بحر الروم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Arwikify.svg هذا الكتاب أو المقطع بحاجة إلى إعادة كتابة وتنسيق باستخدام صيغ الويكي، وإضافة وصلات. الرجاء إعادة الصياغة بشكل يتماشى مع دليل تنسيق المقالات. بإمكانك إزالة هذه الرسالة بعد عمل التعديلات اللازمة.


اسم الكتاب: بحر الروم (رواية)

المؤلف: د. أيمن زهري

الناشر: د. أيمن زهري

رقم الايداع: 2008/5330

الترقيم الدولي: ISBN 977-17-5503

قالت تسافر يا فتي

وتفارق الوجه الحسن

فأجبتها في لوعة

والقلب يعلوه الشجن

هم المعيشة فرقت

بين الأحبة والوطن...

يوسف الشربيني


(1)[عدل]

إتّشحت القرية بالسواد وعم بيوتها الحزن، فقد فُقِدَ أربعة من شبابها، ولا أقول من خيرة شبابها، لأن الجميع يشتركون في هم واحد وفي حزن كبير، فقد ضاقت بهم سبل العيش، وتقطعت بهم أسبابه، إلا من فئة قليلة من الأُسَر التي إستطاعت الفكاك من برائن العوز والفاقة بعد أن تمكنت من الوصول إلى الفردوس الأوروبي من خلال بعض أبنائها الذين إستطاعوا أن يشدوا الرحال، فيهاجروا هجرة تسمى "غير شرعية" إلى بلاد أوروبا، فشبعوا من بعد جوع، وإغتنوا من بعد فقر، وتزوجوا من بعد رهبنة فرضتها عليهم ظروفهم الاقتصادية الضنكة، وزرعوا في الأرض الزراعية أعمدة خرسانية وبروج مشيدة زانوها بألوان العلم الإيطالي.

بعيداً عن هذه القلة القليلة تستقبل القرية اليوم النبأ والفاجعة الكبرى التي حلت بهذه القرية الوادعة في أحضان الدلتا ، فقد فقدت القرية أربعة من أبنائها في عرض البحر أثناء محاولتهم الهروب إلى إيطاليا إنطلاقا من مدينة زوارة الليبية ولا يدرون إذا ما كانوا قد إستقروا في أحشاء أسماك البحر المتوحشة، أم أن الامواج العاتية المضطرمة قد قذفت بأجسادهم إلى الشاطئ، لا يدرون إن كانوا على قيد الحياة أو رحلوا عن دنيانا للأبد. لطمت النساء الخدود وتعالت صيحات العجائز، وكان أملهم الوحيد إن قُضي أبناؤهم أن يروا رفاتهم وأن تحتضنهم مقابر هذه القرية الطيبة. عمّ الخبر القرية وعمّ الحزن جميع بيوتها، لا يدرون ما يفعلون، ذهب من ذهب إلى وزارة الخارجية، وذهب البعض إلى وزارة الداخلية، يسألون عن أبنائهم المفقودين، طال بهم الإنتظار وظلوا على هذا الحال أياما وأيام، وتوجه بعضهم إلى ليبيا على أمل الوصول إلى الخبر اليقين.

فقدت القرية في هذه الواقعة أربعة من أبنائها، تم العثور على جثث ثلاثة منهم بينما أكلت أسماك بحر الروم رابعهم، وعاد مع الجثث صابر، الناجي الوحيد من أبناء قريته. خرجت القرية عن بكرة أبيها في موكب مهيب لوداع من رحلوا إلى مثواهم الأخير في مقابر القرية المجاورة لخط السكة الحديد، حتى النساء شاركن في وداع أبناء القرية وقد علا صراخهن ونواحهن. على الرغم من أنه لم يتم العثور على جثة سعيد عطية إلا أن أسرته قد خرجت في وداع جسامين من لفظهم البحر وكأنه عزاءً لهم في إبنهم الذي إلتهمته أسماك البحر المتوحشة. وكان سعيد عطية قد ترك زوجته وأولاده وأمه القعيدة التي ألحت عليه بعدم السفر ، سافر سعيد بحثا عن لقمة العيش والاستقرار وبدء حياة جديدة، ولكن قدره قد شاء له أن يحيا حياة أبدية في العالم الآخر وأن تحيا أسرته تكتوي بنار فراقه المرة، وتكتوي بنار فقدان رفاته مرات ومرات.

حيث أنني قد قابلت صابر – الناجي الوحيد – في أحد المسوح الميدانية التي أجريتها بصفتي أحد الباحثين في مجال الهجرة، وبخاصة الهجرة غير الشرعية والتي تسمى أيضا هجرة غير قانونية وأحيانا هجرة سرية، وجدت أنه من واجبي الذهاب تأدية واجب ومقابلة صابر، وربما أيضا لتهنئته بالنجاة من هذا الحادث الاليم وأيضا لكي أشد من أزره. طوال الطريق من مدخل القرية المكلومة إلى سرادق العزاء الجماعي الذي أقامته القرية، يستشعر المرء مدى معاناة هذه القرية ومنازلها البائسة التى خيم عليها الفقر وضيق الحال إلا من بعض البنايات الحديثة ذات الألوان المبهجة التي شيدها من إستطاعوا الهجرة إلى الشاطئ الآخر من بحر الروم. وصلت إلى سرادق العزاء وكان كتاب الله يتلى وقد إصطف أكثر من خمسين رجل يتقبلون العزاء، سلمت عليهم جميعا وإصطحبني أحدهم إلى موضع داخل السرادق الكبير حيث جلست أستمع لآيات الذكر الحكيم وأتفرس الوجوه المكلومة الشاحبة الذاهلة، علني أجد صابر.

قرأ القارئ ما تيسر له من الذكر الحكيم وبدأت فترة استراحة قصيرة ظللت فيها شاردا ساهما أبحث عن صابر بلا جدوى. إنتهت فترة الاستراحة وعاد القارئ إلى قراءة آيات الذكر الحكيم وأنا شارد مشتت النظرات حتى وصل القارئ إلى الاية الكريمة في سورة لقمان حيث يقول المولى سبحانه وتعإلى (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وما تدري نفس بِأَيِّ أَرْضٍ تموت) فإذا بالسراق تغشوه السكينة ويسيل الدمع الحارق على وجوه الرجال الذين جُبلوا على عدم البكاء الذي يعتبر من شيم النساء في مجتمعاتنا. بعد إنتهاء التلاوة، خرجت من السرادق وسلمت على الواقفين عند بابه وإبتعدت قليلا ولكني لم أطمئن على صابر على الرغم من علمي بنجاته. وجدت شابا في عمره يتجه إلى السرادق فإستوقفته وسألته عن صابر فأخبرني بأنه مازال محجوزا لدى السلطات الامنية في القاهرة لاستكمال التحقيق وأنه من المنتظر الافراج عنه خلال أسبوع كما سمع من أحد أقاربه. أخرجت من جيبي ورقة بها إسمي وأرقام هاتفي وكتبت على ظهرها رسالة إلى صابر بأن يقوم بالإتصال بي عندما يعود، وأعطيتها لهذا الشاب لتوصيلها له عندما يعود للقرية وعدت من حيث أتيت.

بعد عدة أيام وبعد أن كدت أن أنسى هذا الموضوع، تلقيت إتصالا هاتفيا من صابر يشكرني فيه على السؤال عليه ويدعوني إلى العشاء في بيتهم مساء الجمعة القادم حيث يقيم والده مأدبة بمناسبة عودة إبنه. ونظرا لحالة الحزن السائدة في القرية فقد قرر والده أن يقتصر هذا اللقاء على قراءة القرأن وتقديم وجبة العشاء للزائرين. قبلت الدعوة وذهبت إلى بلدة صابر، وقد إستنكفت أن آخذ معي علبة شيكولاتة كما أفعل دائما في هذه المناسبات، فإشتريت قفصا من فاكهة الموسم من أحد الباعة في طريقي إلى قريتهم وأخذته معي كعادة أهل الريف في مصر. قابلني صابر وأسرته بالود والترحاب وشكروني على قبول دعوتهم وبدأ المقرئ في تلاوة بعض من آيات الذكر الحكيم، ثم تناول الحضور وجبة العشاء. إختليت بصابر وطلبت منه أن يحكي لي بعضا مما عاناه خلال تلك الرحلة، فأجابني بأن ما لاقاه من متاعب وأهوال خلال رحلته هذه لا يمكن أن يحكيه في سويعات قليلة، وأنني إذا كنت أرغب في معرفة حقيقة ما جرى له خلال رحلة البحث عن اليورو فلابد لي أن أزوره مرة أخرى، بل ربما مرات أخرى. إتفقنا على موعد اللقاء القادم على أن أحضر للبلدة يوم الجمعة القادم حيث نصلي صلاة الجمعة سويا في مسجد القرية ثم نتناول ما تيسر من طعام الغذاء، وبعد ذلك نذهب إلى مكان بعيد بين المنازل والأرض الزراعية حيث توجد شجرة جميز كبيرة كان صابر يحب اللعب مع أقرانه تحتها في أيام الصبا. وافقت على عرض صابر وحضرت في الموعد المحدد وبدأت أستمع إليه وهو يروي قصته، وفي حقيقة الأمر لم أكن أتخيل أن ما حكاه لى صابر يمكن أن أصيغه في قالب روائي، بل كان جُل أملي أن يساعدني ذلك في مجال عملي كباحث في مجال الهجرة، إلا أنني أحسست بعد أن إستمعت إلى حكايات صابر أن مناهج البحث العلمي قد لا تعينني في بلورة معاناته، فإتجهت إلى الرواية ... والان كما نقول في المؤتمرات العلمية عندما نقدم الباحثين للحديث عن أعمالهم، الآن "أترك الكلمة لصابر" ......


(2)[عدل]

"لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية ..... دا إحنا قصة "غلبنا" فيها أكتر من حكاية" مع الإعتذار لعبد الحليم حافظ طبعاً. أولا حياتي ليس فيها ما قد يلفت الإنتباه، فلم أكن من المتفوقين علمياً ولا من الكسالى، وأسرتي متوسطة الحال مثل معظم الأسر في قريتنا والقرى المجاورة لها، أو ربما يمكنك أن تقول معدومة الحال، ولكن دائما كما عودتني أمي "مستورة والحمد لله" فكما كنت أسمع منها دائما عندما يسألها أحد عن حالها، كانت تقول "مستورة والحمد لله"، كانت هذه كلمتها دائما على الرغم من أنني كنت أري تدهور حالتنا المادية وهواننا على أنفسنا وعلى الناس وأشعر أنها ليست مستورة كما تقول أمي ،حتى أنني ذات مرة ضقت زرعا بقولها هذا وصحت في وجهها – سامحني الله - قائلا: - مستورة منين يامة دا إحنا لا لاقيين ناكل ولا نشرب ولا نلبس زي بقية خلق ربنا. ردت أمي مستنكفة أن أرد عليها هذا الرد وقالت تزجرني: - يا إبني حرام عليك اللى بتقوله دا، إحنا أحسن من ناس كتير، إحمد ربنا، ما حدش بياخد أكتر من نصيبه يا إبني. إنت ح تكفر بنعمة ربنا؟

نشأت في أسرة كبيرة وفي بيت عائلة حيث كان جدي رحمه الله كثير الخلفة كباقي أهل القرية، حيث أنجب أربعة ذكور وأربعة إناث، وكان ما يملكه من متاع الدنيا قطعة أرض صغيرة إستطاع من خلالها أن يربيهم جميعا ويزوجهم، وكان أبي – ربما لانه الأصغر سنا – أكثر حظاً من إخوته، فهو الوحيد الذي تعلم حتى أتم المرحلة الإبتدائية، وهو الوحيد بين إخوته الذي يستطيع القراءة والكتابة. بعد وفاة جدي، تفتت أملاكه البسيطة على أبنائه حتى أن نصيب أبي من الاض لم يتجاوز القراريط الأربعة. وما أن رحل جدي عن عالمنا حتى كثرت المشاكل بين نساء المنزل وشعر الجميع بأن "رمانة الميزان" قد إنكسرت – يقصدون جدي الذي كان يجمعهم حوله – فما كان من الأبناء إلا أن ينفصلوا. ولما كان البيت لا يتحمل الأعداد الوفيرة من الأجيال الجديدة – وكنت منهم – فقد إضطر أبي إلى بيع نصف ما يملك من الأرض لبناء بيت مستقل. هذا البيت الذي لم يتمكن حتى الآن من إكماله أو حتى إستكمال السقف بالحديد المسلح.

