو ملة واحدة أو ملل؟ وثمرة الخلاف تظهر في الارتداد من ملة إلى ملة، وفي الميراث،وذلك مذكور في الفقه. {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ }: أمره أن يخاطبهم بأن هدى الله، أي الذيهو مضاف إلى الله، وهو الإسلام الذي أنت عليه، هو الهدى، أي النافع التام الذي لا هدى وراءهم، وما أمرتمباتباعه هو هوى لا هدى،

{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ }

. وأكد الجملة بأن وبالفصل الذيقبل، فدل على الاختصاص والحصر، وجاء الهدى معرّفاً بالألف واللام، وهو مما قيل: إن ذلك يدل على الحصر، فإذا قلت:زيد العالم، فكأنه قيل: هو الخصوص بالعلم والمحصور فيه ذلك. ثم ذكر تعالى أن ما هم عليه إنما هي أهواءوضلالات ناشئة عن شهواتهم وميولهم، فقال: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّوَلاَ نَصِيرٍ }: وهو خطاب للنبي ﷺ على الأقوال التي في قوله: {وَلَن تَرْضَىٰ }. واللام فيلئن تسمى الموطئة والمؤذنة، وهي تشعر بقسم مقدر قبلها، ولذلك يبنى ما بعد الشرط على القسم لا على الشرط، إذلو بنى على الشرط لدخلت الفاء في قوله: {مَا لَكَ }. والأهواء: جمع هوى، وكان الجمع دليلاً على كثرة اختلافهم،إذ لو كانوا على حق لكان طريقاً واحداً،

{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً }

. وأضافالأهواء إليهم لأنها بدعهم وضلالاتهم، ولذلك سمى أصحاب البدع: أرباب الأهواء. {مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }: أي من الدين وجعلهعلماً، لأنه معلوم بالبراهين الصحيحة، وتدل هذه الآية على أمور منها: أن من علم الله منه أنه لا يفعل الشيء،يجوز أن يخاطب بالوعيد لاحتمال أن يكون الصارف له ذلك الوعيد، أو يكون ذلك الوعيد أحد الصوارف، ونظيره: لئن أشركتليحبطن عملك. ومنها، إن قوله: {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد المعذرةأولاً، فيبطل بذلك تكليف ما لا يطاق. ومنها: أن اتباع الهوى باطل، فيدل على بطلان التقليد. وقد فسر العلم هنابالقرآن، وبالعلم بضلال القوم، وبالبيان بأن دين الله هو الإسلام، وبالتحول إلى الكعبة، قاله ابن عباس. وفي قوله؛ {مَا لَكَمِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ }، قطع لأطماعهم أن تتبع أهواؤهم، لأن من علم أنه لا ولي له ولانصير ينفعه إذا ارتكب شيئاً كان أبعد في أن لا يرتكبه، وذلك إياس لهم في أن يتبع أهواءهم أحد، وقدتقدّم الكلام في الوليّ والنصير، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }،قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا اثنين وثلاثين من أهل الحبشة،وثمانية من رهبان الشام. وقيل: كان بعضهم من أهل نجران، وبعضهم من أهل الحبشة، ومن الروم، وثمانية ملاحون أصحاب السفينةأقبلوا مع جعفر. وقال الضحاك: هم من آمن من اليهود، كابن سلام، وابن صوريا، وابن يامين، وغيرهم. وقيل: في علماءاليهود وأحبار النصارى. وقال ابن كيسان: الأنبياء والمرسلون. وقيل: المؤمنون. وقيل: الصحابة، قاله عكرمة وقتادة. وعلى هذا الاختلاف، يتنزل الاختلاففي الكتاب، أهو التوراة أو الإنجيل؟ أو هما والقرآن؟ أو الجنس؟ فيكون يعني به به المكتوب، فيشمل الكتب المتقدمة. {يَتْلُونَهُحَقَّ تِلاَوَتِهِ }: أي يقرؤونه ويرتلونه بإعرابه. وقال عكرمة: يتبعون أحكامه. وقال الحسن: يعملون بمحكمه ويكلون متشابهه إلى الله. وقالعمر: يسألون من رحمته ويستعيذون من عذابه. وقال الزمخشري: لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلىالله عليه وسلم. والذين: مبتدأ، فإن أريد به الخصوص في من اهتدى، صح أن يكون يتلونه خبراً عنه، وصح أنيكون حالاً مقدرة إما من ضمير المفعول، وإما من الكتاب، لأنهم وقت الإيتاء لم يكونوا تالين له، ولا كان هومتلواً لهم، ويكون الخبر إذ ذاك في الجملة من قوله: {أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }. وجوز الحوفي أن يكون يتلونه خبراً،وأولئك وما بعده خبر بعد خبر. قال مثل قولهم: هذا حلو حامض، وهذا مبني على أنه هل يقتضي المبتدأ الواحدخبرين؟ ألم لا يقتضي إلا إذا كان في معنى خبر واحد كقولهم: هذا حلو حامض، أي مز، وفي ذلك خلاف.وإن أريد بالذين آتيناهم الكتاب العموم، كان الخبر أولئك يؤمنون به، قالوا، ومنهم ابن عطية: ويتلونه حال لا يستغنى عنها،وفيها الفائدة، ولا يجوز أن يكون خبراً، لأنه كان يكون كل مؤمن يتلو الكتاب، وليس كذلك بأي تفسير فسرت التلاوة.ونقول: ما لزم في الامتناع من جعلها خبراً، يلزم في الحال، لأنه ليس كل مؤمن يكون على حالة التلاوة بأيتفسير فسرتها. وانتصب حق تلاوته على المصدر، كما تقول: ضربت زيداً حق ضربه، وأصله تلاوة حقاً. ثم قدّم الوصف، وأضيفإلى المصدر، وصار نظير: ضربت شديد الضرب، إذ أصله: ضرباً شديداً. وجوزوا أن يكون وصفاً لمصدر محذوف، وأن يكون منصوباًعلى الحال من الفاعل، أي يتلونه محقين. وقال ابن عطية: وحق مصدر والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى، ولا يجوزإضافته إلى واحد معرّف، وإنما جازت عنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرّف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم:رجل واحد أمه، ونسيج وحده. انتهى كلامه. وأولئك يؤمنون به: ظاهره أن الضمير في به يعود إلى ما يعود عليهالضمير في يتلونه، وهو الكتاب، على اختلاف الناس في الكتاب. وقيل: يعود على النبي ﷺ، قالوا: وإنلم يتقدّم له ذكر، لكن دلت قوة الكلام عليه، وليس كذلك، بل قد تقدم ذكره في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ}، لكن صار ذلك التفاتاً وخروجاً من خطاب إلى غيبة. وقيل: يعود على الله تعالى، ويكون التفاتاً أيضاً وخروجاً منضمير المتكلم المعظم نفسه إلى ضمير الغائب المفرد. قال ابن عطية: ويحتمل عندي أن يعود الضمير على الهدى الذي تقدّم،وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في الآية، وحذر رسوله من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأن هدى الله هو الهدى الذيأعطاه وبعثه به. ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذلك الهدى المقتدون بأنواره. انتهى كلامه، وهومحتمل لما ذكر. لكن الظاهر أن يعود على الكتاب لتتناسب الضمائر ولا تختلف، فيحصل التعقيد في اللفظ، والإلباس في المعنى،لأنه إذا كان جعل الضمائر المتناسبة عائدة على واحد، والمعنى فيها جيد صحيح الإسناد، كان أولى من جعلها متنافرة، ولانعدل إلى ذلك إلا بصارف عن الوجه الأول، إمّا لفظي، وإمّا معنوي، وإلى عوده على الكتاب ذهب الزمخشري. {وَمنيَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }: الضمير في به في هذه الجملة فيه من الخلاف ما فيه من الجملة السابقة،والظاهر كما قلناه، إنه عائد على الكتاب، ولم يعادل بين الجملتين في التركيب الخبري غير الشرطي أو الشرطي. بل قصدفي الأولى إلى ذكر الحكم من غير تعليق عليه، ودل مقابلة الخسران على ربح من آمن به وفوزه ووفور حظهعند الله، فاكتفى بثبوت السبب عن ذكر المسبب عنه. وقصد في الجملة الثانية إلى ذكر المسبب على تقدير حصول السبب،فكان في ذلك تنفير عن تعاطي السبب لما يترتب عليه من المسبب الذي هو الخسران ونقص الحظ، وأخرج ذلك فيجملة شرطية حمل فيها الشرط على لفظ من، والجزاء على معناها. وهم: محتمل أن يكون مبتدأ وأن يكون فصلاً. وعلىكلا التقديرين يكون في ذلك توكيد. وفي المنتخب الذي يليق به هذا الوصف، هو القرآن. وأولئك: الأولى عائدة على المؤمنين،والثانية عائدة على الكفار. والدليل عليه، أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب، فلما ذم طريقتهم وحكى سوء أفعالهم، أتبعذلك بمدح من ترك طريقتهم، بأن تأمل التوراة وترك تحريفها، وعرف منها صحة نبوة النبي ﷺ. انتهى.والتلاوة لها معنيان: القراءة لفظاً، والاتباع فعلاً. وقد تقدم ما نقل في تفسير التلاوة هنا، والأولى أن يحمل على كلتلك الوجوه، لأنها مشتركة في المفهوم، وهو أن بينها كلها قدراً مشتركاً، فينبغي أن يحمل عليه لكثرة الفوائد. {ٱلْخَـٰسِرُونَ يَـٰبَنِىإِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُمِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }: كرر نداء بني إسرائيل هنا، وذكرهم بنعمه على سبيل التوكيد، إذأعقب ذلك النداء ذكر نداء ثان يلي ذكر الطائفتين متبعي الهدى والكافرين المكذبين بالآيات. وهذا النداء أعقب ذكر تلك الطائفتينمن المؤمنين والكافرين. وكان ما بين النداءين قصص بني إسرائيل، وما أنعم الله به عليهم، وما صدر منهم، من أفعالهمالتي لا تليق بمن أنعم الله عليه، من المخالفات والكذب والتعنتات، وما جوزوا به في الدنيا على ذلك، وما أعدّلهم في الآخرة محشواً بين التذكيرين ومجعولاً بين الوعظين والتخويفين ليوم القيامة. ونظير ذلك في الكلام أن تأمر شخصاً بشيءعلى جهة الإجمال، ثم تفصل له ذلك الشيء إلى أشياء كثيرة عديدة، وأنت تسردها له سرداً، وكل واحدة منها هيمندرجة تحت ذلك الأمر السابق. ويطول بك الكلام حتى تكاد تتناسى ما سبق من ذلك الأمر، فتعيده ثانية، لتتذكر ذلكالأمر، وتصير تلك التفصيلات محفوفة بالأمرين المذكورين بهما. ولم تختلف هذه الآية مع تلك السابقة إلا في قوله هناك:{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ }، وقال هنا: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ }. وقد ذكرناهناك ما ناسب تقديم الشفاعة هناك على العدل، وتأخيرها هنا عنه، ونسبة القبول هناك للشفاعة، والنفع هنا لها، فيطالع هناك.وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الأخبار عن مجاوزة الحد في الظلم ممن عطل بيوت الله من الذكر وسعي فيخرابها، مع أنها من حيث هي منسوبة إلى الله، وهي محالّ ذكره وإيواء عباده الصالحين، كان ينبغي أن لا يدخلوهاإلا وهم وجلون خائفون، متذكرون لمن بنيت، ولما يذكر فيها. ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم فيالآخرة. ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليسمختصاً بحيز ولا مكان. وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة. ثم أخبر عنهمبأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرضملك له، خاضعون طائعون. ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلكالفاعل لهما، لا مثال له. ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه،والبارىء لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له،وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلكثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية. وقد نزلتآيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنهتعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها. ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراًلمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة،فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت. ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهمعن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليهمن ملة الكفر واتباع الأهواء. ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصرهولا يمنعه من عذاب الله. وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مماغاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن منكفر به حق عليه الخسران. ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم،وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه. ثم أعرض في معظم القرآن عنندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهكوناداك مرة ومرة ومرة:

لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } * { وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } * { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } * { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } * { رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } * { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[عدل]

إبراهيم: اسم علم أعجمي. قيل: ومعناه بالسريانية قبل النقل إلى العلمية: أب رحيم،وفيه لغى ست: إبراهيم بألف وياء وهي الشهيرة المتداولة، وبألف مكان الياء، وبإسقاط الياء مع كسر الهاء، أو فتحها، أوضمها، وبحذف الألف والياء وفتح الهاء، قال عبد المطلب:

نحن آل الله في كعبته لم نزل ذاك على عهد إبراهم

وقال زيد بن عمرو بن نفيل:

عذت بما عاذ به إبراهم إذ قال وجهي لك عان راغم

الإتمام: الإكمال، والهمزة فيه للنقل. ثم الشيء يتم: كمل، وهو ضدالنقص. الإمام: القدوة الذي يؤتم به، ومنه قيل لخيط البناء: إمام، وللطريق: إمام، وهو مفرد على فعال، كالإزار للذي يؤتزربه، ويكون جمع آم، اسم فاعل من أم يؤم، كجائع وجياع، وقائم وقيام، ونائم ونيام. الذرية: النسل، مشتقة من ذروت،أو ذريت، أو ذرأ الله الخلق، أو الذر. ويضم ذالها، أو يكسر، أو يفتح. فأما الضم فيجوز أن تكون ذرية،فعيلة من ذرأ الله الخلق، وأصله ذريئة، فخففت الهمزة بإبدالها ياء، كما خففوا همزة النسيء فقالوا: النسيّ، ثم أدغموا الياءالتي هي لام الفعل التي هي للمد. ويجوز أن تكون فعولة من ذروت، الأصل ذرووة، أبدلت لام الفعل ياء. اجتمعلك واو وياء واو المد والياء المنقلبة عن الواو التي هي لام الفعل، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت واو المد ياء،وأدغمت في الياء، وكسر ما قبلها، لأن الياء تطلب الكسر. ويجوز أن تكون فعيلة من ذرت، أصلها ذريوة، اجتمعت ياءالمد والواو التي هي لام الكلمة وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت ياء المد فيها. ويجوز أن تكون فعولةأو فعيلة من ذريت لغة في ذروت، فأصلها أن تكون فعولة ذروية، وإن كان فعيلة ذريية، ثم أدغم. ويجوز أنتكون فعيلة من الذر منسوبة، أو فعلية من الذر غير منسوبة، أو فعيلة، كمريقة، أو فعول، كسبوح وقدوس، أو فعلولة،كقـردودة الظهر، فضم أولها إن كان اسماً، كقمرية، وإن كانت منسوبة، كما قالوا في النسب إلى الدهر: دهري، وإلى السهل،سهلي. وأصل فعيلة من الذر: ذريرة، وفعولة من الذر: ذرورة، وكذلك فعلولة، أبدلت الراء الآخرة في ذلك ياء كراهة التضعيف،كما قالوا في تسررت؛ تسريت. وأما من كسر ذال ذرية، فيحتمل أن تكون فعيلة من ذرأ الله الخلق، كبطيخة، فأبدلتالهمزة ياء، وأدغمت في ياء المد، أو فعلية من الذر منسوبة على غير قياس، أو فعيلة من الذر أصله ذريرة،أو فعليل، كحلتيت. ويحتمل أن تكون ذريوة من ذروت، أو فعيلة ذريئة من ذريت. وأما من فتح ذال ذرية، فيحتملأن تكون فعيلة من ذرأ، مثل سكينة، أو فعولة من هذا أيضاً، كخروبة. فالأصل ذروءة، فأبدلت الهمزة ياء بدلاً مسموعاً،وقلبت الواو ياء وأدغمت. ويحتمل أن تكون فعيلة من الذر غير منسوبة، كبرنيه، أو منسوبة إلى الذر، أو فعولة، كخروبهمن الذر أصلها ذرورة، ففعل بها ما تقدم، أو فعلولة، كبكولة، فالأصل ذرورة أيضاً، أو فعيلة، كسكينة ذريرة، فقلبت الراءياء في ذلك كله، ويحتمل أن يكون من ذروت فعيلة، كسكينة، فاوصل ذريوة، أو من ذريت ذريية، أو فعولة منذروت أو ذريت. وأما من بناها على فعلة، كجفنة، وقال ذرية، فإنها من ذريت. النيل: الإدراك. نلت الشيء أناله نيلاً،والنيل: العطاء. البيت: معروف، وصار علماً بالغلبة على الكعبة، كالنجم للثريا. الأمن: مصدر أمن يأمن، إذا لم يخف واطمأنت نفسه.المقام: مفعل من القيام، يحتمل المصدر والزمان والمكان. اسماعيل: اسم أعجمي علم، ويقال إسماعيل باللام وإسماعين بالنون، قال:

قال جواري الحي لماجينا هذا ورب البيت اسماعينا

ومن غريب ما قيل في التسمية به أنإبراهيم كان يدعو أن يرزقه الله ولداً ويقول: اسمع إيل، وايل هو الله تعالى. التطهير: مصدر طهر، والتضعيف فيه للتعدية.يقال: طهر الشيء طهارة: نطف. الطائف: اسم فاعل من طاف به إذا دار به، ويقال أطاف: بمعنى طاف، قال:

أطـافت بـه جيـلان عنـد فطامـه

والعاكف: اسم فاعل من عكف بالشيء: أقام به ولازمه، قال:

عليــه الطيــر تــرقبــه عكوفــا

وقال يعكفونعلى أصنام لهم: أي يقيمون على عبادتها. البلد: معروف، والبلد الصدر، وبه سمي البلد لأنه صدر القرى. يقال: وضعت الناقةبلدتها إذا بركت. وقيل: سمي البلد بمعنى الأثر، ومنه قيل بليد لتأثير الجهل فيه، ومنه قيل لبركة البعير بلدة لتأثيرهافي الأرض إذ بركت، قال:

أنيخت فألقت بلدة بعد بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها

والبارك: البارك بالبلد. الاضطرار: هو الإلجاء إلى الشيء والإكراه عليه، وهو افتعل من الضر، أصله:اضترار، أبدلت التاء طاء بدلاًلازماً، وفعله متعد، وعلى ذلك استعماله في القرآن، وفي كلام العرب، قال:

اضطـرك الحـرز مـن سلمى إلى أجـأ

المصير: مفعلمن صار يصير، فيكون للزمان والمكان، وأما المصدر فقياسه مفعل بفتح العين، لأن ما كسرت عين مضارعة فقياسه ما ذكرناه،لكنّ النحويين اختلفوا فيما كان عينه ياء من ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه كالصحيح، فيفتح في المصدر ويكسر فيالزمان والمكان. الثاني: أنه مخير فيه. الثالث: أنه يقتصر على السماع، فما فتحت فيه العرب فتحنا، وما كسرت كسرنا. وهذاهو الأولى. القواعد: قال الكسائي والفراء: هي الجدر، وقال أبو عبيدة: الأساس، قال:

في ذروة من بقاع أولهم زانت عواليها قواعدها

وبالأساس فسرها ابن عطية أولاً والزمخشري وقال: هي صفة غالبة، ومعناها الثانية، ومنهقعدك الله، أي أسأل الله أن يقعدك، أي يثبتك. انتهى كلامه. والقواعد من النساء جمع قاعد، وهي التي قعدت عنالولد، وسيأتي الكلام على كون قاعد لم تأت بالتاء في مكانه، إن شاء الله تعالى. الأمة: الجماعة، وهو لفظ مشتركينطلق على الجماعة، والواحد المعظم المتبوع، والمنفرد في الأمر والدين والحين. والأم: هذه أمة زيد، أي أمه، والقامة والشجة التيتبلغ أم الدماغ، وأتباع الرسل، والطريقة المستقيمة، والجيل. المناسك: جمع منسك ومنسك، والكسر في سين منسك شاذ، لأن اسم المصدروالزمان والمكان من يفعل بضم العين، أو فتحها مفعل بفتح العين إلا ما شذ من ذلك، والناسك: المتعبد. البعث: الإرسال،والإحياء، والهبوب من النوم. العزيز، يقال: عزيعز بضم العين، أي غلب، ومنه: وعزني في الخطاب، وعزيعز بفتحها، أي اشتد، ومنه:عز علىَّ هذا الأمر، أي شق، وتعزز لحم الناقة: اشتد. وعزيعز من النفاسة، أي لا نظير له، أو قل نظيره.الرغبة عن الشيء: الزهادة فيه، والرغبة فيه: الإيثار له والاختيار له، وأصل الرغبة: الطلب. الاصطفاء: الانتجاب والاختيار، وهو افتعال منالصفو، وهو الخالص من الكدر والشوائب، أبدلت من تائه طاء، كان ثلاثيه لازماً. صفا الشيء يصفو، وجاء الافتعال منه متعدياً،ومعنى الافتعال هنا: التخير، وهو أحد المعاني التي جاءت لافتعل. {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَلِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى }: مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما جرى ذكر الكعبة والقبلة، وأن اليهود عيرواالمؤمنين بتوجههم إلى الكعبة وترك بيت المقدس، كما قال: { مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ } ، ذكر حديث إبراهيم وما ابتلاه بهالله، واستطرد إلى ذكر البيت وكيفية بنائه، وأنهم لما كانوا من نسل إبراهيم، كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس اتباعاًلشرعه، واقتفاء لآثاره. فكان تعظيم البيت لازماً لهم، فنبه الله بذلك على سوء اعتمادهم، وكثرة مخالفتهم، وخروجهم عن سنن منينبغي اتباعه من آبائهم، وأنهم، وإن كانوا من نسله، لا ينالون لظلمهم شيئاً من عهده، وإذ العامل فيه على ماذكروا محذوف، وقدروه اذكر، أي اذكرا إذ ابتلي إبراهيم، فيكون مفعولاً به، أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت. وقد تقدمالكلام في ذلك عند قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } ، والاختيار أن يكون العامل فيه ملفوظاً به، وهو { قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ } . والابتلاء: الاختبار، ومعناه أنه كلفه بأوامر ونواه. والباري تعالى عالم بما يكون منه. وقيل: معناه أمر. قالالزمخشري: واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اخيتار أحد الأمرين: ما يريد الله، وما يشتهيه العبد، كأنه امتحنه مايكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. انتهى كلامه، وفيه دسيسة الاعتزال. وفي ري الظمآن الابتلاء: إظهار الفعل، والاختبار: طلبالخبر، وهما متلازمان. وابراهيم هنا، وفي جميع القرآن هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا رسول الله ﷺ،وهو خليل الله، ابن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر، وهو هود النبي عليه السلام،ومولده بأرض الأهواز. وقيل: بكوثي، وقيل: ببابل، وقيل: بنجران، ونقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان. وقد تقدّم ذكراللغات الست في لفظه. وقرأ الجمهور: إبراهيم بالألف والياء. وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة بألفين. زادهشام أنه قرأ كذلك في: ابراهيم، والنحل، ومريم، والشورى، والذاريات، والنجم، والحديد، وأول الممتحنة، وثلاث آخر النساء، وأخرى التوبة، وآخرالأنعام، والعنكبوت. وقرأ المفضل: ابراهام بألفين، إلا في المودة والأعلى. وقرأ ابن الزبير: ابراهام، وقرأ أبو بكرة: إبراهم بألف وحذفالياء وكسر الهاء. وقرأ الجمهور: بنصب إبراهيم ورفع ربه. وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة: برفع إبراهيم ونصب ربه.فقراءة الجمهور على أن الفاعل هو الرب، وتقدم معنى ابتلائه إياه. قال ابن عطية: وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء،إذ معلوم أن الله تعالى هو المبتلي. وإيصال ضمير المفعول بالفاعل موجب لتقديم المفعول. انتهى كلامه، وفيه بعض تلخيص. وكونهمما يجب فيه تقديم الفاعل هو قول الجمهور. وقد جاء في كلام العرب مثل: ضرب غلامه زيداً، وقال: وقاس عليهبعض النحويين، وتأول بعضه الجمهور، أو حمله على الشذوذ. وقد طول الزمخشرى في هذه المسألة بما يوقف عليه من كلامهفي الكشاف، وليست من المسائل التي يطوّل فيها لشهرتها في العربية. وقرأ ابن عباس: معناها أنه دعا ربه بكلمات منالدعاء بتطلب فيها الإجابة، فأطلق على ذلك ابتلاء على سبيل المجاز لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقاديرعلى الإنسان. والكلمات لم تبين في القرآن ما هي، ولا في الحديث الصحيح، وللمفسرين فيها أقوال: الأول: روى طاوس،عن ابن عباس أنها العشرة التي من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلقالعانة، والاستطابة، والختان، وهذا قول قتادة. الثاني عشر: وهي: حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وغسل يوم الجمعة،والطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة. وروي هذا عن ابن عباس أيضاً. الثالث: ثلاثون سهماً في الإسلام، لم يتم ذلكأحد إلا إبراهيم، وهي عشر في براءة { ٱلتَّـٰئِبُونَ } الآية، وعشر في الأحزاب { إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ } الآية، وعشرفي {قَدْ أَفْلَحَ } وفي المعارج. وروي هذا عن ابن عباس أيضاً. الرابع: هي الخصال الست التي امتحن بها الكوكب،والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان. وقيل: بدل الهجرة الذبح لولده، قاله الحسن. الخامس: مناسك الحج، رواه قتادة، عن ابن عباس.السادس: كل مسألة سألها إبراهيم في القرآن مثل: { رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا } ، قاله مقاتل. السابع: هي قول: سبحانالله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقوله: ربنا تقبلمنا، قاله ابن جبير. الثامن: هو قوله تعالى: { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } ، قاله يمان. التاسع: هي قوله: { ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } الآيات، قاله أبو روق. العاشر: هي ما ابتلاه به في ماله وولده ونفسه، فسلم ماله للضيفان، وولده للقربان،ونفسه للنيران، وقلبه للرحمن، فاتخذه الله خليلاً. الحادي عشر: هو أن الله أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهرفاستنشق، ثم أن تطهر فاستاك، ثم أن تطهر فأخذ من شاربة، ثم أن تطهر ففرق شعره، ثم أن تطهر فاستنجى،ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل علىجسده ينظر ماذا يصنع، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. وفي البخاري، أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم، وأوحى اللهإليه { إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } ، يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون. فإن صحت تلك الرواية، فالتأويل أنهاختتن بعد عشرين ومائة سنة من ميلاده، وابن ثمانين سنة من وقت نبوته، فيتفق التاريخان، والله أعلم. الثاني عشر: هيعشرة: شهادة أن لا إلٰه إلا الله، وهي الملة والصلاة، وهي الفطرة والزكاة، وهي الطهرة والصوم، وهو الجنة والحج، وهوالشعيرة والغزو، وهو النصرة والطاعة، وهي العصمة والجماعة، وهي الألفة والأمر بالمعروف، وهو الوفاء والنهي عن المنكر، وهو الحجة. الثالثعشر: هي: تجعلني إماماً، وتجعل البيت مثابة وأمناً، وترينا مناسكنا، وتتوب علينا، وهذا البلد آمناً، وترزق أهله من الثمرات. فأجابهالله في ذلك بما سأله، وهذا معنى قول مجاهد والضحاك. وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائلمنها ذكر طائفة مما ابتلى الله به إبراهيم، إذ كلها ابتلاه بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد، ولاعلى التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض. وهذه الأشياء التي فسر بها الكلمات، إن كانت أقوالاً، فذلك ظاهر في تسميتهاكلمات، وإن كانت أفعالاً، فيكون إطلاق الكلمات عليها مجازاً، لأن التكاليف الفعلية صدرت عن الأوامر، والأوامر كلمات. سميت الذات كلمةلبروزها عن كلمة كن. قال تعالى: { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } . وقد تكلم بعض المفسرين في أحكام ما شرحت بهالكلمات من: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، والسدل، والسواك، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان، والشيبوتغييره، والثريد، والضيافة. وهذا يبحث فيه في علم الفقه، وليس كتابنا موضوعاً لذلك، فلذلك تركنا الكلام على ذلك. فأتمهن:الضمير المستكن في فأتمهن يظهر أنه يعود إلى الله تعالى، لأنه هو المسند إليه الفعل قبله على طريق الفاعلية. فأتمهنمعطوف على ابتلى، فالمناسب التطابق في الضمير. وعلى هذا، فالمعنى: أي أكملهن له من غير نقص، أو بينهن، والبيان بهيتم المعنى ويظهر، أو يسر له العمل بهن وقوّاه على إتمامهن، أو أتم له أجورهن، أو أدامهن سنة فيه وفيعقبه إلى يوم الدين، أقوال خمسة. ويحتمل أن يعود الضمير المستكن على إبراهيم. فالمعنى على هذا أدامهن، أو أقام بهن،قاله الضحاك؛ أو عمل بهن، قاله يمان؛ أو وفى بهن، قاله الربيع، أو أدّاهن، قاله قتادة. خمسة أقوال تقرب منالترادف، إذ محصولها أنه أتى بهن على الوجه المأمور به. واختلفوا في هذا الابتلاء، هل كان قبل نبوته أو بعدها؟فقال االقاضي: كان قبل النبوة، لأنه نبه على أن قيامه بهن كالسبب، لأنه جعله إماماً، والسبب مقدم على المسبب، فوجبكون الابتلاء مقدماً في الوجود على صيرورته إماماً. وقال آخرون: إنه بعد النبوة، لأنه لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك. أجاب القاضي: بأنه يحتمل أنه أوحى إليه علىلسان جبريل بهذه التكاليف الشاقة، فلما تمم ذلك، جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق. {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ }: تقدم أنالاختيار في قال أنها عاملة في إذ، وإذا جعلنا العامل في إذ محذوفاً، كانت قال استئنافاً، فكأنه قيل: فماذا قالله ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا }. وعلى اختيار أن يكون قال هو العامل فيإذ، يكون قال جملة معطوفة على ما قبلها، أي وقال إني جاعلك للناس إماماً، إذ ابتلاه، ويجوز أن يكون بياناًلقوله: ابتلى، وتفسيراً له. للناس: يجوز أن يراد بهم أمته الذين اتبعوه، ويجوز أن يراد به جميع المؤمنين من الأمم،ويكون ذلك في عقائد التوحيد وفيما وافق من شرائعهم. وللناس: في موضع الحال، لأنه نعت نكرة تقدم عليها، التقدير: إماماًكائناً للناس، قالوا: ويحتمل أن يكون متعلقاً بجاعلك، أي لأجل الناس. وجاعل هنا بمعنى مصير، فيتعدى لاثنين، الأول: الكاف الذيأضيف إليها اسم الفاعل، والثاني: إماماً. قيل: قال أهل التحقيق: والمراد بالإمام هنا: النبي، أي صاحب شرع متبع، لأنه لوكان تبعاً لرسول، لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً ماله. ولأن لفظ الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء،ومن يكون كذلك، لا يكون إلا نبياً. ولأن الأنبياء من حيث يجب على الخلق اتباعهم هم أئمة، قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } . والخلفاء أيضاً أئمة، وكذلك القضاة والفقهاء والمصلي بالناس، ومن يؤتم به في الباطل. قال تعالى: { وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } . فلما تناول الاسم هؤلاء كلهم، وجب أن يحمل هنا على أشرف المراتب وأعلاها، لأنهذكره في معرض الامتنان، فلا بد أن يكون أعظم نعمة، ولا شيء أعظم من النبوة. قال ومن ذريتي، قالالزمخشري: عطف على الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً. انتهى كلامه. ولا يصح العطفعلى الكاف، لأنها مجرورة، فالعطف عليها لا يكون إلا بإعادة الجار، ولم يعدو، ولأن من لا يمكن تقدير الجار مضافاً إليها، لأنها حرف، فتقديرها بأنها مرادفة لبعض حتى تقدر جاعلاً مضافاً إليها لا يصح، ولا يصح أن تكون تقدير العطفمن باب العطف على موضع الكاف، لأنه نصب، فيجعل من في موضع نصب، لأن هذا ليس مما يعطف فيه علىالموضع، على مذهب سيبويه، لفوات المحرز، وليس نظير: سأكرمك، فتقول: وزيداً لأن الكاف هنا في موضع نصب. والذي يقتضيه المعنىأن يكون من ذريتي متعلقاً بمحذوف، التقدير: واجعل من ذريتي إماماً، لأن إبراهيم فهم من قوله إني جاعلك للناس إماماًالاختصاص، فسأل الله تعالى أن يجعل من ذريته إماماً. وقرأ زيد بن ثابت: ذريتي بالكسر في الذال. وقرأ أبو جعفربفتحها. وقرأ الجمهور بالضم، وذكرنا أنها لغات فيها، ومن أي شيء اشتقت حين تكلمنا على المفردات. {قَالَ لاَ يَنَالُعَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }: والضمير في قال الثانية ضمير إبراهيم، وفي قال هذه عائد على الله تعالى. والعهد: الإمامة، قال مجاهد:أو النبوة، قاله السدي؛ أو الأمان، قاله قتادة. وروي عن السدي، واختاره الزجاج: أو الثواب قاله قتادة أيضاً؛ أو الرحمة،قاله عطاء؛ أو الدين، قاله الضحاك والربيع، أو لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه، قاله ابن عباس؛ أوالأمر من قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } ؛ أو إدخاله الجنة من قوله: كان له { عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } ، أن يدخله الجنة؛ أو طاعتي، قاله الضحاك أيضاً؛ أو الميثاق؛ أو الأمانة. والظاهر من هذه الأقوال: أن العهد هي الإمامة، لأنها هي المصدر بها، فأعلم إبراهيم أن الإمامة لا تنال الظالمين. وذكر بعض أهل العلم أن قوله:{وَمِن ذُرّيَتِى } هو استعلام، كأنه قيل: أتجعل من ذريتي إماماً: وقد قدمنا أن الظاهر أنه على سبيل الطلب، أيواجعل من ذريتي. وهذا الجواب الذي أجاب الله به إبراهيم هو من الجواب الذي يربو على السؤال، لأن إبراهيم طلبمن الله، وسأل أن يجعل من ذريته إماماً، فأجابه إلى أنه لا ينال عهده الظالمين، ودل بمفهومه لقطه على أنهينال عهده من ليس بظالم، وكان ذلك دليلاً على انقسام ذريته إلى ظالم وغير ظالم، ويدلك على أن العهد هوالإمامة أن ظاهر قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } أنه جواب لقول إبراهيم: {وَمِن ذُرّيَتِى } على سبيل الجعل، إذلو كان على سبيل المنع لقال لا، أو لا ينال عهدي ذريتك، ولم ينط المنع بالظالمين. وقرأ أبو رجاء وقتادةوالأعمش: الظالمون بالرفع، لأن العهد ينال، كما ينال أي عهدي لا يصل إلى الظالمين، أو لا يصل الظالمون إليه ولايدركونه. وقد فسر الظلم هنا بالكفر، وهو قول ابن جبير، وبظلم المعاصي غير الكفر، وهو قول عطاء والسدي. واستدل بهذاعلى أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده، قال الحسن: لم يجعل الله لهم عهداً. قال ابن أبي الفضل:ما ذكره المفسرون من أنه سأل الإمامة لذريته، وأنه أجيب إلى ملتمسه لا يظهر من اللفظ، لأنه قال: ومن ذريتي،وهو محتمل، وجاعل من ذريتي، أو تجعل من ذريتي، أو اجعل من ذريتي. وإذا كان هذا كله محتملاً غير منطوقبه، فمن أين لهم أنه سأل؟ وأما قولهم: أجيب إلى ملتمسه، فاللفظ لا يدل على ذلك، بل يدل على ضده،لأن ظاهره: أن أولادك ظالمون. لكن دل الدليل على خلاف ذلك، وهو: وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وغير ذلك منالآي التي تدل على أن في ذريته النبوة. ولو قال: لا ينال عهدي الظالمين منهم، لدل ذلك على ما يقولونعلى أن اللفظ لا ينزل عليه نزولاً بيناً. انتهى ما ذكره ملخصاً بعضه. وفيما ذكره ابن أبي الفضل نظر، لأنتلك التقادير التي قدرها ظاهرها السؤال. أما من قدر: واجعل من ذريتي إماماً، فهو سؤال؛ وأما من قدر: وتجعل وجاعل،فهو استفهام على حذف الاستفهام، إذ معناه: وأجاعل أنت يا رب، أو أتجعل يا رب من ذريتي. والاستفهام يؤول معناهإلى السؤل، ولا يجوز أن يكون المقدر من قولهم: وجاعل، أو تجعل من ذريتي إماماً خبراً، لأنه خبر من نبي.وإذا كان خبراً من نبي، كان صدقاً ضرورة. ولم يتقدم من الله إعلام لإبراهيم بذلك، إنما أعلمه أنه يجعله للناسإماماً. فمن أين يخبر بذلك؟ ومن يخاطب بذلك؟ إن كان الله قد أعلمه ذلك. وإنما ذلك التقدير على سبيل الاستفهاموالاستعلام. هل تحصل الإمامة لبعض ذريته أم لا تحصل؟ فأجابه الله: إلى أن من كان ظالماً لا يناله عهده. وأماقوله: إن ظاهر اللفظ أن أولادك ظالمون، فليس كذلك، بل ظاهره أنه لا يناله من ظلم من أولاده وغير أولاده،ودل بمفهوم الصفة على أن غير الظالم ينالها. ولو كان على ما قاله ابن أبي الفضل، لكان اللفظ لا ينالهاذريتك لظلمهم، مع أنه يحتمل أن الظالمين تكون الألف واللام فيه معاقبة للضمير، أي: ظالموهم، أو الضمير محذوف، أي منهم.ومن أغرب الانتزاعات في قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } ما ذكر لي بعض الإمامية أنهم انتزعوا من هذا، كونأبي بكر لا يكون إماماً قالوا: لأن إطلاق اسم الظلم يقع عليه، لأنه سجد للأصنام، فقد ظلم. وقد قال تعالى:{لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }، وذلك بخلاف عليّ، فإنه لم يسجد لصنم قط. قلت له: فيلزم أن يسمي كل منأسلم من الصحابة ظالماً، كسلمان، وأبي ذر، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار. وهذا ما لا يذهب إليه أحد، فلم يحر جواباً.وقال الزمخشري: وقالوا في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمهولا شهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة؟ وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يفتي سراً بوجوبنصرة زيد بن عليّ، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه. وقالت له امرأة:أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد، ابني عبد الله بن الحسين، حتى قتل فقال: ليتني مكان ابنك. وكان يقولفي المتصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد، وأرادوني على عد آجره لما فعلت. وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماًقط. وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف المظلمة؟ فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه، فقد جاءالمثل السائر: من استرعى الذئب فقد ظلم. انتهى كلامه. وزيد بن عليّ الذي ذكره، هو زيد بن عليّ زين العابدينبن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهو أخو محمد الباقر بن عليّ، وإليه تنتسب الزيدية اليوم.وكان من أهل العلم والفقه والفهم في القرآن والشجاعة، وإنما ذكره الزمخشري، لأنه كان بمكة مجاوراً للزيدية ومصاحباً لهم، وصنفكتابه الكشاف لأجلهم. واللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة، الذي ذكره الزمخشري، هو هشام بن عبد الملك، خرج عليه زيد بنعليّ، وكان قد قال لأخيه الباقر: ما لك لا تقوم وتدعو الناس إلى القيام معك؟ فأعرض عنه وقال له: لهذاوقت لا يتعداه. فدعا إلى نفسه وقال: إنما الإمام منا من أظهر سيفه وقام بطلب حق آل محمد، لا منأرخى عليه ستوره وجلس في بيته. فقال له الباقر: يا زيد إن مثل القائم من أهل هذا البيت قبل قياممهديهم، مثل فرخ نهض من عشه من قبل أن يستوي جناحاه. فإذا فعل ذلك سقط، فأخذه الصبيان يتلاعبون به. فاتقالله في نفسك أن لا تكون المصلوب غداً بالكناسة. فلم يلتفت زيد لكلام الباقر، وخرج على هشام، فظفر به وصلبهعلى كناسة الكوفة، وأحرقه بالنار، وكان كما حذره الباقر. وأما الدوانيقي، فهو المنصور أخو السفاح، سمي بذلك قيل لبخله. وقدذكر بعض المصنفين أنه لم يكن بخيلاً، وذكر من عطائه وكرمه أخباراً كثيرة. وأما إبراهيم ومحمد، اللذان ذكرهما الزمخشري، فهماابنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، كانا قد تغيبا أيام السفاح، وأول أيام المنصور،ثم ظهر محمد أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين ومائة، ودخل مسجد المدينة قبل الفجر، فخطب حتى حضرت الصلاة،فنزل وصلى بالناس، وبويع بالمدينة طوعاً، واستعمل العمال، وغلب على المدينة والبصرة، وجبى الأموال. وكان إبراهيم أخوه قد صار إلىالبصرة يدعو إليه. وآخر أمرهما أن المنصور وجه إليهما العساكر وقتلا. وقد ذكر بعض المفسرين هنا أحكام الإمامة الكبرى،وإن كان موضوعها أصول الدين، فهناك ذكرها، لكني لا أخلي كتابي عن شيء ملخص فيها دون الاستدلال. فنقول: الذي عليهأصحاب الحديث والسنة، أن نصب الإمام فرض، خلافاً لفرقة من الخوارج، وهم أصحاب نجدة الحروري. زعموا أن الإمامة ليست بفرض،وإنما على الناس إقامة كتاب الله وسنة رسوله، ولا يحتاجون إلى إمام، ولفرقة من الإباضية زعمت أن ذلك تطوع. واستنادفرضية نصب الإمام للشرع لا للعقل، خلافاً للرافضة، إذ أوجبت ذلك عقلاً، ويكون الإمام من صميم قريش، خلافاً لفرقة منالمعتزلة، إذ قالوا: إذا وجد من يصلح لها قرشي ونبطي، وجب نصب النبطي دون القرشي، وسواء في ذلك بطون قريشكلها، خلافاً لمن خص ذلك بنسل عليّ، أو العباس، إما منصوصاً عليه، وإما اجتهاد، ويكون أفضل القوم، فلا ينعقد للمفضولمع وجود الفاضل، خلافاً لأبي العباس القلانسي، فإنه يقول: ينعقد للمفضول، إذا كان بصفة الإمامة، مع وجود الفاضل، وشروطه: أنيكون عدلاً مجتهداً في أحكام الشريعة، شجاعاً، والشجاعة في القلب بحيث يمكنه ضبط الأمر وحفظ بيضة الإسلام، ولا يجوز نصبساقط العدالة ابتداء، فإن عقد لشخص كامل الشروط ثم طرأ منه فسق، فقال أبو الحسن: يجوز الخروج عليه إذا أمنالناس. وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم. وقال أبو الحسن أيضاً، والقاضي أبو بكر بن الطيب: لا يجوز الخروجعليه، وإن أمن الناس ذلك، إلا أن يكفر أو يدعو إلى ضلالة وبدعة، والمرجوع في نصبه إلى اختيار أهل الاجتهادفي الدين، والعامة في ذلك تبع لهم ولا اعتبار بهم في ذلك، وليس من شرطه اجتماع كل المجتهدين، ولا اعتبارفي ذلك بعدد، بل إذا عقد واحد من أهل الحل والعقد، وجبت المبايعة على كلهم، خلافاً لمن خص أهل البيعةبأربعة. وقال: لا ينعقد بأقل من ذلك، أو لمن قال: لا ينعقد إلا بأربعين، أو لمن قال: لا ينعقد إلابسبعين، ثم من خالف كان باغياً أو ناظراً أو غالطاً، ولكل واحد منهم حكم يذكر في علم الفقه. ولا ينعقدلإمامين في عصر واحد، خلافاً للكرامية، إذ أجازوا ذلك، وزعموا أن علياً ومعاوية كانا إمامين في وقت واحد، والقول بالتقيةباطل، خلافاً للإمامية، ومعناها: أنه يكون الشخص الجامع لشروط الإمامة إماماً مستوراً، لكنه يخفي نفسه مخافة من غلب على الملكممن لا يصلح للإمامة. وليس من شرط الإمام العصمة، خلافاً للرّافضة، فإنهم يقولون بوجوب العصمة للإمام سرًّا وعلناً. وليس منشرطه الإحاطة بالمعلومات كلها، خلافاً للإمامية، والإمام مفترض الطاعة فيما يؤدّي إليه اجتهاده. وليس لأحد الخروج عليه بالسيف، وكذلك لايجوز الخروج على السلطان الغالب، خلافاً لمن رأى ذلك من المعتزلة والخوارج والرافضة وغيرهم. وقد تكلم بعض الناس هنا فيالإمامة الصغرى وهي: الإمامة في الصلاة، وموضوعها علم الفقه. {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً }: لما رد علىاليهود في إنكارهم التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة بناء إبراهيم أبيهم، كانوا أحق بتعظيمها، لأنها من مآثر أبيهم. ولوجه آخرمن إظهار فضلها، وهو كونها مثابة للناس وأمناً، وأن فيها مقام إبراهيم، وأنه تعالى أوحى إليه وإلى ولده ببنائها وتطهيرها،وجعلها محلاً للطائف والعاكف والراكع والساجد، وأمره بأن ينادي في الناس بحجها. والبيت هنا: الكعبة، على قول الجمهور. وقيل: المرادالبيت الحرام لا نفس الكعبة، لأنه وصفه بالأمن، وهذه صفة جميع الحرم، لا صفة الكعبة فقط. ويجوز إطلاق البيت، ويرادبه كل الحرم. وأما الكعبة فلا تطلق إلا على البناء الذي يطاف به، ولا تطلق على كل الحرم. والتاء فيمثابة للمبالغة، لكثرة من يثوب إليه، قاله الأخفش، أو لتأنيث المصدر، أو لتأنيث البقعة، كما يقال مقام ومقامه، قال الشاعر:

ألم تر أن الأرض رحب فسيحة فهل يعجزني بقعة من بقاعها

ذكر رحباً علىمراعاة المكان، وأنث فسيحة على اللفظ. وقرأ الأعمش وطلحة: مثابات على الجمع، وقال ورقة بن نوفل:

مثاباً لأفناء القبائل كلها تخب إليها اليعملات الطلائح

ويروى: الذوابل. ووجه قراءة الجميع أنه مثابة لكل من الناس، لا يختصبه واحد منهم، {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ }. ومثابة، قال مجاهد وابن جبير معناه: يثوبون إليه من كل جانب، أييحجونه في كل عام، فهم يتفرّقون، ثم يثوبون إليه أعيانهم أو أمثالهم، ولا يقضي أحد منهم وطراً، وقال الشاعر:

جعل البيت مثاباً لهم ليس منه الدهر يقضون الوطر

وقال ابن عباس: معاذاً وملجأ. وقالقتادة والخليل: مجمعاً. وقال بعض أهل اللغة، فيما حكاه الماوردي: أي مكان. إثابة: واحدة من الثواب، وأورد هذا القول ابنعطية احتمالاً منه. والألف واللام في قوله للناس: أما لاستغراق الجنس على مذهب من يرى أن الناس كلهم مخاطبون بفروعالإيمان، وإما للجنس الخاص على مذهب من لا يرى ذلك. وجعلنا هنا بمعنى صيرنا، فمثابة مفعول ثان. وقيل: جعل هنابمعنى: خلق، أو وضع، ويتعلق للناس بمحذوف تقديره: مثابة كائنه، إذ هو في موضع الصفة. وقيل: يتعلق بلفظ جعلنا، أيلأجل الناس. والأمن: مصدر جعل البيت إياه على سبيل المبالغة لكثرة ما يقع به من الأمن، أو على حذف مضاف،أي ذا أمن، أو على أنه أطلق على اسم الفاعل مجازاً، أي آمنا، كما قال تعالى: { ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا } ، وجعله آمناً، اختلفوا، هل ذلك في الدنيا أو في الآخرة؟ فمن قال: إنه في الدنيا، فقيل معناه: أن الناسكانوا يقتتلون، ويغير بعضهم على بعض حول مكة، وهي آمنة من ذلك، ويلقى الرجل قاتل أبيه فلا يهيجه، لأنه تعالىجعل لها في النفوس حرمة، وجعلها أمناً للناس والطير والوحش، إلا الخمس الفواسق، فخصصت من ذلك على لسان رسول اللهﷺ. وأما من أحدث حدثاً خارج الحرم، ثم أتى الحرم، ففي أمنه من أن يهاج فيه خلافمذكور في الفقه. وقيل معناه: إنه آمن من لأهله، يسافر أحدهم الأماكن البعيدة، فلا يروعه أحد. وقيل: معناه: إنه يؤمنمن أن يحول الجبابرة بينه وبين من قصده. ومن قال هذا الأمن في الآخرة، قيل: من المكر عند الموت. وقيل:من عذاب النار. وقيل: من بخس ثواب من قصده، قال قوم: وهذا الأمن مختص بالبيت. وقيل: يشمل البيت والحرم. وقالفي ريّ الظمآن معناه: ذا أمن لقاطنيه من أن يجري عليهم ما يجري على سكان البوادي وسائر بلدان العرب. والظاهرأن قوله: وأمناً، معطوف على قوله: مثابة، ويفسر الأمن بما تقدّم ذكره. وذهب بعضهم إلى أن المعنى على الأمر، التقدير:واجعلوه آمناً، أي جعلناه مثابة للناس، فاجعلوه آمناً لا يتعدّى فيه أحد على أحد. فمعناه أن الله أمر الناس أنيجعلوا ذلك الموضع آمناً من الغارة والقتل، وكان البيت محرّماً بحكم الله، وربما يؤيد هذا التأويل بقراءة من قرأ: واتخذواعلى الأمر، فعلى هذا يكون العطف فيه من عطف الجمل، عطفت فيه الجملة الأمرية على جملة خبرية، وعلى القول الظاهريون من عطف المفردات. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى }: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور:واتخذوا، بكسر الخاء على الأمر. وقرأ نافع، وابن عامر: بفتحها، جعلوه فعلاً ماضياً. فأما قراءة: واتخذوا على الأمر، فاختلف منالمواجه به، فقيل: إبراهيم وذريته، أي وقال الله لإبراهيم وذريته: اتخذوا. وقيل: النبي ﷺ وأمته، أي: وقلنااتخذوا. ويؤيده ما روي عن عمر أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فذكر منها وقلت: يا رسول الله لو اتخذتمن مقام إبراهيم مصلى وروي عن النبي ﷺ أنه أخذ بيد عمر فقال: هذا مقام إبراهيم ، فقالعمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أومر بذلك . فلم تغب الشمس حتى نزلت. وعلى هذين القولين يكون اتخذوا معمولاً لقولمحذوف. وقيل: المواجه به بنو إسرائيل، وهو معطوف على قوله: { ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } . وقيل: هو معطوف على قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَاٱلْبَيْتَ مَثَابَةً }، قالوا: لأن المعنى: ثوبوا إلى البيت، فهو معطوف على المعنى. وهذان القولان بعيدان. وأما قراءة: واتخذوا، بفتحالخاء، فمعطوف على ما قبله، فأما على مجموع، إذ جعلنا فيحتاج إلى إضمار إذ، وإما على نفس جعلنا، فلا يحتاجإلى تقديرها، بل يكون في صلة إذ. والمعنى: واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به، وإسكان ذريتهعنده قبلة يصلون إليها، قاله الزمخشري. من مقام: جوّزوا في من أن تكون تبعيضية، وبمعنى في، وزائدة على مذهب الأخفش„،والأظهر الأول. وقال القفال: هي مثل اتخذت من فلان صديقاً، وأعطاني الله من فلان أخاً صالحاً، دخلت من لبيان المتخذالموهوب، وتميزه في ذلك المعنى والمقام مفعل من القيام، يراد به المكان، أي مكان قيامه، وهو الحجر الذي ارتفع عليهإبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، قاله ابن عباسوجابر وقتادة وغيرهم، وخرجه البخاري، وهو الآن موضع ذلك الحجر والمسمى مقام إبراهيم. وعن عمر أنه سأل المطلب بن أبيرفاعة: هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال نعم، فأراه موضعه اليوم. قال أنس: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبهوأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، حكاه القشيري. أو حجر جاءت به أم إسماعيل إليه وهو راكب، فاغتسلعليه، فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه، قاله الربيع بن أنس؛ أو مواقف الحج كلها، قاله ابن عباس أيضاً وعطاءومجاهد، أو عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء والشعبي، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها؛ أو الحرم له، قاله النخعيومجاهد؛ أو المسجد الحرام، قاله قوم. واتفق المحققون على القول الأول ورجح بحديث عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ الحديث، وبقراءة رسولالله ﷺد لما فرغ من الطواف وأتى المقام: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى }، فدل على أنالمراد منه ذلك الموضع، ولأن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطينحين غاصت فيه رجلاه، وفي ذلك معجزة له، فكان اختصاصه به أقوى من اختصاص غيره. فكان إطلاق هذا الاسم عليهأولى، ولأن المقام هو موضع القيام، وثبت قيامه على الحجر ولم يثبت على غيره. مصلى: قبلة، قاله الحسن. موضع صلاة،قاله قتادة. موضع دعاء، قاله مجاهد، والأولى الحمل على الصلاة الشرعية لا على الصلاة لغة. قال ابن عطية: موضع صلاةعلى قول من قال المقام: الحجر، ومن قال غيره قال: مصلى، مدعى على أصل الصلاة، يعني في اللغة. انتهى.{وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } أي أمرنا أو وصينا، أو أوحينا، أو قلنا أقوال متقاربة المعنى. {أَن طَهّرَا }: يحتملأن تكون أن تفسيرية، أي طهرا، ففسر بها العهد، ويحتمل أن تكون مصدرية، أي بأن طهرا. فعلى الأول لا موضعلها من الإعراب، وعلى الثاني يحتمل الجرّ والنصب على اختلاف النحويين. إذا حذف من أن حرف الجر، هل المحل نصبأو خفض؟ وقد تقدّم لنا الكلام مرة في وصل أن بفعل الأمر، وأنه نص على ذلك سيبويه وغيره، وفي ذلكنظر، لأن جميع ما ذكر من ذلك محتمل، ولا أحفظ من كلامهم: عجبت من أن أضرب زيداً، ولا يعجبني أنأضرب زيداً، فتوصل بالأمر، وون انسباك المصدر يحيل معنى الأمر ويصيره مستنداً إليه وينافي ذلك الأمر. والتطهير: المأمور به هوالتنظيف من كل ما لا يليق به. وقد فسروا التطهير بالبناء والتأسيس على الطهارة والتوحيد، قاله السدّي، وهو بعيد، وبالتطهيرمن الأوثان. وذكروا أنه كان عامراً على عهد نوح، وأنه كان فيه أصنام على أشكال صالحيهم، وأنه طال العهد، فعبدتمن دون الله، فأمر الله بتطهيره من تلك الأوثان، قاله جبير ومجاهد وعطاء ومقاتل. والمعنى: أنه لا ينصب فيه وثن،ولا يعبد فيه غير الله. وقال يمان: معناه بخراه ونظفاه وخلقاه. وقيل: من الآفات والريب. وقيل: من الكفار. وقيل: منالفرث والدم الذي كان يطرح فيه. وقيل: معناه أخلصاه لهؤلاء، لا يغشاه غيرهم، والأولى حمله على لتطهير مما لا يناسببيوت الله، فيدخل فيه الأوثان والإنجاس، وجميع الخبائث، وما يمنع منه شرعاً، كالحائض. {بَيْتِىَ }: هذه إضافة تشريف، لاأن مكاناً محل لله تعالى، ولكن لما أمر ببنائه وتطهيره وإيفاد الناس من كل فج إليه، صار له بذلك اختصاص،فحسنت إضافته إلى الله بذلك، وصار نظير قوله: { نَاقَةُ ٱللَّهِ } { وَرُوحٌ * ٱللَّهِ } ، من حيث أن في كلمنهما خصوصية لا توجد في غيره، فناسب الإضافة إليه تعالى. والأمر بتطهيره يقتضي سبق وجوده، إلا إذا حملنا التطهير علىالبناء والتأسيس على الطهارة والتقوى. وقد تقدّم أنه كان مبنياً على عهد نوح. {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ }: ظاهره أنه كل منيطوف من حاضر أو باد، قاله عطاء وغيره. وقال ابن جبير: الغرباء الطارئون على مكة حجاجاً وزوّاراً، فيرحلون عن قريب،ويؤيده أنه ذكر بعده. والعاكفين، قال: وهم أهل البلد الحرام المقيمون، والمقيم مقابل المسافر. وقال عطاء: العاكفون هم الجالسون منغير طواف من بلديّ وغريب. وقال مجاهد: المجاورون له من الغرباء. وقال ابن عباس: المصلون، لأن الذي يكون يدخل إلىالبيت، إنما يدخل لطواف أو صلاة. وقيل: هم المعتكفون. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالعاكفين: الواقفين، يعني القائمين، كما قالللطائفين والقائمين والركع السجود. والمعنى للطائفين والمصلين، لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي. انتهى. ولو قال: القائم هنا معناه: العاكف،من قوله: ما دمت عليه قائماً، لكان حسناً، ويكون في ذلك جمع بين أحوال من دخل البيت للتعبد، لأنه لايخلو إذ ذاك من طواف أو اعتكاف أو صلاة، فيكون حمله على ذلك أجمع لما هيـىء البيت له. {وَٱلرُّكَّعِٱلسُّجُودِ }: هو المصلون عند الكعبة، قاله عطاء وغيره. وقال الحسن: هم جميع المؤمنين، وخص الركوع والسجود بالذكر من جميعأحوال المصلي، لأنهما أقرب أحواله إلى الله، وقدّم الركوع على السجود لتقدمه عليه في الزمان، وجمعا جمع تكسير لمقابلتهما ماقبلهما من جمعي السلامة، فكان ذلك تنويعاً في الفصاحة، وخالف بين وزني تكسيرهما تنويعاً في الفصاحة أيضاً، وكان آخرهما علىفعول، لا على فعل، لأجل كونها فاصلة، والفواصل قبلها وبعدها آخر ما قبله حرف مدّ ولين، وعطفت تينك الصفتان لفرطالتباين بينهما بأي تفسير فسرتهما مما سبق. ولم يعطف السجود على الركع، لأن المقصود بهما المصلون. والركع والسجود، وإن اختلفتهيئاتهما فيشملهما فعل واحد وهو الصلاة. فالمراد بالركع السجود: المصلون، فناسب أن لا يعطف، لئلا يتوهم أن كل واحد منهماعبادة على حيالها، وليستا مجتمعتين في عبادة واحدة، وليس كذلك. وفي قوله: {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } دلالة على جواز الصلاة فيالبيت فرضاً ونفلاً، إذ لم يخصص. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا }: ذكروا أن العامل فيإذا ذكر محذوفة، ورب: منادى مضاف إلى الياء، وحذف منه حرف النداء، والمضاف إلى الياء فيه لغات، أحسنها: أن تحذفمنه ياء الإضافة، ويدل عليها بالكسرة، فيجتزأ بها لأن النداء موضع تخفيف. ألا ترى إلى جواز الترخيم فيه؟ وتلك اللغاتمذكورة في النحو، وسيأتي منها في القرآن شيء، ونتكلم عليه في مكانه، إن شاء الله تعالى. وناداه بلفظ الرب مضافاًإليه، لما في ذلك من تلطف السؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل وإجابة ضراعته. واجعل هنا بمعنى: صير، وصورتهأمر، وهو طلب ورغبة. وهذا إشارة إلى الوادي الذي دعا لأهله حين أسكنهم فيه، وهو قوله: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } ، أو إلى المكان الذي صار بلداً، ولذلك نكره فقال: {بَلَدًا آمِنًا }. وحين صار بلداً قال: { رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا وَٱجْنُبْنِى } ، وقَال { لاَ * أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } ، هذا إن كان الدعاء مرتين فيوقتين. وقيل: الآيتان سواء، فتحتمل آية التنكير أن يكون قبلها معرفة محذوفة، أي اجعل هذا البلد بلداً آمناً، ويكون بلداًالنكرة، توطئة لما يجيء بعده، كما تقول: كان هذا اليوم يوماً حاراً، فتكون الإشارة إليه في الآيتين بعد كونه بلداً.ويحتمل وجهاً آخر وهو: أنه لا يكون محذوف ولا يكون إذ ذاك بلداً، بل ادعى له بذلك، وتكون المعرفة الذيجاء في قوله: {هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ }، باعتبار ما يؤول إليه سماه بلداً. ووصف بلد بآمن، إما على معنى النسب، أيذا أمن، كقولهم: { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ، أي ذات رضا، أو على الاتساع لما كان يقع فيه الأمن جعله آمناً كقولهم:نهارك صائم وليلك قائم. وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمسلطين، أو من أن يعود حرمه حلالاً، أو منأن يخلو من أهله، أو آمناً من القتل، أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدجال،أو من أصحاب الفيل؟ أقوال. ومن فسر آمنا بكونه آمنا من الجبابرة، فالواقع يرده، إذ قد دخل فيه الجبابرة وقتلوا،كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج بن يوسف، والقرامطة، وغيرهم. وكذلك من قال آمنا من القحط والجدب، فهي أكثر بلاد اللهقحطاً وجدباً. وقال القفال: معناه مأموناً فيه، وكانوا قبل أن تغزوهم العرب في غاية الأمن، حتى أن أحدهم إذا وجدبمفازة أو برّية، لا يتعرض إليه عندما يعلم أنه من سكان الحرم. {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ مَنْ ءامَنَ مِنْهُمبِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ }: لما بنى إبراهيم البيت في أرض مقفرة، وكان حال من يتمدّن من الأماكن يحتاج فيه إلىماء يجري ومزرعة يمكن بهما القطان بالمدينة، دعا الله للبلد بالأمن، وبأن يجبـى له الأرزاق. فإنه إذا كان البلد ذاأمن، أمكن وفود التجار إليه لطلب الربح. ولما سمع في الإمامة قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }. قيد هنامن سأل له الرزق فقال: {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ }، والضمير في منهم عائد على أهله. دعا لمؤمنهمبالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك. ألا ترى أن قريشاً لما طغت، دعا عليها رسول الله صلى اللهعليه وسلم: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين، كسني يوسف ، وكانت مكة إذ ذاك قفراً، لا ماء بهاولا نبات، كما قال: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } فبارك الله فيما حولها، كالطائف وغيره، وأنبت الله فيه أنواعاً منالثمر. وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم، أمر جبريل فاقتلع فلسطين، وقيل: بقعة من الأردن، فطاف بها حول البيتسبعاً، فأنزلها بواد، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف، وقال بعضهم:

كل الأماكن إعظاماً لحرمتها تسعى لها ولها في سعيها شرف

وذكر متعلق الإيمان، وهو الله تعالى واليوم الآخر، لأن في الإيمان بالله إيماناً بالصانعالواجب الوجود، وبما يليق به تعالى من الصفات، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالثواب والعقاب المرتبين على الطاعة والمعصية اللذينهما مناط التكليف المستدعي مخبراً صادقاً به، وهم الأنبياء. فتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، وبما جاؤا به. فلما كانالإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بجميع ما يجب أن يؤمن به، اقتصر على ذلك، لأن غيره في ضمنه. ودعاءإبراهيم لأهل البيت يعم من يطلق عليه هذا الاسم، ولا يختص ذلك بذريته، وإن كان ظاهر قوله: {وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ} مختصاً بذريته لقوله: {إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى } لعود الضمير في وارزقهم عليه، فيحتمل أن يكونا سؤالين. ومن: فيقوله: من الثمرات للتبعيض، لأنهم لم يرزقوا إلا بعض الثمرات. وقيل: هي لبيان الجنس، ومن بدل من أهله، بدل بعضمن كل، أو بدل اشتمال مخصص لما دل عليه المبدل منه، وفائدته أنه يصير مذكوراً مرتين: إحداهما بالعموم السابق فيلفظ المبدل منه، والثانية بالتنصيص عليه، وتبيين أن المبدل منه إنما عنى به وأريد البدل فصار مجازاً، إذ أريد بالعامالخاص. هذه فائدة هذين البدلين، فصار في ذلك تأكيد وتثبيت للمتعلق به الحكم، وهو البدل، إذ ذكر مرتين. {قَالَوَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }: قرأ الجمهور من السبعة: فأمتعه، مشدّداً على الخبر.وقرأ ابن عامر: فأمتعه، مخففاً على الخبر. وقرأ هؤلاء: ثم اضطره خبراً. وقرأ يحيـى بن وثاب: فأمتعه مخففاً، ثم أضطرهبكسر الهمزة، وهما خبران. وقرأ ابن محيصن: ثم أضطره، بإدغام الضاد في الطاء خبراً. وقرأ يزيد بن أبي حبيب: ثماضطره بضم الطاء، خبراً. وقرأ أبي بن كعب: فنمتعه ثم نضطره بالنون فيهما. وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما: {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاًثُمَّ أَضْطَرُّهُ } على صيغة الأمر فيهما، فأما على هذه القراءة فيتعين أن يكون الضمير في: قال، عائداً على إبراهيم،لما دعا للمؤمنين بالرزق، دعا على الكافرين بالأمتاع القليل والإلزازا إلى العذاب. ومن: على هذه القراءة يحتمل أن تكون فيموضع رفع، على أن تكون موصولة أو شرطية، وفي موضع نصب على الاشتغال على الوصل أيضاً. وأما على قراءة الباقينفيتعين أن يكون الضمير في: قال، عائداً على الله تعالى، ومن: يحتمل أن يكون في موضع نصب على إضمار فعلتقديره: قال الله وارزق من كفر فأمتعه، ويكون فأمتعه معطوفاً على ذلك الفعل المحذوف الناصب لمن. ويحتمل أن تكون منفي موضع رفع على الابتداء، إما موصولاً، وإما شرطاً، والفاء جواب الشرط، أو الداخلة في خبر الموصول لشبهة باسم الشرط.ولا يجوز أن تكون من في موضع نصب على الاشتغال إذا كانت شرطاً، لأنه لا يفسر العامل في من إلافعل الشرط، لا الفعل الواقع جزاء، ولا إذا كانت موصولة، لأن الخبر مضارع قد دخلته الفاء تشبيهاً، للموصول باسم الشرط.فكما لا يفسر الجزاء، كذلك لا يفسر الخبر المشبه بالجزاء. وأما إذا كان أمراً، أعني الخبر نحو: زيداً فاضربه، فيجوزأن يفسر، ولا يجوز أن تقول: زيداً فتضربه على الاشتغال، ولجواز: زيداً فاضربه على الأمر، علة مذكورة في كتب النحو.قال أبو البقاء: لا يجوز أن تكون من مبتدأ، وفأمتعه الخبر، لأن الذي لا يدخل الفاء في خبرها، إلا إذاكان الخبر مستحقاً لصلتها، كقولك: الذي يأتيني فله درهم. والكفر لا يستحق به التمتع. فإن جعلت الفاء زائدة على قولالأخفش جاز، أو الخبر محذوفاً، وفأمتعه دليل على جاز، تقديره: ومن كفر أرزقه فأمتعه. ويجوز أن تكون من شرطية والفاءجوابها. وقيل: الجواب محذوف تقديره: ومن يكفر ارزق. ومن على هذا رفع بالابتداء، ولا يجوز أن تكون منصوبة، لأن أداةالشرط لا يعمل فيها جوابها، بل الشرط. انتهى كلامه. وقوله أولاً لا يجوز كذا وتعليله ليس بصحيح، لأن الخبر مستحقبالصلة، لأن التمتع القليل والصيرورة إلى النار مستحقان بالكفر. ثم إنه قد ناقض أبو البقاء في تجويزه أن تكون منشرطية والفاء جوابها. وهل الجزاء إلا مستحق بالشرط ومترتب عليه؟ فكذلك الخبر المشبه به أيضاً. فلو كان التمتع قليلاً ليسمستحقاً بالصلة، وقد عطف عليه ما يستحق بالصلة، ناسب أن يقع خبراً من حيث وقع جزاء، وقد جوّز هو ذلك.وأما تقدير زيادة الفاء، وإضمار الخبر، وإضمار جواب الشرط، إذا جعلنا من شرطية، فلا حاجة إلى ذلك، لأن الكلام منتظمفي غاية الفصاحة دون هذا الإضمار. وإنما جرى أبو البقاء في إعرابه في القرآن على حد ما يجري في شعرالشنفري والشماخ، من تجويز الأشياء البعيدة والتقادير المستغنى عنها، ونحن ننزه القرآن عن ذلك. وقال الزمخشري: ومن كفر: عطف علىمن آمن، كما عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك. انتهى كلامه. وتقدم لنا الردّ عليه في زعمه أن ومنذريتي عطف على الكاف في جاعلك. وأما عطف من كفر على من آمن فلا يصح، لأنه يتنافى في تركيب الكلام،لأنه يصير المعنى: قال إبراهيم: وارزق من كفر، لأنه لا يكون معطوفاً عليه حتى يشركه في العامل، ومن آمن العاملفيه فعل الأمر، وهو العامل في ومن كفر. وإذا قدرته أمراً، تنافى مع قوله: فأمتعه، لأن ظاهر هذا إخبار منالله بنسبه التمتع وإلجائهم إليه تعالى، وأن كلاً من الفعلين يضمن ضمير الله تعالى، وذلك لا يجوز إلا على بعد،بأن يكون بعد الفاء قول محذوف فيه ضمير لله تعالى، أي قال إبراهيم: وارزق من كفر، فقال الله: أمتعه قليلاًثم أضطره إلى عذاب النار. ثم ناقض الزمخشري قوله هذا، أنه عطف على من، كما عطف ومن ذريتي على الكاففي جاعلك فقال: فإن قلت: لم خص إبراهيم المؤمنين حتى رد عليه؟ قلت: قاس الرزق على الإمامة، فعرف الفرق بينهما،لأن الاستخلاف استرعاء مختص بمن ينصح للمرعى. وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق، فإنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماًللحجة له. والمعنى: وارزق من كفر فأمتعه. انتهى كلامه. فظاهر قوله والمعنى: وارزق من كفر فأمتعه يدل على أن الضميرفي قال، ومن كفر عائد على الله، وأن من كفر منصوب بارزق الذي هو فعل مضارع مسند إلى الله تعالى،وهو يناقص ما قدم أولاً من أن من كفر معطوف على من آمن. وفي قوله خص إبراهيم المؤمنين حتى ردعليه سوء أدب على الأنبياء، لأنه لم يرد عليه، لأنه لا يدعي، ويرغب في أن يرزق الكافر، بل قوله تعالى:{قَالَ وَمَن كَفَرَ }، إخبار من الله تعالى بما يكون مآل الكافر إليه من التمتيع القليل والصيرورة إلى النار، وليسهنا قياس الرزق على الإمامة، ولا تعريف الفرق بينهما، كما زعم. وقد تقدم تفسير المتاع، وأنه كل ما انتفعبه، وفسر هنا التمتيع والإمتاع بالإبقاء، أو بتيسير المنافع، ومنه متاع الحياة الدنيا، أي منفعتها التي لا تدوم، أو بالتزويد،ومنه: فمتعوهن؛ أي زوّدوهنّ نفقة. والمتعة: ما يتبلغ به من الزاد، والجمع متع، ومنه: متاعاً لكم. وللسيارة والهمزة في أمتعيجعل الشيء صاحب ما صيغ منه: أمتعت زيداً، جعلته صاحب متاع، كقولهم: أقبرته وأنعلته، وكذلك التضعيف في متع هو: يجعلالشيء بمعنى ما صيغ منه نحو قولهم: عدلته. وليس التضعيف في متع يقتضي التكثير، فينافي ظاهر ذلك القلة، فيحتاج إلىتأويل، كما ظنه بعضهم وتأوّله على أن الكثرة بإضافة بعضها إلى بعض، والقلة بالإضافة إلى نعيم الآخرة. فقد اختلفت جهتاالكثرة والقلة فلم يتنافينا. وانتصاب قليلاً على أنه صفة لظرف محذوف، أي زماناً قليلاً، أو على أنه صفة لمصدر محذوف،أي تمتيعاً قليلاً، على تقدير الجمهور، أو على الحال من ضمير المصدر المحذوف، الدال عليه الفعل، وذلك على مذهب سيبويه.والوصف بالقلة لسرعة انقضائه، إما لحلول الأجل، وإما بظهور محمد ﷺ فيقتله، أو يخرجه عن هذا البلد،إن أقام على الكفر والإمتاع بالنعيم والزينة، أو بالإمهال عن تعجيل الانتقام فيها، أو بالرزق، أو بالبقاء في الدنيا، أقوالللمفسرين. وقراءة يحيـى بن وثاب: ثم إضطره بكسر الهمزة. قال ابن عطية، على لغة قريش، في قولهم: لا إخال، يعنيبكسر الهمزة. وظاهر هذا النقل في أن ذلك، أعني كسر الهمزة التي للمتكلم في نحو اضطر، وهو ما أوله همزةوصل. وفي نحو إخال، وهو افعل المفتوح العين من فعل المكسور العين مخالف لما نقله النحويون. فإنهم نقلوا عن الحجازيينفتح حرف المضارعة مما أوّله همزة وصل، ومما كان على وزن فعل بكسر العين يفعل بفتحها، أو ذا ياء مزيدةفي أوله، وذلك نحو علم يعلم، وانطلق ينطلق، وتعلم يتعلم، إلا إن كان حرف المضارعة ياء، فجمهور العرب من غيرالحجازيين لا يكسر الياء، بل يفتحها. وفي مثل يوجل بالياء مضارع وجل، مذاهب تذكر في علم النحو، وإنما المقصود هنا:أن كلام ابن عطية مخالف لما حكاه النحاة، إلا إن كان نقل أن إخال بخصوصيته في لغة قريش مكسور الهمزةدون نظائره، فيكونون قد تبعوا في ذلك لغة غيرهم من العرب، فيمكن أن يكون قول ابن عطية صحيحاً. وقدتقدم لنا في سورة الحمد في قوله: {نَسْتَعِينُ } أن الكسرة لغة قيس وتميم وأسد وربيعة. وقد أمعنا الكلام علىذلك في (كتاب التكميل لشرح كتاب التسهيل) من تأليفنا. وقراءة ابن محيصن: ثم اطره، بإدغام الضاد في الطاء. قال الزمخشري:هي لغة مرذولة، لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي حروفضم شفر. انتهى كلامه. إذا لقيت الضاد الطاء في كلمة نحو مضطرب، فالأوجه البيان، وإن أدغم قلب الثاني للأول فقيل:مضرب، كما قيل: مصبر في مصطبر. قال سيبويه: وقد قال بعضهم: مطجع، في مضطجع ومضجع أكثر، وجاز مطجع، وإن لميجز في مصطبر مطبر، لأن الضاد ليست في السمع كالصاد، يعني أن الصفير الذي في الصاد أكثر في السمع مناستطالة الضاد. فظاهر كلام سيبويه أنها ليست لغة مرذولة، ألا ترى إلى نقله عن بعض العرب مطجع، وإلى قوله: ومضجعأكثر، فيدل على أن مطجعا كثير؟ وألا ترى إلى تعليله، وكون الضاد قلبت إلى الطاء وأدغمت، ولم يفعل ذلك بالصاد،وإبداء الفرق بينهما؟ وهذا كله من كلام سيبويه، يدل على الجوار. وقد أدغمت الضاد في الذال في قوله تعالى: { ٱلاْرْضَ ذَلُولاً } ، رواه اليزيدي، عن أبي عمرو، وهو ضعيف. وفي الشين في قوله تعالى: { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } { وَٱلاْرْضِ شَيْئًا } ،وهو ضعيف أيضاً. وأما الشين فأدغمت في السين. روي عن أبي عمرو ذلك في قوله تعالى: { إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } ، والبصريون لا يجيزون ذلك عن أبي عمرو، وهو رأس من رؤوس البصريين. وأما الفاء فقد أدغمت في الباء فيقراءة الكسائي: { إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ } ، وهو إمام الكوفيين. وأما الراء، فذهب الخليل وسيبويه وأصحابه إلى أنه لا يجوزإدغام الراء في اللام من أجل تكريرها، ولا في النون. وأجاز ذلك في اللام: يعقوب، وأبو عمرو، والكسائي، والفراء، وأبوجعفر الرؤاسي، وهؤلاء الثلاثة رؤوس الكوفيين، حكوه سماعاً عن العرب. وإنما تعرضت لإدغام هذه الحروف فيما يجاورها، وذكر الخلاف فيها،لئلا يتوهم من قول الزمخشري: لا تدغم فيما يجاورها، أنه لا يجوز ذلك بإجماع من النحويين. فأوردت هذا الخلاف فيها،تنبيهاً على أن ذلك ليس بإجماع، إذ طلاقه يدل على المنع ألبتة. وقراءة ابن أبي حبيب: بضم الطاء، توجيهها أنهأتبع حركة الطاء لحركة الراء، وهو شاذ. وأما قراءة أبي بالنون فيهما، فهي مخالفة لرسم المصحف، فهي شاذة. وقراءة ابنعباس بصيغة الأمر يكون تكرير قال على سبيل التوكيد، أو ليكون ذلك جملتين، جملة بالدعاء لمن آمن، وجملة بالدعاء علىمن كفر، فلا يندرجان تحت معمول واحد، بل أفرد كلاً بقول. واضطره على هذه القراءة، هو بفتح الراء المشدّدة، كماتقول: عضه بالفتح، وهذا الإدغام هو على لغة غير الحجازيين، لأن لغة الحجازيين في مثل هذا الفك. ولو قرأ علىلغة قومه، لكان اضطره إلى عذاب يتعلق بقوله: ثم أضطره. ومعنى الاضطرار هنا هو أنه يلجأ ويلز إلى العذاب، بحيثلا يجد محيصاً عنه إذا حد، لا يؤثر دخول النار ولا يختاره. ومفهوم الشرط هنا ملغي، إذ قد يدخل الناربعض العصاة من المؤمنين. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المخصوص بالذم محذوف لفهم المعنى، أي وبئس المصير النار، إن كان المصير اسممكان، وإن كان مصدراً على رأي من أجاز ذلك فالتقدير: وبئست الصيرورة صيرورته إلى العذاب. {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ }:هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فالعامل في إذ ما ذكر أنه العامل في إذ قبلها. ويرفع في معنى رفع،وإذ من الأدوات المخلصة للمضارع إلى الماضي، لأنها ظرف لما مضى من الزمان. والرفع حالة الخطاب قد وقع. وقال الزمخشري:هي حكاية حال ماضية، وفي ذلك نظر. من البيت: هو الكعبة. ذكر المفسرون في ماهية هذا البيت وقدمه وحدوثه، ومنأي شيء كان باباه، وكم مرة حجة آدم، ومن أي شيء بناه إبراهيم، ومن ساعده على البناء، قصصاً كثيرة. واستطردوامن ذلك للكلام في البيت المعمور، وفي طول آدم، والصلع الذي عرض له ولولده، وفي الحجر الأسود، وطولوا في ذلكبأشياء لم يتضمنها القرآن ولا الحديث الصحيح. وبعضها يناقض بعضاً، وذلك على جري عاداتهم في نقل ما دب وما درج.ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما صح في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. قال ابنعطية: والذي يصح من هذا كله أن الله أمر إبراهيم برفع القواعد من البيت ونشاحه في قوله: أمر، إذ لميأت النص بأن الله أمر بذلك. {ٱلْقَوَاعِدِ }: تقدّم تفسيرها في الكلام على المفردات، وهل هي الأساس أو الجدر؟ فإنكانت الأساس، فرفعها بأن يبني عليها، فتنتقل من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتتطاول بعد التقاصر. قال الزمخشري: ويجوز أنيكون المراد بها ساقات البناء، ويجوز أن يكون المعنى ما قعد من البيت، أي استوطىء، يعني جعل هيئة القاعدة المستوطأةمرتفعة عالية بالبناء. {مِنَ ٱلْبَيْتِ }: يحتمل أن يكون متعلقاً بيرفع، ويحتمل أن يكون في موضع الحال من القواعد،فيتعلق بمحذوف تقديره: كائنة من البيت. ولم تضف القواعد إلى البيت، فكان يكون الكلام قواعد البيت، لما في عدم الإضافةمن الإيضاح بعد الإبهام وتفخيم شأن المبين. {وَإِسْمَـٰعِيلَ }: معطوف على إبراهيم، فهما مشتركان في الرفع. قيل: كان إبراهيم يبنيوإسماعيل يناوله الحجارة. وقال عبيد بن عمير: رفع إبراهيم وإسماعيل معاً، وهذا ظاهر القرآن. وروي عن ابن عباس أن إسماعيلطفل صغير إذ ذاك، كان يناوله الحجارة. وروي عن علي: أن إسماعيل كان إذ ذاك طفلاً صغيراً، ولا يصح ذلكعن عليّ. ومن جعل الواو في وإسماعيل واو الحال، أعرب إسماعيل مبتدأ وأضمر الخبر، التقدير: وإسماعيل يقول: ربنا تقبل منا،فيكون إبراهيم مختصاً بالبناء، وإسماعيل مختصاً بالدعاء. ومن ذهب إلى العطف، جعل ربنا تقبل منا معمولاً لقول محذوف عائد علىإبراهيم وإسماعيل معاً، في موضع نصب على الحال تقديره: وإذ يرفعان القواعد قائلين ربنا تقبل منا. ويؤيد هذا التأويل أنالعطف في وإسماعيل أظهر من أن تكون الواو واو الحال. وقراءة أبي وعبد الله يقولان بإظهار هذه الجملة، ويجوز أنيكون القول المحذوف هو العامل في إذ، فلا يكون في موضع الحال، والمعنى: أنهما دعوا بذلك الدعاء وقت أن شرعافي رفع القواعد، وفي ندائهما بلفظ ربنا تلطف واستعطاف بذكر هذه الصفة الدالة على التربية والإصلاح بحال الداعي. {رَبَّنَاتَقَبَّلْ مِنَّا }: أي أعمالنا التي قصدنا بها طاعتك، وتقبل بمعنى: اقبل، فتفعل هنا بمعنى المجرد كقولهم: تعدّى الشيء وعداه،وهو أحد المعاني التي جاء لها تفعل. والمراد بالتقبل: الإثابة، عبر بإحدى المتلازمين عن الآخر، لأن التقبل هو أن يقبلالرجل من الرجل ما يهدي إليه. فشبه الفعل من العبد بالعطية، والرضا من الله تعالى بالتقبل توسعاً. وحكى بعض المفسرينعن بعض الناس فرقاً بين القبول والتقبل، قال: التقبل تكلف القبول، وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل،قال: فهذا اعتراف من إبراهيم وإسماعيل بالتقصير في العمل. ولم يكن المقصود إعطاء الثواب، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبولمن المخدوم، ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه، وسؤالهما التقبل بذلك، على أن ترتيب الثواب على العمل ليسواجباً على الله تعالى، انتهى ملخصاً. ونقول: إن التقبل والقبول سواء بالنسبة إلى الله تعالى، إذ لا يمكن تعقل التكليفبالنسبة إليه تعالى. وقد قدمنا أن تفعل هنا موافق للفعل المجرد الذي هو قبل. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }:يجوز في أنت الابتداء والفصل والتأكيد. وقد تقدّم الكلام في الفصل وفائدته، وهو من المسائل التي جمعت فيها الكلام فينحو من سبعة أوراق أحكاماً دون استدلال. وهاتان الصفتان مناسبتان هنا غاية التناسب، إذ صدر منهما عمل وتضرع سؤال، فهوالسميع لضراعتهما وتسآلهما التقبل، وهو العليم بنياتهما في إخلاص عملهما. وتقدّمت صفة السمع، وإن كان سؤال التقبل متأخراً عن العملللمجاورة نحو قوله: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } . فأما الذين اسودت وتأخرت صفة العليم لكونها فاصلة ولعمومها، إذ يشملعلم المسموعات وغير المسموعات. {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ }: أي منقادين، أو مخلصين أوجهنا لك من قوله: من أسلم وجهه،أي أخلص عمله، والمعنى: أدم لنا ذلك، لأنهما كانا مسلمين، ولك تفيد جهة الإسلام، أي لك لا لغيرك. وقرأ ابنعباس وعوف الأعرابي: مسلمين على الجمع، دعاء لهما وللموجود من أهلهما، كهاجر، وهذا أولى من جعل لفظ الجمع مراداً بهالتثنية، وقد قيل به هنا. {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ }: لما تقدّم الجواب له بقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِيٱلظَّـٰلِمِينَ }، علم أن من ذريتهما الظالم وغير الظالم، فدعا هنا بالتبعيض لا بالتعميم فقال: {وَمِن ذُرّيَّتِنَا }، وخصّ ذريتهبالدعاء للشفقة والحنوّ عليهم، ولأن في صلاح نسل الصالحين نفعاً كثيراً لمتبعهم، إذ يكونون سبباً لصلاح من وراءهم. والذرية هنا،قيل: أمّة محمد ﷺ، بدليل قوله: { وَٱبْعَثْ فِيهِمْ } . وقيل: هم العرب، لأنهم من ذريتهما. قال القفال:لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً، ولم تزل الرسل عليهم الصلاة والسلام من ذريتهما،وكان في الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الأيادي. ويقال: عبد المطلب بن هاشم، جدّ رسول اللهﷺ، وعمرو بن الظرب، كانا على دين الإسلام. وجوّز الزمخشري أن يكون من في قوله: ومن ذريتنا،للتبيين، قال كقوله: { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ } ، وقد تقدّم لنا أن كون من للتبيين يأباه أصحابنا ويتأولون مافهم من ظاهره ذلك. وتقدّم شرح الأمة، والمراد به هنا: الجماعة، أو الجيل، والمعنى: على أن من ذريتنا هو فيموضع المفعول الأول لقوله: واجعل، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير، فالمعنى: واجعل ناساً من ذريتنا أمة مسلمة لك، ويمتنع أنيكون ما قدّر من قوله: واجعل من ذريتنا بمعنى: أوجد واخلق. وإن كان من جهة المعنى صحيحاً، فكان يكون الجعلهنا يتعدى إلى واحد. ومن ذريتنا متعلق بأجعل المقدرة، لأنه إن كان من باب عطف المفردات، فهو مشترك في العاملالأول، والعامل الأول ليس معناه على الخلق والإيجاد. وإن كان من باب عطف الجمل، فلا يحذف إلا ما دل عليهالمنطوق. والمنطوق ليس بمعنى الإيجاد، فكذلك المحذوف. ألا تراهم قد منعوا في قوله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـئِكَتُهُ } أن يكون التقدير: وملائكته يصلون، لاختلاف مدلولي الصلاتين لأنهما من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء، وتأولوا ذلك وحملوه علىالقدر المشترك بين الصلاتين لا على الحذف؟ وأجاز أبو البقاء أن يكون المفعول الأول أمة، ومن ذريتنا حال، لأنه نعتنكرة تقدم عليها فانتصب على الحال، ومسلمة المفعول الثاني، وكان الأصل: اجعل أمة من ذريتنا مسلمة لك، قال: فالواو داخلةفي الأصل على أمة، وقد فصل بينهما بقوله: من ذريتنا، وهو جائز، لأنه من جملة الكلام المعطوف بالظرف، وجعلوا قوله:

يوماً تراها كشبه أردية الــعصب ويومـاً أديمهـا نغـلا

من الضرورات، فالفصل بالحال أبعد من الفصل بالظرف، فصار نظير:ضربت الرجل، ومتجردة المرأة تريد: والمرأة متجردة، وينبغي أن يختص جواز هذا بالضرورة. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا }: قال قتادة: معالم الحج.وقال عطاء وابن جريج: مذابحنا، أي مواضع الذبح. وقيل: كل عبادة يتعبد بها الله تعالى. وقال تاج القراء الكرماني: إنكان المراد أعمال الحج، وما يفعل في المواقف، كالطواف، والسعي، والوقوف، والصلاة، فتكون المناسك جمع منسك: المصدر، جمع لاختلافها. وإنكان أراد المواقف التي يقام فيها شرائع الحج، كمنى، وعرفة، والمزدلفة، فيكون جمع منسك وهو موضع العبادة. وروي عن عليأن إبراهيم لما فرغ من بناء البيت ودعا بهذه الدعوة، بعث الله إليه جبريل عليه السلام، فحج به. وفي قراءةابن مسعود: وأرهم مناسكهم، أعاد الضمير على الذرية، ومعنى أرنا: أي بصرنا. إن كانت من رأي البصرية. والتعدي هنا إلىاثنين ظاهر، لأنه منقول بالهمزة من المتعدي إلى واحد، وإن كانت من رؤية القلب، فالمنقول أنها تتعدى إلى اثنين، نحوقوله:

وإنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول

وقال الكميت:

بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب

فإذا دخلت عليها همزةالنقل، تعدت إلى ثلاثة، وليس هنا إلا اثنان، فوجب أن يعتقد أنها من رؤية العين. وقد جعلها الزمخشري من رؤيةالقلب، وشرحها بقوله: عرف، فهي عنده تأتي بمعنى عرّف، أي تكون قلبية وتتعدى إلى واحد، ثم أدخلت همزة النقل فتعدتإلى اثنين، ويحتاج ذلك إلى سماع من كلام العرب. وحكى ابن عطية عن طائفة أنها من رؤية البصر، وعن طائفةأنها من رؤية القلب. قال ابن عطية: وهو الأصح ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفعولين، وينفصل بأنهيوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب، كغير المعدى، قال حطائط بن يعفر أخو الأسود:

أريني جواداً مات هزلاً لأنني أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا

انتهى كلام ابن عطية وقوله. ويلزم قائله أن يتعدىإلى ثلاثة مفعولين، إنما يلزم لما ذكرناه من أن المحفوظ أن رأى. إذا كانت قلبية، تعدت إلى اثنين، وبهمزة النقلتصير تتعدى إلى ثلاثة، وقوله: وينفصل بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب، كغير المعدى، يعني أنه قد استعمل فياللسان العربي متعدياً إلى اثنين ومعه همزة النقل، كما استعمل متعدياً إلى اثنين بغير الهمزة. وإذا كان كذلك، ثبت أنلرأي، إذا كانت قلبية، استعمالين: أحدهما: أن يكون بمعنى علم المتعدية لواحد بمعنى عرف، والثاني: أن يكون بمعنى علم المتعديةإلى اثنين. واستدلال ابن عطية ببيت ابن يعفر على أن أرى قلبية، لا دليل فيه، بل الظاهر أنها بصرية، والمعنىعلى أبصريني جواد. ألا ترى إلى قوله: مات هزلاً؟ فإن هذا هو من متعلقات البصر، فيحتاج في إثبات رأي القلبيةمتعدية لواحد إلى سماع. وقد قال ابن مالك، وهو حاشد لغة، وحافظ نوادر: حين عدى ما يتعدى إلى اثنين، فقالفي التسهيل، ورأى لا لإبصار، ولا رأي، ولا ضرب، فلو كانت رأي بمعنى عرف، لنفى ذلك، كما نفى عن رأيالمتعدية إلى اثنين، كونها لا تكون لأبصار، ولا رأى، ولا ضرب. وقال بعض الناس: المراد هنا بالرؤية رؤية البصر والقلبمعاً، لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حملاللفظ على الأمرين جميعاً، وهذا ضعيف، لأن فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو حمل اللفظ المشترك على أكثر من موضوعواحد في حالة واحدة، وهو لا يجوز عندنا. وقرأ ابن كثير: وأرنا، وأرني خمسة بإسكان الراء. وروي عن أبي عمر:والإسكان والاختلاس. وروي عنه: الإشباع، كالباقين، إلا أن أبا عامر، وأبا بكر أسكنا في أرنا اللذين. فالإشباع هو الأصل، والاختلاسحسن مشهور في العربية، والإسكان تشبيه للمنفصل بالمتصل، كما قالوا: فخذ سهله، كون الحركة فيه ليست لإعراب. وقد أنكر بعضالناس الإسكان من أجل أن الكسرة تدل على ما حذف، فيقبح حذفها، يعني أن الأصل كان أرء، فنقلت حركة الهمزةإلى الراء، وحذفت الهمزة، فكان في إقرارها دلالة على المحذوف. وهذا ليس بشيء، لأن هذا أصل مرفوض، وصارت الحركة كأنهاحركة للراء. وقال الفارسي: ما قاله هذا القائل ليس بشيء. ألا تراهم أدغموا في لكنا هو الله ربي، أي الأصللكن، ثم نقلوا الحركة وحذفوا، ثم أدغموا؟ فذهاب الحركة في أرنا ليس بدون ذهابها في الإدغام. وأيضاً فقد سمع الإسكانفي هذا الحرف نصاً عن العرب، قال الشاعر:

أرنا أداوة عبد الله نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا

وأيضاً فهي قراءة متواترة، فإنكارها ليس بشيء. وذكر المفسرون في كيفية تأدية إبراهيم وإسماعيل هذه المناسك، أقوالاً سبعةمضطربة النقل. وذكروا أيضاً من حج هذا البيت من الأنبياء، ومن مات بمكة منهم. وذكروا أنه مات بها نوح، وهود،وصالح، وشعيب، وإسماعيل، وغيرهم، ولم تتعرض الآية الكريمة لشيء من ذلك، فتركنا نقل ذلك على عادتنا. {وَتُبْ عَلَيْنَا }:قالوا التوبة من حيث الشريعة تختلف باختلاف التائبين، فتوبة سائر المسلمين الندم بالقلب، والرجوع عن الذنب، والعزم على عدم العود،ورد المظالم إذا أمكن، ونية الرد إذا لم يمكن، وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء، والفتور في الأعمال،والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال، وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات، والترقي في المقامات، فإن كان إبراهيم وإسماعيل دعوا لأنفسهمابالتوبة، وكان الضمير في قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا } خاصاً بهما، فيحتمل أن تكون التوبة هنا من هذا القسم الأخير. قالوا:ويحتمل أن يريد التثبيت على تلك الحالة مثل: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ }. وإن كان الضمير شاملاً لهما وللذرية، كانالدعاء بالتوبة منصرفاً لمن هو من أهل التوبة. وإن كان الضمير قبله محذوفاً مقدراً، فالتقدير على عصاتنا، ويكون دعا بالتوبةللعصاة. ولا تدل هذه الآية على جواز وقوع الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لما ذكرناه من الاحتمال، خلافاً لمنزعم ذلك وقال: التوبة مشروطة بتقدم الذنب، إذ لولا ذلك لاستحال طلب التوبة. والذي يقوي أن المراد الذرية العصاة قولهتعالى: { وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلاْصْنَامَ } ، إلى قوله: { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، أي فأنت قادر على أنتتوب عليه وتغفر له، وقراءة عبد الله، وأرهم مناسكهم، وتب عليهم، واحتمال أن يكون: وأرنا مناسكنا على حذف مضاف، أيوأر ذريتنا مناسكنا، كقوله: ولقد خلقناكم، أي خلقنا أباكم. وقال الزمخشري: وتب علينا ما فرط منا من الصغائر، أو استتاباًلذريتهما. انتهى. فقوله: ما فرط منا من الصغائر هو على مذهب المعتزلة، إذ يقولون بتجويزها على الأنبياء. قال ابن عطية:وقد ذكر قولي التثبيت، أو كون ذلك دعاء للذرية، قال: وقيل وهو الأحسن عندي أنهما لما عرفا المناسك، وبنيا البيت،وأطاعا، أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. وقال الطبري: ليس أحدمن خلق الله إلا وبينه وبين الله تعالى معان يحب أن كون أحسن مما هي. انتهى كلام ابن عطية، وفيهخروج قوله: وتب علينا عن ظاهره إلى تأويل بعيد، أي إن الدعاء بقوله: وتب علينا، ليس معناه أنهما طلبا التوبة،بل نبها بذلك الطلب على أن غيرهما يطلب في تلك المواضع التوبة، فيكونان لم يقصدا الطلب حقيقة، إنما ذكرا ذلكلتشريع غيرهما لطلب ذلك، وهذا بعيد جداً. قال ابن عطية: وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائرومن الصغائر التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك من الصغائر. انتهى كلامه. قال الإمام فخر الدين أبو عبد اللهمحمد بن عمر بن الحسن الرازي، في (كتاب المحصول) له ما ملخصه: قالت الشيعة، لا يجوز أن يقع منهم ذنب،لا صغير ولا كبير، لا عمداً ولا سهواً، ولا من جهة التأويل. ثم ذكر الاتفاق على أنه لا يجوز منهمالكفر، ولا التبديل في التبليغ، ولا الخطأ في الفتوى. وذكر خلافاً في أشياء، ثم قال الذي يقول به إنه لايقع منهم ذنب على سبيل القصد، لا كبير ولا صغير، وأما سهواً فقد يقع، لكن بشرط أن يتذكروه في الحالوينبهوا غيرهم على أن ذلك كان سهواً. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }: يجوز في أنت: الفصل والتأكيد والابتداء، وهاتانالصفتان مناسبتان لأنهما دعوا بأن يجعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة، وبأن يريهما مناسكهما، وبأن يتوب عليهما. فناسب ذكر التوبةعليهما، أو الرحمة لهما. وناسب تقديم ذكر التوبة على الرحمة، لمجاورة الدعاء الأخير في قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا }. وتأخرت صفةالرحمة لعمومها، لأن من الرحمة التوبة، ولكنها فاصلة. والتواب لا يناسب أن تكون فاصلة هنا، لأن قبلها {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُٱلْعَلِيمُ }، وبعدها: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }. {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ }: لما دعا ربه بالأمن لمكة،وبالرزق لأهلها، وبأن يجعل من ذريته أمّة مسلمة، ختم الدعاء لهم بما فيه سعادتهم دنيا وآخرة، وهو بعثة محمد صلىالله عليه وسلم فيهم، فشمل دعاؤه لهم الأمن والخصب والهداية. وقد تقدم معنى البعث في قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم }، والمرادهنا: الإرسال إليهم. والضمير في فيهم يحتمل أن يعود على الذرية، ويحتمل أن يعود على أمّة مسلمة، ويحتمل أن يعودعلى أهل مكة، وييده قوله: {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلامّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ }، ولا خلاف أنه رسول الله صلى اللهعليه وسلم، وصح عنه أنه قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم». ولم يبعث الله إلى مكة وما حولها إلا هو صلىالله عليه وسلم. وقرأ أبيّ: وابعث فيهم في آخرهم، قال ابن عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح،وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ومحمد ﷺ. ومنهم في موضع الصفة لرسولا، أي كائناً منهملا من غيرهم، فهم يعرفون وجهه ونسبه ونشأته، كما قال: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْأَنفُسِهِمْ }، ودعا بأن يبعث الرسول فيهم منهم، لأنه يكون أشفق على قومه، ويكونون هم أعزبه وأشرف وأقرب للإجابة، لأنهميعرفون منشأه وصدقه وأمانته. قال الربيع: لما دعا إبراهيم قيل له: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان. {يَتْلُوعَلَيْهِمْ * ءايَـٰتِكَ } جملة في موضع الصفة لرسولاً. وقيل: في موضع الحال منه، لأنه قد وصف بقوله منهم، ووصفإبراهيم الرسول بأنه يكون يتلو عليهم آيات الله، أي يقرؤها، فكان كذلك، وأوتي رسول الله ﷺ القرآن،وهو أعظم المعجزات. وقبل الله دعاء إبراهيم، فأتى بالمدعو له على أكمل الأوصاف التي طلبها إبراهيم، والآيات هنا آيات القرآن.وقيل: خبر من مضى، وخبر من يأتي إلى يوم القيامة، وقال الفضل: معناه يبين لهم دينهم. {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }:هو القرآن، والمعنى: أنه يفهمهم ويلقي إليهم معانيه. وكان ترتيب التعليم بعد التلاوة، لأنه أول ما يقرع السمع هو التلاوةوالتلفظ بالقرآن، ثم بعد ذلك تتعلم معانيه ويتدبر مدلوله. وأسند التعليم للرسول، لأنه هو الذي يلقي الكلام إلى المتعلم، وهوالذي يفهمه ويتلطف في إيصال المعاني إلى فهمه، ويتسبب في ذلك. والتعليم يكون بمعنى التفهيم وحصول العلم للمتعلم، ويكون بمعنىإلقاء أسباب العلم، ولا يحصل به العلم، ولذلك يقبل النقيضين، تقول: علمته فتعلم، وعلمته فما تعلم، وذلك لاختلاف المفهومين منتعلم. قال الزمخشري: يتلو عليهم آياتك: يقرأ عليهم، ويبلغهم ما يوحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك، ويعلمهم الكتاب القرآن،{وَٱلْحِكْــمَةِ }: الشريعة وبيان الأحكام. وقال قتادة: الحكمة: السنة، وبيان النبي الشرائع. وقال مالك وأبو رزين: الحكمة، الفقه في الدين،والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى. وقال مجاهد: الحكمة: فهم القرآن. وقال مقاتل: العلم والعمل به لا يكونالرجل حكيماً حتى يجمعهما. وقيل: الحكم والقضاء. وقيل: ما لا يعلم إلا من جهة الرسول. وقال ابن زيد: كل كلمةوعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. وقال بعضهم: الحكمة هنا الكتاب، وكررها توكيداً. وقال أبوجعفر محمد بن يعقوب: كل صواب من القول ورّث فعلاً صحيحاً فهو حكمة. وقال يحيـى بن معاذ: الحكمة جند منجنود الله، يرسلها الله إلى قلوب العارفين حتى يروّح عنها وهج الدنيا. وقيل: هي وضع الأشياء مواضعها. وقيل: كل قولوجب فعله. وهذه الأقوال في الحكمة كلها متقاربة، ويجمع هذه الأقوال قولان: أحدهما، القرآن والآخر السنة، لأنها المبينة لما أنبهممن الكتاب، والمظهرة لوجوه الأحكام. ويكون المعنى، والله أعلم، في قوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ * ءايَـٰتِكَ }، أي يفصح لهم عنألفاظه ويوقفهم بقراءته على كيفية تلاوته، كما قال ﷺ لأبي: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ،وذلك لأن يتعلم أبي منه ﷺ كيفية أداء القرآن ومقاطعه ومواصلة. وفي قوله: {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }، أييبين لهم وجوه أحكامه: حلاله وحرامه، ومفروضه، ومسنونه، ومواعظه، وأمثاله، وترغيبه، وترهيبه، والحشر، والنشر، والعقاب، والثواب، والجنة والنار. وفي قوله:والحكمة، أي السنة تبين ما في الكتاب من المجمل، وتوضح ما أنبهم من المشكل، وتفصح عن مقادير، وعن إعداد ممالم يتعرض الكتاب إليه، ويثبت أحكاماً لم يتضمنها الكتاب. {وَيُزَكّيهِمْ } باطناً من أرجاس الشرك وأنجاس الشك، وظاهراً بالتكاليف التيتمحص الآثام وتوصل الأنعام. قال ابن عباس: التزكية: الطاعة والإخلاص. وقال ابن جريج: يطهرهم من الشرك. وقيل: يأخذ منهم الزكاةالتي تكون سبباً لطهارتهم. وقيل: يدعوا إلى ما يصيرون به أزكياء. وقيل: يشهد لهم بالتزكية من تزكية العدول، ومعنى الزكاةلا تخرج عن التطهير أو التنمية. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }، العزيز: الغالب، أو المنيع الذي لا يرام، قالهالمفضل بن سلمة، أو الذي لا يعجزه شيء، قاله ابن كيسان، أو الذي لا مثل له، قاله ابن عباس، أوالمنتقم، قاله الكلبي، أو القوي، ومنه فعززنا بثالث، أو المعز ومنه: { وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } . الحكيم: قد تقدم تفسير الحكيمفي قصة الملائكة وآدم في قوله: { إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } . وأنت: يجوز فيها ما جاز في { أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } قبل من الأعاريب. وهاتان الصفتان متناسبتان لما قبلهما، لأن إرسال رسول متصف بالأوصاف التي سألهاإبراهيم لا تصدر إلا عمن اتصف بالعزة، وهي الغلبة أو القوّة، أو عدم النظير، وبالحكمة التي هي إصابة مواقع الفعل،فيضع الرسالة في أشرف خلقه وأكرمهم عليه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته. وتقدّمت صفة العزيز على الحكيم لأنها من صفاتالذات، والحكيم من صفات الأفعال، ولكون الحكيم فاصلة كالفواصل قبلها. وفي المنتخب: يتلو عليهم آياتك: هي القرآن. وقيل: الأعلام الدالةعلى وجود الصانع وصفاته. ومعنى التلاوة: تذكيرهم بها ودعاؤهم إليها وحملهم على الإيمان بها، وحكمة التلاوة: بقاء لفظها على الألسنة،فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف، وكون نظمها ولفظها معجزاً، وكون تلاوتها في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة إلا أن الحكمةالعظمى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام. وقال القفال، عبر بعض الفلاسفة عن الحكمة، بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية،وقيل الحكمة المتشابهات. وقيل: الكتاب أحكام الشرائع، والحكمة وجوه المصالح والمنافع فيها، وقيل: كلها صفات للقرآن، هو آيات، وهو كتابوهو حكمة. انتهى ما لخص من المنتخب. {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ }: روي أنعبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أن الله قال في التوراة:إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، من آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون،فأسلم سلمة وأبى مهاجر، فأنزل الله هذه الآية. ومن: اسم استفهام في موضع رفع على الابتداء، وهو استفهام معناه: الإنكار،ولذلك دخلت إلا بعده. والمعنى: لا أحد يرغب، فمعناه النفي العام. ومن سفه: في موضع رفع بدل من الضمير المستكنفي يرغب، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء، والرفع أجود على البدل، لأنه استثناء من غير موجب، ومنفي من سفه موصولة، وقيل: نكرة موصوفة، وانتصاب نفسه على أنه تمييز، على قول بعض الكوفيين، وهو الفراء، أو مشبهبالمفعول على قول بعضهم، أو مفعول به، إمّا لكون سفه يتعدى بنفه كسفه المضعف، وإما لكونه ضمن معنى ما يتعدّى،أي جهل، وهو قول الزجاج وابن جني، أو أهلك، وهو قول أبي عبيدة، أو على إسقاط حرف الجر، وهو قولبعض البصريين، أو توكيد لمؤكد محذوف تقديره سفه قوله نفسه، حكاه مكي. أما التمييزفلا يجيزه البصريون، لأنه معرفة، وشرط التمييزعندهم أن يكون نكرة، وأما كونه مشبهاً بالمفعول، فذلك عند الجمهور مخصوص بالصفة، ولا يجوز في الفعل، تقول: زيد حسنالوجه، ولا يجوز حسن الوجه، ولا يحسن الوجه. وأما إسقاط حرف الجر، وأصله من سفه في نفسه، فلا ينقاس، وأماكونه توكيداً وحذف مؤكدة ففيه خلاف. وقد صحح بعضهم أن ذلك لا يجوز أعني: أن يحذف المؤكد ويبقى التوكيد، وأماالتضمين فلا ينقاس، وأما نصبه على أن يكون مفعولاً به، ويكون الفعل يتعدّى بنفسه، فهو الذي نختاره، لأن ثعلباً والمبردحكيا أن سفه بكسر الفاء يتعدى، كسفه بفتح الفاء وشدها. وحكي عن أبي الخطاب أنها لغة. قال الزمخشري: سفه نفسه:امتهنها واستخف بها، وأصل السفه، الخفة، ومنه زمام سفيه. وقيل: انتصاب النفس على التمييز نحو: غبن رأيه، وألم رأسه، ويجوزأن يكون في شذوذ تعريف التمييز، نحو قوله:

ولا بفزارة الشعر الرقابا أجب الظهر ليس له سنام

وقيل: معناه سفه في نفسه فحذف لجار، كقولهم: زيد ظني مقيم، أي في ظني، والوجه هو الأول،وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث: الكبر أن يسفه الحق ويغمص الناس . انتهى كلامه. فأجاز نصبه على المفعول به،إلا أن قوله: ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف التمييز، نحو قوله:

ولا بفزارة الشعر الرقابا أجب الظهر ليس له سنام

ليس بصحيح، لأن الرقاب من باب معمول الصفة المشبهة. والشعر جميع أشعر، وكذلكأجب الظهر هو أيضاً من باب الصفة المشبهة، وأجب أفعل اسم وليس بفعل. وقبل النصف الأول قوله:

فما قومي بثعلبة بن سعدى

وقبل الآخر قوله:

ونأخذ بعده بذناب عيش

فليس نحوه، لأن نفسه انتصب بعد فعل، والرقاب والظهر انتصبا بعداسم، وهما من باب الصفة المشبهة. ومعنى الآية: أنه لا يزهد ويرفع نفسه عن طريقة إبراهيم، وهو النبي المجمع علىمحبته من سائر الطوائف، إلا من أذل نفسه وامتهنها. وقال ابن عباس: معنى سفه نفسه: خسر نفسه. وقال أبو روق:عجز رأيه عن نفسه. وقال يمان: حمق رأيه. وقال الكلبي: قتل نفسه. وقال ابن بحر: جهلها ولم يعرف ما فيهامن الدلائل. وحكي عن بعضهم أن معناه: سفه حق نفسه، فأما سفه بضم الفاء فمعناه: صار سفيهاً، مثل فقه إذاصار فقيهاً، قال:

فلا علم إذا جهل العليم ولا رشد إذا سفه الحليم

{وَلَقَدِٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا }: أي جعلناه صافياً من الأدناس، واصطفاؤه بالرسالة والخلة والكلمات التي وفى ووصى بها، وبناء البيت، والإمامة،واتخاذ مقامه مصلى، وتطهير البيت، والنجاة من نار نمروذ، والنظر في النجوم، وأذانه بالحج، وإراءته مناسكه، إلى غير ذلك مماذكر الله في كتابه، من خصائصه ووجوه اصطفائه. {وَإِنَّهُ فِى ٱلاْخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }: ذكر تعالى كرامة إبراهيم في الدارين،بأن كان في الدنيا من صفوته، وفي الآخرة من المشهود له بالاستقامة في الخير، ومن كان بهذه الصفة فيجب علىكل أحد أن لا يعدل عن ملته. وهاتان الجملتان مؤكدتان، أما الأولى فباللام، وأما الثانية فبأن وباللام. ولما كان إخباراًعن حالة مغيبة في الآخرة، احتاجت إلى مزيد تأكيد، بخلاف حال الدنيا، فإن أرباب المآل قد علموا اصطفاء الله لهفي الدنيا بما شاهدوه منه ونقلوه جيلاً بعد جيل. وأما كونه في الآخرة من الصالحين، فأمر مغيب عنهم يحتاج فيهإلى إخبار من الله تعالى، فأخبر الله به مبالغاً في التوكيد، وفي الآخرة متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده، أيوأنه لصالح في الآخرة. وقال بعضهم: هو على إضمار، أعني: فهو للتبيين، كلك بعد سقيا، وإنما لم يتعلق بالصالحين، لأناسم الفاعل في صلة الألف واللام، ولا يتقدّم معمول الوصف إذ ذاك. وكان بعض شيوخنا يجوّز ذلك، إذا كان المعمولظرفاً أو جاراً ومجروراً، قال: لأنهما يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما. وجوزوا أن تكون الألف واللام غير موصولة،بل معرفة، كهي في الرجل، وأن يتعلق المجرور باسم الفاعل إذ ذاك. وقيل: في الآخرة، أي في عمل الآخرة، فيكونعلى حذف مضاف، وقيل: الآخرة هنا البرزخ، والصلاح ما يتبعه من الثناء الحسن في الدنيا. وقيل: الآخرة يوم القيامة، وهوالأظهر. قال ابن عباس: لمن الصالحين، أي الأنبياء. وقيل: من الذين يستوجبون صالح الجزاء، قال معناه الحسن. وقيل: الوارد بنموارد قدسه، والحالين مواطن أنسه. وقال الحسن بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير، ولقد اصطفيناه في الدنيا، وفي الآخرة،وأنه لمن الصالحين. وهذا الذي ذهب إليه خطأ ينزه كتاب الله عنه. {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُلِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }: هذا من الالتفات، إذ لو جرى على الكلام السابق، لكان: إذ قلنا له أسلم، وعكسه في الخروجمن الغائب إلى الخطاب قوله:

باتت تشكي إليّ النفس مجهشة وقد حملتك سبعاً بعد سبعينا

والعامل في إذ: قال أسلمت. وقيل: ولقد اصطفيناه، أي اخترناه في ذلك الوقت، وجوّز بعضهم أن يكون بدلاً منقوله: في الدنيا، وأبعد من جعل إذ قال في موضع الحال من قوله: ولقد اصطفيناه، وجعل العامل في الحال اصطفيناه،وقيل: محذوف تقديره أذكر. وعلى تقدير أن العامل اصطفيناه أو اذكر المقدّرة، يبقى قوله: قال أسلمت، لا ينتظم مع ماقبله، إلا إن قدر، يقال: فحذف حرف العطف، أو جعل جواباً لكلام مقدّر، أي ما كان جوابه؟ قال: أسلمت. وهلالقول هنا على بابه، فيكون ذلك بوحي من الله وطلب؟ أم هذا كناية عما جعل الله في سجيته من الدلائلالمفضية إلى الوحدانية وإلى شريعة الإسلام؟ فجعلت الدلالة قوماً على سبيل المجاز، وإذا حمل على القول حقيقة، فاختلفوا متى قيلله ذلك. فالأكثرون على أنه قيل له ذلك قبل النبوّة، وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه علىأمارات الحدوث فيها، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية، وأمارات الحدوث، فلما عرف ربه، قال تعالى له أسلم. وقيل:كان بعد النبوّة، فتؤول الأمر بالإسلام على أنه أمر بالثبات والديمومة، إذ هو متحل به وقت الأمر، ويكون الإسلام هناعلى بابه، والمعنى: على شريعة الإسلام. وقيل: الإسلام هنا غير المعروف، وأول على وجوه، فقال عطاء: معناه سلم نفسك. وقالالكلبي وابن كيسان: أخلص دينك. وقيل: اخشع واخضع لله. وقيل: اعمل بالجوارح، لأن الإيمان هو صفة القلب، والإسلام هو صفةالجوارح، فلما كان مؤمناً بقلبه كلفه بعد عمل الجوارح، وفي قوله: أسلم، تقدير محذوف، أي أسلم لربك. وأجاب بأنه أسلمالرب العالمين، فتضمن أنه أسلم لربه، لأنه فرد من أفراد العموم، وفي العموم من الفخامة ما لا يكون في الخصوص،لذلك عدل عن أن يقول: أسلمت لربي، ومن كان رباً للعالمين ينبغي أن يكون جميعهم مسلمين له منقادين. وقدتضمنت هذه الآيات الكريمة ابتداء قصص إبراهيم عليه السلام. فذكر أولاً ابتلاءه بالكلمات، وإتمامه إياهن، واستحقاقه الإمامة بذلك على الناسكلهم في زمانه، وسؤال إبراهيم الإمامة لذريته شفقة عليهم ومحبة منه لهم، وإيثاراً أن يكون في ذريته من يخلفه فيالإمامة، وإجابة الله له بأن عهده لا يناله ظالم، وفي طيه أن من كان عادلاً قد ينال ذلك. وكانفي ابتداء قصص إبراهيم بنيه وذريته من بني إسرائيل وغيرهم، على فضيلته وخصوصيته عند الله تعالى، ليكون ذلك حاملاً لهمعلى اتباعه، فإنه إذا كان للشخص والد متصف بصفات الكمال، أوشك ولده أن يتبعه وأن يسلك منهجه، لما في الطبعمن اتباع الآباء والاقتفاء لآثارهم، ألا ترى إلى قوله: { إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أمة } ؟. ثم ذكر تعالى شرفالبيت الحرام، وجعله مقصداً للناس يؤمون إليه، وملجأ يأمنون فيه، وأمره تعالى للناس بالاتخاذ من مقام إبراهيم مصلى، فحصل لهمالاقتداء بأن جعل مقامه مكان عبادة ومحل إجابة. ثم ذكر عهده لإبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت، حيث صار محل عبادة للهتعالى، ومكان عبادة الله تعالى يجب أن يكون مطهراً من الأرجاس والأنجاس. وأشار بتطهير المحل إلى تطهير الحال فيه ظاهراًوباطناً، وإلى تطهير ما يقع فيه من العبادة، بالإخلاص لله تعالى، فلا ينجس بشيء من الرياء، بل يطهر بإخلاصها للهتعالى. ثم أشار إلى من طهر البيت لأجله، وهم الطائفون والعاكفون والمصلون، فنبه على هذه العبادات التي تكون في البيت،ودل على أن البيت لا يصلح بشيء من أمور الدنيا، كالبيع والشراء وعمل الصنائع والحرف والخصومات، وأنه إنما هيـىء لوقوعالعبادات فيه. ثم ذكر دعاء إبراهيم ربه بجعل هذا البيت محل أمن، ودعاءه لهم بالخصب والرزق، وتخصيص ذلك الدعاء بالمؤمنين،إذ الأمن والخصب هما سببان لعمارة هذا البيت وقصد الناس له. ثم أخبر الله تعالى أن من كفر فتمتيعهقليل ومآله إلى النار، ليكون التخويف حاملاً على التقيد بالإيمان والانقياد للطاعات، وليدل على أن الرزق في الدنيا ليس مختصاًبمن آمن، بل رزق الله يشترك فيه البر والفاجر. ثم ذكر رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت، وما دعوا به إذذاك من طلب تقبل ما يفعلانه، والثبات على الإسلام، والدعاء بأن يكون من ذريتهما مسلمون، وإراءة المناسك والتوبة، وبعثة رسولمن أمته يهديهم إلى طريق الإسلام بما يوحى إليه من عند الله، ويطهرهم من الجرائم والآثام. فدل ذلك على مشروعيةالأدعية الصالحة عند الالتباس بالعبادات، وأفعال الطاعات، وأن ذلك الوقت مظنة إجابة، وفي ذلك جواز الدعاء للملتبس بالطاعة، ولمن أحبأن يدعو له. وختم كل دعاء بما يناسبه مما قبله. ولم يكن في هذا الدعاء شيء متعلق بأحوال الدنيا، إنماكان كله دعاء بما يتعلق بأمور الدين، فدل ذلك على عدم اكتراث إبراهيم وابنه إسماعيل بأحوال الدنيا حالة بناء هذاالبيت ورفع قواعده. وقد تقدّم دعاؤه بالأمن والخصب، لكن كان ذلك بعد أن كمل البيت وفرغ من التعبد ببنائهورفع قواعده. ثم ذكر شرف إبراهيم وطواعيته لربه، واختصاصه في زمانه بالإمامة، وصيرورته مقتدى به. ذكر أنه لا يرغب عنطريقته إلا خاسر الصفقة، لأنه المصطفى في الدنيا، الصالح في الآخرة. وختم ذلك بانقياده لأمر الله تعالى، فأول قصته إتمامهما كلفه الله به، وآخرها التسليم لله، والانقياد إليه صلى الله على نبينا وعليه وسلم.