كما قلت لك، كان أبي أكثر حظاً من إخوته، فقد إستطاع الحصول على وظيفة في ديوان مديرية الشئون الاجتماعية بالمحافظة، طبعا الوظيفة عامل أو ما يطلق عليه مجازاً "فراش أو ساعي". يستيقظ أبي مبكرا، يتوضأ ويصلي الفجر ثم تعد له أمي الافطار ويتبعه بكوب من الشاي و "تعميرة"، ثم يمتطي دراجته في رحلة الذهاب للعمل التى تستغرق في الظروف العادية قرابة نصف الساعة. وكان أبي يذهب في المساء للعمل بإحدى الجمعيات الأهلية لكي يستطيع أن يسدد نفقات تعليمنا، حتى داهمه مرض السكر فإكتفي بالعمل الرسمي في الفترة الصباحية. وقد كانت علاقته طيبة بمن حوله حتى أن كبار الموظفين في المديرية كانوا يجودون علينا ببعض الملابس والأحذية المستعملة التي كنا نتلقاها بفرح شديد وأتعارك مع إخوتي من أجل الإستحواذ عليها، وإن كنا في النهاية نتناوب عليها فيلبسها أحدنا يوما ويلبسها الآخر يوما وهكذا. منذ سنوات قليلة باع أبي ما يملك من الارض – أقصد القيراطين – لكي يزوج أخي الأكبر سعداوي، حيث قام ببناء غرفة له في الناحية القبلية من البيت ولم يتمكن من سقفها بالحديد المسلح وإستعاض عنه بعروق خشبية إشتراها أبي من أحد تجار الهدم الذين يتاجرون في الطوب والحجارة والأخشاب المتخلفة عن هدم البيوت القديمة.

على الرغم من أن أبي وأمي قد رزقا بثلاثة أبناء ذكور، أخي سعداوي وأخي محمد وأنا، وكان الأقارب يحسدونهم على هذه الذرية الذكورية، إلا أن أمي كلما تذكرت ما تم إنفاقه في عرس سعداوي أخي وما نعانيه من البطالة وضيق ذات اليد كثيرا ما تمنت أن تكون خلفتها بناتا فتزوجهم "وترتاح من همهم" كما كانت تقول. على عكس جيل أبي، فقد تعلمنا جميعا، وربما بعد ما عانيناه من البحث عن وظيفة دون جدوى، يمكنني القول أننا ذهبنا للمدارس وحصلنا على شهادات لا تساوي قيمة الورق المطبوعة عليه، فقد حصل أخي سعداوي على دبلوم زراعة، نعم دبلوم زراعة، ومن مفارقات القدر أن يبيع أبي أرضه ليتم زواج إبنه خريج الزراعة، وقد حاول أبي كثيرا أن يجد له وظيفة عن طريق رؤسائه في العمل في أي مكان في الوزارة دون جدوى، وذهب إلى العديد من أعضاء مجلس الشعب والشورى ولكن بلا فائدة تُرجى. أخي محمد إختار الطريق السهل للحصول على شهادة الدبلوم فإلتحق بمدرسة التجارة الثانويةو حصل منها على دبلوم تجارة، وقد سرت أنا على نهجه وحصلت على دبلوم التجارة منذ خمس سنوات. أثناء دراستي الثانوية لم أكن أتوقع أن تكون الحياة مظلمة ظالمة بهذا القدر، لا أقول لك أني كنت أكد وأجتهد في الدراسة حتى أستطيع الحصول على وظيفة مرموقة، فقد كنت أرى خريجي الجامعات وكليات التجارة يفترشون الساحة المقابلة للمسجد الكبير بالقرية كل مساء يتسامرون ويحكون الحكايات والنوادر حتى صلاة الفجر، فإذا نودي للصلاة صلوا وذهبوا إلى بيوتهم ليناموا حتى موعد صلاة الظهر وربما بعده بقليل، فلا عمل ولا مستقبل.

ولا أقول أيضا أنني كنت متفوقا في دراستي، فلم يكن مطلوبا منا أن نتفوق، فالجميع ينظر إلينا بأسى وهم في الحقيقة يعتبروننا طلاب "درجة ثانية" وربما ثالثة بعد طلاب الثانوية العامة. أما الحضور والإنصراف وتحضير الدروس فلم تكن هامة مع هذا الكم المهمل من الطلاب. وربما تسألني، وكيف نجحت؟ أقول لك ببركة دعاء الوالدين أو ربما لأنني وصلت إلى المرحلة الثانوية وأنا أستطيع القراءة والكتابة – على عكس العديد من الطلاب – ولذلك إستطعت أن أكتب ما كان يملى علينا في لجان الإمتحان، وكذلك أستطيع نقل ما يكتب على اللوح إلى ورقة الإجابة. إنتهت مرحلة الدراسة ونجحت وبدأت مرحلة أخرى في حياتي أكثر إيلاماً وأشد عذاباً. كان عليَ أولا أن أنتظر لمدة عام كامل حتى يصيبني الدور لأتقدم لأداء الخدمة العسكرية، فشهادة آداء الخدمة العسكرية بالنسبة لي ولكافة الخريجين أهم من شهادة الدبلوم لأن التعيين بدونها مستحيل، وعلى الرغم أن التعيين بها أيضا شبه مستحيل إلا أن الخدمة العسكرية واجب لابد منه.

أمامي إذن عام طويل ولا أستطيع البقاء في البيت بلا عمل، فانا أدرى بحالة الاسرة ولا أريد أن أزيد من أعبائهم، كما أنني لا أستطيع طلب مصروف من أبي أو أمي بعد أن أتممت دراستي. قررت الرحيل إلى أي مكان سعيا وراء الرزق، وتركت بلدي ومسقط رأسي لأول مرة في حياتي.


(3)[عدل]

كنت قد عرفت من زميلي وإبن قريتي عزت أن له ابن عم يعمل في الإسكندرية، وأنه بصدد الذهاب للعمل معه هناك وعرض علي أن أذهب معه. سألت عن نوع العمل الذي يعمل به محمود – ابن عم عزت – هناك فقال لي أنه يبيع التين الشوكي على كورنيش الاسكندرية، وأنه يتقاضى مبلغ 20 جنيها يوميا من "المعلم" المسئول عنه، وكنت لسذاجتي أحسب أن أي شخص يمكن أن يعمل بمفرده في مثل هذه الحرف التافهة، ولكن يبدو أن كل شيء في المدينة يخضع لتنظيم دقيق لا يترك للفقراء إلا الفتات، وقلت لنفسي " يبدو إن ما فيش تين من غير شوك في الزمان ده". عقدت العزم على الرحيل إلى الاسكندرية وفاتحت والدي ووالدتي في هذا الموضوع، وكما توقعت فقد أشفق علىّ أبي من الغربة و"المرمطة" ولكنه لم يقف أمام إرادتي، وأعطاني ما تيسر له من المال ، وتركت البلد مع عزت إلى الاسكندرية .. عروس البحر.

وصلنا إلى محطة مصر بالاسكندرية في حوالي العاشرة صباحا وكان محمود قد طلب منا الحضور إلى حيث يقيمون قبل العصر لأنهم يبدأون العمل في ذلك التوقيت وأنه من الصعب العثور عليه على الشاطىء، ووجدنا أن أمامنا متسعاً من الوقت قبل الذهاب للبحث عن محمود الذي أعطانا عنوانه. سرنا على الاقدام من محطة القطار بالاسكندرية إلى محطة الرمل ثم وقفنا طويلا نتأمل الشاطىء، إنه شاطىء البحر المتوسط الذي كنا ندرسه في حصة الدراسات الاجتماعية في مرحلة التعليم الأساسي، وعلى البعد شاهدنا قلعة قايتباي وأخذنا نسير بإتجاهها حتى وصلناها ثم عدنا مرة أخرى إلى محطة الترام لكي نتناول طعام الغذاء عند مطعم الفول والفلافل الشهير "محمد أحمد". على الرغم من أننا كنا نمني أنفسنا بوجبة شهية من السمك السكندري اللذيذ إلا أننا آثرنا الفول والفلافل حتى لا نفقد جزءً كبيراً من ثروتنا المتواضعة.

في تمام الثالثة تنبهنا إلى أننا يجب أن نبدأ في البحث عن العنوان الذي نحن بصدد التوجه إليه وهو في منطقة "الضاهرية"، سألنا عن العنوان وتطوع أحد المارة بشرح طريقة الوصول إلى هذا المكان، وكنا كلما إقتربنا من المكان كلما تبخرت صورة الاسكندرية الجميلة وزادت أكوام القمامة إرتفاعاً وظهرت العشوائيات، وخصوصا بعد أن عبرنا خط قطار أبو قير وأصبحنا في غرب المحافظة. قطعنا شوطا كبيرا مشيا على الاقدام وكلما سألنا عن المكان أرشدنا أحد السكان من شارع إلى شارع حتى وصلنا بعد أن تملكنا التعب والاعياء ولم تُجدِ وجبة الفول والفلافل نفعًا مع هذا المشوار الطويل.

أخيرا وصلنا، "تنفست الصعداء" كما يقولون في هذه المواقف، إذن هذا هو المكان الذي يقيم به محمود، المكان يشبه إلى حد كبير الوكالات القديمة ذات الفناء الواسع والاروقة والمخازن على كل جانب وقد إمتلأت ساحة الوكالة بالعربات الخشبية ذات الاطارين التي يستخدمها الباعة الجائلين. تزامن وصولنا للوكالة مع وصول شاحنة ضخمة تحمل أقفاص التين الشوكي وإذا بالشباب يخرجون عن بكرة أبيهم لتفريغ الحمولة ونقلها للداخل. شاهد زميلى عزت ابن عمه محمود بملابس رثة، فنادى عليه فحضر وحيانا تحية فاترة ونصحنا بالابتعاد قليلا حتى يتم تفريغ الحمولة ثم نعود مرة أخرى حتى لا نضطر للمشاركة في تفريغ الحمولة معهم .

عدنا بعد أن تأكدنا من تفريع الحمولة وشاهدنا الشاحنة تنطلق عائدة بعد أن أفرغت حمولتها من التين الشوكي، رحب بنا محمود وهو منهمك وزملائه في تحميل عرباتهم الخشبية بأقفاص التين الشوكي ورجل في منتصف الاربعينات يرتدي جلباباً أبيضاً يحصي أعداد الأقفاص لكل شخص ويقوم بتوزيع المناطق عليهم. ما أن إنتهى "المعلم" – كما كانوا ينادونه - من مهمته أخذنا محمود وتوجهنا إليه وقال له محمود: _ دول ولاد عمي جايين يشتغلوا معانا ، ودول عيال جدعان وأنا أضمنهم. فرد المعلم بلهجة صعيدية حازمة: - إنت عارف ياد يا محمود أنا رادل دَد وما نحبش العيال الطرية. خليهم يروحوا معاك النهار ده ويشوفوا .. لو يقدروا ع الشغل من بكرة ينزلوا ونشوفولهم مطرح يسرحوا فيه. شكرنا المعلم وأخذنا محمود إلى المكان الذي يبيت فيه داخل الوكالة، وكانت رائحة المكان تزكم الانوف حيث ينام أكثر من عشرين شخص في مكان واحد. لما لاحظ محمود تأففنا قال لنا معاتبا: - إحنا ح نتدلع من أولها؟ وعموما يا سيدي معظمنا بينام برة في الهوا لان معانا كمان واحد بلدياتنا الشخير بتاعه وهو نايم يخللي الميت يقوم ثم أردف قائلا: - ولازم كمان تغيروا هدومكم بسرعة علشان نطلع بالعربية قبل الدنيا ما تليّل. ياللا يا أخويا إنت وهو بلاش دلع. قمنا بتغيير ملابسنا "وإستعنا ع الشقا بالله" وأخذنا ندفع العربة الخشبية أمامنا بإتجاه الشاطىء، وقد إستغرقت مسيرتنا أكثر من نصف ساعة، وكلما إقتربنا من الشاطىء توارت خلفنا المناطق العشوائية وتبدّت لنا الإسكندرية الجميلة التي إعتدنا أن نراها في التليفزيون. لم يمنعنا ذلك أنا ورفيقي عزت من التفكير فيما سنلاقيه من أشواك التين في هذه الليلة. توقف صديقنا محمود عند مكانه المحدد على شاطىء الاسكندرية الجميل وطلب منا أن نملأ "صفيحة" الماء لكي نرش التين بالماء حتى يذبل شوكه فيكون أكثر إحتمالا. وبدأ يرص التين فوق العربة ويفرزه بحسب حجمه وبدأت الزبائن تقبل على بضاعتنا وكلما تقدم الوقت زادت الزبائن، وقد أخبرنا محمود أن المعلم له علاقات طيبة مع رجال البلدية وإذا حدث وقاموا بأخذ العربة بما عليها فلا يجب أن نقلق ولكن علينا الاتصال بالمعلم حتى يعيد العربة في صباح اليوم التالي. إنتهينا من بيع معظم ما معنا من التين وقد تجاوزت عقارب الساعة الثانية من بعد منتصف الليل وعدنا إلى الوكالة حيث وجدنا المعلم بإنتظارنا لتحصيل الايراد.

قبل الفجر بقليل إرتميت على حصير في ركن من أركان الساحة الكبيرة ولم أشعر بنفسي إلا بعد ظهر اليوم التالي حيث كان لزاما علىّ أن أعد نفسي ليوم عمل جديد أعتمد فيه على نفسي إعتمادا كلياً. استمر عملي مع محمود وعزت حتى نهاية موسم التين الشوكي وبداية دخول المدارس بعد أن إستطعت إدخار مبلغ معقول من المال، فعدت إلى قريتنا ووضعت المبلغ كاملا بين يدي أبي. ومكثت في القرية قرابة الشهر قبل أن أبحث عن عمل آخر.


(4)[عدل]

بعد أن أمضيت الصيف بالاسكندرية، قررت أن أقضي الشتاء بالقاهرة. ذهبت مع أحد زملاء الدراسة للعمل في شركة توزيع حيث عملت مندوب مبيعات في منطقة الجيزة و كان عملي يتطلب السفر لتسليم البضاعة التي يطلبها العملاء عن طريق التليفون. وخلال عملي بالقاهرة أقمت مع زملائي في شقة مملوكة للشركة التي كنت أعمل بها و كان معظم الزملاء من محافظات الصعيد. إستمريت في هذا العمل لمدة ثلاثة شهور ولكن بعد هذه الفترة وجدت ان العائد من هذا العمل لا يتناسب مع الجهد الذي أبذله لان الراتب الشهري كان 180 جنيها بالاضافة الي حوافز مبيعات بسيطة جدا، ولكن طبيعة العمل كانت مرهقة و لم أستطع ان أوفر اي مبلغ من المال خلال فترة الأشهر الثلاثة التي قضيتها في هذا العمل.

إنتقلت بعد ذلك للعمل في منطقة دار السلام في محل حلواني يملكه ويديره أحد أبناء قريتنا، وكان كل من يعملون في هذا المحل من نفس القرية وقد اعد لنا صاحب العمل مكانا للسكن بجوار المحل عبارة عن غرفة في الدور الارضي ننام فيها جميعا - خمسة اشخاص - و كان أجري اليومي سبعة جنيهات، و تركت العمل بعد فترة قصيرة نظرا لقله العائد. بعد أن تركت العمل في هذا المكان و في اثناء زيارتي للقرية قابلت أحد الاشخاص و اخبرني بأنه قد إفتتح مصنعا صغيرا للمبات الكهربائية و يريد عمالاً من القرية للعمل معه فعدت إلي القاهرة مرة اخري للعمل في هذا المصنع الكائن بالمنطقة الصناعية بمدينة السادس من أكتوبر. كان العمل بسيطا فعندما ذهبت الي المصنع و تعرفت علي العمل وجدت ان العمل ليس إلا تجميع لمكونات اللمبات الواردة من الصين. بالنسبة للاإقامة كان هناك مكان لإقامة العمال في نفس المصنع كما كان المصنع يقدم لنا وجبات الغذاء، لكن المشكلة كانت أن المصنع كان بعيداً جداً عن المناطق السكنية فكنت أشعر وكأنني في سجن، وخصوصا أن المصنع كان يعمل ورديةً واحدة، أما بالنسبة للدخل فقد كان 220 جنيه شهريا بالإضافة إلي الحوافز و البدلات. إستمريت في هذا العمل لمدة سبعة أشهر ثم تركته لقله العائد و شعوري الشديد بالملل و عدت إلي قريتي ومكث هناك فترة وجيزة ثم عدت مرة أخري للعمل مع بعض أصدقائي في أحد المطاعم بمنطقة فيصل بالجيزة مقابل 11 جنيه يوميا و كنت أقيم مع مجموعة من العاملين من نفس البلدة في غرفة قريبة من محل العمل وكان عددنا ثلاثة عشر فرداً في غرفة واحدة، ولكن نظراً لإختلاف ساعات عملنا كانت نسبة الإشغال في الغرفة دائما أقل من هذا العدد.

في هذه الاثناء حصلت على إعفاءٍ من الخدمة العسكرية وأصبح بإمكاني أن أفكر في السفر للخارج بعد أن مللت من التنقل بين هذه الأعمال التي لا أستطيع ان اوفر منها اي شيء حيث أنني لم أستطع أن أدخر مليماً واحداً، صحيح أنني ساعدت إخوتي وأبي و إشتريت بعض الملابس لهم و لكن هذا لا يكفي .. أريد عملا ثابتا و اريد الزواج و الحياة المستقرة، والعمل في القاهرة لن يوفر لي ذلك علي الإطلاق .. السفر الي القاهرة يمكن ان يحل المشكلة بصورة مؤقتة و لكن لا يصلح بالمرة لبدء حياة مستقرة ولا يمكن الإعتماد عليه في الأجل الطويل، هذا ما إنتهيت إليه من تجربة العمل في الإسكندرية والقاهرة. إذن لابد من السفر للخارج، ولكن إلى أين، لقد سدت الأبواب في وجه العمالة المصرية في الخليج وأصبح الحصول على عقد عمل في هذه الدول شبه مستحيل. أبناء قريتنا والقرى المجاورة إتجهوا شمالاً نحو دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً إيطاليا، حيث إستطاع المئات من هؤلاء الشباب السفر إلى إيطاليا سواء عن طريق تأشيرات "شنجن" السياحية ثم يبقون هناك بعد إنتهاء مدة التأشيرة أو عن طريق السفر إلى ليبيا ومنها عبر البحر إلى إيطاليا.

وعلى الرغم مما كنا نسمعه عن القبض على بعض هؤلاء الشباب وإعادتهم إلى مصر أو غرق بعضهم في البحر، إلا أن التجارب الناجحة تدعو الشباب للمغامرة والتضحية حتى بأعمارهم في سبيل الوصول إلى جنة اليورو. حمدي ابن عم عليش الذي كان من معدمي البلد يمتلك الآن فيلا فاخرة وتزوج بنت جميلة من أكبر عائلات القرية. أما الأخ الأصغر لحمدي فقد قام بإنشاء مطحن كبير غربي البلدة من أموال إيطاليا ويمتلك أيضا شاحنتين تعملان في النقل من ميناء دمياط إلى أماكن متفرقة داخل مصر، كل هذا من أموال إيطاليا. أما محروس الذي لم يستطع إتمام دراسة الثانوية العامة والذي ذهب إلى الغردقة للعمل مع خاله في إحدى المنشآت السياحية فقد تزوج من سائحة إيطالية تكبره بعشرين عام وسافر معها إلى ميلانو – بلدة في شمال إيطاليا - وهناك إكتشف أن الأم لديها مصنع كبير ولديها ثلاثة بنات في سن الزواج، ويقول الخبثاء في القرية أن محروس قد أتم دينه على أكمل وجه وبدلاً من الزواج من واحدة فقط فقد حصل على واحدة زائد ثلاثة ويكون بذلك قد أكمل نصابه الشرعي! ويرسل محروس لأبيه ورقة بمائة يورو كل شهر، أما الأخ الأصغر لمحروس فهو يعد نفسه الآن للسفر.

لقد إنتهى وإلى الأبد في قريتنا وفي القرى المجاورة بل في "العِب" كله التفكير في السفر لدول الخليج، وكما يقولون دائما هنا "أن سنة واحدة في أوروبا أبرك من عشر سنين في الخليج"، وبعدين الشغل في أوروبا أحلى وأجمل والمعاملة هناك أفضل بكثير من معاملة دول الخليج الذين يحسبون أنهم إشترونا بمالهم. المهم، هذه الأيام تشعر أن المنطقة كلها لا هم لها إلا التفكير في السفر إلى إيطاليا، لكن المشكلة أن السفر لايطاليا مكلف، طبعا بغض النظر عن إنه ليس قانونيا فهذه مسائل أكبر منا ولا نفكر فيها فنحن لا نسرق ولانقتل، ثم أنني لم أقابل حتى الآن أي شخص من قريتنا أو القرى المجاورة سافر إلى إيطاليا وعاد من هناك لأنه لم يجد عملا.

المشكلة مادية بحتة، سواءً في الرغبة في السفر أو في القدرة أو عدم القدرة على تنفيذ هذه الرغبة. الطريق إلى أوروبا، أو الطريق إلى "جنة اليورو" يبدأ من هنا وينتهي هنا أيضا، في قريتنا والقرى المجاورة لم يهاجر أحد، حتى الذين تزوجوا من أوروبيات عادوا وتركوهم هناك. نحن لا نهاجر، نحن نهجر بلادنا فراراً من مرارة العيش ولكن لا يحلو لنا عيش فيما عداها. هذا ليس شعرا ولا أغنية وطنية، فقد كفرنا بالوطنية "اللي ما تأكّلش عيش حاف" لكن هذه هي الحقيقة، المصري مهما إغترب لابد راجع، حتى ولو كان قد فارق الحياة، فعادة ما يوصي من حوله بدفته في بلده، على الرغم من أن "المشرحة مش ناقصة قتلى" كما يقول المثل المصري. وإذا كنتم في القاهرة تشتكون من أن الأحياء يزاحمون الموتى ويقضون مضاجعهم ويسكنون معهم في مدافنهم، فالمشكلة هنا أكبر، فالأماكن المخصصة للمدافن بجوار خط السكة الحديد لم تعد كافية وبدأ الناس في إستقطاع أجزاء من الأراضي الزراعية المجاورة للمدافن لإنشاء مقابر جديدة .... ألم أقل لك أن "المشرحة مش ناقصة قتلى"، ما علينا، المهم أن رحلة الخروج – ولا أقصد خروج بني إسرائيل من مصر ، ولكن أقصد رحلة خروج بني قريتنا والقرى المجاورة – تتم إما عن طريق الجو – بالطائرة – أو عن طريق البر إلى ليبيا ثم البحر إلى إحدى الجزر الإيطالية. والفقراء أمثإلى لا يستطيعون دفع تكاليف رحلة الجو، ولا حتى رحلة البر والبحر، فتكلفة الحصول على تأشيرة سفر "شنجن" لأي دولة أوروبية مكلفة جدا وتصل إلى سبعين ألف جنيه ولا يفلح في الحصول عليها إلا القليل، وطبعا هذه التأشيرة هي تأشيرة سياحية لبضعة أيام، ثم يذهب صاحبها بعد ذلك إلى حيث يشاء، وبالطبع يتجاوز مدة التأشيرة ربما ببقائه في أوروبا لسنوات عديدة. وقد سمعنا كثيرا أن هذه التأشيرة السياحية يتم الحصول عليها بواسطة الفنانين والفرق الفنية التي تسافر إلى الدول الأوروبية حيث يتم السفر بإعتبار الشخص الذي يتم تهريبه إلى أوروبا عضوا في الفريق الموسيقى او إداري أو مساعد فني.

طريق البر والبحر – أو سمّه على سبيل المجاز طريق البحر – فهو يبدأ بالسفر إلى ليبيا وما أيسره ثم تبدأ رحلة المخاطر عبر ركوب المركب التى ستعبر بك إلى الجنة، أقصد جنة اليورو عبر بحر الروم. اليورو في قريتنا أصبح هو الحلم والأمل والمستقبل، أحلام الشباب تعلقت بإيطاليا، مثلما تعلقت أحلام جيلكم بالخليج وجنة الخليج والدينار والريال والدرهم.  

(5)[عدل]

بعد أن إنتهيت من صلاة العصر في المسجد الكبير بالقرية باغتني جاري علي بالسؤال: - إنت مش رايح النهاردة تقابل السمسار في بيت عم محمد أبو عياد؟ فرددت بسذاجة: - سمسار إيه؟ فرد بحماس واضح: - السمسار اللي بيسفر إيطاليا، ده بيقولوا إنه سفّر ناس كتير من كفر عباس والحلوانية والشمامسة وبلاد كتير في الناحية. وكمان بيقولوا إن شريكه الليبي راجل واصل هناك وعنده معارف كتيرة. فرددت بإنكسار: - والله يا علي إنت عارف إن أملي ومنى عيني أخلص من الهم اللي إحنا فيه ده وربنا يتوب عليا من الشحططة في كل بلد شوية، لكن زي ما إنت عارف العين بصيرة والإيد قصيرة، والسمسار ده يمكن أقل حاجة يطابها ييجي عشرتلاف جنيه، منين يا علي؟ رد عليّ علي: - يا عم إنت ح تقلّب علينا المواجع ليه؟ تعإلى نروح ونسمع، وإن ما عجبناش الكلام، إسمع من هنا وفوّت من هنا، إحنا ح نخسر إيه يعني؟

ذهبنا سويا بعد صلاة المغرب إلى منزل عم محمد أبو عياد وكان السمسار جالسا على مصطبة أمام المنزل وقد تحلّق حوله مجموعة كبيرة من الشباب، ويبدو أننا قد وصلنا متأخرين فسمعنا الرجل يقول: - أنا مش مغسّل وضامن جنة، صحيح أنا ساعدت ناس كتير في البلد وفي الناحية كلها ومنهم ناس كتير أنتم تعرفوهم، أحوالهم دلوقتي ما شاء الله، وبعدين أنا ما إلا وسيط خير، والراجل الليبي اللى بشتغل معاه راجل مسنود وواصل وعمر ما حد يجرؤ يعترض له مركب، لكن ساعات بتصادف إن المركب بتتمسك في البحر بعد ما تكون عدّت حدود ليبيا ودي قسمة ونصيب واللى ربنا رايد له بلقمة طرية بييسرها له. بالنسبة للفلوس إحنا بناخد أقل سعر، خمستاشر ألف جنيه لحد ما تركب المركب ونجهزها لك وبعد كدة إنت ونصيبك، ولما توصل إيطاليا إن شاء الله بالسلامة كل حي يشق طريقه وإيطاليا بقت مليانة مصريين بيشتغلوا في كل حاجة.

سمعت كلام الرجل وإنتابتني غصة في حلقي عندما عرفت أن ثمن الرحلة يمكن أن يكلفني خمسة عشر ألفا من الجنيهات. من أين لي بمبلغ كهذا؟ إن هذا المبلغ يساوي راتب أبي من عمله الحكومي لمدة قد تصل إلى ستة سنوات! لقد عملت في الإسكندرية والقاهرة ولم أوفر حتى ألف جنيه فكيف لي بخمسة عشر الف؟ دارت رأسي ولم أفق إلا على صوت السمسار وهو يقول: - والموبايل بتاعي معاكم واللي يتصل بي يكون مجهز المبلغ وبعد كدة نحدد له ميعاد ونتقابل في ليبيا. طبعا إنتم عارفين إن السفر من هنا لليبيا أسهل من السفر لإسكندرية. واللي عنده أي إستفسار يكلمني ع الموبايل، ويا ريت الكلام ده ما يطلعش برة إنتم عارفين إن البلد مقلوبة اليومين دول والموضوع ده بيعتبر قضية أمن دولة. أمن دولة؟ ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم! أفاقني صوت علي من أحلامي وتأملاتي بقوله: - إيه رأيك يا صابر؟ نويت على إيه؟ فأجبت والحزن بادٍ على وجهي: - والله ما أنا عارف أعمل إيه، يا أخي ما إنت عارف البير وغطاه، ح أجيب منين خمستاشر ألف جنيه؟ فرد عليّ علي بمواساة: - بس إنت إنوي وربك يسهلها، يعني إنت عاجبك الفقر والغُلب اللي إحنا فيه ده. بص إحنا لازم نعمل المشوار ده سوا، أنا ح أكلم أبويا النهاردة وهو لسة بايع تلات عجول تسمين أول إمبارح وقابض قرشين حلوين، ح أحاول أقنعه بالموضوع ده، أما إنت فحاول تكلم أبوك وشوف ح يقولك إيه.

ذهبت إلى البيت وأنا مهموم وقد لعب حلم السفر برأسي وتخيلت أنني سافرت وعدت بأوراق اليورو وأنني إستطعت أن أبني بيتا يليق بالحياة الآدمية وأنني إستطعت مساعدة أخي الأوسط على الزواج وأنني حققت حلم والدي بالسفر لآداء فريضة الحج وأنني وأنني وأنني .... حتى تعثرت قدمي في عتبة الباب وكدت أقع على وجهي لولا أن أمسك أبي بيدي ... نظرت إلى وجهه المملوء بعلامات الرضا والإيمان وأحسست أنني غير قادر على مواجهته بما كنت أفكر فيه، فعقدت العزم على تأجيل هذا الموضوع ليوم الغد. توجهت إلى فراشي دون أن أتناول طعام العشاء وخاصمني النوم حتي سمعت صياح الديكة، قمت من مرقدي وتوضأت وصليت فهدأت نفسي ورحت في سبات عميق.


(6)[عدل]

في اليوم التالي عقدت العزم على أن أفاتح والدي في موضوع السفر إلى إيطاليا من خلال هذا السمسار. بعد صلاة العصر جلس أبي على المصطبة أمام منزلنا وأعدت له أمي كوبا من الشاي وأحضرت له "الجوزة"، وبينما كان ينفث دخان "الجوزة" الكثيف قلت له: - بقول إيه يا با، أنا عاوز أسافر. فقال لى: - وماله يبني في السفر سبع فوايد، لكن على فين العزم المرة دي؟ مصر ولا إسكندرية؟ فأجبته بأنفاس متهدجة: - لا يابا أنا عاوز أسافر برة. فأجابني بكثير من التشجيع: - وما له يبني ربنا ييسر لك سبل الخير، لكن على فين العزم يا إبني، ليبيا ولا الأردن ولا الخليج؟ فأجبته في عجالة وكانني أردت أن أبوح له بمكنون نفسي بسرعة حتى أعرف رد فعله: - إيطاليا ... إيطاليا يابا رد على أبي بحنان: - ربنا يوفقك يا إبني لكن إزاي؟ ده أنا أسمع إن الواد محمد ابن أبو زهران دفع عشرين ألف جنيه علشان يسافر ، وحمدي هارون اللي كان معاك في المدرسة ساب النقاشة وراح إيطاليا بعد أبوه ما أخذ قرض من بنك القرية ع الحيازة بتاعتهم، وإحنا يا إبني لا زي محمد ابن أبو زهران ولا معانا حيازة ناخد عليها قرض، وإنت يا إبني كل الشغل اللي إشتغلته ما قدرتش توفر منه إلا ألف جنيه. وعلى فكرة عشان تبقى عارف نهار ما إديتني الفلوس دي أنا حطيتها في دفتر توفير في البوستة ووقت ما تعوزها أنا مستعد أسحبها لك لكن دي ح تعمل إيه يا إبني؟ قلت لأبي: - دي فرصتنا الوحيدة يا با علشان نقب على وش الدنيا. تنهدت أمي التي كانت تستمع إلى هذا الحوار وقالت: - يا ضنايا يا إبني، العين بصيرة والإيد قصيرة. قال لي أبي: - ربك يعمل ما فيه الخير، لكن المبلغ اللى ممكن يخليك تعمل حاجة زي كدة فوق طاقتنا يا إبني، عموما إديني فرصة يومين كدة أفكر والتساهيل على الله، العبد في التفكير والرب في التدبير يا ولدي.

بالإضافة إلى المبلغ الذي إدخره أبي لي وهو ألف جنيه، باع أبي خروفا كان يعده للفدو في عيد الاضحي المبارك بمبلغ خمسمائة جنيه، كما باعت أمي ذهبها، وساهمت زوجة أخي الأكبر بجزء من ذهبها لسداد تكاليف هذه الرحلة، ولكن كل ما إستطعنا جمعه كان خمسة آلاف جنيه. قمت بالإتصال بالسمسار وتواعدت معه على اللقاء وذهبت أنا وأبي لمقابلته بمنزله في إحدى ضواحي الإسكندرية. بعد أن رحب بنا الرجل أطلعناه على حقيقة مركزنا المالي وعرضنا عليه أن يأخذ مبلغ الخمسة آلاف جنيه على أن نكتب له وصولات أمانة بالمبلغ المتبقي ولكنه رفض هذا العرض وأصر على أن نكمل المبلغ نقداً، ومع توسلات أبي رضخ الرجل لمطلبنا ولكن على أن ندفع مبلغ عشرة آلاف جنيه نقداً ونكتب على أنفسنا وصل أمانة بمبلغ خمسة آلاف جنيه، فعدنا إلى القرية محملين بخيبة الأمل. قابلتنا أمي عند مدخل المنزل مستفسرة عما وصلنا إليه: - خير يا حاج؟ خير يا إبني؟ عملتو إيه؟ أجابها أبي بصوت واهن: - الحمد لله، اللي يريده ربنا خير يا حاجة، مالناش نصيب، إعمليلنا كوبايتين شاي وتعميرة يا حاجة.

دخلت أمي البيت وعادت بعد فترة ببراد من الشاي ثم أحضرت "الجوزة" لأبي وبدأنا نحكي لها ما حدث وإصرار الرجل على أن يتقاضى عشرة آلاف جنيه نقداً على الاقل. ألقت أمي قنبلة من العيار الثقيل وربما طوق نجاة لنا في هذا الموقف حيث قالت: - بقول لك إيه يا حاج؟ إنت عارف إن أخويا شلبي عمال يلح عليّ علشان يشتري قراط الارض اللي ورثته عن المرحوم أبويا، والقرشين اللي بيبعتهم لنا كل سنة ما بقوش يشتروا تلاتة كيلو لحمة في الغلا اللي إحنا عايشينه ده. إيه رأيك أدّي له الأرض ونفك بيها الزنقة اللي إحنا فيها دي؟ أجاب أبي بإندهاش: - معقولة يا عديلة؟ تبيعي أرض أبوكي؟ دا إنت كنت بتقولي مستحيل أبيعها حتى لو شلبي أخوك بطل يبعت الريع بتاعها ليوم الدين؟ ردت أمي والدمع يكاد يسيل على وجنتيها الذابلتين: - الولد ولا الأرض يا حاج؟

رحب خالي شلبي بالعرض الذي طالما إنتظره، وتم تثمين الأرض بمبلغ ستة آلاف جنيه، فأصبح معنا إحدى عشر ألف جنيه، توجهت أنا وأبي إلى الاسكندرية لمقابلة السمسار مرة أخرى وسلمناه عشرة آلاف جنيه نقدا وحرر أبي إيصال أمانة على نفسه بالمبلغ المتبقي وهو خمسة آلاف جنيه، وإحتفظنا بالألف الباقية لزوم رحلتي إلى ليبيا، وحدد لنا السمسار موعد السفر إلى ليبيا وأعطانا عنوان أحد الاشخاص هناك للتوجه إليه فور الوصول إلى ليبيا. كان صديقي علي قد سبقني إلى تسليم المبلغ كاملاً للسمسار وأصبح رفيقى في رحلة السفر. ذهبت اليه وإتفقنا على ترتيبات "الخروج" من مصر والذهاب إلى ليبيا لكي نحقق الحلم.


(7)[عدل]

في يومي الاخير بالقرية قبل الرحيل، زرت شجرة الجميز المحببة لقلبي والتي تذكرني بأيام الطفولة والشباب وأخذت أناجيها وأحدثها بصوت مرتفع وأستعيد معها تاريخ حياتي الذي مر أمام عيني كفيلم سينمائي ينتمي إلى سينما الواقع، الواقع الكئيب من طفولة بائسة إلى دراسة لا تجدي نفعا إلى "المرمطة" في سوق العمل من أجل لقيمات يقمن "أودي". كانت ليلة سفري ليلة طويلة، ملأ الحزن فيها ربوع البيت، وأخذت أمي تبكي بحرقة على الرغم من أنني فارقتها مرات طويلة، ولكن هذه المرة إلى خارج مصر وأيضا إلى المجهول. زودتني أمي ببعض الزاد وأعطتني مصحفا صغيرا لأحتفظ به معي وإنطلقت إلى موقف القرية عند الجسر الغربى حيث كان بإنتظاري رفيق رحلتي علي، وتوجهنا إلى الاسكندرية لنبدأ رحلتنا إلى ليبيا.

بدأت رحلتنا في حافلة صغيرة إنطلقت بنا مساءً من أمام إحدى وكالات السفر المتخصصة في نقل الركاب بين الإسكندرية وبنغازي وطرابلس في منطقة المنشية وكانت تكلفة النقل مائة وخمسة وسبعون جنيها للفرد. في صباح اليوم التالي وبعد حوإلى عشرة ساعات من القيادة، وصلنا إلى الحدود الليبية في منطقة السلوم، أتممنا إجراءات الدخول وعبرنا إلى الجانب الآخر من الحدود وجلسنا لنستريح قليلا في إحدي المقاهي، فعلى الرغم من دخولنا الأراضي الليبية فإن أمامنا قرابة يوم كامل بإتجاه الغرب للوصول إلى طرابلس. قبل أن ينتصف نهار اليوم التإلى كنا قد وصلنا إلى مشارف مدينة طرابلس وقد بدت لنا من بعيد مدينة متواضعة منخفضة البنيان إلا من بعض البنايات القليلة، وهي في مجملها لا ترتقِ إلى مستوى محافظة من محافظات وسط الدلتا في مصر. بعد فترة قصيرة من القيادة وصلنا إلى الموقف النهائي للحافلة فغادرناها بعد أن بلغ بنا الإعياء منتهاه فقررنا أن نبيت ليلتنا في أحد الفنادق الرخيصة قبل أن نبدأ رحلة البحث عن السمسار الليبي. كانت المنطقة حول محطة الحافلات مليئة بالفنادق الشعبية الرديئة فتوجهنا إلى أقربها وطلبنا غرفة بسريرين، وكنا في غاية الجوع فوضعنا متاعنا القليل في الغرفة وخرجنا مرة أخرى بحثا عن أحد المطاعم القريبة، ووجدنا مطعما إسمه "مطعم القاهرة" فإستبشرنا خيرا ودخلنا المطعم لنجد كل من به من العاملين وربما الزبائن أيضا من مصر، إمتلأت البطون وإزداد ثقل الجسم ودارت رؤوسنا فعدنا للفندق حيث كانت الساعة التاسعة مساءً فإرتمينا على الأسِرّة البالية المهترئة وغبنا عن الوعي لساعات طوال.

في صباح اليوم التإلى ذهبت السَكرة وجاءت الفكرة، وتسلل إلينا إحساس بالغربة والضياع، أخرجنا الورقة التي بها اسم السمسار الليبى ورقم هاتفه وذهبنا للبحث عنه. قمنا بالاتصال برقم الهاتف الخاص بهذا السمسار فرد علينا أحد الاشخاص وإستفسرنا منه عن العنوان وشرح لنا طريقة الوصول إلى المكان.

بعد حوالي ساعة من إتصالنا بهذا الشخص، كنا أمام بيت متواضع من طابق واحد في منطقة تكاد تكون خالية من السكان والمارة. المنزل في ليبيا يسمونه "حوش" بغض النظر عن معماره وطوابقه، ولا تعني هذه الكلمة على الإطلاق ما تعنيه في الريف حيث الحوش هو مكان إقامة الماشية أو تخزين المخلفات الزراعية، ولا تعني أيضا الحوش كما يعرفه أهل القاهرة الفاطمية والذي يعني قرافة أو مكان لدفن الموتي. ربما أقرب ما تذكرته عند ذكر هذه الكلمة في ليبيا، ليس كل هذه الأحواش، ولكن حوش المدرسة أو الفناء الفسيح عندما كنا نقف لنؤدي تحية العلم في الصباح. بالمناسبة، الأطفال الصغار في قريتنا أصبحوا لا يهتمون كثيرا بتحية العلم ولا يحثهم أحد على الوقوف وقفة صلبة مثل وقفة العسكر عند تحية العلم، أضف إلى ذلك وهو الأنكى أنهم بدلاً من أن يقولوا "تحيا جمهورية مصر العربية" تجد بعضهم يقول "واحد فول وإتنين طعمية"، "الجوع كافر" يا عزيزي، ولأن معظمهم لم يتناول وجبة الإفطار في البيت، فتفكيرهم ينصرف دائما إلى وجبة الحكومة، أو ما يسمي بـ"التغذية المدرسية". ما علينا، أعتذر عن هذا الاستطراد، فالشيء بالشيء يذكر ، وأعود "للحوش" الخاص بالسمسار.

قابلنا رجل متجهم الوجه وطلب منا جوازات السفر، تفحصنا وتفحص جوازات سفرنا وسجل أسمائنا في كشف عنده ، ودون أن نرتاح من عناء المواصلات طلب منا التوجه صباح الغد إلى منطقة تسمى "زوارة" وأخبرنا بأن المركب ستنطلق من هناك وأن علينا الوصول إلى زوارة قبل حلول الليل لتفادي مضايقات الشرطة، وشدد علينا ألا نبوح بسر سفرنا إلى إيطاليا إلى أي شخص وتحت أي ظروف حتى لو تم إلقاء القبض علينا. خرجنا من عند الرجل وقد زدنا قلقاً وإرتياباً. عدنا إلى الفندق وقررنا أن نبيت ليلتنا عند بعض الزملاء السابقين الذين يعملون في أحد المطاعم. أخذنا "سقط" متاعنا من الفندق وبحثنا عن المطعم الذي يعمل فيه هؤلاء الزملاء. ما أن وصلنا قرب هذا المطعم حتى فاحت رائحة الزيت المغلي، حيث يعمل هؤلاء البؤساء في مطعم فول وفلافل يشترك في ملكيته مصري وليبي. إستقبلنا الزملاء بالترحاب والسؤال عن أحوال البلد وعن الجهة التي سوف نقصدها للعمل بعد أن أخبرناهم بأننا قادمون للعمل في ليبيا حتى أن أحدهم طلب منا البقاء معهم ومساعدتنا في إيجاد عمل في أحد المطاعم القريبة منهم. أحسست وكأننا في شارع فيصل بالجيزة، فمعظم الزبائن من المصريين العاملين في المحال والورش القريبة، واللهجة المصرية هي اللهجة السائدة، حتى أن الأصوات العالية والضجيج المنبعث من الشباب الذين يلعبون "الدومينو" والطاولة في المقهى المجاور يأخذك عبر آلاف الاميال ويعيدك إلى ذكريات مصر المحروسة. تعجبت وقلت لأحد الزملاء: - وليه البهدلة دي والشحططة يا علاء؟ بقى يا راجل تدب المسافة دي كلها من بلدكم لغاية هنا علشان تشتغل في مطعم فول وفلافل؟ طيب ما كنت إشتغلت في أي مطعم في مصر؟ رد عليّ زميلي علي قائلا: - يا سيدي رب هنا رب هناك، لكن قولي بالله عليك، هناك في مصر ح تاخد كام في اليوم؟ عشرة جنيه؟خمستاشر؟ أنا هنا يوميتي 15 دينار، يعني أكتر من خمسين جنيه، وباكل وباشرب في المحل، والسكن على حساب صاحب المحل في حوش ملك المعلم. يا راجل ما إنتاش غريب، أنا الاسبوع اللي فات باعت لأبويا ألفين جنيه وأنا لسة جاي ما كملتش شهرين. أنا يا سيدي راضي زمتك، بزمتك لو قعدت أشتغل في فيصل وإلا حتى في مدينة نصر كنت ح أقدر أحوّش المبلغ ده في كام سنة؟ دارت رأسي وتذكرت ما أنا مقبل عليه، إذا كان ياسر قد إستطاع تكوين هذا المبلغ في هذه الفترة الوجيزة وهو يتقاضي يوميته بالدينار الليبي الذي لا يساوي أربعة جنيهات مصرية، فما بالك بما يمكن أن أدخره أنا من العمل في إيطاليا باليورو الذي يساوي أكثر من سبعة جنيهات، "دعواتك يا أمي".


(8)[عدل]

أمضينا ليلتنا مع زملائنا، وفي الصباح الباكر بدأنا رحلتنا أنا وعلي إلى زوارة. حتى لحظة وصولنا إلى زوارة ومقابلتنا رجال السمسار، كانت زوارة بالنسبة لنا مجرد اسم بلدة في ليبيا مثلها مثل أي بلدة أخرى، ولكن ما عانيناه في هذه البلدة المطلة على البحر والقريبة من الحدود التونسية يستحق أن يكتب في مجلدات، وربما أفلام سينمائية وروايات. إقتادنا رجال السمسار في سيارة تشبه سيارة الترحيلات إلى حوش – بيت – موحش يقع في أحد الأحراش البعيدة عن العمران، وكان معنا في الحافلة أكثر من عشرة أشخاص. ما أن دخلنا إلى ساحة الحوش حتى فوجئنا بأعداد أخرى داخل المنزل، كلهم في عمر الشباب، من مصر والسودان ودول أفريقية أخرى. قام مساعدو السمسار بسحب جوازات سفرنا وكافة الأوراق الثبوتية التي كانت معنا، ثم سجلوا بياناتنا في كشف لديهم – الإسم والجنسية والسن وتاريخ الوصول إلى زوارة - وأغلقوا الأبواب بعد أن حذرونا من إحداث أي ضوضاء أو ضجيج وإلا فإن سلطات الأمن سوف تقوم بالقبض علينا وتعيدنا إلى بلادنا، حاولنا أن نستفسر أكثر عن موعد إبحارنا إلى إيطاليا ولكن أحداً لم يرد علينا وتركونا نهبا للخوف والشائعات.

ظللنا في هذا المكان أكثر من شهرين،ولم يجرؤ أحد من المتواجدين بالحوش علي الخروج أو أن يرفع صوته، خشية أن يعود ثانية إلي بلده. كان معنا في هذا المكان ثلاثة حراس ليبيين يفصل بيننا وبينهم باب، وكان به شباك صغير نتحدث إليهم من خلاله، وكان السؤال الدائم لهم: - إمتى ح نمشي من هنا ونركب البحر؟ وكانت إجابتهم الدائمة بلهجة ليبية صارمة ولكن لا تخلو من السخرية: - الحاج توّا يحضر المركب يا مصري وتركبوا البحر قريب. وتمضي الايام كأنها سنوات ونحن سجناء "الحوش" والخوف والرهبة وتوقع المجهول. نَحَلت أجسامنا وشحبت وجوهنا حيث كان رجال السمسار أو الحاج كما كانوا يسمونه، يُدخِلون لنا يومياً وجبةً واحدة من الجبن الأبيض والخبز، وقد قال لنا أحد الزملاء ممن خاضواً التجربة من قبل وتم القبض عليهم، أن رجال السمسار يقتّرون علينا في الطعام حتى تقل أوزاننا فيستطيعون حشو المركب بعددٍ أكبر من الركاب.

كانت الأيام تمر كئيبة متثاقلة الخطوات لا يحثها على الخطو السريع سوى سماع الحكايات من الرفاق، وكنا قد تعرفنا على العديد من أبناء القرى والمحافظات المجاورة، ولكننا كنا نحب أن نسمع حكايات بعض الزملاء الذين كان لهم "قصب السبق" في خوض المغامرة ولكن بعدما تكللت بالفشل وتم القبض عليهم أو هربوا وعادوا ليعيدو الكرة مرة أخرى لعلهم يفلحون بعد أن تراكمت عليهم الديون وطاردهم "صبيان السماسرة" بوصولات الأمانة التي وقّعوها قبل السفر. كنا دائما في حالة إنتظار وترقب وشغف، وفي حالة من الرغبة العارمة في إستشراف المستقبل. رفيقنا عبده المحلاوي كان لا يمل من الحكي حتى أنني كنت أقول له: - إنت كان ممكن تقعد في مصر وتألف قصص ولا تكتب أفلام زي الأفلام الهابطة اللى بنشوفها اليومين دول في القنوات الفضائية. فكان عادة ما يقول لي: - دول عالم فاضية يا عم صابر. وبعدين إنت فاكر إن الناس اللى بيكتبوا قصص ولا بيعملوا أفلام دول ناس جامدة أوي يعني. ده كل مصر حكّاية، ولو جرّيت كلام مع أي واحد جنبك في الميكروباص وإلا في المترو ح يحكيلك حكايات لو إتكتبت في كُتُب ياخدوا بيها جايزة ... جايزة البتاعة دي اللي خدها نجيب محفوظ، جايزة "موبل".

سألت زميلنا عبده المحلاوي: - قل لي يامحلاوي، إحنا قاعدين هنا في الحوش ده ليه دلوقتي، وليه مش رايحين على طول ع المركب اللى رايحة إيطاليا. أجابني بهدوئه المعتاد: - ياد يا صابر خليك صابر، دة حتى المثل بيقول "كل بني آدم له من إسمه نصيب"، فين نصيبك يا صابر؟ بعته؟ وعموما أقول لك يا سيدي، بس الأول كده قوم نصلي المغرب جماعة وبعد كده أنا معاك للصبح يا سيدي. قمنا وصلينا صلاة المغرب في جماعة خلف إمامنا الشيخ جعفر الجعلي، السوداني الذي درس في الازهر والذي يحمل حبا كبيراً لمصر ، وكنا نقول له ربما لو منحوك الجنسية المصرية لأحببت السودان أكثر أو ربما غينيا أو بوركينا فاسو، وكنا نحفظ أسماء هذه البلاد من مداومتنا على مشاهدة مباريات كرة القدم، حتى لا يظن أحد بنا الظنون ويعتقد أن معلوماتنا في الجغرافيا تتجاوز ما درسناه في المرحلة الإبتدائية.

وعلى الرغم من تربية الشيخ جعفر الأزهرية، إلا أنه كان دائما ما يذكرنا بأصوله العربية ودائما ما يفتخر بلقبه "الجعلى" والذي يعني أنه عربي الأصل، وحينما نذكره بالمبدأ الأساسي في المفاضلة بين الناس وأن لا فضل على عربي على عجمي إلا بالتقوى، يصيح فينا قائلا: - ما لك يا زول عاوز تساوي العرب بالعجم بعد أن أكرمهم الله بنزول الوحي على واحد منهم. نحاول أن نخرجه عن رزانته المعتادة فنسأله: - وليه عاوز تسيب أرض العروبة والإسلام وتعيش في أوروبا؟ فيرد بحجة تبدو قوية وكأنه أحد مشايخ الفضائيات: - أنا رايح دار الإسلام. يرد أحدنا بإستغراب وإستهجان شديدين: - إيطاليا دار الإسلام؟ وبلادنا تبقى دار إيه؟ دار الندوة؟ يرد علينا الشيخ الجعلى ويستطرد بلغة مشايخ الفضائيات: - يا إخواني دار الإسلام تعني أي أرض تكون فيها آمناً على مالك وعرضك ودينك، وإيطاليا وأي دولة أوروبية وكندا وأستراليا وحتى أمريكا بهذا المفهوم كلها ديار إسلام. يرد أحد الزملاء: - طيب مش الإسلام برضه بيقول "إدخلوا البيوت من أبوابها"؟ طيب واللى إنت بتعمله ده من الإسلام؟ ثم إنت رايح إيطاليا علشان تقدم على لجوء سياسي وتأخذ لك قرشين من الحكومة الإيطالية تعيش بيهم. كانت هذه أول مرة أعرف فيها معنى كلمة لاجئ، حيث أن هذه الكلمة في قريتنا تعتبر نوعا من القدح، فإذا تباطأ شخص في العودة إلى بيته وآثر البقاء عند أحد أو في مكان ما نقول أنه "ده لاجئ ما لوش أهل". المهم بعد هذا الحديث والجدل عدنا مرة أخرى إلى الزميل عبده المحلاوي وطلبنا منه أن يحكي لنا تجربته في رحلته السابقة التى إنتهت بالفشل.

تحلقنا حول عبده يحكي لنا حكاية تجربته الأولي: - في المرة الاولي في الصيف اللى فات عملت نفس المشوار ده. قعدنا في حوش في نفس المنطقة دي لمدة خمسين يوم. عرفنا بعد كدة إن عدد الناس اللى ح تركب المركب أكتر من عددنا وإن فيه ناس بتبقى قاعدة في أحواش تانية. بعد ما يوصل عدد الناس لعدد معين يغطي تكلفة المركب اللى ح تسافر بيننا، لأن طبعا المركب اللي بتروح ما بترجعش، رحلة مرة واحدة يعني. الراجل الكبير أكيد دلوقتي بيدوّر على مركب يشتريها من الصيادين اللي شغالين في المينا في طرابلس أو "الخُمس"، وده على فكرة بيبقى مركب صيد. بعد ما بيشتري المركب، بيرتب مع حرس الحدود، وبعدين يتابع النشرة الجوية في التليفزيون التونسي لانها البلد الأقرب للمنطقة اللى ح نعدي منها، علشان يعرف حالة الطقس ويتأكد من إرتفاع الأمواج وإن الظروف مواتية للمركب علشان تبدأ رحلتها وبعد كدة مباشرةً يقدر يحدد "ساعة الصفر". وعلى فكرة مركب الصيد ده بيبقى بعيد عن شط البحر، والسمسار بينقلهم في مراكب صغيرة لغاية المركب الكبير.

قطع حديثة الأستاذ عمر عيد الذي كنا نسميه الجبرتي، والاستاذ عمر ينتمي إلى إحدى قري الفيوم التي تشتهر بتصدير العمالة إلى إيطاليا، ويفاخر عمر بأن هناك أكثر من خمسة آلاف مواطن من بلدته في ميلانو. تخرج عمر في كلية الآداب قسم التاريخ وحاول بشتى السبل أن يعمل مدرسا في وزارة التربية والتعليم، ولكن إنتهى به الحال مدرساً بالحصة في إحدى المدارس بمدينة الفيوم حيث كان يتقاضى مبلغاً لا يزيد عن مائة وخمسين جنيه شهريا ينفق جزءً كبيراً منها في المواصلات من قريته إلى مدينة الفيوم والعكس. نظرا للإرتفاع الجنوني لأسعار الأرض المخصصة للبناء في قريته، باع والد عمر قيراط الأرض الذي يمتلكه بمبلغ لم يكن يحلم به، فأتم بناء بيته وقام بتزويج عمر من إحدى قريباته، ثم قام بدفع مبلغ عشرين ألف جنيه في الصيف الماضي لأحد السماسرة لتسفير إبنه – الأخ الاصغر لعمر - لإيطاليا، ولكن أسماك البحر إبتلعت جسده الغض، فعاد السمسار وكان زميلاً لوالده في الخدمة العسكرية في السابق، عاد السمسار وأعاد المبلغ إلى والد الأستاذ عمر – على غير العادة – ولكن والد عمر رفض أن يسترد المبلغ وطلب منه بدلاً من ذلك تسفير الأستاذ عمر. كنا نتعجب من تصرف والد الأستاذ عمر وكيف يدفع بإبنه الثاني لتعويض خسارته في الإبن الأول، وكنا ندعو الله أن يوفق الأستاذ عمر في سفره.

كان الجبرتي محبا للشعر الشعبي "الحلمنتيشي" ويحفظ كثيرا من المواويل والمربعات. وكنا كلما ذكّرناه بأسرته وإبنه الذي تركه في أحشاء زوجته بعد أن تركها وهي في شهرها السادس، كان ينشدنا ويقول: قالت تسافر يافتي وتفارق الوجه الحسن فأجبتها في لوعة والقلب يعلوه الشجن هم المعيشة فرقت بين الأحبة والوطن... ثم أردف قائلا: - مش بمزاجي والله ولا بخاطري، حتى لو حصل لى اللي حصل لأخويا، أرحم من العيشة اللي إحنا عايشينها في البلد. يا أخي رب هنا رب هناك والأعمار بيد الله. وبعدين إحنا لينا إيه في مصر غير حبايبنا وقرايبنا؟ وأنا زي ناس كتير زعلانة م البلد ذي الشاعر المصري القديم اللي لما زعل من مصر قال: لأرحل من بلادك ألف عام ... مسيرة كل عام ألف ميل ولو كانت بلادك ألف مصر... ويروى كل مصر ألف نيل تكدرت الخواطر منك حتى ... قنعنا من ديارك بالرحيل قم عاد يقول: - لكن في الآخر بنرجع يا أخي، هي دي المشكلة، مهما البلد مرمطتنا وذلتنا بنرجع لها. حاجة غريبة يا أخي، المصري دايما يرجع لبلده مهما زعل منها، حتى بعد ما يموت بيحب برضة يندفن فيها، وأنا أعرف ناس مصريين في آخر بلاد الدنيا في كندا وأستراليا كانت وصيتهم دايماً بعد ما يموتوا إنهم يندفنوا في مصر. لم يستطع الجبرتي أن يتحكم في دموعه التي سالت على خده، وقال بصوت متهدج: - "وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت" صدق الله العظيم.


(9)[عدل]

عدنا مرة أخري إلى زميلنا عبد المحلاوي ليكمل لنا قصة محاولته الأولي للسفر. حدثنا عبده عن المركب التي ركبوها بغرض عبور البحر إلى الشاطئ الآخر: - المركب كان طولها تقريبا 8 أمتار وعرضها أكتر من خمسة متر، وعلى فكرة المراكب دي مش مصرح لها أصلا إنها تخرج برة حدود المية بتاعة ليبيا. المركب في العادة بتكون حمولتها حوالي 25 راكب بس، لكن في الرحلات دي بتشيل أكتر من 100 راكب علشان تغطي تكاليف الرحلة، وعلى فكرة اللي بيسوق المركب ما بيبقاش سواق محترف، دا دايما بيكون واحد من الركاب ممكن يكون عنده خبرة بسيطة في الموضوع ده. سأل أحد الزملاء: - ولكن قول لنا ليه ما قدرتوش توصلوا إيطاليا؟ أجاب عبده بحسرة وأسى: - كل شيء قسمة ونصيب يا قريبي، بعد ما مشينا في البحر مسافة كبيرة، إكتشفنا أن إحنا بنمشي ناحية تونس، جات قوات من البحرية التونسية وحرس السواحل وسحبوا المركب بتاعتنا للبر، وقعدنا محبوسين هناك حوإلى أسبوع، ولما عرفوا إننا طالعين بالمركب من ليبيا أخدونا لغاية الحدود الليبية وقالوا لنا إمشوا ناحية البوابات اللي هناك دي. فضلنا ماشيين في عز الولعة لغاية ما وصلنا للبوابات بتاعة الحدود الليبية، وطبعاً إتقبض علينا تاني وإترمينا في السجن لغاية ما عملوا الإجراءات وإتصلوا بالسفارة المصرية وإترحّلنا لمصر ، منها وإليها، ما فيش عنها غنا وما فيش منها مفر يا صاحبي.


(10)[عدل]

طال إنتظارنا في محبسنا الإختياري وكأن الزمن قد توقف عند هذا المكان، وكأننا في برزخ بين حياة بائسة في الوطن وحياة مجهولة في الغربة. في تلك اللحظات الفاصلة في حياة الإنسان، لا يملك المرء إلا أن يجتر مخزون الذكريات ويتأمل تاريخ حياته وما به من أفراح وأتراح وكأنه فيلم سينمائي ينتمي للمدرسة الواقعية. مع شح الطعام الذي يقتصر على الخبز والجبن، تكثر الأحلام والأوهام التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالجميع في حيرة وإنتظار وترقب. إننا نقتل الوقت ونقاوم القلق بحكاياتنا التي نرويها مرات ومرات، لا نمل من إعادة قصها ولا يمل الآخرون من إعادة سماعها. إنها رغبتنا الباطنة في البقاء والخلود ولو حتى من خلال القصص التي نرويها لزملائنا.

ذات يوم، أخبرنا الحراس أننا على وشك الرحيل. عمت الفرحة المشوبة بالقلق والخوف من المجهول سكان الحوش. فرحت وقلت محدثا نفسي: - أخيراً ح نطلع إفراج من الحوش ده، لكن ح نروح فين؟ المركب؟ البحر؟ الغرق؟ الفشل؟ العودة؟ أو حتى الموت؟ .... إجمد يا صابر وشد حيلك أمّال، يا سيدي رب هنا رب هناك، وفي أسوأ الاحوال لو حتى غرقت في البحر ومتت، ما إنت كدة ميت كدة ميت، والموت الحقيقي أحسن من الموت بالحيا اللي إحنا فيه كل يوم في البلد.

في مساء يوم من الايام التي تشابهت علينا، طلب منا الحراس أن نستعد للرحيل. وما كان أسهل من الإستعداد للرحيل ونحن لا نملك من متاع الدنيا شيئاً. بعد أن أسدل الظلام أستاره توقفت حافلة لنقل البضائع ذات صندوق كبير إنحشرنا فيه جميعا كالفئران. سارت بنا الحافلة ونحن لا نستطيع أن نري الشارع فلم يكن بالحافلة فتحات إلا من كوة في سطحها. بدا على الجميع القلق والتوتر والوجوم وخفتت الأصوات حتى توقفت الحافلة بعد مسيرة قاربت الساعة. فُتح باب الحافلة وطُلب منا النزول فأحسسنا برائحة البحر ونسمة هواء صيفية رقيقة، كأنما قد أرسلها الله لتطييب نفوسنا.

جلسنا على الشاطئ بعض الوقت حتى جاءت بعض القوارب المطاطية، صعدنا إلى هذه القوارب جماعات وإنطلقت بنا مسيرة نصف ساعة حتى شاهدنا في الأفق البعيد مركبا من مراكب الصيد وأيقنا أن حلمنا يقترب وأننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى جنة اليورو، ولكن على الرغم من ذلك كان الخوف والقلق والتوجس وإنتظار المجهول يفتكون بنا. صعدنا إلى ظهر المركب وكنا نحسب أن هذا المركب قد أُعِدِ خصيصا لمجموعتنا إلا أننا فوجئنا بعد أكثر من ساعة بفوج آخر من الركاب تحملهم نفس المراكب المطاطية التى ظلت تنقل الركاب من الشاطئ إلى السفينة حتي ساعات متأخرة من الليل ونحن في حالة إنتظارِ وترقب.

وصل الفوج الأخير من الركاب وكنا نحسب أننا – أنا وعلى – الوحيدون من قريتنا في هذه الرحلة ولكننا فوجئنا بثلاثة شبان آخرين من قريتنا يمتطون ظهر المركب وقد نحفت أجسادهم وشحبت وجوههم، لابد أنهم كانوا في "حوش" آخر، وفوجئوا بوجودنا مثلما فوجئنا بوجودهم، سلمنا عليهم بحرارة وتعانقنا طويلاً وإزداد إطمئناننا، لقد إنضم إلينا محمود وياسر وسعيد. محمود كان آخر من نتوقع أن نراه في هذه الرحلة، فقد كان يرفض فكرة السفر إلى إيطاليا عن طريق البحر، ووالده ضابط شرطة متقاعد عفيف وطاهر اليد وكان الناس في بلدتنا يلجأون إليه في الشدائد، وكان يتمني أن يلتحق إبنه بكلية الشرطة ولكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه فتخرج محمود في كلية الحقوق وسعى له والده للعمل في النيابة الإدارية دون جدوى. حاول محمود السفر إلى أوروبا عن طريق فيزة تشنجن – تأشيرة السفر إلى عدة دول أوروبية – وكنا نسمع أنه على إستعداد لدفع مبلغ كبير في سبيل الحصول على هذه التأشيرة وتردد كثيراً على العديد من شركات السياحة ووكلاء السفر في القاهرة ولكن دون جدوى. أخيراً ويا للاسف تساوت الرؤوس وإضطر محمود إلى أن يسلك الطريق الوعر إلى إيطاليا.

تخرج ياسر في قسم اللغة العربية بكلية الآداب وكان من أوائل الخريجين وسعى كثيراً للحصول على حقه والعمل معيداً في الكلية ولكن دون جدوى ولم يتم تعيين أحد من أوائل الخريجين في دفعته لكي يظل هذا المكان شاغراً ليتم تعيين إحدى بنات الأساتذة في هذا الموقع، وضاع حلم الأستاذية والعمل الجامعي وأصيب ياسر بصدمة شديدة فقد على أثرها مشاعر الإنتماء. عمل ياسر في مدرسة إبتدائية خاصة في إحدى المدن المجاورة بدلاً من أن يلتحق بالعمل بالجامعة فأصبح عضو هيئة تدريس في مدرسة إبتدائية بدلاً من أن يكون عضو هيئة تدريس في الجامعة. لم يستمر ياسر في العمل طويلاً في التدريس وسافر مع خاله للعمل في أحد المحاجر بمنطقة عتاقة بمحافظة السويس وكنا لا نراه إلا قليلاً حيث كان يعمل لمدة أربعين يوماً ثم يحضر إلى القرية في إجازة لمدة عشرة أيام قبل أن يعاود الكرّة مرةً أخرى.

أما سعيد فلم يكن سعيداً بالمرة، فهو من أفقر عائلات البلدة، وقد حصل أبوه على قرض من بنك التنمية والائتمان الزراعي بضمان حيازته الزراعية الصغيرة، وبدلا من أن يستخدم القرض في تنمية زراعته أو تربية بعض رؤوس الماشية، إضطر مع إلحاح الإبن إلى دفع القرض للسمسار بعد أن ضنّت الأرض على مالكيها بالحياة الكريمة وأصبحت تربية المواشي أغلى من تربية البشر نظرا لإرتفاع أسعار الكُسب والعليقة. دفع والد سعيد المبلغ للسمسار على أمل أن ينتشله سعيد من الحياة الضنكة التي يحياها وأسرته كبيرة العدد وهو يرى أمام ناظريه كيف تبدلت أحوال من وُفقوا في عبور البحر وما بدا عليهم من الثروة والنعيم.

إتخذنا جانبا من المركب ورحنا نسترجع ذكريات القرية ورحلتنا القصيرة مع الحياة المليئة بالكَبَد والمعاناة، وبمرور الوقت يزداد عدد ركاب المركب حتى أن أفواجا أخرى من غير الناطقين بالعربية قد توالت على المركب، وعلمنا أنهم من دول أفريقية مجاورة لليبيا، وكانت دهشتنا كبيرة عندما شاهدنا بعض النساء والأطفال من هذه الدول يركبون معنا. زوّدنا القائمون على أمر الرحلة ببعض الماء والوقود والطعام وتحدثوا طويلا مع قائد المركب الذي عرفنا فيما بعد أنه واحد من المسافرين، وأنه كان يعمل على إحدى مراكب الصيد في "البرلس" وأن خبرته لا تزيد عن العمل مساعداً ولم يسبق له أن قام بقيادة مركب كهذه. علمنا أيضا أن قائد المركب يحصل على خصم خاص في عمولة السفر نظير قيامه بهذا العمل.

كان شرقاوي قائد المركب منهمكا في الحديث مع رجال السمسار حيث أعطوه بوصلة وهاتف جوال للإتصال بهم إذا تعرضوا للخطر، وراحوا يصفون له طبيعة المنطقة وطريقة الوصول إلى الشاطئ الآخر: - تمشي في هادا الإتجاه إلى أن تصل إلى حقل البوري للبترول، هادي آخر نقطة في الحدود الليبية، بعد هادا تضبط البوصلة على رقم 10/5 ويكون الضو الأحمر متاع مصفاة النفط ورا المركب. بعد هادا تمشي على خط مستقيم، لا يمين ولا شمال، لمدة يوم كامل – 24 ساعة – بعدين تكون قريب من جزيرة "لامبدوزا " الإيطالية ..... أكمل رجال السمسار تلقينهم للريس شرقاوي حول خط سير الرحلة وقد تملكنا القلق، فكيف لهذا الشاب عديم الخبرة أن يقودنا في دياجير الظلام إلى الشاطئ الآخر.


(11)[عدل]

بعد رحلة مضنية في مواجهة أمواج البحر العاتية وبعد مضي أكثر من أربع وعشرين ساعة من الإبحار في مياة المتوسط شاهدنا بعض الجثث المنتفخة طافية على مياه البحر، جثث بيضاء وسوداء لرجال ونساء وأطفال قضوا في رحلة البحث عن حياة أفضل فتولاهم الله برحمته في حياة أبدية. إنقبض الجميع لرؤية هذه الجثث وزاد خوفنا حتى سمعنا صوت إنفجار عنيف صادر عن محرك المركب الذي تقاذفته أمواج البحر وهرع الريس شرقاوي ليبلغنا بأن عطلاً ما قد أصاب محرك المركب، توجه الريس شرقاوي ومعه أحد الأفراد الذي قدم نفسه على أنه ميكانيكي سيارات، وراحوا يعبثون بمحرك المركب المتهالك دون جدوى وقد تصبب العرق من جباههم وعادوا ليزفوا إلينا النبأ الأليم حيث لا أمل في إصلاح المركب بدون الحصول على قطع غيار.

كانت مؤونتنا قد قاربت على النفاذ وسط صراخ الأطفال ونحيب الأمهات، وداهمنا شبح الموت والضياع وتأكدنا أن مصيرنا سوف يكون مثل هذه الجثث الطافية التى كنا مازلنا نراها من حولنا. أخرج الريس شرقاوي هاتفه المحمول وحاول الإتصال مرات ومرات برجال السمسار ولكن دون جدوي، فقد كان الهاتف بالفعل خارج نطاق تغطية الشبكة الليبية ولم يكن الهاتف مجهزاً للتعامل مع شبكة الأقمار الإصطناعية. قذف الريس شرقاوي بالهاتف في عرض البحر وراح ينتحب بصوت عال. تظاهر البعض بالتماسك وراح الشيخ الجعلي يقرأ القرأن من مصحف صغير في جيبه ورحنا ننتظر السفن العابرة لعل واحدة منها ترانا وتنقذنا من الهلاك الوشيك. طال إنتظارنا ومرت الساعات طوالاً علينا جميعا بعد أن نفذت مؤونتنا وبدأ الأطفال في فقدان الوعي حيث أنهم الحلقة الأضعف في مثل هذه الأحداث.

حاولنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه ووفرنا لهم الغطاء وهو ما كنا نملكه، ولكن هيهات أن يستقيم الإنسان بالغطاء وحده وقد نفذ الشراب والطعام. بعد ثلاثة أيام من ضياعنا في البحر توفي الطفل الأول وهو ابن لإمرأة أثيوبية كانت تنوي الرحيل إلى زوجها في إيطاليا لطلب اللجوء السياسي ولكن القدر لم يمهلها لذلك ورحل الطفل بعيداً وسط نواح أمه التي ذبلت وشحب وجهها ولم تعد قادرة على الحركة. لم تمر أكثر من أربع وعشرين ساعة حتى لحقت الأم بإبنها وتوالت الوفيات على المركب وبدأت الجثث تملأ المكان برائحة الموت. فكرنا في إلقاء الجثث المتعفنة من المركب وبدأنا بالفعل تنفيذ خطتنا ولكن واحدة من النساء التي فقدت طفلها الرضيع رفضت ذلك بشدة رغم تعفن جثته. أخذنا الطفل منها بقوة وقذفناه في البحر فأحدث إرتطامه بالماء صوتا مدويا تقشعر له الأبدان وإذا بنا نفاجأ بأم الطفل تلقي بنفسها خلفه لتلقى حتفها في الحال.

عدنا إلى أماكننا بالباخرة فوجدنا أن الشيخ جعفر الجعلي قد داهمته الحمى وتصبب العرق من وجهه وراح يهذي، تحلقنا حوله وقد بللنا قطعة من القماش بماء البحر ووضعناها على جبهته بعد أن أرحته على صدري وهو يقول: - بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام ... صابر ... يا صابر ... أنا ح أموت يا صابر ... قلت له: - عمر الشقي بقي يا شيخ جعفر ... فين إيمانك بالله ... إنت زي الفل ... إرتاح وبلاش تتعب نفسك بالكلام رد علي قائلا: - أمانة يا صابر لو ربنا نجاك تقرأ لي الفاتحة في الحسين ... تقرأ لي الفاتحة في الحسين يا صابر ... الفاتحة أمانة ... وراح جعفر بعد ذلك يهذي بكلام كثير: - سلوا القبور عن سكّانها ، و إستخبروا اللحود عن قطّانها ، تخبركم بخشونة المضاجع ، و تُعلمكم أن الحسرة قد ملأت المواضع ، والمسافر يود لو أنه راجع ، فليتعظ الغافل و ليراجع ... ولكن كيف يراجع كيف .... ثم كان آخر ما قاله: - أه يا بلد ... بنحبك وتطردينا ... بنموت فيكي وتموّتينا ... عاش الملك ... مات الملك ... وين أمير المؤمنين ... وين السلطان ... بوس الواوا ... ليك الواوا ... بوس اليورو ... ليك اليورو ... قتلنا اليورو .... ثم راح الشيخ جعفر في سبات عميق، وراح معه ما تبقى لدينا من أمل في الحياة.

لاحت في الأفق البعيد سفينة شحن عملاقة هزت أمواجها مركبنا المتهالك، خلع أحدنا سترته وأحرقناها وظللنا نلوح بها لعلهم يرونا فيلقون لنا بطوق النجاة ولكن دون جدوي، حتى أن أحد الزملاء قد إحترقت يده وهو يلوح بالسترة الملتهبة دون أن يدري. رحنا نحصي الجثث ونلقي منها ما تعفن في عرض البحر بعد أن تلاشت الخطوط الفاصلة بين الموت والحياة وأصبحنا قاب قوسين أو أدني من الرحيل إلى العالم الآخر، وما أصعب إنتظار الموت. إن المثل الشعبي يقول "إنتظار البلاء أصعب من وقوعه" فما بالك لو كان هذا البلاء هو الفناء. إن المحكوم عليهم بالإعدام يموتون مرة واحدة ولكننا نموت كل يوم مرات ومرات ونشعر بأن ملك الموت معنا على ظهر المركب ولكننا لا نعرف تحديداً من سيرحل أولاً.

بدأ الرفاق في الرحيل واحداً تلو الآخر، الجبرتي أستاذ التاريخ راح يهذي وقد جن جنونه عندما ألقى بيديه في البحر جثة أحد الراحلين: - لا إله إلا الله ... لا إله إلا الله ... ولا حد خإلى م الهم حتى قلوع المراكب ... ولا حد خالي م الهم حتى قلوع المراكب ... جايلك يا حسن .. جايلك يا أخويا ... أبوك بعتني عشان أعوض خسارتك .... يا خسارة يابا ... يا ميت ندامة يابا ... أقول لحسن إيه يابا ... وإبني اللى لسة في بطن عديلة؟ يا ترى ح تبعته هوة كمان يعوض خسارتك يابا؟ الله يسامحك يابا؟ الله يسامحك يا بلد؟ الله يسامحك يا بلد؟ وراح الجبرتي ينتحب ويضرب بيديه بقوة على أخشاب المركب حتى خارت قواه وخارت قوانا نحن أيضا حتى أننا لم نعد نستطيع إلقاء الجثث المتعفنة في البحر.

على الرغم من أنني قد إعتدت على رائحة الموت والجثث المتعفنة إلا أن رحيل صديقي علي كان له أثر كبير في نفسي، فقد تملكني شعور جارف بأنني سوف أتبعه لا محالة، أما زميلنا المحلاوي فلن يستطيع أن يعاود الكرة مرة أخري فقد ذهب في رحلة طويلة لن يعود منها إلى عالمنا مرة أخرى. هذا كل ما أتذكره من رحلة المركب الحزينة بعد أن غِبت عن الوعي وتخيلت أنني راحل مع الراحلين، وكان ذلك في اليوم السابع عشر من رحلتنا.


(12)[عدل]

أفقت من غفوتي وأنا غير مصدق لذلك حتى أنني ظننت للوهلة الأولي أنني في الحياة البرزخية أو أنني بعد قليل سوف أواجه حساب القبر، إلا أنني حينما حملقت في وجه الأشخاص من حولي وفركت عيني وجدت أنني في مكان يشبه المستشفي وأنه قد تم تعليق المحاليل في ذراعي، وعلى الرغم من أنني لم أكن أقوى على الكلام إلا أنني أحسست أنني نجوت من الهلاك بأعجوبة، ولكن ما هذا المكان الذي أنا فيه؟ أفقت على صوت يقول لي بلهجة عربية غير معتادة: - ع السلامة ... كيفك؟ لم أقوَ على الرد ولكني أومأت له بإشارة تعني أنني بخير. ظللت على هذا الحال بضع ساعات حتى إستجمعت قواي الخائرة فعاد هذا الشخص وسألني: - إنت مصري؟ فأجبت بصعوبة: - أيوة أنا مصري، إحنا فين؟ فأجابني بصوت حنون: - ما تخاف، الله كتب لك عمر جديد، إنت في مستشفي الصليب الأحمر في لامبدوزا. فصحت متهللا: - لامبدوزا؟ إيطاليا؟ فرد بعد أن تغيرت نبرته ومالت للخشونة: - أنت في إيطاليا لكن لازم نرحلوك لمصر، إحمد الله إنك لساك عايش. إذن لقد إلتقط مركبنا رجال حرس السواحل الإيطاليين وقادونا إلى هذا المكان لنتلقى الرعاية الطبية العاجلة ثم بعد ذلك يقومون بترحيلنا إلى مصر مكللين بإكليل "العار".

في صباح اليوم التالي وبعد أن عادت الينا بعض العافية إقتادوني والبقية الباقية ممن تم إنقاذهم من المركب المنكوبة، إقتادونا إلى الطابق السفلي للمستشفى حيث وجدنا طاولات عديدة مليئة بالجثث الممدة فوقها لكي نتعرف على هويات الضحايا. وكانت معظم الجثث منتفخة ومتعفنة، مررنا على الجثث واحدة واحدة حتى وصلت إلى جثث أبناء قريتي، وكنت كلما تعرفت على جثة أحدهم قام أحد المرافقين بكتابة البيانات الخاصة بها حتى أن وصلت إلى آخر جثة لم أتمالك أعصابي وخارت قواي وغبت عن الوعي للحظات قبل أن أعود إلى رشدي مرة أخرى.

إقتادونا بعد ذلك في سيارات عسكرية إلى أحد مراكز الإحتجاز المخصصة للمهاجرين غير الشرعيين الذين يتم إلتقاطهم من مياه البحر. بعد التحقيق معنا وتزويد المحققين ببيانات وافية عن هويتنا وخط سير رحلتنا إقتادونا إلى عنابر كبيرة بها أعداد غفيرة من المهاجرين غير الشرعيين الذين لم يحالفهم الحظ بالهروب إلى الداخل الإيطالي. مكثنا في المعسكر لمدة يومين وسمعنا حكايات كثيرة عن المأسي التي تعرض لها رفاقنا كما علمنا أن بعض المحتجزين قد تمكنوا من الفرار من هذا المعسكر والدخول إلى إيطاليا. وعلمنا أيضا أن أحد المصريين إدعى أنه عراقي ليحصل على لجوء سياسي مستغلا قدرته على محاكاة اللهجة العراقية حيث سبق له السفر للعراق، ولكن عندما عرف أنهم سوف يقومون بترحيله إلى العراق عاد وإعترف مرة أخرى بأنه مصري. بعد معاناتنا في البحر والإستحكامات الأمنية بالمعسكر لم تَرُق لنا فكرة الهرب وجلسنا في هذا المعسكر ننتظر مصيرنا المحتوم ... العودة.


(13)[عدل]

في اليوم الثالث أخرجونا من معسكر الاحتجاز وركبنا حافلة لم نكن نعرف وجهتها، وبعد نصف ساعة توقفت الحافلة لمدة نصف ساعة وصعد إلى الحافلة مجموعة أخرى من المصريين، ثم إنضمت إلينا مجموعة ثالثة ورابعة حتى إمتلأت الحافلة وكان عددنا أكثر من خمسين شخص. توجهت الحافلة بنا إلى أحد المطارات العسكرية وتم شحننا في الطائرة تحت حراسة أمنية مشددة. بعد حوإلى ساعة من الطيران هبطنا في أحد المطارات حيث نقلونا إلى طائرة أخرى ظلت رابضة على أرض المطار أكثر من ستة ساعات ونحن بداخلها حتى أقلعت وبها بعض رجال الشرطة المصريين في زي مدني وعرفنا أننا قد أصبحنا في طريقنا إلى مصر ... "أم الدنيا" ... فيها ولدنا وإليها نعود، فيها عذابنا وسعادتنا وعزنا وهواننا.

عندما هبطت بنا الطائرة في مطار القاهرة غلبني البكاء والإحساس بالهوان وتذكرت كلمات الراحل صلاح جاهين التي كان كثيرا ما يتغني بها زميلي الراحل الجبرتي:

على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء بجبها وهى مالكة الدنيا شرق وغرب وأحبها وهى مرمية أسيرة حرب وأحبها بعنف وبرقة وعلى إستحياء وأكرهها والعن أبوها بعشق زى الداء


هذه الرواية[عدل]

على الرغم من كونِ كاتب هذه الرواية باحثاً متخصصاً في مجال السكان ودراسات الهجرة، إلا أن هذا العمل البديع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قدرته على الحكي - الذي يغلب عليه طابع التصوير السينمائي- تُودِعُ لدى قارئه نوعاً من النَهَمِ والشَغَف لدرجةٍ تجعله لا يستطيع أن يترك له عملاً حتى يكمِلَه عن آخِرَه. لقد قرأت روايته هذه في جِلسةٍ واحدة ولم أتمكن من سَلسََلتِها – كما أفعل عادةً مع غيرها – من فرط التشويق والمتعة وخيال المؤلف الخصب في تصوير الشخصيات.

هذه الرواية التي تحكي قصة الشاب صابر ورحلته إلى "الجنة الأوروبية" أو "جنة اليورو"، كما يسميها الكاتب على لسان بطل الرواية ، بما فيها من تراجيديا إنسانية مؤلمة تدور أحداثها في دولٍ عدة هي مصر وليبيا وإيطاليا، ولكن يبقى مسرح الرواية الأول بلا شك هو البحر المتوسط الذي يبتلع في جوفه العديد من أبناء القارة السمراء الحالمين بالسفر إلى أوروبا هرباً من واقعٍ أليمٍ وطمعا في مستقبلٍ أفضل.

تقدم هذه الرواية نوعية جديدة من الأدب القصصي المبني على الخبرة الشخصية والخلط بين أدوات البحث في العلوم الإجتماعية والأدب الروائي، وقد يحارُ المرءُ في تصنيف هذا النوع من الأعمال؛ فيتسائل: هل هو نوع من الروايات الواقعية؟ أم أنه بحث علمي قائم على دراسة الحالة؟ أم هو أسلوب جديد من أساليب البحث الإجتماعي القائم على المعايشة والأنثروبولوجي الممزوجتان بقدرات أدبية وإنسانية شديدة الحس والتأثر؟

صلاح عبد التواب


توجد نسخة كاملة من هذا الكتاب وكتب أخرى بموقع المؤلف على الشبكة الدولية للمعلومات

www.zohry.com