  • تفسير البحر المحيط لأبي حيان البقرة الآية 177


{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } * { أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[عدل]

بهت: تحير ودهش، ويكون متعدياً على وزن فعَّل، ومنه: فتبهتهم، ولازماً على وزنفَعَلَ كظرف وفعل كدهش، والأكثر في اللازم الضم وحكي عن بعض العرب: بهت بفتح الهاء لازماً، ويقال بهته وباهته واجههبالكذب، وفي الحديث أن اليهود قوم بهت. الخاوي: الخالي، خوت الدار تخوى خوىً غير ممدود، وخوياً، والأولى أفصح، ويقالخوى البيت انهدم لأنه بتهدّمه يخلو من أهله، والخوى: الجوع: لخلو البطن من الغذاء، وخوت المرأة وخويت خلا جوفها عندالولادة، وخويت لها تخويةً علمت لها خوية تأكلها، وهي طعام. والخوي على وزن فعيل: البطن السهل من الأرض، وخوي البعيرجافَى بطنه عن الأرض في مبركه، وكذلك الرجل في سجوده قال الراجز:خوى على مستويات خمس كركرة وثفنات ملسِ العرش: سقف البيت، وكل ما يهيأ ليُظلَّ أو يِكُنَّ فهو عريش الدالية، وقال تعالى: {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } وفي الحديث لماأمر ببناء المسجد قالوا: نبنيه لك بنياناً قال: «لا بل عرش كعرش أخي موسى» فوضعوا النخل على الحجارة وغشوه بالجريدوسعفه، وقيل: العرش البنيان قال الشاعر:إن يقتلونك فقد ثللث عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب مائة: اسم لرتبة من العدد معروفة، ويجمع على مئات ومئين، وهي مخففة محذوفة اللام، ولا مهاياء، فالأصل مئية،ويقال: أمأيتُ الدراهم إذا صيرتها، وأمأَتْ هي، أي: صارت مائة. العام: مدّة من الزمان معروفة، وألفه منقلبة عن واو،لقولهم: العويم والأعوام. وقال النقاش: العام مصدر كالعوم، سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك،والعوم كالسبح، وقال تعالى {وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } والعام على هذا: كالقول والقال. اللبث: المكث والإقامة. يتسنه:إن كانت الهاء أصلية فهو من السنة على من يجعل لامها المحذوف هاءً، قالوا في التصغير: سنيهة، وفي الجمع سنهات.وقالوا: سانهت وأسنهت عند بني فلان، وهي لغة الحجاز وقال الشاعر:وليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح وإن كانت الهاء للسكت، وهو اختيار المبرد، فلام الكلمة محذوفة للجازم، وهي ألف منقلبة عن واو علىمن يجعل لام سنة المحذوف واواً. لقولهم: سنية وسنوات، واشتق منه الفعل، فقيل: سانيت وأسنى وأسنت. أبدل من الواو تاءً،أو تكون الألف منقلبة عن ياء مبدلة من نون، فتكون من المسنون أي: المتغير، وأبدلت كراهة اجتماع الأمثال، كما قالوا:تظني، ويتلعَ الأصل تطنن ويتلعع، قاله أبو عرم، وخطأه الزجاج. قال: لأن المسنون: المصبوب على سنة الطريق وصوبه وقال النقاش:هو من قوله من ماء غير آسنٍ ورد النجاة عليه هذا القول لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لميتأسن، لأنك لو بنيت تفعل من الأكل لقلت تأكل، ويحتمل ما قاله النقاش على اعتقاد القلب، وجعل فاء الكلمة مكاناللام، وعينها مكان الفاء، فصار: تسنأ، وأصله تأسن، ثم أبدلت الهمزة كما قالوا في: هدأ وقرأ واستقرأ، هذا وقرا واستقرا.الحمار: هو الحيوان المعروف، ويجمع في القلة على: أفعلة قالوا: أحمرة، وفي الكثرة على: فُعُل، قالوا: حمر وعلى: فعيل،قالوا: حمير. أنشر: الله الموتى، ونشرهم، ونشر الميت حيي قال الشاعر:حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر وأما: أنشز، بالزاي فمن النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، ومعن: أنشز الشيء جعله ناشزاً،أي: مرتفعاً، ومنه: انشزوا فانشزوا، وامرأة ناشز، أي: مرتفعة عن الحالة التي كانت عليها مع الزوج. الطمأنينة: مصدر اطمأنَّعلى غير القياس، والقياس الإطمئنان، وهو: السكون، وطامنته أسكنته، وطامنته فتطامن: خفضته فانخفض، ومذهب سيبويه في اطمأن أنه مما قدّمتفيه الميم على الهمزة، فهو من باب المقلوب، ومذهب الجرمي: أن الأصل في اطمأن كاطأمن، وليس من المقلوب، والترجيح بينالمذهبين مذكور في علم التصريف. الطير: اسم جمع: كركْب وسفْر، وليس بجمع خلافاً لأبي الحسن. صار: يصور قطعوانصار: انقطع، وصرته أصوره: أملته، ويقال أيضاً في القطع والإمالة: صاره يصيره، قاله أبو علي، وقال الفراء: الضم في الصاديحتمل الإمالة والتقطيع، والكسر فيها لا يحتمل إلاَّ القطع، وقال أيضاً: صاره مقلوب صراه عن كذا، أي: قطعه، وقال غيره:الكسر بمعنى القطع، والضم بمعنى الإمالة. الجبل: معروف ويجمع في القلة على: أجبال وأجبل، وفي الكثرة على: جبال.الجزء: من الشيء، القطعة منه وجزَّأ الشيء جعله قطعاً. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ أَنْ آتَـٰهُٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } مناسبة هذه القصة التي جرت بين إبراهيم والذي حاجه، وانه ناظر ذلك الكافر فغلبه وقطعه، إذ كانالله وليه، وانقطع ذلك الكافر وبهت إذ كان وليه هو الطاغوت: { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } فصارت هذه القصة مثلاً للمؤمن والكافر اللذين تقدّم ذكرهما، وتقدّم الكلام على قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ } فأغنى عن إعادته. وقرأ علي بن أبي طالب: ألم تر، بسكون الراء، وهو من إجراءالوصل مجرى الوقف، والذي حاج إبراهيم: هو نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، ملك زمانه وصاحب الناروالبعوضة، قاله مجاهد،وقتادة، والربيع، والسدّي، وابن إسحاق، وزيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض، وردهابن عطية. وقال قتادة: هو أول من تجبر، وهو صاحب الصرح ببابل. قيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينته،وقال مجاهد: ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمروذ وبخت نصر. وقيل: هو نمروذ بن يجاريب بن كوش بنكنعان ابن سام بن نوح. وقيل: نمروذ بن فايخ بن عابر بن سايخ بن ارفخشده بن سام بن نوح. وحكىالسهيلي أنه: النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان ملكاً على السودان، وكان ملكه الضحاك الذي يعرفبالازدهاق، واسمه اندراوست بن اندرشت، وكان ملك الأقاليم كلها، وهو الذي قتله أفريدون بن أهبان، وفيه يقول أبو تمام حبيبفي قصيد مدح به الأفشين، وذكر أخذه بابك الخرّمي:بل كان كالضحاك في فتكاته بالعالمين، وأنت أفريدون وهو أول من صلب وقطع الأيدي والأرجل، وملك نمروذ أربعمائة عام فيما ذكروا: وله ابن يسمى نمروذاً الأصغر ملكعاماً واحداً. ومعنى: {حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ } أي: عارض حجته بمثلها، أو: أتى على الحجة بما يبطلها، أو:أظهر المغالبة في الحجة. ثلاثة أقوال. واختلفوا في وقت الحاجة، فقيل: خرجوا إلى عيدٍ لهم، فدخل ابراهيم على أصنامهمفكسرها، فلما رجعوا قال: أتعبدون ما تنحتون؟ فقال له: فمن تعبد؟ قال: أعبد {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ } وقيل: كان نمروذيحتكر، فإذا احتاجوا اشتروا منه الطعام، فإذا دخلوا عليه سجدوا له، فلما دخل إبراهيم لم يسجد له، فقال: مالك لمتسجد لي؟ فقال: أنا لا أسجد إلا لربي فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: {إِبْرٰهِيمُ رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ }.وفي قوله: إنه كان كلما جاء قوم قال من ربكم وإلهكم؟ فيقولون: أنت، فيقول: ميروهم وجاء ابراهيم يمتار، فقالله: من ربك وإلهك؟ فقال: {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ }. وقيل: كانت الحاجة بعد أن خرج من النار التيألقاه فيها النمروذ، وذكروا أنه لما لم يُمْرِهِ النمروذ، مر على رمل أعفر، فأخذ منه وأتى أهله ونام، فوجدوه أجودطعام، فصنعت منه وقربته له، فقال: من أين هذا؟ قالت من الطعام الذي جئت به فعرف أن الله رزقه، فحمدالله. وقيل: مرّ على رملة حمراء، فأخذ منها، فوجدوها حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها جاء سنبله من أصلهاإلى فرعها حباً متراكباً. في: ربه، يحتمل أن يعود الضمير على ابراهيم، وأن يعود على النمروذ، والظاهر الأول.{أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } الظاهر أن الضمير في: آتاه، عائد على: الذي حاج، وهو قول الجمهور، و: أن آتاه،مفعول من أجله على معنيين: أحدهما: أن الحامل له على المحاجة هو ايتاؤه الملك، أبطره وأورثه الكبر، والعتوّ، فحاج لذلك.والثاني: أنه وضع المحاجة موضع ما وجب عليه من الشكر لله تعالى على ايتائه الملك، كما تقول: عاداني فلان لأنيأحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ومنه: { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } وأجازالزمخشري أن يكون التقدير: حاج وقت أن يكون التقدير: حاج وقت أن آتاه الله الملك، فإن عنى أن ذلك علىحذف مضاف، فيمكن ذلك على أن فيه بعداً من جهة أن المحاجة لم تقع وقت أن آتاه الله الملك. إلاَّأن يجوز في الوقت، فلا يحمل على ما يقتضيه الظاهر من أنه وقت ابتداء ايتاء الله الملك له، ألا ترىأن ايتاء الله الملك إياه سابق على الحاجة وإن عنى أن: أن والفعل، وقعت موقع المصدر الواقع موقع ظرف الزمان؟كقولك: جئت خفوق النجم، ومقدم الحاج، وصياح الديك؟ فلا يجوز ذلك، لأن النحويين مضوا على أنه لا يقوم مقام ظرفالزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز: أجىء أن يصيح الديك، ولا جئت أن صاح الديك. وقال المهدوي: يحتمل أنيعود الضمير على إبراهيم: أي آتاه ملك النبوّة. قال ابن عطية: وهذا تحامل من التأويل. إنتهى. وما ذكره المهدوي احتمالاًهو قول المعتزلة، قالوا: الهاء كناية عن ابراهيم لا عن الكافر الذي حاجه، لأن الله تعالى قال: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } والملك عهد منه، وقال تعالى: { أم يحسدون الناس على مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } ورُدّ قول المعتزلة بأن ابراهيم ما عرف بالملك، وبقول الكافر: أنا أحيي وأميت، ولو كانإبراهيم الملك لما كان يقدر على محاجته في مثل هذه الحالة، وبأنه لما قال: أنا أحيي وأميت، جاء برجلين فقتلأحدهما وترك الآخر، ولو لم يكن ملكاً لم يقتل بين يدي ابراهيم بغير إذنه، إذ كان ابراهيم هو الملك، ولايردّ على المعتزلة بهذه الأوجه، لأن إثبات ملك النبوّة لإبراهيم لا ينافي ملك الكافر، لأنهما ملكان: أحدهما: بفضل الشرف فيالدين كالنبوّة والإمامة. والآخر: بفضل المال والقوّة والشجاعة والقهر والغلبة والاتباع. وحصول الملك للكافر بهذا المعنى يمكن، بل هو واقعمشاهد. وقال الزمخشري: {فَانٍ قُلْتَ }: كيف جاز أن يؤتى الله الملك الكافر؟ {قُلْتَ }: فيه قولان:آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا، وقيل: ملكة امتحاناً لعباده. إنتهى. وفيه نزغةاعتزالية، وهو قوله: وأما التغليب والتسليط فلا، لأنه عندهم هو الذي تغلب وتسلط، فالتغليب والتسليط فعله لا فعل الله عندهم.{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى } هذا من ابراهيم عن سؤال سبق من الكافر، وهو أن قال: منربك؟ وقد تقدّم في قصته شيء من هذ، وإلاَّ فلا يببتدأ كلام بهذا. واختص إبراهيم من آيات الله بالإحياءوالإماتة لأنهما أبدع آيات الله وأشهرها، وأدلها على تمكن القدرة، والعامل في إذ حاجّ، وأجاز الزمخشري أن يكون بدلاً من:أن آتاه، إذاً جعل بمعنى يالوقت، وقد ذكرنا ضعف ذلك، وأيضاً فالظرفان مختلفان إذ وقت إيتاء الملك ليس وقت قوله:{رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } وفي قول إبراهيم: {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } تقوية لقول من قال إن الضمير فيقوله: في ربه، عائد على إبراهيم. وربي الذي يحيي ويميت، مبتدأ وخبر، وفيه إشارة إلى أنه هو الذي أوجدالكافر ويحييه ويميته، كأنه قال: ربي الذي يحيي ويميت هو متصرّف فيك وفي أشباهك بما لا تقدر عليه أنت ولاأشباهك من هذين الوصفين العظميين المشاهدين للعالم اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء ولا طب الأطباء، وفيه إشارة أيضاً إلىالمبدأ والمعاد وفي قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى } دليل على الاختصاص لأنهم قد ذكروا أن الخبر، إذا كان بمثل هذا،دل على الاختصاص، فتقول: زيد الذي يصنع كذا، أي: المختص بالصنع. {قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّيَ } لما ذكر إبراهيم أنربه الذي يحيي ويميت عارضه الكافر بأنه بحيي ويميت، ولم يقل: أنا الذي يحيي ويميت، لأنه كان يدل على الاختصاص،وكان الحس يكذبّه إذ قد حيي ناس قبل وجوده وماتوا، وإنما أراد أن هذا الوصف الذي ادعيت فيه الاختصاص لربكليس كذلك، بل أنا مشاركه في ذلك. قيل: أحضر رجلين، قتل أحدهما وأرسل الآخر، وقيل: أدخل أربعة نفر بيتاً حتىجاعوا، فأطعم اثنين فحييا، وترك إثنين فماتا، وقيل: أحيا بالمباشرة وإلقاء النطفة، وأمات بالقتل. وقرأ نافع باثبات ألف: أناإذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مضمر. وروى أبو نشيط إثباتها مع الهمزة المكسورة. وقرأ الباقون بحذف الألف، وأجمعوا علىإثباتها في الوقف، وإثبات الألف وصلاً ووقفاً لغة بني تميم، ولغة غيرهم حذفها في الوصل، ولا تثبت عند غير بنيتميم وصلاً إلاَّ في ضرورة الشعر نحو قوله:فكيف أنا وانتحالي القوافي بعد المشيب كفى ذاك عاراً والأحسن أن تجعل قراءة نافع على لغة بني تميم. لأنه من إجراء الوصل مجرى الوقف على ماتأوّله عليه بعضهم، قال: وهو ضعيف جداً، وليس هذا مما يحسن الأخذ به في القرآن. إنتهى. فإذا حملنا ذلك علىلغة تميم كان فصيحاً. {وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرٰهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } لماخيل الكافر أنه مشارك لرب إبراهيم في الوصف الذي ذكره إبراهيم، ورأى إبراهيم من معارضته ما يدل على ضعف فهمهأو مغالطته، فإنه عارض اللفظ بمثله، ولم يتدبر اختلاف الوصفين، ذكر له ما لا يمكن أن يدعيه، ولا يغالط فيه،واختلف المفسرون هل ذلك انتقال من دليل إلى دليل؟ أو هو دليل واحد والانتقال فيه من مثال إلى مثال أوضحمنه؟ وإلى القول الأول ذهب الزمخشري. قال: وكان الاعتراض عتيداً، ولكنّ إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكنانتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء، وهذا دليل على جواز الانتقال من حجةإلى حجة. إنتهى كلامه. ومعنى قول الزمخشري: وكان الاعتراض عتيداً: أي من إبراهيم، لو أراد أن يعترض عليه بأنيقول له: أحي من أمتّ، فكان يكون في ذلك نصرة الحجة الأولى، وقد قيل: إنه قال له ذلك، فانقطع به،وأردفه إبراهيم بحجة ثانية، فحاجه من وجهين، وكان ذلك قصداً لقطع المحاجة، لا عجزاً عن نصرة الحجة الأولى، وقيل: كاننمروذ يدعي الربوبية، فلما قال له: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ وَأُمِيتُ } أي: الذي يفعل ذلكأنا لا من نسبت ذلك إليه، فلما سمع ابراهيم افتراءه العظيم، ودّعاءه الباطل تمويهاً وتلبيساً، اقترح عليه، فقال: {فَإِنَّ ٱللَّهَيَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } فافحم وبان عجزه وظهر كذبه. وقيل: لما قال: {رَبّيَ ٱلَّذِىيُحْىِ وَيُمِيتُ } قال له النمروذ: وأنت رأيت هذا؟ فلما لم يكن رآه مع علمه أن الله قادر عليه انتقلإلى ما هو واضح عنده وعند غيره، وقيل: انتقل لأنهم كانوا يعظمون الشمس، فأشار إلى أنها لله عز وجل مقهورة.وأما القول الئاني: وهو أنه ليس انتقالاً من دليل إلى دليل، بل الدليل واحد في الموضعين، فهذا قول المحققين،قالوا: وهو إنا نرى حدوث أشياء لا يقدر أحد على إحداثها، فلا بد من قادر يتولى إحداثها وهو الله تعالىولها أمثلة: منها: الإحياء والإماتة. ومنها: السحاب والرعد والبرق. ومنها: حركات الأفلاك والكواكب. والمستدل لا يجوز له أن ينتقل مندليل إلى دليل، فكان ما فعله إبراهيم عليه السلام من باب ما يكون الدليل واحداً لا أنه يقع الانتقال عندإيضاحه من مثال إلى مثال آخر، وليس من باب ما قع الانتقال فيه من دليل إلى دليل آخر، ولما كانإبراهيم في المقام الأول الذي سأله الكافر عن ربه حين ادّعى الكافر الربوبية، {قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ }فلما انتقل إلى دليل أو مثال أوضح وأقطع للخصم، عدل إلى الاسم الشائع عند العالم كلهم فقال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِىبِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ } قرر بذلك بأن ربه الذي يحيي ويميت هو الذي أوجدك وغيرك أيها الكافر، ولم يقل: فإنربي يأتي بالشمس، ليبين أن إله العالم كلهم هو ربه الذي يعبدونه، ولأن العالم يسلمون أنه لا يأتي بها منالمشرق إلاَّ إلهم. ومجيء الفاء في: فإن، يدل على جملة محذوفة قبلها، إذ لو كانت هي المحكية فقط لمتدخل افاء، وكأن التركيب قال إبراهيم: إن الله يأتي بالشمس، وتقدير الجملة، والله أعلم؛ قال إبراهيم إن زعمت ذلك أوموهت بذلك، فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، و: الباء، في بالشمس للتعدية، تقول: أتت الشمس، وأتى بها الله، أيأحياها، و: من، لابتداء الغاية. {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } قراءة الجمهور مبنياً لما لم يسم فاعله، والفاعل المحذوف إبراهيمإذ هو المناظر له، فلما أتى بالحجة الدامغة بهته بذلك وحيره وغلبه، ويحتمل أن يكونه الفاعل المحذوف المصدر المفهوم من:قال، أي: فحيره قول إبراهيم وبهته. وقرأ ابن السميفع: فبهت، بفتح الباء والهاء، والظاهر أنه متعدّ كقراءة الجمهور فبهتمبيناً للمفعول أي فبهت إبراهيم الذي كفر وقيل: المعنى، فبهت الكافر إبراهيم، أي: سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن لهحيلة، ويحتمل أن يكون لازماً ويكون الذي كفر فاعلاً، والمعنى:: بهت أو أتى بالبهتان. وقرأ أبو حيوة: فبهت، بفتحالباء وضم الهاء. وقرىء فيما حكاه الأخفش: فبهت بكسر الهاء. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إخبار من اللهتعالى بأن الظالم لا يهديه، وظاهره العموم، والمراد هداية خاصة، أو ظالمون مخصوصون، فما ذكر في الهداية الخاصة أنه لايرشدهم في حجتهم، وقيل: لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة ولا إلى الجنة، وقيل: لا يلطف بهم ولا يلهم ولايوفق، وخص الظالمون بمن يوافي ظالماً أي كافراً. والذي يظهر أن هذا إخبار من الله بأن من حكم عليه،وقضى بأن يكون ظالماً أي كافراً وقدّر أن لا يسلم، فإنه لا يمكن أن يقع هداية من الله له { فَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ } . ومناسبة هذه الآية بهذا الإخبار ظاهرة، لأنهذكر حال مدّع شركة الله في الإحياء والإماتة، مموّهاً بما فعله أنه إحياء وإماتة، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك،فأخبر الله تعالى: أن من كان بهذه الصفة من الظلم لا يهديه الله إلى اتباع الحق، ومثل هذا محتوم لهعدم الهداية، مختوم له بالكفر، لأن مثل هذه الدعوى ليست مما يلتبس على مدّعيها، بل ذلك من باب الزندقة والفلسفةوالسفسطة، فدّعيها إنما هو مكابر مخالف للعقل، وقد منع الله هذا الكافر أن يدعي أنه هو الذي يأتي بالشمس منالمشرق إذ من كابر في ادّعاء الإحياء والإماتة قد يكابر في ذلك ويدعيه. وهل المسألتان إلاَّ سواء في دعوى مالا يمكن لبشر؟ ولكنّ الله تعالى جعله بهوتاً دهشاً متحيراً منقطعاً إكراماً لنبيه إبراهيم، وإظهاراً لدينه. وقيل: إنما لميدع أنه هو الذي يأتي بها من المشرق، لظهور كذبه لأهل مملكته، إذ يعلمون أنه محدث، والشمس كانت تطلع منالمشرق قبل حدوثه، ولم يقل: أنا آتي بها من المغرب لعلمه بعجزه، فلما رأى أنه لا مخلص له سكت وانقطع.{أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ } قرأ الجمهور: أو، ساكنة الواو، قيل: ومعناها التفصيل، وقيل: التخيير في التعجيب منحال من ينشأ منهما. وقرأ أبو سفيان بتن حسين: أوَ، كالذي، بفتح الواو، وهي حرف عطف دخل عليها ألفالتقرير، والتقدير: وأرأيت مثل الذي؛ ومن قرأ: أو، بحرف العطف فجمهور المفسرين أنه معطوف على قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِىحَاجَّ } على المعنى، إذ معنى: ألم تر إلى الذي؟ أرأيت كالذي حاجّ؟ فعطف قوله: أو كالذي مر، على هذاالمعنى، والعطف على المعنى موجود في لسان العرب قال الشاعر:تقي نقي لم يكثر غنيمة بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد المعنى في قوله: لم يكثر: ليس بمكثر: ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله: ولا بحقلدوقال آخر:أجدّك لن ترى بثعيلبات أولاء بيداء ناحية ذمولا ولا متدارك والليل طفل المعنى: أجدّك لست برآء، ولما راعى هذا المعنى عطفعليه قوله: ولا متدارك، والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس. وقال الزمخشري، أو كالذي: معناه أورأيت مثلالذي؟ فحذف لدلالة: ألم تر؟ عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب. انتهى. هو تخريج حسن، لأن إضمار الفعل لدلالة المعنى عليهأسهل من العطف على مراعاة المعنى، وقد جوّز الزمخشري الوجه الأولى. وقيل: الكاف زائدة، فيكون: الذي، قد عطف على:الذي، التقدير: ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم؟ أو الذي مرّ على قرية؟ قيل: كما زيدت في قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } وفي قوله الراجز.فصيروا مثل كعصف مأكول ويحتمل أن لايكون ذلك على حذف فعل، ولا على العطف على المعنى، ولا على زيادة الكاف، بل تكون الكاف اسماً على مايذهب إليه أبو الحسن، فتكون الكاف في موضع جر، معطوفة على الذي، التقدير: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ }أو إلى مثل {ٱلَّذِى مَرَجَ عَلَىٰ قَرْيَةٍ }؟ ومجيء الكاف اسماً فاعلة، ومبتداً ومجرورة بحرف الجر ثابت في لسانالعرب، وتأويلها بعيد، فأَلاوْلى هذا الوجه الأخير، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف، حملاً على مشهور مذهبالبصريين، والصحيح ما ذهب إليه أبو الحسن، ألا ترى في الفاعلية لمثل في قول الشاعر:وإنك لم يُفخر عليك كفاخر ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب؟ والكلام على الكاف يذكر في علم النحو. والذي مر علىقرية هو عزير، قاله علي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدّي، ومقاتل، وسليمان بنبريدة، وناجية بن كعب، وسالم الخوّاص. وقيل: أرمياء، قاله وهب، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وبكر بنمضر وقال ابن إسحاق: و أرمياء، وهو الخضر، وحكاه النقاش عن وهب. قال ابن عطية: وهذا كما نراه إلاَّأن يكون إسماً وافق اسماً، لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارونفيما روى وهب. قال بعض شيوخنا، يحتمل أن يكون الخضر بعينه ويكون من المعمرين، فيكون أدرك زمان خراب القرية،وهو إلى الآن باق على قول أكثر العلماء. انتهى كلامه. وقيل: على كافر مرّ على قرية وكان على حمارومعه سلة تين، قاله الحسن. وقيل: رجل من بني اسرائيل غير مسمى، قاله مجاهد فيما حكاه مكي. وقيل: غلام لوطعليه السلام، وقيل: شعياء. والذي أحياها بعد خرابها: لو سك الفارسي، حكاه السهيلي عن القتيبي. والقريبة: بيت المقدس،قاله وهب، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والربيع. أو: قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس، أو: الأرض المقدسة، قاله الضحاك،أو: المؤتفكة، قاله قوم، أو: القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد، أو: دير هرقل، قاله ابنعباس. أو: شابور أباد، قاله الكلبي، أو: سلماياذ، قاله السدّي. {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } قيل: المعنى خاوية منأهلها ثابتة على عروشها، فالبيوت قائمة. وقال السَّدي. ساقطة متهدّمة جدرانها على سقوفها بعد سقوط السقوف، وقيل: على، بمعنى: مع،أي: مع أبنيتها، والعروش على هذه الأبنية. وهذه الجملة في موضع الحال من الفاعل الذي في: مر، أو: منقرية، والحال من النكرة إذا تأخرت تقل، وقيل: الجملة في موضع الصفة للقرية، ويبعد هذا القول الواو، و: على، متعلقةبمحذوف إذا كان المعنى: خاوية من أهلها، أي: مستقرة على عروشها، أو: بخاوية إذا كان المعنى ساقطة. وقيل: على عروشهابدل من قوله: قرية، أي: مر على عروشها، وقيل: في موضع الصفة لقرية، أي: مر على قرية كائنة على عروشهاوهي خاوية. {قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } قيل: لما خرّب بخت نصر البابلي بيت المقدس، حينأحدثت بنو اسرائيل الأحداث، وقف أرمياء، أو عزير، على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس، لأن بخت نصر أمرجنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، فقال هذا الكلام. قال الزمخشري: والمارّكان كافراً بالبعث وهو الظاهر لانتظامه معنمروذ في سلك، ولكلمة الاستبعاد التي هي: أنَّى يحيـي، وقيل: عزير، أو: الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرةكما طلبه إبراهيم. انتهى. وقال أبو علي: لا يجوز أن يكون نبياً لأن مثل هذا الشك لا يقع للأنبياء.والإحياء والإماتة هنا مجازان، عبر بالإحياء عن العمارة، وبالموت عن الخراب. وقيل: حقيقتان فيكون ثم مضاف محذوف تقديره: أنَّى يحيـيأهل هذه القرية، أو يكون هذه إشارة إلى ما دل عليه المعنى من عظام أهلها البالية، وجثثهم المتمزقة، وأوصالهم المتفرقة،فعلى القول بالمجاز يكون قوله: أنَّى يحيـي على سبيل التلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته،وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، وعلى القول الثاني يكون قوله: أنَّى يحيـي اعترافاً بالعجزعن معرفة طريقة الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيـي، وليس ذلك على سبيل الشك. وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذاالقول شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أي أحياه وجعل له الحركة والانتقال. قيل: لما مر سبعون سنة من موته، وقد منعه من السباع والطير، ومنعالعيون أن تراه، أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس عظيم يقال له لوسك، فقال له: إن الله يأمركأن تنفر بقوم؛ فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أحسن ما كانت، فانتدب الملك قيل ثلاثة آلاف قهرمان معكل قهرمان ألف عامل، وجعلوا يعمرونها، وأهلك الله بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من بقي من بني اسرائيلوردّهم إلى بيت المقدس ونواحيه فعمروها ثلاثين سنة، وكثر واحتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه. {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ }.الظاهر أن القائل هو الله تعالى لقوله: {كَيْفَ نُنشِزُهَا } وقيل: هاتف من السماء، وقيل: جبريل، وقيل: نبي، وقيل: رجلمؤمن شاهده حين مات وعمر إلى حين إحيائه. وعلى اختيار الزمخشري لم يكن بعد البعث كافراً، فلذلك ساغ أنيكلمه الله. انتهى. ولا نص في الآية على أن الله كلَّمه شفاهاً. و: كم، ظرف أي: كم مدّة لبثت؟أي: لبثت ميتاً وهو سؤال على سبيل التقرير. {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } قال ابن جريج، وقتادة،والربيع: أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب بعد مائة سنة، فقال: قبل النظر إلى الشمس: يوماً، ثم التفتفرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم، فكان قوله: يوماً على سبيل الظنّ، ثم لما تحقق أنه لم يكملاليوم، قال؛ أو بعض يوم. والأولى أن لا تكون، أو، هنا للترديد، بل تكون للإضراب، كأنه قال: بل بعضيوم، لما لاحت له الشمس أضرب عن الإخبار الأول الذي كان على طريق الظنّ، ثم أخبر بالثاني على طريق التيقنعنده. وفي قوله: أو بعض يوم، دليل على أنه يطلق لفظ بعض على أكثر الشيء. {قَالَ بَل لَّبِثْتَمِاْئَةَ عَامٍ } بل، لعطف هذه الجملة على الجملة محذوفة التقدير، قال: ما لبثت هذه المدة بل: لبثت مائة عام.وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم باظهار التاء في: لبثت وقرأ الباقون بالإدغام، وذلك في جميع القرآن. وذكر تعيينالمدة هنا في قوله: بل لبثت مائة عام، ولم يذكر تعيينها في قوله: { قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } وإناشتركوا في جواب: { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأن المبعوث في البقرة واحد فانحصرت مدّة إماتة الله إياه، وأولئكمتفاوتو اللبث تحت الأرض نحو من مات في أول الدنيا، ومن مات في آخرها، فلم ينحصروا تحت عدد مخصوص، فلذلكأدرجوا تحت قوله: إلاَّ قليلاً، لأن مدة الحياة الدنيا بالنسبة إلى حياة الآخرة قليلة، والله تعالى محيط علمه بمدة لبثكل واحد واحد، فلو ذكر مدة كل واحد واحد لاحتيج في عدة ذلك إلى أسفار كثيرة. {فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَوَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } في قصة عزير أنه لما نجا من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقلعلى شط دجلة، فطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، وعامة شجرها حامل، فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشربمنه، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العنب في زق، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: أنى يحيـي؟ علىسبيل التعجب، لا شكاً في البعث، وقيل: كان شرابه لبناً. قيل: وجد التين والعنب كما تركه جنياً، والشراب على حاله.وقرأ حمزة، والكسائي بحذف الهاء في الوصل على أنها هاء السكت، وقرأ باقي السبعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف،والأظهر أن تكون الهاء أصلية، ويحتمل أن يكون ذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد تقدّم الكلام على هذه اللفظةفي الكلام على المفردات، وقرأ أبي: لم يسنه، بادغام التاء في السين، كما قرىء: لا يسمعون، والأصل: لا يتسمعون، وقرأطلحة بن مصرف وغيره: لمائة سنة، مكان: لم يتسنه. وقرأ عبد الله: وهذا شرابك لم يتسنه، والضمير في: يتسنه مفرد،فيحتمل أن يكون عائداً على الشراب خاصة، ويكون قد حذف مثل هذه الجملة الحالية من الطعام لدلالة ما بعده عليه،ويحتمل أن يكون الطعام والشراب أفرد ضميرهما لكونهما متلازمين، فعوملا معاملة المفرد، أو لكونهما في معنى الغذاء، فكأنه قيل: وانظرإلى غذائك لم يتسنه وقال الشاعر في المتلازمين:وكأن في العينين حب قرنفل أو سنبلاً كحلت به فانهلّت والجملة من قوله: لم يتسنه، في موضع الحال، وهي منفية: بلم، وزعم بعض أصحابنا أن إثبات الواو فيالجملة المنفية بلم هو المختار، كما قال الشاعر:بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سُلَّت وزعم بعضهم أنه إذا كان منفياً فالأولى أن ينفي: بلما، نحو: جاء زيد ولما يضحك، قال: وقدتكون منفية: بلم وما، نحو: قام زيد ولم يضحك، أو: ما يضحك، وذلك قليل جداً. انتهى كلامه. وليس إثبات: الواو،مع: لم، أحسن من عدمها، بل يجوز إثباتها وحذفها فصيحاً، وقد جاء ذلك في القرآن في مواضع، قال تعالى: { فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } وقال تعالى: { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } ومن قال:إن النفي بلم قليل جدّاً فغير مصيب، وقد أمعنا الكلام على هذه المسألة في باب: الحال، في (منهج السالك علىشرح ألفية ابن مالك) من تأليفنا. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ } قيل: لما مضت المائة أحيا الله منه عينيه وسائرُجسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر. ثم نظر إلى حماره، فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتاً من السماء:أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها على بعض، واتصلت، ثم نودي: إن الله يأمرك أن تكتسيلحماً وجلداً، فكان كذلك. وروي أنه حين أحياه الله نهق، وقيل: ردّ الله الحياة في عينيه وأخر جسده ميتاً، فنظرإلى إيلياء وما حولها وهي تعمر وتجدّد، ثم نظر إلى طعامه وشرابه لم يتغير، نظر إلى حماره واقفاً كهيئته يومربطه لم يطعم ولم يشرب أحياه الله له وهو يرى، ونظر إلى الجبل وهو لم يتغير وقد أتى عليه ريحمائة عام ومطرها وشمسها وبردها. وقال وهب، والضحاك: وإنظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة.قال الزمخشري: وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه منالتغير. {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } قيل: الواو، مقحمة أي: لنجعلك آية، وقيل: تتعلق اللام بفعل محذوف مقدر تقديره أي:أريناك ذلك لتعلم قدرتنا، ولنجعلك آية للناس. وقيل: بفعل محذوف مقدر تأخيره، أي: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، يريد إحياءهبعد الموت وحفظ ما معه. وقال الأعمش: كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناءشيوخاً. وقال عكرمة: جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد ينوفون على مائة سنة، وقيل:كونه آية هو أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، وكان آية لمن كان حياً من قومه، إذ كانوا موقنينبحاله سماعاً، وقيل: أتى قومه راكب حماره، وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة، فأخذ يهذهذ عن ظهر قلبه وهمينظرون في الكتاب، فما خرم حرفاً، فقالوا هو: ابن الله. ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير، فذلك كونه آية.وفي إماتته هذه المدة ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر لا يحتاج إلى تخصيص بعض دونبعض. والألف واللام في: للناس، للعهد إن غنى به مَن بقي مِن قومه، أو مَن كان في عصره. أوللجنس إذ هو آية لمن عاصره ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. {وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } يعني،بالعظام عظام نفسه، قاله قتادة، والضحاك، والربيع، وابن زيد. أو: عظام حماره، أو عظامهما. زاد الزمخشري: أو عظام الموتى الذينتعجب من إحيائهم، وهذا فيه بعد، لأنهم لم يحيوا له في الدنيا، ولا يمكن أن يكون يقال له في الآخرة{وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } وإنما هذا قيل له في الدنيا، فلا يمكن حمله إلاَّ على عظامه، أو عظامحماره، أو عظامهما. والأظهر أن يراد عظام الحمار، والتقدير: إلى العظام منه، أو، على رأى الكوفيين، أن الألف واللام عوضمن الضمير، أي: إلى عظامه، لأنه قد أخبر أنه بعثه، ثم أخبر بمحاورته تعالى له في السؤال عن مقدار ماأقام ميتاً، ثم أعقب الأمر بالنظر بالفاء، فدل على أن إحياءه تقدم على المحاورة وعلى الأمر بالنظر. وقرأ الحرميانوأبو عمرو: ننشرها، بضم النون والراء المهملة، وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو حيوة، وأبان عن عاصم: بفتح النون والراء المهملة،وهما من أنشر ونشر بمعنى: أحياء ويحتمل نشر أن يكون ضد الطي، كأن الموت طي العظام والأعضاء، وكأن جمع بعضهاإلى بعض نشر وقرأ باقي السبعة: ننشزها، بضم النون والزاي المعجمة وقرأ النخعي: بفتح النون، وضم الشين والزاي، وروي ذلكعن ابن عباس، وقتادة، قاله ابن عطية. وقال السجاوندي، عن النخعي أنه قرأ بفتح الياء وضمها مع الراء والزاي.ومعنى: ننشزها، بالزاي: نحركها، أو نرفع بعضها إلى بعض للتركيب للإحياء، يقال: نشز وأنشزته. قال ابن عطية: وتعلق عندي أنيكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلاً، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات، وخرج مايوجد منها عند الاختراع. وقال النقاشي: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت لك، ومن ذلك: نشزناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة، كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وأنشزوا فأنشزواأي ارتفعوا شيئاً فشيئاً كنشوز الناب، فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال لمن ارتفع فيحائط أو غرفة: نشز. انتهى كلامه. وقرأ أبي: كيف ننشيها، بالياء أي نخلقها. وقال بعضهم: العظام لا تحيـا علىالانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض، فالزاي أولى بهذا المعنى، إذ هو بمعنى الإنضمام دون الإحياء، فالموصوف بالإحياء الرجل دونالعظام. ولا يقال: هذا عظم حي. فالمعنى: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء.انتهى. والقراءة بالراء متواترة، فلا تكون قراءة الزاي أولى. و: كيف، منصوبة بننشرها نصب الأحوال، وذو الحال مفعولننشرها، ولا يجوز أن يعمل فيها: انظر، لأن الإستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وأعربوا: كيف ننشرها، حالاً من العظام،تقديره: وانظر إلى العظام محياة، وهذا ليس بشيء، لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالاً، وإنما تقع حالاً: كيف، وحدها نحو:كيف ضربت زيداً؟ ولذلك تقول: قائماً أم قاعداً؟ فتبدل منها الحال. والذي يقتضيه النظر أن هذه الجملة في موضعالبدل من العظام، وذلك أن: انظر، البصرية تتعدى بإلى، ويجوز فيها التعليق، فتقول: انظر كيف يصنع زيد، قال تعالى: { ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } فتكون هذه الجملة في موضع نصب على المفعول: بانظر، لأن ما يتعدّى بحرف الجر،إذا علق صار يتعدى لمفعول، تقول: فكرت في أمر زيد، ثم تقول: فكرت هل يجيء زيد؟ فيكون: هل يجيء زيد،في موضع نصب على المفعول بفكرت، فكيف، ننشرها بدل من العظام على الموضع، لأن موضعه نصب، وهو على حذف مضافأي: فأنظر إلى حال العظام كيف ننشزها، ونظير ذلك قول العرب: عرقت زيداً أبو من هو: على أحد الأوجه فالجملةمن قولك: أبو من هو في موضع البدل من قوله زيداً مفعول عرفت، وهو على حذف مضاف، التقدير: عرفت قصةزيد أبو من. وليس الاستفهام في باب التعليق مراداً به معناه، بل هذا من المواضع التي جرت في لسان العربمغلباً عليها أحكام اللفظ دون المعنى، ونظير ذلك: أيّ، في باب الاختصاص. في نحو قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة،غلب عليها أكثر أحكام النداء وليس المعنى على النداء، وقد تقدّم من قولنا، إن كلام العرب على ثلاثة أقسام: قسميكون فيه اللفظ مطابقاً للمعنى، وهو أكثر كلام العرب. وقسم يغلب فيه أحكام اللفظ كهذا الاستفهام الواقع في التعليق، والواقعفي التسوية. وقسم يغلب فيه أحكام المعنى نحو: أقائم الزيدان. وقد أمعنا الكلام على مسألة الاستفهام الواقع في التعليق فيكتابنا الكبير المسمى (بالتذكرة) وهي إحدى المسائل التي سألني عنها قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري،عرف بابن دقيق العيد؛ وسألني أن أكتب له فيها، وكان سؤاله في قوله عليه السلام: فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده . {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } الكسوة حقيقة هي ما وارى الجسد من الثياب، واستعارها هنا لما أنشأ مناللحم الذي غطى به العظم. كقوله: {فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً } وهي استعارة في غاية الحسن، إذ هي استعارة عين لعين،وقد جاءت الاستعارة في المعنى للجرم قال النابغة:الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً وروي أنه كان يشاهد اللحم والعصب والعروق كيف تلئم وتتواصل، والذي يدل عليه ظاهر اللفظ: أن قولالله له كان بعد تمام بعثه، لا أن القول كان بعد إحياء بعضه. والتعقيب بالفاء في قوله: فانظر إلىآخره، يدل على أن العظام لا يراد بها عظام نفسه، وتقدّم ذكر شيء من هذا، إلاَّ إن كان وضع: ننشرها،مكان: أنشرتها، و: نكسوها، مكان: كسوتها، فيحتمل. وتكرر الأمر بالنظر إلى الطعام والشراب في الثلاث الخوارق، ولم ينسق نسق المفردات،لأن كل واحد منها خارق عظيم، ومعجز بالغ، وبدأ أولاً بالنظر إلى العظام والشراب حيث لم يتغيرا على طول هذهالمدة، لأن ذلك أبلغ، إذ هما من الأشياء التي يتسارع إليها الفساد، إذ ما قام به الحياة وهو الحمار يمكنبقاؤه الزمان الطويل، ويمكن أن يحتش بنفسه ويأكل ويرد المياه. كما قال ﷺ في ضالة الإبل: معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها . ولما أمر بالنظر إلى الطعام والشراب، وبالنظر إلى الحمار، وهذه الأشياءهي التي كانت صحبته، وقال تعالى: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً ٱلنَّاسِ } أي فعلنا ذلك: ولما كان قوله: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ} كالمجمل، بين له جهة النظر بالنسبة إلى الحمار، فجاء النظر الثالث توضيحاً للنظر الثاني، من أي جهة ينظر إلىالحمار، وهي جهة إحيائه وارتفاع عظامه شيئاً فشيئاً عند التركيب وكسوتها اللحم، فليس نظراً مستقلاً، بل هو من تمام النظرالثاني، فلذلك حسن الفصل بين النظرين بقوله: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ }. وليس في الكلام تقديم وتأخير كما زعم بعضهم،وأن الأنظار منسوق بعضها على بعض، وأن قوله: {وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } الخ وهو مقدّم في اللفظ، مؤخر في الرتبة.وفي هذه الآية أقوى دليل على البعث إذ وقعت الإماتة والإحياء في دار الدنيا مشاهدة. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُقَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } قرأ الجمهور: تبين، مبنياً للفاعل، وقرأ ابن عباس: تبين له، مبنياًللمفعول الذي لم يسم فاعله. وقرأ ابن السميفع: بيه له، بغير تاء مبنياً لما لم يسم فاعله، فعلى قراءة الجمهورالظاهر أن تبين فعل لازم والفاعل مضمر يدل عليه المعنى، وقدره الزمخشري: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمرإحياء الموتى، وينبغي أن يحمل على أنه تفسير معنى؛ وتفسير الإعراب أن يقدر مضمراً يعود على كيفية الإحياء التي استغربهابعد الموت. وقال الطبري: لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل إعادته. قال ابن عطية:وهذا خطأ، لأنه ألزم ما لا يقتضيه، وفسر على القول الشاذ، والاحتمال الضعيف ما حكى الطبري عن بعضهم أنه قال:كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء، ولذلك ضرب له المثل في نفسه. إنتهى. وقال الزمخشري وبدأبه ما نصه: وفاعل تبين مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير، قال: أعلم أن اللهعلى كل شيء قدير، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً. إنتهى كلامه. فجعل ذلك منباب الإعمال، وهذا ليس من باب الإعمال، لأنهم نصوا على أن العاملين في هذا الباب لا بد أن يشتركا، وأدّىذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبراً، ويكون العامل الثاني معمولاً للأول، وذلك نحو قولك: جاءني يضحك زيد. فجعلفي جاءني ضميراً أو في يضحك، حتى لا يكونه هذا الفعل فاصلاً، ولا يرد على هذا جعلهم { آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } ولا { هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } ولا { تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ } ولا { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } من الإعمال لأن هذه العوامل مشتركة بوجه مّا من وجوه الاشتراك، ولم يحصل الاشتراك في العطف ولا العمل،ولتقرير هذا بحث يذكر في النحو. فإذا كان على ما نصوا فليس العامل الثاني مشركاً بينه وبين: تبين، الذي هوالعامل الأول بحرف عطف، ولا بغيره، ولا هو معمول: لتبين، بل هو معمول: لقال، وقال جواب، لما أن قلنا: إنهاحرف وعاملة في، لما أن قلنا إنها ظرف، و: تبين، على هذا القول في موضع خفض بالظرف، ولم يذكر النحويونفي مثل هذا الباب: لو جاء قتلت زيداً، ولا: لما متى جاء قتلت زيداً، ولا: إذا جاء ضربت خالداً. ولذلكحكى النحويون أن العرب لا تقول: أكرمت أهنت زيداً. وقد ناقض الزمخشري في قوله: فإنه قال: وفاعل تبين مضمر،ثم قدره، فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم. إلى آخره، قال: فحذف الأول لدلالة الثانيعليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً، والحذف ينافي الإضمار للفاعل، وهذا عند البصريين إضمار يفسره ما بعده، ولا يجيزالبصريون في مثل هذا الباب حذف الفاعل أصلاً، فإن كان أراد بالإضمار الحذف فقد خرج إلى قول الكسائي من أنالفاعل في هذا الباب لا يضمر، لأنه يؤدي إلى الإضمار قبل الذكر، بل يحذف عنده الفاعل، والسماع يرد عليه. قالالشاعر:هو يتني وهويت الخرد العربا أزمان كنت منوطاً بي هوى وصبا وأما على قراءة ابنعباس فالجار والمجرور هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما في قراءة ابن السميفع فهو مضمر: أي: بين له هو،أي: كيفية الإحياء. وقرأ الجمهور و: قال مبنياً للفاعل، على قراءة جمهور السبعة: أعلم، مضارعاً ضميره يعود على المارّ،وقال ذلك على سبيل الاعتبار، كما أن الانسان إذا رأى شيئاً غريباً قال: لا إله إلا الله. وقال أبوعلي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته، يعني يعلم عياناً ما كان يعلمه غيباً. وأما علىقراءة أبي رجاء، وحمزة، والكسائي إعلم، فعل أمر من علم، فالفاعل ضمير يعود على الله تعالى، أو على الملك القائلله عن الله، ويناسب هذا الوجه الأوامر السابقة من قوله: وانظر، فقال له: إعلم، ويؤيده قراءة عبد الله والأعمش: قيل،اعلم، فبنى: قيل، لما لم يسم فاعله، والمفعول الذي لم يسم فاعله ضمير القول لا الجملة، وقد تقدّم الكلام علىذلك أول هذه السورة مشبعاً فأغنى عن إعادته هنا. وجوّزوا أن يكون الفاعل ضمير المار، ويكون نزل نفسه منزلةالمخاطب الأجنبي، كأنه قال لنفسه: إعلم، ومنه: ودّع هريرة، وألم تغتمض عيناك، وتطاول ليلك، وإنما يخاطب نفسه، نزلها منزلة الأجنبي.وروى الجعبي عن أبي بكر قال: اعلم، أمراً من أعلم، فالفاعل بقال يظهر أنه ضمير يعود على الله، أمرهأن يعلم غيره بما شاهد من قدرة الله، وعلى ما جوّزوا في: اعلم الأمر، من علم يجوز أن يكون الفاعلضمير المار. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } مناسبة هذة الآية لما قبلها في غاية الظهور،إذ كلاهما أتى بها دلالة على البعث المنسوب إلى الله تعالى، في قول إبراهيم أراه ذلك في غيره، وقدّمت آيةالمار على آية إبراهيم، وإن كان إبراهيم مقدّماً في الزمان على المار، لأنه تعجب من الإحياء بعد الموت، وإن كانتعجب اعتبارٍ فأشبه الإنكار، وإن لم يكن إنكاراً فكان أقرب إلى قصة النمروذ وإبراهيم، وأما إن كان المار كافراً فظهرتالمناسبة أقوى ظهور. وأما قصة إبراهيم فهي سؤال لكيفية إراءة الإحياء، ليشاهد عياناً ما كان يعلمه بالقلب، وأخبر به نمروذ.والعامل في: إذ، على ما قالوا محذوف، تقديره: واذكر إذ قال، وقيل: العامل مذكور وهو: ألم تر، المعنى: ألمتر إذ قال، وهو مفعول: بتر. والذي يظهر أن العامل في: إذ، قوله {قَالَ أُوْحِى لَّمْ تُؤْمِنُواْ } كماقررنا ذلك في قوله { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } وفي افتتاح السؤال بقوله: رب، حسن استلطاف واستعطاف للسؤال، وليناسب قولهلنمروذ {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } لأن الرب هو الناظر في حاله، والمصلح لأمره، وحذفت ياء الإضافة اجتزاء، بالكسرة، وهياللغة الفصحى في نداء المضاف لياء المتكلم، وحذف حرف النداء للدّلالة عليه. و: أرني، سؤال رغبة، وهو معمول: لقال، والرؤيةهنا بصرية، دخلت على رأى همزة النقل، فتعدّت لاثنين: أحدهما ياء المتكلم، والآخر الجملة الاستفهامية. فقول {كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }في موضع نصب، وتعلق العرب رأى البصرية من كلامهم، أما ترى، أيّ برق هاهنا. كما علقت: نظر، البصرية. وقد تقرر.وعلم أن الأنبياء، عليهم السلام، معصومون من الكبائر والصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً، قاله ابن عطية، والذي اخترناه أنهممعصومون من الكبائر والصغائر على الإطلاق، وإذا كان كذلك، فقد تكلم بعض المفسرين هنا في حق من سأل الرؤية هنابكلام ضربنا عن ذكره صفحاً، ونقول: ألفاظ الآية لا تدل على عروض شيء يشين المعتقد، لأن ذلك سؤال أن يريهعياناً كيفية إحياء الموتى، لأنه لما علم ذلك بقلبه وتيقنه، واستدل به على نمروذ في قوله {رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} طلب من الله تعالى رؤية ذلك، لما في معاينة ذلك من رؤية اجتماع الأجزاء المتلاشية، والأعضاء المتبدّدة، والصور المضمحلة،واستعظام باهر قدرته تعالى. والسؤال عن الكيفية يقتضي تيقن ما سأل عنه: وهو الإحياء وتقرره، والإيمان به، وأنه مما انطوىالضمير على اعتقاده. وأماما ذكره الماوردي عن بعض أهل المعاني: أن إبراهيم سأل من ربه كيف يحيـي القلوب، فتأويل ليسبشيء قالوا في سبب سؤاله أقوال أحدهما: أنه رأى دابة قد توزعتها السباع والحيتان لأنها كانت على حاشية البحر، قالهابن زيد. أو: الفكر في الحقيقة والمجاز لما قاله نمروذ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى } قاله ابن إسحاق، أو: التجربة للخلةمن الله إذ بشر بها، لأن الخليل يدل بما لا يدل غيره، قاله ابن جبير. {قَالَ أُوْحِى لَّمْتُؤْمِنُواْ } الضمير في: قال، عائد على الرب، والهمزة للتقرير، كقوله.ألستم خير من ركب المطايا وقوله تعالى: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } المعنى: أنتم خير، وقد شرحنا لك صدرك، وكذلك هذا معناه: قد آمنت بالإحياء. قال ابن عطية، إيماناًمطلقاً دخل فيه فعل إحياء الموتى، والواو: واو حال، دخلت عليها ألف التقرير. انتهى كلامه. وكون الواو هنا للحال غيرواضح، لأنها إذا كانت للحال فلا بد أن يكون في موضع نصب، وإذ ذاك لا بد لها من عامل، فلاتكون الهمزة للتقرير دخلت على هذه الجملة الحالية، إنما دخلت على الجملة التي اشتملت على العامل فيها وعلى ذي الحال،ويصير التقدير: أسألت ولم تؤمن؟ أي: أسألت في هذه الحال؟. والذي يظهر أن التقرير إنما هو منسحب على الجملةالمنفية، وأن: الواو، للعطف، كما قال: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً } ونحوه. واعتنى بهمزة الاستفهام، فقدّمت. وقدتقدّم لنا الكلام في هذا، ولذلك كان الجواب: ببلى، في قوله {قَالَ بَلَىٰ } وقد تقرر في علم النحو أنجواب التقرير المثبت، وإن كان بصورة النفي، تجريه العرب مجرى جواب النفي المحض، فتجيبه على صورة النفي، ولا يلتفت إلىمعنى الإثبات، وهذا مما قررناه، أن في كلام العرب ما يلحظ في اللفظ دون المعنى، ولذلك علة ذكرت في علمالنحو، وعلى ما قاله ابن عطية من أن: الواو، للحال لا يتأتى أن يجاب العامل في الحال بقوله: بلى، لأنذلك الفعل مثبت مستفهم عنه، فالجواب إنما يكون في التصديق: بنعم، وفي غير التصديق: بلا، أما أن يجاب: ببلى، فلايجوز، وهذا على ما تقرر في علم النحو. {قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }. قال الزمخشري: فإن قلت: كيفقال: أو لم تؤمن، وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً؟. قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدةالجليلة للسامعين، و: بلى، إيجاب لما بعد النفي، معناه: بلى آمنت، ولكن ليطمئن قلبي، ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامّة علم الضرورةعلم الاستدال. وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك، بخلاف العلم الضروري، فأراد بطمأنينةالقلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك. انتهى كلامه. وليس علم الاستدلال يجوز معه التشكيك كما قال، بل منه مايجوز معه التشكيك. أما إذا كان عن مقدمات صحيحة فلا يجوز معه التشكيك، كعلمنا بحدوث العالم، وبوحدانية الموجد، فمثل هذالا يجوز معه التشكيك. وقال ابن عطية: ليطمئن، معناه: ليسكن عن فكره في الشيء المعتقد، والفكر في صورة الإحياءغير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها، بل هي فكر فيها عبر، إذ حركه إلى ذلك، أما أمرالدابة المأكولة، وأما قول النمروذ {أَلَمْ تَرَ أَوْ وَأُمِيتُ }. انتهى كلامه. وهو حسن. واللام في قوله: ليطمئن، متعلقةبمحذوف بعد لكن، التقدير: ولكن سألت مشاهدة الكيفية لإحياء الموتى ليطمئن قلبي، فيقتضي تقدير هذا المحذوف تقدير محذوف آخر قبللكن حتى يصح الاستدراك، التقدير: قال: بلى أي آمنت، وما سألت عن غير إيمان، ولكن سألت ليطمئن قلبي. ورويعن: ابن جبير، وإبراهيم، وقتادة: ليزداد يقيناً، وعن بعضهم: لأزداد إيماناً مع إيماني. قال ابن عطية: ولا زيادة في هذاالمعنى تمكن إلاَّ السكون عن الفكر، وإلاَّ فاليقين لا يتبعض انتهى. وقال النصراباذي: حنّ الخليل إلى صنع خليله ولميتهمه في أمره، فكأنه قوّله الشوق: أرني، كما قال موسى عليه السلام، ثم تعلل برؤية الصنع له تأدباً. وحكى القشيريأنه قيل: استجلب خطاباً بهذه القالة، حتى قال له الحق: أو لم تؤمن؟ قال: بلى آمنت، ولكن اشتقت إلى قولك:أو لم تؤمن؟ فإني بقولك: أو لم تؤمن؟ يطمئن قلي. والمحب أبداً يجتهد في أن يجد خطاب حبيبه على أيوجه أمكنه. {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } لما سأل رؤية كيفية إحياء الموتى أجابة تعالى لذلك، وعلمه كيفيصنع أولاً، فأمره أن يأخذ أربعة من الطير، ولم يذكر الله تعالى تعيين الأربعة من أي جنس هي من الطير،فيحتمل أن يكون المأمور به معيناً، وما ذكر تعيينه، ويحتمل أن يكون أمر بأخذ أربعة، أي أربعة كانت من غيرتعيين، إذ لا كبير علم في ذكر التعيين. وقد احتلفوا فيما أخذ، فقال ابن عباس: أخذ طاووساً ونسراً وديكاًوغراباً. وقال مجاهده، وعكرمة، وعطاء، وابن جريج، وابن زيد: كذلك، إلاَّ أنهم جعلوا حمامة بدل النسر. وقال ابن عباس أيضاً،فيما روى عبد الرحمن بن هبيرة عنه: أخذ حمامة وكركياً وديكاً وطاووساً. وقال في رواية الضحاك: أخذ طاووساً وديكاً ودجاجةسندية وأوزة. وقال في رواية أخرى عن الضحاك: أنه مكان الدجاجة السندية: الرأل، وهو فرخ النعام. وقال مجاهد فيما روىليث: ديك وحمامة وبطة وطاووس. وقال: ديك وحمامة وبطة وغراب. وزاد عطاء الخراساني وصفاً في هذه الأربعة فقال: ديكأحمر، وحمامة بيضاء، وبطة خضراء، وغراب أسود. وقال أبو عبد الله: طاووس وحمامة وديك وهدهد، ولما سأل ربه أنيريه كيفية إحياء الموتى، وكان لفظ الموتى جمعاً، أجيب بأن يأخذ ما مدلوله جمع، لا أن يأخذ واحداً. قيل: وخصهذا العدد بعينه إشارة إلى الأركان الأربعة التي في تركيب أبدان الحيوانات والنباتات، وكانت من الطير، قيل لأن الطير همتهالطيران في السماء والارتفاع، والخليل عليه السلام كانت همته العلوّ والوصول إلى الملكوت، فجعلت معجزته مشاكلة لهمته، وعلى القول الأولفي تعيين الأربعة بما عين قيل: خص الطاووس إشارة إلى شدة الشغف بالأكل وطول الأمل، والديك إشارة إلى شدة الشغفبقضاء شهوة النكاح، والغراب إشارة إلى شدة الحرص والطلب. وما أبدوه في تخصيص الأربعة وفي تعيينها لا تكاد تظهر حكمتهفيما ذكروه، وما أجراه الله تعالى لأنبيائه من الخوارق مختلف، وحكمة اختصاص كل نبي بما أجرى الله له منها مغيبةعنا. ألا ترى خرق العادة لموسى في أشياء، ولعيسى في أشياء غيرها، ولرسولنا محمد ﷺ وعليهم فيأشياء لا يظهر لنا سر الحكمة في ذلك؟ فكذلك كون هذه الأربعة من الطير، لا يظهر لنا سر حكمته فيذلك. وأمره بالأخذ للطيور وهو: إمساكها بيده ليكون أثبت في المعرفة بكيفية الإحياء، لأنه يجتمع عليه حاسة الرؤية، وحاسةاللمس. والطير اسم جمع لما لا يعقل، يجوز تذكيره وتأنيثه، وهنا أتى مذكراً لقوله تعالى {وَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ} وجاء على الأفصح في اسم الجمع في العدد حيث فصل: بمن، فقيل: أربعة من الطير يجوز الإضافة، كما قالتعالى: { تِسْعَةُ رَهْطٍ } ونص بعض أصحابنا على أن الإضافة لاسم الجمع في العدد نادرة لا يقاس عليها، ونص بعضهمعلى أن اسم الجمع لما لا يعقل مؤنث، وكلا القولين غير صواب. {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } أي قطعهنّ، قاله ابنعباس، ومجاهد، والضحاك، وابن إسحاق. وقال ابن عباس: هي بالنبطية. وقال أبو الأسود: هي بالسريانية، وقال أبو عبيدة: قطعهنّ. وأنشدللخنساء:فلو يلاقي الذي لاقيته حضن لظلت الشم منه وهي تنصار أي تتقطع. وقال قتادة: فصلهنّ،وعنه: مزقهنّ وفرقهنّ. وقال عطاء بن أبي رباح: اضممهنّ إليك. وقال ابن زيد: إجمعهنّ. وقال ابن عباس أيضاً، أوثقهنّ. وقالالضحاك: شققهنّ، بالنبطية. وقال الكسائي: أملهنّ. وإذا كان: فصرهنّ، بمعنى الإمالة فتتلعق إليك به، وإذا كان بمعنى التقطيع تعلقبخذ. وقرأ حمزة، ويزيد، وخلف، ورويس، بكسر الصاد، وباقي السبعة بالضم. وهما لغتان، كما تقدّم: صار يصور ويصير، بمعنىأمال. وقرأ ابن عباس وقوم: فصرهنّ، بتشديد الراء وضم الصاد وكسرها من صرّه يصرّه ويصرّه، إذا جمعه، نحو: ضره يضرهويضره، وكونه مضاعفاً متعدياً جاء على يفعل بكسر العين قليل، وعنه: فصرهنّ، بفتح الصاد وتشديد الراء وكسرها من التصرية، ورويتهذه القراءة عن عكرمة. وعنه أيضاً: فصرهنّ إليك، بضم الصاد وتشديد الراء. وإذا تؤول: فصرهنّ، بمعنى القطع فلا حذف،أو بمعنى: الإمالة فالحذف، وتقديره: وقطعهنّ واجعلهنّ أجزاءً، وعلى تفسير: فصرهنّ بمعنى أملهنّ وضمهنّ إلى نفسك، فإنما كان ذلك ليتأملأشكالها وهيئاتها وحلاها لئلا يلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك. {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا} العموم في كل جبل مخصص بوصف محذوف أي: يليك، أو: بحضرتك، دون مراعاة عدد. قاله مجاهد. وروي عن ابنعباس أنه أمر أن يجعل على كل ربع من أرباع الدنيا، وهو بعيد. وخصصت الجبال بعدد الأجزاء، فقيل: أربعة، قالهقتادة، والربيع، وقيل: سبعة، قاله السدي، وابن جريج، قيل: عشرة، قاله أبو عبد الله الوزير المغربي، وقال عنه في رجلأوصى بجزء من ماله: إنه العشر، إذ كانت أشلاء الطيور عشرة. والظاهر أنه أمر أن يجعل على كل جبلثلاثة مما يشاهده بصره، بحيث يرى الأجزاء، وكيف تلتئم إذا دعا الطيور. وقرأ الجمهور جزءاً باسكان الزاي وبالهمز، وضمأبو بكر: الزاي، وقرأ أبو جعفر، جزّاً، بحذف الهمزة وتشديد الزاي، ووجهه أنه حين حذف ضعف الزاي، كما يفعل فيالوقف، كقولك: هذا فرج. ثم أجرى مجرى الوقف. و: اجعل، هنا يحتمل أن تكون بمعنى: ألق، فيتعدى لواحد، ويتعلقعلى كل جبل. باجعل، ويحتمل أن يكون بمعنى: صير، فيتعدى إلى اثنين، ويكون الثاني على كل جبل، فيتعلق بمحذوف.{ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } أمره بدعائهنّ أموات، ليكون أعظم له في الآية، ولتكون حياتها متسببة عن دعائه، ولذلك رتبعلى دعائه إياهنّ إتياهنّ إليه، والسعي هو الإسراع في الشيء. وقال الخليل: لا يقال سعى الطائر، يعنى على سبيلالمجاز، فيقال: وترشيحه هنا هو أنه لما دعاهنّ فأتينه تنزلن منزلة العاقل الذي يوصف بالسعي، وكان إتيانهنّ مسرعات في المشيأبلغ في الآية، إذ اتيانهنّ إليه من الجبال يمشين مسرعات هو على خلاف المعهود لهنّ من الطيران، وليظهر بذلك عظمالآية، إذ أخبره أنهنّ يأتين على خلاف عادتهنّ من الطيران، فكان كذلك. وجعل سيرهنّ إليه سعياً، إذ هو مشية المجدالراغب فيما يمشي إليه، لإظهار جدها في قصد إبراهيم، وإجابة دعوته. وانتصاب: سعياً، على أنه مصدر في موضع الحالمن ضمير الطيور، أي: ساعيات، وروي عن الخليل: أن المعنى يأتينك وأنت تسعى سعياً. فعلى هذا يكون مصدر الفعل محذوف،هو في موضع الحال من الكاف، وكان المعنى: يأتينك وأنت ساع إليهنّ، أي يكون منهنّ إتيان إليك، ومنكسعي إليهنّ، فتلتقي بهنّ. والوجه الأول أظهر، وقيل: انتصب: سعياً، على أنه مصدر مؤكد لأن السعي والإتيان متقاربان. وروي فيقصص الآية أن إبراهيم أخذ هذه الطيور وذكاها وقطعها قطعاً صغاراً، وجمع ذلك مع الدم والريش، وجعل من ذلك المجموعالمختلط جزءاً على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى الأجزاء، وأمسك رؤوس الطير في يده ثم قال: تعالين بأذنالله فتطايرت. تلك الأجزاء وصار الدم إلى الدم، والريش إلى الريش، حتى التأمت كما كانت أولاً، بقيت بلا رؤوس، ثمكرر النداء فجاءته سعياً حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت بإذن الله. زاد النحاس: أن ابراهيم: كان إذا أشارإلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر، وإذا أشار إليه برأسه قرب منه حتى لقي كل طائر رأسه. وقال أبوعبد الله: ذبحهن ونحز أجزاءهنّ في المنحاز، يعني الهاون إلا رؤوسهن، وجعل ذلك المختلط عشرة أجزاء على عشرة جبال، ثمجعل مناقيرهنّ بين أصابعه، ثم دعاهنّ فأتين سعياً يتطاير اللحم إلى اللحم، والريش إلى الريش، والجلد إلى الجلد، بقدرة اللهتعالى. وأجمع أهل التفسير أن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها وخلط بعضها ببعض مع دمائها، وأنكر ذلك أبو مسلم،وقال: لما طلب إبراهيم احياء الميت من الله، أراه مثالاً قرب به الأمر عليه، والمراد: يصرهنّ إليك: أملهنّ، ومر بهنّعلى الإجـابة بحيث يصرن إذا دعوتههّن أجبنك، فاذا صرن كذلك فاجعل على كل جبل منهنّ واحداً منها حال حياته، ثمادعهنّ يأتينك سعياً. والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، وأنكر القول بالتقطيع،قال: لأن المشهور في اللغة في: فصرهنّ، أملهنّ وأما التقطيع والذبح، فليس في اللفظ ما يدل عليه، وبأنه لو كانالمعنى: قطعهنّ، لم يقل: إليك، وتعليقه: بخذ، خلاف الظاهر، وبأن الضمير في ثم ادعهنّ، وفي يأتينك عائد اليها لا إلىالأجزاء وعودة على الاجزاء المتفرقة خلاف الظاهر، ولا دليل فيما ذكر، واحتج الأول بإجماع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلمعلى التقطيع، وبأن ما ذكره غير مختص بابراهيم، فلا مزية له. وبأنه سأله أن يريه كيف يحي الموتى، ولا إراءةفيما ذكره أبو مسلم. واحتج للقول الأول باجماع المفسرين الذين كانوا قبل ذلك. والظاهر أنه أجيب بأن ظاهر:ثم اجعل، على كل جبل منهنّ جزى، يدل على أن تلك الطيور جعلت جزءاً جزءاً، لأن الواحد منها سمي جزءاً،وجعل كل واحد على جبل. {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }عزير لا يمتنع عليه ما يريد، حكيم فيما يريدويمثل، والعزة تتضمن القدرة، لأن الغلبة تكون عن العزة. وقيل: عزيز منتقم ممن ينكر بعث الأموات، حكيم في نشر العظامالرفات. وقد تضمنت هذه القصص الثلاث، من فصيح المحاورة بذكر: قال، سؤالاً وجواباً، وغير ذلك من غير عطف، إذلا يحتاج إلى التشريك بالحرف إلاَّ إذا كان الكلام بحيث لو لم يشرك لم يستقل، فيؤتى بحرف التشريك ليدل علىمعناه. أما إذا كان المعنى يدل على ذلك، فالأحسن ترك الحرف إذا كان أخذ بعضه بعنق بعض، ومرتب بعضه منحيث المعنى على بعض، وقد أشرنا إلى شيء من هذا في قوله: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }

{ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } * { ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } * { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ } * { وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } * { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } * { ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } * { يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } * { وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } * { إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }[عدل]

الحبة: اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيراًما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس:آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس وحبة القلب سويداؤه، والحِبة بكسر الحاء بذور البقل مما ليس بقوت، والحُبة بالضم الحب والحب الحبيب. الإنبات: الإخراج علىسبيل التولد. السنبلة: معروفة، ووزنها فنعله، فالنون زائدة بذلك على قولهم: أسبل الزرع أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب،وحكى بعض اللغويين سنبل الزرع. قال بعض أصحابنا النون أصلية، ووزنه فعلل، لأن فنعل لم يثبت فيكون مع أسبل كسبطوسبطر. المنّ: ما يوزن به، والمنّ قدر الشيء ووزنه، والمنّ والمنة النعمة، منّ عليه أنعم. ومن أسمائه تعالى: المنان،والمنّ النقص من الحق والبخس له، ومنه المنّ المذموم، وهو ذكر المنة للمنعم عليه على سبيل الفخر عليه بذلك، والاعتدادعليه باحسانه، وأصل المنّ القطع، لأن المنعم يقطع قطعة من ماله لمن ينعم عليه. الغني:فعيل للمبالغة من غنى وهوالذي لا حاجة له إلى أحد كما قال الشاعر:كلانا غني عن أخيه حياته ويقال غني أقام بالمكان، والغانية هيالتي غنيت بحسنها عن التحسن. الرئاء: فعال مصدر من راء من الرؤية، ويجوز إبدال همزته ياء لكسرة ما قبلها،وهو أن يرى الناس ما يفعله من البر حتى يثنوا عليه ويعظموه بذلك لا نية له غير ذلك. الصفوان:الحجر الكبير الأملس، وتحريك فائه بالفتح لغة، وقيل: هو اسم جنس واحده صفوانة. وقال الكسائي: الصفوان واحده صفي، وانكره المبرد،وقال: صفي جمع صفا نحو: عصا وعصي، وقفا وقفي. وقال الكسائي أيضاً: صفوان واحد، وجمعه صِفوان بكر الصاد. وقاله النحاس:يجوز أن يكون المكسور الصاد واحداً. وما قاله الكسائي غير صحيح، بل صِفوان جمع لصفا. كورل وورلان، وأخ وإخوان. وكرىوكروان. التراب: معروف ويقال فيه توراب، وترب الرجل افتقر، واترب استغنى، الهمزة فيه للسلب، أي: زال عنه الترب وهوالقر، وإذا زال عنه كان غنياً. الوابل: المطر الشديد، وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. وقال النضر: أول ما يكونالمطر رشاً، ثم طساً، ثم طلاًّ، ورذاذاً، ثم نضحاً وهو قطرتين قطرتين، ثم هطلاً وتهتاناً ثم وابلاً وجوداً. والوبيل: الوخيم،والوبيل: العصا الغليظة، والوبيلة حزمة الحطب. الصلد: الأجرد الأملس النقي من التراب الذي كان عليه، ومنه صلد جبين الأصلعبرق. يقال: صلد يصلد صلداً. بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان. وقال النقاش: الصلد الأجرد بلغة هذيل. وحكى أبان بن تغلب:أن الصلد هو اللين من الحجارة. وقال علي بن عيسى: الصلد، الخالي من الخير من الحجارة والأرضين وغيرهما، ومنه: قدرصلود: بطيئة الغليان. الربوة: قال الخليل: أرض مرتفعة طيبة، ويقال فيها: الرباوة، وتثلث الراء في اللغتين، ويقال: رابية. قالالشاعر:وغيث من الوسمي جوّ تلاعه أجابت روابيه النجا وهواطله وقال الأخفش: ويختار الضم في ربوةلأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلاَّ الربا، وأصله من ربا الشيء زاد وارتفع. وتفسير السدّي بأنها: ما انخفض منالأرض ليس بشيء. الطل: المستدق من القطِ الخفيف، هذا مشهور اللغة. وقال قوم، منهم مجاهد: الطل الندى، وهذا تجوّز.وفي (الصحاح): الطل أضعف المطر، والجمع طلال، يقال: طلت الأرض وهو مطلوب. قال الشاعر:ولما نزلنا منزلاً طله الندى ويقالأيضاً: أطلها الندى، والطلة الزوجة. النخيل: اسم جمع أو جمع تكسير، كنخل إسم الجنس، كما قالوا كلب وكليب. قالالراغب: سمي بذلك لأنه منخول الأشجار وصفوها، وذلك أنه أكرم ما ينبت، لكونه مشبهاً للحيوان في احتياج الأنثى منه إلىالفحل في التذكير. أي التلقيح، وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر. العنب:ثمر الكرم، وهو اسم جنس، واحده عنبة، وجمععلى أعناب. ويقال: عنباء بالمدغير منصرف على وزن سيراء في معنى العنب. الإعصار: ريح شديدة ترتفع فيرتفع معها غبارإلى السماء يسميها العامة الزوبعة، قاله الزجاج، وقيل: الريح السموم التي تقتل، سميت بذلك لأنها تعصر السحاب، وجمعها أعاصير.الاحتراق: معروف وفعله لا يتعدى، ومتعديه رباعي، تقول: أحرقتِ النارُ الحطب والخبز، وحرق ناب الرجل ثلاثي لازم إذا احتك بغيرهغيظاً، ومتعد تقول: حرق الرجل نابه، حكه بغيره من الغيظ. قال الشاعر:أبى الضيم والنعمان يحرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله قرأناه برفع الناب ونصبه. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْسَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } مناسبة هذه الأية لما قبلها هي أنه لما ذكر قصة المارِّ علىقرية وقصة إبراهيم، وكانا من أدل دليل على البعث، ذكر ما ينتفع به يوم البعث، وما يجد جدواه هناك. وهوالإنفاق في سبيل الله، كما أعقب قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بقوله: { مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } وكما أعقب قتل داود جالوت، وقوله: { وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } بقوله: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ } فكذلك أعقب هنا ذكر الإحياء والإماتة بذكر النفقة في سبيلالله، لأن ثمرة النفقة في سبيل الله إنما تظهر حقيقة يوم البعث: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } واستدعاء النفقة في سبيل الله مذكر بالبعث، وخاض على اعتقاده، لأنه لو لم يعتقد وجوده لما كان ينفقفي سبيل الله، وفي تمثيل النفقة بالحبة المذكورة إشارة أيضاً إلى البعث، وعظيم القدرة، إذ حبة واحدة يخرج الله منهاسبعائة حبة، فمن كان قادراً على مثل هذا الأمر العجاب، فهو قادر على إحياء الموات، وبجامع ما اشتركا فيه منالتغذية والنمو. ويقال: لما ذكر المبدأ والمعاد، ودلائل صحتها، أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف، فبدأ بإنفاق الأموال فيسبيل الله، وأمعن في ذلك، ثم انتقل إلى كيفية تحصيل الأموال بالوجه الذي جوز شرعاً. ولما أمل في ذكر التضعيففي قوله: { أَضْعَافًا كَثِيرَةً } وأطلق في قوله: { أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ } فصل في هذهالآية، وقيد بذكر المشبه به، وما بين الآيات دلالة على قدرته على الإحياء والإماتة، إذا لولا ذلك لم يحسن التكليفكما ذكرناه، فهذه وجوه من المناسبة والمثل هنا الصفة، ولذك قال: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أي كصفة حبة، وتقدير زيادة الكاف،أو زيادة مثل. قول بعيد. وهذه الآية شبيهة في تقدير الحذف بقوله: { وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ } فيحتملأن يكون الحذف من الأول، أي: مثل منفق الذين، أو من الثاني: أي كمثل زارع حتى يصح التشبيه، أو منالأول ومن الثاني باختلاف التقدير، أي: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ومنفقهم. كمثل حبة وزارعها. وقد تقدم الكلامفي تقرير هذا الوجه في قصة الكافر والناعق، فيطالع هناك. وهذا المثل يتضمن التحريض على الإنفاق في سبيل اللهجميع ما هو طاعة، وعائد نفعه على المسلمين، وأعظمها وأغناها الجهاد لإعلاء كلمة الله وقيل: المراد: بسبيل الله، هنا الجهادخاصة، وظاهر الإنفاق في سبيل الله يقتفي الفرض والنفل، ويقتضي الإنفاق على نفسه في الجهاد وغيره، والإنفاق على غيره ليتقوىبه على طاعة من جهاد أو غيره. وشبه الإنفاق بالزرع، لأن الزرع لا ينقطع. وأظهر تاء التأنيث عند السين:الحرميان، وعاصم، وابن ذكوان، وأدغم الباقون. ولتقارب السين من التاء أبدلت منها: النات، والأكيات في: الناس، والأكياس. ونسب الإنباتإلى الحبة على سبيل المجاز، إذ كانت سبباً للإنبات، كما ينسب ذلك إلى الماء والأرض والمنبت هو الله، والمعنى: أنالحبة خرج منها ساق، تشعب منها سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة، وهذا التمثيل تصويرللأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر، قالوا: والممثل به موجود، شوهد ذلك في سنبلة الجاورس. وقال الزمخشري: هو موجود فيالدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المغلة، فبلغ حبها هذا المبلغ، ولم لم يوجد لكان صححيحاًفي سبيل الفرض والتقدير؛ إنتهى كلامه. وقال ابن عيسى: ذلك يتحقق في الدخن، على أن التمثيل يصح بما يتصور،وإن لم يعاين. كما قال الشاعر:فما تدوم على عهد تكون به كما تلوّن في أثوابها الغول إنتهى كلامه. وكما قال امرؤ القيس:أيقتلني والمشرفيّ مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال وخص سبعاً منالعدد لأنه كما ذكر، وأقصى ما تخرجه الحبة من الأسؤق. وقتال ابن عطية: قد يوجد في سنبل القمح ما فيهمائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بمائة، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البربعشرة أمثالها، واقتضت هذه الأية أن نفقة الجهاد بسبعمائة ضعف، ومن ذلك الحديث الصحيح. إنتهى ما ذكره. وقيل: واختصهذا العدد لأن السبع أكثر أعداد العشرة، والسبعين أكثر أعداد المائة، وسبع المائة أكثر أعداد الألف، والعرب كثيراً ما تراعيهذه الأعداد. قال تعالى: {سَبْعَ سَنَابِلَ } و { سَبْعَ لَيَالٍ } و { سَبْعَ سُنبُلَـٰتٍ } و { سَبْعَ بَقَرٰتٍ } و { سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } و { سَبْعُ سِنِينَ } و { ان تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً }

{ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً } وفيالحديث: إلى سبطعمائة ضعف إلى سبعة آلاف إلى ما لا يحصي عدده إلاَّ الله وأتى التميير هنا بالجمع الذي لانظير له في الآحاد، وفي سورة يوسف بالجمع بالألف والتاء في قوله: {وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ }. قال الزمخشري: فإنقلت: هلا قيل: {سَبْعَ سُنبُلَـٰتٍ } على حقه من التمييز لجمع القله، كما قال: { وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ } ؟ قلت:هذا لما قدمت عند قوله: { ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها إنتهى كلامه. فجعل هذا من بابالاتساع، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر على سبيل المجاز، إذ كان حقه أن يميز بأقل الجمع، لأن السبع من أقلالعدد، وهذا الذي قاله الزمخشري ليس على إطلاقه، فنقول جمع السلامة بالواو والنون، أو بالألف والتاء، لا يميز به منثلاثة إلى عشرة إلاَّ إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع، أو جاور ما أهمل فيه هذا الجمع،وإن كان المجاور لم يهمل فيه هذا الجمع. فمثال الأول: قوله تعالى: { سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } فلم يجمع سماء هذهالمظلة تسوى هذا الجمع وأما قوله:فوق سبع سمائيا فنصوا على شذوذه، وقوله تعالى: { سَبْعَ بَقَرٰتٍ }

{ وتسع آيَـٰتُ } وخمس صلوات لأن البقرة والآية والصلاة ليس لها سوى هذا الجمع، ولم يجمع على غيره. ومثال الثاني: قوله تعالى: { وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ } لما عطف على: { سَبْعَ بَقَرٰتٍ } وجاوره حسن فيه جمعه بالألف والتاء، ولو كان لم يعطفولم يجاور لكان: {سَبْعَ سَنَابِلَ }، كما في هذه الآية، ولذلك إذا عرى عن المجاور جاء على مفاعل في الأكثر،وأَلاوْلى، وإن كان يجمع بالألف والتاء، مثال ذلك قوله تعالى: { سَبْعَ طَرَائِقَ } و { سَبْعَ لَيَالٍ } ولم يقل: طريقات،ولا: ليلات، وإن كان جائزاً في جمع طريقة وليلة، وقوله تعالى: { عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ } ، وإن كان جائزاً في جمعه أنيكون جمع سلامة. فتقول: مسكينون ومسكينين، وقد آثروا ما لا يماثل مفاعل من جموع الكثرة على جمع التصحيح، وإن لميكن هناك مجاور يقصد مشاكلته لقوله تعالى: { ثَمَانِىَ حِجَجٍ } وإن كان جائزاً فيه أن يجمع بالألف والتاء، لأن مفردهحجة، فتقول: حجات، فعلى هذا الذي تقرر إذا كان للاسم جمعان: جمع تصحيح، وجمع تكسير، فجمع التكسير إما أن يكونللكثرة أو للقلة، فإن كان للكثرة، فإما أن يكون من باب مفاعل، أو من غير باب مفاعل، إن كان منباب مفاعل أوثر على جمع التصحيح، فتقول: جاءني ثلاثة أحامد، وثلاث زيانب، ويجوز التصحيح على قلة، فتقول: جاءني ثلاثة أحامد،وثلاث زينبات، وإن لم يكن من باب مفاعل. فإما أن يكثر فيه غير التصحيح، وغير جمع الكثرة، فلا يجوز التصحيح،ولا جمع الكثرة إلاَّ قليلاً، مثال، ذلك: جاءني ثلاثة زيود، وثلاث هنود، وعندي ثلاثة أفلس، ولا يجوز: ثلاثة زيدين، و،لا: ثلاث هندات، ولا: ثلاثة فلوس، إلاَّ قليلاً. وإن قل فيه غير التصحيح، وغير جمع الكثرة أوثر التصحيح وجمعالكسرة، مثال ذلك: ثلاث سعادات، وثلاثة شسوع، ويجوز على قلة: ثلاث سعائد، وثلاثة أشسع. وتحصل من هذا الذي قررناهأن قوله {سَبْعَ سَنَابِلَ } جاء على ما تقرر في العربية من كونه جمعاً متناهياً، وأن قوله: { سَبْعَ سُنبُلَـٰتٍ } إنما جاز لأجل مشاكلة: { سَبْعَ بَقَرٰتٍ } ومجاورته، فليس استعذار الزمخشري بصحيح. و {فِي كُلّ سُنبُلَةٍ } في موضعالصفة: لسنابل، فتكون في موضج جر، أو: لسبع، فيكون في موضع نصب، وترتفع على التقديرين: مائة، على الفاعل لأن الجارقد اعتمد بكونه صفته، وهو أحسن من أن يرتفع على الابتداء، و: في كل، خبره، والجملة صفة، لأن الوصف بالمفردأولى من الوصف بالجملة، ولا بد من تقدير محذوف، أي: في كل سنبلة منها، أي: من السنابل. وقرىء شاذاً:مائة حبة، بالنصب، وقدر بأخرجت، وقدره ابن عطية بأنبتت، والضمير عائد على الحبة، وجوز أن ينتصب على البدل من: {سَبْعَسَنَابِلَ } وفيه نظر، لأنه لا يصح أن يكون بدل كل من كل، لأن {مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ليس نفس {سَبْعَسَنَابِلَ } ولا يصح أن يكون بدل بعض من كل، لأنه لا ضمير في البدل يعود على المبدل منه، وليس:{مّاْئَةُ حَبَّةٍ } بعضاً من {سَبْعَ سَنَابِلَ } لأن المظروف ليس بعضاً من الظرف، والسنبلة ظرف للحب. ألا ترى إلىقوله {فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ولا يصح أن يكون بدل اشتمال لعدم عود الضمير من البدل على المبدلمنه، ولأن المشتمل على مائة حبة هو سنبلة من سبع سنابل، إلاَّ إن قيل: المشتمل على المشتمل على الشيء هومشتمل على ذلك الشيء، والسنبلة مشتمل على سبع سنابل، فالسبع مشتملة على حب السنبلة، فإن قدرت في الكلام محذوفاً. وهو:أنبتت حب سبع سنابل، جاز أن يكون: {مّاْئَةُ حَبَّةٍ } بدل بعض من كل على حذف: حب، وإقامة سبع مقامه.وظاهر قوله: {مّاْئَةُ حَبَّةٍ } العدد المعروف، ويحتمل أن يكون المراد به التكثير، كأنه قيل: في كل سنبلة حبكثير، لأن العرب تكثر بالمائة، وتقدم لنا ذكر نحو ذلك في قوله { وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } . قيل: وفيهذه الآية دلالة على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحِرَفِ التي يتخذها الناس، ولذلك ضرب الله به المثل في قوله:{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ } الآية. وفي (صحيح مسلم). ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة . وفي رواية أخرى. وما رزىء فهو صدقة . وفي الترمذي: التمسوا الرزق في خبايا الأرض يعني: الزرع وقال بعضهم، وقد قال له رجل: دلني على عمل أعالجه، فقال:تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يوماً أن تجاب وترزقا والزراعة من فروض الكفاية، فيجبر عليها بعض الناس إذا اتفقوا علىتركها. {وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } أي هذا التضعيف إذ لا تضعيف فوق سبعمائة، وقيل: يضاعف أكثر من هذاالعدد وروي عن ابن عباس: أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف. قال ابن عطية: وليس هذا بثابتالإسناد عنه. انتهى. وقال الضحاك: يضاعف إلى ألوف الألوف، وخرّج أبو حاتم في صحيحه المسمى (بالتقاسيم والأنواع) عن ابن عمرقال: لما نزلت {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } الآية قال رسول الله ﷺ: رب زد أمّتي . فنزلت { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وفي (سنن النسائي) قريب من هذا، إلاَّ أنه ذكر بينالآيتين نزول. { مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } . وقوله: {لِمَن يَشَاء } أي:لمن يشاء التضعيف. وفيه دلالة على حذف، ذلك بمشيئة الله تعالى وارادته. وقال الزمخشري: أي يضاعف تلك المضاعفة لا لكلمنفق، لتفاوت أحوال المنفقين، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافاً لمن يستوجب ذلك. انتهى. فقوله: لمن يستوجب ذلك، فيهدسيسه الاعتزال. {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } أي: واسع بالعطاء، عليم بالنية. وقيل: واسع القدرة على المجازاة، عليم بمقادير المنفقاتوما يرتب عليها من الجزاء. {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى}. قيل: نزلت في عثمان، وقيل: في عليّ، وقيل: في عبد الرحمن بن عوف وعثمان، جاء ابن عوف في غزوةتبوك بأربعة آلاف درهم وترك عنده مثلها، وجاء عثمان بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدق برمة ركية كانت له تصدق بهاعلى المسلمين. وقيل: جاء عثمان بألف دينار فصبها في حجر رسول الله ﷺ لما شبه تعالى صفةالمنفق في سبيل الله بزارع الحبة التي أنجبت في تكثير حسناته ككثرة ما أخرجت الحبة، وكان ذلك على العموم بيّنفي هذه الآية أن ذلك إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مناً ولا أذى، لأنهما مبطلان للصدقة، كما أخبر تعالىفي الآية بعد هذا، بل يراعى جهة الاستحقاق لاجزاء من المنفق عليه ولا شكراً له، فيكون قصده خالصاً لوجه اللهتعالى، فإذا التمس بإنفاقه الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء، وإن التمس الجزاء كان تاجراً مربحاً لا يستحق حمداً ولاشكراً. والمنّ من الكبائر ثبت في (صحيح مسلم) وغيره أنه أحد. الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . وفي النسائي: ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمانّ بما أعطى.. وفي قوله: {ثُمَّ لاَيُتْبِعُونَ } بعد قوله: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } دلالة على أن النفقة تمضي في سبيل الله، ثم يتبعها ما يبطلها،وهو المنّ والأذى، وقد تبين ذلك في الآية بعدها، فهي موقوفة، أعني: قبولها على شريطة، وهو أن لا يتبعها مناًولا أذى. وظاهر الآية يدل على أن المنّ والأذى يكونان من المنفق على المنفق عليه، سواء كان ذلك الإنفاقفي الجهاد على سبيل التجهيز أو الإعانة فيه، أم كان في غير الجهاد. وسواء كان المنفق مجاهداً أم غير مجاهد.وقال ابن زيد: هي في الذين لا يخرجون إلى الجهاد، بل ينفقون وهم قعود. والآية قبلها في الذين يخرجونبأنفسهم وأموالهم، ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشرط على الأولين. والأذى يشمل المن وغيره، ونص على المن وقدم لكثرةوقوعه من المتصدّق، فمن المن أن يقول: قد أحسنت إليه ونعشتك، وشبهه. أو يتحدث بما أعطى، فيبلغ ذلك المعطى، فيؤذيه.ومن الأذى أن يسب المعطى، أو يشتكي منه، أو يقول: ما أشد إلحاحك، و: خلصنا الله منك، و: أنت أبداًتجيئني، أو يكلفه الإعتراف بما أسدى إليه. وقيل: الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه. وقالزيد بن أسلم: إن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه، تريد وجه الله، فلا تسلم عليه. وقالت له:امرأة يا أبا اسامة؟ دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً، فانهم إنما يخرجون الفواكه، فإن عندي أسهماً وجيعة.فقال لها: لا بارك الله في أسهمك وجيعتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌعَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تقدّم تفسير هذه الجملة فأغنى عن إعادته. و {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ } مبتدأ والجملة منقوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } خبر، ولم يضمن المبتدأ معنى اسم الشرط، فلم تدخل الفاء في الخبر، وكان عدم التضمين هنالأن هذه الجملة مفسرة للجملة قبلها، والجملة التي قبلها أخرجت مخرج الشيء الثابت المفروغ منه، وهو نسبة إنفاقهم بالحبة الموصوفة،وهي كناية عن حصول الأجر الكثير، فجاءت هذه الجملة، كذلك أخرج المبتدأ والخبر فيهما مخرج الشيء الثابت المستقر الذي لايكاد خبره يحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع ما قبله، بخلاف ما إذا دخلت الفاء فإنها مشعرة بترتب الخبر على المبتدأ،واستحقاقه به. وقيل: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ } خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين ينفقون {وَلَهُمْ * أَجْرَهُمْ } في موضعالحال، وهذا ضعيف، أعنى: جعل لهم أجرهم في موضع الحال، بل الأولى إذا أعرب: الذين، خبر مبتدأ محذوف أن يكون:لهم أجرهم، مستأنفاً وكأنه جواب لمن قال: هل لهم أجر؟ وعند من أجرهم؟ فقيل {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } وعطف:بثم، التي تقتضي المهلة، لأن من أنفق في سبيل الله ظاهر ألاَّ يحصل منه غالباً المنّ والأذى، بل إذا كانتبنية غير وجه الله تعالى، لا يمنّ ولا يؤذي على الفور، فذلك دخلت: ثم، مراعاة للغالب. وإن حكم المن والأذىالمعتقبين للإنفاق، والمقارنين له حكم المتأخرين. وقال الزمخشري: ومعنى: ثم، إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وأن تركهماخير من نفس الإنفاق، كما جعل الإستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله: { ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } انتهى كلامه.وقد تكرر للزمخشري ادعاء هذا المعنى لثم، ولا أعلم له في ذلك سلفاً، وقد تكلمنا قبل هذا معه في هذاالمعنى، و: ما، من {مَّا أَنفَقُواْ } موصول عائده محذوف، أي: أنفقوه، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: إنفاقهم، وثم محذوف،أي: منّاً على المنفق عليه، ولا أذى له، وبعد ما قاله بعضهم من أن ولا أذى من صفة المعطي، وهومستأنف، وكأنه قال: الذين ينفقون ولا يمنون ولا يتأذون بالإنفاق، وكذلك يبعد ما قاله بعضهم من أن قوله: {وَلاَ خَوْفٌعَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لا يراد به في الآخرة، وأن المعنى: إن حق المنفق في سبيل الله أن يطيببه نفسه، وأن لا يعقبه المن، وأن لا يشفق من فقر يناله من بعد، بل يثق بكفاية الله ولا يحزنإن ناله فقر. {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } أي: ردّ جميل من المسؤول، وعفو منالسائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول من إلحاح أو سب أو تعريض بسبب، كما يوجد في كثير منالمستعطين، وقيل: معنى و: مغفرة، أي: نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل. وقيل: ومغفرة، أي عفو من جهة السائل،لأنه إذا رده ردّاً جميلاً عذره. وقيل: قول معروف، هو الدعاء والتأسي والترجئة بما عند الله، وقيل: الدعاء لأخيه بظهرالغيب، وقيل: الأمر بالمعروف خير ثواباً عند الله من صدقة يتبعها أذى. وقيل: التسبيحات والدعاء والثناء والحمد لله والمغفرة، أي:الستر على نفسه والكف عن إظهار ما ارتكب من المآثم خير، أي: أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى. وقيل:المغفرة الاقتصار على القول الحسن، وقيل: المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة، وقيل: المغفرة هنا سترخلة المحتاج، وسوء حاله. قاله ابن جرير، وقيل، لأعرابي سأل بكلام فصيح، ممن الرجل؟ فقال اللهم غفراً سوء الاكتساب يمنعمن الانتساب، وقيل: أن يستر على السائل سؤاله وبذل وجهه له ولا يفضحه، وقيل: معناه السلامة من المعصية، وقيل: القولالمعروف أن تحث غيرك على إعطائه. وهذا كله على أن يكون الخطاب مع المسؤول لأن الخطاب في الآية قبل هذا،وفي الآية بعد هذا، إنما هو مع المتصدّق، وقيل: الخطاب للسائل، وهو حث له على إجمال الطلب، أي يقول قولاًحسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى حيث لا ضرورة، ويكسب خير من مثال صدقة يتبعها أذى، واشترك القول المعروفوالمغفرة مع الصدقة التي يتبعها أذى في مطلق الخيرية، وهو: النفع، وإن اختلفت جهة النفع، فنفع القول المعروف والمغفرة باقٍ،ونفع تلك الصدقة فانٍ، ويحتمل أن يكون الخيرية هنا من باب قولهم: شيء خير من لا شيء. وقال الشاعر:ومنعك للندى بجميل قول أحب إليّ من بذل ومنَّه وقال آخر فأجاد:إن لم تكن ورق يوماً أجود بها للمعتفين فإني لينُ العودِ لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالي وإما حسن مردود وارتفاع: قول، على أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها، ومغفرة معطوف على المبتدأ، فهو مبتدأ ومسوغجواز الإبتداء به وصف محذوف أي: ومغفرة من المسؤول، أو: من السائل. أو: من الله، على اختلاف الأقوال. و: خير،خبر عنهما. وقال المهدوي وغيره: هما جملتان، وخبر: قول، محذوف، التقدير: قول معروف أولى ومغفرة خير. قال ابن عطية:وفي هذا ذهاب تزويق المعنى، وإنما يكون المقدّر كالظاهر. إنتهى. وما قاله حسن، وجوز أن يكون: قول معروف، خبر مبتدأمحذوف تقديره: المأمور به قول معروف، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله: يتبعها، لأن الأذى يشمل المن وغيره كماقلنا. {وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ } أي غني عن الصدقة، حليم بتأخر العقوبة، وقيل: غني لا حاجة به إلى منفقيمن ويؤذي، حليم عن معاجلة العقوبة. وهذا سخط منه ووعيد. {حَلِيمٌ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰكَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع مناً ولاأذىً، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلاً للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما، ولذلك ناداهمبوصف الإيمان. ولما جرى ذكر المن والأذى مرتين، أعادهما هنا بالألف واللام، ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة،ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله. والسدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء: الصدقة التييعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذى لا تتقبل، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة، فهو لا يكتبها إذ نيتهلم تكن لوجه الله. ومعنى قوله: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم } أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً، لأنه إذا اقصدبه غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان. وقال القاضي عبد الجبار: معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت،فلا يصح أن تبطل. فالمراد إذن إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصير إبطاله بما يأتيه منالمن والأذى. إنتهى كلامه. والمعنيان تحملهما الآية، ولتعظيم قبح المن أعاد الله ذلك في معارض الكلام، فأثنى على تاركهأولاً وفضل المنع على عطية يتبعها المن ثانياً. وصرح بالنهي عنها ثالثاً، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المن فيها أعظموأشنع. والظاهر أن قوله: بالمن، معناه على الفقير، وهو قول الجمهور. وقال ابن عباس: بالمن على الله تعالى بسببصدقته، والأذى للسائل. و: الكاف، قيل في موضع نعت لمصدر محذوف تقديره إبطالاً، كابطال صدقة الذي ينفق، وقيل: الكاف فيموضع الحال، أي: لا تبطلوا مشبهين الذي ينفق ماله بالرياء. وفي هذا المنفق قولان: أحدهما: أنه المنافق، ولميذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم، هذه نيته، لا ينفق لرضا الله. وطلب ثواب الآخرة، لأنه فيالباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وقيل: المراد به الكافر المجاهر، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله ولايريد بإنفاقه إلاَّ الثناء عليه، ورجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره، وأماالكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره. وانتصاب رئاء على أنه مفعول من أجله، أو مصدر فيموضع الحال. وقرأ طلحة بي مصرف: رياءً بابدال الهمزة الأولى ياءً لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم.{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا }هذا تشبيه ثان، واختلف في الضمير في قوله: {فَمَثَلُهُ } فأظاهرأنه عائد على {ٱلَّذِى * يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ } لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافرالمباهي، المثل بصفوان عليه تراب، يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، فيبقى صلداًمنكشفاً، وأخلف ما ظنه الظان، كذلك هذا المنافق يرى الناس أن له أعمالاً كما يُرى التراب على هذا الصفوان، فإذاكان يوم القيامة اضمحلت وبطلت، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وقيل: الضمير في {فَمَثَلُهُ } عائدعلى المانِّ المؤذي، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس، والثاني: بصفوان عليه تراب، ويكون قد عدل منخطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى افراد. قال القاضي عبد الجبار: ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين،فمثله أولاً بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن إبطال نفقة هذاالمرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى. ثم مثله ثانياً بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار.ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلاً، قال: فكماأن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلكصريح القول في الإحاطة والتكفير. إنتهى كلامه. وهو مبني على ما قدّمناه عنه في القول في الإحباط والتكفير في قوله:{لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم } من أن الصدقة وقعت صحيحة ثم بطلت بالمنّ والأذى، وتقدّم القول بأن المعنى: لا توقعوها باطلة،ويدل على هذا المعنى التشبيه بقوله: كالذي ينفق، فان نفقته وقعت باطلة لمقارنة الكفر لها، فيمتنع دخولها صحيحة في الوجود.وأما التمثيل الثاني فإنه عند عبد الجيار وأصحابه، جعل الوابل مزيلاً لذلك التراب بعد كينونته عليه، فكذلك المنّ والأذىمزيلان للأجر بعد حصول استحقاقه، وعند غيرهم أن المشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو الصدقة المقترنة بالنية الفاسدة التي لولاهالكانت الصدقة مرتباً عليها حصول الأجر والثواب. قيل: والحمل على هذا المعنى أولى، لأن التراب إذ وقع على الصفوان لميكن ملتصقاً به، ولا غائضاً فيه، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة منفصل. فكذا الإنفاق المقرون بالمنّ والأذى، يرىفي الظاهر أنه عمل بر وفي الحقيقة ليس كذلك، وعلى هذين القولين يكون التقدير: لا تبطلوا أجور صدقاتكم، أو: لاتبطلوا أصل صدقاتكم. وقرأ ابن المسيب، والزهري: صفوان بفتح الفاء، قيل: وهو شاذ في الأسماع. إنما بابه المصادر: كلغليانوالتروان، وفي الصفات نحو: رجل صيحان، وتيس عدوان. وارتفع تراب على الفاعلية، أي: استقر عليه تراب، فأصابه وابل. و:فأصابه، معطوف على ذلك الفعل الرافع للتراب، والضمير في: فأصابه، عائد على الصفوان، ويحتمل أن يعود على التراب، وفي: فتركه،عائد على الصفوان. وهذه الجملة جعل فيها العمل الظاهر: كالتراب، والمانّ المؤذي، أو المنافق كالصفوان، ويوم القيامة كالوابل، وعلى قولالمعتزلة: المنّ والأذى كالوابل. وقال القفال: وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عملبإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض طيبة، فهو يتضاعف له وينمو، ألا ترى أنه ضرب المثل في ذلك بجنة فوقربوة؟ فهو يجده وقت الحاجة إليه. وأما المان والمؤذي والمنافق، فكمن بذر في الصفوان لا يقبل بذراً ولا ينمو فيهشيء، عليه غبار قليل أصابه جود فبقي مستودع بذر خالياً، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً. إنتهى مالخص من كلامه. وحاصله: أن التشبيه انطوى من حيث المعنى على بذر وزرع. {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ}اختلف في الضمير في: يقدرون، فقيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم } ويكون من باب الالتفات،إذ هو رجوع من خطاب إلى غيبة، والمعنى: أنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على الانتفاع بشيء مما كسبتم، وهذافيه بعد. وقيل: هو عائد على {ٱلَّذِى * يُنفِقُ } لأن: كالذي جنس، فلك أن تراعي لفظه كما في قوله:{يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ } فأفرد الضمير، ولك أن تراعي المعنى، لأن معناه جمع، وصار هذاكَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ثم قال: { ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } . قال ابن عطية: وقد انحمل الكلامقبل على لفظ: الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب، ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ.إنتهى كلامه. وقد تقدّم لنا الكلام معه في شيء من هذا، وفي الحمل على اللفظ أو المعنى تفصيل لايوجد إلاَّ في مبسوطات النحو. وقيل: هو عائد على معلوم غير مذكور المعنى لا يقدر أحد من الخلق علىالانتفاع بذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي على الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وزال ما كان فيه، فكذلك المانوالمؤذي والمنافق، لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة. وقيل: هو عائد على المرائي الكافر أو المنافق، أو على المان،أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم، وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه، وعبروا عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوابها الكسب، وهذا كقوله تعالى: { وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } وقوله: { أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } الآية. وقوله: { أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } ويكفي من ذكر العمل لغير وجه الله حديث الثلاثةالذين هم أوّل الناس يقضى عليه يوم القيامة، وهو: المستشهد والعالم والجواد. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } يعنيالموافقين على الكفر، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض. أو: لا يهديهم في أعمالهم، هم على الكفر، وفيهذا ترجح لمن قال: إن ضرب المثل عائد على الكافر. {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًامّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } لما ضرب مثل: من أنفق ماله رئاء الناس وهو غير مؤمن، ذكر ضدّه بتمثيلمحسوس للذهن، حتى يتصوّر السامع تفاوت ما بين الضدّين، وهذا من بديع أساليب فصاحة القرآن. ولما وصف صاحب النفقة بوصفين،قابل ذلك هنا بوصفين، فقوله: {ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ } مقابل لقوله: {رِئَاء ٱلنَّاسِ } وقوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} مقابل لقوله: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } لأن المراد بالتثبيت توطين النفس على المحافظة عليه وترك ما يفسده،ولا يكون إلاَّ عن يقين بالآخرة. والتقادير الثلاثة التي في قوله: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِحَبَّةٍ } جارية هنا، أي: ومثل المنافقين كمثل غارس حبة، أو: مثل نفقتهم كحبة، أو: مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبةوغارسها. وجوّزوا في: ابتغاء أن يكون مصدراً في موضع الحال. أي: مبتغين، وأن يكون مفعولاً من أجله، وكذلك: وتثبيتاً.قال ابن عطية: ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولاً من أجله، لعطف، وتثبيتاً عليه، ولا يصح في: وتثبيتاً أنه مفعولمن أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. وقال مكي في (المشكل): كلاهما مفعول من أجله، وهو مردود بمابيناه. إنتهى كلامه. وتثبيت، مصدر: ثبت، وهو متعد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره الثواب من الله تعالى، أي:وتثبيتاً وتحصيلاً من أنفسهم الثواب على تلك النفقة، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملاً على الإنفاق فيسبيل الله. ومن قدر المفعول غير ذلك أي: وتثبيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، وجعله من أنفسهم على أن تكون:من، بمعنى: اللام، أي: لأنفسهم، كما تقول: فعلت ذلك كسراً من شهوتي، أي: لشهوتي، فلا يتضح فيه أن ينتصب علىالمفعول له. قال الشعبي، وقتادة، والسدي، وأبو صالح، وابن زيد: معناه وتيقناً، أي: أن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهمعلى الإنفاق ويؤكده قراءة من قرأ: أو تبييناً من أنفسهم، وقال قتادة أيضاً: وأحتساباً من أنفسهم. وقال الشعبي أيضاً والضحاك،والكلبي: وتصديقاً، أي: يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم. وقال ابن جبير، وأبو مالك: تحقيقاً في دينهم. وقال إبن كيسان: إخلاصاًوتوطيداً لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم. وقال الزجاج: ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها. وقال الشعبي أيضاً:عزماً. وقال يمان أيضاً: بصيرة. وقال مجاهد، والحسن: معناه أنهم يثبتون، أي يضعون صدقاتهم. قال الحسن: كان الرجل إذا همبصدقة يتثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك. وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله: وتثبيتاً.بمعنى: تثبتاً، فيكون لازماً. قال: والمصادر قد تختلف، ويقع بعضها موقع بعض، ومنه قوله: { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } أي تبتلاًوردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائهعلى فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل، تقول: إن ثبت فعل لازم معناه: تمكن، ورسخ،وتحقق. وثبت معدى بالتضعيف، ومعناه: مكن،وحقق. قال ابن رواحة يخاطب رسول الله ﷺ:فثبَّت الله ما آتاك من حسن تثبيت عيسى ونصراً كالذي نصروا فالمعنى، والله أعلم، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمانبهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضاً، لأن مثل هذا العمل شاقعلى النفس، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب، لأنها إذا ثبتت على الأمرالصعب انقادت وذلت له. وإذا كان التثبيت مسنداً إليهم كانت: من، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر، وتكون للتبعيض،مثلها في: هزّ من عطفه، و: حرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت: من، فيموضع نصب أيضاً صفة للمصدر تقديره: كائناً من أنفسهم. قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناهأن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها { وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } إنتهى. والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله، ليسله محرك إلاَّ هي، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب، فهي الباعثه له على ذلك، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليلاعتقادها. وقرأ عاصم الجحدري {كَمَثَلِ حَبَّةٍ } بالحاء والباء في: بربوة، ظرفية، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف. وخصالربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها. كما قال الشاعر، وهو الخليل بن أحمد، رحمه الله تعالى:ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت عن المعاطش واستغنت بسقياها شع فمال بالخوخ والرمان أسفلُهاواعتم بالنخل والزيتون أعلاها تفسير ابن عباس: الربوة، بالمكان المرتفعالذي لا يجرى فيه الأنهار، إنما يريد المذكورة لقوله: {أَصَابَهَا وَابِلٌ } فدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولميرد أن جنس الربوة لا يجرى فيها ماء، ألا ترى قوله تعالى: { إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } وخصت بأنسقياها الوابل لا الماء الجاري فيها على عادة بلاد العرب بما يحسونه كثيراً. وقال أبو عبد الله محمد بنعمر الرازي: المفسرون قالوا: البستان إذا كان في ربوة كان أحسن، وأكثر ريعاً، وفيه لي أشكال، لأنه يكون فوق الماء،ولا ترتفع إليه الأنهار، وتضربه الرياح كثيراً، فلا يحسن ريعه. وإذا كان في وهدة انصبت إليه المياء، ولا تصل إليهآثار الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه، وإنما يحسن ريعه في أرض مستوية، فالمراد بالربوة ليس ما ذكروه، وإنما هو كونالأرض طيبة بحيث إذا نظر نزول المطر عليها انتفخت وربت، فيكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها. ويؤيده: { وَتَرَى ٱلاْرْضَ هَامِدَةً } الآية. وأنه في مقابلة المثل الأول، والأول لا يؤثر فيه المطر، وهو: الصفوان. انتهى كلامه. وفيه بعض تلخيص، وما قالهقاله قبله الحسن. الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء. وقال الشاعر في رياض الحزن:ما روضة من رياض الحَزْنِ معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل ولا يراد: برياض الحزن، رياض الربا، كما زعم الطبري، بل: رياضالحزن هي المنسوبة إلى نجد، ونجد يقال لها: الحزن، وإنما نسبت الروضة إلى الحزن وهو نجد، لأن نباته أعطر، ونسيمهأبرد، وأرق. فهي خير من رياض تهامة. وقرأ ابن عامر، وعاصم بفتح الراء، وباقي السبعة بالضم. وكذلك خلافهم في { قَدْ أَفْلَحَ } وقرأ ابن عباس بكسر الراء وقرأ أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن: برباوة، على وزن: كراهة. وأبو الأشهبالعقيلي: برباوة، على وزن رسالة. {أَصَابَهَا وَابِلٌ } جملة في موضع الصفة لجنة، وبدىء بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة،وهذا الأكثر في لسان العرب، وبدىء بالوصف الثابت، وهو: كونها بربوة، ثم بالوصف العارض، وهو {أَصَابَهَا وَابِلٌ } وجاء فيوصف صفوان قوله: عليه تراب، ثم عطف عليه بالفاء، وهنا لم يعطف، بل أخرج صفة، وينظر ما الفرق بين الموضعين،وجوَّز أن يكون: {أَصَابَهَا وَابِلٌ } حالاً من جنة. لأنها نكرة، وقد وصفت حالاً من الضمير في الجار والمجرور.{فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } آتت بمعنى: أعطت، والمفعول الأول محذوف، التقدير: فآتت صاحبها، أو: أهلها أكلها. كما حذف في قوله{كَمَثَلِ جَنَّةٍ } أي: صاحب أو: غارس جنة، ولأن المقصود ذكر ما يثمر لا لمن تثمر، إذ هو معلوم، ونصب:ضعفين، على الحال، ومن زعم أن: ضعفين، مفعول ثان: لآتت، فهو ساه، وليس المعنى عليه، وكذلك قول من زعم إنآتت بمعنى أخرجت، وأنها تتعدى لواحد، إذ لا يعلم ذلك في لسان العرب، ونسبة الإيتاء إليها مجاز، والأكل بضم الهمزةالشيء المأكول، وأريد هنا الثمر، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الدابة، إذ ليس الثمر مما تملكه الجنة. وقرأالحرميان، وأبو عمرو بضم الهمزة، وإسكان الكاف، وكذا كل مضاف إلى مؤنث. ونقل أبو عمرو فيما أضيف إلى غير مكني،أو إلى مكني مذكر، والباقون بالتثقيل. ومعنى: ضعفين: مِثْلا ما كانت تثمر بسبب الوابل، وبكونه في ربوة، لأن ريعالربا أكثر، ومن السيل والبرد أبعد، وقيل: ضعفي غيرها من الأرضين، وقيل: أربعة أمثالها، وهذا مبني على أن ضعف الشيءمثلاه. وقال أبو مسلم: ثلاثة أمثالها، قال تاج القراء. وليس لهذا في العربية وجه، وإيتاء الضعفين هو في حملواحد وقال عكرمة، وعطاء: معنى ضعفين أنها حملت في السنة مرتين. ويحتمل عندي أن يكون قوله: ضعفين، مما لا يزادبه شفع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يقصد به التكثير. وكأنه قيل: فآتت أكلها ضعفين، ضعفاً بعد ضعف أي:أضعافاً كثيرة، وهذا أبلغ في التشبيه للنفقة بالجنة، لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين، بل جاء تضاعف أضعافاً كثيرة،وعشر أمثالها، وسبع مائة وأزيد. {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } قال ابن عيسى: فيه إضمار، التقدير: فإن لميكن يصيبها وابل كما قال الشاعر:إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي: لم تكن تلدني، والمعنى: أن الطل يكفيهاوينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك أكرم الأرض وطيبها، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر. وقيل: المعنى فإن لميصبها وابل فيتضاعف ثمرها، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر.قال الماوردي: زرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه: وإن قل تماسك ونفع. انتهى. ودعوى التقديم والتأخيرفي الآية، على ما قاله بعضهم، من أن المعنى أصابها وابل، فإن لم يصبها وابل فطل، فآتت أكلها ضعفين حتىيجعل ايتاؤها الأكل ضعفين على الحالين من الوابل والطل، لا حاجة إليها. والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر، فينزه القرآن عنذلك. قال زيد بن أسلم: المضروب به المثل أرض مصر، إن لم يصبها مطر زكت، وإن أصابها مطر أضعفت.قال الزمخشري: مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد منالمطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة، كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع، زاكيةعند الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. انتهى كلامه. وقال الماوردي قريباً من كلام الزمخشري، قال: أراد بضربهذا المثل أن كثير البر مثل زرع المطر، كثير النفع، وقليل البر مثل زرع الطل، قليل النفع. فلا يدع قليلالبر إذا لم يفعل كثيره، كما لا يدع زرع الطل إذا لم يقدر على زرع المطر. انتهى كلامه. وقالابن عطية: شبه نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفصيل والفلو، بنموّ نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة،بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً. وقال ابن الجوزي: معنى الآية أن صاحب هذه الجنة لا يخيبفإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك نفقة المؤمن المخلص. انتهى. وقوله: فطل جواب للشرط، فيحتاجإلى تقدير بحيث تصير جملة، فقدره المبرد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، أي: فطل يصيبها، وابتدىء بالنكرة لأنها جاءتفي جواب الشرط. وذكر بعضهم أن هذا من مسوّغات جواز الابتداء بالنكرة، ومثله ما جاء في المثل: إن ذهب عيرفعير في الرباط. وقدره غير المبرد: خبر مبتدأ محذوف. أي: فالذي يصيبها، أو: فمصيبها طلٌ، وقدره بعضهم فاعلاً، أي فيصيبهاطل، وكل هذه التقادير سائغة. والآخر يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جواباً، وإبقاء معمول لبعضها، لأنه متى دخلت الفاءعلى المضارع فإنما هو على إضمار مبتدأ، كقوله تعالى { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } أي فهو ينتقم، فكذلك يحتاجإلى هذا التقدير هنا أي: فهي، أي: الجنة يصيبها طل، وأما في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلاَّ إلى حذف أحدجزئي الجملة، ونظير ما في الآية قوله:ألا إن لا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيّ {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } قرأ الزهري، بالياء، فظاهره أن الضمير يعود على المنافقين، ويحتمل أن يكونعاماً فلا يختص بالمنافقين، بل يعود على الناس أجمعين. وقرأ الجمهور بالتاء، على الخطاب، وفيه التفات. والمعنى: أنه تعالىلا يخفى عليه شيء من الأعمال والمقاصد من رياء وإخلاص، وفيه وعد ووعيد. {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} لما تقدّم النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى، وشبه فاعل ذلك بالمنفق رئاء، ومثل حاله بالصفوان المذكور، ثم مثلحال من أنفق ابتغاء وجه الله، أعقب ذلك كله بهذه الآية، فقال السدّي: هذا مثل آخر للمرائي وقال ابن زيد:هو مثل للمان في الصدقة، وقال مجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم: للمفرط في الطاعة. وقال ابن جريج: لمن أعطي الشباب والمال،فلم يعمل حتى سلبا وقال ابن عباس: لمن عمل أنواع الطاعات كجنة فيها من كل الثمرات، فختمها بإساءة كإعصار، فشبهتحسره حين لا عود، بتحسر كبير هلكت جنته أحوج ما كان إليها، وأعجز عن عمارتها، وروي نحو من هذا عنعمر وقال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته،وأن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. والهمزة للاستفهام، والمعنى على التبعيد والنفي، أي:ما يود أحد ذلك؟ و: أحد، هنا ليس المختص بالنفي وشهبه، وإنما المعنى: أيود واحد منكم؟ على طريق البدلية.وقرأ الحسن: جنات، بالجمع. {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } لما كان النخيل والأعناب أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصا بالذكر، وجعلتالجنة منهما، وإن كان في الجنة غيرهما، وحيث جاء في القرآن ذكر هذا، نص على النخيل دون الثمرة. وعلى ثمرةالكرم دون الكرم، وذلك لأن أعظم منافع الكرم هو ثمرته دون أصله، والنخيل كله منافعه عظيمة، توازي منفعة ثمرته منخشبه وجريده وليفه وخوصه، وسائر ما يشتمل عليه، فلذلك، والله أعلم، اقتصر على ذكر النخيل وثمرة الكرم. {تَجْرِى مِنتَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } تقدّم شرح هذا في أول هذه السورة. {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } هذا يدل علىأنه فيه أشجار غير النخيل والكرم، كما ذكرنا قبل هذا الظاهر، وأجاز الزمخشري أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصلله فيها. وهذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فعلى مذهب الأخفش: من، زائدة التقدير: له فيها كل الثمرات، علىإرادة التكثير. بلفظ العموم، لا أن العموم مراد، ولا يجوز أن تكون زائدة على مذهب الكوفيين، لأنهم شرطوا في زيادتهاأن يكون بعدها نكرة، نحو: قد كان من مطر، وأما على مذهب جمهور البصريين، فلا يجوز زيادتها، لأنهم شرطوا أنيكون قبلها غير موجب، وبعدها نكرة، ويحتاج هذا إلى تقييد، قد ذكرناه في كتاب (منهج السالك) من تأليفنا. ويتخرج مذهبجمهور البصريين على حذف المبتدأ المحذوف تقديره، له فيها رزق، أو: ثمرات من كل الثمرات. ونظيره في الحذف قول الشاعر:كأنك من جمال بني أقيش تقعقع خلف رجليه بشن التقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش،حذف: جمل، لدلالة: من جمال، عليه، كما حذف ثمرات لدلالة: من كل الثمرات، عليه وكذلك قوله تعالى { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } أي: وما أحد منا، فأحد مبتدأ محذوف، و: منا، صفة، وما بعد إلاَّ جملة خبر عنالمبتدأ. {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ } الظاهر أن الواو للحال، وقد مقدرة أي وقد أصابه الكبر، كقوله: { وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }

{ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا } أي: وقد كنتم، و: قد قعدوا، وقيل: معناه. ويصيبه، فعطف الماضي على المضارع لوضعه موضعه وقالالفراء: يجوز ذلك في: يود، لأنه يتلقى مرة بأن، ومرة بأو، فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر قال الزمخشري: وقيل،يقال: وددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة، وأصابه الكبر؟ انتهى.وظاهر كلامه أن يكون: وأصابه، معطوفاً على متعلق: أيود، وهو: أن تكون، لأنه في معنى: لو كانت، إذ يقال:أيود أحدكم لو كانت؟ وهذا ليس بشيء، لأنه ممتنع من حيث: أن يكون، معطوفاً على: كانت، التي قبلها لو، لأنهمتعلق الود، وأما: وأصابه الكبر، فلا يمكن أن يكون متعلق الود، لأن إصابة الكبر لا يوده أحد، ولا يتمناه، لكنيحمل قول الزمخشري على أنه: لما كان: أيود، استفهاماً، معناه الإنكار، جعل متعلق الودادة الجمع بين الشيئين، وهما كون جنةله، وأصابة الكبر إياه، لا أن كل واحد منهما يكون مودوداً على انفراده، وإنما أنكر وداده الجمع بينهما، وفي لفظالإصابة معنى التأثير، وهو أبلغ من: وكبر، وكذلك بربوة أصابها وابل، وعليه تراب فأصابه وابل، ولم يأت: وبلت، ولا توبل.والكبر الشيخوخة، وعلو السن. {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } وقرىء: ضعاف، وكلاهما جمع: ضعيف، كظريف وظرفاء. وظراف، والمعنى ذريةصبية صغار، ويحتمل أن يراد بضعفاء: محاويج. {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } قال فيه، فأتى بالضمير مذكراً، لأنالإعصار مذكر من سائر أسماء الرياح، وارتفاع: نار، على الفاعلية بالجار قبله، أو: كائن فيه نار، وفي العطف بالفاء فيقوله: فأصابها إعصار، دليل على أنها حين أزهت وحسنت للانتفاع بها أعقبها الإعصار. {فَٱحْتَرَقَتْ } هذا فعل مطاوع لأحرق،كأنه قيل: فيه نار أحرقتها فاحترقت، كقوله: أنصفته فانتصف، وأوقدته فاتقد. وهذه المطاوعة هي انفعال في المفعول يكون له قابليةللواقع به، فيتأثر له. والنار التي في الإعصار هي السموم التي تكون فيها. وقال ابن مسعود: السموم التي خلقالله منها الجان جزء من سبعين جزءا من النار، يعني، نار الآخرة، وقد فسر أنها هلكت بالصاعقة. وقال الحسن، والضحاك.إعصار فيه نار، أي: ريح فيها صر برد. {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } أي: مثل هذا البيان تصرفالأمثال المقربة الأشياء للذهن، يبين لكم العلامات التي يوصل بها إلى اتباع الحق. {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } أي: تعلمون أفكاركمفيما يفنى ويضمحل من الدنيا، وفيما هو باق لكم في الآخرة، فتزهدون في الدنيا، وترغبون في الآخرة. وقد تضمنتهذه الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة وصنوف البلاغة أنواعاً: من الانتقال من الخصوص إلى العموم، ومن الإشارة، ومن التشبيه، ومنالحذف، ومن الاختصاص، ومن الأمثال، ومن المجاز. وكل هذا قد نبه عليه غضون تفسير هذه الآيات. { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } * { لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } التيمم: القصد يقال أمّ كردّ. وأمم كأخر، وتيمم بالتاء والياء، وتأمّم بالتاء والهمزة،وكلها بمعنى. وقال الخليل أممته قصدت أمامه، ويممته قصدته من أي جهة كانت. الخبيث: الرديء وهو ضد الطيب اسمفاعل من خبث. الإغماض: التساهل يقال: أغمض في حقه تساهل فيه ورضى به، والإغماض تغميض العين، وهو كالإغضاء. وأغمضالرجل أتى غامضاً من الأمر، كما يقال: أعمن وأعرق وأنجد، أي: أتى عمان والعراق ونجداً، وأصل هذه الكلمة من الغموضوهو: الخفاء، غمض الشيء يغمض غموضاً خفي، وإطباق الجفن إخفاء للعين، والغمض المتطامن الخفي من الأرض. الحميد: المحمود فعيلبمعنى مفعول، ولا ينقاس، وتقدّمت أقسام فعيل في أول هذه السورة. وتفسير الحمد في أوّل سورته. النذر: تقدّمت مادّتهفي قوله: { أأنذرتهم أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ } وهو عقد الإنسان ضميره على فعل شيء والتزامه. وأصله من الخوف، والفعلمنه. نذر ينذر وينذر، بضم الذال وكسرها، وكانت النذور من سيرة العرب يكثرون منها فيما يرجون وقوعه، وكانوا أيضاً ينذرونقتل أعدائهم كما قال الشاعر:الشاتمي عرضي، ولم أشتمهما والناذرين إذ لقيتهما دمي وأما على ما ينطلقشرعاً فسيأتى بيانه إن شاء الله. نعم: أصلها نعم، وهي مقابلة بئس، وأحكامها مذكورة في النحو، وتقدّم القول في:بئس، في قوله: { بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } . التعفف: تفعل من العفة، عف عن الشيء أمسك عنه، وتنزه عنطلبه، من عشق فعف فمات مات شهيداً. أي: كف عن محارم الله تعالى، وقال رؤبة بن العجاج:فعف عن أسرارها بعد الغسق ولم يدعها بعد فرك وعشق السيما: العلامة، ويمد ويقال: بالسيمياء، كالكيمياء. قالالشاعر:غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر وهو من الوسم، والسمة العلامة،جعلت فأؤه مكان عينه، وعينه مكان فائه، وإذا مدّ: سيمياء، فالهمزة فيه للإلحاق لا للتأنيث. الإلحاف: الإلحاح واللجاج فيالسؤال، ويقال: ألحف وأحفى، واشتقاق: الإلحاف، من اللحاف، لأنه يشتمل على وجوه الطلب في كل حال، وقيل: مِن: ألحف الشيءإذا اغطاه وعمه بالتغطية، ومنه اللحاف. ومنه قول أبن أحمر:يظل يحفهنّ بقفقفيه ويلحفهنّ هفهافاً ثخينا يصف ذكر النعام يحضن بيضاً بجناحيه، ويجعل جناحه كاللحاف. وقال الشاعر:ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هدّاب الأزر أي: يجعلونها كاللحاف للأرض، أي يلبسونها إياها. وقيل: اشتقاقه من لحف الجبل لمافيه من الخشونة، وقيل: من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده. {تَتَفَكَّرُونَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } تظافرت النصوص في الحديث على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم لماأمروا بالصدقة كانوا يأتون بالأقناء من التمر فيعلقونها في المسجد ليأكل منها المحاويج، فجاء بعض الصحابة بحشف، وفي بعض الطرق:بشيص، وفي بعضها: برديء، وهو يرى أن ذلك جائز، فنزلت. وهذا الخطاب بالأمر بالإنفاق عامّ لجميع هذه الأمّة. قال علي،وعبيدة السلماني، وابن سيرين: هي في الزكاة المفروضة، وأنه كما يجوز التطوّع بالقليل فله أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهمزائف خير من تمرة، فالأمر على هذا للوجوب. والظاهر من قول البراء بن عازب، والحسن، وقتادة: أنها في التطوع،وهو الذي يدل عليه سبب النزول ندبوا إلى أن لا يتطوّعوا إلا بجيد مختار. ومناسبة هذه الآية لما قبلهاهو أنه لما ذكر فضل النفقة في سبيل الله وحث عليها، وقبح المنة ونهى عنها، ثم ذكر القصد فيها منالرياء وابتغاء رضا الله، ذكر هنا وصف المنفق من المختار، وسواء كان الأمر للوجوب أو للندب. والأكثرون على أن:{طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } هو الجيد المختار، وأن الخبيث هو الرديء. وقال ابن زيد: من طيبات، أي: الحلال والخبيث الحرام،وقال علي: هو الذهب والفضة. وقال مجاهد: هو أموال التجارة. قال ابن عطية قوله: {مِن طَيّبَاتِ } يحتمل أنلا يقصد به لا الحل ولا الجيد، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط،ثم دخل ذكر الطيب تبييناً لصفة حسنه في المكسوب عاماً، وتقريراً للنعمة. كما تقول: أطعمت فلاناً من مشبع الخبز، وسقيتهمن مروي الماء، والطيب على هذه الجهة يعم الجودة، والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليسفي مال المؤمن من خبيث. إنتهى كلامه. وظاهر قوله: {مَّا كَسَبْتُم } عموم كل ما حصل بكسب من الإنسانالمنفق، وسعاية وتحصيل بتعب ببدن، أو بمقاولة في تجارة. وقيل: هو ما استقر عليه الملك من حادث أو قديم، فيدخلفيه المال الموروث لأنه مكسوب للموروث عنه. الضمير في كسبتم إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين، وهو الظاهر.وقال الراغب: تخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان بما يكتسبه أضن به مما يرثه، فاذن الموروث معقول من فحواه. إنتهى.وهو حسن. و: مِنْ، للتبعيض، وهي في موضع المفعول، و: ما، في {مَّا كَسَبْتُم } موصولة والعائد محذوف، وجوزأن تكون مصدرية، فيحتاج أن يكون المصدر مؤولاً بالمفعول، تقديره: من طيبات كسبكم، أي: مكسوبكم. وظاهر الآية يدل علىأن الأمر بالإنفاق عام في جميع أصناف الأموال الطيبة، مجمل في المقدار الواجب فيها، مفتقر إلى البيان بذكر المقادير، فيصحالإحتجاج بها في إيجاب الحق فيما وقع الخلاف فيه، نحو: أموال التجارة، وصدقة الخيل، وزكاة مال الصبي، والحلي المباح اللبسغير المعد للتجارة، والعروض، والغنم، والبقر المعلوفة، والدين، وغير ذلك مما اختلف فيه. وقال خويزمنداذ: في الآية دليل علىبجواز أكل الوالد من مال الولد، وذلك أن النبي ﷺ قال: أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من مال أولادكم هنيأً إنتهى. وروت عائشة عنه ﷺ: أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه . {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلاْرْضِ } يعني من أنواع الحبوب والثمار والمعادن والركاز، وفي قوله: أخرجنالكم، امتنان وتنبيه على الإحسان التام كقوله: { هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً } والمراد: من طيبات ماأخرجنا، فحذف لدلالة ما قبله. وما بعده عليه، وكرر حرف الجر على سبيل التوكيد، أو إشعاراً بتقدير عامل آخر، حتىيكون الأمر مرتين. وفي قوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ٱلاْرْضِ } دلالة على وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض منقليل وكثير من سائر الأصناف لعموم الآية، إذ قلنا إن الأمر للوجوب، وبين العلماء خلاف في مسائل كثيرة مما أخرجتالأرض تذكر في كتب الفقه. {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } هذا مؤكد للأمر، إذ هو مفهوم من قوله:{أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ } وفي هذا طباق بذكر الطيبات والخبيث. وقرأ البزي: ولا تمموا، بتشديد التاء، أصله:تتيمموا، فأدغم التاء في التاء، وذلك في مواضع من القرآن، وقد حصرتها في قصيدتي في القراءات المسماة (عقدة اللآلىء) وذلكفي أبيات وهي:تولوا بأنفال وهود هما معا ونور وفي المحنه بهم قد توصلا تنزل في حجر وفي الشعرا معا وفي القدر في الأحزاب لا أن تبدّل ا تبرجن مع تناصرون تنازعوا تكلم مع تيمموا قبلهن لا تلقف أنى كان مع لتعارفوا وصاحبتيها فتفرّق حصلا بعمران لا تفرقوا بالنساء أتى توفاهم تخيرون له انجلا تلهى تلقونه تلظى تربصو ن زد لا تعارفوا تميز تكملا ثلاثين مع احدى وفي اللات خلفه تمنون مع ما بعد ظلتم تنزلا وفي بدئه خفف، وإن كان قبلها وروي عن أبي ربيعة، عن البزي: تخفيف التاء كباقي القراء، وهذه التاءات منها ماقبله متحرك، نحو: { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ }

{ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } ومنها ما قبله ساكن من حرف المد واللين نحو: {وَلاَتَيَمَّمُواْ } ومنها ما قبله ساكن غير حرف مدّولين نحو: { فَإِن تَوَلَّوْاْ }

{ نَّارٍ تَلَظَّىٰ }

{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ }

{ هَلْ تَرَبَّصُونَ } قال صاحب (الممتع): لا يجيز سيبويه إسكان هذه التاء في يتكلمون ونحوه، لأنها إذا سكنت احتيج لها ألفوصل، وألف الوصل لا تلحق الفعل المضارع، فإذا اتصلت بما قبلها جاز، لأنه لا يحتاج إلى همزة وصل. إلاَّ أنمثل { أَن تُوَلُّواْ } و { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ } لا يجوز عند البصريين على حال لما في ذلك من الجمع بينالساكنين، وليس الساكن الأول حرف مدولين. إنتهى كلامه. وقراءة البزي ثابتة تلقتها الأمة بالقبول، وليس العلم محصوراً ولا مقصوراًعلى ما نقله وقاله البصريون، فلا تنظر إلى قولهم: إن هذا لا يجوز. وقرأ عبد الله: ولا تأمموا، من:أممت، أي: قصدت. وقرأ ابن عباس، والزهري، ومسلم بن جندب: تيمموا. وحكى الطبري أن في قراءة عبد تالله ولاتأمّوا، من: أممت، أي: قصدت، والخبيث والطيب صفتان غالبتان لا يذكر معهما الموصوف إلاَّ قليلا، ولذلك جاء: { وَٱلطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـٰتِ } وجاء: { وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ } وقال تعالى: { وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـئِثَ } وقال ﷺ: أعوذ بالله من الخبث والخبائث .ومنه متعلق بقوله: تنفقون، والضمير في: منه، عائد على الخبيث. و: تنفقون، حال من الفاعل في: تيمموا، قيل: وهيحال مقدرة، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، لأن في الكلام ضميراً يعودعليه، وأجاز قوم أن يكون الكلام في قوله: الخبيث، ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث، فقال: تنفقون منه وأنتملا تأخذونه إلاَّ إذا أغمضتم، أي تساهلتم، كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع، وفيه تنبيه على أن المنهي عنه هوالقصد للرديء من جملة ما في يده، فيخصه بالإنفاق في سبيل الله، وأما إنفاق الرديء لمن ليس له غيره، أولمن لا يقصده، فغير منهي عنه. {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ }. وقيل: هذه الجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل:الواو للحال، فالجملة في موضع نصب. قال البراء، وابن عباس، والضحاك، وغيرهم: معناه: ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عندالناس، إلاَّ بأن تساهلوا في ذلك، وتتركوا من حقوقكم وتكرهوه ولا ترضوه، أي: فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونهلأنفسكم. وقال الحسن: المعنى: ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلاَّ أن يهضم لكم من ثمنه. وروري نحوه عنعلي. وقال البراء أيضاً: معناه: ولستم بآخذيه لو أهدي لكم إلاَّ أن تغمضوا، أي: تستحوا من المهدي أن تقبلوا منما لا حاجة لكم به، ولا قدر له في نفسه. وقال ابن زيد: ولستم بآخذي الحرام إلاَّ أن تغمضوا فيمكروهه. والظاهر عموم نفي الأخذ بأي طريق أخذ الخبيث، من أخذ حق، أوهبة. والهاء في: بآخذيه، عائدة علىالخبيث، وهي مجرورة بالإضافة، وأن كانت من حيث المعنى مفعوله. قال بعض المعربين: والهاء في موضع نصب: بآخذين، والهاء والنونلا يجتمعان، لأن النون زائدة، وهاء الضمير زائدة ومتصلة كاتصال النون، فهي لا تجتمع مع المضمر المتصل. إنتهى كلامه. وهوقول الأخفش: أن التنوين والنون قد تسقطان للطافة الضمير لا للإضافة، وذلك في نحو: ضاربك، فالكاف ضمير نصب، ومذهب الجمهورأنه لا يسقط شيء منها للطافة الضمير، وهذا مذكور في النحو. وقد أجاز هشام: ضاربنك، بالتنوين، ونصب الضمير، وقياسه جوازإثبات النون مع الضمير، ويمكن أن يستدل له بقوله:هم الفاعلون الخير والآمرونه وقوله:ولم يرتفق والناس محتضرونه {إِلا أَنتُغْمِضُواْ فِيهِ } موضع أن نصب أو خفض عند من قدره إلاَّ بأن تغمضوا، فحذف الحرف، إذ حذف جائز مطرد،وقيل: نصب بتغمضوا، وهو موضع الحال، وقد قدمنا قبل، أن سيبويه لا يجيز انتصاب أن والفعل مقدراً بالمصدر في موضعالحال، وقال الفراء: المعنى معنى الشرط والجزاء، لأن معناه إن أغمضتم أخذتم، ولكن إلاَّ وقعت على أن ففتحتها، ومثله: { الا أن يخافه } و { إَّلا أَن يَعْفُونَ } هذا كله جزاء، وأنكر أبو العباس وغيره قول الفراء، وقالوا: أن، هذه لمتكن مكسورة قط، وهي التي تتقدّر، هي وما بعدها، بالمصدر، وهي مفتوحة على كل حال، والمعنى: إلاَّ بإغماضكم. وقرأالجمهور: تغمضوا، من أغمض، وجعلوه مما حذف مفعوله، أي: تغمضوا، بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشدودة، ومعناه معنى قراءةالجمهور. وروى عنه: تغمضوا، بفتح التاء وسكون الغين وكسر الميم، مضارع: غمض، وهي لغة في أغمض، ورويت عن اليزيدي: تغمضوا،بفتح وضم الميم، ومعناه: إلاَّ أن يخفي عليكم رأيكم فيه. وروي عن الحسن: تغمضوا مشددة الميم مفتوحة. وقرأ قتادة تغمضوا،بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً، ومعناه: إلاَّ أن يغمض لكم. وقال أبو الفتح: معناه إلاَّ أن توجدواقد أغمصتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم، كما تقول: أحمد الرجل أصيب محموداً، وقيل: معنى قراءة قتادة: إلاَّ أن تدخلوافيه وتجذبوا إليه. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي: غني عن صدقاتكم، وإنما هي أعمالكم ترد عليكم، حميدأي: محمود على كل حال، إذ هو مستحق للحمد. وقال الحسن: يستحمد إلى خلقه، أي: يعطيهم نعماً يستدعي بهاحمدهم. وقيل: مستحق للحمد على ما تعبدكم به. {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } أي: يخوفكم بالفقر، يقول للرجل أمسك فإنتصدّقت افتقرت وروى أبو حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ: الفقر، بضم الفاء، وهي لغة. وقرىء: الفقر، بفتحتين.{وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } أي: يغريكم بها إغراء الآمر، والفحشاء: البخل وترك الصدقة، أو المعاصي مطلقاً، أو الزنا، أقوال. ويحتملأن تكون الفحشاء: الكلمة السيئة، كما قال الشاعر:ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا وكأن الشيطان يعد الفقر لمن أراد أن يتصدق، ويأمره، إذ منع، بالرد القبيح على السائل، وبخهوأقهره بالكلام السيء. وروي ابن مسعود عن النبي ﷺ، أنه قال: إن للشيطان لمة من ابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجد ذلك فليتعوذ. وأما لمة الملك فوعد بالحق وتصديق بالخير، فمن وجد ذلك فليحمد الله . ثم قرأ عليه السلام: {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء } الآية. وتقدّم وعدالشيطان على أمره، لأنه بالوعد يحصل الاطمئنان إليه، فإذا اطمأن إليه وخاف الفقر تسلط عليه بالأمر، إذ الأمر استعلاء علىالمأمور. وقال الزمخشري: والفاحش عند العرب البخيل، وقال أيضاً: ويأمركم بالفحشاء ويغريكم على البخل ومنع الصدقات، انتهى. فتكون الجملةالثانية كالتوكيد للأولى، ونظرنا إلى ما شرحه الشراح في الفاحش في نحو قول الشاعر:حتى تأوى إلى لا فاحش برم ولا شحيح إذا أصحابه غنموا وقال الآخر:أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى عقيلة مال الفاحش المتشدّد فقالوا: الفاحش السيء الخلق، ولو كان الفاحش هو البخيل لكان قوله: ولا شحيح، من باب التوكيد.وقال في قول امرىء القيس:وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إن معناه ليس بقبيح، ووافق الزمخشري أبا مسلم في تفسيرالفاحش بالبخيل، والفحشاء بالبخل، قال بعضهم. وأنشد أبو مسلم قول طرفة:عقيلة مال الفاحش المتشدّد قال: والأغلب في كلام العرب،وفي تفسير البيت الذي أنشده أن الفاحش السيء الردّ لضيفانه، وسؤَّاله. قال: وقد وجدنا بعد ذلك شعراً يشهد لتأويل أبيمسلم أن الفحشاء البخل. وقال راجز من طيء:قد أخذ المجد كما أرادا ليس بفحاش يصر الزادا انتهى. ولا حجة في هذا البيت على أنه أراد بالفحاش البخيل، بل يحمل على السيء الخلق، أو السيء الردّ،ويفهم البخيل من قوله: يصر الزادا. {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً } أي ستراً لذنوبكم مكافأة للبذل، وفضلاً زيادةعلى مقتضى ثواب البذل. وقيل: وفضلاً، أن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو وثواباً عليه في الآخرة، ولما تقدّم قوله:{وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } وكان الحامل لهم على ذلك إنما هو الشح والبخل بالجيد الذي مثيره الشيطان، بدىءبهذه الجملة من قوله {ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } وإن ما تصدّقتم من الخبيث إنما ذلك من نزغات الشيطان ليقبح لهمما ارتكبوه من ذلك بنسبته إلى الشيطان، فيكون أبعد شيء عنه. ثم ذكر تعالى في مقابلة وعد الشيطان وعدالله بشيئين: أحدهما: الستر لما اجترحوه من الذنوب، والثاني: الفضل وهو زيادة الرزق والتوسعة في الدنيا والآخرة. روي أن فيالتوراة: عبدي، أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة، وفي كتاب الله مصداقه: { وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ } . {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } أي: واسع بالجود والفضل على من أنفق، عليم بنياتمن أنفق، وقيل: عليم أين يضع فضله، ووردت الأحاديث بتفضيل الإنفاق والسماحة وذمّ البخل، منها حديث البراء، قال: قال رسولالله ﷺ: إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار فكل وأطعم ولا تصرر، فيعسر عليك الطلب . وقوله صلىالله عليه وسلم: وأي داء أردأ من البخل . {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } قرأ الربيع بن خيثم بالتاء في:تؤتي، وفي: تشاء، على الخطاب، وهو التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب، والحكمة: القرآن، قاله ابن مسعود، ومجاهد،والضحاك، ومقاتل في آخرين. وقال ابن عباس فيما رواه عنه علي بن طلحة: معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه،ومقدّمه ومؤخره. وقال، فيما رواه عنه أبو صالح: النبوّة، وقاله السدي. وقال إبراهيم، وأبو العالية، وقتادة: الفهم في القرآن. وقالمجاهد. وقال الحسن: الورع في دين الله، وقال الربيع بن أنس: الخشية، وقال ابن زيد، وأبوه زيد بن أسلم: العقلفي أمر الله. وقال شريك: الفهم. وقال ابن قتيبة: العلم والعمل، لا يسمى حكيماً حتى يجمعهما. وقال مجاهد أيضاً: الكتابة.وقال ابن المقفع: ما يشهد العقل بصحته، وقال القشيري، وقال فيما روي عنه ابن القاسم: التفكر في أمر الله والاتباعله، وقال أيضاً: طاعة الله والفقه والدين والعمل به. وقال عطاء: المغفرة. وقال أبو عثمان: نور يفرق به بين الوسواسوالمقام. ووجدت في نسخة: والإلهام بدل المقام. وقال القاسم بن محمد: أن يحكم عليك خاطر الحق دون شهوتك. وقال بنداربن الحسين: سرعة الجواب مع إصابة الصواب. وقال المفضل: الردّ إلى الصواب. وقال الكتاني: ما تسكن إليه الأرواح. وقيل إشارةبلا علة، وقيل: إشهاد الحق على جميع الأحوال. وقيل: صلاح الدين وإصلاح الدنيا. وقيل: العلم اللدني. وقيل: تجريد السر لورودالإلهام. وقيل: التفكر في الله تعالى، والاتباع له. وقيل: مجموع ما تقدّم ذكره: فهذه تسع وعشرون مقالة لأهل العلم فيتفسير الحكمة. قال ابن عطية، وقد ذكر جملة من الأقوال في تفسير الحكمة ما نصه: وهذه الأقوال كلها، ماعدا قول السدي، قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول، وكتاب اللهحكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. انتهى كلامه. وقد تقدّم تفسيرالحكمة في قوله: { وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ } فكان يغني عن إعادة تفسيرها هنا، إلاَّ أنه ذكرت هنا أقاويل لميذكرها المفسرون هناك، فلذلك فسرت هنا. {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهوضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت وقرأ يعقوب: ومن يؤت، بكسر التاء مبنياً للفاعل قال الزمخشري: بمعنى ومن يؤته الله.انتهى. فإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك، ليس في يؤت ضمير نصب حذف،بل مفعوله مقدّم بفعل الشرط، كما تقول: أياً تعط درهماً أعطه درهماً. وقرأ الأعمش: ومن يؤته الحكمة، بإثبات الضميرالذي هو المفعول الأول: ليؤت، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في: يؤت، عائد على الله تعالى. وكرر ذكر الحكمةولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها. {فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } هذاجواب الشرط، والفعل الماضي المصحوب: بقد، الواقع جواباً للشرط في الظاهر قد يكون ماضي اللفظ، مستقبل المعنى. كهذا. فهو الجوابحقيقة، وقد يكون ماضي اللفظ والمعنى، كقوله تعالى { وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } فتكذيب الرسل واقع فيمامضى من الزمان، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون جواب الشرط، لأن الشرط مستقبل، وما ترتب على المستقبل مستقبل،فالجواب في الحقيقة إنما هو محذوف، ودل هذا عليه، التقدير: وإن يكذبوك فتسلّ، فقد كذبت رسل من قبلك، فحالك معقومك كحالهم مع قومهم. قال الزمخشري: وخيراً كثيراً، تنكير تعطيم، كأنه قال: فقد أوتي أيّ خير كثيرا. انتهى.وهذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم، ويحتاج إلى الدليل على ثبوته وتقديره، أي خير كثير، إنماهو على أن يجعل خير صفة لخير محذوف، أي: فقد أوتي خيراً، أي خير، كثير. ويحتاج إلى إثبات مثل هذاالتركيب من لسان العرب، وذلك أن المحفوظ أنه إذا وصف بأي، فإنما تضاف للفظ مثل الموصوف، تقول: مررت برجل أيرجل كما قال الشاعر:دعوت امرأً، أيّ امرىء، فأجابني وكنت وإياه ملاذاً وموئلا وإذا تقرر هذا،فهل يجوز وصف ما يضاف إليه؟ أي: إذا كانت صفة، فتقول: مررت برجل أيّ رجل كريم، أو لا يجوز؟ يحتاججواب ذلك إلى دليل سمعي، وأيضاً ففي تقديره: أي خير كثير، حذف الموصوف وإقامة أي الصفة، ولا يجوز ذلك إلاَّفي ندور، لا تقول: رأيت أي رجل، تريد رجلاً، أي رجل إلاّ في ندور نحو قول الشاعر:إذا حارب الحجاج أيَّ منافق علاه بسيف كلما هُزَّ يقطع يريد: منافقاً، أي منافق، وأيضاً: ففي تقديره: خيراً كثيراًأيّ كثير، حذف أي الصفة، وإقامة المضاف إليه مقامها، وقد حذف الموصوف به، أي: فاجتمع حذف الموصوف به وحذف الصفة،وهذا كله يحتاج في إثباته إلى دليل. {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ * ٱلالْبَـٰبِ }. أصله: يتذكر، فأدغم التاء فيالذال، و: أولو الألباب، هم أصحاب العقول السليمة، وفي هذا حث على العمل بطاعة الله، والامتثال لما أمر به منالإنفاق، ونهى عنه من التصدّق بالخبيث، وتحذير من وعد الشيطان وأمره، ووثوق بوعد الله، وتنبيه على أن الحكمة هي العقلالمميز به بين الحق والباطل، وذكر التذكر لما قد يعرض للعاقل من الغفلة في بعض الأحيان، ثم يتذكر ما بهصلاح دينه ودنياه فيعمل عليه. {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } ظاهره العمومفي كل صدقة في سبيل الله، أو سبيل الشيطان، وكذلك النذر عام في طاعة الله أو معصيته، وأتى بالمميز فيقوله: من نفقة، و: من نذر، وإن كان مفهوماً من قوله: وما أنفقتم، ومن قوله: أو نذرتم، من نذر، لتأكيداندراج القليل والكثير في ذلك، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، وقيل: تختص النفقة بالزكاة لعطف الواجب عليه وهو النذر،والنذر على قسمين: محرم وهو كل نذر في غير طاعة الله، ومعظم نذور الجاهلية كانت على ذلك؛ ومباح مشروط وغيرمشروط، وكلاهما مفسر، نحو: إن عوفيت من مرض كذا فعلىّ صدقة دينار، ونحو: لله علي عتق رقبة. وغير مفسر، نحوهإن عوفيت فعليّ صدقة أو نذر، وأحكام النذر مذكورة في كتب الفقه. قال مجاهد معنى: يعلمه، يحصيه، وقال الزجاج:يجازي عليه، وقيل: يحفظه. وهذه الأقوال متقاربة. وتضمنت هذه الآية وعداً ووعيداً بترتيب علم الله على ما أنفقوا أونذروا، و: من نفقة، و: من نذر، تقدم نظائرها في الإعراب فلا تعاد، وفي قوله: من نذر، دلالة على حذفموصول قبل قوله: نذرتم، تقديره: أو ما نذرتم من نذر، لأن: من نذر، تفسير وتوضيح لذلك المحذوف، وحذف ذلك للعلمبه، ولدلالة ما في قوله: وما أنفقتم، عليه، كما حذف ذلك في قوله:أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء؟ التقدير: ومن يمدحه، فحذفه لدلالة: من، المتقدمة عليه، وعلى هذا الذي تقرر من حذف الموصول،فجاء الضمير مفرداً في قوله: فإن الله يعلمه، لأن العطف بأو، وإذا كان العطف بأو كان الضمير مفرداً، لأن المحكومعليه هو أحدهما، وتارة يراعى به الأول في الذكر، نحو: زيد أو هند منطلق، وتارة يراعى به الثاني نحو: زيدأو هند منطلقة. وأما أن يأتى مطابقاً لما قبله في التثنية أو الجمع فلا، ولذلك تأوّل النحويون قوله تعالى: { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } بالتأويل المذكور في علم النحو، وعلى المهيع الذي ذكرناه، جاء قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } وقوله تعالى: { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } كما جاء في هذه الآية {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ } ولما عزبت معرفة هذه الأحكام عن جماعة ممن تكلم في تفسيرهذه الآية، جعلوا إفراد الضمير مما يتأوّل، فحكي عن النحاس أنه قال: التقدير: وما أنفقتم من نفقة فان الله يعلمها،أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه. ثم حذف قال، وهو مثل قوله: { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا } وقوله { وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } وقول الشاعر:نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راضٍ، والرأي مختلف وقول الآخر:رماني بأمر كنت منه، ووالدي بريئاً ومن أجل الطويّ رماني التقدير: نحنبما عندنا راضون، وكنت منه بريئاً، ووالدي بريئاً. انتهى. فأجرى أو مجرى الواو في ذلك. قال ابن عطية: ووحد الضميرفي يعلمه، وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص. انتهى. وقال القرطبي: وهذا حسن، فإن الضميريراد به جميع المذكور، وإن كثر انتهى. وقد تقدّم لنا ذكر حكم أو، وهي مخالفة للواو في ذلك، ولا يحتاجلتأويل ابن عطية لأنه جاء على الحكم المستقر في لسان العرب في: أو. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ظاهرهالعموم، فكل ظالم لا يجد له من ينصره ويمنعه من الله، وقال مقاتل: هم المشركون. وقال أبو سليمان الدمشقي: همالمنفقون بالمن والأذى والرياء، والمبذورن في المعصية. وقيل: المنفقو الحرام. والأنصار: الأعوان جمع نصير، كحبيب وأحباب، وشريف وأشراف. أو:ناصر، كشاهدو أشهاد، وجاء جمعاً باعتبار أن ما قبله جمع، كما جاء: { وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } والمفرد يناسب المفردنحو: { مَـٰلِكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } لا يقال: انتفاء الجمع لا يدل على انتفاء المفرد، لأنذلك في معرض نفي النفع والإغناء، وحصول الإستعانة، فإذا لم يجد الجمع ولم يغنِ، فأحرى أن لا يجدي ولا يغنيالواحد. ولما بيَّن تعالى فضل الإنفاق في سبيله وحث عليه، وحذرنا من الجنوح إلى نزغات الشيطان، وذكرنا بوعد اللهالجامع لسعادة الآخرة والدينا من المغفرة والفضل، وبين أن هذا الأمر والفرق بين الوعدين لا يدركه إلاَّ من تخصص بالحكمةالتي يؤتيها الله من يشاء من عباده، رجع إلى ذكر النفقة والحث عليها، وأنها موضوعة عند من لا ينسى ولايسهو، وصار ذكر الحكمة مع كونه متعلقاً بما تقدم كالاستطراد، والتنويه بذكرها، والحث على معرفتها. {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي: إن تظهروا إعطاء الصدقات. قال الكلبي: لما نزلت: {وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } الآية قالوا: يا رسول االلهأصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ } وقال يزيد بن أبي حبيب: نزلت في الصدقه علىاليهود والنصارى، وكان يأمر بقسم الزكاة في السر، والصدقات ظاهر العموم، فيشمل المفروضة والمتطوّع بها. وقيل الألف واللام للعهد،فتصرف إلى المفروضة، فإن الزكاة نسخت كل الصدقات، وبه قال الحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب. وقيل: المراد هناصدقات التطوّع دون الفرض، وعليه جمهور المفسرين، وقاله سفيان الثوري. وقد اختلفوا: هل الأفضل إظهار المفروضة أم إخفاؤها؟ فذهبابن عباس وآخرون إلى أن إظهارها أفضل من إخفائها. وحكى الطبري الإجماع عليه واختاره، القاضي أبو يعلى، وقال أيضاً ابنعباس: إخفاء صدقة التطوّع أفضل من إظهارها، وروي عنه: صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتهاأفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. قال القرطبي: ومثل هذا لا يقال بالرأي، وانما هو توقيف، وقال قتادة: كلاهماإخفاؤه أفضل. وقال الزجاج: كان إخفاء الزكاة على عهد رسول الله ﷺ أحسن، فأما اليوم فالناس مسيئونالظن فاظهارها أفضل. وقال ابن العربي: ليس في تفضيل صدقة السرّ على العلانية، ولا صدقة العلانية على صدقة السر، حديثصحيح/. {فَنِعِمَّا هِىَ } الفاء جواب الشرط، و: نعم، فعل لا يتصرف، فاحتيج في الجواب إلى الفاء والفاعل بنعممضمر مفسر بنكرة لا تكون مفردة في الوجود نحو: شمس وقمر. و: لا، متوغلة في الإبهام نحو غير. ولا أفعلالتفضيل نحو أفضل منك، وذلك نحو: نعم رجلاً كزيد، والمضمر مفرد واإن كان تمييزه مثنى أو مجموعاً، وقد أعربوا: ما،هنا تمييزاً لذلك المضمر الذي في نعم، وقدروه بشيئاً: فما، نكرة تامة ليست موصوفة ولا موصولة، وقد تقدّم الكلام على:ما، اللاحقة لهذين الفعلين، أعنى: نعم وبئس، عند قوله تعالى: { بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ } وقد ذكرنا مذاهبالناس فيها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وهي: ضمير عائد على الصدقات، وهو على حذف مضاف أي: فنعما، ابداؤها، ويجوزأن لا يكون على حذف مضاف، بل يعود على الصدقات بقيد وصف الإبداء، والتقدير في: فنعما هي، فنعما الصدقات المبدأةوهي مبتدأ على أحسن الوجوه، وجملة المدح خبر عنه، والرابط هو العموم الذي في المضمر المستكن في: نعم. وقرأابن كثير، وورش، وحفص: فنعما، بكسر النون والعين هنا وفي النساء، ووجه هذه القراءة أنه على لغة من يحرك العين،فيقول: نعم، ويتبع حركة النون بحركة العين، وتحريك العين هو الأصل، وهي لغة هذيل، ولا يكون ذلك على لغة منأسكن العين، لأنه يصير مثل: جسم مالك، وهو لا يجوز إدغامه على ما ذكروا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي:فنعما، فيهما بفتح النون وكسر العين. وهو الأصل، لأن وزنه على فعل. وقال قوم: يحتمل قراءة كسر العين أن يكونعلى لغة من أسكن، فلما دخلت ما وأدغمت حركت العين لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو عمرو، وقالون، وأبو بكر: بكسر النونوإخفاء حركة العين، وقد روي عنهم الإسكان، والأول أقيس وأشهر، ووجه الإخفاء طلب الخفة، وأما الإسكان فاختاره أبو عبيد، وقال:الإسكان، فيما يروي، لغة النبي ﷺ في هذا اللفظ، قال لعمرو ابن العاص: نعما المال الصالح للرجل الصالح . وانكر الإسكان أبو العباس، وأبو إسحاق، وأبو علي لأن فيه جمعاً بين ساكنين على غير حدّه. وقال أبوالعباس لا يقدر أحد أن ينطق به، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا يأتيه. وقال أبو إسحاق: لم تضبطالرواة اللفظ في الحديث، وقال أبو علي: لعل أبا عمرو أخفى، فظنه السامع إسكاناً وقد أتى عن أكثر القراء ماأنكر، فمن ذلك الإسكان في هذا الموضع، وفي بعض تاءات البزي، وفي: اسطاعوا وفي: يخصمون. إنتهى ما لخص من كلامهم.وإنكار هؤلاء فيه نظر، لأن أئمة القراءة لم يقرؤوا إلاَّ بنقل عن رسول الله ﷺ، ومتىتطرق إليهم الغلط فيما نقلوه من مثل هذا، تطرق إليهم فيما سواه، والذي نختاره ونقوله: إن نقل القراءات السبع متواترلا يمكن وقوع الغلط فيه. {وَإِن تُخْفُوهَا } الضمير المنصوب في: تخفوها، عائد على الصدقات، لفظاً ومعنى، بأي تفسيرفسرت الصدقات، وقيل: الصدقات المبداة هي الفريضة، والمخفاة هي التطوّع، فيكون الضمير قد عاد على الصدقات لفظاً لا معنى، فيصيرنظير: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، كذلك: وان تخفوها، تقديره: وان تخفوا الصدقات غير الأولى، وهي صدقة التطوّع،وهذا خلاف الظاهر، والأكثر في لسان العرب، وإنما احتجنا في: عندى درِهم ونصفه، إلى أن نقول: إن الضمير عائد علىالدرهم لفظاً لا معنى لأضطرار المعنى إلى ذلك، لأن قائل ذلك لا يريد أن عنده درهماً ونصف هذا الدرهم الذيعنده. وكذل قول الشاعر:كأن ثياب راكبه بريح خريق وهي ساكنة الهبوب يريد: ريحاً أخرى ساكنة الهبوب. {أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } فيه تنبيه على تطلب مصارفها وتحقق ذلك وهم الفقراء. {فَهُوَخَيْرٌ لَّكُمْ } الفاء جواب الشرط، وهو ضمير عائد على المصدر المفهوم من قوله: {وَإِن تُخْفُوهَا } التقدير: فالإخفاء خيرلكم، ويحتمل أن يكون: خير، هنا أريد به خير من الخيور، و: لكم، في موضع الصفة، فيتعلق بمحذوف. والظاهرانه أفعل التفضيل، والمفضل عليه محذوف لدلالة المعنى عليه وهو الإبداء، والتقدير: فهو خير لكم من إبدائها. وظاهر الآية:أن إخفاء الصدقات على الإطلاق أفضل، سواء كانت فرضاً أو نقلاً، وإنما كان ذلك أفضل لبعد المتصدّق فيها عن الرياءوالمنّ والأذى، ولو لم يعلم الفقير بنفسه، وأخفى عنه الصدقة أن يعرف، كان أحسن وأجمل بخلوص النية في ذلك.قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره. وقال العباس بن عبد المطلب: لا يتم المعروف إلاَّبثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره في نفسك، وستره. فإذا عجلته هنيته، وإذا صغرته عظمته، وإذا استرته أتممته. وقال سهل بن هارون:يخفي صنائِعَه والله يظهرها إن الجميل اذا أخفيته ظهرا وفي الإبداء والإخفاء طباق لفظي، وفي قوله:وتؤتوها الفقراء طباق معنوى، لأنه لا يؤتى الصدقات إلاَّ الأغنياء، فكأنه قيل: إن يبد الصدقاتِ الأغنياءُ وفي هذه الآية دلالةعلى أن الصدقة حق للفقير، وفيها دلالة على أنه يجوز لرب المال أن يفرق الصدق بنفسه. {وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن} قرأ بالواو الجمهور في: ويكفر، وباسقاطها وبالياء والتاء والنون، وبكسر الفاء وفتحها، وبرفع الراء وجزمها ونصبها، فاسقاط الواو رواهأبو حاتم عن الأعمش، ونقل عنه أنه قرأ بالياء وجزم الراء، ووجه أن بدل على الموضع من قوله: فهو خيرلكم لأنه في جزم، وكأن المعنى: يكن لكم الإخفاء خيراً من الإبداء، أو على إضمار حرف العطف: أي ويكفر.وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء. وقرأ الحسن بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش بالياء ونصب الراء. وقرأ ابن عباسبالتاء وجزم الراء، وكذلك قرأ عكرمة إلاَّ أنه فتح الفاء وبنى الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله. وقرأ ابن هرمز،فيما حكى عنه المهدوي بالتاء ورفع الراء، وحكي عن عكرمة، وشهر بن حوشب: بالتاء ونصب الراء. وقرأ ابن كثير، وأبوعمرو، وأبو بكر: بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: بالنون والجزم، وروي الخفض عن الأعمش بالنون ونصب الراء فيمنقرأ بالياء. فالأظهر أن الفعل مسند إلى الله تعالى، كقراءة من قرأ: ونكفر، بالنون فإنه ضمير لله تعالى بلاشك، وقيل: يعود على الصرف، أي صرف الصدقات، ويحتمل أن يعول على الإخفاء أي: ويكفر إخفاء الصدقات ونسب التكفير إليهعلى سبيل المجاز لأنه سبب التكفير، ومن قرأ بالتاء فالضمير في الفعل للصدقات، ومن رفع الراء فيحتمل أن يكون الفعلخبر مبتدأ محذوف، أي: ونحن نكفر، أي: وهو يكفر، أي: الله. أو الإخفاء أي: وهي تكفر أي: الصدقة. ويحتملأن يكون مستأنفاً لا موضع له من الإعراب، وتكون الواو عطفت جملة كلام على جملة كلام، ويحتمل أن يكون معطوفاًعلى محل ما بعد الفاء، إذ لو وقع مضارع بعدها لكان مرفوعاً، كقوله: { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } ومن جزم الراء فعلى مراعاة الجملة التي وقعت جزاء، إذ هي في موضع جزم، كقوله: { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ } . ونذرهم، في قراءة من جزم، ونذرهم، ومن نصب الراء فبإضمار: أن، وهو عطف على مصدر متوهم، ونظيرهقراءة من قرأ { يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ } بنصب الراء، إلاَّ أنه هنا يعسر تقدير ذلك المصدر المتوهم من قوله:فهو خير لكم، فيحتاج إلى تكلف بخلاف قوله: يحاسبكم، فإنه يقدر تقع محاسبة فغفران. وقال الزمخشري: ومعناه: وإن تخفوهايكن خيراً لكم، وأن نكفر عنكم. إنتهى. وظاهر كلامه هذا أن تقديره؛ وأن نكفر، يكون مقدّراً بمصدر، ويكون معطوفاًعلى: خيراً، خبر يكن التي قدرها كأنه قال: يكن الإخفاء خيراً لكم وتكفيراً، فيكون: أن يكفر في موضع نصب.والذي تقرر عند البصريين أن هذا المصدر المنسبك من أن المضمرة مع الفعل المنصوب بها هو مرفوع معطوف على مصدرمتوهم مرفوع، تقديره من المعنى، فإذا قلت: ما تأتينا فتحدّثنا، فالتقدير: ما يكون منك إتيان فحديث، وكذلك إن تجيء وتحسنإلى أحسن إليك، التقدير إن يكن منك مجيء وإحسان أحسن إليك. وكذلك ما جاء بعد جواب الشرط. كالتقدير الذي قدّرناهفي: يحاسبكم به الله، في قراءة من نصب، فيغفر، فعلى هذا يكون التقدير: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن زيادة خيرللإخفاء على خير للإبداء وتكفير. وقال المهدوي: في نصب الراء: هو مشبه بالنصب في جواب الإستفام، إذ الجزاء يجببه الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. وقال ابن عطية: بالجزم في الراء أفصح هذه القراءات لأنها تؤذن بدخول التكفير فيالجزاء، وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء، وأما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى. إنتهى. ونقول: إن الرفغ أبلغ وأعم،لأن الجزم يكون على أنه معطوف على جواب الشرط الثاني، والرفع بدل على أن التكفير مترتب من جهة المعنى علىبذل الصدقات، أبديت أو أخفيت، لأنا نعلم أن هذا التكفير متعلق بما قبله، ولايختص التكفير بالإخفاء فقط، والجزم يخصصه به،ولا يمكن أن يقال: إن الذي يبدي الصدقات لا يكفر من سيئآته، فقد صار التكفير شاملاً للنوعين من إبداء الصدقاتوإخفائها، وإن كان الإخفاء خيراً من الإبداء. و: من، في قوله: من سيئاتكم، للتبغيض، لأن الصدقة لا تكفر جميعالسيئات. وحكى الطبري عن فرقة قالت: من، زائدة في هذا الموضع. قال ابن عطية وذلك منهم خطأ، وقول من جعلهاسببية وقدر: من أجل ذنوبكم ضعيف. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ختم الله بهذه الصفة لأنها تدل على العلمبما لطف من الاشياء وخفي، فناسب الإخفاء ختمها بالصفة المتعلقة بما خفي، والله أعلم. {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَيَهْدِى مَن يَشَاء } اختلف النقل في سبب نزول هذه الآية، ومضمونها أن من أسلم كره أن يتصدق على قريبهالمشرك، أو على المشركين، أو نهاهم النبي ﷺ من التصدق عليهم، أو امتنع هو من ذلك، وقدسأله يهودي، فنزلت هذه الآية. وظاهر الهدى أنه مقابل الضلال، وهو مصدر مضاف للمفعول، أي: ليس عليك أن تهديهم،أي: خلق الهدى في قلوبهم، وأما الهدى بمعنى الدعاء فهو عليه، وليس بمراد هنا. وفي ذلك تسلية للنبي صلى اللهعليه وسلم، وهو نظير: { إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } فالمعنى: ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعه الصدقة لأجل أنيدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم لوجه الله، هداهم ليس إليك. وجعل الزمخشري هنا الهدى ليس مقابلاً للضلال الذي يراد بهالكفر، فقال: لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغيره،وما عليك إلاَّ أن تبلغهم النواهي فحسب، ويبعد ما قاله الزمخشري قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } فظاهره أنهيراد به هدى الإيمان. وقال الزمخشري قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه،فينتهي عما نهى عنه. إنتهى. فلم يحمل الهدى في الموضعين على الإيمان المقابل للضلال، وإنما حمله على هدى خاص، وهوخلاف الظاهر، كما قلنا. وقيل: الهداية هنا الغنى أي: ليس عليك أن تغنيهم، وإنما عليك أن تواسيهم، فإن الله يغنيمن يشاء. وتسمية الغنى: هداية، على طريقة العرب من نحو قولهم: رشدت واهتديت، لمن ظفر، وغويت لمن خاب وخسر وعلىهذا قول الشاعر:فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً وتفسير الهدىبالغنى أبعد من تفسير الزمخشري، وفي قوله: هداهم، طباق معنوي، إذ المعنى: ليس عليك هدى الضالين، وظاهر الخطاب في: ليسعليك، أنه لرسول الله ﷺ، وفي ذلك تسلية له ﷺ. ومناسبة تعلق هذهالجملة بما قبلها أنه لما ذكر تعالى قوله: {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } الآية اقتضى انه ليس كل أحد آتاهالله الحكمة، فانقسم الناس من مفهوم هذا إلى قسمين: من آتاه الله الحكمة فهو يعمل بها، ومن لم يؤته إياهافهو يخبط عشواء في الضلال. فنبه بهذه الآية أن هذا القسم ليس عليك هداهم، بل الهداية وإيتاء الحكمة إنما ذلكإلى الله تعالى، ليتسلى بذلك في كون هذا القسم لم يحصل له السعادة الأبدية، ولينبه على أنهم وإن لم يكونوامهتدين، تجوز الصدقة عليهم. وقيل: المعنى في: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } هو ليس عليك أن تلجئهم إلى الهدى بواسطة أنتقف صدقتك على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل المطلوب منهم الإيمان على سبيل الطوع والاختيار. وفيقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } رد على القدرية، وتجنيس مغاير إذ: هداهم اسم، ويهدي فعل. {وَمَا تُنفِقُواْمِنْ خَيْرٍ فَلاِنفُسِكُمْ } أي: فهو لأنفسكم، لا يعود نفعه ولا جدواه إلاَّ عليكم، فلا تمنوا به، ولا تؤذوا الفقراء،ولا تبالوا بمن صادفتم من مسلم أو كافر، فإن ثوابه إنما هو لكم. وقال سفيان بن عيينة: معنى: فلأنفسكم، فلأهلدينكم، كقوله تعالى: { فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }

{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي: أهل، دينكم، نبه على أن حكم الفرض منالصدقة بخلاف حكم التطوّع، فإن الفرض لأهل دينكم دون الكفار. وحكي عن بعض أهل العلم أنه كان يصنع كثيراًمن المعروف، ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيراً قط، فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت مع نفسي،ويتلو هذه الآية. وروي عن عليّ، كرم الله وجهه، أنه كان يقول: ما أحسنت إلى أحد قط، ولا أسأتله ثم يتلو: { وَأَنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } . {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ } أي:وما تنفقون النفقة المعتد لكم قبولها إلاَّ ما كان إنفاقه لابتغاء وجه الله، فإذا عريت من هذا القصد فلا يعتدبها فهذا خبر شرط فيه محذوف أي: وما تنفقون النفقة المعتدة القبول، فيكون هذا الخطاب للأمة. وقيل: هو خير منالله أن نفقتهم أي: نفقة الصحابة، رضي الله عنهم، ما وقعت إلاّ على الوجه المطلوب من ابتغاء وجه الله، فتكونهذه شهادة لهم من الله بذلك، وتبشيراً بقبولها، إذ قصدوا بها وجه الله تعالى، فخرج هذا الكلام مخرج المدح والثناء،فيكون هذا الخطاب خاصاً بالصحابة. وقال الزمخشري: وليست نفقتكم إلاَّ لابتغاء وجه الله، ولطلب ما عنده، فما لكم تمنونبها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ وهذا فيه إشارة إلى مذهب المعتزلة، من أن الصدقة وقعت صحيحة،ثم عرض لها الإبطال. بخلاف قول غيرهم: إن المن والأذى قارنها. وقيل: هو نفي معناه النهي، أي: ولا تنفقوا إلاَّابتغاء وجه الله، ومجازه أنه: لما نهى عن أن يقع الإنفاق إلاَّ لوجه الله، حصل الامتثال، وإذا حصل الامتثال، فلايقع الإنفاق إلاَّ لإبتغاء وجه الله، فعبر عن النهي بالنفي لهذا المعنى. وانتصاب ابتغاء على أنه مفعول من أجله،وقيل: هو مصدر في موضع الحال تقديره: مبتغين، وعبر بالوجه عن الرضا، كما قال: ابتغاء مرضاة الله، وذلك على عادةالعرب، وتنزه الله عن الوجه بمعنى: الجارحة، تقدم الكلام على نسبة الوجه إلى الله في قوله: { فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } مستوفي، فأغنى عن إعادته. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي: يوفر عليكم جزاؤه مضاعفاً، وفي هذا، وفيماقبله، قطع عذرهم في عدم الإنفاق، إذ الذي ينفقونه هو لهم حيث يكونون محتاجين إليه، فيوفون كاملاً موفراً، فينبغي أنيكون إنفاقهم على أحسن الوجوه وأفضلها، وقد جاء قوله تعالى: { وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } وقوله/ ﷺ في حديثأبي هريرة: إذا تصدق العبد بالصدقة وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد . والضمير في: يوفَّ، عائد على: ما، ومعنى توفيته: إجزال ثوابه.{وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } جملة حالية، العامل فيها يوفَّ. والمعنى: أنكم لا تنفقون شيئاً من ثواب إنفاقكم. {لِلْفُقَرَاءٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال ابن عباس، ومقاتل: هم أهل الصفة حبسوا أنفسهم على طاعة الله، ولم يكنلهم شيء، وكانوا نحواً من أربعمائة. وقال مجاهد: هم فقراء المهاجرين من قريش، ثم يتناول من كان بصفة الفقر، وقالسعيد بن جبير: هم قوم أصابتهم جراحات مع النبي ﷺ، فصاروا زمنى، واختار هذا الكسائي، وقال: أحصروامن المرض، ولو أراد الحبس من العدو لقال: حصروا، وقد تقدّم الكلام على الإحصار والحصر في قوله: { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } وثبت من اللغة هناك أنه يقال في كل منهما أحصر وحصر، وحكاه ابن سيده. وقالالسدي: أحصروا من خوف الكفار، إذ أحاطوا بهم، وقال قتادة: حبسوا أنفسهم للغزو، ومنعهم الفقر من الغزو، وقال محمد بنالفضل: منعهم علو همتهم عن رفع حاجتهم إلاَّ إلى الله. وقال الزمخشري: أحصرهم الجهاد، لا يستطيعون لاشتغالهم به ضرباً فيالأرض للكسب. إنتهى. و: للفقراء، في موضع الخبر مبتدأ محذوف، وكأنه جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: لمن هذه الصدقاتالمحثوث على فعلها؟ فقيل: للفقراء، أي: هي للفقراء. فبين مصرف النفقة. وقيل: تتعلق اللام بفعل محذوف، تقديره: أعجبوا للفقراء، أواعمدوا للفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء، وأبعد القفال في تقدير: إن تبدوا الصدقات للفقراء، وكذلك من علقه بقوله: {وَمَا تُنفِقُواْمِنْ خَيْرٍ } وكذلك من جعل: للفقراء، بدلاً من قوله: فلأنفسكم، لكثرة الفواصل المانعة من ذلك. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًافِى ٱلاْرْضِ }أي تصرفاً فيها، إمّا لَزَمنِمِ وإمّا لخوفهم من العدو لقلتهم، فقلتهم تمنعهم من الاكتساب بالجهاد، وانكار الكفار عليهمإسلامهم يمنعهم من التصرف في التجارة، فبقوا فقراء. وهذه الجملة المنفية في موضع الحال، أي: أحصروا عاجزين عن التصرف.ويجوز أن تكون مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب. {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ }. قرأ ابن عامر، وعاصم،وحمزة، بفتح السين حيث وقع، وهو القياس، لأن ماضيه على فَعِلَ بكسر العين. وقرأ باقي السبعة بكسرها، وهو مسموع فيالفاظ، منها: عمد يعمدو يعمد، وقد ذكرها النحويون، والفتح في السين لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، والمعنى: أنهم لفرط انقباضهم،وترك المسألة، واعتماد التوكل على الله تعالى، يحسبهم من جَهِلَ أحوالهم أغنياء، و: من، سببية، أي الحامل على حسبانهم أغنياءهو تعففهم، لأن عادة من كان غني مال أن يتعفف، ولا يسأل، ويتعلق، يحسبهم وجر المفعول له هناك بحرف السبب،لانخرام شرط من شروط المفعول له من أجله وهو اتحاد الفاعل، لأن فاعل يحسب هو: الجاهل، وفاعل التعفف هو: الفقراء.وهذا الشرط هو على الأصح، ولو لم يكن هذا الشرط منخرماً لكان الجر بحرف السبب أحسن في هذا المفعول له،لأنه معرف بالألف واللام، وإذا كان كذلك فالأكثر في لسان العرب أن يدخل عليه حرف السبب، وإن كان يجوز نصبه،لكنه قليل كما أنشدوا.لا أقعد الجبن عن الهيجاء أي: للجبن، وإنما عرف المفعول له، هنا لأنه سبقمنهم التعفف مراراً، فصار معهوداً منهم. وقيل: من، لابتداء الغاية، أي من تعففهم ابتدأت محسبتته، لأن الجاهل بهم لا يحسبهمأغنياء غنى تعفف، وإنما يحسبهم أغنياء مال، فمحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة من المسألة، وهوالذي عليه جمهور المفسرين، وكونها للسبب أظهر، ولا يجوز أن تتعلق: من، بأغنياء، لأن المعنى يصير إلى ضد المقصود، وذلكأن المعنى: حالهم يخفى على الجاهل به، فيظن أنهم أعنياء، وعلى تعليق: من، بأغنياء يصير المعنى: أن الجاهل يظن أنهمأغنياء، ولكن بالتعفف، والغني بالتعفف فقير من المال، وأجاز ابن عطية أن تكون: من، لبيان الجنس، قال: يكون التعفف داخلاًفي المحسبة، أي: أنهم لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل. وبإجمال فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة.فمن، لبيان الجنس على هذا التأويل. إنتهى. وليس ما قاله من أن: من، هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلحعليه في بيان الجنس، لأن لها إعتباراً عند من قال بهذا المعنى لمن يتقدّر بموصول، وما دخلت عليه يحصر خبرمبتدأ محذوف، نحو: { فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلاْوْثَـٰنِ } التقدير: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. ولو قلت هنا: {يحسبهم الجاهل أغنياءالذي هو التعفف، لم يصح هذا التقدير، وكأنه سمى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس، أي: بينت بأي جنسوقع غناهم بالتعفف، لا غنى بالمال. فتسمى: من، الداخلة على ما يبين جهة الغنى لبيان الجنس، وليس المصطلح عليه كماقدمناه، وهذا المعنى يؤول إلى أن من سببية، لكنها تتعلق: بأغنياء، لا: بيحسبهم، ويحتمل أن يكون: يحسبهم، جملة حالية، ويحتملأن يكون مستأنفة. {تعرفهم بسيماهم} الخطاب يحتمل أن يكون لرسول الله ﷺ، والمعنى: أنك تعرف أعيانهمبالسيما التي تدل عليهم، ويحتمل أن يكون المعنى: تعرف فقرهم بالسيما التي تدل على الفقر، من: رثاثة الأطمار، وشحوب الألوانلأجل الفقر. وقال مجاهد: السيما الخشوع والتواضع، وقال السدي: الفاقة، والجوع في وجوههم، وقلة النعمة. وقال ابن زيد: رثاثة أثوابهم،وصفرة وجوههم. وقيل: أثر السجود، واستحسنه ابن عطية، قال: لأنهم كانوا متفرغين للعبادة، فكان الأغلب عليهم الصلاة. وقال القرطبي:هذا مشترك بين الصحابة كلهم لقوله تعالى في حقهم: { سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } إلا إن كان يكونأثر السجود في هؤلاء أكثر، وأما من فسر السيما بالخشوع، فالخشوع محله القلب، ويشترك فيه الغني والفقير، والذي يفرق بينالغني والفقير ظاهراً إنما هو: رثاثة الحال، وشحوب الألوان. وللصوفية في تفسير السيما مقالات. قال المرتعش: عزتهم على الفقر، وقالالثوري: فرحهم بالفقر، وقال أبو عثمان: إيثار ما عندهم مع الحاجة، إليه وقيل: تيههم على الغني، وقيل: طيب القلب وبشاشةالوجه. والباء متعلقة: بتعرفهم، وهي للسبب، وجوزوا في هذه الجملة ما جوزوا في الجمل قبلها، من الحالية، ومن الاستئناف.وفي هذه الآية طباق في موضعين: أحدهما: في قوله: أحصروا وضربا في الأرض، والثاني: في قوله: للفقراء وأغنياء.{لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى } إذا نفي حكم عن محكوم عليه بقيد، فالأكثر في لسان العرب إنصراف النفي لذلك القيد،فيكون المعنى على هذا ثبوت سؤالهم، ونفي الإلحاح أي: وإن وقع منهم سؤال، فإنما يكون بتلطف وتستر لا بإلحاح، ويجوزأن ينفي ذلك الحكم فينتفي ذلك القيد، فيكون على هذا نفي السؤال ونفي الإلحاح، فلا يكون النفي على هذا منصباًعلى القيد فقط. قال ابن عباس: لا يسألون إلحافاً ولا غير إلحاف، ونظير هذا: ما تأتينا فتحدثنا. فعلى الوجهالأول: ما تأتينا محدثاً، إنما تأتي ولا تحدث، وعلى الوجه الثاني: ما يكون منك إتيان فلا يكون حديث، وكذلك هذالا يقع منهم سؤال البتة فلا يقع إلحاح. ونبه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح لقبح هذا الوصف، ولا يرادبه نفي هذا الوصف وحده ووجود غيره، لأنه كان يصير المعنى الأول وإنما يراد بنفي مثل هذا الوصف نفي المترتباتعلى المنفي الأول لأنه نفى الأول على سبيل العموم، فتنفى مترتباته، كما أنك إذا نفيت الإتيان فانتفى الحديث، انتفت جميعمترتبات الإتيان من: المجالسة والمشاهدة والكينونة في محل واحد، ولكنه نبه بذكر مترتب واحد لغرض مّا عن سائر المترتبات، وتشبيهالزجاج هذا المعنى في الآية، بقول الشاعر:على لاحبٍ لا يهتدى بمناره إنما هو مطلق انتفاء الشيئين، أي لا سؤالولا إلحاف. وكذلك: هذا لا منار ولا هداية، لا أنه مثله في خصوصية النفي، إذ كان يلزم أن يكون المعنى:لا إلحاف، فلا سؤال، وليس تركيب الآية على هذا المعنى، ولا يصح: لا إلحاف فلا سؤال، لأنه لا يلزم مننفي الخاص نفي العام، كما لزم من نفي المنار نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه، وإنما يؤدي معنى النفيعلى طريقة النفي في البيت أن لو كان التركيب: لا يلحفون الناس سؤالاً، لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف،إذ نفي العام يدل على نفي الخاص، فتلخص من هذا كله: أن نفي الشيئين تارة يدخل حرف النفي على شيءفتنتفي جميع عوارضه، ونبه على بعضها بالذكر لغرض مّا، وتراه يدخل حرف النفي على عارض من عوارضه، والمقصود نفيه، فينتفيلنفيه عوارضه. وقال ابن عطية: تشبيهه، يعني الزجاج، الآية ببيت امرىء القيس غير صحيح، ثم بين أن انتفاء صحةالتشبيه من جهة أنه ليس مثله في خصوصية النفي، لأن انتفاء المنار في البيت يدل على انتفاء الهداية، وليس انتفاءالإلحاح يدل على انتفاء السؤال، وأطال ابن عطية في تقرير هذا، وقد بينا أن تشبيه الزجاج إنما هو في مطلقانتفاء الشيئين، وقررنا ذلك. وقيل: معنى إلحافاً أنه السؤال الذي يستخرج به المال لكثرة تلطفه، أي: لا يسألون الناسبالرفق والتلطف، وإذا لم يوجد هذا، فلأن لا يوجد بطريق العنف أولى، وقيل: معنى إلحافاً أنهم يلحفون على أنفسهم فيترك السؤال، أي: لا يسألون لإلحاحهم على أنفسهم في: تركهم، السؤال، ومنعهم ذلك بالتكليف الشديد، وقيل: من سأل، فلا بدأن يلح، فنفي الإلحاح عنهم مطلقاً موجب لنفي السؤال مطلقاً. وقيل: هو كناية عن عدم إظهار آثار الفقر، والمعنى: أنهملا يضمون إلى السكون من رثاثة الحال والانكسار، وما يقوم مقام السؤال الملحّ، ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالاً، وأنتكون مستأنفة. ومن جوز الحال في هذه الجمل وذو الحال واحد، إنما هو على مذهب من يجيز تعدد الحال الذيحالٍ، وهي مسألة خلاف وتفصيل مذكور في علم النحو. وجوزوا في إعراب: إلحافاً أن يكون مفعولاً من أجله، وأنيكون مصدراً لفعل محذوف دل عليه: يسألون، فكأنه قال: لا يلحفون. وأن يكون مصدراً في موضع الحال تقديره: لا يسألونملحفين. {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } تقدّم: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلاِنفُسِكُمْ } {وَمَا تُنفِقُواْمِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } وليس على سبيل التكرار، والتأكيد بل كل منهما مقيد بغير قيد الآخر فالأول: ذكر أنالخير الذي يعلمه مع غيره إنما هو لنفسه، وأنه عائد إليه جزاؤه، والثاني: ذكر أن ذلك الجزاء الناشيء عن الخيريوفاه كاملاً من غير نقص ولا بخس، والثالث: ذكر أنه تعالى عليم بما ينفقه الإنسان من الخير، ومقداره، وكيفية جهاتهالمؤثرة في ترتب الثواب، فأتى بالوصف المطلع على ذلك وهو: العلم.

{ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[عدل]

{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } قال أبو ذر، وأبو الدرداء،وابن عباس، وأبو أمامة، وعبد الله بن بشر الغافقي، ومكحول، ورباح بن بريد، والأوزاعي: هي في علف الخيل المرتبطة فيسبيل الله، ومرتبطها. وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية. وقال ابن عباس أيضاً، والكلبي: نزلتفي علي، كانت عنده أربعة دراهم، قال الكلبيب، لم يملك غيرها، فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهارا وبدرهم سراً، بدرهم علانية.وقال ابن عباس أيضاً: نزلت في عليّ بعث بوسق تمر إلى أهل الصفة ليلاً، وفي عبد الرحمن بن عوفبعث إليهم بدراهم كثيرة نهاراً. وقال قتادة: نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير. إنتهى. وقيل: نزلت فيأبي بكرب، تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالأنهار وعشرة في السر، وعشرة في الجهر. والآية، وإن نزلتعلى سبب خاص، فهي عامة في جميع ما دلت عليه ألفاظ الآية، والمعنى أنهم فيما قال الزمخشري: يعمون الأوقات والأحوالبالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها، ولم يؤخروه، ولم يتعللوا بوقت ولا حال. إنتهى.ولم يبين في هذه الآية أفضلية الصدقة في أحد الزمانين، ولا في إحدى الحالتين اعتماداً على الآية قبلها، وهي: {إِنتُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ } أو جاء تفصيلاً على حسب الواقع من صداقة أبي بكر، وصدقة علي، وقد يقال: إن تقديم الليلعلى النهار، والسر على العلانية يدل على تلك الأفضلية، والليل مظنة صدقة السر، فقدم الوقت الذي كانت الصدقة فيه أفضل،والحال التي كانت فيها أفضل. والباء في: بالليل، ظرفية، وانتصاب: سراً وعلانية، على أنهما مصدران في موضع الحال أي:مسرين ومعلنين، أو: على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على مذهب سيبوية، أو: نعتان لمصدر محذوف أي: إنفاقاً سراً، علىمشهور الإغراب في: قمت طويلاً، أي قياماً طويلاً. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }تقدّم تفسير بهذا فلا نعيده، ودخلت: الفاء في فلهم، لتضمن الموصول معنى اسم الشرط لعمومه. قال ابن عطية: وإنمايوجد الشبه، يعنى بين الموصول واسم الشرط، إذا كان: الذي، موصولاً بفعل، وإذا لم يدخل على: الذي، عامل يغير معناه.إنتهى. فحصر الشبه فيما إذا كان: الذي، موصولاً بفعل، وهذا كلام غير محرر، إذ ما ذكره له قيود. أولها:أن ذلك لا يختص بالذي بل كل موصول غير الألف واللام حكمه في ذلك حكم الذي بلا خلاف، وفي الألفواللام خلاف، ومذهب سيبويه المنع من دخول الفاء. الثاني: قوله موصولاً بفعل، فأطلق في الفعل واقتصر عليه وليس كذلك،بل شرط الفعل أن يكون قابلاً لأداة الشرط، فلو قلت: الذي يأتيني، أو: لما يأتيني، أو: ما يأتيني، أو: ليسيأتيني، فله درهم، لم يجز لأداة الشرط، لا يصلح أن تدخل على شيء من ذلك، وأما الاقتصار على الفعل فليسكذلك، بل الظرف والجار والمجرور كالفعل في ذلك، فمتى كانت الصلة واحداً منهما جاز دخول الفاء. وقوله: وإذا لم يدخلعلى: الذي، عامل يغير عبارة غير مخلصة، لأن العامل الداخل عليه كائناً ما كان لا يغير معنى الموصول، إنما ينبغيأن يقول: معنى جملة الابتداء في الموصول، وخبره فيخرجه إلى تغيير المعنى الابتدائي من: تمن، أو تشبيه، أو ظن، أوغير ذلك. لو قلت: الذي يزورنا فيحسن إلينا لم يجز، وكان ينبغي أيضاً لابن عطية أن يذكر أن شرط دخولالفاء في الخبر أن يكون مستحقاً بالصلة، نحو ما جاء في الآية، لأن ترتب الأجر إنما هو على الإنفاق. ومسألةدخول الفاء في خبر المبتدأ يستدعي كلاماً طويلاً، وفي بعض مسائلها خلاف وتفصيل، قد ذكرنا ذلك في كتاب (لتذكرة) منتأليفنا.

{ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَا وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } * { يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }[عدل]

الربا: الزيادة يقال: ربا يربو وأرباه، غيره: وأربى الرجل، عامل بالربا، ومنه الربوةوالرابي. وقال حاتم:

وأسمر خطيا كأن كعوبه نوى القشب قد أربى ذراعاً على العشر

وكتب في القرآن بالواووالألف بعدها، ويجوز أن يكتب بالياء للكسرة، وبالألف. وتبدل الباء ميماً قالوا: الرما، كماغ أبدلوها في كتب قالوا: كتم، ويثنى:ربوان، بالواو عند البصريين، لأن ألفه منقلبة عنها. وقال الكوفيون: ويكتب بالياء، وكذلك الثلاثي المضموم الأول نحو: ضحى، فتقول: ربيانوضحيان، فإن كان مفتوحاً نحو: صفا، فاتفقوا على الواو. وأما الربا الشرعي فهو محدود في كتب الفقهاء على حسباختلاف مذاهبهم. تخبط: تفعل من الخبط وهو الضرب على غير استواء، وخبط البعير الأرض بأخفافه، ويقال للذي يتصرف ولايهتدي: خبط عشواء، وتورط في عمياء وقول علقمة:

وفي كل حي قد خبطت بنعمة

أي: أعطيت من أردت بلا تمييزكرماً. سلف: مضى وانقضى، ومنه سالف الدهر أي ماضيه. عاد عوداً: رجع، وذكر بعضهم أنها تكون بمعنى صار،وأنشد:

تعد فيكُمُ جزر الجزور رماحنا ويرجعن بالأسياف منكسرات

المحق: نقصان الشيء حالاً بعدحال. ومنه: المحاق في الهلال، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق أنشد الليث:

يزداد حتى إذا ما تمَّ أعقبه كرّ الجديدين نقصاً ثم ينمحق9

{ ٱ لَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُمِنَ ٱلْمَسّ } مناسبة هذه الآية لما قبلها أن ما قبلها وارد في تفضيل الإنفاق والصدقة في سبيل الله، وأنهيكون ذلك من طيب ما كسب، ولا يكون من الخبيث. فذُكر نوع غالب عليهم في الجاهلية، وهو: خبيث، وهو: الربا،حتى يمتنع من الصدقة بما كان من ربا، وأيضاً فتظهر مناسبة أخرى، وذلك أن الصدقات فيها نقصان مال، والربا فيهزيادة مال، فاستطرد من المأمور به إلى ذكر المنهي عنه لما بينهما من مناسبة ذكر التضاد، وأبدى لأكل الربا صورةتستبشعها العرب على عادتها في ذكر ما استغربته واستوحشت منه، كقوله: { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ ٱلشَّيـٰطِينِ } وقول الشاعر:

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

وقل الآخر:

خيلاً كأمثال السعالي شرّباً

وقول الآخر:

بخيل عليها جنّة عبقريّة

والأكل هنا قيل على ظاهره منخصوص الأكل، وأن الخبر: عنهم، مختص بالآكل الربى، وقيل: عبر عن معاملة الربا وأخذه بالأكل، لأن الأكل غالب ما ينتفعبه فيه، كما قال تعالى: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا } وقيل: الربا هنا كناية عن الحرام، لا يخص الربا الذي في الجاهلية،ولا الربا الشرعي. وفرأ العدوي: الربو، بالواو وقيل: وهي لغة الحيرة، ولذلك كتبها أهل الحجاز بالواو لأنهم تعلموا الخط منأهل الحيرة، وهذه القراءة على لغة من وقف على أفعى بالواو، فقال: هذه أفعو، فأجرى هذا القارىء الوصل إجراء الوقف.وحكى أبو زيد: أن بعضهم قرأ بكسر الراء وضم الباء وواو ساكنة، وهي قراءة بعيدة، لأن لا يوجد فيلسان العرب اسم آخره واو قبلها ضمة، بل متى أدى التصريف إلى ذلك قلبت تلك الواو ياءً وتلك الضمة كسرة،وقد أولت هذه القراءة على أنها على لغة من قال: في أفعى: أفعو، في الوقف. وأن القارىء إما أنه لميضبط حركة الباء، أو سمى قربها من الضمة ضماً. و: لا يقومون، خبر عن: الذين، ووقع في بعض التصانيفأنها جملة حالية، وهو بعيد جداً، إذ يتلكلف إضمار خبر من غير دليل عليه. وظاهر هذا الإخبار أنه عن الذينيأكلون الربا، وقيل: هو إخبار ووعيد عن الذين يأكلون الربا مستحلين ذلك، بدليل قولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ } وقوله: {ٱلصَّدَقَـٰتِوَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } وقوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } ومن اختار حرب الله ورسوله فهوكافر، وهذا القيام الذي في الآية قيل هو يوم القيامة. وقال ابن عباس، ومجاهد، وجبير، والضحاك، والربيع، والسدي، وابنزيد: معناه لا يقومون من قبورهم في البعث يوم القيامة إلاَّ كالمجانين، عقوبة لهم وتمقيتاً عند جمع المحشر، ويكون ذلكسيما لهم يعرفون بها، ويقوي بهذا التأويل قراءة عبد الله: لا يقومون يوم القيامة. وقال بعضهم: يجعل معه شيطانيخنقه كأنه يخبط في المعاملات في الدنيا، فجوزي في الآخرة بمثل فعله. وقد أثر في حديث الإسراء أن رسول اللهﷺ رأى أكلة الربا، كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، وذكر حالهم أنهم إذا قاموا تميلبهم بطونهم فيصرعون، وفي طريق أنه رأى بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. قال ابن عطية: وأماألفاظ الآية فيحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون، لأن الطمع والرغبة يستفزه حتى تضطرب أعضاؤه،كما يقوم المسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته، إما من فزع أو غيره قد جن. هذا وقد شبه الأعشىناقته في نشاطها بالجنون في قوله:

وتصبح عن غب السرى وكأنها ألمَّ بها من طائف الجن أولق

لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل. إنتهى كلامه. وهو حسن، إلاَّكما يقوم الكاف في موضع الحال، أو نعتاً لمصدر محذوف على الخلاف المتقدم بين سيبوية وغيره، وتقدم في مواضع.و: ما، الظاهر أنها مصدرية، أي: كقيام الذي، وأجاز بعضهم أن يكون بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره إلاَّ كما يقومهالذي يتخبطه الشيطان. قيل: معناه كالسكران الذي يستجره الشيطان فيقع ظهراً لبطن، ونسبه إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره.وظاهر الآيه أن الشيطان يتخبط الإنسان، فقيل ذلك حقيقة هو من فعل الشيطان بتمكين الله تعالى له من ذلكفي بعض الناس، وليس يفي العقل ما يمنع من ذلك، وقيل: ذلك من فعل الله لما يحدثه فيه من غلبةالسوء أو انحراف الكيفيات واحتدادها فتصرعه، فنسب إلى الشيطان مجازاً تشبيهاً بما يفعله أعوانه مع الذين يصرعونهم، وقيل: أضيف إلىالشيطان على زعمات العرب أن الشيطان يخيبط الإنسان فيصرعه، فورد على ما كانوا يعتقدون، يقولون: رجل ممسوس، وجُنَّ الرجل.قال الزمخشري: ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عنده كإنكار المشاهدات. إنتهى. وتخبط هنا: تفعَّل، موافقللمجرد، وهو خبط، وهو أحد معاني: تفعل، نحو: تعدى الشيء وعداه إذا جاوزه. من المس، المس الجنون يقال: مسفهو ممسوس وبه مس. أنشد ابن الأنباري، رحمة الله تعالى:

أعلل نفسي بما لا يكون كذي المس جن ولم يخنق

وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، وسمي الجنون مساً كما أن الشيطان يخبطه ويطأهبرجله فيخيله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد، ويتعلق: من المس، بقوله: يتخبطه، وهو على سبيل التأكيد، ورفع مايحتمله يتخبطه من المجاز إذ هو ظاهر في أنه لا يكون إلاَّ من المس، ويحتمل أن يراد بالتخبط الإغواء وتزيينالمعاصي، فأزال قوله: من المس، هذا الاحتمال. وقيل: يتعلق: بيقوم، أي: كما يقوم من جنونه المصروع. وقال الزمخشري: فإنقلت: بم يتعلق قوله: من المس؟. قلت: بلا يقومون، أي: لا يقومون من المس الذي بهم إلاَّ كما يقومالمصروع. إنتهى. وكان قد قدم في شرح المس أنه الجنون، وهو الذي ذهب إليه في تعلق: من المس، بقوله:لا يقومون، ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه قد شرح المس بالجنون، وكان قد شرح أن قيامهم لا يكون إلاَّ فيالآخرة، وهناك ليس بهم جنون ولا مس، ويبعد أن يكنى بالمس الذي هو الجنون عن أكل الربا في الدينا، فيكونالمعنى: لا يقومون يوم القيامة. أو من قبورهم من أجل أكل الربا إلاَّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان، إذ لوأريد هذا المعنى لكان التصريح به أولى من الكناية عنه بلفظ المس، إذ التصريح به أبلغ في الزجر والردع.والوجه الثاني: أن: ما، بعد: إلاَّ، لا يتعلق بما قبلها، إلاَّ إن كان في حيز الاستثناء، وهذا ليس في حيزالاستثناء، ولذلك منعوا أن يتعلق { بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ } بقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } وان التقدير: ما أرسلنابالبينات والزبر إلاَّ رجالاً. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ } الإشارة بذلك إلى ذلك القيام المخصوص بهم فيالآخرة، ويكون مبتدأ، والمجرور الخبر، أي: ذلك القيام كائن بسبب أنهم، وقيل: خبر مبتدأ محذوف تقديره: قيامهم ذلك إلاَّ أنفي هذا الوجه فصلاً بين المصدر ومتعلقه الذي هو: بأنهم، على أنه لا يبعد جواز ذلك لحذف المصدر، فلم يظهرقبح بالفصل بالخبر، وقدّره الزمخشري: ذلك العقاب بسبب أنهم، والعقاب بسبب أنهم، والعقاب هو ذلك القيام، ويحتمل أن يكون ذلكإشارة إلى أكلهم الربا، أي ذلك الأكل الذي استحلوه بسبب قولهم واعتقادهم أن البيع مثل الربا، أي: مستندهم في ذلكالتسوية عندهم بين الربا والبيع، وشبهوا البيع وهو المجمع على جوازه بالربا وهو محرم، ولم يعكسوا تنزيلاً لهذا الذي يفعلونهمن الربا منزلة الأصل المماثل له البيع، وهذا من عكس التشبيه، وهو موجود في كلام العرب. قاله ذو الرمّة:

ورمل كأروال العذارى قطعته

وهو كثير في أشعار المولدين، كما قال أبو القاسم بن هانيء:

كأن ضياء الشمس غرّة جعفر رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفاً

وكان أهل الجاهلية إذا حل دينه على غريمه طالبه، فيقول: زدني فيالأجل وأزيدك في المال، فيفعلان ذلك ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند المحل لأجل التأخير، فكذبهمالله تعالى. وقيل: كانت ثقيف أكثر العرب رباً، فلما نهوا عنه قالوا: إنما هو مثل البيع. {ٱلرّبَوٰاْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ }. ظاهره أنه من كلام الله تعالى لا من كلامهم، وفي ذلك ردّ عليهم إذ ساووا بينهما،والحكم في الأشياء إنما هو إلى الله تعالى، لا يعارض في حكمه ولا يخالف في أمره، وفي هذه الآية دلالةعلى أن القياس في مقابلة النص لا يصح، إذ جعل الدليل في إبطال قولهم هو: أن الله أحل البيع وحرمالربا. وقال بعض العلماء: قياسهم فاسد، لأن البيع عوض ومعوض لا غبن فيه، والربا فيه التغابن وأكل المال البطل، لأنالزيادة لا مقابل لها من جنسها، بخلاف البيع، فإن الثمن مقابل بالمثمن.. قال جعفر الصادق: حرم الله الربا ليتقارضالناس، وقيل: حرم لأنه متلف للأموال، مهلك للناس. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون: {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } منكلامهم، فكانوا قد عرفوا تحريم الله الربا فعارضوه بآرائهم، فكان ذلك كفراً منهم. والظاهر: عموم البيع والربا في كلبيع، وفي كل ربا، إلاَّ ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الربا، وقيل: هما مجملان، فلا يقدّمعلى تحليل بيع ولا تحريم ربا إلاَّ ببيان، وهذا فرق ما بين العام والمجمل، وقيل: هو عموم دخله التخصيص، ومجملدخله التفسير، وتقاسيم البيع والربا وتفاصيلهما مذكور في كتب الفقه. والظاهر أن الآية كما قالوا في الكفار، لقوله: {فَلَهُمَا سَلَفَ } لأن المؤمن العاصي بالربا ليس له ما سلف، بل ينقض ويردّ فعله، وإن كان جاهلاً بالتحريم، لكنهيأخذ بطرف من وعيد هذه الآية. {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ } حذف تاء التأنيثمن: جاءته، للفصل، ولأن تأنيث الموعظة مجازي. وقرأ أبيّ، والحسن: فمن جاءته بالتاء على الأصل، وتلث عائشة هذه الآية حينسألتها العالية بنت أبقع، زوج أبي إسحاق السبيعي عن شرائها جارية بستمائة درهم نقداً من زيد بن أرقم، وكانت قدباعته إياها بثمانمائة درهم إلى عطائه، فقالت عائشة: بئسما شريت وما اشتريت، فابلغي زيداً أنه أبطل جهاده مع رسول اللهﷺ إلاَّ أن يتوب، فقالت العالية: أرأيت إن لم آخذ منه إلاَّ رأس مالي؟ فتلت الآية عائشة.والموعظة: التحريم، أو: الوعيد، أو: القرآن، أقوال. ويتعلق: من ربه، بجاءته، أو: بمحذوف، فيكون صفة لموعظة، وعلى التقدير فيه تعظيمالموعظة إذ جاءته من ربه، الناظر له في مصالحه، وفي ذكر الرب تأنيس لقبول الموعظة. إذ الرب فيه إشعار بإصلاحعبده، فانتهى تبع النهي، ورجع عن المعاملة بالربا، أو عن كل محرم من الاكتساب {فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي ماتقدم له أخذه من الربا لاتباعه عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا حكم من الله لمن أسلم منكفار قريش وثقيف، ومن كان يتجر هنالك. وهذا على قول من قال: الآية مخصوصة بالكفار، ومن قال: إنها عامة فمعناه:فله ما سلف، قبل التحريم. {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ } الظاهر أن الضمير في: أمره، عائد على المنتهي، إذ سياقالكلام معه، وهو بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير، كما تقول: أمره إلى طاعة وخير، وموضع رجاء، والأمر هناليس في الربا خاصة، بل وجملة أموره، وقيل: في الجزاء والمحاسبة، وقيل: في العفو والعقوبة، وقيل: أمره إلى الله يحكمفي شأنه يوم القيامة، لا إلى الذين عاملهم، فلا يطالبونه بشيء، وقيل: المعنى فأجره على الله لقبوله الموعظة، قال الحسن.وقيل: الضمير يعود على: ما سلف، أي في العفو عنه،وإسقاط التبعة فيه، وقيل: يعود على ذي الربا، أي: فيأن يثبته على الانتهاء، أو يعيده إلى المعصية. قاله ابن جبير، ومقاتل، وقيل: يعود على الربا أي في إمرار تحريمه،أو غير ذلك، وقيل: في عفو الله من شاء منه، قاله أبو سليمان الدمشقي. {وَمَنْ عَادَ } إلى فعلالربا، والقول بأن البيع مثل الربا، قال سفيان: ومن عاد إلى فعل الربا حتى يموت فله الخلود {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تقدّم تفسير هذه الجملة الواقعة خبراً: لمن، وحمل فيها على المعنى بعد الحمل على اللفظ، فإنكانت في الكفار فالخلود خلود تأبيد، أو في مسلم عاص فخلوده دوام مكثه لا التأبيد. وقال الزمخشري: وهذا دليلبيِّن على تخليد الفساق. إنتهى. وهو جارٍ على مذهبه الإعتزالي في: أن الفاسق يخلد في النار أبداً ولا يخرج منها،وورد عن رسول الله ﷺ، وصح أن أكل الربا من السبع الموبقات، وروي عن عون بن أبيجحيفة، عن أبيه: أن رسول الله لعن آكل الربا ومؤكله، وسأل مالكاً رحمه الله رجلٌ رأى سكران يتقافز، يريد أنيأخذ القمر، فقال: امرأته طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم شر من الخمر، أتطلق امرأته؟ فقال له مالك، بعدأن ردّه مرتين: امرأتك طالق، تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئاً أشر من الربا، لأن الله تعالى قدآذن فيه بالحرب. {يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } أي: يذهب ببركته ويذهب المال الذي يدخل فيه، رواه أبو صالح عنابن عباس، وبه قال ابن جبير؛ وعن ابن مسعود: أن الربا وإن كثر، فعاقبته إلى قل. وروى الضحاك عن ابنعباس أن محاقه إبطال ما يكون منه من صدقةٍ وصلة رحم وجهادٍ ونحو ذلك. {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } قيل: الإرباءحقيقة وهو أنه يزيدها وينميها في الدنيا بالبركة، وكثرة الأرباح في المال الذي خرجت منه الصدقة، وقيل: الزيادة معنوية، وهيتضاعف الحسنات والأجور الحاصلة بالصدقة، كما جاء في كثير من الآيات والأحاديث. وقرأ ابن الزبير، ورويت عن النبي صلىالله عليه وسلم: يمحق ويربي، من: محق وربى مشدّداً. وفي ذكر المحق والإرباء بديع الطباق، وفي ذكر الربا ويربىبديع التجنيس المغاير. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } فيه تغليط أمر الربا وإيذان أنه من فعل الكفارلا من فعل أهل الإسلام، وأتى بصيغة المبالغة في الكافر والآثم، وإن كان تعالى لا يحب الكافر، تنبيهاً على عظمأمر الربا ومخالفة الله وقولهم: {إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } وأنه لا يقول ذلك، ويسوي بين البيع والربا ليستدل بهعلى أكل الربا إلاَّ مبالغ في الكفر، مبالغ في الإثم. وذكر الأثيم على سبيل المبالغة والتوكيد من حيث اختلف اللفظان.وقال ابن فورك: ذكر الأثيم ليزول الاشتراك الذي في: كفار، إذ يقع على الزارع الذي يستر الأرض. إنتهى. وهذا فيهبعد، إطلاق القرآن: الكافر، والكافرون، والكفار، إنما هو على من كفر بالله، وأما إطلاقه على الزارع فبقرينة لفظية، كقوله: { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } . وقال ابن فورك: ومعنى الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } محسناً صالحاً،بل يريده مسيئاً فاجراً، ويحتمل أن يريد: والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم. وقال ابن عطية: وهذه تأويلات مستكرهة:أما الأول فأفرط في تعدية الفعل، وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل اللهتعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب، ولطف به، وحرص على حفظه وتظهردلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود ظهور الكافر على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه،نحو ما ذكرناه في الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن. إنتهى كلامه. والحب حقيقة، وهو الميل الطبيعي، منتف عن اللهتعالى، وابن فورك جعله بمعنى الإرادة، فيكون صفة ذات، وابن عطية جعله بمعنى اللطف وإظهر الدلائل، فيكون صفة فعل وقدتقدّم الكلام على ذلك.

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } * { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } * { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }[عدل]

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ* وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة، وذلك أنه لما ذكر حال آكلالربا، وحال من عاد بعد مجيء الموعظة، وأنه كافر أثيم، ذكر ضد هؤلاء ليبين فرق ما بين الحالين. وظاهرالآية العموم، وقال مكي: معناه أن الذين تابوا من أكل الربا وآمنوا ما أنزل عليهم، وانتهوا عما نهوا عنه وعملواالصالحات. إنتهى. ونص على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن كانا مندرجين في عموم الأعمال البدنية والمالية، وألفاظ الآية تقدّم تفسيرها.{يَحْزَنُونَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } قيل: نزلت في بنيعمرو بن عمير من ثقيف، كانت لهم ديون ربا على بني المغيرة من بني مخزوم، وقيل: في عباس، وقيل: فيعثمان، وقال السدّي: في عباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، وملخصه أنهم أرادوا أن يتقاضوارباهم، فنزلت. ولما تقدّم قوله: { فَلَهُ مَا سَلَفَ } وكان المعنى: فله ما سلف قبل التحريم، أي: لا تبعة عليهفيما أخذه قبل التحريم، واحتمل أن يكون قوله: ما سلف، أي: ما تقدّم العقد عليه، فلا فرق بين المقبوض منهوبين ما في الذمة، وإنما يمنع إنشاء عقد ربوي بعد التحريم، أزال تعالى هذا الإحتمال بأن أمر بترك ما بقيمن الربا في العقود السابقة، قبل التحريم، وأن ما بقي في الذمة من الربا هو كالمنشأ بعد التحريم، وناداهم بإسمالإيمان تحريضاً لهم على قبول الأمر بترك ما بقي من الربا، وبدأ أولاً بالأمر بتقوى الله، إذ هي أصل كلشيء، ثم أمر ثانياً بترك ما بقي من الربا. وفتحت عين: وذروا، حملاً على: دعوا، وفتحت عين: دعوا، حملاًعلى: يدع، وفتحت في يدع، وقياسها الكسر، إذ لامه حرف حلق وقرأ الحسن: ما بقا، بقلب الياء ألفاً، وهي لغةلطيء، ولبعض العرب. وقال علقمة بن عبدة التميمي:

زها الشوق حتى ظل إنسان عينه يفيض بمغمور من الماء متأق

وروي عنه أيضاً أنه قرأ: ما بقي، باسكان الياء وقال الشاعر:

لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقي على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا

وقال جرير:

هو الخليفة فارضوا ما رضى لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف

{إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تقدّم أنهم مؤمنون بخطاب الله تعالى لهم: {ذَلِكَ بِأَنَّٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وجمع بينهما بأنه شرط مجازي على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه: إن كنت رجلاًفافعل كذا قاله ابن عطية، أو بأن المعنى: إن صح إيمانكم، يعني أن دليل صحة الإيمان وثباثه امتثال ما أمرتمبه من ذلك، قاله الزمخشري، وفيه دسيسه اعتزال، لأنه إذا توقفت صحة الإيمان على ترك هذه المعصية فلا يجامعها الصحةمع فعلها، وإذا لم يصح إيمانه لم يكن مؤمناً، وهو قول البعض النحويين، أن: إن، تكون بمعنى: إذ، وهو ضعيفمردود ولا يثبت في اللغة، وقيل: هو شرط يراد به الاستدامة، وقيل: يراد به الكمال، وكأن الإيمان لا يتكامل إذاأصرّ الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب الكبائر، هذه وإن كانت الدلائل قد قامت على أن حقيقةالإيمان لا يدخل العمل في مسماها، وقيل: الإيبمان متغاير بحسب متعلقه، فمعنى الأول: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بألسنتهم. ومعنىالثاني: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بقلوبكم. وقيل: يحتمل أن يريد: يا أيها الذي آمنوا بمن قبل، محمد صلى اللهعليه وسلم من الأنبياء، ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلاَّ بهذا، قالهابن فورك. قال ابن عطية: وهو مردود بما روي في سبب الآية. إنتهى. يعني أنها نزلت في عباس، وعثمان،أو في عباس، وخالد، أو فيمن أسلم من ثقيف ولم يكونوا هؤلاء قبل الإيمان آمنوا بأنبياء، وقيل: هو شرط محضفي ثقيف على بابه، لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام. إنتهى. وعلى هذا ليس بشرط صحيح إلاَّ على تأويلاستدامة الإيمان، وذكر ابن عطية: أن أبا السماك، وهو العدوي، قرأ هنا: من الرِّبو، بكسر الراء المشدّدة وضم الباء وسكونالواو، وقد ذكرنا قراءته كذلك في قوله: { ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ } وشيئاً من الكلام عليها. وقال أبو الفتح: شذهذا الحرف في أمرين، أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناءً لازماً، والآخر: وقوع الواو بعد الضمة في آخر الأسم،وهذا شيء لم يأت إلاَّ في الفعل، نحو: يغزو، ويدعو. وأماذو، الطائية بمعنى: الذي فشاذة جداً، ومنهم من يغيرواوها إذا فارق الرفع، فتقول: رأيت ذاقام. وجه القراءة أنه فخم الألف انتحى بها الواو التي الألف بدل منها علىحد قولهم: الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة. إنتهى كلام أبي الفتح. ويعني بقوله: بناءً لازماً، أنه قد يكونذلك عارضاً نحو: الحبك، فكسرة الحاء ليست لازمة، ومن قولهم الردؤ، في الوقف، فضمة الدال ليست لازمة، ولذلك لم يوجدفي أبنية كلامهم فعل لا في اسم ولا فعل، وأما قوله: وهذا شيء لم يأت إلاَّ في الفعل، نحو: يغزو،فهذا كما ذكر إلاَّ أنه جاء ذلك في الأسماء الستة في حالة الرفع، فله أن يقول: لما لم يكن ذلكلازماً في النصب والجر، لم يكن ناقصاً لما ذكروا، ونقول: إن الضمة التي فيما قبل الآخر إما هي للاتباع، فليسضمة تكون في أصل بنية الكلمة كضمة تغزو. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } ظاهره: فإنلم تتركوا ما بقي من الربا، وسمي الترك فعلاً، وإذا أمروا بترك ما بقي من الربا من ذلك الأمر بتركإنشاء الربا على طريق الأولى والأحرى. وقال الرازي: فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه فأذنوا بحرب من الله ورسوله، ومن ذهبإلى هذا قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام خرج من الملة كما لو كفربجميعها. وقرأ حمزة، وأبو بكر في غير رواية البرجمي، وابن غالب عنه: فأذنوا، أمر من: آذن الرباعي بمعنى: أعلم،مثل قوله: { فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاء } . وقرأ باقي السبعة: فأذنوا، أمر من: أذن، الثلاثي، مثل قوله: { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } . وقرأ الحسن: فأيقنوا بحرب. والظاهر أن الخطاب في قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} هو لمن صدرت الآية بذكره، وهم المؤمنون، وقيل: الخطاب للكفار الذين يستحلون الربا، فعلى هذا المحاربه ظاهرة، وعلى الأولفالإعلام أو العلم بالحرب جاء على سبيل المبالغة في التهديد دون حقيقة الحرب، كما جاء: من أهان لي ولياً فقد آذنني بالمحاربة . وقيل: المراد نفس الحرب. ونقول: الإصرار على الربا إن كان ممن يقدر عليه الإمام، قبض عليه الإماموعزره وحبسه إلى أن يظهر منه التوبة، أو ممن لا يقدر عليه، حاربه كما تحارب الفئة الباغية. وقال ابنعباس: من عامل بالربا يستتاب، فإن تاب وإلاَّ ضربت عنقه. ويحمل قوله هذا على من يكون مستبيحاً للربا، مصراًعلى ذلك، ومعنى الآية: فإن لم تنتهوا حاربكم النبي ﷺ. وقيل: المعنى: فأنتم حرب الله ورسوله، أي:أعداء. والحرب داعية القتل، وقالوا: حرب الله النار، وحرب رسوله السيف. وروي عن ابن عباس أنه: «يقال يوم القيامةلآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. والباء في بحرب على قراءة القصر للإاصاق، تقول: أذن بكذا، أي: علم، وكذلك قال ابنعباس وغيره: المعنى فاستيقنوا بحرب من الله. وقال الزمخشري: وهو من الأذن، وهو الاستماع، لأنه من طريق العلم. إنتهى.وقراءة الحسن تقوي قراءة الجمهور بالقصر. وقال ابن عطية: هي عندي من الإذن، وإذا أذن المرء في شيء فقدقرره وبني مع نفسه عليه، فكأنه قيل لهم: قرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله. ويلزمهم من لفظ الآية أنهممستدعو الحرب والباغون، إذ هم الآذنون فيها، وبها، ويندرج في هذا علمهم بأنه حرب الله، وتيقنهم لذلك. إنتهى كلامه. فيظهرمنه ان الباء في: {بِحَرْبٍ } ظرفية. أي: فاذنوا في حرب، كما تقول أذن في كذا، ومعناه أنه سوغه ومكنمنه. قال أبو علي: ومن قرأ فآذنوا بالمدّ، فتقديره: فأعلموا من لم بنته عن ذلك بحرب، والمفعول محذوف، وقدثبت هذا المعفول في قوله تعالى: { فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاء } وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة، قال:ففي إعلامهم علمهم، وليس في علمهم إعلامهم غيرهم. فقراءة المد أرجح، لأنها أبلغ وآكد. وقال الطبري: قراءة القصرأرجح لأنها تختص بهم، وإنما أمروا على قراءة المدّ بإعلام غيرهم، وقال ابن عطية: والقراءتان عندي سواء، لأن المخاطب محصور،لأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل: فآذنوا، فقد عمهم الأمر. وإن قيل: فآذنوا، بالمدّ فالمعنى:أنفسكم، أو: بعضكم بعضاً. وكأن هذه القراءة تقتضي فسحاً لهم في الارتياء والتثبت، فأعلموا نفوسكم هذا، ثم انظروا في الأرجحلكم: ترك الربا أو الحرب إنتهى. وروي: أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يدلنا بحرب الله ورسوله. ومن،في قوله: من الله، لابتداء الغاية، وفيه تهويل عظيم، إذا الحرب من الله تعالى ومن نبيه ﷺلا يطيقه أحد، ويحتمل أن تكون للتبعيض على حذف مضاف، أي: من حروب الله. قال الزمخشري: فإن قلت: هلاقيل بحرب الله ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله. إنتهى.وإنما كان أبلغ لأن فيها نصاً بأن الحرب من الله لهم، فالله تعالى هو الذي يحاربهم، ولو قيل: بحرب الله،لاحتمل أن تكون الحرب مضافة للفاعل، فيكون الله هو المحارب لهم، وأن تكون مضافة للمفعول، فيكونوا هم المحاربين الله. فكونالله محاربهم أبلغ وأزجر في الموعظة من كونهم محاربين الله. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ } أي: إن تبتممن الربا ورؤوس الأموال: أصولها، وأما الأرباح فزوائد وطوارىء عليها. قال بعضهم: إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله واستحلالما حرم الله، فيصير مالهم فيئاً للمسلمين، وفي الاقتصار على رؤوس الأموال مع ما قبله دليل واضح على أنه ليسلهم إلاَّ ذلك، ومفهوم الشرط أنه: إن لم يتوبوا فليس لهم رؤوس أموالهم، وتسمية أصل المال رأساً مجاز. {لاَتَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } قرأ الجمهر الأول مبنياً للفاعل، والثاني مبنياً للمفعول، أي: لا تظلمون الغريم بطلب زيادة على رأسالمال، ولا تظلمون أنتم بنقصان رأس المال، وقيل: بالمطل. وقرأ أبان، والمفضل، عن عاصم الأول مبنياً للمفعول، والثاني مبيناً للفاعلورجح أبو علي قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: وإن تبتم، في إسناد الفعلين إلى الفاعل، فتظلمون بفتح التاء أشكل بماقبله. والجملة يظهر أنها مستأنفة وإخبار منه تعالى أنهم إذا اقتصروا على رؤوس الأموال كان ذلك نصفة، وقيل: الجملةحال من المجرور في: لكم، والعامل في الحال ما في حرف الجر من شوب الفعل، قاله الأخفش. {وَإِن كَانَذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } شكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا، فنزلت.قيل: هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وقيل: أمر به في صدر الإسلام، فإنثبت هذا فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ والعسرة ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه: جيش العسرة، والنظرة: التأخير، والميسرة:اليسر. وقرأ الجمهور: ذو عسرة، على أن: كان، تامة، وهو قول سيبوية، وأبي علي، وإن ورقع غريم من غرمائكمذو عسرة، وأجاز بعض الكوفيين أن تكون: كان، ناقصة هنا. وقدّر الخبر: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة فحذف المجرورالذي هو الخبر، وقدر أيضاً: وإن ذو عسرة لكم عليه حق، وحذف خبر كان لا يجوز عند أصحابنا، لا إقتصاراًولا اختصاراً لعلة ذكروها في النحو. وقرأ أبي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس: ذا عسرة. وقرأ الأعمش: معسراً. وحكىالداني عن أحمد بن موسى أنها كذلك في مصحف أبي علي إن في كان إسمها ضميراً تقديره: هو، أي: الغريم،يدل على إضماره ما تقدم من الكلام، لأن المرابي لا بد له ممن يرابيه. وقرىء: ومن كان ذا عسرة،وهي قراءة أبان بن عثمان. وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان: فإن كان، بالفاء، فمن نصب ذا عسرة أو قرأمعسراً، وذلك بعد: إن كان، فقيل: يختص بأهل الربا. ومن رفع فهو عام في جميع من عليه دين وليس بلازم،لأن الآية إنما سيقت في أهل الربا، وفيهم نزلت. وقيل: ظاهر الآية يدل على أن الأصل الإيسار، وأن العدمطارىء جاذب يحتاج إلى أن يثبت. {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } قرأ الجمهور: فنِظرة، على وزن نِبقة. وقرأ أبو رجاء،ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة: بسكون الظاء وهي لغة تميمية، يقولون في: كبد كبد. وقرأ عطاء: فناظرة، على وزن: فاعله وخرجهالزجاج على أنها مصدر كقوله تعالى: { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } وكقوله: { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } وكقوله: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ } وقال: قرأ عطاء: فناظره، بمعنى: فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو: صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم: مكانعاشب، وباقل، بمعنى: ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظره، على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة، وباشره بها. إنتهى. ونقلها ابن عطية.وعن مجاهد: جعلاه أمراً، والهاء ضمير الغريم. وقرأ عبد الله: فناظروه، أي: فأنتم ناظروه. أي: فأنتم منتظروه. فهذه ستقراآت، ومن جعله اسم مصدر أو مصدراً فهو يرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالأمر والواجب على صاحب الديننظرة منه لطلب الدين من المدين إلى ميسرة منه. وقرأ نافع وحده: ميسرة، بضم السين، والضم لغة أهل الحجاز،وهو قليل؛ كمقبرة، ومشرفة، ومسر به. والكثير مفعلة بفتح العين. وقرأ الجمهور بفتح السين على اللغة الكثيرة، وهي لغة أهلنجد. وقرأ عبد الله: إلى ميسوره، على وزن مفعول مضافاً إلى ضمير الغريم، وهو عند الأخفش مصدر كالمعقول والمجلود فيقولهم: ماله معقول ولا مجلود، أي: عقل وجلد، ولم يثبت سيبوية مفعولاً مصدراً، وقرأ عطاء ومجاهد: إلى ميسره، بضم السينوكسر الراء بعدها ضمير الغريم. وقرىء كذلك بفتح السين، وخرج ذلك على حذف التاء لأجل الإضافة. كقوله:

واخلفوك عد الأمر الذي وعدوا

أي: عدة، وهذا أعني حذف التاء لأجل الإضافة، هو مذهب الفراء وبعض المتأخرين، وأداهم إلى هذا التأويل: أنمفعلاً ليس في الأسماء المفردة، فأما في الجمع فقد ذكروا ذلك في قول عدي بن زيد:

أبلغ النعمان عنى مألكا أنه قد طال حبسي وانتظار

وفي قول جميل:

بثين الزمي لا إنَّ لا إن لزمته على كثرة الواشين أي معون

فمألك ومعون جمع مألكة ومعونة. وكذلك قوله:

ليوم روع أو فعال مكرم

هذا تأويل أبيعلي، وتأول أبو الفتح على أنها مفردة حذف منها التاء. وقال سيبوية: ليس في الكلام مفعل، يعني في الآحاد، كذاقال أبو علي، وحكي عن سيبوية: مهلك، مثلث اللام. وأجاز الكسائي أن يكون: مفعل، واحداً ولا يخالف قول سيبويه، إذيقال: ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء منه حرف أو حرفان، كأنه لا يعتد بالقليل، ولا يجعل لهحكم. وتقدّم شيء من الإشارة إلى الخلاف: أهذا الإنظار يختص بدين الربا؟ وهو قول ابن عباس، وشريح، أم ذلكعام في كل معسر بدين ربا أو غيره؟ وهو قول أبي هريرة، والحسن، وعطاء، والضحاك، والربيع بن خيثم، وعامة الفقهاء.وقد جاء في فضل إنظار المعسر أحاديث كثيرة، منها: من أنظر معسراً، ووضع عنه، أظله الله في ظله يو لا ظل إلا ظله . ومنها: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول: يا رب ما عملت لك خيراً قط أريدك به إلا أنك رزقتني مالاً فكنت أوسع على المقتر، وأنظر المعسر، فيقول الله عز وجل: أنا أحق بذلك منك. فتجاوزوا عن عبدي .{وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: تصدقوا على الغريم برأس المال أو ببعضه خير من الإنظار، قاله الضحاك والسدي،وابن زيد، والجمهور. وقيل: وان تصدقوا فالإنظار خير لكم من المطالبة، وهذا ضعيف، لأن الإنظار للمعسر واجب على رب الدين،فالحمل على فائدة جديدة أولى. ولأن: أفعل التفضيل باقية على أصل وصفها، والمراد بالخير: حصول الثناء الجميل في الدنيا والأجرالجزيل في الآخرة. وقال قتادة: ندبوا إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير. وقرأ الجمهور: وأن تصدقوا، بادغامالتاء في الصاد، وقرأ عاصم: تصدقوا، بحذف التاء. وفي مصحف عبد الله: تتصدقوا، بتاءين وهو الأصل، والإدغام تخفيف. والحذف أكثرتخفيفاً. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }: يريد العمل، فجعله من لوازم العلم، وقيل: تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض، وقيل:تعلمون أن ما أمركم به ربكم أصلح لكم. قيل: آخر آية نزلت آية الربا، قاله عمر، وابن عباس، ويحملعلى أنها من آخر ما نزل، لأنه الجمهور قالوا: آخر آية نزلت: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } فقيل:قبل موته بتسع ليال، ثم لم ينزل شيء. وروي: بثلاث ساعات، وقيل: عاش بعدها ﷺ أحداً وثمانينيوماً. وقيل: أحداً وعشرين يوماً. وقيل: سبعة أيام. وروي أنه قال: «أجعلوها بين آية الربا وآية الدين». وروي أنه قالعليه السلام: جاءني جبريل فقال: إجعلها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة. وتقدم الكلام على: واتقوا يوماً، فيقوله: { وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لا تجزى } . وقرأ يعقوب، وأبو عمرو: ترجعون، مبنياً للفاعل، وخبر عباس عن أبي عمرو وقرأ باقيالسبعة منبياً للمفعول وقرأ الحسن: يرجعون، على معنى يرجع جميع الناس، وهو من باب الالتفات. قال ابن جني: كان اللهتعالى رفق بالمؤمنين عن أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما تتفطر له القلوب، فقال لهم: واتقوا، ثم رجع فيذكر الرجعة إلى الغيبة رفقاً بهم. انتهى. وقرأ أبي: تردون، بضم التاء، حكاه عنه ابن عطية وقال الزمخشري: وقرأعبد الله: يردون. وقرأ أبي: تصيرون. انتهى. قال الجمهور والمراد بهذا اليوم يوم القيامة، وقال قوم: هو يوم الموت،والأول أظهر لقوله: {ثُمَّ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } والمعنى إلى حكم الله وفصل قضائه. {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّنَفْسٍ } أي تعطى وافياً جزاء {مَّا كَسَبَتْ } من خير وشر، وفيه نص على تعلق الجزاء بالكسب، وفيه ردّعلى الجبرية. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي: لا ينقصون مما يكون جزاء العمل الصالح من الثواب، ولا يزادون علىجزاء العمل السيء من العقاب، وأعاد الضمير أولاً في: كسبت، على لفظ: النفس، وفي قوله: وهم لا يظلمون، على المعنىلأجل فاصلة الآي، إذ لو أتى وهي لا تظلم لم تكن فاصلة، ومن قرأ: يرجعون، بالياء فتجيء: وهم، عليه غائباًمجموعاً لغائب مجموع.

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } * { وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } * { للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } * { لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ }[عدل]

تداين: تفاعل من الدين، يقال: داينت الرجل عاملته بدين معطياً أو آخذاً، كماتقول: بايعته إذا بعته أو باعك قال رؤبة:داينت أروى والديون تقضى فمطلت بعضاً وأدّت بعضاً ويقال: دنت الرجل إذا بعته بدين، وادّنت أنا أي: أخذت بدين. أمل وأملى لغتان: الأولى لأهل الحجازوبني أسد، والثانية لتميم، يقال: أمليت وأمللت على الرجل أي: ألقيت عليه ما يكتبه، وأصله في اللغة الإعادة مرة بعدأخرى قال الشاعر:ألاياديار الحيّ بالسبعان أمل عليها بالبلى الملوان وقيل: الأصل أمللت، أبدلمن اللام ياء لأنها أخف. البخس: النقص، يقال منه: بخس يبخس، ويقال بالصاد، والبخس: إصابة العين، ومنه: استعير بخسحقه، كقولهم: عوّر حقه، وتباخسوا في البيع تغابنوا، كان كل واحد يبخس صاحبه عن ما يريده منه باحتياله. السأموالسآمة: الملل من الشيء والضجر منه، يقال منه: سئم يسأم. الصغير: اسم فاعل من صغر يصغر، ومعناه قلة الجرم،ويستعمل في المعاني أيضاً. القسط: بكسر القاف: العدل، يقال منه: أقسط الرجل أي عدل، وبفتح القاف: الجور، ويقال منه:قسط الرجل أي جار، والقسط بالكسر أيضاً: النصيب. الرهن: ما دفع إلى الدائن على استيثاق دينه، ويقال: رهن يرهنرهناً، ثم أطلق المصدر على المرهون، ويقال: رهن الشيء دام قال الشاعر:اللحم والخبز لهم راهن وقهوة راووقها ساكب وأرهن لهم الشراب: دام، قال ابن سيده: ورهنه، أي: أدامه، ويقال: أرهن في السلعة إذاغالى بها حتى أخذها بكثير الثمن قال الشاعر:يطوى ابن سلمى بها من راكب بعرا عيدية أرهنت فيها الدنانير العيد:بطن من مهر، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة، ويقال، من الرهن الذي هو من التوثقة: أرهن إرهاناً قال همام بن مرة:فلما خشيت أظافيرهمنجوت وأرهنتهم مالكاً وقال ابن الأعرابي، والزجاج: يقال في الرهن رهنت وأرهنتوقال الأعشى:حتى يقيدك من بنيه رهينة نعش ويرهنك السماك الفرقدا وتقول: رهنت لساني بكذا، ولايقال فيه: أرهنت، ولما أطلق الرهن على المرهون صار إسماً، فكسر تكسير الأسماء وانتصب بفعله نصب المفاعيل، فرهنت رهناً كرهنتثوباً. الإصر: الامر الغليظ الصعب، والآصرة في اللغة: الأمر الرابط من ذمام، أو قرابة، أو عهد، ونحوه. والإصار: الحبلالذي تربط به الأحمال ونحوها، يقال: أصر يأصر أصراً، والإصر، بكسر الهمزة الاسم من ذلك، وروي أُلاصر بضمها وقد قرىءبه قال الشاعر:يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعدما عرقوا {يُظْلَمُونَ يأَيُّهَاٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } قال ابن عباس: نزلت في السلم خاصة، يعنى: أن سلمأهل المدينة كان السبب، ثم هي تتناول جميع الديون بالإجماع. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما أمر بالنفقةفي سبيل الله، وبترك الربا، وكلاهما يحصل به تنقيص المال، نبه على طريق حلال في تنمية المال وزيادته، وأكد فيكيفية حفظه، وبسط في هذه الآية وأمر فيها بعدة أوامر على ما سيأتي بيانه. وذكر قوله؛ بدين، ليعود الضميرعليه في قوله: فاكتبوه، وإن كان مفهوماً من: تداينتم، أو لإزالة اشتراك: تداين، فإنه يقال؛ تداينوا، أي جازى بعضهم بعضاً،فلما قال: بدين، دل على غير هذا المعنى. أو للتأكيد، أو ليدل على أي دين كان صغيراً أو كبيراً، وعلىأي وجه كان من سلم أو بيع. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } ليس هذا الوصف احترازاً من أن الدين لايكون إلى أجل مسمى، بل لا يقع الدين إلاَّ إلى أجل مسمى، فأما الآجال المجهولة فلا يجوز، والمراد بالمسمى الموقتالمعلوم، نحو التوقيت بالنسبة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو إلى الدياس، أو رجوع الحاج، لم يجز لعدم التسمية،و: إلى أجل، متعلق: بتداينتم، أو في موضع الصفة لقوله: بدين، فيتعلق بمحذوف. {فَٱكْتُبُوهُ } أمر تعالى بكتابته لأنذلك أوثق وآمن من النسيان، وأبعد من الجحود. وظاهر الأمر الوجوب، وقد قال بعض أهل العلم، منهم الطبري، وأهلالظاهر. وقال الجمهور: هو أمر ندب يحفظه له المال، وتزال به الريبة، وفي ذلك حث على الاعتراف به وحفظه، فإنالكتاب خليفة اللسان، واللسان خليفة القلب. وروي عن أبي سعيد الخدري، وابن زيد، والشعبي، وابن جريج أنهم كانوا يرونأن قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } ناسخ لقوله: {فَٱكْتُبُوهُ } وقال الربيع وجب بقوله: فاكتبوه، ثم خفف بقوله: فإنأمن. {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } وهذا الأمر قيل: على الوجوب على الكفاية كالجهاد، قال عطاء، وغيره: يجب علىالكاتب أن يكتب على كل حال، وقال الشعبي، أيضاً: إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب، وقال السدّي:هو واجب مع الفراغ. واختار الراغب أن الصحيح كون الكتابة فرضاً على الكفاية، وقال: الكتابة فيما بين المتبايعين، وإن لمتكن واجبة، فقد تجب على الكتابة إذا أتوه، كما أن الصلاة النافلة، وإن لم تكن واجبة على فاعلها، فقد يجبعلى العالم تبيينها إذا أتاه مستفت. ومعنى: بينكم، أي: بين صاحب الدين والمستدين، والبائع والمشترى، والمقرض والمستقرض، والتثنية تقتضيأن لا ينفرد أحد المتعاملين لأن يتهم في الكتابة، فإذا كانت واقعة بينهما كان كل واحد منهما مطلعاً على ماسطره الكاتب. ومعنى: بالعدل، أي: بالحق والإنصاف بحيث لا يكون في قلبه ولا في قلمه ميل لأحدهما على الآخر.واختلف فيما يتعلق به: بالعدل، فقال الزمخشري: بالعدل، متعلق بكاتب صفة له، أي: بكاتب مأمون على ما يكتب، يكتببالسوية والاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب، ولا ينقص. وفيه أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط، حتى يجيءمكتوبه معدّلاً بالشرع، وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلاَّ فقيهاً ديناً. وقال ابن عطية: والباء متعلقةبقوله تعالى: وليكتب، وليست متعلقة بكاتب، لأنه كان يلزم أن لا يكتب وثيقة إلاَّ العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبيوالعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها، أما أن المنتخبين لكتبها لا يجوز للولاة أن يتركوهم إلاَّ عدولاً مرضيين، وقيل: الباء زائدة،أي فليكتب بينكم كاتب العدل. وقال القفال في معنى {بِٱلْعَدْلِ }: أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهلالعلم، لا يرفع إلى قاض فيجد سبيلاً إلى إبطاله بألفاظ لا يتسع فيها التأويل، فيحتاج الحاكم إلى التوقف. وقرأالحسن: وليكتب، بكسر لام الأمر، والكسر الأصل. {يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } نهى الكاتب عن الامتناعمن الكتابة. و: كاتب، نكرة في سياق النهي، فتعم. وأن يكتب مفعول، ولا يأب، ومعنى: كما علمه الله، أي: مثلما علمه الله من كتابة الوثائق، لا يبدّل ولا يغير، وفي ذلك حث على بذل جهده في مراعاة شروطه مماقد لا يعرفه المستكتب، وفيه تنبيه على المنة بتعليم الله إياه. وقيل: المعنى كما أمره الله به من الحق،فيكون: علم، بمعنى: أعلم، وقيل: المعنى كما فضله الله بالكتاب، فتكون الكاف للتعليل، أي: لأجل ما فضله الله، فيكون كقوله { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } أي: لأجل إحسان الله إليك. والظاهر تعلق الكاف بقوله: أن يكتب، وقيل: تم الكلامعند قوله: أن يكتب، وتتعلق الكاف بقوله: فليكتب، وهو قلق لأجل الفاء، ولأجل أنه لو كان متعلقاً بقوله: فليكتب، لكانالنظم: فليكتب كما علمه الله، ولا يحتاج إلى تقديم ما هو متأخر في المعنى. وقال ابن عطية: ويحتمل أنيكون: كما، متعلقاً بما في قوله: ولا يأب، أي: كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو، وليفضل كماأفضل عليه. انتهى. وهو خلاف الظاهر. وتكون الكاف في هذا القول للتعليل، وإذا كان متعلقاً بقوله: أن يكتب، كان قوله:ولا يأب، نهياً عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم أمر بتلك الكتابة، لا يعدل عنها، أمر توكيد. وإذا كان متعلقاًبقوله: فليكتب، كان ذلك نهياً عن الامتناع من الكتابة على الإطلاق، ثم أمر بالكتابة المقيدة. وقال الربيع، والضحاك: ولايأب، منسوخ بقوله: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }. {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } أي: فليكتب الكاتب، وليمللمن وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود عليه بأن الدين في ذمّته، والمستوثق منه بالكتابة. {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ }،فيما يمليه ويقربه، وجمع بين اسم الذات وهو: الله، وبين هذا الوصف الذي هو: الرب، وإن كان اسم الذات منطوقاًعلى جميع الأوصاف. ليذكره تعالى كونه مربياً له، مصلحاً لأمره، باسطاً عليه نعمه. وقدم لفظ: الله، لأن مراقبته من جهةالعبودية والألوهية أسبق من جهة النعم. {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } أي: لا ينقص بالمخادعة أو المدافعة، والمأمور بالإملالهو المالك لنفسه. وفك المضاعفين في قوله: وليملل، لغة الحجاز، وذلك في ماسكن آخره بجزم، نحو، هذا، أو وقف نحو:أملل، ولا يفك في رفع ولا نصب وقرىء: شيئاً، بالتشديد. {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا } قال مجاهد،وابن جبير: هو الجاهل بالأمور والإملاء. وقال الحسن: الصبي والمرأة، وقال الضحاك، والسدّي: الصغير. وضعف هذا لأنه قد يصدق السفيهعلى الكبير، وذكر القاضي أبو يعلى: أنه المبذر. وقال الشافعي: المبذر لماله المفسد لدينه وروي عن السدي: أنه الأحمق، وقيل:الذي يجهل قدر المال فلا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره. وقال ابن عباس: الجاهل بالاسلام. {أَوْ ضَعِيفًا} قال ابن عباس: وابن جبير: إنه العاجز، والأخرس، ومن به حمق. وقال مجاهد، والسدي: الأحمق. وذكر القاضي أبو يعلى،وغيره: أنه الصغير. وقيل: المدخول العقل، الناقص الفطرة. وقال الشيخ: الكبير، وقال الطبري: العاجز عن الإملاء لعيّ أو لخرس.{أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } قال أبن عباس: لعي أو خرس أو غيبة، وقيل: بجنون، وقيل: بجهل بماله أو عليه. وقيل: لصغر. والذي يظهر تباين هؤلاء الثلاثة، فمن زعم زيادة: أو، في قوله: أو ضعيفاً، أو زيادتهافي هذا، وفي قوله: أو لا يستطيع، فقوله ساقط، إذ: أو لا، تزاد، وأن السفه هو تبذير المال والجهل بالتصرف،وأن الضعف هو في البدن لصغر أو إفراط شيخ ينقص معه التصرف، وأن عدم استطاعته الإملاء لعي أو خرس، لأنالإستطاعة هي القدرة على الإملاء. وهذا الشرح أكثره عن الزمخشري. وقال ابن عطية: ذكر تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهمفي كل زمان، ويترتب الحق لهم في كل جهات سوى المعاملات: كالمواريث إذا قسمت. وغير ذلك. والسفيه المهلهل الرأي فيالمال الذي لا يحسن الأخذ والاعطاء، وهذه الصفة لا تخلو من حجر ولي أو وصي، وذلك وليه. والضعيف المدخول العقلالناقص الفطرة، ووليه وصي أو أب، والذي لا يستطيع أن يمل هو الغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغيرذلك، ووليه وكيله، والأخرس من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا يستطيع، وربما اجتمع اثنان أو الثلاثة في شخص. انتهى. وفيهبعض تلخيص، وهو توكيد الضمير المستكن في: أن يملّ، وفيه من الفصاحة ما لا يخفى، لأن في التأكيد به رفعالمجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير، والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه. وقرىء شاذاً بإسكان هاء: هو،وإن كان قد سبقها ما ينفصل، إجراء للمنفصل مجرى المتصل بالواو والفاء واللام، نحو: وهو، فهو، لهو. وهذا أشذ منقراءة من قرأ: ثم هو يوم القيامة، لأن ثم شاركت في كونه للعطف، وأنها لا يوقف عليها فيتم المعنى.{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ }. الضمير في وليه عائد على أحد هؤلاء الثلاثة، وهو الذي عليه الحق، وتقدّم تفسير ابن عطيةللولي. وقال الزمخشري: الذي يلي أمره من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أوترجمان يملّ عنه. وهو يصدّقه. وذهب الطبري إلى أن الضمير في وليه يعود على الحق، فيكون الولي هو الذي لهالحقّ. وروي ذلك عن ابن عباس والربيع. قال ابن عطية: ولا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد البينة علىشيء ويدخل مالا في ذمّة السفيه، بإملاء الذي له الدين، هذا شيء ليس في الشريعة. قال الراغب: لا يجوزأن يكون ولي الحق كما قال بعضهم، لأن قوله لا يؤثر إذ هو مدّع. و: بالعدل، متعلق بقوله: فليملل،ويحتمل أن تكون الباء للحال، وفي قوله: بالعدل، حث على تحريه لصاحب الحق، والمولى عليه، وقد استدل بهذه الآية علىجواز الحجر على الصغير، واستدل بها على جواز تصرف السفيه، وعلى قيام ولاية التصرفات له في نفسه وأمواله. {وَٱسْتَشْهِدُواْشَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } أي: اطلبوا للإشهاد شهيدين، فيكون استفعل للطلب، ويحتمل أن يكون موافقة أفعل أي: وأشهدوا، نحو: استيقنموافق أيقن، واستعجله بمعنى أعجله. ولفظ: شهيد، للمبالغة، وكأنهم أمروا بأن يستشهدوا من كثرت منه الشهادة، فهو عالم بمواقع الشهادةوما يشهد فيه لتكرر ذلك منه، فأمروا بطلب الأكمل، وكان في ذلك إشارة إلى العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك منالشخص عند الحكام إلاَّ وهو مقبول عندهم. من رجالكم، الخطاب للمؤمنين، وهم المصدّر بهم الآية، ففي قوله: من رجالكم،دلالة على أنه لا يستشهد الكافر، ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض، وأجاز ذلك أبو حنيفة. وإن اختلفتمللهم، وفي ذلك دلالة على اشتراط البلوغ، واشتراط الذكورة في الشاهدين. وظاهر الآية أنه: يجوز شهادة العبد، وهو مذهبشريح، وابن سيرين، وابن شبرمة، وعثمان البتي، وقيل عنه: يجوز شهادته لغير سيده. وروي عن علي أنه كان يقول: شهادةالعبد على العبد جارية جائزة. وروي المغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز شهادة المملوك في الشيء التافه. وروي عن أنسأنه قال: ما أعلم أن أحداً ردّ شهادة العبد. وقال الجمهور: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وابن شبرمة فيإحدى الروايتين، ومالك، وابن صالح، وابن أبي ليلى، والشافعي: لا تقبل شهادة العبد في شيء. وروي ذلك عن علي، وابنعباس، والحسن. وظاهر الآية يدل على أن شهادة الصبيان لا تعتبر، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة، وابنشبرمة، والشافعي. وروي ذلك عن: عثمان، وابن عباس، وابن الزبير. وقال ابن أبي ليلى: تجوز شهادة بعضهم على بعض، ورويذلك عن علي، قال مالك: تجوز شهادتهم في الجراح وحدها بشروط ذكرت عنه في كتب الفقه. وظاهر الآية اشتراطالرجولية فقط في الشاهدين. فلو كان الشاهد أعمى، ففي جواز شهادته خلاف. ذهب أبو حنيفة، ومحمد إلى أنه لايجوز بحال. وروي ذلك عن علي، والحسن، وابن جبير، وإياس ابن معاوية. وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، والشافعي: إذاعلم قبل العمى جازت، أو بعده فلا. وقال زفر: لا يجوز إلا في النسب يشهد أن فلان، وقال شريح والشعبيشهادته جائزة، وقال مالك يجوز وإن علمه حال العمى إذا عرف الصوت في الطلاق والإقرار ونحوه، وإن شهد بزنا أوحدّ قذف لم تقبل شهادته. ولو كان الشاهد أخرس، فقيل: تقبل شهادته بإشارة، وسواء كان طارئاً أم أصلياً، وقيل:لا تقبل. وإن كان أصمّ، فلا تقبل في الأقوال، وتقبل فيما عدا ذلك من الحواس. ولو شهد بدويعلى قروي، فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تجوز إلاَّ في الجراح. وروى ابن القاسم عنه: لا تجوز فيالحضر إلاَّ في وصية القروي في السفر في البيع. {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } الضمير عائد على الشهيدين أي:فإن لم يكن الشهيدان رجلين، والمعنى أنه: إن أغفل ذلك صاحب الحق، أو قصد أن لا يشهد رجلين لغرض له،وكان على هذا التقدير ناقصة. وقال قوم: بل المعنى: فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلاَّ مع عدمالرجال، وهذا لا يتم إلاَّ على اعتقاد أن الضمير في: يكونا، عائد على: شهيدين، بوصف الرجولية، وتكون: كان، تامّة، ويكون:رجلين، منصوباً على الحال المؤكد، كقوله: { فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ } على أحسن الوجهين. {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } ارتفاع رجل علىأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالشاهد، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: فرجل وامرأتان يشهدون، أو: فاعل، أي فليشهد رجل، أو:مفعول لم يسم فاعله، أي فليستشهد، وقيل: المحذوف فليكن، وجوّز أن تكون تامّة، فيكون رجل فاعلاً، وأن تكون ناقصة، ويكونخبرها محذوفاً وقد ذكرنا أن أصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان لا اقتصاراً ولا اختصاراً. وقرىء شاذاً: وامرأتان، بهمزة ساكنة،وهو على غير قياس، ويمكن أن سكنها تخفيفاً لكثرة توالي الحركات وجاء نظير تخفيف هذه الهمزة في قول الشاعر:يقولون جهلاً ليس للشيخ عيّل لعمري لقد أعيَلتُ وأن رقوبُ يريد: وأنا رقوب، قيل: خفف الهمزة بإبدالهاألفاً ثم همزة بعد ذلك، قالوا: الخأتم، والعأم. وظاهر الآية يقتضي جواز شهادة المرأتين مع الرجل في سائر عقودالمداينات، وهي كل عقد وقع على دين سواء كان بدلاً أم بضعاً، أم منافع أم دم عمد، فمن ادّعى خروجشيء من العقود من الظاهر لم يسلم له ذلك إلاَّ بدليل. وقال الشافعي: لا تجوز شهادة النساء مع الرجالفي غير الأموال، ولا يجوز في الوصية إلاَّ الرجل، ويجوز في الوصية بالمال. وقال الليث: تجوز شهادة النساء فيالوصية والعتق، ولا تجوز في النكاح ولا الطلاق ولا قتل العمد الذي يقاد منه. وقال الأوزاعي: لا تجوز شهادةرجل وامرأتين في نكاح. وقال الحسن بن حي: لا تجوز شهادتهنّ في الحدود. وقال الثوري: تجوز في كل شيء إلاَّالحدود. وقال مالك لا تجوز في الحدود ولا القصاص، ولا الطلاق ولا النكاح، ولا الأنساب ولا الولاء ولا الإحصان،وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق. وقال الحسن، والضحاك: لا تجوز شهادتهنّ إلاَّ في الدين. وقال عمر،وعطاء، والشعبي: تجوز في الطلاق. وقال شريح: تجوز في العتق، وقال عمر، وابنه عبد الله: تجوز شهادة الرجل والمرأتين فيالنكاح. وقال علي تجوز في العقد. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وعثمان البتي: لا تقبل شهادة النساء معالرجال في الحدود والقصاص، وتقبل فيما سوى ذلك من سائر الحقوق. وأدلة هذه الأقوال مذكورة في كتب الفقة. وأماقبول شهادتهنّ مفردات فلا خلاف في قبولها في: الولادة، والبكارة، والإستهلال، وفي عيوب النساء الإماء وما يجري مجرى ذلك مماهو مخصوص بالنساء. وأجاز أبو حنيفة شهادة الواحدة العدلة في رؤية الهلال إذ هو عنده من باب الإخبار، وكذلك شهادةالقابلة مفردة. {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء } قيل: هذا في موضع الصف لقوله: {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } وقيل: هوبدل من قوله: رجالكم، على تكرير العامل، وهما ضعيفان، لأن الوصف يشعر باختصاصه بالموصوف، فيكون قد انتفى هذا الوصف عنشهيدين، ولأن البدل يؤذن بالاختصاص بالشهيدين الرجلين، فعري عنه: رجل وامرأتان، والذي يظهر أنه متعلق بقوله: واستشهدوا، أي: واستشهدوا ممنترضون من الشهداء، ليكون قيداً في الجميع، ولذلك جاء متأخراً بعد ذكر الجميع، والخطاب في ترضون ظاهره أنه للمؤمنين، وفيذلك دلالة على أن في الشهود من لا يرضى، فيدل على هذا على أنهم ليسوا محمولين على العدالة حيث تثبتلهم. وقال ابن بكير وغيره: الخطاب للحكام، والأول أوْلى لأنه الظاهر، وإن كان المتلبس بهذه القضايا هم الحكام، ولكن يجيءالخطاب عاماً ويتلبس به بعض الناس، وقيل: بالخطاب لأصحاب الدين. واختلفوا في تفسير قوله: {مِمَّن تَرْضَوْنَ } فقال ابنعباس: من أهل الفضل والدين والكفاءة. وقال الشعبي: ممن لم يطعن في فرج ولا بطن، وفسر قوله بأنه لم يقذفامرأة ولا رجلاً، ولم يطعن في نسب. وروي: من لم يطعن عليه في فرج ولا بطن، ومعناه: لا ينسب إلىريبة، ولا يقال إنه ابن زنا. وقال الحسن: من لم تعرف له خربة. وقال النخعي: من لا ريبة فيه. وقالالخصاف: من غلبت حسناته سيآته مع اجتناب الكبائر. وقيل: المرضي من الشهود من اجتمعت فيه عشر خصال: أن يكونحراً، بالغاً، مسلماً، عدلاً، عالماً بما يشهد به، لا يجر بشهادته منفعة لنفسه، ولا يدفع بها عن نفسه مضرة، ولايكون معروفاً بكثرة الغلط، ولا بترك المروءة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة. وذكر بشر بن الوليدعن أبي يوسف: أن من سلم من الفواحش التي يجب فيها الحدود، وما يجب فيها من العظائم، وأدّى الفرائض وأخلاقالبر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلت شهادته، لأنه لا يسلم عبد من ذنب، ولا تقبل شهادة من ذنوبه أكثرمن أخلاق البر، ولا من يلعب بالشطرنج يقامر عليها، ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، ولا تارك الصلوات الخمس في جماعةاستخفافاً أو مجانةً أو فسقاً، لا أن تركها على تأويل، وكان عدلاً، ومن يكثر الحلف بالكذب، ولا مداوم على تركركعتي الفجر، ولا معروف بالكذب الفاحش، ولا مظهر شتيمة أصحاب رسول الله ﷺ، ولا شتام الناغس والجيران،ولا من اتهمه الناس بالفسق والفجور، ولا متهم بسب الصحابة حتى يقولوا: سمعناه يشتم. وقال ابن أبي ليلى، وأبوحنيفة، وأبو يوسف: تقبل شهادة أهل الأهواء العدول، إلاَّ صنفاً من الرافضة وهم الخطابية. وقال محمد: لا أقبل شهادة الخوارج،وأقبل شهادة الحرورية، لأنهم لا يستحلون أموالنا، فإذا خرجوا استحلوا. وروي عن أبي حنيفة أنه: لا يجوز شهادة البخيل. وعنإياس بن معاوية لا يجيز شهادة الأشراف بالعراق ولا البخلاء، ولا التجار الذين يركبون البحر، وعن بلال بن أبيبردة، وكان على البصرة، أنه لا يجيز شهادة من يأكل الطين وينتف لحيته. وردّ عمر بن عبد العزير شهادة منينتف عنفقته ويخفي لحيته. ورد شريح شهادة رجل اسمه ربيعة ويلقب بالكويفر، فدعي: يا ربيعة، فلم يجب، فدعي: يا ربيعةالكويفر، فأجاب، فقال له شريح: دعيت باسمك فلم تجب، فلما دعيت بالكفر أجبت فقال: أصلحك الله إنما هو لقب. فقالله: قم، وقال لصاحبه: هات غيره. وعن أبي هريرة: لا يجوز شهادة أصحاب الحمر، يعني: النخاسين. وعن شريح: لا يجيزشهادة صاحب حمام، ولا حمال، ولا ضيق كم القباء، ولا من قال: أشهد بشهادة الله عز وجل، وعن محمد: لاتقبل شهادة من ظهرت منه مجانة، ولا شهادة مخنث، ولا لاعب بالحمام يطيرهنّ، ورد ابن أبي ليلى شهادة الفقير، وقال:لا يؤمن أن يحمله فقره على الرغبة في المال. وقال مالك: لا تجوز شهادة السؤال في الشيء الكثير، وتجوزفي الشيء التافه. وعن الشافعي: إذا كان الأغلب من حاله المعصية وعدم المروءة ردت شهادته، وعنه: إذا كان أكثر أمرهالطاعة، ولم يقدم على كبيرة، فهو عدل، وينبغي أن تفسر المروءة بالتصاون، والسمت الحسن، وحفظ الحرمة، وتجنب السخف، والمجون، لاتفسر بنظافة الثوب، وفراهة المركوب، وجودة الآلة، والشارة الحسنة. لأن هذه ليست من شرائط الشهادة عند أحد من المسلمين.واختلفوا في حكم من لم تظهر منه ريبة، هل يسأل عنه الحاكم إذا شهد؟ ففي كتاب عمر لأبي موسى: والمسلمونعدول بعضهم على بعض إلاَّ مجلوداً في حدّ، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً أو قرابة. وكان الحسن، لماولي القضاء، يجيز شهادة المسلمين إلاَّ أن يكون الخصم يجرح الشاهد. وقال ابن شبرمة: إن طعن المشهود عليه فيهم سألتعنهم في السرّ والعلانية. وقال محمد، وأبو يوسف: يسأل عنهم، وإن لم يطعن فيهم في السرّ والعلانية، وقال مالك: لايقضي بشهادة الشهود حتى يسأل عنهم في السرّ. وقال الليث: إنما كان الوالي يقول للخصم: إن كان عندك من يخرجشهادتهم فأت به، وإلاَّ أجزنا شهادتهم عليك. وقال الشافعي: يسأل عنه في السرّ، فإذا عدل سأل عن تعديله في العلانية.وأما ما ذكر من اعتبار نفي التهمة عن الشاهد إذا كان عدلاً، فاتفق فقهاء الأمصار على بطلان شهادة الشاهدلولده ووالده إلاَّ ما حكي عن البتي، قال: تجوز شهادة الولد لوالديه، والأب لابنه وامرأته، وعن إياس بن معاوية أنهأجاز شهادة رجل لابنه. وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك، والأوزاعي، والليث إلى أنه: لا يجوز شهادة أحدالزوجين للآخر. وعن أبي حنيفة: لا تجوز شهادة الأجير الخاص لمستأجره، وتجوز شهادة الأجير المشترك له. وقال مالك: لا تجوزشهادة أجير لمن استأجره إلاَّ أن يكون مبرزاً في العدالة. وقال الأوزاعي: لا تجوز مطلقاً. وقال الثوري: تجوز إذا كانلا يجر إلى نفسه منفعة. ومن وردت شهادته لمعنى، ثم زال ذلك المعنى، فهل تقبل تلك المشهادة فيه؟قال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تقبل إذا ردّت لفسق أو زوجية، وتقبل إذا ردّت لرق أو كفر أو صبي. وقالمالك: لا تقبل إن ردت لرق أو صبي. وروي عن عثمان بن عفان مثل هذا. وظاهر الآية: أن الشهودفي الديون رجلان، أو رجل وامرأتان، ممن ترضون، فلا يقضي بشاهد واحد ويمين، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وابن شبرمة،والثوري والحكم، والأوزاعي. وبه قال عطاء، وقال: أول من قضى به عبد الملك ابن مروان، وقال الحكم: أوّل من حكمبه معاوية. واختلف عن الزهري، فقيل، قال: هذا شيءأحدثه الناس لا بدّ من شهيدين، وقال أيضاً: ما أعرفه، وإنهاالبدعة، وأول من قضاه معاوية، وروي عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين وقال مالك، والشافعي وأتباعهما، وأحمد،وإسحاق، وأبو عبيد: يحكم به في الأموال خاصة، وعليه الخلفاء الأربعة وهو عمل أهل المدينة، وهو قول أبيّ بن كعب،ومعاوية، وأبي سلمة، وأبي الزياد، وربيعة. {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلاْخْرَىٰ } قرأ الأعمش، وحزة: إن تضل بكسرالهمزة، جعلها حرف شرط فتذكر، بالتشديد ورفع الراء وجعله جواب الشرط. وقرأ الباقون بفتح همزة: أن، وهي الناصبة، وفتحراء فتذكر عطفاً على: أن تضل وسكن الذال وخفف الكاف ابن كثير، وأبو عمرو. وفتح الذال، وشدّد الكاف الباقون منالسبعة. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمران: تضل، بضم التاء وفتح الضاد مبنياً للمفعول، بمعنى: تنسى، كذا حكى عنهما الداني.وحكى النقاش عن الجحدري: أن تضل، بضم التاء وكسر الضاد، بمعنى أن تضل الشهادة، تقول: أضللت الفرس والبعير إذا ذهبافلم تجدهما. وقرأ حميد بن عبد الرحمن، ومجاهد: فتذكر، بتخفيف الكاف المكسورة، ورفع الراء، أي فهي: تذكر وقرأ زيدبن أسلم: فتذاكر، من الذاكرة. والجملة الشرطية من قوله {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ } على قراءة الأعمش وحمزة قالابن عطية: في موضع رفع بكونه صفة للمذكر، وهما المرأتان. انتهى. كان قد قدم أن قوله {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء} في موضع الصفة لقوله {فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } فصار نظير: جاءني رجل وامرأتان عقلاء حبليان، وفي جواز مثل هذا التركيبنظر، بل الذي تقتضيه الأقيسة تقديم حبليان على عقلاء، وأما على قول من أعرب: ممن ترضون، بدلاً من: رجالكم، وعلىما اخترناه من تعلقه بقوله: واستشهدوا، فلا يجوز أن تكون جملة الشرط صفة لقوله: وامرأتان، للفصل بين الموصوف والصفة بأجنبي،وأما: أن تضل، بفتح الهمزة، فهو في موضع المفعول من أجله، أي لأن تضل على تنزيل السبب، وهو الإضلال منزلةالمسبب عنه، وهو الإذكار، كما ينزل المسبب منزلة السبب لالتباسهما واتصالهما، فهو كلام محمول على المعنى، أي: لأن تذكر إحداهماالأخرى إن ضلت، ونظيره: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يطرق العدو فأدفعه، ليس إعداد الخشبة لأجلالميل إنما إعدادها لإدعام الحائط إذا مال، ولا يجوز أن يكون التقدير: مخالفة أن تضل، لأجل عطف فتذكر عليه.وقال النحاس: سمعت علي بن سليمان يحكي عن أبي العباس أن التقدير: كراهة أن تضل، قال أبو جعفر: وهذا غلط،إذ يصير المعنى كراهة أن تذكر. ومعنى الضلال هنا هو عدم الاهتداء للشهادة لنسيان أو غفلة، ولذلك قوبل بقوله: فتذكر،وهو من الذكر، وأما ما روي عن أبي عمرو بن العلاء، وسفيان بن عيينة من أن قراءة التخفيف، فتذكر، معناه:تصيرها ذكراً في الشهادة، لأن شهادة امرأة نصف شهادة، فإذا شهدتا صار مجموع شهادتها كشهادة ذكر، فقال الزمخشري: من بدعالتفاسير. وقال ابن عطية: هذا تأويل بعيد غير صحيح، ولا يحسن في مقابله الضلال إلاَّ الذكر. انتهى. وماقالاه صحيح، وينبو عنه اللفظ من جهة اللغة ومن جهة المعنى، أما من جهة اللغة فإن المحفوظ أن هذا الفعللا يتعدى، تقول: أذكرت المرأة فهي مذكر إذا ولدت الذكور، وأما: أذكرت المرأة، أي: صيرتها كالذكر، فغير محفوظ. وأما منجهة المعنى، فإن لو سلم أن: أذكر، بمعنى صيرها ذكراً فلا يصح، لأن التصيير ذَكَراً شامل للمرأتين، إذ ترك شهادتهمابمنزلة شهادة ذكر فليست إحداهما أذكرت الأخرى على هذا التأويل، إذ لم تصير شهادتهما وحدها بمنزلة شهادة ذكر. ولماأبهم الفاعل في: أن تضل، بقوله: إحداهما، أبهم الفاعل في: فتذكر، بقوله: إحداهما، إذ كل من المرأتين يجوز عليها الضلال،والإذكار، فلم يرد: بإحداهما، معيَّنة. والمعنى: إن ضلت هذه أذكرتها هذه، وإن ضلت هذه أذكرتها هذه، فدخل الكلام معنى العموم،وكأنه قيل: من ضل منهما أذكرتها الأخرى، ولو لم يذكر بعد: فتذكر، الفاعل مظهراً للزم أن يكون أضمر المفعول ليكونعائداً على إحداهما الفاعل بتضل، ويتعين أن يكون: الأخرى، هو الفاعل، فكان يكون التركيب: فتذكرها الأخرى. وأما على التركيب القرآنيفالمتبادر إلى الذهن أن: إحداهما، فاعل تذكر، والأخرى هو المفعول، ويراد به الضالة، لأن كلاًّ من الإسمين مقصور، فالسابق هوالفاعل، ويجوز أن يكون: إحداهما، مفعولاً، والفاعل هو الأخرى لزوال اللبس، إذ معلوم أن المذكرة ليست الناسية، فجاز أن يتقدّمالمفعول ويتأخر الفاعل، فيكون نحو: كسر العصا موسى، وعلى هذا الوجه يكون قد وضع الظاهر موضع المضمر المفعول، فيتعين إذذاك أن يكون الفاعل هو: الأخرى، ومن قرأ: أن، بفتح الهمزة و: فتذكر، بالرفع على الاستئناف، قيل: وقال: إن تضلإحداهما، المعنى: أن النسيان غالب على طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة، واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدورالنسيان عن المرأة الواحدة، فأقيمت المرأتان مقام الرجل، حتى إن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى، وفيه دلالة على تفضيل الرجلعلى المرأة. و: تذكر، يتعدّى لمفعولين، والثاني محذوف، أي: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة، وفي قوله {فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلاْخْرَىٰ }دلالة على أن من شرط جواز إقامة الشهادة ذكر الشاهد لها، وأنه لا يجوز الاقتصار فيها على الخط، إذ الخطوالكتابة مأمور ربه لتذكر الشهادة، ويدل عليه قوله: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وإذا لم يذكرها فهو غيرعالم بها. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي: إذا كتب خطه بالشهادة فلا يشهد حتى يذكرها، وقال محمد بنأبي ليلى، إذا عرف خطه وسعه أن يشهد عليها. وقال الثوري: إذا ذكر أنه شهد، ولا يذكر عدد الدراهم، فإنهلا يشهد. {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } قال قتادة: سبب نزولها أن الرجل كان يطوف في الحراءالعظيم، فيه القوم، فلا يتبعه منهم أحد، فأنزلها الله. وظاهر الآية: أن المعنى: ولا يأب الشهداء من تحمل الشهادةإذا ما دعوا لها، قاله ابن عباس، وقتادة، والربيع وغيرهم. وهذا النهي ليس نهي تحريم، فله أن يشهد، وله أنلا يشهد. قاله عطاء، والحسن وقال الشعبي: إن لم يوجد غيره تعين عليه أن يشهد، وإن وجد فهو مخير، وقيل:المعنى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا لأداء الشهادة إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك، قاله مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيدبن جبير، والضحاك، والسدي، وإبراهيم، ولاحق بن حميد، وابن زيد. وروى النقاش: هكذا فسره رسول الله ﷺ،ولو صح هذا عنه، عليه السلام، لم يعدل عنه فيكون نهي تحريم. وقال ابن عباس أيضاً، والحسن، والسدي: هيفي التحمل والإقامة إذا كان فارغاً، وقال ابن عطية: والآية كما قال الحسن، جمعت الأمرين، والمسلمون مندوبون إلى معاونة إخوانهم،فإذا كانت الفسحة في كثرة الشهود، والأمن من تعطيل الحق، فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر وأن يتخلف لغيرعذر، ولا إثم عليه. وإذا كانت الضرورة، وخيف تعطيل الحق أدنى خوف، قوي الندب وقرب من الوجوب. وإذا علم أنالحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة، فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة. وكان الدعاء إلى أدائها،فإن هذا الطرف آكد، لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء انتهى. {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } لما نهى عن امتناع الشهود إذا ما دعوا للشهادة، نهى أيضاً عن السآمة في كتابة الدين، كلذلك ضبط لأموال الناس، وتحريض على أن لا يقع النزاع، لأنه متى ضبط بالكتابة والشهادة قل أن يحصل وهمٌ فيهأو إنكار، أو منازعة في مقدار أو أجل أو وصف، وقدم الصغير اهتماماً به، وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى. ونصعلى الأجل للدلالة على وجوب ذكره، فكتب كما يكتب أصل الدين ومحله إن كان مما يحتاج فيه إلى ذكر المحل،ونبه بذكر الأجل على صفة الدين ومقداره، لأن الأجل بعض أوصافه، والأجل هنا هو الوقت الذي اتفق المتداينان على تسميته.وقال الماتريدي: فيه دلالة على جواز السلم في الثياب، لأن ما يؤكل أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير،وإنما يقال ذلك في العددي والذرعي. انتهى. ولا يظهر ما قال: إذ الصغر، والكبر هنا لا يراد به الجرم،وإنما هو عبارة عن القليل والكثير، فمن أسلم في مقدار رويبة، أو في مقدار عشرين أردباً، صدق على الأول أنهحق صغير ودين صغير، وعلى الثاني انه دين كبير وحق كبير. قيل: ومعنى: ولا تسأموا، أي لا تكسلوا، وعبربالسأم عن الكسل، لأن الكسل صفة المنافق، ومنه الحديث:لا يقل المؤمن كسلت، وكأنه من الوصف الذي نسبه الله إليهمفي قوله: { وإذا قاموا إلى الصلاة قالوا كسالى } وقيل: معناه لا تضجروا، و: أن تكتبوا، في موضع نصب على المفعولبه، لأن سئم متعد بنفسه. كما قال الشاعر:سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين عاماً لا أبك لك يسأم وقيل: يتعدّى سئم بحرف جر، فيكون: أن تكتبوه، في موضع نصب على إسقاط الحرف، أو في موضعجر على الخلاف الذي تقدم بين سيبويه والخليل، ومما يدل على أن سئم يتعدّى بحرف جر قوله:ولقد سئمت من الحياة وطولهاوسؤال هذا الناس كيف لبيد وضمير النصب في: تكتبوه، عائد على الدَّين، لسبقه، أو على الحق لقربه،والدَّين هو الحق من حيث المعنى، وكان من كثرت ديونه يمل من الكتابة، فنهوا عن ذلك. وقال الزمخشري: ويجوزأن يكون الضمير للكتاب، و: أن تكتبوه، مختصراً أو مشبعاً، ولا يخل بكتابته. انتهى. وهذا الذي قاله فيه بُعد.وقرأ السلمي: ولا يسأموا، بالياء وكذلك: أن يكتبوه، والظاهر في هذه القراءة أن يكون ضمير الفاعل عائداً على الشهداء، ويجوزأن يكون من باب الالتفات، فيعود على المتعاملين أو على الكتاب. وانتصاب: صغيراً أو كبيراً، على الحال من الهاء في:أن تكتبوه، وأجاز السجاوندي نصب: صغيراً، على أن يكون خبراً لكان مضمرة، أي: كان صغيراً، وليس موضع إضمار كان، ويتعلق:إلى أجله، بمحذوف لا تكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى أجل الدين، إذ ينقضي في زمن يسير، فليس نظير: سرت إلىالكوفة، والتقدير: أن تكتبوه مستقراً في الذمة إلى أجل حلوله. {ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } الإشارة إلى أقرب مذكوروهو الكتابة، وقيل الكتابة والاستشهاد وجميع ما تقدّم مما يحصل به الضبط، و: أقسط، أعدل قيل: وفيه شذوذ، لأنه منالرباعي الذي على وزن: أفعل، يقال: أقسط الرجل أي عدل، ومنه وأقسطوا، وقد راموا خروجه عن الشذوذ الذي ذكروه، بأنيكون: أقسط، من قاسط على طريقة النسب بمعنى: ذي قسط، قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: انظر هل هو منقسط بضم السين، كما تقول: أكرم من كرم. انتهى. وقيل: من القسط بالكسر، وهو العدل، وهو مصدر لم يشتق منهفعل، وليس من الإقساط، لأن أفعل لا يبنى من الأفعال. وقال الزمخشري: فإن قلت: مم بنى فعلاً التفضيل. أعني:أقسط. وأقوم. قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام. انتهى. لم ينص سيبويه علىأن أفعل التفضيل. بني من أفعل، إنما يؤخذ ذلك بالاستدلال، لأنه نص في أول كتابه على أن بناء أفعل للتعجبيكون من: فعل وفعل وفعل وأفعل، فظاهر هذا أن أفعل الذي للتعجب يبني من أفعل، ونص النحويون على أن مايبنى منه أفعل للتعجب يبني منه أفعل التفضيل، فما انقاس في التعجب: انقاس في التفضيل، وما شذ فيه شد فيه.وقد اختلف النحويون في بناء أفعل للتعجب على ثلاثة مذاهب: الجواز، والمنع، والتفصيل. بين أن يكون الهمزة للنقل فلايبني منه أفعل للتعجب، أو لا تكون للنقل، فيبنى منه. وزعم أن هذا مذهب سيبويه، وتؤول قوله: وأفعل على أنهأفعل الذي همزته لغير النقل، ومن منع ذلك مطلقاً ضبط قول سيبويه. وأفعل على أنه على صيغة الأمر، ويعني أنهيكون فعل التعجب على أفعل، وبناؤه من: فعل وفعل وفعل وعلى أفعل وحجج هذه المذاهب مستوفاة في كتب النحو.والذي ينبغي أن يحمل عليه أقسط هو أن يكون مبنياً من قسط الثلاثي بمعنى عدل قال ابن السيد في (الاقتضاب)ما نصبه: حكى ابن السكيت في كتاب الأضداد عن أبي عبيدة: قسط جار، وقسط عدل، وأقسط بالألف عدل لا غير.وقال ابن القطاع: قسط قسوطاً وقسطاً، جار وعدل ضد، فعلى هذا لا يكون شاذاً. ومعنى: أقسط عند الله. أعدلفي حكم الله أن لا يقع التظالم. {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } إن كان من أقام ففيه شذوذ على قول بعضهم،ومن جعله مبنياً من قام بمعنى اعتدل فلا شذوذ فيه، وتقدّم قول الزمخشري إنه جائز على مذهب سيبويه أن يكونمن أقام، وقال أيضاً: يجوز أن يكون على معنى النسب من قويم. انتهى. وعد بعض النحويين في التعجب ماأقومه في الشذوذ، وجعله مبنياً من استقام، ويتعلق: للشهادة، بأقوم، وهو من حيث المعنى مفعول كما تقول: زيد أضرب لعمرومن خالد، ولا يجوز حذف هذه اللام والنصب إلاَّ في الشعر كما قال الشاعر.وأضرب منا بالسيوف القوانسا وقد تؤولعلى إضمار فعل أي: تضرب القوانس ومعنى: أقوم للشهادة، أثبت وأصح. {وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ } أي أقربلانتفاء الريبة وقرأ السلمي: أن لا يرتابوا بالياء، والمفضل عليه محذوف، وحسن حذفه كونه أفعل الذي للتفضيل وقع خبراً للمبتدأ،وتقديره: الكتب أقسط وأقوم وأدنى لكذا من عدم الكتب، وقدّر: أدنى، لأن: لا ترتابوا، وإلى أن لا ترتابوا، و: منأن لا ترتابوا. ثم حذف حرف الجر فبقي منصوباً أو مجروراً على الخلاف الذي سبق. ونسق هذه الإخبار فيغاية الحسن، إذ بدىء أولاً بالأشرف، وهو قوله {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } أي: في حكم الله، فينبغي أن يتبع ماأمر به، إذ اتباعه هو متعلق الدين الإسلامي، وبنى لقوله: {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } لأن ما بعد امتثال أمر الله هوالشهادة بعد الكتابة، وجاء بالياء. و {أَدْنَىٰ أَن لا } لأن انتفاء الريبة مترتب على طاعة الله في الكتابة والإشهاد،فعنهما تنشأ أقربية انتفاء الريبة، إذ ذلك هو الغاية في أن لا يقع ريبة، وذلك لا يتحصل إلا بالكتب والإشهادغالباً، فيثلج الصدر بما كتب، وأشهد عليه. و: ترتابوا، بني افتعل من الريبة، وتقدم تفسيرها في قوله { لاَ رَيْبَ فِيهِ } قيل: والمعنى: أن لا ترتابوا بمن عليه الحق أن ينكر، وقيل: أن لا ترتابوا بالشاهد أن يضل،وقيل: في الشهادة ومبلغ الحق والأجل، وقيل: المعنى أقرب لنفي الشك للشاهد والحاكم والمتعاملين، وما ضبط بالكتابة والإشهاد لا يكاديقع فيه شك ولا لبس ولا نزاع. {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنلا *تَكْتُبُوهَا } في التجارة الحاضرة قولان: أحدهما: ما يعجل ولا يدخله أجل من بيع وثمن؛ والثاني: ما يجوزهالمشتري من العروض المنقولة، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل: كالمطعوم، بخلاف الأملاك. ولهذا قال السدي، والضحاك: هذا فيماإذا كان يداً بيدٍ تأخذه وتعطي. وفي معنى الإدارة، قولان: أحدهما: يتناولونها من يد إلى يد. والثاني: يتبايعونها في كلوقت، والإدارة تقتضي التقابض والذهاب بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض، وكثير من الحيوان لا تقوى البينونة، ولا يعاب عليها حسنالكتب والإشهاد فيها، ولحقت بمبايعة الديون، ولما كانت الكتابة في التجارة الحاضرة الدائرة بينهم شاقة، رفع الجناح عنهم في تركها،ولأن ما بيع نقداً يداً بيدٍ لا يكاد يحتاج إلى كتابة، إذ مشروعية الكتابة إنما هي لضبط الديون، إذ بتأجيلهايقع الوهم في مقدارها وصفتها وأجلها، وهذا مفقود في مبايعة التاجر يداً بيد. وهذا الاستثناء في قوله: إلاَّ أن تكون،منقطع لأن ما بيع لغير أجل مناجزة لم يندرج تحت الديون المؤجلة. وقيل: هو استثناء متصل، وهو راجع إلى قوله{إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ } إلاَّ أن يكون الأجل قريباً. وهو المراد من التجارة الحاضرة. وقيل: هومتصل راجع إلى قوله: {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } وقرأ عاصم: تجارة حاضرة، بنصبهما علىأن كان ناقصة، التقدير إلاَّ أن تكون هي أي التجارة. وقرأ الباقون برفعهما على أن يكون: تكون، تامة. و: تجارة،فاعل بتكون، وأجاز بعضهم أن تكون ناقصة وخبرها الجملة من قوله: تديرونها بينكم. ونفي الجناح هنا معناه لا مضرة عليكمفي ترك الكتابة، هذا على مذهب أكثر المفسرين، إذا الكتابة عندهم ليست واجبة، ومن ذهب إلى الوجوب فمعني: لا جناح،لا إثم. {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً، ناجزاً أو كالئاً، لأنه أحوط وأبعد مماعسى أن يقع في ذلك من الاختلاف، وقيل: يعود إلى التجارة الحاضرة، لما رخص في ترك الكتابة أمروا بالإشهاد.قيل: وهذه الآية منسوخة بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } روي ذلك عن الجحدري، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد، والحكم.وقيل: هي محكمة، والأمر في ذلك على الوجوب قال ذلك أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وابن المسيب، وجابر بنزيد، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم، والشعبي، والنخعي، وداود بن علي، وابنه أبو بكر، والطبري. قال الضحاك: هي عزيمة من اللهولو على باقة بقل وقال عطاء: أشهد إذا بعت أو اشتريت بدرهم، أو نصف درهم، أو ثلاث دراهم، أو أقلمن ذلك وقال الطبري: لا يحل لمسلم إذا باع وإذا اشترى إلاَّ أن يشهد، وإلاَّ كان مخالفاً لكتاب الله عزوجل. وذهب الحسن وجماعة إلى أن هذا الأمر على الندب والإرشاد لا على الحتم قال ابن العربي: وهذا قول الكافة.{وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } هذا نهي، ولذلك فتحت الراء لأنه مجزوم. والمشدّد إذا كان مجزوماً كهذا كانتحركته الفتحة لخفتها، لأنه من حيث أدغم لزم تحريكه، فلو فك ظهر فيه الجزم. واحتمل هذا الفعل أن يكونمبنياً للفاعل فيكون الكاتب والشهيد قد نهيا أن يضارّا أحداً بأن يزيد الكاتب في الكتابة، أو يحرف. وبأن يكتم الشاهدالشهادة، أو يغيرها أو يمتنع من أدائها قال معناه الحسن، وطاووس، وقتادة، وابن زيد واختاره: الزجاج لقوله بعد: {وَإِن تَفْعَلُواْفَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، ويمتنع من الشهادة، حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمنأبرم الكاتب والشهيد، ولأنه تعالى قال، فيمن يمتنع من أداء الشهادة {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } والآثم والفاسق متقاربانوقال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: بأن يقولا: علينا شغل ولنا حاجة. واحتمل أن يكون مبنياً للمفعول، فنهى أن يضارّهماأحد بأن يعنتا، ويشق عليهما في ترك أشغالهما، ويطلب منهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة قال معناه أيضاً ابنعباس، ومجاهد، وطاووس، والضحاك، والسدي. ويقوي هذا الاحتمال قراءة عمر: ولا يضار، بالفك وفتح الراء الأولى. رواها الضحاك عنابن مسعود، وابن كثير عن مجاهد، واختاره الطبري لأن الخطاب من أول الآيات إنما هو للمكتوب له، وللمشهود له، وليسللشاهد والكاتب خطاب تقدّم، إنما رده على أهل الكتابة والشهادة، فالنهي لهم أبين أن لا يضار الكاتب والشهيد فيشغلونهما عنشغلهما، وهم يجدون غيرهما. ورجح هذا القول بأنه لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه. فسوق بكما، وإذاكان خطاباً للمداينين فالمنهيون عن الضرار هم، وحكى أبو عمرو الذاني عن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن أبي إسحاق: أنالراء الأولى مكسورة، وحكى عنهم أيضاً فتحها، وفك الفعل. والفك لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم. وقرأ ابن القعقاع، وعمروبن عبيد: ولا يضار، بجزم الراء، وهو ضعيف لأنه في التقدير جمع بين ثلاث سواكن، لكن الألف لمدّها يجري مجرىالمتحرك، فكأنه بقي ساكنان، والوقف عليه ممكن. ثم أجريا الوصل مجرى الوقف. وقرأ عكرمة: ولا يضارر، بكسر الراء الأولىوالفك، كاتباً ولا شهيداً بالنصب أي: لا يبدأهما صاحب الحق بضرر. ووجوه المضارة لا تنحصر، وروي مقسم عن عكرمةأنه قرأ: ولا يضارّ، بالإدغام وكسر الراء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن محيصن: ولا يضارّ، برفع الراء المشدّدة، وهي نفيمعناه النهي. وقد تقدّم تحسين مجيء النهي بصورة النفي، وذلك أن النهي إنما يكون عن ما يمكن وقوعه، فإذا برزفي صورة النفي كان أبلغ، لأنه صار مما لا يقع، ولا ينبغي أن يقع. {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} ظاهره أن مفعول: تفعلوا، المحذوف راجع إلى المصدر المفهوم من قوله: ولا يضار، وإن تفعلوا لمضارة أو الضرار فإنه،أي الضرار، فسوق بكم أي: ملتبس بكم، أو تكون الباء ظرفية، أي: فيكم، وهذا أبلغ، إذ جعلوا محلاً للفسق.والخطاب في: تفعلوا، عائد الكاتب والشاهد، إذ كان قوله: ولا يضار، قد قدر مبنياً للفاعل، وأما إذا قدر مبنياً للمفعولفالخطاب للمشهود لهم. وقيل: هو راجع إلى ما وقع النهي عنه، والمعنى وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتكم عنه، أو تتركواشيئاً مما أمرتكم به، فهو عام في جميع التكاليف، فإنه فسوق بكم، أي: خروج عن أمر الله وطاعته. {وَٱتَّقُواْٱللَّهَ } أي: في ترك الضرار، أو: في جميع أوامره ونواهيه، ولما كان قوله {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ }خطاباً على سبيل الوعيد، أمر بتقوى الله حتى لا يقع في الفسق. {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } هذه جملة تذكر بنعمالله التي أشرفها: التعليم للعلوم، وهي جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع نصب على الحالمن الفاعل في: واتقوا، تقديره: واتقوا الله مضموناً لكم التعليم والهداية. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالاً مقدرة. انتهى.وهذا القول، أعني: الحال، ضعيف جداً، لأن المضارع الواقع حالاً، لا يدخل عليه واو الحال إلاَّ فيما شذ من نحو:قمت وأصك عينه. ولا ينبغي أن يحمل القرآن على الشذوذ. {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } إشارة إلى احاطته تعالىبالمعلومات، فلا يشذ عنه منها شيء. وفيها إشعار بالمجازاة للفاسق والمتقي، وأعيد لفظ الله في هذه الجمل الثلاث على طريقتعظيم الأمر، جعلت كل جملة منها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى ربط بالضمير، بل اكتفي فيها بربط حرف العطف، وليستفي معنى واحد، فالأولى: حث على التقوى، والثانية: تذكر بالنعم، والثالثة: تتضمن الوعد والوعيد. وقيل: معنى الآية الوعد، فإن مناتقى علمه الله، وكثيراً ما يتمثل بهذه بعض المتطوعة من الصوفية الذين يتجافون عن الاشتغال بعلوم الشريعة، من الفقه وغيره،إذا ذكر له العلم، والاشتغال به، قالوا: قال الله: واتقوا الله ويعلمكم الله، ومن أين تعرف التقوى؟ وهل تعرف إلاَّبالعلم؟. {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ }. مفهوم الشرط يقتضي امتناع الاستيثاق بالرهن، وأخذه فيالحضر، وعند وجدان الكاتب، لأنه تعالى علق جواز ذلك على وجود السفر وفقدان الكاتب، وقد ذهب مجاهد، والضحاك: إلى أنالرهن والائتمان إنما هو في السفر، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك، ونقل عنهما أنهما لا يجوزان الارتهانإلاَّ في حال السفر، وجمهور العلماء على جواز الرهن في الحضر، ومع وجود الكاتب، وأن الله تعالى ذكر السفر علىسبيل التمثيل للإعذار، لأنه مظنة فقدان الكاتب، وإعواز الإشهاد، فأقام التوثق بالرهن مقام الكتابة والشهادة، ونبه بالسفر على كل عذر،وقد يتعذر الكاتب في الحضر؛ كأوقات الاشتغال والليل وقد صح أن رسول الله ﷺ رهن درعه فيالحضر، فدل ذلك على أن الشرط لا يراد مفهومه. وقرأ الجمهور: كاتباً، على الإفراد وقرأ أبي، ومجاهد، وأبو العالية:كاتباً على أنه مصدر، أو جمع كاتب. كصاحب وصحاب. ونفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة، ونفي الكتابة يقتضي أيضاً نفي الكتب.وقرأ ابن عباس والضحاك: كتاباً، على الجمع اعتباراً بأن كل نازلة لها كاتب، وروي عن أبي العالية: كتباً جمعكتاب، وجمع اعتباراً بالنوازل أيضاً. وقرأ الجمهور: فرهان، جمع رهن نحو: كعب وكعاب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: فرهن،بضم الراء والهاء. وروي عنهما تسكين الهاء. وقرأ بكل واحدة منهما جماعة غيرهما، فقيل: هو جمع رهان، ورهان جمع رهن،قاله الكسائي، والفراء. وجمع الجمع لا يطرد عند سيبويه، وقيل: هو جمع رهن، كسقف، ومن قرأ بسكون الهاء فهو تخفيفمن رهن، وهي لغة في هذا الباب، نحو: كتب في كتب، واختاره أبو عمرو بن العلاء وغيره، وقال أبو عمروبن العلاء: لا أعرف الرهان إلاَّ في الخيل لا غير، وقال يونس: الرهن والرهان عربيان، والرهن في الرهن أكثر، والرهانفي الخيل أكثر. انتهى. وجمع فعل على فعل قليل، ومما جاء فيه: رهن قول الأعشى:آليت لا يعطيه من أبنائنا رهناً فيفسدهم كرهن أفسدا وقال بكسر: رهن، على أقل العدد لم أعلمه جاء، وقياسه: أفعل، فكأنهماستغنوا بالكثير عن القليل. انتهى. والظاهر من قوله: مقبوضة، اشتراط القبض. وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وقبض وكيله،وإما قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال الجمهور به وقال عطاء، وقتادة، والحكم، وابن أبي ليلى: ليس بقبض، فإنوقع الرهن بالإيجاب والقبول، ولم يقع القبض، فالظاهر من الآية أنه لا يصح إلاَّ بالقبض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة،وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن، فالقبض عند مالك شرط في كمال فائدته، وعندأبي حنيفة والشافعي شرط في صحته، وأجمعوا على أنه لا يتم إلاَّ بالقبض. واختلفوا في استمراره، فقال مالك: إذاردّه بعارية أو غيرها بطل وقال أبو حنيفة: إن ردّه بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: يبطل برجوعه إلىيد الراهن مطلقاً. والظاهر من اشتراط القبض أن يكون المرهون ذاتاً متقومّة يصح بيعها وشراؤها، ويتهيأ فيها القبض أوالتخلية. فقال الجمهور: لا يجوز رهن ما في الذمّة. وقالت المالكية: يجوز، وقال الجمهور: لا يصح رهن الغرر، مثل: العبدالآبق، والبعير الشارد، والأجنة في بطون أمّهاتها، والسمك في الماء، والثمرة قبل بدو صلاحها وقال مالك: لا بأس بذلك.واختلفوا في رهن المشاع، فقال مالك، والشافعي: يصح فيما يقسم وفيما لا يقسم. وقال أبو حنيفة: لا يصح مطلقاً. وقالالحسن بن صالح: يجوز فيما لا يقسم، ولا يجوز فيما يقسم. ومعنى: على سفر، أي: مسافرين، وقد تقدّم الكلامعلى مثله في آية الصيام. ويحتمل قوله: ولم تجدوا، أن يكون معطوفاً على فعل الشرط، فتكون الجملة في موضعجزم، ويحتمل أن تكون الواو للحال، فتكون الجملة في موضع نصب. ويحتمل أن يكون معطوفاً على خبر كان، فتكون الجملةفي موضع نصب، لأن المعطوف على الخبر خبر، وارتفاع: فرهان، على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فالوثيقة رهان مقبوضة.{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ } أي: إن وثق رب الدين بأمانة الغريم، فدفع إليه ماله بغيركتاب ولا إشهاد ولا رهن، فليؤدّ الغريم أمانته، أي ما ائتمنه عليه رب المال وقرأ أبيّ: فإن أومن، رباعيا مبنياًللمفعول، أي: آمنه الناس، هكذا نقل هذه القراءة عن أبيّ الزمخشري، وقال السجاوندي: وقرأ أبيّ: فإن ائتمن، افتعل من الأمن،أي: وثق بلا وثيقة صك، ولا رهن. والضمير في: أمانته، يحتمل أن يعود إلى رب الدين، ويحتمل أن يعودإلى الذي اؤتمن. والأمانة: هو مصدر أطلق على الشيء الذي في الذمّة، ويحتمل أن يراد به نفس المصدر، ويكون علىحذف مضاف، أي: فليؤدّ دين أمانته. واللام في: فليؤدّ، للأمر، وهو للوجوب. وأجمعوا على وجوب أداء الديون، وثبوت حكم الحاكمبه وجبره الغرماء عليه، ويجوز إبدال همزة: فليؤدّ، واواً نحو: يوجل ويوخر ويواخذ، لضمة ما قبلها. وروى أبو بكرعن عاصم: الذي اؤتمن، برفع الألف، ويشير بالضمة إلى الهمزة. قال ابن مجاهد: وهذه الترجمة غلط. وروي سليم عن حمزةإشمام الهمزة الضم، وفي الإشارة والإشمام المذكورين نظر. وقرأ ابن محيصن، وورش بإبدال الهمزة ياء، كما أبدلت في بئروذئب، وأصل هذا الفعل: أؤتمن، بهمزتين: الأولى همزة الوصل، وهي مضمومة. والثاني: فالكلمة، وهي ساكنة، فتبدل هذه واواً لضمة ماقبلها، ولاستثقال اجتماع الهمزتين، فإذا اتصلت الكلمة بما قبلها رجعت الواو إلى أصلها من الهمزة، لزوال ما أوجب إبدالها. وهيهمزة الوصل، فإذا كان قبلها كسرة جاز، إبدالها ياءً لذلك. وقرأ عاصم في شاذه: اللذتمن، بإدغام التاء المبدلة منالهمزة قياساً على: اتسر، في الافتعال من اليسر قال الزمخشري: وليس بصحيح، لأن التاء منقلبة عن الهمزة في حكم الهمزة،واتزر عامّي، وكذلك ريّا في رؤيا. انتهى. كلامه. وما ذكر الزمخشري فيه أنه ليس بصحيح، وأن اترز عامي يعني:أنه من إحداث العامّة، لا أصل له في اللغة، قد ذكره غيره، أن بعضهم أبدل وأدغم، فقال: اتمن واتزر، وذكرأن ذلك لغة رديئة. وأما قوله: وكذلك ريّا في رؤيا، فهذا التشبيه إما أن يعود إلى قوله: واترز عامي، فيكونإدغام ريّاً عامياً. وإما أن يعود إلى قوله: فليس بصحيح، أي: وكذلك إدغام: ريا، ليس بصحيح. وقد حكى الإدغام فيريا الكسائي. {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } أي عذاب الله في أداء ما ائتمنه رب المال، وجمع بين قوله: اللهربه، تأكيداً الأمر التقوى في أداء الدين كما جمعهما في قوله: {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } فأمر بالتقوى حين الإقراربالحق، وحين أداء ما لزمه من الدين، فاكتنفه الأمر بالتقوى حين الأخذ وحين الوفاء. {وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ } هذانهي تحريم، ألا ترى إلى الوعيد لمن كتمها؟ وموضع النهي حيث يخاف الشاهد ضياع الحق. وقال ابن عباس: على الشاهدأن يشهد حيث ما استشهد، ويخبر حيث ما استخبر. ولا تقل: أخبر بها عن الأمير، بل أخبره بها لعله يرجعويرعوي. وقرأ السملي: ولا يكتموا، بالياء على الغيبة. {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } كتم الشهادة هو إخفاؤهابالامتناع من أدائها، والكتم من معاصي القلب، لأن الشهادة علم قام بالقلب، فلذلك علق الإثم به. وهو من التعبير بالبعضعن الكل: إلا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ وآكد، ألا ترى أنك تقول: أبصرته عيني؟ وسمعته أذني؟ ووعاه قلبي؟ فأسندالإثم إلى القلب إذ هو متعلق الإثم، ومكان اقترافه، وعنه يترجم اللسان. ولئلا يظنّ أن الكتمان من الآثام المتعلقة باللسانفقط، وأفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تتشعب منها، لو خشع قلبه لخشعت جوارحه. وقراءةالجمهور: آثم، اسم فاعل من: أثم قلبه، و: قلبه، مرفوع به على الفاعلية، و: آثم، خبر: إن، وجوّز الزمخشري أنيكون: آثم، خبراً مقدّماً، و: قلبه، مبتدأ. والجملة في موضع خبر: إن، وهذا الوجه لا يجيزه الكوفيون. وقال ابنعطية: ويجوز أن يكون يعني: آثم ابتداء وقلبه فاعل يسدّ مسدّ الخبر، والجملة خبر إن. انتهى. وهذا لا يصح علىمذهب سيبويه وجمهور البصريين، لأن اسم الفاعل لم يعتمد على أداة نفي ولا أداة استفهام، نحو: أقائم الزيدان؟ وأقائم الزيدون؟وما قائم الزيدان؟ لكنه يجوز على مذهب أبي الحسن، إذ يجيز: قائم الزيدان؟ فيرفع الزيدان باسم الفاعل دون اعتماد علىأداة نفي ولا استفهام. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون: قلبه، بدلاً على بدل بعض من كل، يعنى: أن يكونبـ لا من الضمير المرفوع المستكن في: آثم، والإعراب الأول هو الوجه. وقرأ قوم: قلبَه، بالنصب، ونسبها ابن عطيةإلى ابن أبي عبلة. وقال: قال مكي: هو على التفسير يعنى التمييز، ثم ضعف من أجل أنه معرفة. والكوفيون يجيزونمجيء التمييز معرفة. وقد خرجه بعضهم على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به، نحو قولهم: مررت برجل حسن وجهه ومثلهما أنشد الكسائي رحمه الله تعالى:أنعتها إني من نعاتها مدارة الأخفاف مجمراتها غلب الدفار وعفر يناتها وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين جائز، وعلى مذهب المبرد ممنوع، وعلىمذهب سيبويه جائز في الشعر لا في الكلام، ويجوز أن ينتصب على البدل من اسم إن بدل بعض من كل،ولا مبالاة بالفصل بين البدل والمبدل منه بالخبر، لأن ذلك جائز. وقد فصلوا بالخبر بين الصفة والموصوف، نحو: زيد منطلقالعاقل، نص عليه سيبويه، مع أن العامل في النعت والمنعوت واحد، فأحرى في البدل، لأن الأصح أن العامل فيه هوغير العامل في المبدل منه. ونقل الزمخشري وغيره: أن ابن أبي عبلة قرأ: أثم قلبه، بفتح الهمزة والثاء والميموتشديد الثاء، جعله فعلاً ماضياً. وقلبه بفتح الباء نصباً على المفعول بأثم، أي: جعله آثماً. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} بما تعملون عام في جميع الأعمال، فيدخل فيها كتمان الشهادة وأداؤها على وجهها. وفي الجملة توعد شديد لكاتم الشهادة،لأن علمه بها يترتب عليه المجازاة، وإن كان لفظ العلم يعم الوعد والوعيد. وقرأ السلمي: بما يعملون، بالياء جرياًعلى قراءته، و: لا يكتموا، بالياء على الغيبة. وقد تضمنت هذه الآية من ضروب الفصاحة. التجنيس المغاير فيقوله: إذا تداينتم بدين، وفي قوله: وليكتب بينكم كاتب. وفي قوله: ولا يأب كاتب أن يكتب. وفي قوله: ويعلمكم اللهوالله بكل شيء عليم. وفي قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم. وفي قوله: أؤتمن أمانته. والتجنيس المماثل في قوله: ولاتكتموا الشهادة ومن يكتمها. والتأكيد في قوله: تداينتم بدين، وفي قوله: وليكتب بينكم كاتب، إذ يفهم من قوله: تداينتم،قوله: بدين، ومن قوله: فليكتب، قوله: كاتب. والطباق في قوله: أن تضل إحداهما فتذكر، لأن الضلال هنا بمعنى النسيان.وفي قوله: صغيراً أو كبيراً. والتشبيه في قوله: أن يكتب كما علمه الله. والاختصاص في قوله: كاتب بالعدل.وفي قوله: فليملل وليه بالعدل، وفي قوله: أقسط عند الله وأقوم للشهادة. وفي قوله: تجارة حاضرة تديرونها بينكم. والتكرارفي قوله: فاكتبوه وليكتب، وأن يكتب كما علمه الله، فليكتب، ولا يأب كاتب، وفي قوله: فليملل الذي عليه الحق، فإنكان الذي عليه الحق. كرر الحق للدّعاء إلى اتباعه، وأتى بلفظة على للإعلام أن لصاحب الحق مقالاً واستعلاء، وفي قوله:أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. وفي قوله: واتقوا الله، ويعلمكم الله، والله. والحذف في قوله: يا أيها الذينآمنوا، حذف متعلق الإيمان. وفي قوله: مسمى، أي بينكم فليكتب الكاتب، أن يكتب الكتاب كما علمه الله الكتابة والخط، فليكتبكتاب الذي عليه الحق ما عليه من الدين، وليتق الله ربه في املائه سفيهاً في الرأي أو ضعيفاً في البينة،أو لا يستطيع أن يمل هو لخرس أو بكم فليملل الدين وليه على الكاتب، واستشهدوا إذا تعاملتم من رجالكم المعينينللشهادة المرضيين، فرجل مرضي وامرأتان مرضيتان من الشهداء المرضيين فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة، ولا يأب الشهداء من تحمل الشهادة أومن أدائها عند الحاكم إذا ما دعوا أي دعائهم صاحب الحق للتحمل، أو للأداء إلى أجله المضروب بينكم، ذلكم الكتابأقسط وأقوم للشهادة المرضية أن لا ترتابوا في الشهادة تديرونها بينكم، ولا تحتاجون إلى الكتب والإشهاد فيها، وأشهدوا إذا تبايعتمشاهدين، أو رجلاً وامرأتين، ولا يضارّ كاتب ولا شهيد أي صاحب الحق، أو: لا يضار صاحب الحق كاتباً ولا شهيداً،ثم حذف وبنى للمفعول، وأن تفعلوا الضرر، واتقوا عذاب الله، ويعلمكم الله الصواب، وإن كنتم على سبيل سفر ولم تجدواكاتباً يتوثق بكتابته، فالوثيقة رهن أمن بعضكم بعضاً، فأعطاه مالاً بلا إشهاد ولا رهن أمانته من غير حيف ولا مطل،وليتق عذاب الله، ولا تكتموا الشهادة عن طالبها. وتلوين الخطاب، وهو الانتقال من الحضور إلى الغيبة، في قوله: فاكتبوه،وليكتب، ومن الغيبة إلى الحضور في قوله: ولا يأب كاتب، وأشهدوا. ثم انتقل إلى الغيبة بقوله: ولا يضار، ثم إلىالحضور بقوله: ولا تكمتوا الشهادة، ثم إلى الغيبة بقوله: ومن يكتمها، ثم إلى الحضور بقوله: بما تعملون. والعدول منفاعل إلى فعيل، في قوله: شهيدين، ولا يضار كاتب ولا شهيد. والتقديم والتأخير في قوله: فليكتب، وليملل، أو الإملال،بتقديم الكتابة قبل، ومن ذلك: ممن ترضون من الشهداء، التقدير واستشهدوا ممن ترضون، ومنه وأشهدوا إذا تبايعتم. انتهى مالخصناه مما ذكر في هذه الآية. من أنواع الفصاحة. وفيها من التأكيد في حفظ الأموال في المعاملات ما لا يخفي:من الأمر بالكتابة للمتداينين، ومن الأمر للكاتب بالكتابة بالعدل، ومن النهي عن الامتناع من الكتابة، ومن أمره ثانياً بالكتابة، ومنالأمر لمن عليه الحق بالإملال إن أمكن، أو لوليه إن لم يمكنه، ومن الأمر بالاستشهاد، ومن الاحتياط في من يشهدوفي وصفه، ومن النهي للشهود عن الامتناع من الشهادة إذا ما دعوا إليها، ومن النهي عن الملل في كتابة الدينوإن كان حقيراً، ومن الثناء على الضبط بالكتابة، ومن الأمر بالإشهاد عند التبايع، ومن النهي للكاتب والشاهد عن ضرار منيشهد له ويكتب، ومن التنبيه على أن الضرار في مثل هذا هو فسوق، ومن الأمر بالتقوى، ومن الإذكار بنعمة التعلم،ومن التهديد بعد ذلك، ومن الاستيثاق في السفر وعدم الكاتب بالرهن المقبوض، ومن الأمر بأداء أمانة من لم يستوثق بكاتبوشاهد ورهن، ومن الأمر لمن استوثق بتقوى الله المانعة من الإخلال بالأمانة، ومن النهي عن كتم الشهادة، ومن التنبيه علىأن كاتمها مرتكب الإثم، ومن التهديد آخرها بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فانظر إلى هذه المبالغة والتأكيد في حفظالأموال وصيانتها عن الضياع، وقد قرنها رسول الله ﷺ بالنفوس والدماء، فقال: من قتل دون ماله فهو شهيد . وقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم . ولصيانتها والمنع من إضاعتها، ومن التبذير فيها كان حجر الإفلاس، وحجر الجنون،وحجر الصغر، وحجر الرق، وحجر المرض، وحجر الإرتداد. {للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ } قال الشعبي،وعكرمة: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها، ورواه مجاهد ومقسم عن ابن عباس، قال مقاتل، والواقدي: نزلت فيمن يتولى الكافرين منالمؤمنين. ومناسبتها ظاهرة، لأنه لما ذكر أن من كتم الشهادة فإن قلبه آثم، ذكر ما انطوى عليه الضمير، فكتمةأو أبداه، فإن الله يحاسبه به، ففيه وعيد وتهديد لمن كتم الشهادة، ولما علق الإثم بالقلب ذكر هنا الأنفس، فقال:{وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } وناسب ذكر هذه الآية خاتمة لهذه السورة لأنه تعالى ضمنها أكثر علمالأصول والفروع من: دلائل التوحيد، والنبوّة، والمعاد، والصلاة، والزكاة، والقصاص، والصوم، والحج، والجهاد، والحيض، والطلاق، والعدّة، والخلع، والإيلاء، والرضاعة، والربا،والبيع، وكيفية المداينة. فناسب تكليفه إيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السموات وما في الأرض، فهويلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تعبداته وتكليفاته. ولما كانت هذه التكاليف محل اعتقادها إنما هو الأنفس،وما تنطوي عليه من النيات، وثواب ملتزمها وعقاب تاركها إنما يظهر في الدار الآخرة، نبه على صفة العلم التي بهاتقع المحاسبة في الدار الآخررة بقوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } فصفة الملك تدلعلى القدرة الباهرة، وذكر المحاسبة يدل على العلم المحيط بالجليل والحقير، فحصل بذكر هذين الوصفين غاية الوعد للمطيعين، وغاية الوعيدللعاصين. والظاهر في: اللام، أنها للملك، وكان ملكاً له لأنه تعالى هو المنشيء له، الخالق. وقيل: المعنى لله تدبيرما في السموات وما في الأرض، وخص السموات والأرض لأنها أعظم ما يرى من المخلوقات، وقدم السموات لعظمها، وجاء بلفظ:ما، تغليباً لما لا يعقل على من يعقل، لأن الغالب فيما حوته إنما هو جماد وحيوان، لا يعقل، وأجناس ذلككثيرة. وأما العاقل فأجناسه قليلة إذ هي ثلاثة: إنس وجنّ وملائكة. {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمبِهِ ٱللَّهُ } ظاهر: ما، العموم، والمعنى: أن الحالتين من الإخفاء والإبداء بالنسبة إليه تعالى سواء، وإنما يتصف بكونه إبداءوإخفاء بالنسبة إلى المخلوقين لا إليه تعالى، لأن علمه ليس ناشئاً عن وجود الأشياء، بل هو سابق بعلم الأشياء قبلالإيجاد، وبعد الإيجاد، وبعد الإعدام. بخلاف علم المخلوق، فإنه لا يعلم الشيء إلاَّ بعد إيجاده، فعلمه محدث. وقد خصص هذاالعموم فقال ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، واختاره ابن جرير: هو في معنى الشهادة أعلم في هذه الآية أن الكاتم لهاالمخفي ما في نفسه محاسب، وقيل: من الاحتيال للربا، وقال مجاهد: من الشك واليقين، ومما يدل على أن الله تعالىيؤاخذ بما تجن القلوب، قوله: { وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ } . وبعد فإن المحبة والإرادة والعلموالجهل أفعال القلب وهي من أعظم أفعال العباد وقال القاضي عبد الجبار بين أن أفعال القلوب كأفعال الجوارح في أنالوعيد يتناولها، ويعني ما يلزم إظهاره إذا خفي، وما يلزم كتماته إذا ظهر مما يتعلق به الحقوق، ولم يرد بذلكما يخطر بالقلب مما قد رفع فيه المأثم. انتهى كلامه. وإلى ما يهجس في النفس أشار، والله أعلم رسول اللهﷺ بقوله: إن الله تعالى تجاوز لأمتى ما حدّثت به أنفسها ولم تعمل به وتكلم وقال: إن تظهروا العمل أو تسروه . وقال أبو علي: يحاسب عباده على ما يخفون من أعمالهم وعلى ما يبدونه، فيغفر للمستحقويعذب المستحق ودلت على أن الثواب والعقاب يستحقان بالعزم وسائر أفعال القلوب إذا كانت طاعة أو معصية. وقال الزمخشري:من السوء وهذا حسن لأنه جاء بعد ذلك ذكر الغفران والتعذيب، لكن ذيل ذلك الزمخشري بقوله: فيغفر لمن يشاء، لمناستوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه، أو أضمر. ويعذب من يشاء من استوجب العقوبة بالإصرار. انتهى. وهذه نزعة إعتزالية، وأهلالسنة يقولون: إن الغفران قد يكون من الله تعالى لمن مات مصرّاً على المعصية ولم يتب، فهو في المشيئة، إنشاء غفر له وإن شاء عذبه { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } .ثم قال الزمخشري: ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان الوسواس، وحديث النفس، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه،ولكن ما اعتقده وعزم عليه. وعن عبد الله بن عمر، أنه تلاها فقال: لئن أخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكىحتى سمع نشجه، فذكر لابن عباس فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد، فنزل:{لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } انتهى كلامه. وقال ابن عطية: في أنفسكم، يقتضي قوّة اللفظ أنه ماتقرر في النفس واعتقد واستصحب الفكر فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلاَّ على تجوز. انتهى.وقال بعضهم: إن هذه الآية مسنوخة بقوله: {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } وينبغي أن يجعل هذا تخصيصاًإذا قلنا: إن الوسوسة والهواجس مندرجة تحت ما في قوله: {مَا فِي أَنفُسِكُمْ } والأصح أنها محكمة، وأنه تعالى يحاسبهمعلى ما علموا وما لم يعملوا مما ثبت في نفوسهم ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، وقيل:العذاب الذي يكون جزاء للخواطر هو مصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها وروي هذا المعنى عن عائشة. ولما كان اللفظمما يمكن أن يدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، فبين الله ما أراد بها وخصصها، ونص على حكمه أنه لا يكلفنفساً إلاَّ وسعها، والخواطر ليس دفعها في الوسع، وكان في هذا فرجهم وكشف كربهم. والآية خبر، والنسخ لا يدخلالأخبار، وانجزم: يحاسبكم، على أنه جواب الشرط، وقيل: عبر عن العلم بالمحاسبة إذ من جملة تفاسير الحسيب: العالم، فالمعنى: أنهيعلم ما في السرائر والضمائر، وقيل: الجزاء مشروط بالمشيئة أو بعدم المحاسبة، ويكون التقدير: يحاسبكم إن شاء أو يحاسبكم إنلم يسمح. وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويزيد، ويعقوب، وسهل: فيغفر لمن يشاء ويعذب، بالرفع فيهما على القطع، ويجوز علىوجهين: أحدهما: أن يجعل الفعل خبر مبتدأ محذوف. والآخر: أن يعطف جملة من فعل وفاعل على تقدّم وقرأ باقي السبعةبالجزم عطفاً على الجواب وقرأ ابن عباس، والأعرج، وأبو حيوة بالنصب فيهما على إضمار: أن، فينسبك منها مع ما بعدهامصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم من الحساب، تقديره: يكن محاسبة فمغفرة وتعذيب، وهذه الأوجه قد جاءت في قول الشاعر:فان يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش يروى بجزم: ونأخذ، ورفعه ونصبه وقرأ الجعفي، وخلاد، وطلحة بن مصرف: يغفر لمنيشاء، ويروى أنها كذلك في مصحف عبد الله. قال ابن جني: هي على البدل من: يحاسبكم، فهي تفسير للمحاسبة. انتهى.وليس بتفسير، بل هما مترتبان على المحاسبة، ومثال الجزم على البدل من الجزاء قوله { وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ } . وقال الزمخشري: ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأن التفصيل أوضح من المفصل، فهو جار مجرىبدل البعض من الكل، أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه. وأحب زيداً عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعهفي الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. انتهى كلامه. وفيه بعض مناقشة. أولاً: فلقوله: ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب،وليس الغفران والعذاب تفصيلاً لجملة الحساب، لأن الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها، بحيث لا يشذ شيء منها، والغفرانوالعذاب مترتبان على المحاسبة، فليست المحاسبة تفصل الغفران والعذاب. وأما الثانية: فلقوله بعد ان ذكر بدل البعض والكل: وبدلالاشتمال هذا البدل وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. أما بدل الاشتمال فهو يمكن، وقد جاء لأن الفعل بماهو يدل على الجنس يكون تحته أنواع يشتمل عليها، ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس، وأمابدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل، إذ الفعل لا يقبل التجزيء، فلا يقال في الفعل: له كل وبعضإلاَّ بمجاز بعيد، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل بالنسبة لله تعالى، إذ الباري تعالىواحد فلا ينقسم ولا يتبعض. قال الزمخشري، وقد ذكر قراءة الجزم: فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟. قلت: يظهرالراء ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطىء خطأً فاحشاً، وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرتين، لأنه يلحن وينسبإلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبطقلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. انتهى كلامه. وذلك على عادته في الطعن على القراء. وأماما ذكر أن مدغم الراء في اللام لا حن مخطىء خطأً فاحشاً إلى آخره، فهذه مسألة اختلف فيها النحويون، فذهبالخليل، وسيبويه وأصحابه: إلى أنه لا يجوز إدغام الراء في اللام من أجل التكرير الذي فيها، ولا في النون قالأبو سعيد. ولا نعلم أحداً خالفه إلاَّ يعقوب الحضرمي، وإلاَّ ما روي عن أبي عمرو، وأنه كان يدغم الراء فياللام متحركة متحركاً ما قبلها، نحو: { يَغْفِرُ لِمَن }

{ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ }

{ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ } فإن سكن ما قبلالراء أدغمها في اللام في موضع الضم والكسر، نحو { ٱلانْهَـٰرُ لَهُمْ } و { ٱلنَّارِلِيَجْزِىَ } فإن انفتحت وكان ما قبلهاحرف مد ولين أو غيره لم يدغم نحو { مِن مّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ }

{ ٱلاْبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ }

{ وَلَنْ تَبُورَ لِيُوَفّيَهُمْ }

{ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } فإن سكنت الراء أدغمها في اللام بلا خلاف عنه إلاَّ ما روي أحمد بن جبيربلا خلاف عنه، عن اليزيدي، عنه: أنه أظهرها، وذلك إذا قرأ بإظهار المثلين، والمتقاربين المتحركين لا غير، على أن المعمولفي مذهبه بالوجهين جميعاً على الإدغام نحو {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } انتهى. وأجاز ذلك الكسائي والفراء وحكياه سماعاً، ووافقهما على سماعهرواية وإجازة أبو جعفر الرواسي، وهو إمام من أئمة اللغة والعربية من الكوفيين، وقد وافقهم أبو عمرو على الإدغام روايةوإجازة، كما ذكرناه، وتابعه يعقوب كما ذكرناه، وذلك من رواية الوليد بن حسان. والإدغام وجه من القياس، ذكرناه في كتاب(التكميل لشرح التسهيل) من تأليفنا، وقد اعتمد بعض أصحابنا على أن ما روي عن القراء من الإدغام الذي منعه البصريونيكون ذلك إخفاءً لا إدغاماً، وذلك لا يجوز أن يعتقد في القراء أنهم غلطوا، وما ضبطوا، ولا فرقوا بين الإخفاءوالإدغام، وعقد هذا الرجل باباً قال: هذا باب يذكر فيه ما أدغمت القراء مما ذكر أنه لا يجوز إدغامه، وهذالا ينبغي، فإن لسان العرب ليس محصوراً فيما نقله البصريون فقط، والقراءات لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه، بلالقراء من الكوفيين يكادون يكونون مثل قراء البصرة، وقد اتفق على نقل إدغام الراء في اللام كبير البصريين ورأسهم: أبوعمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي. وكبراء أهل الكوفة: الرواسي، والكسائي، والفراء، وأجازوه ورووه عن العرب، فوجب قبوله والرجوع فيه إلىعلمهم ونقلهم، إذ من علم حجة على من لم يعلم. وأما قول الزمخشري: إن راوي ذلك عن أبي عمرومخطىء مرتين، فقد تبين أن ذلك صواب، والذي روي ذلك عنه الرواة، ومنهم: أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحوإمام في القراآت في اللغات. قال النقاش: يغفر لمن ينزع عنه، ويعذب من يشاء إن أقام عليه. وقالالثوري: يغفر لمن يشاء العظيم، ويعذب من يشاء على الصغير. وقد تعلق قوم بهذه الآية في جواز تكليف مالا يطاق، وقالوا: كلفوا أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق. قال ابن عطية: وهذا غير بين، وإنما كان منالخواطر تأويلاً تأوله أصحاب النبي ﷺ، ولم يثبت تكليفاً. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }. لماذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء، عقب ذلك بذكر القدرة، إذ ما ذكر جزء من متعلقات القدرة. {ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَإِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ } سبب نزولها أنه لما نزل: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } الآية أشفقوا منها،ثم تقرر الأمر على أن { قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، فمدحهم الله وأثنى عليهم، وقدّم ذلك بينيدي رفقه بهم، وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر،وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى، كما جرى لبني اسرائيل ضد ذلك من: ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنةوالجلاء، إذ { قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله، أعاذنا الله تعالى من نقمه. انتهى هذا، وهوكلام ابن عطية. وظهر بسبب النزول مناسبة هذه الآية لما قبلها، ولما كان مفتتح هذه السورة بذكر الكتاب المنزل،وأنه هدى للمتقين الموصوفين بما وصفوا به من الإيمان بالغيب، وبما أنزل إلى الرسول وإلى من قبله، كان مختتمها أيضاًموافقاً لمفتتحها. وقد تتبعت أوائل السور المطولة فوجدتها يناسبها أواخرها، بحيث لا يكاد ينخرم منها شيء، وسأبين ذلك إنشاء الله في آخر كل سورة سورة، وذلك من أبدع الفصاحة، حيث يتلاقى آخر الكلام المفرط في الطول بأوله، وهيعادة للعرب في كثير من نظمهم، يكون أحدهم آخذاً في شيء، ثم يستطرد منه إلى شيء آخر، ثم إلى آخر،هكذا طويلاً، ثم يعود إلى ما كان آخذاً فيه أولاً. ومن أمعن النظر في ذلك سهل عليه مناسبة ما يظهرببادىء النظم أنه لا مناسبة له، فبين تعالى في آخر هذه السورة أن أولئك المؤمنين هم أمة محمد صلى اللهعليه وسلم. قال المروزي: {ٱلرَّسُولُ بِمَا } قال الحسن، ومجاهد، وابن سيرين، وابن عباس في رواية: أن هاتين الآيتينلم ينزل بهما جبريل، وسمعهما ﷺ ليلة المعراج بلا واسطة، والبقرة مدنية إلاَّ هاتين الآيتين. وقالابن عباس في رواية أخرى، وابن جبير، والضحاك، وعطاء: إن جبريل نزل عليه بهما بالمدينة، وهي ردّ على من يقول:إن شاء الله في إيمانه، لأن الله تعالى شهد بإيمان المؤمنين، فالشك فيه شك في علم الله تعالى. انتهى كلامه.والألف واللام في: الرسول، هي للعهد، وهو رسولنا محمد ﷺ، وقد كثر في القرآن تسميته منالله بهذا الاسم الشريف، وما أنزل إليه من ربه شامل لجميع ما أنزل إليه من الله تعالى: من العقائد، وأنواعالشرائع، وأقسام الأحكام في القرآن، وفي غيره. آمن بأن ذلك وحي من الله وصل إليه، وقدّم الرسول لأن إيمانه هوالمتقدّم وإيمان المؤمنين متأخر عن إيمانه، إذ هو المتبوع وهم التابعون في ذلك. وروي أن رسول الله صلى اللهعليه وسلم، لما نزلت عليه، قال: «يحق له أن يؤمن». والظاهر أن يكون قوله: والمؤمنون، معطوفاً على قوله: الرسول،ويؤيده قراءة علي، وعبد الله: وآمن المؤمنون، فأظهر الفعل الذي أضمره غيره من القراء، فعلى هذا يكون: كل، لشمول الرسولوالمؤمنين، وجوزوا أن يكون الوقف تم عند قوله: من ربه، ويكون: المؤمنون، مبتدأ، و: كل، مبتدأ ثان لشمول المؤمنين خاصة.و: آمن بالله، جملة في موضع خبر: كل، والجلمة، من: كل وخبره، في موضع خبر المؤمنين، والرابط لهذه الجملة بالمبتدأالأوّل محذوف، وهو ضمير مجرور تقديره: كل منهم آمن، كقولههم: السمن منوان بدرهم، يريدون: منه بدرهم، والإيمان بالله هو: التصديقبه، وبصفاته، ورفض الأصنام، وكل معبود سواه. والإيمان بملائكته هو اعتقاد وجودهم، وأنهم عباد الله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم، والإيمانبكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمنهم كتاب الله، وما أخبر به رسول الله صلى الله عليهوسلم من ذلك، والإيمان برسله هو التصديق بأن الله أرسلهم لعباده. وهذا الترتيب في غاية الفصاحة، لأن الإيمان باللههو المرتبة الأولى، وهي التي يستبد بها العقل إذ وجود الصانع يقربه كل عاقل، والإيمان بملائكته ههي المرتبة الثانية، لأنهمكالوسائط بين الله وعباده، والإيمان بالكتب ههو الوحي الذي يتلقنه الملك من الله، يوصله إلى البشر، هي المرتبة الثالثة، والإيمانبالرسل الذين يقتبسون أنوار الوحي فهم متأخرون في الدرجة عن الكتب، هي المرتبة الرابعة وقد تقدّم الكلام على شيء منهذا الترتيب في قوله: { مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ } وقيل: الكلام في عرفان الحق لذاته، وعرفان الخير للعملبه واستكمال القوة النظرية بالعلم والقوة العملية، بفعل الخيرات، والأولى أشرف، فبدىء بها، وهو: الإيمان المذكور، والثانية هي المشار إليهابقوله {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وقيل: للإنسان مبدأ وحال ومعاد، فالإيمان إشارة إلى المبدأ، و: سمعنا وأطعنا إشارة إلى الحال، و:غفرانك، وما بعده إشارة إلى المعاد. وقرأ حمزة، والكسائي: وكتابه، على التوحيد، وباقي السبعة: وكتبه، على الجمع. فمن وحدأراد كل مكتوب، سمي المفعول بالمصدر، كقولهم: نسج اليمين أي: منسوجه قال أبو علي: معناه أن هذا الإفراد ليس كإفرادالمصادر، وإن أريد بها الكثير، كقوله { وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } ولكنه، كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، نحو: كثرالدينار والدرهم، ومجيئها بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، ومن الإضافة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } وفي الحديث: منعت العراق درهمها وقفيزها . يراد به: الكثير، كما يراد بما فيه لام التعريف. انتهى ملخصاً. ومعناه أن المفرد المحلى بالألفواللام يعم أكثر من المفرد المضاف. وقال الزمخشري: وقرأ ابن عباس: وكتابه، يريد القرآن. أو الجنس، وعنه: الكتاب أكثرمن الكتب. فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟. قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس، والجنسية، قائمة فيوحدان الجنس كلها، لم يخرج منه شيء، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلاَّ ما فيه الجنسية من الجموع. انتهى كلامه.وليس كما ذكر، لأن الجمع إذا أضيف أو دخلته الألف واللام الجنسية صار عاماً، ودلالة العام دلالة على كل فردفرد، فلو قال: أعتقت عبيدي، يشمل ذلك كل عبد عبد، ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد، سواء كانت فيهالألف واللام أم الإضافة، بل لا يذهب إلى العموم في الواحد إلاَّ بقرينة لفظية، كأن يستثني منه، أو يوصف بالجمع،نحو: { إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } و: أهلك الناسَ الدينارُ الصفرُ والدرهمُ البيضُ، أوقرينة معنوية نحو: نية المؤمن أبلغ من علمه، وأقصى حاله أن يكون مثل الجمع العام إذا أربد به العموم، وحملعلى اللفظ في قوله: آمن، فأفرد كقوله { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } . وقرأ يحيـي بن يعمر: وكتبه ورسله،بإسكان التاء والسين، وروي ذلك عن نافع وقرأ الحسن: ورسله، بإسكان السين، وهي رواية عن أبي عمرو وقرأ عبد الله:وكتابه ولقائه ورسله. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } قرأ الجمهور بالنون، وقدره: يقولون لا نفرق، ويجوز أنيكون التقدير: يقول لا نفرق، لأنه يخبر عن نفسه. وعن غيره، فيكون: يقول، على اللفظ، و: يقولون، على المعنى بعدالحمل على اللفظ، وعلى كلا التقديرين فموضع هذا المقدر نصب على الحال، وجوّز الحوفي وغيره أن يكون خبراً بعد خبرلكل. وقرأ ابن جبير، وابن يعمر، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب، ونص رواة أبي عمر: ولا يفرق،بالياء على لفظ: كل. قال هارون: وهي في مصحف أبيّ، وابن مسعود: لا يفرقون، حمل على معنى: كل بعدالحمل على اللفظ، والمعنى: أنهم ليسوا كاليهود والنصارى يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. والمقصود من هذا الكلام إثبات النبوّة، وهوظهور المعجزة على وفق الدعوى فاختصاص بعض دون بعض متناقض، لا ما ادعاه بعضهم من أن المقصود هو عدم التفضيلبينهم، و: أحد، هنا هي المختصة بالنفي، وما أشبهه؟ فهي للعموم، فلذلك دخلت: من، عليها كقوله تعالى: { فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ } والمعنى بين آحادهم قال الشاعر:إذا أمور الناس ديكت دوكا لا يرهبون أحداً رأوكاً قال بعضهم: وأحد، قيل: إنه بمعنى جميع، والتقدير: بين جميع رسله، ويبعد عندي هذا التقدير، لأنه لا ينافيكونهم مفرقين بين بعض الرسل. والمقصود بالنفي وهذا، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل، بل البعض، وهومحمد ﷺ، فثبت أن التأويل الذي ذكره باطل، بل معنى الآية: لا يفرق أحد من رسله وبينغيره في النبوّة. انتهى. وفيه بعض تلخيص. ولا يعني من فسرها: بجميع، أو قال: هي في معنى الجميع، إلا أنهيريد بها العموم نحو: ما قام أحد، أي: ما قام فرد فرد من الرجال، مثلاً، ولا فرد فرد من النساء،لا أنه نفي القيام عن الجميع، فيثبت لبعض، ويحتمل عندي أن يكون مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير:لا يفرق بين أحد من رسله وبين أحد، فيكون أحد هنا بمعنى واحد، لا أنه اللفظ الموضوع للعموم في النفي.ومن حذف المعطوف: سرابيل تقيكم الحر أي والبرد وقول الشاعر:فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل أي: بين الخير وبيني، فحذف، وبيني، لدلالة المعنى عليه. {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي:سمعنا قولك وأطعنا أمرك، ولا يراد مجرد السماع، بل القبول والإجابة. وقدم: سمعنا، على: وأطعنا، لأن التكليف طريقه السمع، والطاعةبعده، وينبغي للمؤمن أن يكون قائلاً هذا دهره. {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } أي: من التقصير في حقك، أو لأن عبادتنا،وإن كانت في نهاية الكمال، فهي بالنسبة إلى جلالك تقصير. {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } إقرار بالمعاد. أي: وإلى جزائك المرجع،وانتصاب: غفرانك، على المصدر، وهو من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمراً، التقدير عند سيبويه: إغفر لنا غفرانك، قال السجاوندي:ونسبه ابن عطية للزجاج، وقال الزمخشري: غفرانك منصوب بإضمار فعله، يقال: غفرانك لاكفرانك، أي: نستغفرك ولانكفرك. فعلى التقدير الأول: الجملةطلبية، وعلى الثاني: خبرية. واضطرب قول ابن عصفور فيه، فمرة قال: هو منصوب بفعل يجوز إظهاره، ومرة قال: هومنصوب يلتزم إضماره. وعدّه مع: سبحان الله، واخواتها. وأجاز بعضهم انتصابه على المفعول به، أي: نطلب، أو: نسأل غفرانك. وجوّزبعضهم الرفع فيه على أن يكون مبتدأ، أي: غفرانك بغيتنا. والمصير: اسم مصدر من صار يصير، وهو مبني على:مفعل، بكسر العين، وقد اختلف النحويون في بناء المفعل مما عينه ياء نحو: يبيت، ويعش، ويحيض، ويقيل، ويصير، فذهب بعضهمإلى أنه كالصحيح، نحو: يضرب، يكون للمصدر بالفتح، وللمكان والزمان نحو: { وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } أي: عيشا، فيكون: المحيض بمعنىالحيض، والمصير بمعنى الصيرورة، على هذا شاذاً. وذهب بعضهم إلى التخيير في المصدر بين أن تبنيه على مفعِل بكسر العين،أو: مفعَل بفتحها، وأما الزمان والمكان فبالكسر. ذهب إلى ذلك الزجاج، ورده عليه أبو عليّ، وذهب بعضهم إلى الاقتصار علىالسماع، فحيث بنت العرب المصدر على مفعِل أو مفعَل اتبعناه، وهذا المذهب أحوط. {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}ظاهره أنه استئناف، خبر من الله تعالى أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلاَّ ما هوفي وسع المكلف، ومقتضى إدراكه وبنيته، وانجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله: {إِن تُبْدُواْ } الآية، وظهرتأويل من يقول: إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق، وهذه الآية نظير. { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ }

{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ }

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } . وقال الزمخشري: أي مايكلفها إلاَّ ما يتسع فيه طوقها، ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبار عن عدله ورحمته، لقوله { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثرمن الشهر، ويحج أكثر من حجة. وقيل: هذا من كلام الرسول والمؤمنين، أي: وقالوا {لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} والمعنى: أنهم لما قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } قالوا: كيف لا نسمع ذلك، ولا نطيع؟ وهو تعالى لا يكلفنا إلاَّما في وسعنا؟ والوسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان. وانتصابه على أنه مفعول ثانليكلف وقال ابن عطية: يكلف، يتعدّى إلى مفعولين. أحدهما محذوف تقديره: عبادة أو شيئاً. انتهى. فإن عنى أن أصله كذا،فهو صحيح، لأن قوله: إلاَّ وسعها، استثناء مفرغ من المفعول الثاني، وإن عنى أنه محذوف في الصناعة، فليس كذلك. بلالثاني هو وسعها، نحو: ما أعطيت زيداً إلاَّ درهماً، ونحو: ما ضربت إلاَّ زيداً. هذا في الصناعة هو المفعول، وإنكان أصله: ما أعطيت زيداً شيئاً إلاَّ درهماً. و: ما ضربت أحداً إلاَّ زيداً. وقرأ ابن أبي عبلة: {إِلاَّوُسْعَهَا } جعله فعلاً ماضياً. وأولوه على إضمار: ما، الموصولة، وعلى هذا يكون الموصول المفعول الثاني ليكلف، كما أن وسعهافي قراءة الجمهور هو المفعول الثاني، وفيه ضعف من حيث حذف الموصول دون أن يدل عليه موصول آخر يقابله، كقولحسان:فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء أي: ومن ينصره، فحذف: من، لدلالة: من،المتقدّمة. وينبغي أن لا يقاس حذف الموصول، لأنه وصلته كالجزء الواحد، ويجوز أن يكون مفعول: يكلف، الثاني محذوفاً، لفهم المعنى،ويكون: وسعها، جملة في موضع الحال، التقدير: لا يكلف الله نفساً شيئاً إلاَّ وسعها، أي: وقد وسعها، وهذا التقدير أولىمن حذف الموصول. قال ابن عطية: وهذا يشير إلى قراءة ابن أبي عبلة، فيه تجوز لأنه مقلوب، وكان وجهاللفظ: إلاَّ وسعته. كما قال: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }

{ وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً } ولكن يجيء هذا من باب:أدخلت القلنسوة في رأسي، وفمي في الحجر. انتهى. وتكلم ابن عطية هنا في تكليف ما لا يطاق، وهي مسألةيبحث فيها في أصول الدين، والذي يدل عليه ظاهر الآية أنه غير واقع. {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}. أي: ما كسبت من الحسنات واكتسبت من السيئات، قاله السدي، وجماعة المفسرين، لا خلاف في ذلك. والخواطر ليست منكسب الإنسان، والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والإكتساب واحد، والقرآن ناطق بذلك. قال الله تعالى { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } وقال: { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } وقال: { بَلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيئَةً } وقال: { بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ } . ومنهم من فرق فقال: الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسب لنفسهولغيره، والاكتساب لا يكون إلاَّ لنفسه. يقال: كاسب أهله، ولا يقال: مكتسب أهله قال الشاعر:ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة وقال الزمخشري: ينفعها ما كسبت من خير، ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ غيرها بذنبها ولا يثاب غيرها بطاعتها.فإن قلت لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب. قلت: في الاكتساب إعتمال، فاما كان الشر مما تشتهيه النفس،وهي منجذبة إليه، وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن كذلك في بابالخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. انتهى كلامه. وقال ابن عطية: وكرر فعل الكسب، فخالف بين التصريفحسناً لنمط الكلام، كما قال: { فَمَهّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هيمما تكتسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف فيأمرها خرق حجاب نهى الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين احترازاً لهذا المعنى. انتهى كلامه. وحصلمن كلام الزمخشري، وابن عطية: أن الشر والسيئات فيها اعتمال، لكن الزمخشري قال: إن سبب الاعتمال هو اشتهاء النفس وانجذابهاإلى ما تريده، وابن عطية قال: إن سبب ذلك هو أنه متكلف، خرق حجاب نهي الله تعالى، فهو لا يأتيالمعصية إلاَّ بتكلف، ونحا السجاوندي قريباً من منحى ابن عطية، وقال: الافتعال الالتزام، وشره يلزمه، والخير يشرك فيه غيره بالهدايةوالشفاعة. والافتعال. الإنكماش، والنفس تنكمش في الشر انتهى. وجاء: في الخير، باللام لأنه مما يفرح به ويسرّ، فأضيف إلىملكه. وجاء: في الشر، بعلى من حيث هو أوزار وأثقال، فجعلت قد علته وصار تحتها، يحملها. وهذا كما تقول ليمال وعلى دين. {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } هذا على إضمار القول، أي: قولوا في دعائكم:ربنا لا تؤاخذنا، والدعاء مخّ العبادة، إذ الداعي يشاهد نفسه في مقام الحاجة والذلة والافتقار، ويشاهد ربه بعين الاستغناء والإفضال،فلذلك ختمت هذه الصورة بالدعاء والتضرع، وافتتحت كل جملة منها بقولهم: ربنا، إيذاناً منهم بأنهم يرغبون من ربهم الذي هومربيهم، ومصلح أحوالهم، ولأنهم مقرون بأنهم مربوبون داخلون تحت رق العبودية والافتقار، ولم يأت لفظ: ربنا، في الجمل الطلبية أخيراًلأنها نتائج ما تقدّم من الجمل التي دعوا فيها: بربنا، وجاءت مقابلة كل جملة من الثلاث السوابق جملة، فقابل {لاَتُؤَاخِذْنَا } بقوله {وَٱعْفُ عَنَّا } وقابل {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا }. بقوله: {وَٱغْفِرْ لَنَا } وقابل قوله {وَلاَ تُحَمّلْنَامَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } بقوله: {وَٱرْحَمْنَا } لأن من آثار عدم المؤاخذة بالنسيان والخطأ العفو، ومن آثار عدمحمل الإصر عليهم المغفرة، ومن آثار عدم تكليف ما لا يطاق الرحمة. ومعنى: المؤاخذة، العاقبة. وفاعل هنا بمعنى الفعلالمجرد، نحو: أخذ، لقوله: { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } وهو أحد المعاني التي جاءت لها فاعل، وقيل: جاء بلفظ المفاعلة، وهوفعل واحد، لأن المسيء قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله، فصار من يعاقب تذنبه كالمعين لنفسه في إيذائها،وقيل إنه تعالى يأخذ المذنب بالعقوبة، والمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والتكرم، إذ لا يجد من يخلصه من عذابالله إلاَّ هو تعالى، فلذلك يتمسك العبد عند الخوف منه به، فعبر عن كل واحد بلفظ المؤاخذة والنسيان الذي هو:عدم الذكر، والخطأ موضوعان عن المكلف لا يؤاخذ بهما، فقال عطاء: نسينا: جهلنا، وأخطأنا: تعمدنا، وقال قطرب، والطبري: نسينا تركنا،وأخطأنا. قال الطبري: قصدنا. وقال قطرب: أخطأنا في التأويل. قال الأصمعي: يقال أخطأ: سها وخطىء تعمد قال الشاعر:والناس يلحون الأمير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد ومن المفسرين من حمل النسيان هنا والأخطاء علىظاهرهما، وهما اللذان لا يؤاخذ المكلف بهما، وتجوّز عنهما إن صدرامنه، وإياه أجاز الزمخشري في آخر كلامه في هذه الآية،واختاره ابن عطية قال الزمخشري: ذكر النيسان والخطأ والمراد بهما ما هما منسيان عنه من التفريط والإغفال ألا ترى إلىقوله { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ } ؟ والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس، فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منهالنسيان، ولأنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلاَّ على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاءبذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما منهم سبب مؤاخذةإلاَّ الخطأ والنسيان، ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله، لاستدامته والاعتداد بالنعمةفيه. انتهى كلامه. قال ابن عطية ذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو فيالنسيان الغالب والخطأ عن المقصود، وهذا هو الصحيح. قال قتادة في تفسير الآية: بلغني أن النبي عليه السلام قال:«إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطئها» وقال السدي: لما نزلت هذه الآية تغالوا قال جبريل للنبي صلى الله عليهوسلم: قد فعل الله ذلك يا محمد. فظاهر قوليهما، يعني قتادة والسدي ما صححته. وذلك أن المؤمنين لما كشفعنهم ما خافوه في قوله تعالى: {يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقةالإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ. انتهى كلامه. وقيل: النسيان فيه ومنه ما لا يعذر فالأول، كنسيان النجاسة فيالثوب بعد العلم بها، فمثل هذا هو المطلوب عدم المؤاخذة به، وهو ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب الذكر،وقيل: هذا دعاء على سبيل التقدير، فكأنهم قالوا: إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذ به، وقيل: المؤاخذةبه غير ممتنعة عقلاً، وذلك أن الإنسان إذا علم أنه مؤاخذ به استدام التذكر، فحينئذ لا يصدر عنه إلاَّ استدامةالتذكر، وذلك فعل شاق على النفس، فحسن الدعاء بترك المؤاخذة به. وقد استدل بهذه الآية على جواز تكليف مالا يطاق، وقيل: في الآية دليل على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأن حمل النسيان والخطأ على ما لا يؤاخذ بهقبيح طلبه والدعاء به، فتعين أن يحمل على ما كان فيه العمد إلى المعصية، فيكون النسيان ترك الفعل، والخطأ الفعل.وقد أمر تعالى المؤمنين بطلب عدم المؤاخذة بهما، فهو أمر منه لهم أن يطلبوا منه أن لا يعذبهم على المعاصي،وهذا دليل على إعطائه إياهم هذا المطلوب. {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا }قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والربيع، وابن زيد: الإصر: العهد والميثاق الغليظ وقال ابن زيد أيضاً: الإصر:الذنب الذي لا كفارة فيه ولا توبة منه وقال مالك: الإصر: الأمر الغليظ الصعب وقال عطاء: الإصر: المسخ قردة وخنازير،وقيل: الإثم. حكاه ثعلب. وقيل: فرض يصعب أداؤه، وقيل: تعجيل العقوبة. روي ذلك عن قتادة. وقال الزجاج: محنة تفتننا كالقتلوالجرح في بني اسرائيل، والجعل لمن يكفر سقفاً من فضة. وقال الزمخشري: العبء الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه مكانه لايستقل به، استعير للتكليف الشاق من نحو: قتل النفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك. انتهى. قالالقفال: من نظر في السفر الخامس منالتوراة التي يدعيها هؤلاء اليهود، وقف على ما أخذ عليهم من غليظ العهود والمواثيق،ورأى الأعاجيب الكثيرة. وقرأ أبيّ: ولا تحمل، بالتشديد، و: آصاراً، بالجمع. وروي عن عاصم أنه قرأ: أصراً، بضم الهمزة.و: الذين من قبلنا، المراد به اليهود. وقال الضحاك: والنصارى. {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }قال قتادة: لا تشدّد علينا كما شدّدت على من كان قبلنا وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.وقال نحوه ابن زيد. وقال ابن جريج: لا تمسخنا قردة وخنازير، وقال مكحول، وسلام بن سابور: الذي لا طاقة لنابه الغلمة، وحكاه النقاش عن مجاهد، وعطاء، ومكحول. وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه. وأعوذ بك من غلمةليس لها عدّة. وقال النخعي: الحب. وقال محمد بن عبد الوهاب: العشق، وقيل: القطيعة. وقيل: شماتة الأعداء. روى وهب أنأيوب، على نبينا وعليه السلام، قيل له: ما كان أشق عليك في بلائك: قال شماتة الأعداء قال الشاعر:أشمت بي الأعداء حين هجرتني والموت دون شماتة الأعداء وقال السدّي: التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيلمن التحريم. وقيل: عذاب النار. وقيل: وساوس النفس. وينبغي أن تحمل هذه التفاسير على أنها على سبيل التمثيل، لاعلى سبيل تخصيص العموم. و: ما، في، قوله {مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } عامّ، وهذا أعمّ من الذيقبله في الآية، لأنه قال في تلك: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } فشبهالإصر بالإصر الذي حمله على من قبلهم، وهنا سألوا أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، وهو أعم منالإصر السابق لتخصيصه بالتشبيه. وعموم هذا، والتشديد في: ولا تحملنا، للتعدية. وفي قراءة أبيّ في قوله: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} للتكثير في حمل: كجرحت زيداً وجرّحته، وقيل: ما لا طاقة لنا به من العقوبات النازلة بمن قبلنا، طلبوا أوّلاًأن يعفيهم من التكاليف الشاقة بقوله: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } ثم ثانياً طلبوا أن يعفيهم عما نزل على أولئكمن العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. انتهى. والطاقة القدرة على الشيء، وهي مصدر جاء على غير قياس المصادر،والقياس طاقة، فهو نحو: جابة، من أجاب، و: غارة، من أغار. في ألفاظ سمعت لا يقاس عليها. فلا يقال: أطالطالة، وهذا يحتمل وجهين. أحدهما: أن يعني بما لا طاقة، ما لا قدرة لهم عليه ألبتة، وليس في وسعهم،وهو المعنى الذي وقع فيه الخلاف. والثاني: أن يعني بالطاقة ما فيه المشقة الفادحة، وإن كان مستطاعاً حملها.فبالمعنى الأول يرجع إلى العقوبات. وما أشبهها. وبالمعنى الثاني يرجع إلى التكاليف قال ابن الأنباري: المعنى لا تحملنا حملاً يثقلعلينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه. خاطب العرب على حسب ما يعقل فإن الرجل منهم يقولللرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليه، وهو مطيق للنظر إليه لكنه يثقل عليه، ومثله { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } .{وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا }تقدّم تفسير العفو والغفران والرحمة، طلبوا العفو وهو الصفح عن الذنب: وإسقاط العقاب، ثم سترهعليهم صوناً لهم من عذاب التخجيل، لأن العفو عن الشيء لا يقتضي ستره فيقال: عفا عنه إذا وقفه على الذنبثم أسقط عنه عقوبة ذلك الذنب، فسألوا الإسقاط للعقوبة أولاً لأنه الأهم، إذ فيه التعذيب الجسماني والنعيم الروحاني بتجلى البارىءتعالى لهم وقال الراغب: العفو إزالة الذنب بترك عقوبته، والغفران ستر الذنب وإظهار الإحسان بدله، فكأنه جمع بين تغطية ذنبه،وكشف الإحسان الذي غطى به. والرحمة إفاضة الإحسان إليه، فالثاني أبلغ من الأول، والثالث أبلغ من الثاني. انتهى. وقيل: واعفعنا من المسخ، واغفر لنا عن الخسف من القذف، وقيل: اعف عنا من الأفعال، واغفر لنا من الأقوال، وارحمنا بثقلالميزان. وقيل: واعف عنا في سكرات الموت، واغفر لنا في ظلمة القبر، وارحمنا في أهوال يوم القيامة. وكل هذه الأقوالتخصيصات لا دليل عليها. {أَنتَ مَوْلَـٰنَا } المولى مفعل من ولي يلي، يكون للمصدر والزمان والمكان. أما إذا أريدبه مالك التدبير والتصريف في وجوه الضر والنفع، أو السيد، أو الناصر، أو ابن العم أو غير ذلك من محامله،فأصله المصدر، سمي به وغلبت عليه الإسمية، ووليته العوامل. {فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أدخل الفاء إيذاناً بالسببية. لأنكونه تعالى مولاهم، ومالك تدبيرهم، وأمرهم، ينشأ عن ذلك النصرة لهم على أعدائهم، كما تقول: أنت الشجاع فقاتل، وأنت الكريمفجد عليّ. أي: أظهرنا عليهم بما تحدث في قلوبنا من الجرأة والقوّة، وفي قلوبهم من الخور والجبن. وتضمنت هذهالآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء، منها: الطباق في {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } والطباق المعنويفي: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } لأن: لها، إشارة إلى ما يحصل به نفع، و: عليها، إشارة إلىما يحصل به ضرر. والتكرار في قوله: {وَمَا فِى ٱلاْرْضِ } كرر: ما، تنبيهاً وتوكيداً. وفي قوله: {بَيْنَ أَحَدٍ مّنرُّسُلِهِ } وفي قوله: ما كسبت وما اكتسبت. إذا قلنا إنهما بمعنى واحد، إذ كان يعني: لها ما كسبت. والتجنيسالمغاير في: {مِن * وَٱلْمُؤْمِنُونَ }. والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم.