المنصف للسارق والمسروق منه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المنصف للسارق والمسروق منه
المؤلف: ابن وكيع التنيسي


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وبه نستعين قال أبو محمد، الحسن بن علي بن وكيع: أما بعد، حمداً لله والصلاة على رسوله الكريم وعلى آله المصطفين الأخيار الطيبين الأبرار فإِنه وصل إليّ كتابك الجليل الموضع اللطيف الموقع، تذكر إفراط طائفة من متأدبي عصرنا في مدح أبي الطيب المتنبي وتقديمه وتناهيهم في تعظيمه وتفخيمه، وإنهم قد أفنوا في ذلك الأوصاف وتجاوزوا الإِسراف حتى لقد فضلوه على من تقدم عصرة عصره وأبرّ على قدرة قدره وذكرت أن القوم شغلهم التقليد فيه عن تأمل معانيه فما ترى من يجوز عليه جهل الصواب في معنى ولا إعراب، وذكرت أنهم لم يكتفوا (1/97) بذلك حتى نفوا عنه ما لا يسلم فحول الشعراء من المحدثين والقدماء منه، فقالوا: ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا وهو من نتائج فكره وأبوا عذره وكان بجميع ذلك مبتدعاً ولم يكن متّتبعاً ولا كان لشيء من معانيه سارقاً بل كان إلى جميعها سابقاً فادعوا ذلك ما ادعاه لنفسه على طريق التناهي في مدحها لا على وجه الصدق عليها فقال: أنا السابقُ الهادي إلى ما أقولُهُ ... إذا القولُ قَبْلَ القائلينَ مَقُولُ وهذا تناه ومبالغة منه كاذبة، وقد يأتي الشاعر بضد الحقائق، ويتناهى في الوصف وهو غير صادق وذكرت أنك عارضت دعواهم بأبيات وجدتها في شعره مسروقات فادعوا فيها اتفاق الخواطر ومواردة شاعر لشاعر واحتجوا عليك بامرئ القيس في قوله: وُقُوفاً بها صَحْبي عليَّ مطّيهُم ... يقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ فوافق خاطره خاطر طرفة في قوله: وُقُوفاً بها صَحْبي عليَّ مطَّيهُم ... يقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَّلدِ وأحببت إنهاء ما عندي إليك غير متحيَّف لك ولا عليك. قال أبو محمد: فأقول والله الموفق للصواب: إن القوم لم يصفوا من (1/98) أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتفريط منه خاملاً بل فضلوا شاعراً مجيداً وبليغاً سديداً ليس شعره بالصعب المتكلّف ولا اللين المستضعف بل هو بين الرقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإِطالة، كثير الفصول قليل الفضول لكنه بعد هذا لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصراً وأحسن شعراً كأبي تمام والبحتري وأشباههما فإني لا أزال أرى من منحلي الأدب من يعارض شعريهما بشعره، ويزن قدريهما بقدره من غير انتقاء للشعر، أستعمل فيه كدّ فكره ولا استقصاء نظره وإنما قلد الخطوة الرافعة والشهرة الذائعة، والنفوس مولعة بالاستبدال، والنقل لهجة بالاستطراف والملل ولكل جديد لذة فلما كان شعره أَجدَّ فيهم عهداً كانوا له أشدَّ وِدّاً، وهبنا أغضبنا لهم عن تفضيلهم إياه على من لا يشق غباره ولا يعشر مقداره مع علمنا في ذلك أن مذهبهم أوضح فساداً من أن تطلب لهم المعارضة أو تتكلف من أجلهم المناقضة فكيف بالإِغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري جاهلي أَمْ إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة أو الأمثال السائرة وإذا كانت الألفاظ مستعملة في أشعار جميع الناظمين من القدماء والمحدثين وسلمنا لهم نفيهم عن أبي الطيب ذلك كنا قد سلمنا لهم أنه أفضل أهل الشعر في كل أوانٍ وعصر، وهذه دعوى لا بد من كشف أسرارها وإظهارها وهي بالعناية أولى من الأولى لأن تلك دعوى خصّت طائفة وهذه تعم جميع القائلين من الأولين والآخرين ولقد ادعى قائلها إفكاً واسعاً وظل للحق فيها دافعاً، لأنه ادعى وقوع جميع الشعراء فما سلم أبو الطيب منه، وفقرهم إلى ما غني عنه وهذه تتجاوز الصفات وتكاد تشبه المعجزات ولو علم صدقها أبو الطيب من نفسه لجعلها آية له عند تنبيئه ودلالة على صحة (1/99) ما ادعاه من نبوته يتحدى بها أنها دعوته. أو لم يسمع الباقون عنه أخذ الكلام من النثر والنظام قول الفرزدق:) نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة (أو ما سمعوا من قول الحكماء:) من العبارة حسن الاستعارة (. وما شيء بأعجب من وقوع جملة الشعراء في أمر يشترك فيه قديمهم ومحدثهم من استعارة الألفاظ والمعاني على مرّ الزمن بتحكيك الفحول منهم الشعر وتنقيتهم إياه حتى إنهم يسمون قصائدهم الحوليات لأنهم كانوا يعيدون فيها النظر حولاً قبل ظهورها، فلم يعصمهم طول النظر وكدّ الخواطر والفكر من أن يلمَ بعضهم بكلام بعض ثم لا يرضى مقرض أبي الطيب حتى يدعي له السلامة الكاملة من عيبٍ لم يتكامل في أحد قط تكامله فيه وأتى له بالسلامة من ذلك، وقد جاء على ساقة أهل الشعر بعد استيلاء الناس على حلو الكلام ومرّه ونفعه وضره، وهذا الظلم الواضح الفاضح وسأدلُ أولاً على استعمال القدماء والمحدثين أخذ المعاني والألفاظ ثم (1/100) أعود إلى تنخل شعر أبي الطيب ومعانيه وإثبات ما أجده فيه من مسروقات قوافيه التي لا يمكن فيها اتفاق الخواطر ولا تساوي الضمائر لأن ذلك يسوغ في النزر القليل ويمتنع في المتواتر الكثير وسأنْصفه في كل ذلك فما أستحقه على قائله سلّمتهُ إليه وما قصر فيه لم أدع التنبيه عليه لئلاّ يظن بنا الناظر في كتابنا خوراً في قصد أو تقصيراً في نقد وذلك يلزمنا إلحاق ما فيه عيب غير السرقة بالمسروق خوفاً من أن يقول قائل قد تجاوز عن أشياء من الغثاثات واللحون والمحالات كانت أولى من الذكر للمسارقات، هذا إن لم يعبر عنا بالغفلة عنها إلا لتجاوز لها وينبغي إذا عملنا على تسليم ما له من السرقات إليه وردّ المقصّر منها عليه، إن أثبت لك وجوه السرقات محمودها ومذمومها وصحيحها وسقيمها وأعرّفك ما يوجب للسارق الفضيلة وما يلحقه الرذيلة ليكون ما نورده له وعليه مقيساً على أُسٍ قد أحكمناه ونهج قد أوضحناه وما غرضنا في ذلك الطعن على فاضل ولا التعصب لقائل وإنما غرضنا إفادتك ما استدعيناه وكفايتك الفحص عما استكفيناه لتظهر على خصمك وتزداد قوة في علمك، وبالله نستعين وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1/101) هذا باب تفسير وجوه السرقات اعلم وفقنا الله وإياك للسداد، وقرن أمرك بالرشاد، أن مرور الأيام قد أنفد الكلام فلم يبق لمتقدم على متأخر فضلاً إلا سبق إليه واستولى عليه فأحذق شعرائنا من يخطي المنظوم إلى المنثور لأن المعاني المستجادة والحكم المستفادة إذا وردت منثورة كانت كالنوادر الشاردة وليس لها شهرة المنظوم السائر على ألسنة الراوين كالمحفوظ على قائله كالتدوين فالعارف بأخذ المنثور قليل والجاهل به كثير وقد نفى قائل الحكم المنثورة لسارقها من فضيلة النظم ما يزيد في رونق (1/102) مائها وبهجة روائها فهي كالحسناء العاطلة حليها في نظامها فإذا حلاها النظم نسبت إلى السارق واستخفت على السابق والمعنى اللطيف في اللفظ الشريف كالحسناء الحالية، فقد استوفى بالنظام غاية الحسن والتمام فقد فاز قائلها بالحظين واستولى على الفضلين فلا يشركه السارق في فضلته ولا البارع في براعته إلا بوجوه أنا ذاكرها وهي عشرة أوجه: الأول من ذلك: استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل. والثاني: نقل اللفظ الرّذل إلى الرصين الجزل. والثالث: نقل ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه. والرابع: عكس ما يصير بالعكي هجاء بعد أن كان ثناء. والخامس: استخراج معنىً من معنى احتذى عليه وإنْ فارقَ ما قصدَ به إليه. (1/103) والسادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق. والسابع: توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات. والثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع والثاني أتبع. والتاسع: مماثله السارق المسروق منه في كلامه بزيادة في المعنى ما هو من تمامه. والعاشر: رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظة على لفظ من أخذ عنه. فهذه وجوه تغفر ذنب سرقته وتدل على فطنته فأما استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل كقول طرفة: أرى قَبْرَ نحّامٍ بخيل بمالهِ ... كَقْبرِ غويّ في البطالة مُفْسِدُ اختصره ابن الزيعري فقال: والعطَّياتُ خِساسٌ بيننا ... وسواءٌ قَبرُ مُثْرٍ وَمُقِلْ فَقَدْ شغلَ صدر البيت معنىً، وجاء بيت طرفة في عجز بيتٍ أقصر منه بمعنى لائح ولفظ واضح ومن ذلك قول بشار بن برد: مَنْ راقَبَ النَّاسَ لمْ يظفر بحاجتهِ ... وفازَ بالطَّيبات الفاتِكُ اللَّهيجُ (1/104) أخذه سَلَمُ الخاسر فقال: مَنْ راقبَ النَّاس ماتَ غماً ... وفازَ باللذة الجسور فلما سمع بشار هذا البيت قال: يعمد إلى معاني التي أسهرت فيها ليلي وأتعبت فيها فكري فيكسوها لفظاً أخف من لفظي فيروى شعره ويترك شعري والله لا أكلت اليوم ولا صمت. ومن ذلك قول أبي تمام يصف قصيدة: يراها عياناً مَنْ يراها بسمعه ... ويَدنْو إليها ذو الحجى وهْوَ شاسِعُ يَودّ وداداً أنَّ أعضاءَ جِسْمِه ... إذا أنشدتَ شوقاً إليها مسامِعُ (1/105) سمعه الثاني وهو للأخيطل في رواية ابن قتيبة في بعض القيان. فقال: جاءتْ بوجهٍ كأنَّهُ قمر ... على قوامٍ كأنَّهُ غُصُنُ حتى إذا ما استقرَّ مجلسُنا ... وصار في حِجْرها لها وثنُ غنّتْ، فلم تَبْق فيَّ جارحةٌ ... إلاّ تَمنيتُ أنها أذُنُ فأخذ بيت أبي تمام بلفظ قد استوفى طويله في أحسن نظامٍ وأوفى تمامٍ فهذا أول الأقسام. ويلي ذلك الثاني: وهو نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل. منه قول العباس بن الأحنف: زعموا لي أنها صارت تُحّمْ ... ابتلى الله بهذا مَنْ زَعمْ اشتكت أكمل ما كانت كما ... يَشْتكي البدرُ إذا ما قيل تَمْ هذا معنى لطيف أخذه ابن المعتز فقال: طوى عارضُ الحمَّى سَناهُ مخالا ... وألبسه ثوبُ السَّقام هُزالا كذا البدر محتوم عليه إذا انتهى ... إلى غايةٍ في الحسن صار هلالا ومنه قول أبي العتاهية: مَوتُ بَعْضِ الناس في الأرْ ... ضِ على بعض فُتوحُ معناه لطيف، ولفظه ضعيف، (1/106) قال بعض الأعراب: لا تكنْ محتقراً شأن امرئٍ ... ربّما كانت من الشأن شؤونُ رُبّما قَرّتْ عُيونٌ بشبحي ... مُرْمُضٍ قَدْ سَخنتْ منهُ عيونُ أخذه أبو تمام فحول صيغته فقال: وحُسْنُ مُنقلب تَبْدو وعواقُبُه ... جَاءتْ بشاشَتُهُ مِنْ قبح مُنْقلب فهذا مثال كاف. القسم الثالث: نقل ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه من ذلك قول أبي نواس: بُحّ صوتُ المالِ ما ... مِنك يَشكو ويصيحُ ما لهذا آخذ ... فوق يَديْه أو نَصِيحُ معناه صحيح ولفظه قبيح، أخذه مسلم فقال: تَظلّم المالُ والأعداءُ مِنْ يَدِهِ ... لا زالَ للمالِ والأعْداء ظلاّما فجود الصنعة وجميع بين تظلمين كريمين ودعا للممدوح بدوام ظلمه للمال والأعداء، وكل ذلك مليح جزل، نقل من ضعيف المبنى. وقال أبو العتاهية: كأنَّها في حسنها دُرّةٌ ... أخْرجها اليّمُّ إلى السَّاحلِ شبهها بالدرة بياضاً وحسناً ثم إن بقية البيت حشو، لأنها إذا خرجت إلى (1/107) الساحل أو غابت في اللج فليس ذلك بزائد في حسنها، والذي قال بشار من هذا أحسن، وذلك: تُلقي بتسبيحةٍ من حُسْن ما خُلقت ... وتستقرُّ حَشى الرَّائي بإِرعَادِ كأنّما خُلقتْ في قِشْرِ لُؤلؤةٍ ... فكلُّ أكتافها وَجْهٌ بِمرصادِ وقد أخذ التشبيه البحتري فقال وجودّه: إذا نَضونَ شُفوفَ الرَّبط آونةً ... قَشرْنَ من لُؤلُؤ البحرينِ أصْدافَا هذا لفظ سديد ومعنى مفيد لا يفضل لفظه عن معناه. القسم الرابع: عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء، منه قول البلاذري: قَدْ يرفعُ المرء اللئيمَ حجابُه ... ضعة ودونَ العرف مِنْه حِجَابُ وقال البحتري: وإنْ يحل بَيننا الحجاب فَلنْ ... يحجبَ عنّا آلاَءَهُ حُجُبهْ (1/108) ومثله: إنْ يحتجَب شخصُك عَنْ أعْيُنٍ ... عَنْك فَما جُودك بالمحتجِبِ ومثله لابن الرومي: ما شئت مِنْ مالٍ حِمىً ... يأوي إلى عِرْضٍ مباح معكوسة قوله: هو المرءُ أمّا ماله فمحلَّلٌ ... لِعافٍ، وأمّا عِرْضُهُ فمحرَّمُ وهذا مثال كاف. القسم الخامس: استخراج معنىً من معنىً احتذى عليه وإنْ فارق ما قصد به إليه، منه قول أبي نواس في الخمر: لا ينزلُ الليل حيثُ حلَّتْ ... فليلُ شُرَّابِها نَهارُ احتذى عليه البحتري وفارق مقصد أبي نواس فجعله في محبوب فقال: غابَ دُجاها، وأيُ لَيلٍ ... يَدْجُو عَليْنا وأَنْتَ بَدْرُ؟ ومثله قول أبي نواس: مِنْ شُراب كأنَّه كلَ شيءٍ ... يَتمنَّى مخَّيرٌ أن يكُونَا (1/109) احتذى عليه حبيب في صفة ممدوح فقال: فَلَوْ صَوَّرْتَ نَفْسَكَ لم تَزدْها ... على ما فِيك مِنْ كَرمِ الطباع قوله:) صَوَّرتَ نَفْسك (يشبه قول أبي نواس) مخيَّرٌ (في المعنى ومثل ذلك قول أبي تمام: كَريمٌ متى أمْدحْهُ أمْدَحْهُ والورَى ... معي، ومَتى ما لمتُهُ لمتهُ وَحْدي احتذى عليه المتأخر في محبوب فقال: وإذا شَكوتُك لمْ أجدْ لي مسعداً ... ورُميتُ فيما قُلتُ بالبُهتانِ فهذا مثال من هذا القسم كاف. القسم السادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق، هذا من أدل الأقسام على فطنة الشاعر لأنّه جرّد لفظه من لفظ من أخذ منه وهو معناه متفق معه. من ذلك قول أبي تمام: لأمْرٍ عَليهمْ أنْ تَتّمَّ صُدوره ... وليسَ عَليهمْ أنْ تَتِّمَّ عَواقِبُهْ (1/110) أخذه من قول بعض الحرب أنشد) نيه (أبي رحمه الله قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه: غُلامُ وغى تَقَحَّمها فَأودى ... وقَدْ طحنته مراده طحُونُ فإِن على الفتى الإِقدامُ فيها ... وَليسَ عليه ما جَنت المَنُونُ المعنى متفق واللفظ مفترق وهذا المذهب دقة فطنة السارق ومثل قول أبي نواس في محبوب أعرض عنه ببعض وجهه: يا قمر النصفِ مِنْ شَهرِنا ... أبدى ضياء لثمانٍ بقينْ أخذه من قيس بن الخطيم في قوله: تَصدّتْ لنا كالشمسِ تَحْتَ غَمامةٍ ... بدا حاجبٌ مِنْها وضنّتْ بِحاجبِ (1/111) القسم السابع: في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات، هذا من أشد باب وأقله وجوداً وإنما قل وجوده لأنه من أحق ما أستعمل فيه الشاعر فطنته وكدّ فيه فكرته، فمنه قول أبي نواس: واسْقينها من كُميتٍ ... تَدعُ اللْيلَ نَهارا فاشتق من ذلك: لا يَنزلُ الليلُ حَيثُ حَلّتْ ... فَليلُ شُرّابِها نَهارُ وقال: قال:) ابغني المصباحَ (قُلتُ لَهُ: ... ) أتئدْ حَسْبي وحسبُك ضَوؤُها مِصْباحَا ( فسكْبتُ مِنْها في الزُّجاجة شُرْبةً ... كَانتْ لَهُ حَتَّى الصَّباحِ صَباحَا وكل هذه متقاربات وألفاظ مناسبات بمولد بعضها من بعض ومثل ذلك لغيره: كأنَّ كؤوسَ الشرب والليلُ مُظلمٌ ... وجوهُ عذارى في ملاحفٍ سود أشتق منه ابن المعتز وقال: وأرى الثرّيا في أسماء كأنَّها ... قَدمٌ تَبدّتْ مِنْ ثِيابِ حِدادِ فهذا مثال في هذا القسم كاف. (1/112) القسم الثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام وإن كان أحق به لأنه أبتدع والثاني أتبع. من ذلك قول العكوك في فرس: مُطردُ يرتّجّ مِنْ أَقطارِهِ ... كالماء جالتْ فيهِ ريح فأضطرب فذكر ارتجاجه ولم يذكر سكوته فأخذه ابن المعتز فقال: فكأنّهُ مَوْجٌ يَذوبُ إذا ... أطْلقتهُ وإذا حَبستَ جَمَدْ فجمع بين الصفتين، وقول ديك الجن: مُشعْشعةٌ مِنْ كَفَّ ظبيٍ كأنَّما ... تناولها من خَدِّهِ فأدارها (1/113) أخذه ابن المعتز فقال: كأنّ سُلافَ الخمر من ماء خَدّهِ ... وعُنقودَها من شعره الجَعْدِ يُقْطَفُ فزاد في ذلك تشبيهاً آخر في الشعر وهو من تمام المعنى ومثله: كأنَّ سقوطَ الدَّمع في وَجَناتِه ... سقيطُ الندى أوْفى على ورَق الورْدِ أخذه ابن الرومي فقال: كأنَّ تلكَ الدموع قطر نَدى ... يُقطرُ مِنْ نَرجسٍ على وَردِ فجاء بتشبيهين حسنين وزاد في المعنى ما هو من تمامه، ومثله قول البحتري في بركة: إذا عَلَتْها الصَّبَا أبْدَتْ لها حُبُكاً ... مِثْلَ الجَواشنِ مَصْقولاً حَواشِيها (1/114) أخذه بعض المحدثين فقال: إذا ما الريح هَبّتْ قلتُ: دَرْعُ ... وإنْ سكَنتْ فمرآةٌ صَقِيلُ فزاد عليه في إيراد المعنيين والجمع بين الصفتين. القسم التاسع: مماثله السارق المسروق منه في كلامه بزيادة في المعنى ما هو من تمامه، فمن ذلك قول أبي حيّة النميري: فَألقتْ قناعاً دُونَه الشمس واتّقتْ ... بأحسن موصولين: كَفّ ومعصمِ أخذه من النابغة في قوله: سَقَطَ النصيفُ ولمْ تُرِدْ إِسقاطهُ ... فتناوَلَتْهُ وأتقتنا باليَدِ فلم يزد النابغة على إخبارنا بإِبقائها بيدها وزاد عليه أبو حية بقوله:) دونه الشمس (وخبر عن المتقى بأحسن خبر فأستحقه، وقال الخريمي: همامٌ عطاياُ بِدورٌ طوالعُ ... على آمليهِ في سوادِ المطالبِ (1/115) أخذه أبو تمام فقال: وأحسنُ مِنْ نَورٍ تُفتّحهُ الصَّبا ... بياض العَطايا في سوادِ المطالبِ فملح وخفى وقال بشار: وَلَقَدْ جَريتُ مَع الهوى طلقَ الهوى ... ثُمَّ انثنيتُ فلم أَجدْ لي مَركضا أخذه أبو نواس فقال: جَريتُ مع الصِّبا طَلْقَ الجُموحِ ... وهانَ عليّ مأَثور القبيح فطلق الجموح أشعر من طلق الهوى ولم يخبر بأنه ارعوى ولم يجد مركضاً، وتمم بيته بخبر ثان يليق بالأول. وهذا مثال كاف. القسم العاشر: رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظة على لفظ من أخذ عنه، من ذلك قول حسان بن ثابت: إِنْ كُنت كاذبةَ الذي حَدّثتني ... فَنجوْتِ مَنْجى الحارث بن هشام تَركَ الأحِبّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونهمْ ... وَنجا برأسِ طِمّرة وَلِجام (1/116) أخذهُ حبيب فقال: وَنَجا ابن خَائنةِ البُعُولة لَوْ نَجَا ... بِمُهفهف الكشحينِ والآطالِ (1/117) وبينا ذلك على أن البيت لجميل، حكى الزبير بن بكار بإِسناد ذكره، أنَّ طلحة بن عبد الله قال: أتى كثير الفرزدق فقال الفرزدق: يا أبا صخر أنت أنسب العرب حيث تقول: أُريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ... تمثلُ لي لَيلى بكلّ سَبيل فقال له: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول: تَرى الناس ما سِرْنَا يَسيرونَ خَلْفَنا ... وإِنْ نَحْنُ أوْمأنا إِلى الناس وَقَّفُوا والبيتان جميعاً لجميل سرقه الفرزدق واحداً وكثير الآخر، فقال له: ما أشبه شعرك بشعري، أفكانت أمك أتت البصرة، قال: لا، ولكن أبي كثيراً ما يردها وينزل في بني دارم. قال طلحة: فعجبت من جواب كثير، وما رأيت قط أحداً أحمق منه، ولقد دخلت عليه في نفر من قريش وكنا كثيراً ما نهزأ به وكان يتشيع تشيعاً مفرطاً، فقلنا له وهو مريض: كيف نجدك يا أبا صخر؟ قال: بخير. فقال: هل سمعتم الناس يقولون شيئاً، قلنا: يقولون إنك الدّجال، قال: لأن قالوا أني لأجد في عيني ضعفاً منذ أيام. (1/122) وقد أريناك مثالاً من هذا القسم كافياً. القسم الثالث: نقل ما حسن مبناه ومعناه إلى ما قبح مبناه ومعناه من ذلك قول امرئ القيس: ألمْ تَرياني كُلَّمّا جئت طارقاً ... وَجدتُ بها طيباً وإنْ لمْ تَطّيبِ فأتى بما لم يعلم وجوده في البشر من وجود طيب ممن لم يمس طيباً وجاء بمراده في بيت حسن النظام مستوفي التمام. أخذه كثير فطول وضمن وقصر غاية التقصير فقال: فَما روضةٌ بالحزنِ مُعشبة الربى ... يَمُجُّ الندى جَثحاثُها وعرارُها بأطيب من أردانِ عَزَّةَ موهناً ... وَقَدْ أُوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارُها فأخبر أن أردانها إذا تبخرت كالروضة في طيبها وذلك ما لا يعدم في أسهل البشر جسماً وأقلهم تنظفاً. وقال الآخر: وريحها أطيب من طِيبها ... والطيب فيه المِسكُ والعَنبرُ (1/123) وقال بشار: وإذا أدنيتَ بصلاً ... غَلب المسكُ على ريحِ البصلِ فهذا غير اللفظ الوضيع النائي عن سمع السميع: وفي هذا كفاية من هذا القسم. القسم الرابع: عكس ما يصير بالعكس هجاء بعد أن كان ثناءً كقول أبي نواس: فهو بالمال جوادٌ ... وهو بالعرْض شَحيحُ عكسه ابن الرومي فقال: مَا شِئتَ من مالٍ حمىً ... يَأوي إلى عِرضٍ مُباح وكقول حسان بن ثابت: بيضُ الوُجوه، كَريمةٌ أحسابهم ... شمُ الأنوفِ مِنْ الطرازِ الأَول (1/124) عكسه ابن أبي فنن فقال: ذَهَبَ الزمانُ بِرَهْطِ حَسّان الأُولى ... كانَتْ مَناقِبهمْ حَديثُ الغابرِ وَبقيتُ في خَلِفٍ تحلُّ ضيوفُهمْ ... فِيهمْ بمنزلةِ اللئيم الغادرِ سُودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسَابِهمْ ... فُطَسْ الأُنوفِ مِن الطرازِ الآخرِ وهذا مثال كاف. ويليه القسم الخامس: نقل ما حسنت أوزانه وقوافيه إلى ما قبح ونقل على لسان راويه، فمن ذلك قول أبي نواس: دعْ عنكَ لومي فإنَ اللْومَ إِغراءُ ... ودَاوني بالتي كانتْ هِي الداءُ (1/125) فأبو نواس زجر عذوله عن لومه بألطف كلام وأفاد صدر بيته إغراء الملوم المحب بالحب، وشغل عجزه بمعنى آخر بكلام رطب ولفظ عذب، أخذه أبو تمام فقال: قَدْكَ أتِئبْ أربيتَ في الغُلواءِ ... كَمْ تَعْذِلونَ وأَنتُم سُجَرائي فزجر عذوله بصعود من الكلام وجذور يصعب على راويه ويقبح صدره وقوافيه ومثله قول مسلم: قَدْ أَولعتْهُ بِطول الهَجْر غِرَّتهُ ... لوْ كَانَ يَعلمُ طول الهجَرْ ما هَجَرَا أخذه أبو تمام فقال: كُشِفَ الغِطاءُ فأَوقِدِي أو فأَخمدي ... لَمْ تَكْمدِي فَظنَنْتِ أنْ لمْ تَكْمدي فهذا مثال من هذا القسم كاف ويليه: القسم السادس: حذف الشاعر من كلامه ما هو من تمامه منْ ذلك قول عنترة: فإِذا سَكرتُ فإِنني مُستهلكُ ... مَالي وعرضي وافرٌ لم يُكْلم وإذا صَحوتُ فما أقصر عن ندىً ... وكما علمت شمائلي وتكرَّمي (1/126) أخذه حسان فقال: وَنَشْربُها فَتتركُنا مُلُوكاً ... وأَسداً ما يُنهِنهُنَا اللقَاءُ فوفى عنترة الصحو والسكر صفتيهما، وأفرد حسان الإِخبار عن حال سكرهم دون صحوهم فقبض ما هو من تمام المعنى لأنه قد تمكن أن يظنَ ظانٍ بهم البخل والجبن إذا صحوا لأن من شأن الخمر تسخيته البخيل وتشجيع الجبان، ومن ذلك قول امرئ القيس: نَظرتْ إِليكَ بعينٍ جَازئةٍ ... حَوراء حانيةٍ عَلى طِفْلِ أخذه المسيب فقال: نَظَرتْ إِليكَ بعينِ جازئةٍ ... في ظِلّ بَاردةٍ من السّدْرِ وما يحسن عين الوحشية في ظل السدرة إلا مالها في غير ذلك ولامرئ القيس فضل السبق والحذق وذلك لأنه قال حوراء فأفاد صفة ثم قال: حانية على طفل وفي حنّوها على ولدها ما يكسب نظرها بنزوعها عليه وخوفها معنى لا يوجد عند سكونها وأمنها فقد سرق المعنى المسيب وحذق ما هو من تمام الكلام، (1/127) ومن هذا الباب قول أبي نواس: إذا مَا دَنتْ اللهاةِ من الفتى ... دعا همّه مِنْ صَدره بِرَحيلِ أخذه ابن المعتز فقال: إذا سكنتْ صَدْرُ الفتى زَالَ هَمهُ ... وَطَابتْ لَهُ دُنْياه وأتسعَ الضّنْكُ فجاء أبو نواس في صفتها بما لا يعلم من فعلها شاربها وذلك أنه علم أنها قبل نزولها إلى صدره وبلوغها قلبه، يزيل همه وما يأتي منها دون اللهاة فهو أول جرعة من كأسها وكل هذا إفراط يحسن مثله في المنظوم، وابن المعتز سرق وخبّر بما لا يجهل من صفتها وفعلها بشاربها لأن في قوله) سكنت (أتساعاً للظّان لأنه يجوز أن يسكن صدره منها الكبير الذي يسكن مثله، وإن عارض معارض، فقال أبو نواس: قال: باطلاً وابن المعتز صدق قلنا له: إنّ الصدق غير ملتمس من الشاعر وإنما المراد منه حسن القول في المبالغة في الوصف والشعر وفي فنون الباطل واللهو أمكن منه فنون الصدق والحق دليل ذلك (1/128) شعر حسان في آل جفنة في الجاهلية فإنه كان كثير العيون والفصول، قليل الحشو والفضول، فلما صار إلى الإِسلام طلب طريق الخالق واستعمال اللفظ الصادق فقل تناهيه وضعفت معانيه فهذه بلغة كافية من هذا المثال. القسم السابع: رجحان كلام المأخوذ عنه على كلام الآخذ منه، من ذلك قول عدي بن زيد: لَوْ بِغْيرِ الماءِ حَلْقي شَرقٌ ... كُنْتُ كالغْصّان بالماءِ اعْتصارِي أخذه النامي فقال: غُصِصْتُ مِنْكَ بما لمْ يَدْفَعُ الماءُ ... وصحَّ هَجْرُكَ حَتَّى مَا بهِ دَاءُ (1/129) فأتى بمعنى عدي بن زيد في صدر بيته وأتى في عجزه بمعنى آخر بلفظ فائق ومعنى رائق، ومن ذلك قول مسلم: أما الهجاء فَدَّق عِرضُكَ دُونَه ... والمدحُ عَنْكَ كَما علمتُ جَليلُ فأذهب فأنتَ عتيقُ عِرضك إنه ... عِرضٌ عَززتَ به وأنت ذَليلُ أخذه أبو تمام فقال: قالَ لي النَّاصحونَ وَهْوَ مِقَالٌ ... ذَمُ منْ كانَ جاهلاً إطراءُ صَدقُوا في الهجاء رِفعةُ أقوا ... مٍ طغامٍ فليس عندي هِجاءُ فبين الكلامين لون بعيد، وهذا مثال من هذا القسم. ويليه القسم الثامن: نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، من ذلك قول أبي نواس: بِشَرهمْ قَبْلَ النوالِ اللاحقِ ... كالبرقِ تَبْدو قَبلَ جود دَافِق والغَيثُ يخفى وقعة لِلوامِق ... إن لم تجده بدليل البارق (1/130) أخذه البحتري فقال: كَانتْ بَشاشَتُك الأُولى الَّتي ابْتدأتْ ... بِالبشرِ، ثُمَّ اقْتبلنا بَعْدها النِّعما كالمُزنِة اسْتُؤنفتْ أولى مُخيلتها ... ثُمَّ اسْتَهلَّتْ بغرب تابع الدِّيَمَا فكلام أبي نواس أخصر وأعذب من كلام البحتري، ومن ذلك قول أبي نواس: فَتَمّشَّتْ في مَفَاصِلهمْ ... كَتَمشِّي البُرء في السَّقمِ فهذا الكلام أكثر ماء وأتم بهاء من قول مسلم إذ يقول: تَجْري محبتها في قَلْبِ عَاشِقها ... جَرْيَ المعافاة في أعْضاء مُنتكسِ فهذا مثال كاف في هذا القسم. ويليه (1/131) القسم التاسع: نقل ما يصير على التفتيش والانتقاد إلى تقصير أو فساد، من ذلك قول القائل: وَلَقدْ أروحُ إلى التجّارِ مُرَجَّلاً ... مَذلاً بِمالي لينَ الأجيادِ وإنما له جيد واحد وهذا يجوز عند بعض العرب وعند آخرين غير حميد ولا سديد، وقال آخر: لما تَحاملت الخمُول حسبتها ... دوماً بأَيْلة ناعماً مَكْمُوما ذكر أن الدوم مكموم وإنما يكمم النحل، فهذا مثال من هذا الباب كاف. ويليه القسم العاشر: أخذ اللفظ المدعي هو ومعناه معاً، هذا القسم أقبح أقسام السرقات وأدناها وأشنعها فمن ذلك قول امرئ القيس: وُقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم ... يَقولون لا تَهلكْ أسىً وتَجَمَّلِ أخذه طرفة فقال: وُقوفاً بها صَحبي عليَّ مطيَّهم ... يَقولون لا تهلكْ أسىً وتَجَلَّدِ (1/132) وقد زعم قوم أن هذا من اتفاق الخواطر وتساوي الضمائر وبازاء هذه الدعوى أن يقال بل سمع: فاتبع. والأمران شائعان والأولى أن يكون ذلك مسروقاً لأنا قد رأينا لهذين الشاعرين ما لم تدع فيه موافقة، وهو قول امرئ القيس: وعَنْس كألواح الأرانِ نَسأتُها ... على لاحبٍ كالبُرْد ذي الحِبراتِ وقال طرفة: أمُونٍ كألواحِ الأَرَان نسأتها ... على لاحبٍ كأنه ظَهرُ بُرْجُدِ فإن جوزوا أن يكون هذا مسروقاً فذاك مثله ودعوى الاتفاق في البيتين الأولين ينبغي من حاضر صنعة القصيدتين وقت صنعهما شاعراهما فخبر، بأنّ الزمان في قولهما وظهورهما للناس واحد وأن المكان الذي حضرا فيه وحضر معهما واحد وإلا فما يصل دعواه إلى إيضاح برهان كما لا نقطع عليهما نحن ببطلان، ومن ذلك قول الحطيئة: إذا حُدّثتْ أَنَّ الذي بي قاتِلي ... مِن الحبِّ قَالتْ: ثابِتٌ وَيزيد (1/133) ُ سمعه جميل فقال: إذا قلتُ: ما بي يا بثينةُ قاتلي ... مِن الوَجْدِ قَالتْ: ثَابتٌ ويزيدُ وأظن جنايته على الحطيئة في هذا البيت سهل على الفرزدق وكثير مجاراته بمثل ما فعل فيما أخذ منه مما تقدم ذكره من بيته، ومثل قول مسلم: يَقُولُ فِي قُومس صَحْبي وَقدْ أخَذتْ ... مِنَّا السُّرى وخُطا المهرَّبة القُودِ يقول صَحْبي وَقَدْ جروا على عَجَلٍ ... والخَيل تَستن بالركبات في اللُجمِ أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت: كلا، ولكن مطلع الكرم أخذه أبو تمام فقال: يَقُولُ في قَومس صَحْبي وَقَدْ أخَذَتْ ... مِنا السُرَى وخُطا المَهْرَّبة القُودِ أمَطْلعَ الشَّمْس تَنوْي أنْ تَؤمَ بنا ... فَقلْتُ: كلا، وَلكنْ مَطْلع الجُودِ فهذه سرقة واضحة ودعوى فاضحة، (1/134) وروى ابن قتيبة لبعض الأغفال: أجارةَ بَيْتينا أبُوك عَسُوفُ ... ومَيْسورُ ما يُرْجَى لدَيك طَفيفُ فإِنْ كُنْت لا حِلماً ولا أنتِ زَوْ ... جَة، فَلا بَرَحتْ دُوني لَديك سُجوفُ وَجَاورتُ قوماً لا يُجاورَ بَينهم ... وَلا وَصْلَ إِلا أَنْ يَكُونَ وُقُوفُ وذكر أن أبا نواس أخذه منه وما أظن أن أبا نواس يرضى لنفسه مثل هذا وهو لا يعجز عن قول مثل هذا الكلام، وابن قتيبة يذكر أنه لبعض الأغفال وإذا جهل قائله جهل زمانه والأجمل أن يظّن به أنه لمتأخر أخذ من أبي نواس والتأخر فيه بين في شعره، ألا ترى أن الغيرة أشبه ها هنا من العسف وأنّ الميسور مع المعسور أليق بجودة الصنعة من الطفيف فأما سجوف وستور فمتقاربان، وقوله:) ولا وصل إلا أن يكون وقوف (يسود في هذا الموضع أوضح معنى وأجود في الصنعة فكيف يكون من أبي نواس مثل هذا، وهو ينكر من غيره ويستعدي عليه من مثل هذا، (1/135) وذلك أنه بلغني أنه كان عند محمد بن زهير صاحب الشرطة يشرب حتى إذا بلغ إلى نهاية من سكره وكان إذا سكر لم يفق إلاّ بإِنشاد الشعر فأمر محمد بن زهير خيار بن محمد الكاتب أن ينشد أبا نواس فأنشده خيار أبياتاً أبو نواس قائلها وادعاها خيار وهي: صَاحَ ما لي وللرسومِ القِفارِ ... ولنعتِ المطّيّ والأكوارِ شَغَلتني المُدامُ، والقصف عنها ... وقراع الطُّنبُورِ والأوتارِ ومضى في الشعر فوثب أبو نواس فتعلق به وبركا قدام محمد بن زهير وأنشأ يقول: أعِدْني يا محمدُ بِنْ زهير ... يا عذابَ اللّصُوصِ والدعارِ يَسرقُ السارقونَ لَيلاً، وهَذا ... يسرقُ الناس جهرةً بالنهارِ صَار شِعْري قَطيعة لخيارِ ... لِم؟ لماذا؟ لِقلة الأشْعارِ قل له فليغر على شعر حماد ... أخي الفتك أو على بَشارِ (1/136) فهذا الاستعداء والإِنكار لا يليق بما حكى عنه وما أشبه هذا الخبر بخبر عرفته عن أبي المعافي المزني حين مدح أبا العباس محمد بن محمد بن إبراهيم الإِمام بقوله: إِليْكَ بِمدحتي يا خَيْرَ ... إِلاَّ رَسُولَ الله مِن تَلدُ النِّساءُ ستأتيكَ المدائحُ مِنْ رِجالٍ ... وما كَفُّ أصابِعُها سَوَاءُ فأخذه منه بعض الشعراء فقال: إليك بمدحتي يا خير إلا ... رَسُولَ الله منْ تَلِد الرجال شبابيك المدائح من رجالٍ ... كَما أختلفتْ إلى الغرض النبال (1/137) فاستعدى عليه أبو المعالي صالح بن إسماعيل وهو على شرطة محمد بن إبراهيم بالمدينة فقال: ما سارقُ الشِّعْر فيه وَسْمُ صَاحِبه ... إِلا كسارقِ بيتٍ دُونَهُ غَلَقُ بَلْ سارِقُ البيْتِ أخْفى حين يَسْرقُهُ ... والبيتُ يَسْتُرُه من ظُلمةٍ غَسَقُ قال صالح فما تحب أن أفعل به؟ قال: تحلّفه عند منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا ينشد هذا الشعر إلاّ لي وقد قال ابن الحاجب في مثل هذا: أفلا محنة يخبر مِنْ فَاض ... لنا في القريضِ والمفضولِ مِحنة تفضحُ اللصوص وَتقضي ... بالذَي فِيهم قَضى التنزيلَ سَارقُ المالِ تَقْطعُ الكفّ مِنْهُ ... واللسانُ السروق مِنْها بدليلِ يَسودُ الذي يحق له السؤ ... دد مِننا ويَرذلُ المرذُولِ (1/138) وقد أكثر الشعراء ذم السرقة والسارق، فأول من ذمّ في ما روى طرفة فقال: وَلا أُغيرُ عَلى الأشعار أسْرقُها ... عَنْها غَنيتُ وَشَرُّ النّاس من سَرَقا وقد ضج أبو تمام من سرقة محمد بن يزيد الأموي شعره فقال: مَنْ بَنو نجدل من ابن الحُبَابِ ... منْ بنو تغلب غَداةَ الكُلاب؟ (1/139) منْ طُفيلُ وعَامِرٌ ومن الحا ... رثُ أم منْ قُتيبةُ ابن شِهابِ إِنَّما الضَّيغمُ الهَصُورُ أبو الأش ... بل جَبَّارُ كُلِّ خِيس وَغَابِ مَنْ غَدَتْ خيلُه على سَرْح ... شِعْري وهو للحِيْنَ راتعُ في كتابِ غَارةُ اسخنتْ عُيُونَ المعاني ... واستباحَتْ حُمى الآدابِ لَوْ تَرى مَنْطقي أسيراً لأصبح ... ت أسِيراً بعبْرةٍ وانتحابِ يا عَذارى الأشعار صِرْتُنّ بع ... دي سبايا تُبعن في الأعرابِ طَالَ رَغبي إليك يا رب يا رب ... وَرعني إِليكَ فأحفظ ثيابي (1/140) وكان البحتري قال قصيدة في العباس بن بسطام أولها: من قائلُ للزمان، ما أربُهْ ... في خُلْقٍ مِنه قَدْ خَلا عجبه؟ ) فعارضه فيها (أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة يمدح فيها الموفق أولها: أجدُّ هذا المقال أمْ لعبه ... أم صِدْق ما قِيل فيه أمْ أكذبه فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري فيه: لا الدَّهرُ مُستنفذٌ ولا عَجَبُهْ ... تَسومُنا الخسفَ كُلَّهُ نُوَبُهْ (1/141) نَالَ الرِّضا مادِحٌ ومُمتدحٌ ... فَقُلْ لِهذا الأمير: ما غَضَبُهْ أحْلى لصوص البلادِ يَطْردُهم ... وظل لِصُّ القريضِ ينَتْهبُه أردد علينا الذي اسْتعرت وَقُلْ ... قَولكَ يُعْرفْ لغالبٍ غَلَبُهْ فضجّ من سرقة شعره، وقد ذمّ ابن الرومي البحتري بالسرقة فقال: قُبحاً لأشياءَ يأتي البُحْتريُّ بها ... مِنْ شِعرهِ الغثّ بَعْدَ الكِدَ والتَّعبِ كأنَّها حين يُصغي السامعون لها ... ممن يُمَيزُ بين النَّبَعْ والغَربِ رُقى العقارب أو هذر النُباة إذا ... أضْحُوا على شَعْثِ الجدرانِ في صَخَبِ سَمِينُ ما مَنحوه مِنْ هُنا وَهُنَا ... والغثُّ منه صَريحٌ غيره مؤتشبِ يُسيء عفّاً، فإنَ ألدتْ مَسائله ... أجادَ لِصّاً شَديدُ البأس والكلبِ (1/142) حيٌّ يُغِيرُ على الموتى فيسلبُهم ... حُرَّ الكلام بجيش غير ذي نجبِ ما إنْ تَزالُ تَراهُ لابساً حُلَلاً ... أسلاب قومٍ مَضَوا في سالف الحقَبِ شِعْرٌ يُغيرُ عَلَيْه باسِلاً بطلاً ... وَيشدُ النَّاس إِيَّاهُ على رتبِ حَتّى إذا كَفَّ عَنْ عاداته فَلَهُ ... شِعْرٌ يئن مقاسِيه مِن الوصبِ شِعْرٌ كنافض حُمى الخمريِّ لَهُ ... بَردٌ وكربٌ فَمنْ يُرويهِ في كَرب؟ قُلْ للعلاء بن عيسى والَّذي نَصَلتْ ... بِه الدَّواهي نُصول الآل في رَجبِ أيسْرقُ البحتُريُّ النَّاسَ شِعْرهُم ... جهلاً وأنْتَ نكالُ اللّص ذي الرّيبِ وتارةً تُبرزُ الأَرواحَ مَنْطقُهُ ... فالخلْقُ ما بيْنَ مَقْتولٍ وَمُغتصبِ تكّلهُ إن أناساً قَبْلهُ ركبُوا ... بِدُون ما قَدْ أتاهُ باسِقَ الخَشَبِ إذا أجادَ فأوْجبْ قطع مقْوله ... فَقَدْ دَما شُعراء النَّاس بِالحَربِ وإِنْ أساءَ فأوْجِبْ قَتْلَهُ قَوداً ... بِمَنْ أفات إذا أبْقى على السَّلبِ (1/143) أنظر إلى استساغ ابن الرومي من سرقة البحتري ومطالبه من له قدرة بعقوبته أو قتله عليها وإلى أنس أبي الطيب بها حتى غلبت على شعره والشاعر الذي لم يرض له ابن الرومي إلا بالقتل والصلب، ذكر محمد بن الجراح أنه ذكر له أحمد ابن أبي طاهر أنه أخرج له ستمائة بيت سرقة منها أربع مائة بيت للطائي فافتخر أحمد أنه قدر على إخراج مثل ذلك وأستكثره وشعر البحتري أكثر فليت أبا الطيب رضيّ بمثل هذه العدة من السرقة، ولكنه ظن أنه لا يهتدي إلى استخراج ما قال من السرقة غيره وأنّ سارقُ الشعر يستحقه بالسرقة والبحتري يقول فيه ابن الحاجب: والفتَى البحتري سَارقُ ما قَا ... ل ابن أوسٍ في المدح والتَّشْبيبِ كلُّ بَيتٍ لَهُ يَجودُ مَعَنا ... هُ فَمعناه لابن أوسٍ حَبيب فجعل جيد شعره لحبيب وإنما أخذ منه على ما حكى ابن أبي طاهر أربع مائة بيت على كثرة شعر البحتري ولعل أبا الطيب قد أخذ من حبيب هذه العدة أو أكثر، (1/144) وقد ذكر أبو بكر الصوليّ: أنّ رجلاً فضل أبا نواس على بشار، قال له أبو بكر: فرددت ذلك عليه وعرفته ما يجهله من فضله وتقدمه جميع المحدثين وأخذهم منه، فقال لأبي نواس معان قد سبق إليها وتفرد بها، فقلت له: ما منها، فذكر أشياء فجعلت كلّ ما منها، فذكر أشياء، فجعلت كلّ ما أنشد جئته بأصله فكان من ذلك قوله: إِذا نَحنُ أَثْنينا عليك بِصالحٍ ... فأَنْتَ كما نُثني وَفوق الذي نُثْني وإِنْ جرت الألفاظُ يوماً بِمدْحةٍ ... لغيرِكَ إِنْساناً فأَنْتَ الذي نَعْنِي فقلت أما البيت الأول فمن قول الخنساء: وَما بَلغَ المهْدُون في القولِ مِدْحةً ... وَلا صَدقُوا إِلاَّ الَّذي فِيكَ أفْضَلُ ومن قول عدي الرقاع العاملي: أُثنى فلا آلو وأعلمُ أنّهُ ... فَوْقَ الذي أُثْني بهِ وأَقُولُ (1/145) وأما البيت الثاني فمن قول الفرزدق لأيوب بن سلم بن عبد الملك: ولا أَمَرْتني النَّفس في رحلةٍ لها ... فيأمرني إلاّ إِليكَ ضَميرها فسلم ذلك. قال أبو محمد: فلولا أن السرقة تبطل فضيلة الإحسان ما عورض بها من استحسن قول أبي نواس وإن كانت قد سهلت على أبي الطيب حتى كثرت في شعره. وقد عرفتك الآن وجوه السرقات محمودها ومذمومها لتسلم من الحيف عليه وتقضي في الحقائق بما له وعليه مما أوجبه حكم السرقات من الإنصاف ولقبنا كتابنا) المنصف (لما قصدنا من إنصاف السارق والمسروق منه. وقد آن لنا أن نذكر ما قصدناه من إظهار سرقاته، وإن مرّ بنا في أثناء ذلك معنى مستحيل أو بيت لفظه غث أو إعراب فاسد ذكرناه احتراساً من توهّم الغفلة علينا وما نأتي في كل ذلك إلا ما تنسب به إلى العدل ويقع شاهدة العقل ولسنا نضمن إيراد جميع سرقاته وإنما نذكر من ذلك ما بلغنا علمه من مأخوذه، ونحن نبرأ إلى الناظر في كتابنا من إدعاء الإحاطة بجميع ما سلبه ومعرفة جملة ما أغتصبه لأني أدّعي رواية جميع الأشعار ولكل عالم زيادة على ما أوردت أن يورد منها ما أغفلت غير طاعن عليّ ولا ناسب تقصيراً إليّ لأني حفظت ما لم يبلغه وحفظ ما لم يبلغني وأعوذ بالله من إدعاء ما لا يحسنه وتعاطي ما لا يتقنه (1/146) على أنني لا أقضي على أبي الطيب بأن جميع كلامه مسلوب ولا كل فضله مغصوب وإذا جاء البيت الذي لم يبلغني من أين أخذه مما يستحسن سلمته إليه حتى يوجد له استخراج سرقة والله الموفق للصواب. (1/147) واعلم أن المحدثين أكثروا العجب بنوع من الشعر سموه البديع وظنوا أنهم أول من أخترعه وسبق إليه وابتدعه ولم يخترعوه ولا ابتدعوه بل لعمري قد صيروه كثيراً بعد أن كان نزراً يسيراً وتوهموا بكثرته في أشعارهم أنهم سبقوا إليه واستولوا عليه وكذلك أنا أدل على سبق المتقدمين إلى معرفته وتقدمهم في صنعته وقد قسموه أقساماً ونحلوه ألقاباً بك حاجة إلى معرفتها لئلا يرد عليك بيت لأبي الطيب يحتاج إلى مماثلة لهذا النوع فيبنى على أصلٍ وينطبق بعدلٍ، (1/148) وقد ذكرت من ذلك جملة هي دون الطويل المستكثر وفوق القليل المشتزر. التشبيه: أمّا أقسام الشعر فهي إما مثل سائر أو تشبيه باهر أو استعارة لفظها فاخر، فالمثل السائر والتشبيه الباهر أشهر من أن يشكل عليك فتحتاج إلى إيضاح، غير أنا نورد عليك مثالاً منه، وإن قلّ، فمن الأمثال السائرة قول امرئ القيس: فإِنّكَ لم يفخر عليك كفاخرٍ ... ضَعيفُ ولم يغلبك مثل مغلَّب ومنه قول طرفة: سَتُبدي لك الأيامُ ما كُنْتَ جَاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ من لمْ تَزَوِّدِ ومن شعر المحدثين قول أبي الشيص: إذا ما حمامُ المرء كان ببلدة ... دَعتهُ إليها حَاجة أو تطرّب (1/149) وقال دعبل: تأنّ ولا تعجل بلومك صاحباً ... لَعلَ لَهُ عُذراً وأنْتَ تَلَومُ وقال البحتري: وَرُبمّا جاءَ بما يُرتَجى ... وبعض ما لا يُرتجى الدَّهرُ وأما التشبيه الباهر فأحسن التشبيه عند أبي عمرو والأصمعي ما كان فيه تشبيهان في تشبيهين، وأحسن ذلك ما قاله امرء القيس: (1/150) كأنَّ قُلوبَ الطَّير رَطباً ويابساً ... لَدى وَكْرِها العُنّابُ والحشفُ البالي فشبه القلوب الرطبة بالعُنّاب، واليابسة بالحشف، وخص قلوب الطير بأنها أطيبها فإذا صادت جاءت بقلوب الطير إلى أفراخها وذكر عن الأصمعي أنه قال) الجارح لا يأكل قلوب الطير وإنما خصها دون غيرها لبقائها في وكر العقاب للعّلة التي ذكرها (. وقد قال بشار:) ما زلت مذ سمعت هذا البيت أزاول) أن (أقارن تشبيهين بتشبيهين فلا أستطيع حتى قلت: كأنَّ مُثارَ النَّقع فوقَ رُؤوسنا ... وَأَسيافنا لَيلَ تهاوى كَواكِبهُ ومن التشبيه المليح قوله: مِنْ وَحْش وَجْرةَ موشّىً أكارعُهُ ... طَاوي المصير كَسيف الصَقِيل الفَردِ (1/151) أخذه الطرماح فقال: يَبدو، وتُضمرُهُ البلادُ كأنَّنهُ ... سيفٌ على شرفٍ يُسلُّ ويُغمَدُ فملح في قوله:) تضمره (وشبه شيئين بشيئين، وجود الطباق بقوله:) يبدو، وتضمره، ويسل، ويغمد، ومثل ذلك ما أنشدنيه أبي رحمه الله قال: أنشدنا أبو الحسن لابن الأعرابي الوشاء. قال: أنشدني ابن الرومي لنفسه: ومُهفهفٍ تَمت محاسنُه ... حَتى تَجاوز منية النفسِ تَصبو الكؤوس إلى مراشفه ... وَنَحنُ في يده إلى الحبسِ أبصرته والكأس بين فم ... مِنه وبين أنامل خمس فكأنَّها وكأن شَاربِها ... قَمرٌ يقبل عَارض الشمس (1/152) ومثله لابن المعتز: أهلاً وسَهلاً بالناي والعُود ... وَشِربِ كاسٍ من كفّ مَقْدود قَدْ انقضتْ دَولةُ الصِّيام وَقَدْ ... بَشَّر سُقْم الهِلالِ بالعيدِ يَتلو الثُريّا كفاغِرٍ شَرهِ ... يَفتحُ فاهُ لأكلِ عُنقودِ الاستعارة: وأما الاستعارة في البديع: فنحن نذكر منها مثالاً نقيس عليه، فمن ذلك ما رواه إسحاق بن إبراهيم قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كانت يدي في يد الفرزدق قال: فأنشدته قول ذي الرمة: أقامتْ بهِ حتّى ذَوى العودُ في الثَّرى ... وساقَ الثُّريَّا في مُلاءَتِه الفَجْرُ فقال لي: أنشدك أم أدعك، فقلت: بل أنشدني قال: إنّ العود لا يذوي (1/153) أو يجفّ الثرى، وإنما الشّعر، حتى ذوى العود والثرى، ولا أعلم كلاماً أحسن من قوله:) وساق الثريا في ملاءته الفجر (ولا ملاءة له، وإنما هي استعارة. وقال ابن المعتز:) العود لا يذوي ما دام في الثرى (وأول من استعار امرئ القيس فقال: وَليلٍ كَموجِ البحْر مُرْحٍ سُدوله ... عليَّ بأنواعِ الهمومُ لِيبْتلي فَقلتُ لهُ لمَا تَمطى بصلبه ... وأردفَ أعجازاً وناءً بكلكلِ فذكر سدول الليل وجعلَ له صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وقد قال زهير: صَحا القلبُ عنْ سَلمى وأقْصرَ باطِلُه ... وعُرىَ أفْراسُ الصِبّا وَرواحِلُهْ ولا أفراس للصبا ولا رواحل، ومن مليح الاستعارة قول جرير: تُحيي الرّوامِسُ ربْعها فتُجدُّه ... بَعْدَ البِلى، وتُمِيتهُ الأَمطار قال ابن المعتز: جمع هذا البيت المطابقة والاستعارة، بالإحياء والإماتة، (1/154) والبلى والجدّة، ومن ذلك قول أبي نواس: ما زلْتُ أستلّ روح اللدَّنِّ في لُطُفٍ ... وأستقي دمهُ منْ جوْفِ مجْرُوح حتى انْثنيت، ولي رُوحان في بَدنٍ ... والزقّ مُنْطَرِحٌ جِسْم بِلا روحِ وقال ابن الأحنف: وَلي جُفونٌ جَفاها الدمع فاتَّصلتْ ... أعجاز دمعٍ بأَناقِ الدَّمِ السَربِ وقال ابن المعتز: وقَدْ رَكَضَتْ بِنا خيلُ المَلاهِي ... وقَدْ طِرْنا بأجنحةِ السرورِ وهذا مثال من هذا القسم كاف ولو استقصى لطال به الأمر وفيما ذكرناه دلالة على ما حذفناه. وقد أدخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي في البديع شيئاً سماه الإشارة في (1/155) الشِّعر، ذكر أنَّها من محاسنه، قيل له ما هي، فقال: جَعْلنا السيفَ بين الجيدِ مِنْه ... وبينَ سوادِ لِحْيته عِذارا ومثله قول جاهلي: جَعلتُ يَديَّ وشاحاً لَهُ ... وبعضُ الفوارس لا يعتنِقْ قال إسحاق قوله:) جعلت يديّ وشاحاً له (إشارة بديعة بغير لفظ الاعتناق وهي دالة. ومثل ذلك من كلام المحدثين قول أبي تمام: وإنّي لأرْجُو أن تُقَلَّد نحرَهُ ... قِلادةَ مأثور الذُّباب مُهَنَّدِ(1/156)

فهذا ما لم يسمه هذه التسمية قبل إسحاق أحد.

الإشارة: وقد ذكر قدامة الكاتب الإشارة فقال:) هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، باللمحة الدالة (. كقول امرئ القيس:

عَلى هَيْكلٍ يُعطيك قَبْل سُؤاله ... أفانين جَرْيٍ غَيرَ كزّ ولا وان

المطابقة: ثم قال لمخاطبه: تأمل ما أستملت لفظه) أفانين (مما لو عدّ كان كثيراً وما اقترن بها من جميع أصناف الجودة طوعاً من غير طلب ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والوناء، وهما أكثر معائب الخيل التي تربطها الفرسان للمنازلة،

(1/157)

ومن محاسن البديع، حسن المطابقة، وقد ذكر ذلك بعض المؤلفين المحدثين وقد سقت لك ما ذكر على وجهه وما قارب ذلك. قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وكان من العلماء بالشعر، وقد سئل عن الطباق فقال: أجد قوماً يختلفون في الطباق فطائفة تزعم وهي الأكثر: أنه ذكر الشيء وضدّه يجمعهما اللفظ الواحد بهما لا المعنى. وطائفة تخالف ذلك وتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد، مثل قول زياد الأعجم:

ونُبِّئتُهمُ يستصرخون بكاهلٍ ... وللؤم فِيهم كاهلٌ وسِنَامُ

(1/158)

فقوله:) كاهل (للقبيلة، وقوله:) كاهل (للعضو وهو عندهم المطابقة وقال هذا هو التجنيس، وقال: من ادعى أنه طباق، فقد ادعى خلافاً على الأصمعي والخليل. فقيل له: أفكانا يعرفان هذا؟ فقال: يا سبحان الله، وهل مثلهما في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه؟ فسألته عن أحسن طباق للعرب فقال هو قول عبد الله بن الزبير الأسدي:

رَمَى الحدثان نسوةَ آل حَرْبٍ ... بِمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمودا

فَردَّ شعورهنَّ السودَ بيضاً ... وَرَدّ وجوههنَّ البيض سُودا

وقال عمرو بن كلثوم بيتاً من الطباق المستحسن وهو:

بأنّا نُورد الرايات بِيضاً ... ونُصدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رَوِينا

كان أبدع بيت للعرب في الطباق لأنه لا يكون قد طابق بين الإيراد والإصدار والبياض والحمرة، والظمأ والريّ، وقد تم هذا لأبي الشيص فقال:

(1/159)

فأوردها بيضاء ظماء صدورها ... وأصدرها بالريِّ ألوانُها حُمْرا

فصار أخذه مغفوراً بكمال معناه، وفسر أصل الطباق الأصمعي فقال:) معناه وضع الرجل في موضع اليد، وأنشد:

وَخيلٌ يُطابقن بالدارعينَ ... طِباقَ الكلابِ يطأن الهِراسَا

وقال الخليل:) يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد وألصقتهما، وأحسن محاسن البديع المطابقة ويتلوها في الحسن المجانسة وقد سبق العرب إلى ذلك فمن ذلك قول الفرزدق:

لَعنَ الإِلهُ بَني كُليبٍ إِنَّهم ... لا يَقْدرونَ ولا يَفونَ لِجار

يَسْتَيقظونَ إلى نُهاقِ حَميرهمْ ... وَتنامُ أعينهمْ عنْ الأوتارِ

(1/160)

والمطابقة في شعر المحدثين كثيرة، من ذلك قول أبي تمام في الشيب:

لَهُ مَنْظرٌ في العينِ أبيضُ نَاصعُ ... ولكنَّهُ في القلْبِ أسْودُ أسْفعُ

ومنها قول دَعبل:

لا تَعْجبي يَا سلم مِنْ رجلٍ ... ضَحِكَ المشيب بِرأسهِ فَبكَى

وقال البحتري:

إِنَّ أيامَهُ مِن البيضِ بيضٌ ... ما رَأيْنَ المفارِقَ السودَ سُودا

ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول القائل:

لِلسودِ في السودِ آثارٌ تركنَ بها ... لمعاً مِن البيضِ يَثْني أعْينَ البيض

فالسود الأول هي: الليالي، والسود الثانية هي: الشعرات السود والبيض الأول هي الشعرات البيض والثانية: النساء. وهذا كلام لفظه فصيح وتقسيمه صحيح.

(1/161)

يتلوه ذكر المجانسة وهي: مجيء كلمة تجانس أختها في مسمع حروفها دون معناها، ونحن نذكر لك من شعر العرب في ذلك مثالاً فمنه قول امرئ القيس:

لَقدْ طَمح الطّماحُ منْ بُعد أرضه ... لِيُلبسني مِنْ دائه ما تلبَّسا

ومنه قول الآخر:

وإني لا أزال أخا خروبٍ ... إذا لمْ أجْن كُنْتُ مجنَّ جَاني

ومثله لجرير:

(1/162)

ومَا زالَ معقولاً عقالٌ عَنْ الندى ... وما زالَ مَحبوساً عَنْ الخيرِ حَابِسُ

ومن التجنيس النازع قول رجل من عبس:

أبلغْ لَديكَ أبا سَعْدٍ مُغَلغَةً ... إنّ الذي بيننا قَدْ ماتَ أو دَنَفَا

وذَلكمْ أن ذلَّ الجار حَالفكُمْ ... وأنّ أنفكم لا يأنفُ الأنفَا

فهذا مثال من شعر العرب في هذا، ومن شعر المحدثين في المجانسة قول عبد الله بن طاهر:

وأنّي للثغرِ المخيف لكالئ ... ولِلثغرِ يَجْري طُلمه لِرشَوف

وقال أبو تمام:

أيام تُدمِي عَيْنهُ تِلْكَ الدُّمَى ... فِيها وَتقْمُرُ لُبَّهُ الأَقْمَارُ

بيض فهُنَّ إذا رُمِقْنَ سَوافِراً ... صُورُ وَهُنَّ إِذا رَمقْنَ صِوَار

(1/163)

وقال أشجع:

يوماً خلجتْ على الخليجِ نُفوسهم ... عصباً وأنْتَ بِمثلها مُسْتامُ

وقال البحتري:

إِذا ابتسمتَ تألقَ عارِضَاهَا ... على ضَربٍ تألّقُ فِي ضَريب

متى تُغْربُ ضِياء الشمسَ نُردَد ... سَناها مِنْ سنا تِلْكَ الغُروبِ

وفي هذا كفاية من معرفة هذا الجنس وقس عليه باقيه.

ويتلوه: رد أعجاز الكلام على صدوره.) ولزهير بن أبي سلمى (:

منْ يَلْقَ يوماً على عِلاته هَرماً ... يَلْقَ السماحةَ مِنْه والنَّدى خُلقا

(1/164)

ومثله للفرزدق:

أصْدِرْ هُمومك لا يْقتُلك وارِدُها ... فَكلُّ واردة يوماً لَها صَدرُ

ومنه للآخر:

سَريعٌ إلى ابن العم يَشْتِمُ عِرضَهُ ... وليسَ إلى دَاعي النَّدى بِسريعِ

وقال أبو حية النميري:

إذا مَا تقاضى المرء يومٌ ولَيلةٌ ... تَقاضاهُ شَيء لاَ يملُّ التقاضيا

وقال أبو نواس:

ظَنّ بي من قد كلفتُ بِه ... فَهو يَجفوني عَلى الظَنَن

(1/165)

وقال الآخر:

يا بَياضاً أذْرى دُموعي حَتَّى ... عَادَ مِنْها سَوادُ عَينْي بَيَاضَا

الترديد: وقد لقب بعض الأدباء هذا الفن) الترديد (وبعضهم يسميه التصدير وهو أن يبتدئ الشاعر بكلمة في البيت ثم يعيدها في عجزه أو نصفه ثم يردها في النصف الآخر، وهذا إذا نظم الشعر على هذه الصفة تيسر استخراج قوافيه قبل أن يطرق أسماع مستمعيه، وهذا الباب واسع يدل عليه هذا اليسير فأكتف به موفقاً إن شاء الله.

الالتفاف: وفي الشعر الالتفاف وهو: انصراف عن مخاطبة إلى إخبار وعن إخبار إلى مخاطبة.

(1/166)

من ذلك قول جرير:

مَتَى كانَ الخيامُ بِذي طُلوحٍ ... سُقِيت الغَيْثَ أيتُها الخِيامُ

أتنسى يوم تصقل عَارِضيها ... بعود بشامةٍ، سُقي البَشامُ

وحكى أسحق بن إبراهيم قال قال لي الأصمعي:) أ (تعرف التفات جرير؟ قلت لا، فأنشدني:

أتنسى إذْ تُودعنا سُليَمْى ... بفرعِ بشامة، سُقِي البَشامُ

هذه رواية إسحاق كذا وجدتها.

وقال أبو تمام:

وأنجدتم من بعدِ اتهام دَارِكُمْ ... فيا دَمعُ أنجدني على سَاكِني نَجْدِ

فهذا مثال في هذا.

ومن محاسن الشعر اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود

(1/167)

الشاعر إليه فيتممه مرة واحدة، وربما سمي التفاتاً، من ذلك قول القائل:

فإنّي إنْ أفْتك يَفِتك مني ... فَلا تَسْبِق بِه عِلقٌ نفَيسُ

ومن أملح ذلك قول طرفة:

فَسقى دياركَ غَيرْ مُفسِدِها ... صَوْبَ الربيعِ وديمةُ تَهمْي

فقد تمم المعنى بقوله غير مفسدها، وقال نافع بن خليف الغنوي:

رجالُ إذا لم يُقْبل الحقّ مِنَهمْ ... ويعطوهُ، عادوا بالسيوفِ القَواضبِ

فتم المعنى بقوله: ويعطوه.

التتبيع:

ومن محاسن الشعر التتبيع: وهو أن يقول الشاعر شيئاً من معانيه ولا يأتي

(1/168)

اللفظ الدال عليه بل بلفظ تابع له فإذا دلّ التابع أبان عن المتبوع، من ذلك قول عمر:

بعيدةُ مَهوْى القُرط إما لنوفلٍ ... أبوها، وإما عبدُ شمسٍ وهاشم

وإنما ذهب إلى وصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به بل أتى بمعنى هو تابع لذلك بقوله) بعيدة مهوى القرط (.

ومن ذلك حسن التضمين قال الأخطل:

وَلقدْ سَما للخيرمي فلم تَقلْ ... بَعْد الونى: لَكن تضايقَ مَقدمي

مثله لآخر:

(1/169)

خلقت على باب الأمير كأنَّني ... قِفَا نبكِ مِنْ ذِكرى حَبيبٍ ومنزلٍ

وقال ابن الرومي:

قَال لي عُمرها وَقدْ غَازلتَنْي ... لا تعرجْ بِدارس الأطلال

التقسيم: قد ذكرنا أصول الشعر من المثل الشرود والتشبيه السديد والاستعارة البديعة في الألفاظ الرفيعة، ثم صرنا إلى البديع فذكرنا محاسنه من المطابقة والمجانسة والالتفات والتوابع كذلك من ذكر الإشارة والتضمين وقد سمى المحدثون أسماء في الشعر ولقبوه ألقاباً لم يكن يعرفها المتقدمون ونحن نذكر منها ما يستدل به على معانيها حتى لا يفوتك شيء مما يتعلق بمعرفة نقد الشعر إلاّ أحكمته، فمن ذلك ما سمّوه التقسيم.

سئل علي بن هارون عنه فقال: هو أن

(1/170)

يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به ويستوفيه، فلا يغادر قسماً يقتضيه المعنى إلا أورده.

كقول بشار:

بِضَرْبٍ يَذُوقُ الموتَ مِنْ ذَاقَ طَعْمَهُ ... وَنُدركُ من نَجَّى الفرارُ مَثَالُبُه

فراحوا: فريق في الأسار ومثلُهُ ... قتيل، ومثل لاذ بالبحرِ هَاربُه

قال من يقع به الطعن، ودارت رحى الحرب عليه غير ما ذكر وكان علي بن يحيى يقول: لم يقل في التقسيم أحسن من قول الشماخ:

مَتى تَقع أرساغُه مُطمِئنَّةً ... على حَجرٍ يَرفضُّ أو يَتَدحرج

(1/171)

وقال: ليس في الوطئ) الشديد (إلاّ أن يكون الحجر الموطئ رخواً أو صلباً فيدفع.

ثم قال أبو الحسن قال: أتى هارون بن علي، وأنا أقول أن أحسن ما قيل في ذلك قول القائل:

يطعُنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنُوا ... ضاربَ حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقَا

قال أبو الحسن: وأنا) أقول (:

إن يُلحقوا أكُرْر وإن يُستلحموا ... أشدد، وإن يُلقوا بضَنكٍ أنزلِ

المقابلة: وفي هذا المعنى بلغة كافية. يتلوه المقابلة، وذكر قدامة الكاتب - وكان من جهابذة الشعر - أن المقابلة:) هو أن يضع الشاعر معان يعتمد التوفيق بين بعضها وبعض

(1/172)

أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة أو يشترط شروطاً ويعدّد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وفيما يخالفه بأضداد ذلك.

قال: قلت له فأنشدني أحسن ما قيل فيه فقال قوله:

فيا عجباً كَيفَ اتّفقنا فَناصحٌ ... وَفيّ ومطويٌّ على الغِل غَادِرُ

وقال الطرماح بن الحكيم:

أسرناهُمْ فأنْعمنا عَليهم ... وأسقَينا دماءَهُمُ التِرابَا

فما صَبروا لبأس عنْد حَربٍ ... ولا أدّوا لِحسن يدٍ ثَوَابَا

(1/173)

فجعلوا إزاء أن سقوا دماءهم التراب وقابلوا أن يصبروا بازاء أن ينعموا عليهم أن يثيبوا. وقال: هذه المقابلة.

وقال علي بن هارون: كان يحيى بن علي يزعم أن أحسن ما قيل فيها قول النابغة:

فتىً تمَّ فيه ما يُسرّ صديقَهُ ... على أنّ فِيه ما يَسوء الأعادِيَا

ففي هذا المثال كفاية في هذا الباب.

التسهيم: ويتلوه التسهيم، سئل علي بن هارون عن التسهيم فقال: هو لقب نحن أخترعناه، وكان بصناعة الشعر عارفاً. قيل: فما هو فأجاب بجواب

(1/174)

لم يبرزه بعبارة جلية إلا أنّ مفهومه:) إن صفة المسهم أن يسبق السامع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، وقال) إن (أحسن ما قيل في ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:

فأقسمتُ يا عمرو لوْ نبَّهاك ... إذا نبّها منك داء عُضالا

إذا نَبها ليث عرّيسةٍ ... مُفتياً مفيداً نُفوساً ومَالا

وخرقٍ تجاوزت مَجهوله ... بِوجناءَ حَرْفٍ تشكَّي الكَلالا

فكنتَ النهار به شَمْسَه ... وكنتَ دُجى الليل فيهِ الهلالا

وفي هذا المعنى بلغة كافية، وهذا شعر حسن.

المطمع:

قال أبو محمد: لكن اللقب غير دال على المعنى ولفظه، وأرى الملقب لم يقصد غير الإعراب به، وهذا النوع الذي ذكره هو من الشعر ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى

(1/175)

سمعك ويسمى المطمع، أي من يسمعه يطمع في قول مثله وهو من ذلك بعيد وقد أوردناه كما سمعناه ومثل ذلك في قلة الرشاقة لقب هو) التتبيع (وقد ذكرناه وذكر الملقب أن معناه:) أن يريد الشاعر معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه بل بلفظ تابع له. فإذا دلّ التابع أبان عن المتبوع وقد مضى هذا (. هذا قول صاحب التلقيب.

قال أبو محمد: ولا أرى ذلك واقعاً موقعه وهو في باب الإشارة أدخل وهو أن يريد الشاعر معنى فيأتي من غير لفظه بما يدل عليه، ومثل ذلك قول القائل:

وَقدْ كانَ متلافاً وصاحب نجدة ... ومرتفعاً عن جِفن عِينيه حَاجِبه

يقول لا يفعل ببيته ويغض فيها طرفه.

ومن الألقاب المحدثة التبليغ) وسماه قوم (الإيغال:) وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً، قبل انتهائه إلى قافيته ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها لأن

(1/176)

بها يصير الشعر شعراً، فيزيد البيت رونقاً والمعنى بلوغاً إلى الغاية القصوى وأبرع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس:

كأنَّ عُيونَ الوحشِ حولَ خِبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لَمْ يثقبِ

فقد أتى على التشبيه قبل القافية لأن عيون الوحش إذا ماتت وتغيرت هيأتها، أشبهت الجزع، ثم احتاج إلى القافية فبلغ الأمد البعيد في التأكيد لأنه إذا لم يثقب كان أوقع في التشبيه.

وزعم الأصمعي أنه إذا كان كذلك كان أصفى له وأحسن وحكى ابن دريد قال: قال له التّوزي: قلت للأصمعي من أشعر الناس؟ قال:) من يأتي إلى المعنى الحنسيس فيجعله بلفظه كبيراً، وينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إلى أفاد بها معنى (فقال: فقلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى حيث يقول:

(1/177)

كناطحٍ صخرةً يوماً ليفلقَها ... فَلَمْ يضِرها وأوهَى قَرنهُ الوعِلُ

فقد تم الكلام فلما أحتاج إلى القافية قال:) الوعل (فزاد معنى قال فقلت له: كيف صار الوعل مفضلاً على كل من ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرونه، فلا يضره. ومن ذلك قول ذي الرّمّة:

أظُنُّ الذي يُجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجُمان المفصَّلِ

فتم كلامه قبل قوله:) المفصّل (وزاد شيئاً أفاده بالقافية.

الاستثناء: يتلوه بعد ذلك ما سماه بعض الأدباء) الاستثناء (، وعبر عنه ابن المعتز بأن قال:) تأكيد مدح يشبه الذم (.

فمن ذلك قول النابغة:

ولا عيبَ فِيهمْ غَير أنّ سيوفَهُمْ ... بِهنّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائبِ

ومثله قول الآخر:

فَلا تُبعدن إلا مِنْ السوء إنني ... إليكَ وإن شطّتْ بِكَ الدار نَازعُ

(1/178)

ومثله قول بعض الأعراب: خَرقاء إِلا أنها صَنَاعُ ومثله قول النابغة الجعدي:

فتىً كملتْ أخلاقهُ غير أنَّهُ ... جوادٌ فَما يُبقي من المالِ بافِيَا

ومن مليح قول المحدثين في هذا قول أبي هفّان

فإِن تسألي عنا فإِنّا حُلى العُلا ... بني عامرٍ والأرض ذات المناكبِ

ولا عيبَ فينا غير أنّ سماحنا ... أضّر بنا والناس من كلّ جانبِ

فأفنى الردى أعمارنا غير ظالمٍ ... وأفنى الندى أموالنا غير عَائبِ

أبونا أبٌ لو كان للناس كلهِّم ... أباً واحداً أغناهُمُ بالمناقِبِ

وهذا مثال في هذا الفن كاف.

(1/179)

الاستطراد: يليه الاستطراد: حكى محمد بن يحيى الصولي قال: سمعت البحتري يقول: أنشدنا أبو تمام لنفسه يهجو عثمان بن إدريس:

وسابح هَطل التَّعداء هَتّان ... على الجراء أمينٍ غير خَوَّانِ

أظمى الفُصوصِ وما تظمئ قوائمه ... فَخَلَّ عينيكَ في ظمآن رَيّانِ

فَلو تَراهُ مُشيحاً والحصى زِيَمٌ ... بين السنابكِ من مَثْنى وَوحْدانِ

أيقنتَ ... إن لم تَثّبتْ أنَّ حافِره مِنْ صَخرِ تَدْمُر أو مَنْ وجهِ عُثمانِ

ثم قال لي: ما هذا من الشّعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا المستطرد يريد وصف الفرس، وهو ينوي هجاء عثمان، والزيم المنقطعة، واحتذى هذا البحتري فقال، في

(1/180)

قصيده يمدح بها علي بن محمد القمي، و) يصف (، فرساً، فقال:

وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ مُحَجَّلٍ ... قَدْ رُحْتُ مِنْه على أغرَّ مُحَجَّلِ

كالهيكلِ المبِّني إلاَّ أنَّهُ ... في الحُسنِ جاء كَصورةٍ في هَيْكلِ

ملكَ العيونِ فإِنْ بدا أعْطيتهُ ... نَظَرَ المَحِبِّ إلى الحَبيبِ المقبلِ

ما إنْ يَعافُ قَذَىّ ولو أوْردَتهُ ... يوماً خلائقَ حَمْدَويهِ الأحْوَلِ

وكان) حمدويه (هذا عدواً للممدوح فاستطرد به. وحكى عن أصحاب البحتري أنه قيل له: إنك سرقت بهذا المعنى لأنك سرقته من أبي تمام، فقال: أعاب عليَّ أخذي من أبي تمام؟ والله ما قلت شعراً قط إلا بعد أن أخطرت شعره بفكري ثم أسقط البيت بعد ذلك من شعره، فلا يكاد يوجد إلاَّ في أقل النسخ.

قال أبو محمد: فليت حصل لنا من أبي الطيب المتنبي الذي زعم أنه قال

(1/181)

الشعر، وما يعرف أبا تمام من الإقرار بأخذه عنه مثل ما حصل لنا من البحتري مع كثرة أخذ أبي الطيب منه على قلّة شعر أبي الطيب وكثرة شعر البحتري، وكان استعمال الصدق في من أراد أن يسرق النبوة أحسن به. ومثل ذلك قول زهير:

إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كانَ ول ... كن الجَواد عَلى علاَّتِه هَرِمٌ

أراد أن يستطرد بهرم، وهذا استطراد يخرج به من ذم إلى مدح. ويقال إن حماد عجرد لما هجا بشاراً فقال:

نُسِبْتَ إلى بُردٍ وأنتَ لِغَيره ... وَهَبك ابن بُرد نِكْت أمك منْ بُرد

فذكر رواية بشار، أنه لما سمع هذا البيت بكى، وقال: ما له لعنه الله أكنت أروم هذا المعنى لأهجوه به فلا يطردني ومثل هذا البيت:

أنْتَ ابن بِيضٍ لعَمْرِي لَسْتُ أنْكِرُهُ ... حقاٍّ يقيناً وَلَكِنْ مَنْ أبُو بيضِ

(1/182)

وقال في الاستطراد إسحاق بن إبراهيم:

وَصافيةٍ تَعْشى العيونَ ضِياؤها ... رَهينة عامٍ في الدِّنانِ وعَامِ

أدَرْنا بها الكأسَ الرَّويةَ موهناً ... مِنَ الليلِ حَتَّى إنجاب كُلُّ ظلامِ

فما ذرَّ قَرْنُ الشَّمس حَتّى ... من العَي نَحْكي أحْمد بن هُشامِ

وقد يقع استطراد من مدح إلى ذم كقول) بكر بن نطاح (في مالك بن طوق:

عرضت عليها ما أرادتْ مِن المنى ... لِترضى فَقَالتْ: قُمْ فَجِئني بِكوْكَبِ

فَقُلْتُ لَها: هَذا التَعنتُ كلُّهُ ... كَمِنَ يَشْتَهي لحم عنقاء مُغْربِ

سَلي كُلّ أمر يَسْتقيمُ طلابُهُ ... وَلاَ تَذْهَبي يا بدرُ بي كُلَّ مَذْهَبِ

(1/183)

فَأقسم لَوْ أصْبحتُ في عِزِّ مالكٍ ... وَقدرته أعيا بِما رَمَتْ مَطْلبيِ

فَتىً شَقِيتْ أموالُه بِسماحِه ... كما شَقِقَيتْ قَيس بأرماحِ تَغْلُبِ

الحشو السديد: يتلوه الحشو السديد في المعنى المفيد كقول بعض الأعراب القدماء:

وَعودٍ قَليلُ الذنْبِ عَاودتَ ضَرْبَهُ ... إِذا هَاجَ شَوْقي من مَعَاهِدِها ذِكْرُ

وَقُلتْ لَهُ ذلفاءُ، ويحك سبَّبتْ ... لَكَ الضربَ فأصبِرْ إِنَّ عَادتُكَ الصَبْرُ

وقال أبو الوليد عبد المليك بن الحريم الحارثي:

لو بِكَ لا يكن بِكَ لا عِنْدِي ... وَراحَ إلْيكَ البرى والتَقربِ

وقوله) لا يكن بك (حشو مليح،

(1/184)

وكقول، ابن المعتز:

وَخيل طَواها القَوْدُ حَتَّى كأنَّها ... أنابيبُ سُمْرٍ من قنا الخَطِّ ذُبَّلُ

صَبَينا عليه ظَالمين سِياطَنا ... فَطَارتْ بِها أيدٍ سِراع وأرجُلُ

فقوله:) ظالمين (حشو مليح في لفظ مفيد، وقال ابن الرومي:

محلّ أيادِيكم بحقٍّ وإنّها ... لَديكمْ بِلاَ حَقٍّ لمحتقراتِ

فقوله) بحق، وبلا حق (حشو مفيد، وتقسيم سديد. وأحسن من هذا كله ما تقدم ذكره في عيون الوحش لامرئ القيس ومثله له

جَمعتُ رُدَينياً كأنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لَهبٍ لَمْ يَسْتَعِرْ بِدُخَانِ

وهذا من النحو الذي يريد فيه الشاعر من كلامه ما هو من تمامه، وكم بين هذا وبين قول أبي العيال الهذليّ:

(1/185)

ذَكرتُ أخَي فَعَاودَنِي ... صُداعُ الرأسِ والوَصَبِ

فالصداع في الرأس حشو فارغ، ومثله قول الديك:

فَتنغمتْ في البيتِ إذْ مُزِجَتْ ... بِالماءِ، واستلَتْ سَنا اللهبِ

كَتنفُّسِ الريحانِ مازَجَهُ ... مِنْ وَرْدِ جُورٍ نَاضِرُ الشُّعبِ

فذكره) المزج (يعني) والماء (فضل لا يحتاج إليه، وقد قصر عن أبي نواس في قوله:

سلبوا قِناعَ الطّينِ عنْ رَمقٍ ... حيِّ الحياةُ مُشَارِفِ الحَتْفِ

فتنفستْ في البيتِ إذ مُزِجَتْ ... كتنفّسِ الرَّيحانِ في الأنْفِ

فهذا مثال في هذا الباب كاف.

الإغراق: باب يسميه المحدثون الإغراق ويسمى الغلوّ وطائفة من الأدباء يستحسنونه

(1/186)

قول الأفوه

ويقولون) أحسن الشعر أكذبه (والغلو يراد به المبالغة في مجيء الشاعر بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود وقد أتت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لِما كان بخلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق.

قال أبو محمد: وما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس منهم الصدق إنما يلتمس منهم حسن القول، والصدق يلتمس من أخبار الصالحين وشهود المسلمين فمن هذا القول قول الأفوه:

(1/187)

وَتَرى الطَّيرَ على آثارنا ... رَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أن ستمار

أخذه النابغة فقال:

إذا ما غَزوا بالجيش حَلّق فَوقهُمْ ... عَصائبُ طيرٍ تَهْتدي بِعصائبِ

جَوانح قَدْ أيقنَّ أن قبيلَهُ ... إذا ما التقى الجمعَانِ أوَّلُ غالِبِ

لَهُنَّ علْيهِم عادةٌ قَدْ عرفنها ... إذا عُرَّضَ الخَطيُّ فوقَ الكوائِبِ

واستجاد قوله بعض المحدثين من المؤلفين فقال مثل ابن الأفوه مثل ابتداء النابغة.

قال أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك لأن الأفوه سبق وأقتصر وشرح مراده في بيت وأطال النابغة، وأتى بإرادته في أبيات، وهذا حيف من قائله أو ضعف في النقد، ونقد الشعر صنعة، وما أكثر ما يعيب محاسنه عن كثير من العلماء وتستخرجه قرائح العقلاء، وقد أتبع هذا من المتأخرين مسلم فقال:

قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عادات وَثِقْنَ بِها ... فَهُنَّ يَتْبعنْهُ في كُلِّ مُرْتَحل

وقال أبو نواس:

تَتأيَّأ الطيرُ غَدْوته ... ثِقَةً بالشّبْعِ من جَزَرِهْ

وزعم عمرو الوراق قال: قلت له ما تركت للنابغة شيئاً - فقال: أسكت -

(1/188)

فإن كان قد سبق) إليه (فما أسأت الإتباع.

قال أبو محمد: والمعنى المعنى بعينه، والسبب الذي ما أساء فيه الإتباع هو اختصار ما أطاله النابغة وما في قوله:) حلّق (دلالة على سبب التحليق، والطير اسم للجنس بعمّة وعصائب بعد عصائب منها فارغ.

وقال بعض الأعراب في صفة فرس:

جَاءَ كَلمعِ البرْقِ جَاءَ ماطِرُهْ ... يَسْبحُ أولاه وَيَطْفو آخرُهْ

فما يَمَسّ الأرضَ مِنْهُ حَافِرُهْ سرقه خلف الأحمر فقال في ثور وحشي:

فكأنَّما جَهَدتْ إلْيتُهُ ... ألاّ تَمسَّ الأرضَ أرْبَعُهُ

وقوع) كأنَّما (هاهنا يخرجه عن حد المحال وهو خبر أنّ أربعه لا تمس الأرض فكأنَّهُ أقسم على ذلك فهو مجتهد في أن يبر) إليته (وكان الشاعر الأول

(1/189)

أشد أعترافاً، والثاني أقرب إلى الصدق من الأول وأكثر توقياً ومثل ذلك قول القائل:

ما إنْ يَقِعْنَ الأرضَ إلاَّ فرطا ... كأنَّما يُعْجِلْنَ شيئاً لقْطا

فجوز الوقوع إلا أنه قليل. ومن الألفاظ قول مهلهل:

فلولا الريحُ أسْمعُ من بحِجر ... صَلِيلُ البِيض تُقْرَعُ بالذِكُورِ

وبين) حجر (والوقعة مسافة بعيدة، وقال سلم بن عوف:

فَلوْ أنّها تَجْري عَلى الأرضِ أدْرَكَتْ ... ولكنما يُطلينَ تِمثال طَائِرُ

وقول امرئ القيس أحسن من هذا ممن يستحسن الاقتصاد وقلة الإِحالة وذلك قوله:

كأنَّ غُلامي إذْ علاَ حال مِتْنَه ... عَلى ظَهْرِ بَازٍ في السماءِ مُحَلّقُ

فقوله:) كأنَّ غلامي (اقتصادي في القول. وكذلك قال معاوية بن مرداس:

(1/190)

يَكادُ في شأْوه لَوْلا أُسْكِّنهُ ... لَوْ طَارَ ذو حَافرٍ من سُرعةٍ طَارا

ومثله لبعض الأعراب:

فَلَو طَارَ ذو حَافرٍ قَبْلها ... لَطارَتْ ولكنَّهُ لَمْ يَطِرْ

فهذا مثال كاف في هذا الفن.

يتلوه: حسن الخروج المليح إلى الهجاء والمديح وهو في شعر المحدثين أكثر فمن ذلك في الهجاء قول حسّان:

إنْ كُنت كَاذِبة الذي حَدَّثَتْني ... فَنَجوت مَنْجى الحارث بِنْ هُشام

تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونهُمْ ... وَنَجا برأس طِمَّرةٍ وَلِجَام

(1/191)

وقد حكى علي بن هارون قال: سألت أبي عن أحسن تخلص يخلص منه شاعر إلى مدح أو ذم، فقال: هذا مذهب تفرد به المحدثون، وقلّما يتفق الإحسان لمحدث، فأمّا ما وجدت أهلي فجمعت على حسنه في التوصل إلى المدح، فكقول محمد بن يوسف:

ما زالَ يُلثِمُني مراشِفَهُ ... ويُعِلُّني الأبْريقُ والقَدَحُ

حَتى أستردّ اللْيلُ خَلْعَتهُ ... وَبدا خلال سَوادِهِ وَضَحُ

وبر الصبّاح كأنّ طَلَعتَهُ ... وَجْهُ الخَليفةِ حِينَ يُمتدحُ

قال أبو محمد: ومن أحسن ذلك عندي قول أبي تمام:

لا والَّذي هو عَالِم أنّ النوى ... صبرٌ وأنّ أبا الحُسَيْن كَرِيمُ

ما زلتُ عَنْ سننِ الوِدَادِ ولا غَدَتْ ... نَفْسي عَلى إِلفٍ سِواك تَحُومُ

وقال البحتري:

قَدْ قُلْتُ للغيث الرُّكامِ وَلَحّ في ... إبْراقِه، وألحَّ في إِرْعَادِهِ

لا تعرضنَّ لجَعْفر مُتشبّهاً ... لندى يَديْه فَلستَ مِنْ أنْدَادِهِ:

وقال أيضاً:

أقْسمت لا أجْعَل الإِعدامَ حادِثةً ... تُخْشَى) وعيسي بن إبراهيم (لي سَنْدُ

(1/192)

قال أبو محمد: ومما ابتدأه في هذا الباب مسلم في قوله:

أجدّكِ هَلْ تَدْرين أنْ رُبّ ليلة ... كأنَّ دُجَاها من قُرونكِ يُنْشَرُ

نصبت لها حَتَّى تجلّتْ بِغُرّةٍ ... كغُرةِ) يحيى (حِينَ يُذْكرْ) جَعْفَرُ (

قال ابن الجهم في السحابة:

فَلَما قَضَتْ حَقَّ العراقِ وأهْلِهِ ... أتاها من الرِّيح الشمال بَريدُها

فَمَّرتْ تَفوتُ الطْرفَ سبقاً كأنَّها ... جُنود عُبَيْد الله وَلّتْ بُنودُها

يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سرّ من رأى عند قتل المتوكل.

(1/193)

قال أبو محمد: وهذا المعنى مما عكسه ابن الجهم من قول أبي العتاهية:

وراياتٍ يحُلّ النّصْر فِيها ... كأنَّ زُهاءها قِطع السَّحابِ

فجعلها أبو العتاهية في رايات منصورة وجعلها ابن الجهم في مهزومة.

قال أبو محمد: وهذا من لطف صياغة الشاعر وفطنته أن يجعل الشيء مدحاً ويعكسه في ذم.

قال أبو محمد: وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد الشعر فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره لتفاضل بين الشعراء بأصل وتنطق بعدل. ثم قد حسن الآن أن أورد ما قدمت الوعد به من شرح ما أخذه أبو الطيب، ولا أشرح إلا ما يقع فيه المعنى الذي لو كان له وقع بمثله وجماله، وحسن به مقاله أو ما قارب ذلك، فأمّا الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات فإني لا أشتغل بإيرادها ولا أطيل الكتاب باعتمادها ولكني أخاف أن يظن بنا غفلة عنها لا التجاوز لها فاحتاج إلى إيراد شيء من ذلك خوفاً مما ذكرت لك ولا يكون في غاية الفراغ من معنى يتعلق به، فإذا كان أبو الطيب يسهل عليه أخذ غير فائق ولا رائق لم يغفل عمّا اهتم به على أني لا أذكر المعاني التي قد كثّرت الشعراء استعمالها وواصلت استبدالها وصار موردها قد حصل له أسم السارق ولم يظفر بمعنى فائق، وذلك كتشبيه الوجه بالبدر، والريق بالخمر والمسك والماء الزلال، والقد بالغصن، وما أشبه ذلك من المتكرر المتردد

(1/194)

والمألوف المتعود وإنما أعذر سارق هذه الألفاظ المتداولة والمعاني المتناولة إذا زاد في معناها أو تملح في ألفاظها كقول ابن المعتز في صفة القد:

يا غُصناً إنْ هزَّهُ مَشيهُ ... خَشِيتُ أنْ يَسْقُطَ رُمَّانُهُ

هذه الخشية من سقوط رمان الغصن وجمعه في البيت تشبيه الثدي والقد من أملح كلام وكقوله في تشبيه الوجه بالبدر:

مَوْسومةٌ بالحُسن مَعْشوقةٌ ... تُميت من شاءت وتُحييهِ

باتَ يُرِينِيها هِلالُ الدّجَى ... حَتَّى إذا غابَ أرتنيهِ

فهذا كلام وإن كانت فائدته فائدة قوله: وجهها مثل البدر فترتيب كلامه في) أ (بياته كل واحد منهما عن صاحبه في عينيه مليح جداً كقول ابن الرومي:

يا طيبَ ريقَ بَاتَ بدر الدُ ... جَى لمحة بَيْن ثَنَاياكا

يَروي ولا ينهال عنْ شُرْبه ... والماءُ يُرويكَ ويَنْهاكَا

أنظر كيف قرن تشبيه الريق بالماء بلفظ مليح صار به المألوف غريباً والمبتذل عجيباً هذا وما أشبهه من الألفاظ المتداولة والأبيات الفارغة. فإذا رأيتني

(1/195)

أغفلته فلا يحمدّن حامد نفسك عندك استخراج سرقاتها، ولا يظنّ بنا عجزاً عمّا قدر عليه ولا جهلاً بما وصل إليه، لكنّا تركناه عمداً، وحذفناه قصداً ولولا خوفنا من ظنون هذه الطائفة لأوردنا المعنى الفائق، واللفظ الرائق الذي يتجمل به إذا كان إليه سابقاً وتقبيح به إذا كان سارقاً وحذفنا ما لا يكسب الأخذ فضيلة، ويلحقُ الأخذ رذيلة، ونحن نبدأ الآن بشعر أبي الطيب من أوله إلى آخره، والله المعين والموفق للصواب.

(1/196)

) بسم الله الرحمن الرحيم (أولُ شعرٍ قالهُ أبو الطيب أحمد بن الحسين قوله:

بأبي مَنْ وَددْتُهُ وافَترقْنا ... وَقَضَى اللهُ بَعْدَ ذَاكَ اجْتِماعا

وافترقْنا حَوْلاً فَلمّا التقينا ... كانَ تَسْلِيمُهُ عَليَّ وَدَاعَا

البيت الأول هو الفارغ قلت لا ألتمس له استخراج سرقة. والبيت الثاني هو بيت المعنى وهو مأخوذ من قول أبي الحسن جحظة أنشدنيه أبي رحمه الله:

(1/197)

زائرٌ نَمَّ عليه حُسْنه ... كيفَ يُخفي الليلُ بدراً طَلعَا؟

راقَبَ الغفلة حَتَّى أمكنتْ ... ورعا الحَارس حَتَّى هَجَعَا

ركب الأهْوالَ في زَوْرتِه ... ثُمَّ ما سَلم حَتَّى وَدّعَا

قال أبو محمد: ولا أعرف في بيت أبي الطيب زيادة يفضل بها من سرق منه وهذا الجنس من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى يزيد نظام على نظام السابق أولى ببيتيه، وأنشدت لأبي الشيص:

يا حبّذا الزورُ الذي زَارا ... كَأنَّهُ مُقتبسٌ نَارا

نَفْسِي فِداء لكَ من زائرٍ ... مَا حَلَّ حتَّى قِيلَ قَدْ سَارا

مَرَّ بِبابِ الدَارِ فاجْتازها ... يَا ليْتَه لَوْ دَخَلَ الدَارا

يتلو هذين البيتين ثلاثة أبيات أولها:

أبلى الهَوى أسفاً يَوْم النَّوى بَدني ... وَفرَّقَ الهَجْرُ بينَ الجَفْنِ والوَسَنِ

فهذا فارغ لا ذكر فيه وثانيه قوله:

روحٌ تَردّدُ في مِثْلِ الخلال إذَا ... أطارتْ الرّيحُ عَنْه الثَّوْب لَمْ يَبِنِ

وإنما ذكرنا لك هذا البيت لنذكر لك استحالة لفظه، فأمّا معناه فمستعمل ولفظه مستبذل لأن تشبيه جسمه بالخلال كثير جداً ومنه قول ديك الجن:

(1/198)

ارحمْ اليوم ذِلَتي وَخضوعي ... فَلَقدْ صُرْتُ ناحلاً كالخِلالِ

فالتشبيه كالتشبيه سواء: فإن قلت: ففي بيت أبي الطيب زيادة في أنّ الريح إذا أطارت عنه الثوب لم يبن والخلال يبين للناظر ولا يثبت الثوب على مثل الخلال وإن كان أخفّ ثوب وإنما نبهه على هذا بشار في قوله:

سَلَبت عِظَامي لَحْمها فَتركْتَها ... عَواري في أجْلادِها تَتكسرُ

وأخليت منها مخها فَتركتُها ... أنابيبَ في أجْوافِهَا الريح تَصفرُ

خذن بِيدي ثُمَّ ارْفعي الثوبَ فانْظري ... ضَنى جَسدي لكنَّني أتَسَتَّرُ

وليسَ الذي يَجْري مِن العَين مَاؤها ... ولكنها نَفْسٌ تَذوب فَتَقْطرُ

وهذا أصح على مذهب من جهد الاقتصاد، وذلك أنه خبر عن ضنَّى يسير بستره ثوبه على بدن لا يتبين للناظر وهي مبالغة مستحيلة، وللشعراء مبالغتان ممكنة ومستحيلة والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل، فمن ذلك قول القائل:

مَنَعَتْ مهابتُكَ القلوبَ كَلامها ... بالأمرِ تَكْرههُ وإنْ لَمْ تَعلمِ

فبالغ وأحسن فادعى ممكناً في الهيبة، وأراد أبو نواس المبالغة في الهيبة فقال ما أسرف فيه وهو:

وَأخفتَ أهْلَ الشّرْكِ حَتَّى إنَّهُ ... لَتخافُكَ النُّطفُ التي لَمْ تُخلقِ

(1/199)

قال أبو محمد: فهذا الكلام وإن أمكن المنتصر له أن يقول قد قيل أحسن الشعر أكذبه وإنما يريد أن يخرج عن حدّ الموجود إلى حدّ المفقود ليدلّ بوصفه الغاية وتجاوز النهاية، فأراد أبو نواس أن يدل على أنّ المخلوق من الممدوح على نهاية الخوف، إذ كان يطلق الخوف على من لم يخلق، ولا يجوز عليه الأمن والخوف.

قال أبو محمد: قلنا له هذه إرادته لا محالة ولكن إرادة الشاعر الذي قبله عند من حمد الأقتصاد، وفضل هذا الممكن أفضل وهذا الباب أكثر من أن يحصى وليس مما قصدنا له فيستحصى، وهذا مثال في علم المبالغة كاف، وقد قدمت، ذكر شيء منه في الرسالة والبيت الثالث قوله:

كَفى بجسمي نُحولاً أنَّني رَجلٌ ... لَوْلا مُخَاطَبتي إِيّاكَ لَمْ تَرَني

أخذه من قولِ القائل:

برى ضنىً لمْ يَدعْ مني سوى شجى ... لَوْ لَمْ أقلْ هَاأنا لِلَّناسِ لَمْ أبِنِ

ولا فرق بين اللفظين والمعنيين وهذا من باب مساواة الآخذ المأخوذ منه وصاحب البيت الأول أولى به.

وقد قال آخر:

هَا فانظُروني سَقيماً بَعْد فِرْقتكمْ ... لَوْ لَمْ أقلْ هَاأنا لِلناسِ لَمْ أبنِ

لَوْ أن إبرةَ رَفّاءٍ أكلّفُها ... جَريتُ في ثُقْبها منْ دقّةِ البدنِ

(1/200)

وبعد ذلك أبيات في جرذ قتله رجلان، لو كان طرحها من ديوانه لاستغنى عنها ولا يلتمس لمثلها استخراج سرقه لفراغها. أولها:

لَقَدْ أصْبحَ الجُرذْ المستغيرُ ... أسِيرَ المنايا صَريعَ العَطَبْ

وأتبعها بأبيات سقط عن راويها، النصف الأول من ابتدائها وذلك قوله: سَيْفُ الصّدُودِ على أعْلى مُقلِّدِهِ بغير تمام، وذلك يدلك على أنها غير مقروءة عليه وإذا كان سيف الصدود على مقلده، فلا معنى لا على مختص به وهو حشو لا يحتاج إليه، يليه بعده:

ذَمَّ الزَّمانُ إلْيهِ مِنْ أحبَّته ... ما ذَمَّ منْ دَهْرِه في حَمْدِ أحْمدِهِ

هذا البيت كما ترى كأنَّه رقية عقرب، وقد تكلف بعض أدباء عصرنا تفسيره فقال) الهاء (في) إليه (عائدة على) العاشق (ورواه:

م ذَمَّ مِنْ بَدْرِه في حَمْدِ أحْمدِهِ

(1/201)

و) البدر (هو معشوقه، وصير) المعشوق (بدر الزمان مبالغة في حسنه و) أحمد (يعني نفسه وجعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد مثله. والمعنى: أن هذا العاشق كان يتذمر من معشوقه الذي هو بدر الزمان جفاءه فاجتمع الزمان معه على ذمّ تلك الحال من معشوقه في حال حمد الزمان لأحمده أي فالزمان معه يذمّ هجر أحبته، وأحمد لفضله ونجابته: قال أبو محمد: وليس هذا المعنى مما يلتمس له استخراج سرقة وإنما ذكرته لِما أشترطه في ذكر غث كلامه. وقد تكلف المفسرون مشقة في تفسير غير مفيد ولا سديد، وهذا الكلام القليل الفصول الكثير الفضول البيّن التكلف المشبه ألفاظ

(1/202)

أهل التصوف، وأتبع ذلك بأن قال بيتاً زاده هذا المفسر لم أجده عندي وهو:

شَمْسٌ إذا الشَّمْسُ لاقَتُه على فَرَسٍ ... تَردَّدَ النُّورُ فيها مِنْ تَرَدُّدِهِ

قال أبو محمد: فقوله:) على فرس (كلام سخيف ونسيج ضعيف لأنه جعله) شمساً يتردّد النور فيها من تردده (ما كان على فرس، ويسقط هذا الوصف عنه عند نزوله عنه إذا وقفه لا يتردد والمعنى في الشمس لأبن الرومي ما هو أجزل من هذا، وهو قوله:

عُجبتُ لِلشمسِ لمْ تكسَفْ لمهلكهِ ... وهو الضِّياء الذي لَوْلاه لمْ تَقِد

قال أبو محمد: وهذا من الأقسام المذمومة، لأنه نقل جزلاً إلى رذل ثم قال:

إنْ يَقْبحُ الحُسْنُ إلا عنْدَ طَلعْتِهِ ... فالعبْدُ يقبحُ إلاَّ عِنْدَ سَيِّدِهِ

فسر هذا بعض المتكلفين فقال) إن (معناه: إنّ الحسن ليقبح عند إضافته إلى إشراق حسنه لنقصانه عنه كما أن العبد لا يحسن عند أحد حسنه عند مولاه.

قال أبو محمد: وهذا تفسير غير واضح ومعنى غير لائح لأن هذا التفسير إنّما يصح لو كان البيت لا يقبح الحسن إلا عند طلعته كالعبد يقبح إلاّ عند سيّده

(1/203)

على أنّي لا أعرف هذا التشبيه ما هو، وقد يمكن أن يستحسن الناس شيئاً لا يستحسنه مولاه ويتمنّون ملك من لا يعبأ به مالكه ولا أعلم في هذا الشعر أصلح من قوله:

نَفْسٌ تُصغّرُ نَفْسَ الدَّهْر من كِبَرٍ ... لَها نُهَى كَهْلِه في سن أمْردِهِ

ومثله قول البحتري:

حَدثٌ يوقّرُهُ الحجى، فكأنّما ... أخذ الوقار منْ المَشيبِ الشَّاملِ

وأخذه جميعاً قول مسلم:

كَبيرهُمْ لا تَقومُ الرَّاسياتُ لَهُ ... حِلْماً وطِفْلُهُم في هدي مُكْتهِلِ

ويتلوها قصيدة أولها:

أهْلاً بدارٍ سَباكَ أغْيدها ... أبْعدَ ما بانَ عَنْك خُرَّدُها

(1/204)

نذكر ما بلغه علمنا من مسروقها فمن ذلك:

ظَلت بِها تَنْطوي على كبدٍ ... نَضيجةٍ فَوْق خِلبها يَدُها

قال أبو محمد: هذا مأخوذ من أبيات أنشدها محمد بن داود الجراح.

لَهُ من فوق وَجْنته ... يَدٌ ويَدٌ على كَبدِهِ

يَسكنُ قَلْبُه بيدٍ ... ويمنحُ غَيره بِيدهِ

فالشعر المأخوذ أعذب لفظاً، وقد خبر عن شغل يديه وفر فملح وأوضح،

(1/205)

وهذا من السرقة المذمومة، لأنه قد زاد الأول في المعنى فأتم به، فلفظه أعذب فهو أرجح وأحق بما قال.

وقال المتنبي:

يا حادَيي عِيرِها وأحْسبُني ... أُوجَدُ مَيتاً قُبيْلَ أفقدُها

قال أبو محمد: هذا متداول المعنى مبتذل المبنى فمنه قول ابن أبي فنن:

تَنادوا بليلٍ إن رحلتنا غداً ... وناديت إنْ كانَ الفِراق غداً مِتُّ

وقال ابن المعتز:

قَالوا: الرَحيل غداً لا شَكَّ قُلت لَهُمْ ... بَلْ موت نَفْسي من قَبْل الرحيلِ غَدا

إني إذاً لصبورٌ إنْ بَقيتُ وَقدْ ... قَالوا الرحيلَ وإنْ لم يَرحلوا أبَدا

فالبيت الأول من قسم المساواة في الكلام والبيت الثاني زيادة في المعنى ما هو من تمامه.

وقال المتنبي:

قِفا قليلاً بِها عليَّ فَلا ... أقلَّ من نظرةٍ أُزوَّدُها

قال أبو محمد: معنى هذا البيت غير غريب، ولكن أبا الطيب لا يحقر شيئاً بل يأخذ الشعر الرفيع والوضيع، وهو في الأخذ كما قال ابن المعتز في العِشق:

قَلبي وثّابٌ إلى ذَا وذا ... لَيْسَ يرى شيئاً فيأباهُ

يَهيمُ بالحسنِ كما يَنْبغي ... ويَرهمُ القُبحَ فَيهواهُ

(1/206)

وقال أبو محمد: فيجب علينا الاهتمام بما أهتم به وهذا البيت من قول ذي الرمّةِ:

فإِنْ لَمْ يكُنْ إلاّ تعلّلَ ساعةٍ ... قَليل، فإِني نَافعٌ لي قَليلها

وهو من قسم المساواة. وقال ابن أبي فنن:

مَا ضر لوْ زودت خِلك نَظْرةً ... قَبل الرحيلِ وقلت قولاً تجَمل

وقال) المتنبي (:

فَفي فؤادِ المُحبّ نارُ هوىً ... أقل نار الجَحيم أبْردُها

من قول ابن الرومي:

وَقَدْ أملتكَ النفسُ بعد تخوم ... وأبردُ مِنْ هذا على كبدي الخَمر

قال أبو محمد: وهذا من باب مساواة الآخذ) من أخذ (منه.

وقال المتنبي:

شَابَ من الهجْرِ فَرقُ لِمَّته ... فَصارَ مِثْلَ الدمقْس أسْودُها

تخصيصه بالشيب في اللمة ضيق عطن بلفظ يعم جملة اللحة وكان ينبغي إذا خصص فرق اللمة بالشيب أن) يقول (فصار مثل الدمقس أسوده لعودة) الهاء (على المذكر، ولو قال:

شَابتْ لهجر الحبيبِ لِمّته ... فَصار مثْل الدمقس أسودُها

(1/207)

كان في الصنعة أمدح، وهو مأخوذ من القائل:

يبني عَنه أبانَ في شِ ... عْري أبيضهُ بَعد حُسن أسْوده

في هذا البيت مجانسة من ذكر) البين (و) الإبانة (وفيه مطابقة وفيه ضرب من استخراج معنى من) معنى (احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه من ذلك قول امرئ القيس:

فظلّ العذَارى يَرتمين بِلحْمها ... وشحمَ كهُدّاب الدِّمقْسِ المفتَّل

فشبه الأبيض بالأبيض، فنقل أبو الطيب هذا التشبيه من الشحم إلى الشيب وشبه الأبيض بالأبيض، ففي هذا البيت رجحان على ما قاله أبو الطيب، والسابق أولى به. وقال المتنبي:

بانوا بخرعوبةٍ لها كَفَلٌ ... يكادُ عندَ القيامِ يُقْعِدُها

أخذه من ابن الرومي:

إذا تَمشى يَكادُ يُقْعده ... رَدفٌ كَمثل الكُثيبِ رجْرَاحُ

(1/208)

ولأبي المعتصم:

إنْ نهضت أقعدها ... منْ رَدْفُها دَعص نقى

وهذه الأبيات تدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.

وقال المتنبي:

كيف يَحيكُ الملامُ في هَمَمٍ ... أقْرَبُها مِنْكَ عنك أبْعَدُها

قال أبو محمد: ظاهر هذا الكلام متناقض ولا يجوز أن يكون أقرب شيء أبعد شيء إنما كان يصح لو قال:) أقربها مِنْكَ بَعيد (والذي يمكن أن يوجه لكلامه من المعنى أنه أراد: أقربها منك عندك أبعدها في الحقيقة عنك.

وقال المتنبي:

بِئْسَ اللّيالي سَهِرتُ مِنْ طَربي ... شَوقاً إلى من يَبيتُ يَرْقُدُها

(1/209)

الطرب خفة يعتري عند الفرح وعند الحزن جميعاً والمراد بها هاهنا الحزن، والمعنى للبحتري في قوله:

يكْفيك أنّكَ لمْ تَذُقْ ... سَهراً وأنّي لمْ أنمْ

وهذا أعذب لفظاً وهو من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي والسابق إلى اللفظ الرطب والمعنى العذب أولى بما سبق إليه.

وقال المتنبي:

لا ناقتي تَقْبلُ الرَّديفَ ولا ... بالسَّوْطِ يَوْمَ الرّهانِ أجْهِدُها

شِراكُها كُورُها وَمِشْفرُها ... زمامُها والشُّسوع مِقْودُها

أراد أنه ركب نعلة فقصد الإغراب، وقد سبقه إلى هذا أبو نواس فقال:

(1/210)

إليْكَ أبا العَبَّاس مِنْ خَير منْ مَشَى ... عَليها إمْتطْينا الحضْرِميّ المُلسَّنا

قلائِص لمْ تَعْرفْ حنيناً إلى طلا ... ولمْ تَدْرِ ما قرْعُ الفنيق ولا الهَنا

فأعرب بمخالفتها حال القلائص في عدم الحنين على الطلاء والجهل يقرع الفنيق وجاء به في أحسن كلام وأوضح نظام فهو أرجح لفظاً من أبي الطيب وأولى بما سبق إليه.

وقال المتنبي:

إلى فَتىً يُصْدِرُ الرّماحَ وَقَدْ ... أنْهلها في القُلُوبِ مَوْدِدُها

قال أبو الشيص في هذا المعنى:

فَأوردها بيضاً ظماء صدورها ... وأصْدرها بالمرِّ ألوانها حُمْرا

فاجتمع لأبي الشيص من التطبيق من الورد والصدر والبياض والحمرة والظمأ والريّ ما رجح به على عمرو بن كلثوم في قوله:

بأنّا نُورد الراياتِ بيضاً ... ونُصدرُهنّ حُمْراً قَدْ رَوينا

فزاد أبو الشيص بالظمأ والريّ عليه فاستوفى أقسامه وجوّد نظامه فهو أولى بما قال ممن لم يتفق له فصار أبو الشيص أولى بما قال: وقال المتنبي:

لَهُ أيادٍ إليَّ قَدْ سَلَفَتْ ... أعَدُّ مِنْها وَلا أُعدّدُها

ملح في قوله أعد منها ولا أعددها، وقد جاء بهذا في قصيدة أخرى فشرح وأوضح:

(1/211)

فاغفرْ فدىً لك وأحْبُني من بَعْدِها ... لتخُصني بعطّيةٍ مِنْها أنا

والمعنيان المأخوذان من قول الحمار:

لا تَنتفني بَعْدَ أنْ رَشَتْنِي ... فَإِنّني بَعْضُ أياديكا

وكلام أبي الطيب أجزل فهو يستحق ما قال بالجزالة.

وقال المتنبي:

أفْرُسها فارساً وأطولُها ... باعاً ومِغْوارُها وسَيِّدُها

قال بعض النحويين إن فارساً منصوب على الحال لا على التمييز وهو

(1/212)

بيت فارغ.

وقال المتنبي:

شَمْسُ ضُحاها، هِلالُ لَيلتها ... دُرُّ تقاصيرها، زَبرْجَدُها

هذا البيت في فساد الأقسام وضعف النظام أشبه بيت ببيت أبي تمام في قوله:

خَلقُ كالمَدامِ أو كَرُضابِ المس ... ك أو كالعَبِير أو كالملاَب

والناس يرتفعون من الدون إلى الأعلى وهذا يرتفع من الأعلى إلى الدون جعل خلقه كالمدام أو كالمسك، والمسك أطيب من المدام والعنبر والملاب. وقد ذكر أبو بكر الصولي أن بيت أبي تمام له مخرج من ذلك، قال المعنى كالمدام فإن قال قائل قد أفرطت قال: كالعنبر أو كالملاب.

قال أبو محمد: وهذا تفسير لا يدل عليه ظاهر الكلام ومفسره يدخل في جملة مخرجي الضمير: قال أبو بكر أنه أراد تقديم المسك في النية وإن أخره في اللفظ لاستواء القافية. ومنها أن يحمل ذلك على قول الله تعالى:) من بعد وصية يوصي بها أو دين (فالدين قبل الوصية، وعلى جميع ذلك كلام العرب.

(1/213)

فالجواب الأول قد عرفتك أنه بقول المنجمين المخرجي الضمير أشبه منه بقول المفسرين، وأما قوله، أراد استواء القافية ونوى التقديم والتأخير فإن إرادة القافية باستواء المعنى أن يساغ وصار قياساً وقع في الشعر من التخليط ما تفسر به معانيه ويستولي على كثير من قوافيه. وأمّا قوله إن هذا محمول على قول الله عز وجل:) من بعد وصية يوصي بها أو دين (فليس بحجة وإن كان الدين قبل الوصية لأن الدّين والوصية ليسا ممّا كنّا فيه من الأعلى إلى الدون، إذ ليس بين الدين والوصية تفاضل من العلوّ إلى الدّنوّ، ولولا أن الشريعة دلت على تقديم الوصيّة لما عرفنا الأعلى منهما من الأدنى وأنواع الطيب متفاضلة، فإذا شبه أبو تمام بالأفضل غني عن الأرذل وقول أبي الطيب:) شمس ضحاها (.

لا يوجب قوله:) هلال ليلتها (وكان أشبه أن يقول) بدر ليلتها (وكذلك قوله:) درّ تقاصيرها، زبرجدها (التقصار: القلادة القصيرة، ولم يعتمد في هذا البيت على الطول والقصر فيها وإنما مراده أنك في قومك كالدّر نفاسة، وقوله:) درّها يغنيه عن زبرجدها (لأنه أنتقل من الأفضل إلى الأرذل، وقد قال إبراهيم بن العباس للصولي:

ما كنت فِيهنّ إلاّ كُنْتَ واسطةً ... وَكُنّ دُونكَ أولاها وأخراها

فالواسطة من القلادة أنفس ما يليها من جملتها فقد اكتفى بهذا الوصف

(1/214)

ودل على الأنفس، فلفظه أجزل وأرجح وهو بما قال أحق من أبي الطيب.

وقال المتنبي:

يا ليْتَ بي ضَربَةً أُتيحَ لَها ... كما أُتيحتْ لَهُ مُحمَّدُها

أثَّرَ فيها وفي الحديد وَمَا ... أثّرَ في وَجْههِ مُهَنَّدُها

فاغتبطت إذْ رأتْ تَزَيّنَها ... بِمثْلِهِ والجِراحُ تَحْسُدُها

قال أبو محمد: هذا كلام عجيب ومعنى غريب وذلك أنه تمنى ضربة تقع منه مثل ضربة الممدوح ولا أعلم هذا مما يتمنى، فإن أحتج محتج فقال: أراد بهذا مذهب من إذا رأى مكروهاً بإنسان، قال: يا ليت لي ذلك دونك كما قال القائل: أنا مُذْ خَبرت بالعلةِ والله عَليل

لَيْتَ حَماك بِجِسمي ... ولك العُمر الطويل

ومثله قول القائل:

لا بِكَ السقْم ولكِنْ كَانَ بي ... وبِنَفْسي وبأمي وأبي

قِيلَ لي إنّكَ صَدعْتَ فَمَا ... خَالَطتْ عَيناي حَتّى دِير بي

قلنا له هذا مستعمل لولا ما يليه من قوله إنه أثّر في الحديد والضربة ولم يؤثر فيه وذكر أنها مغتبطة بتزينها به وما لم يكسب ألماً ولا شيئاً فليس للمفدّا منه فائدة في الفدية ولا في تمني حمل مكروه عنه إلا أن يكون قوله:) يا ليتَ لي ضربة على وجه الحسد له (على ما لم تؤثر فيه أثراً ولا أكسبته ألماً وللضربة فيه زينة فما أختار له أن يحسد الممدوح على ما زين الضربة وهو محار لتزينها فما نحسن أن ينفس عليه بما أختاره وما أعلم أن بشراً يوصف بأن السيوف لا تستعمل

(1/215)

ولا تؤثر في جلده وتبوء عنه ولو استعمل هذا مستعمل في وصف رجل وقح على المبالغة كان أحسن من دخوله في المديح كما قال الشاعر:

اللّؤْمُ أكرمُ من وَبْرٍ ووالده ... واللّؤْمَ أكرم مِنْ وبرٍ وَما ولَدا

لو أنّ حافر برذوني كأوجههم ... بني الزوابي لَما أنْعلته أبَدَا

قال أبو محمد: وقد قلت أنا في هذا المعنى:

يا جامعاً زهْوَ الملو ... ك ولَؤم أخلاق التجار

أرجعْ إلى الفقر القَدي ... م فَقدْ فسدت على اليسار

وخطرتَ في سُكر الغِنى ... وأمنْتَ عاقِبه الخُمار

أبديتَ وجهاً للعُفَا ... ة مُقنّعا بِقناع عار

لو أنّه لقي الحجار ... الصُّمّ أثر في الحجار

أو كانَ ترس محاربٍ ... لارْتدّ عنهُ ذو الفقار

هذا وما أشبهه في الهجاء أبلغ وأسوغ منه في المديح وقوله: أثر فيها وفي الحديد أخاله نذكرها وهو أن التأثير لا يقع إلا في الصور وإنما التأثير يقع في الضربة في صورته أو صورة الحديد فأما أن يؤثر في الضربة فلا يجوز لأن الضربة عرض فلا يصح فيها التأثير وهذا من القسم الذي يصير على التفتيش والانتقاد

(1/216)

إلى تقصير أو فساد.

وقال المتنبي:

وأيقَنَ النَّاسُ أنَّ زَارعِها ... بالمكْرِ في قَلْبِهِ سَيحصُدُها

يعني الضربة.

وقال أبو العتاهية:

غداً تُفي النّفوسُ ما كَسبت ... وَيحصدُ الزَارعون ما زرعوا

وهذا من قسم ما أخذ عليه وإنْ فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

تَبكي على الأْنصُلِ الغُمود إذا ... أنْذَرها أنّهُ يُجَرّدُها

لعِلْمها أنها تَصِيرُ دَماً ... وأنَّهُ في الرقابِ يُغْمِدُها

جعل العلة في بكاء الغمود عليها أنها تعمد في الرقاب ولا بد من مسح النصل من الدم فيعود إلى حاله وإلاّ نبا إن ترك وأمّا إغمادها في الرقاب فذلك بمقدار زمان يقع اللقاء فيه

فما تبكي الغمود من ذلك إلاّ أن يكون إذا سل سيوفه يصير من رقاب إلى رقاب فلا تعود أبداً إلى غمودها وهل فيها حسن يوجب لها إلفاً فتبكي لفقد ما ألفت؟ وأظن أنّ أبا الطيب أستضعف نسج هذه القصيدة فجعلها مما قاله في الصبي ليقوم عذره في ضعفها وفائدة هذا الشعر أنّه في الرقاب يغمدها وهو مأخوذ من بيت أنشده ابن قتيبة:

(1/217)

وما انتضينا السيوف يَوْم وغىً ... إِلا وفي الرأس نَحْنُ نُغْمْدها

وقال أبو دلف:

سادوا وقادوا وذادوا عَنْ حَريمهم ... وأغمدوا البيض في هامٍ وأعناق

وقال الحماني العلوي:

(1/218)

وإنا لتصبح أسْيافُنا ... إذا ما انتضين ليوم سًفُوك

منابرهُنّ بطونُ الأكّفِّ ... وأغمادهنّ رؤوس الملوكِ

البيت الأول الذي أنشده ابن قتيبة هو بيت أبي الطيب بلا زيادة في مبناه ومعناه وهو من قسم مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام وقد أتى أبو دلف ببيت شغل صدره بعدّة أوصاف وأتى بمعنى أبي الطيب في عجزه، فرجح كلامه وأستحق معناه. والحماني قسم حال السيوف فعبر عن حال حملها وعن حال أغمادها في رؤوس الملوك وخصص كلامه بهم دون غيرهم فقد رجح كلامه على كلام الجميع وأستحق المعنى عليهم.

وقال المتنبي:

إذا أضلَّ الهُمام مُهُجتَهُ ... يَوْماً فأطرافُهُنَّ تُنْشِدُها

أي إذا أضل الهمامُ مهجته فقدها فإنما يسل أطراف هذه السيوف عنها. أخذه من قول مسلم:

فأتوا الرَّدى وظباه البيض تَنْشُدُهمْ ... وأنت نصب المنايا غَيْر مَنْشود

(1/219)

فخبر أن ظباه البيض تنشدهم وأن الممدوح هو نصب المنايا وهو غير منشود لا تطلبه السيوف هيبة من حاملها له وقد صحح أبو الطيب من ذكر الضلال والنشدان فرجح كلامه.

وقال المتنبي:

وأنكَ بالأمسِ كُنت مُحْتلماً ... شَيخَ مَعدّ وأنتَ أمردها

يريد بانك بانك، وأنشد سيبويه:

ويوماً تُوافِينا بوجْهٍ مُقسّمٍ ... كأنْ ظبيه تعطو إلى وَارق السلمْ

في قول من نصب ظبيه وفيه قبح لأنّ الإضمار يرّد الأشياء إلى أصولها والأصل الثقيلة، ولو قال وأنت بالأمس استراح من تعسف الإعراب ولكنه يؤثره في إخباره أنه كان محتلماً شيخ معد ما يغني عن قوله: وأنت أمردها، ويكفي بقوله:

وأنتَ أمردها ع ... نْ ذكر مُحْتلمٍ

وليس هذا من الحشو الحسن بل كقول أبي العيال الهذلي.

ذَكْرتُ أخي فَعاودني ... صِداعُ الرأس والوصَب

فذكر الرأس بعد الصداع حشو يستغني عنه.

(1/220)

وكذلك قول ديك الجن:

فَتنفستْ في البيت إذْ مُزجَتْ ... بالماء واستلَّتْ سنا اللهبِ

كتنفسِ الريحانِ خَالطَهُ ... مِنْ وردِ جُوْرٍ ناضر الشُّعبِ

فذكر الماء بعد المزاج فضل مستغنى عنه والبيتان يكفي منهما بيت أبي نواس بلا حشو.

فتنفستْ في البيت إذْ مُزجتْ ... كتنفسِ الريحان في الأَنفِ

فإن ظنّ ظانٍ أن قول أبي نواس مثل قول ديك الجن في) مزجت بالماء (فما أصاب لأنه معلوم أنه لا يكون مزاج الخمر إلا بالماء وقد يتنفس الريحان في حيث لا يحضره شامّ وإنما يلذه صاحب الشم كما يلذ شم الخمر والمسك وما أشبههما فبينهما فرق واضح، وبيت أبي الطيب مأخوذ من قول ابن بيض:

بَلْغتَ لِعشر مَضَتْ من سَنيك ... كما يَبلغُ السيّدُ الأشيب

وقال البحتري:

قَدْ أكملَ الحِلْمَ وأشتدّت شكيمتُهُ ... عَلى الأعادي ولمْ يبلغ مَدى الحُلُمِ

(1/221)

فأملح ما ذكرناه من هذا المعنى قول ابن بيض لأنه مخلّص من الحشو وقد أتبعه بما يليق به ونشرحه وهو:

بَلغْتَ لِعشرٍ مَضَتْ مِن سَنيك ... ما يبلغُ السيدُ الأشيبُ

فَهمّك فيها جسامُ الأمورِ ... وَهَمُّ لِداتك أنْ يلعَبُوا

فهو أحق بما قال من أبي الطيب، فأما البحتري فبلغ مراده وفسرّه وليس في بيته فضل عن معناه، وابن بيض بلغ مراده في بيتين فكأنه قد استوفى الطويل، في الموجز القليل، وصار البحتري أولى به منه وفي معنى قول ابن بيض قول الفرزدق:

غُلامانَ شبا في الحُروبِ وأدْركا ... كنارِ المساعي قَتل وَصْل لِجاهما

وقال المتنبي:

أقَرَّ جلْدي بها عَليَّ فَما ... أقْدِرُ حتى الممات أجْحدُها

هذا معنى رديء لأن في طبيعة جحود النعمة فما أقربها عليه جلده صار لا يقدر على الجحود الذي في طبعه كمن يريد جحد واجب فإذا علم أن عليه شهوداً به أقر به وهذا تشبيه قول ابن بسام.

وَقَدْ ظَهرت لأمرِ آتامه ... على نفرٍ وإنْ لَمْ أقر

(1/222)

وأحسن من هذا المذهب مذهب الحارث بن خالد المخزومي في قوله:

وَلها علينا نِعْمةٌ سَلفتْ ... لسنا مدى الأيام نجحدُها

فجعل الإقرار بنعمتها وجهاً يحسن وقائه لا ضرورة وقد قال البحتري: لشاكر مِنْك فضل نُعْمى وكفْرُ نُعمْى الكريمِ كُفْرُ ثم ختم القصيدة بقوله:

فَعُد بها لا عدْمتُها أبداً ... خَيْرُ صلات الكريمِ أعوَدُها

فبينما يخبر عن الممدوح لترديده صلاته إذ سأله أن يعود إليها والعائد يكون بادئاً فكأنّه قد نسي قوله:

وَمكرماتٍ مَشَتْ على قَدم ال ... ر إلى مَنْزلي تُردِّدُها

(1/223)

فقوله فعدّ بها) الهاء (راجعة إلى المكرمات، والمردد لا يسأل عودته فأما المعنى في البيت فمن قول لبيد:

فَعد أنّ الكريمَ لَهُ مُعاد ... وظني بابن أروى أنْ تَعودا

وقال غيره:

بَدأتمْ فأحسنتمْ فأثنيت جاهداً ... فإِن عدتم أثنيتَ والعودُ أحمدُ

وقال أبو تمام:

بدأ النّدى وأعادَهُ فِيهمْ وكَمْ ... من مُبدئ لِلعرف غَيرُ مُعيدِ

وقال:

إنّ ابتداءَ العُرْفِ مَجدُ باسِق ... والمجدُ كلُّ المجْدِ في استتمامِه

ومعنى بيت أبي تمام أن ذكر ابتداء وطلب عوده ولم يخبرنا بترديد ذلك

(1/224)

وتكرره، وأبو الطيب طلب المعاودة كأنه مبتدئ فما طلب بعد تكرير الممدوح وتردده وفي لفظ بيت أبي تمام جزالة وفي لفظ أبي الطيب عذوبة واختصار يستحق المعنى به هذا إن سلم أبو الطيب معرفة لأبي تمام فقد عرفني من أثق به من أهل الأدب أنه قيل له أنت تأخذ من شعر أبي تمام فقال: قلت الشعر وما أعرف أبا تمام، وهذا الكلام يحتمل الصدق لأنه ذكر أن قال الشعر في الكبر وهو صبي ذو وفرة وذلك قوله:

لا تَحسنُ الوفْرَةُ حتّى تُرَى ... مَنْشُورةَ الضَّفْريْنِ يَوْم القِتالْ

على فَتىً مُعْتقلٍ صَعْدَةً ... يُعلُّها مِنْ كل وَافي السِّبّالِ

فغير منكر أن يحركه طبعه على قول شيء من الشعر وهو لا يعرف الشعراء ثم يعرفهم ويأخذ من معانيهم فما في كلامه براءة مما أتهم به إذا تؤول على هذا التأويل فإن جوز متعصب أن يكون معنى كلامه) قلت الشعر وما أعرف أبا تمام مذ قلته إلى وقتي هذا، قلنا له: إذا تأولته على هذا المعنى كان أول كلام غث العبارة لأنه يخبرنا أنه قال الشعر وهذا ما لا يجهل من أمره ولا يتعلق بقوله: وما أعرف أبا تمام وكان يكفي منه أن يقول: وما أعرف أبا تمام وإنما ينبغي أن يكون هذا جواباً لسائل لا يعرفه، تقول: أنت تقول الشعر وإذا قلته: أتسرق من أبي تمام، فتقول عندها: قلت الشعر وما أعرف أبا تمام فيصح الكلام لا الدعوى في إنكاره معرفة أبي تمام لأن إفكه في إنكار مثله واضح ودليل بهته لائح لأمرين أحدهما: ما أورده من المعاني الكثيرة التي أخذها من شعره لا يجوز مع تواترها وتوافرها أن يدعى بها اتفاق الخواطر ولا تساوي الضمائر لأن ذلك كما قلناه ينساغ في اليسر ويمتنع في الكثير والآخر أن أبا تمام قد أعطي من اشتهار الاسم في الخاصة مثل ما أعطي من اشتهاره في العامة وهو اشتهار لا يجوز أن

(1/225)

يظن بمتأدب جهله افترى أبا الطيب ما جالس المتأدبين ولا دخل سوق الوراقين فيسمع خبره على الألسن مشهوراً وفي الكتب مذكوراً. هذا خارج عن الحق مباين) للصدق (ولو كان قال: ما عرفت ما قرأت شعر أبي تمام لكان) قرأت (أمكن من) عرفت (لأنه يمكن أن يقرأ أولاً ولا يمكن أن يعرف، وأن أبا تمام معه مظلوم الإحسان مجحود الامتنان محتقرة منفعته مكفورة نعمته وسيمضي من أخذه عنه ما يدّل أنه بهذه الصفة، ولو علم الراغب به عن سرقة شعر أبي تمام أني سأورد من سرقاته ممن لا يعارض أبا تمام به ولا يوازن مقداره ولا يسبق غباره من الشعراء المحدثين الذين لهم صيت أبي تمام ولا صنعته ولا علمه ولا رفعته وهو نصر الخبزأرزي لاشتغل عن الانتصار له

(1/226)

في أبي تمام وأنا أعلم أن الإنكار يقع لي في سرقته من نصر لأنهم إذا كانوا يرغبون به عن السرقة ممن خدم عصره وعظم في النفوس قدره كانوا ممن قارب عصره ولم يتناقل الأدباء شعره أرغب به وهذه الطائفة السامية بقدره المفرطة في تعظيم أمره عرفته بعد خطوته وارتفاع صيته ورتبته ولم تعرفه وهو دقيق الخمول وهو بمنزلة المجهول وقد كان زمانه في هذه الحال أطول مسافة من زمانه في ارتفاع الحال ووجود المال الذي شهر اسمه وأبان لهم فضله وعلمه وأنا أورد عليك من خبره ما خبرني به أبو القاسم علي بن حمزة البصري وكان من المجردين في صحبته والمغرقين في صفته، ذكر أنه حضر عند أبي الطيب وقت وصوله من مصر إلى الكوفة وشيخ بحضرته فيه دعاية لا تقتضيها منزلة أبي الطيب في ذلك قال فرأيت أبا الطيب محتملاً لِما سمعه، فقال له: فيما قال: يا أبا الطيب خرجت من عندنا ولك ثلاثمائة قصيدة وعدت بعد ثلاثين سنة ولك مائة قصيدة ونيف من القصائد، أفكنت تفرقها على المنقطعين من أبناء السبيل، فقال له: ألا تدع هزلك، قال: فأخبرني عن قصيدتك الشاطيرية التي خرجت من أجلها إلى البصرة حتى أظهرت فيها معارضتك للخبزأرزي، لِمْ أسقطتها فقال: تلك هفوات الصبا فقال: فسألت الشيخ أتحفظ منها شيئاً قال: فأنشدني أبياتاً عدة قال أبو القاسم: فأمهلت أبا الطيب مدّة حسن معها السؤال وخفي المقصد، فقلت له: أدخلت البصرة قط؟ قال: نعم، قلت: فأين كنت تسكن، فخبرني عن منزل أعرفه كان الخبزأرزي منه على أذرع يسيرة أربع أو خمس فعلمت أن الشيخ قد صدق

(1/227)

وخبرني أبو القاسم علي ابن حمزة لأنه سأل عن خبرة الشيخ عليه فذكر مخبره أن أبا الطيب كان ممن يألفه الشيخ قديماً في حال صباه والذي أنكره المتعصبون من هذا الأمر هو الذي أطمع أبا الطيب فيه وظنّ أن الخبزأرزي يقرب زمانه منه ودنأة صنعته وأن العلماء لا يشتغلون برواية شعره لأنه لا يجوز عليه الأخذ منه ولا يتنبه على مواضع سرقته منه وسيرد عليك من المأخوذ منه ما يعرفك من ذلك برهاناً ويوضح لك منه بياناً ثم يعود إلى موضع التأليف. وتتلو ما تقدم أبيات قليلة الفائدة وهي:

مُحبّي قيامي ما لِذالكمُ النَّصْل ... بَريّاً مِنْ الجرْحَى سليماً من القَتلِ

قال فيها:

أرَى في فِرنْدِي قِطْعةً في فِرْنِدِهِ ... وَجَوْدَةَ ضَرْب الهامِ منْ جَوْدةِ الصّقْلِ

أمّا قوله: أرى في فرندي قطعة من فردنه: فينظر إلى قول أبي تمام:

في كُلَّ جَوْهَرةٍ فرْنِدٌ مُشْرِقٌ ... وَهُمُ الفِرْندُ لهؤلاء النَّاسِ

(1/228)

فعمّ كل جوهرة بفرند ولم يخص السيف وجده وجعلهم فرنداً للناس، فهو أملح وأمدح، وقال المتنبي:

وَخُضرَةُ ثَوْبِ العَيْشِ في الخُضرَةِ التي ... أرتْك احْمِرارَ الموْتِ في مَدْرج النَّمْلِ

أخذه من القائل في سيف:

وصَقيل كأنَّما درج النمل ... على مِتنه لرأى العيون

أحضر فيه لامعات المنايا ... لايحات ما بين حُمْد وجون

والمعاني هي المعاني غير أنّه قد أنتظم معنى البيتين في بيت فصار مستوفياً للفظ الطويل في الموجز القليل فأستحقه، وختم الشعر بقوله:

وَذرْني وإيّاهُ وطرْفي وَذَابِلي ... نكُنْ واحداً نَلْقى الوَرى وانظرا فِعْلي

احتذى قول مسلم:

كَليني إلى النصلينِ عزمي ومقولي ... وكرّي وأسد الغابِ يَخْطر دُوني

واستخراج هذه السرقة لِما قدمناه من الشرط فيما يأخذه من المعنى المتوسط المتداول المتناقل خوفاً من أن يظن بنا الضعيف العلم أنّه سبق إلى معرفته ما جهلناه أو لسهو مناعته فأغفلناه، ونورده احتراساً من ذلك لا نحقره كما لا يحقره من سرقة فهذا عذرنا في هذا. ويتلو ما تقدم قصيدة أولها:

كَفى فَقدْ أراني لومك أولى باللومِ ... همّ أقامَ على فؤادي أنجما

(1/229)

وترتيب معنى هذا البيت:

كَفى فَقدْ أراني لومك أولى باللومِ ... همّ أقامَ على فؤادي أنجما

وهذا صعود وجذور محصولة محقورة المعروف في هذا أن يقال اللائم ألوم فأما اللوم فلا يلام لأنه غير الملوم والملوم الغافل واللّوم كلام فالواجب أن يلام الغافل دون الكلام كما قال المسلمي:

فَلو كانَ في أثْر المشيبِ بكاؤهُ ... لكان الذي ناداهُ باللوم ألْوما

وقال العتبي:

يَلومني الناسُ على حُبكمْ ... والناسُ أولى مِنْك باللومِ

فهذا الكلام موضوع في حقه وصاحبه أولى به ممن أخذه، ووضع الكلام في غير حقه. وقال المتنبي:

وَخيالُ جِسْم لم يُخلّ بِه الهوى ... لحماً فينحِلَهُ السّقام وَلا دَما

فذكر من فعل السقام به ما ذكره أبو العتاهية في قوله:

واللهِ ما أبقيْتِ من جَسَدي ... لحماً ولا أبقيْتِ لي عَظْما

(1/230)

وهذا من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.

وقال المتنبي:

وخُفوقُ قلبٍ لوْ رأيت لهيبَهُ ... يا جَنّتي لظننتِ فيه جَهنما

أخذه من قول بعض المحدثين:

في النّارِ قَلْبي، وَعيْنِي ... في الروضِ من وَجْنته

وهو من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير، فصاحبه أحق، لأن أبا الطيب أجمل المعنى في الجنة والنار ولم يشرح، وهذا قد أبان موضع النار من قلبه والجنة في عينه فهو أولى من أبي الطيب، وقال المتنبي:

وإذا سَحابةُ صَدّ حبٍ أبْرقَتْ ... تَركتْ حَلاوة كُلّ حُبّ عَلْقما

ليس هذا البيت من ألفاظ حذاق الشعر لأن ذكر السحابة والإبراق لا يليق بذكر الحلاوة والمرارة، ولو كان) كما (قال:

وإذا سَحابةُ صَدّ حبٍ أبْرقَتْ ... مَطرت عيون العاشقين بها دَما

أو ما شاكل ذلك مما يليق بذكر السحابة والإبراق أو كان يقول:

وإذا مرارة صدّ حبٍ أبرقتْ ... تَركتْ حَلاوة كلَّ وصلٍ عَلْقمَا

فجمع بين الصدّ والوصل، والحلاوة والمرارة في العلقم لتصح الأقسام ويعتدل الكلام، كان أليق بصنعة الشعر، ألا ترى أن الخبزأرزي أصح أقساماً منه لقوله:

(1/231)

ومن طاعتي إياهُ يُمطر نَاظري ... إذا هو أبْدى من ثناياه لي بَرَقا

فجاء بما يشاكل بعضه بعضاً ويتعلق اللفظ به.

قال أبو محمد: وهذا مما يصير على الانتقاد إلى تقصير وفساد.

وقال المتنبي:

يا وَجْهَ داهيةِ الّتي لوْلاكِ ما ... أكلَ الضَّنى جسدي وَرضَّ الأعظما

ليس هذا مما يشتغل باستخراج سرقته وهو يشبه قول الخبزأرزي:

وحَق الهوى إنّي أحس مِن الهوى ... على كَبدي حمراً وفي أعظمي رضّا

وقال المتنبي:

إنْ كانَ أغناها السُّلُوُّ فإِنَّني ... أمْسيتُ مِنْ كبدي وَمِنْها مُعدما

قال منصور النمري:

وأن يعلى صبري لكل ملمةٍ ... عَنْ الصبرِ من أم الوليدِ مُعْدمِ

(1/232)

وذكر العدم ولم يذكر المعنى وبيت أبي الطيب فيه مطابقة مليحة يرجح بها فأما قول الديك:

هي نكبةٌ فؤادي منْ أسىً ... إذْ غادرتْهُ من العزاءِ عَديما

فهذا يتساوى فيه الآخذ والمأخوذ منه. فإن كان أبو الطيب قد جعل الغنى عند محبوبه والعدم عنده لأن اجتماع الحالين المضرين في فؤاد واحد توفيه الأقسام وصنعة في الكلام ووقوع علة بارتفاع أخرى رجحان في اللفظ يحكم لديك الجن به، وقال ابن المعتز:

يا ابن بشر أنت مش ... غول بغيري لا هَنَاكا

يا غنياً بأناس هبْ افق ... ري من غناكا

وهذا البيت من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكبير.

وقال المتنبي:

غُصن على نَقويْ فلاةٍ نابِتٌ ... شَمْسُ النهارِ تُقلُّ ليلاً مُظلِما

فأخذ بيت ديك الجن بكماله وهذا هو اللفظ المدعى هو ومعناه معاً ومع ذلك فتقسيم السابق أصح لأنه ذكر من آخره إلى أوله على ترتيب صحيح فبدأ بردفه وقده ووجهه وشعره، وهذا بدأ بقده ثم بردفه ثم رجع إلى وجهه وشعره فترتيبه مخلط وإن كانت شجاعته التي يذكرها عن نفسه في اللقاء كشجاعته على سرقة هذا البيت أنه لشجاع وقال المتنبي:

كَصفاتِ أوْحدنا أبي الفَضْل التي ... بَهرتْ فَأَنْطَقَ واصفيه وأَفحما

(1/233)

فهذا سرقة من ابن الرومي:

يعطي فينطق ذا الأفمام نائله ... ويفحمُ الفحل شعراً أي أفمام

فهما وإن أجمعا في المطابقة فقد رجح ابن الرومي بالشرح والإيضاح في البيتين وعرف أن تواتر عطائه يلزم المفحم الشكر، فينطق وبلاغته يفحم الفحل من الشعراء فيصير مفحماً، وكلام ابن الرومي أوضح وأرجح وهو أولى بما قال: وقال المتنبي:

يُعْطيكَ مُبْتدئاً فإِنْ أعْجلتَهُ ... أعْطاكَ مُعْتذراً كَمنْ قَدْ أجرَما

أخذه من قول ابن المعذل:

يُعطيكَ فَوْقَ المنى من فَضل نائلهِ ... وَليس يُعطيك إلاّ وهو مُعْتذرُ

وقال أبو تمام:

أحو أزماتٍ بَذْلهُ بَذْلُ مُحْسنٍ ... إِلينا. ولكنْ عُذْرهُ عذْرُ مُذِنبِ

(1/234)

وقول ابن المعذل أجودها لأنه شرط أن عطاءه فوق المنى ولأنه لا يعطي مبتدئاً ولا معاوداً إلا وهو معتذر، وأبو تمام يشترط هذا الشرط إنما ذكر فقال) بذل محسن أو عذر مذنب (ولم يقل إن عطيته فوق المنى وقد يستحق المعطي اسم المحسن بأقل إعطاء ويجوز أن يعتذر لعلمه بقلة العطية وبيت ابن المعذل أرجح لفظاً وإن كان في بيت أبي تمام مطابقة مليحة ولم يحصل لأبي الطيب غير أنه يعطيك ولم يجد العطية بقلة ولا كثرة فإن أعجلته أعطاك واعتذر وما يقع اعتذاره بعد الإعجال إلا لأمرين أحدهما أنه أحوجك إلى المسلة أو قلة ما حضره من العطاء كما حكي أن شاعراً أعجل بعض الأمراء وهو عبد الله بن طاهر فدفع إليه ما أمكنه أن يجود به وكتب إليه:

أعجلتنا فأتاكَ عاجلُ برّنا ... قلاًّ، وإنْ أمهلتَنا لمْ يَقلْلِ

فَخُذ القليلَ وكنْ كأنَّك لمْ تَسلْ ... وَنكون نَحْن كأنَّنا لمْ نَفْعَلِ

ومن أعتذر بعد الإكثار أولى ممن اعتذر بالكرم من إعجال أو تقصير، فعبد الصمد أولى بشعره ممن أخذ منه.

وقال المتنبي:

ويَرى التَّعظُّم أنْ يُرَى مُتَواضِعاً ... وَيَرى التَّواضُعَ أنْ يُرى مُتَعظِّما

أخذه من قول أبي تمام:

تَعَظَّمْتَ عَنْ ذاكَ التَّعظُّم مِنْهُمُ ... وأَوْصاكَ نُبْلُ القَدْرِ إلا تَنبَّلا

(1/235)

فنفى أبو تمام عن الممدوح التعظم لعظم قدره عنه ورفعة نبل القدر عنه التنبل والعظيم غير المتعظم والنبيل عند المتنبل وبيت أبي الطيب رديء الصنعة لأنه كان ينبغي أن يقول: يرى التعظم أن يتواضع والضعة أن تعظم فأمّا أن يوقع التعظم المذموم موقع التعظم المحمود والتواضع المحمود مكان الضعة المذمومة فقد أساء الصنعة وترك مراعاة النقد في شعره وأبو تمام أولى بما قال.

وقال المتنبي:

نَصر المطال على الفْعَالِ كأنَّما ... خالَ السؤالِ على النَّوالِ مُحَرَّما

فكأنه يخبر عن الفعال عنده مقصور على المطال بإسراعه إليه ولم يخبرنا بأن فعاله قبل السؤال أو بعده فإذا أعطى قبل السؤال فلا سلطان للمطال على فعاله، ولو قال سبق السؤال إلى الفعال كان أمدح كما قال سلم الخاسر:

يحْيى بنْ خالد الذي ... يُعْطي الجزيلَ ولا يُبالي

أعْطاكَ قَبْل سُؤالهِ ... فكفاكَ مَكْروه السُّؤَالِ

والمطال لا يكون إلا بعد وعد فقد جمع هذا الكلام الإخبار بما أخبر عنه أبا الطيب من كرم الممدوح، وخبر بكرم آخر من أنه لا يحوج السؤال، وقد قال أشجع:

يَسْبقُ الرْعْدَ بالنَّوالِ كما يَسْ ... بقُ بَرْقَ الغيُوثِ صَوْبُ الغَمامِ

(1/236)

وهذا مدح متجاوز رائق وتشبيه واقع وبيت سلم عذب موجز فهما أحق بينهما ممن سرق منهما.

وقال المتنبي:

يا أيُّها الملك المُصَفَّى جَوْهراً ... مِنْ ذَات ذي الملكوت أسْمَى مِنْ سَما

نُورٌ تَظاهرَ فيك لاهُوتيَّةً ... فَتكادُ تَعْلمُ ما لنْ يُعْلَما

هذا مدح متجاوز فيه قلة ورع وترك للتحفظ لأنه جعله من ذات الباري وذكر أنه قد حل فيه نور لاهوتي ثم قال بعد هذا كله فيكاد يعلم فأتى بلفظ المقاربة ولم يطلق عليه علم الغيب وقد رأينا من الشعراء من لم يعط من مدحه هذه الصفات ويطلق على الممدوحين أنهم بالحسن اللطيف يدركون ذلك كقول أبي علي البصير:

وكيف يجوز أن على ... أديب لطيف الحسن تطلع العيوبا

ومثله قول ابن الرومي:

حُماكَ وأقصاك وظرف ونجدة ... ورأي يريه العيب لا رجم راجم

فهذا مذهبهم في المبالغة على أنهم لم يعطوا الممدوحين الدرجة التي أعطاها أبو الطيب هذا الممدوح فكيف قنع له بأن يمنعه ما قد دفعه غيره إن كان تورع فورعه عما قاله فيه أولى به.

وقال المتنبي:

وَيهُمُّ فِيكَ إذا نَطَقْتَ فَصاحةً ... مِنْ كُلِّ عِضْوٍ منْكَ أن يَتكلّما

(1/237)

النور لا يوصف بالفصاحة ولكنها استعارة تشبه قول ماني:

دَعِيني إلى وَصْلها جَهْرةً ... وَلَمْ تَدْر لأنّي لَها أَعْشَقْ

فَقمْتُ وللسَّقمِ منْ مَفْرقَي ... إِلى قَدمي ألسنٌ يَنْطقُ

وقال المتنبي:

حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ ماذَا عَاقِلاً ... ويقُولَ بَيْتُ المالِ مَاذا مُسْلِما

ليس من التوفيق أن يسرق السارق ما قد عيب على السابق فيحمل عيب السرق ويسرق معيباً، ألم يعلم أنه فيما عيب على أبي نواس قوله:

جَدتْ بالأموالِ حَتَّى ... قِيلَ ما هذا صَحِيحُ

وقال أبو نواس أيضاً:

جَدَتْ بالأموالِ حَتَّى ... جَعَلوه النَّاس حُمْقا

وذلك أن في ظاهر هذا القول استخفافاً بالممدوح وإخباراً له باستحماق الناس إياه وليس السخاء حمقاً بل التبذير، وذلك وضع الشيء في غير موضعه كالجود في موضع الإمساك والإمساك في موضع الجود فهذا هو الحمق فلا يسامح

(1/238)

الناس أبا نواس وهو مطبوع لا يطيل في شعره تكرير نظره ولا كد فكره فكيف يسامحه من لا يظهر له قصيدة إلا في الزمان الطويل في اللفظ المقصر أو المعنى القليل مبتدئاً فكيف مقتدياً وسابقاً فكيف سارقاً والحسن قول أبي تمام:

عَطاءُ لَوْ اسْطَاعَ الَّذي يَسْتَمِيحُهُ ... لأصْبحَ مِنْ بَيْنَ الورى وهو عَاذِلُهُ

وكان الطالب برفده يعلم أنه يجحف بنفسه فيقول له دون هذا كاف فحسبك وقد قيد أبو نواس بأن قال لو اسطاع فأما إطلاق الحمق على الممدوح فقبيح.

وقال المتنبي:

إِذكارُ مِثْلك تَرْكُ إِذْكاري لَهُ ... إِذْ لا نريد لِما أُريد مُتَرْجِما

هذا من قول أبي تمام:

وإِذا الجود كان عَوْني عَلى المر ... ء تَقَاضَيْتُهُ بِتَركِ التَّقَاضِي

شرح أبو تمام العلة في ترك تقاضيه بما يدل على كرم الممدوح ولم يشرح أبو الطيب علة لذلك فأبو تمام أرجح كلاماً وفيه ضرب من الترديد ليس لغيره.

يليها أبيات أولها:

(1/239)

إِلى كم وحتى أنْتَ في زي مُحْرِم؟ ... وحَتَّى مَتى في شِقْوةٍ وإِلى كم؟

قوله في زي محرم إشارة إلى عدم الثياب وهو من قول أبي تمام:

مُتَساقطي وَرقِ الثِّياب كأنَّهُمْ ... دَانُوا وأحدثَ فِيهم الإِحرَامُ

وقال أبو تمام:

وَلَقدْ أراكَ مِنْ الكَواعبِ كَاسِياً ... فالآن أنْتَ من الكَواعبِ مُحْرِمُ

وهذا مما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه وفيه تطبيق، وكلام أبي الطيب إشارة، وفي كلام أبي تمام شرح، فاختصار أبي الطيب بازاء شرحه فهو أولى بما قال من أبي الطيب.

وقال المتنبي:

وإلا تَمتْ تَحْتَ السُّيُوف مُكرَّما ... تُمت وتقاسِي الذلَّ غَيْر مكْرمِ

يشبه قول الأول:

من عاد بالسيف لاقى فرصة عجبا ... موتاً على عجل أوْ عاش مُنْتصِفَا

وأنشد ابن قتيبة:

والحرب أولى إذا ما خفت ثائره ... من المقام على ذل وإصغار

وهذا من باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام وأخذ لفظ البيت الثالث وهو:

(1/240)

فَثِبْ واثقاً بالله وثْبةَ ماجدٍ ... يَرى الموْتَ في الهيجا جَنْي النّحل في الفَم

من قول صالح:

صَبرتُ ومنْ يصبر يجد غِبَّ صَبره ... ألذَّ وأحْلى من جَنى النَّحلِ في الفمِ

وهذا من قسم المساواة.

يليها قصيدة أولها:

أحْيا وأيسَر ما لاقيتْ ما قَتَلا ... والبينُ جارَ على حكمي وما عَدلا

قال فيها:

لولا مُفارقةُ الأحبابِ ما وَجدتْ ... لَها المَنايا إلى أروَاحِنا سُبلا

هذا من قول أبي تمام:

لَوْ حارَ مُرْتادُ المَّنيّةِ لِمْ يَجِدْ ... إِلاّ الفَراق على النَّفُوسِ دَلِيلاً

(1/241)

بيت أبي تمام أحسن صنعة وقوله: حار ولم يرد دليلاً غير الفراق كلام مليح، ومثله للحماني:

وَلقدْ نظَرت إلى الفراقِ فلمْ أَجِدْ ... لِلموتِ لَوْ فَقد الفِراقُ سَبِيلا

وهذه الأبيات تدخل في مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام. ويليه قول المتنبي:

بِما بجَفْنيك مِن سحرٍ صلى دَنِفاً ... يَهْوى الحياةَ، وأمَّا إِنْ صَدَدت فلا

قال إسحاق بن إبراهيم:

تَهْوى الحياة إذا ما كنتَ راعينا ... وإنْ بَقينا ليومٍ غَير ذَاكَ فَلا

وهذا يدخل في باب ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

إِلاَّ يَشِب فَلَقَدْ شَابَتْ لهُ كَبدٌ ... شيباً إِذا خَضَّبتْهُ سَلْوةٌ نَصَلا

زعم أبو العباس المصيصي أنه سرق هذا من أبي تمام في قوله:

شَابَ رأْسي وَما رأيتُ مَشيب الرَّأ ... سِ إِلا من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤَادِ

(1/242)

هذا يذكر قد شاب رأسه من شيب بهمومه، والمتنبي يذكر أنه) أن (لم يشب فلقد شابت كبده من الهموم وشيب الرأس معنى ويمكن أن يكون غريزة أو لسن وشيب الكبد استعارة وزاد أبو الطيب في الكلام من ذكر خضاب السلوة ونصول، شيب فؤاده. وهذا يدخل في مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادته في المعنى ما هو من تمامه ولولا أنّ أبا العباس النامي ذكر أنّ هذا مأخوذ من هذا لكان بعيداً منه.

وقال المتنبي:

علّ الأمير يرى ذُلي فَيشفع لِي ... إِلى التي تَركتني في الهَوى مَثَلا

هذا من أقبح معنى لأنه يريد من الأمير أن يكون قواده عليه معها فإن عارضنا معارض، فقال ما أخذ هذا إلاّ من أبي نواس في قوله:

سَأشكو إلى الفَضلِ بن يحيى بن خالد ... هَواك لعِلّ الفضْلَ يَجْمعُ بَيننا

وقال الجمع بينهما قيادة، قيل له التأويل في الجمع أسوغ منه في الشفاعة لأن الجمع بينهما يكون بصلاته التي تعنيه وترغبها فيه فيصل إليها نكاحاً لا سفاحاً والدليل على صحة هذا المقصد منه قوله:

فيا فَضْلُ دارِكْ صَبْوتي بغُبارِها ... فلا خير في حُبِّ المُحبّ إِذا دَنا

والشفاعة تضيق عليه وجه الخروج من قبح المقصد، وأبو نواس أصح معنى وإن اتفقا باستغاثهما بمن مدحاه على هواهما ومن انساغ له التأويل أرجح كلاماً ممن ضاق عليه وجه الخروج مما عيب عليه وقد كان لأم جعفر جارية اسمها)

(1/243)

نعم (عشقها عبد الغفار بن عمر الأنصاري فقال:

أميرُ المؤمنين إِليْك أشكو هوى ... في القلبِ يَشعر بالصُدود

أميرُ المؤمنين فجد بها بي جزاك ... الله جنات الخلود

وكتب بها إلى الرشيد، فقال الرشيد ما أصبت معيناً لك على جهلك غيري فحبسه دهراً ثم كلم فيه فأطلقه فإذا سئل الرشيد أن يجود بجارية يمكنه أخذها ممن هي له تبد) ... (فسمى الاستغاثة في ذلك جهلاً وأمتعض من ذلك فما ظنك بمن يسأل الشفاعة.

وقال المتنبي:

أيقنت أنّ سعيداً طالبٌ بِدَمي ... لَمَّا بصُرتُ به بالرُّمْحِ مُعْتِقلا

قال أبو محمد: بيناه يرجو شفاعته إذا أيقن أنه طالب بدمه وأظنه سأل الشفاعة استضعافاً له عن الطلب فلما صار بالرمح معتقلاً أنف من الشفاعة واعتصم بعز الشجاعة. فطلبه بدمه من محبوبته مذهب مذموم عند العشاق وليس ينبغي أن يتجشم حمل اسم السرقة فيما عيب على السابق إليه فممن عبّر به العباس بن الأحنف في قوله:

فإِنْ تَقتلوني لا تَفوتوا بِمهْجتي ... مَصالِيت قَوْمي مِن) حنيفة (أو عَجْل

(1/244)

فتبعه ابن المعتز فقال:

تَحسِبُ قَومي يُضيِّعون دَمِي ... ما ضاعَ قَبلِي لهاشمٍ ثَارُ

وهذه المعاني تصلح لتهدد الأعداء ويبعد عن الرقة إلى الجفاء فأما المحبوبون فيقال لهم كما قال القائل:

لَوْ جُزّ بالسيف رأسي في مَودَّتِكمْ ... لمرّ يهوي سريعاً نَحْوكم رأسي

وكما قال الآخر:

والله والله لَوْ تقطع يَدي ... أمرتني طائعاً قَطَعْت يدي

فيك من الناسِ كُلهم عَوض ... حتّى من الوالدينِ والولدِ

وفي نحوها للرشيد:

أما يُكفيك أنْ تَملكيني ... وأنَّ الناس كُلهم عَبيدِي

وأنَّك لَوْ قطعت يَدي وَرِجْلي ... لقلت مِن الهوى أحْسَنت زيدي

فهذا ما أشبه عادة العشاق المتيمين مع الأحباب المعشوقين فأما طلب الدماء والثارات فيصلح في الحروب والغارات وما أدري لم أيقن بطلب دمه لاعتقاله بالرمح فلو كان شاهراً سيفه لم يوقن بذلك منه وقد ساوى هؤلاء القائلين الجفاء في شعره فهو سارق منهم ورجح كلام أضدادهم وصاروا أولى بما قالوه.

وقال المتنبي:

وأنّني غَيرُ محصٍ فَضْلَ والدِهِ ... وَنائل دون نَيْلي وَصْفَه زُحَلا

(1/245)

إن كسر) إنّ (وجعلها مبتدأة كان أشعر وأحسن وإن فتحها وعطفها على ما قبلها من قوله: أيقَنْتُ أنَّ سعيداً طالِبٌ بدمي لأن المعنى يصير أنّه:) لمَّا رآه بالرمح معتقلاً (أيقن أنه) غير محصٍ فضل والده (.

وليس اعتقال الرمح دلالة على فضل الآباء ولا على أن نيل زحل دون نيل وصفه وما أراه إلا بالكسر، فأما معنى البيت فقوله: ونائل دون نيلي وصفه زحلا مثل قول ابن الرومي:

أرى من تعاطي ما بلغتمْ كرائم ... وهناك الثريا وهَو أكمه مقعد

ففي بيت ابن الرومي زيادة يستحق بها ما قال على من أخذ منه لأن مثال النجم على أكمه مقعد أصعب منه على صحيح الجوارح، فقد رجح عليه وهذا يدخل في قسم رجحان كلام المأخوذ منه على كلام الآخذ عنه.

وقال المتنبي:

قَيلُ بِمنبج مَثْواهُ ونائله ... في الأُفْقِ يَسألُ عمَّن غَيرهُ سألا

وقال ابن الرومي:

لهُ نائلٌ ما زالَ طالب طالب ... ومَرتاد مرتاد، وخاطب خاطب

فهذا تقسيم مليح أخذه ابن الرومي من أبي تمام فقال:

فأضحَت عَطاياهُ نَوازعَ شُدّدا ... تسائِلُ في الآفاقِ عَنْ كل سَائلِ

وهذا بيت لا يفضل لفظه على معناه، وصاحبه السابق أرجح على كلام من أخذ عنه فهو أحق بمعناه.

وقال المتنبي:

(1/246)

تُرابهُ في كِلابٍ كُحْلٌ أعْينُها ... وَسَيفُهُ في جنابٍ يَسْبقُ العَذلا

ولو قال:

إحسانه في كلاب غيث مجديها ... وسَيفُهُ في جناب يَسبقُ العَذَلا

لصح التقسيم إذ ليس التراب ضد السيف، وقد أستعمل هذا ابن الحاجب فقال:

حَاولت بالعذلِ أنْ ترشدني ... قلتُ مهلاً سَبق السيفِ العذلِ

وقال المتنبي:

وضَاقتِ الأرض حتّى كان هارِبُهم ... إِذا رأى غضير شَيء ظَنَّهُ رَجُلا

هذه مبالغة مستحيلة لأن غير شيء لا يقع عليه رؤية وزعم بعض النحويين أن له مخرجاً من كلام العرب وذلك قولها: ليس فلان بشيء لا تريد أن تخرجه من الوجود وإنما هو استصغار واستقلال.

(1/247)

قال أبو محمد: وليس الأمر عندي كما ذهب إليه، لأن القائل) ليس فلان بشيء (وقد دلّ على مراده بأن أثبت له حقيقة ثم نفاه نفي استصغار فقد فهم مقصده ومن شأن العرب فيما فهم معناه عنها الحذف فإذا أشكل لم يحذف وفي الكلام محذوف بالضرورة لأنها لا تثبت وتنفي في زمان واحد وإنما يريد ليس فلان بشيء طائل أو كبير فأما قوله: إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا فلا يسوغ فيه هذا التأويل من الحذف وأما الهارب فالذي يحسن فيه قول جرير:

ما زالَ يحسبُ كُلَّ شيءٍ بَعْدهمْ ... خيلاً تكُّرُ عليهم وَرجالا

وقد أبان مقصده بقوله:) تكر عليهم ورجالا (، وأبو الطيب يذكر أنهم إذا رأى هاربهم غير شيء ظنه رجلاً والرؤية لا تقع إلاّ على مرئي، فإن قال قائل هذا على مذهب من استحسن المبالغة المستحيلة أبلغ قلنا له ما ادعاه جرير يصلح للجنون، لأن الفزع يبلغ بصاحبه إلى أن يرى شخصاً غير رجل فيظنه رجلاً لأن الجنون يرى أشياء لا حقيقة لها لا يرى ذلك غيره من صح عقله، فأما قول القائل:

(1/248)

كأنَّ بلاد الله وهي عَريضة ... على الخائفِ المطلوب كفةُ حابلِ

يؤدي إليه أن كثنيل ثنيّة ... تيممّها ترمي إليه بقاتل

فهذا مساغ كأنه يظن أن كل ثنية يقصدها قاتلاً قد كمن له فيها الرغبة، وقد قال الله تعالى:) يحسبون كل صيحة عليهم (.

فخبر أنهم يظنون) أن (كل صوت صائح هم المقصودون،) لأنه ولم يقل لا يسمعون شيئاً فيظنون عدم الصياح صياحاً من أجلهم أو علمهم من سبق إلى المعنى فجاء فيه بسائغ ممكن وأتى من أخذه منه بغير ممكن فقد رجح كلام المأخوذ منه وصار أولى بما قال.

وقال المتنبي:

فبعدهُ وإلى ذا اليوم لَو ركضَتْ ... بالخَيْلِ في لهواتِ الطِّفلِ ما سَعلا

السعال قد يكون بالطفل فتخصيصه الطفل بالسعال لا معنى) له (وما قال البحتري أجود:

(1/249)

فَزّعوا باسْمك الصَّبيّ فعادَتْ ... حَركات البكاءِ مِنْهُ سُكونا

البحتري ذكر ممكناً من المبالغة يقع مثله مشاهدة أن يبكي الصبيّ فإذا فزع في مكانه بمفزع سكن، فأما أن تركض الخيل في لهوات بشر، فهذا ما لا يجوز، وأظنه سمع قول البحتري فبالغ وأتى بمجال، وقوله يشبه قول القائل:

لَوْ أَنَّه حَرَّك الجرْدَ العتاق على ... أجْفانِ ذي حُلمٍ لَمْ ينتبه فَرقَا

فالطفل وذو الحلم في السكون والانتباه أقرب إلى الصحة من ركض الخيل في اللهوات، فهما أرجح وأحق بما قالا ممن أخذ منهما.

وقال المتنبي:

عَقدتُ بالنَّجمِ طَرْفي في مفاوِزها ... وَحُرَّ وَجْهي بحرَّ الشَّمس إِذْ أفَلا

هذا مأخوذ من قول الحماني:

يَهماء لا يتخطاها الدليل بها ... إِلاَّ وناظره بالنَجْم مَعْقودُ

فذكر أبو الطيب حاله بالليل والنهار في هذه المفازة، فقد زاد في المعنى ما هو من تمامه.

وقال المتنبي:

أنكَحْتُ صُمّ حَصَاها خَفّ يَعْملةٍ ... تَغَشْمرتْ بي إِليكَ السَّهْل والجَبَلا

قال بعض النحويين: أنكحت، وطئت الحصى كما توطأ المرأة والمعنى

(1/250)

جمعت بينهما. قال أبو محمد: والذي عندي أنه أراد أن هذه الفلاة لم تكن توطأ قط فأنكحتها خفاف هذه الناقة لأنها أول خف وطئها، ومن ذلك قوله في أخرى:

أنْساعُها ممغوطةٌ وخَفافِهُا ... مَنكُوحَةٌ، وطَريقُها عَذْراءُ

أراد أن خفافها قد وطئت غير هذه الطريق، وطريقها عذراء لم توطأ قط وهذا يقرب من قول ابن الحمامي:

يهماء ولا يجتابها السفر ... حاضرها الظلمان والغفر

أنْكحتُها ذَا غرة مَالها ... مِنه سوى غرّته مهر

وفي هذا ضرب من الإشارة إلى المراد باستعارة.

وقال المتنبي:

لَوْ كُنتَ حَشْوَ قَميصي فوق نُمرقُها ... سَمِعْتَ للجنِّ في غيطانها زَجَلا

هذا كلام مقصر فكأنه لو كان رفيقه حشو قميص نفسه ولم يكن فوق نمرقها بل كان ماشياً أو فوق نمرق ناقة أخرى لن يسمع زجل الجن، وهذا معنى مستعمل قال الأعشى: للجِنْ بالَّلْيل في حافاتِها زَجَلٌ

(1/251)

وقال أبو العتاهية:

نسمع للجن في جَوانبهِ ... ما شِئت منْ صَمتٍ وأصْوات

وقال المتنبي:

حتى وَصَلْتُ بنفسٍ ماتَ أكْثُرها ... وَلَيتني عِشتُ مِنها بالَّذي فَضَلا

يشبه قول أبي العتاهية:

لمْ تُبق منّي إِلا القليل ولا ... أحسبه تَتركُ الَّذي بقيا

وكلام أبي الطيب أجزل وأرجح من كلام أبي العتاهية.

وقال المتنبي:

أرْجو نَداك ولا أخْشَى المطالَ بِهِ ... يا مَنْ إذا وَهَب الدنيا فَقَدْ نَجلا

والدنيا لا يقدر البشر أن يملكوا أكثر منها، والبخل إنما يكون ممن في يده شيء لم يسمح به ولا أرى لأحد ملكاً على الآخرة فبأي شيء تحل. وهذه مبالغة مستحيلة أصح منها قول أبي العتاهية:

ولوْ كانت لَهُ الدنيا ... لأعطاها وما بَالي

وهذا من نقل الجزل إلى الرذل على ما فيه من الإحالة وأجزل من قول أبي العتاهية قول ابن الحاجب:

(1/252)

والله لَوْ ملكَ الدنيا لما امتنعت ... كَفاه أنْ يهبَ الدنيا بما فِيها

وقال أيضاً:

لَوْ أنه وهب البلاد بأسرها ... ما عده كرماً إذا لَمْ يزدد

ويتلوها قصيدة أولها:

كَمْ قَتيلٍ، كما قُتلْتُ شَهيدٍ ... لبياض الطُّلى وَوَرْدِ الخُدُودِ

هذا بيت لا يطلب منه استخراج سرقة لأن معناه متداول وأول من جعل قتلى الحب شهيداً من الشعراء فيما علمت جميل بن معمر:

لكلِّ حديثٍ بَينهن بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهن شَهيدُ

وقال ابن الحاجب:

من شهيد الهوى فإِن لِمنْ ... ماتَ من الحبِ ضعف أجر الشهيد

ومع أخذ أبي الطيب هذا اللفظ المستعمل والمعنى المستبذل فإنه ما وضع الأقسام مواضعها ولا أوقع الألفاظ مواقعها لأنه كان ينبغي أن يقول: لبياض الطُّلى وَحمر الخُدودِ أو لأُقحوان الثغور فيطابق بين البياض والحمرة أو يجمع بين نوعين من جنس واحد أو صنفين أو زهرين.

وقال المتنبي:

دَرّ دَرُّ الصبا أأيَّامَ تجري ... ر ذُيُولي بدار الأثْلةَ عُودِي

(1/253)

فهذا بيت لا يجب استخراج سرقته لفراغه ولكن لمْ يحقره أبو الطيب فيجب أن لا يحقر آمره إقتداء به، وهو من قول ابن المعتز:

يا لياليَّ بالمطيرةِ والكَرْ ... خِ فدير العاقول بالله عُودِي

كُنْت عِنْدي أنموذجات من ... الجَنّةِ لكنَّها بغيرِ خُلودِ

وقال المتنبي:

عمْركَ الله هَلْ رأيتَ بُدُوراً ... قَبْلها في بَراقعٍ وَعُقُود

البدور، إنما تتبين سافرة فإذا تبرقعت ذهب معناها من الحسن والنور وقد أخذ هذا من قول القائل:

عَهدت بها وحشاً عليها براقعٌ ... وهذي وحوش لا تَبرقع

(1/254)

الوحوش هاهنا ظباء وبقر والمستحسن من الجنسين هو الأجياد والعيون وطول العنق لا يخفيه البرقع والعين من البرقع مريبة فالوحوش أمكن في التشبيه من البدور.

وقال المتنبي:

رَامياتٍ بأسْهمٍ ريشُها الهُدْ ... بُ تَشقّ القُلوب قَبلَ الجُلُودِ

مسروق من قول أبي الشيص:

يَرْمين ألباب الرِّجالِ بأسْهُمٍ ... قد راشَهُنَّ الكُحْلُ والتَّذيبُ

وأما قوله: تشق القُلوب قَبْل الجُلودِ.

فمن قول ابن الرومي:

يذكرني الشبابَ سهامُ حَتْفٍ ... يَصبن مَقاتلي دُوني الأَهابِ

والبيتان جميعاً ينوب عنهما بيت أبي الطيب فهو باختصار الطويل في الموجز القليل أولى بما قال.

وقال المتنبي:

يَتَرشَّفنَ مِنْ فمي رَشفاتٍ ... هُنَّ فِيهِ أحْلَى مِن التَّوحْيدِ

هذه ألفاظ فيها قلة ورع وامتهان للدين لا أحب له استعمالها وأحسن من هذا وأبعد من الإثم قول ابن المعتز:

يَقول العاذلون يَسأل عَنها ... وأطف غليل قَلبكَ بالسُّلوّ

وكيفَ وقُبْلةٌ منها اختلاساً ... ألذُّ مِنْ الشماتةِ بالعدوّ

(1/255)

وقال المتنبي:

كُلَّ خُمصانةٍ أرَّق من الخم ... ر بقلبٍ أقسى من الجَلمودِ

هذا مثل قول الأول:

وكيف لي قينان لَحظ ولَقْط ... وعظات لو كانَ ينفعُ وَعَظ

لكَ جِسمُ أرقُ مِنْ رقة الماءِ ... وقلبٌ كأنّهُ الصخر فَظْ

أنْتَ حَظي فما لوْ كانَ ... لِمنْ أنتَ حظه مِنْك حَظْ

وقال إبراهيم النظام:

لكَ جسمٌ أرقُ من قطرِ ماءٍ ... وفؤادٌ مِنْ صخرةٍ صَمّاء

فهذا يدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.

وقال المتنبي:

ذاتَ فرعٍ كأنّما ضربُ العنب ... ر فيه بِماء ورْدٍ وَعُودِ

والعود لا ذكاء له ولا رائحة إلاّ أن يسحق أو يحرق فإن كان ضرب مع ماء الورد فينبغي أن يتبعه بمسحوق حتى يصح معناه وقوله) كأنما (على التشبيه، وقول ابن المعتز:

يقْطرُ مِسكاً على غلائِله ... شعرُ قفا كالعَبير قَدْ وكفَا

(1/256)

فجعل يقطر مسكاً ولم يقل كأنما يقطر فإن أحتج محتج بأنه ذهب إلى قول امرئ القيس:

ألمْ تَر أنّي كلّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطّيبِ

قيل له إنما يصح هذا التأويل لو لم يكن بعد:

تَحملُ المسكِ عن غدائرهِ الري ... حُ وتفترُّ عنْ شتيتٍ بُرودِ

فإذا كانت غدائره تحمل المسك فما حاجتنا إلى) كأنما (وبينا يخبرنا عن حمل الغدائر المسك إذ أخبرنا عن افترارها عن شتيت برود وليس بينها وبين الثغر تناسب فيجتمع بين الوصفين.

وقال المتنبي:

كُلُّ شيء من الدماءِ حَرام ... شُربُه ما خلا دم العُنْقُودِ

تحريم هذا الدم بمنزلة قوله:

يَترشفْنَ منْ فَمي رَشَفاتٍ ... هُنَّ فِيه أحْلَى من التَّوْحيدِ

كله يدخل في قلة الورع واستعارة الدم للعنقود قد سبقه إليه مسلم في قوله:

خَلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا ... فأظهر في الألوان مِنَّا الدّم الدّمُ

إذا شئتما أن تسقياني مُدَامةً ... فلا تقتلاها كلَّ ميتِ محرّمُ

فملح في الجمع بين دم الاستعارة ودم الحقيقة واستعار في البيت الثاني للمزاج لفظاً مليحاً في القتل وجاء بتحليل أحسن من تحليل المتنبي فصار أولى بما سبق إليه لرجحانه. وأول من سمى المزاج قتلاً للراح حسان بن ثابت فقال:

(1/257)

إِنَّ التي ناولتني فَرَددْتُها ... قُتلتْ قُتلتَ فَهاتها لمْ تُقتل

وقال المتنبي:

شَيْبُ رأسي وَذِلَّتي ونُحولي ... ودُمُوعي على هَواكَ شُهُودِي

هذا متداول وهو من قول ابن طاهر:

أليسَ وَحْدي وفرطُ شَوق ... ي وطُول سَقْمي شُهود حُبي

وقال أحمد بن أبي عمال الكاتب:

مِنْ نُحولي عَلى مقالي شَهيد ... وعويلي وزَفُرتي ونحيبي

هذه الأبيات متقاربات المباني والمعاني وهي من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام ولم نوردها لأنها غريبة ولكنه أخذها فاحتجنا إلى إيرادها وقال المتنبي:

ما مقامي بأرض نَخلة إِلاّ ... كمُقامِ المَسيح بينَ اليَهُودِ

(1/258)

يشبه قول القائل:

أخلا النبيذ بَرئت مِنْكم ك ... ما بَرئ المَسيح من اليَهُودِ

وقال المتنبي:

مَفْرشي صَهْوةُ الحِصان ولك ... نَّ قَميصي مَسْردوةٌ مِنْ حَديدِ

ما أعرف فائدة في هذا البيت ولا فرق بين قوله) مفرشي صهوة الحصان وقميصي مسرودة (فيخبر عما يفترش ويلبس ويكون أحسن وقد قال الحماني:

طيئ الغِبار وَجْنتي مَوصونة ... وَخشيتي ظهر الأقبِ الأشقر

وأول من سبق إلى هذا المعنى عنترة فقال:

وَحشيتي سَرجُ على عَبْل الشَّوى ... نَهْدٍ مراكله نبيل المحْزِمِ

وهذا يدخل في قسم مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.

وقال المتنبي:

ضاقَ صَدْري وطالَ في طَلب الرَّز ... ق قيامي وقَلَّ عَنْهُ قُعُودي

يشبه قول الحصني:

أسمو إلى الأملِ الأقْصى فيلقبني ... جَدٌّ عثور دَهر مهتر حرف

لا الحظُ يُسعدني فِيما أحاولُه ... مِنْ العِلو ولا لي عَنْهُ مُنصرفُ

(1/259)

ولم يبلغ الحصني مراده إلا في بيتين وجاء به المتنبي في بيت فجمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما قال.

وقال المتنبي:

أبداً أقطع البلاد ونجمي ... في نحوس وهمتي في سعود

هذا مأخوذ من أبي تمام:

ما إِنْ يزالُ بِجدّ حَزمٍ مُقْبلٍ ... مُتَوطِّئاً أعقابَ رِزْق مُدْبِرِ

أخذه من البحتري فقال:

متحيز ببعد وبعزم قائم في ... كل نائبة وجد قاعد

طابق أبو تمام وتبعه البحتري، ولو قال البحتري: بجد قائم في كل نائبة وجد قاعد كانت مطابقة أحسن من مطابقة أبي تمام وألفاظهم متناسبة ومعانيهم متقاربة تدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام. وقال المتنبي:

لِسرِّي لباسَهُ خشن القُط ... نِ ومرويّ مَروَ لبسُ القُرُودِ

هذا لفظ هجين ومعناه موجود في قول ابن الرومي:

(1/260)

كمْ مِنْ لئيمٍ غدا في ثوب سيده ... تبلى على جِسْمه السمور والفيلُ

فهذا أجزل من قول أبي الطيب فهو لقائله.

وقال المتنبي:

عِشْ عَزيزاً أو مُتْ وأنْتَ كَريم ... بين قَرْعِ القَنا وخَفْقِ البُنُودِ

هذا يشبه قول القائل:

لعزُّ يومٍ ويأتي الموتُ في غَدِ ... هـ خَيرٌ من العيشِ في ذلٍ وإتعاسِ

قال ابن المعتز:

فَعِشْ مَلكاً أو مت عزيزاً فإِ ... نْ تمت وسيفك مَشهور بِكفك تعذرُ

وقال القرطي:

فإِنْ قرب الكتابِ فَكنْ كَريماً ... وكنْ ملكاً أخا ملك مفيد

أرى أنّ المنيةَ بالمعالي ... أحبُّ إليَّ مِنْ ذُل العقود

ومثله للديك:

حتّى أصادفُ مالاً أو يقال فتىً ... لاقى الردى بين أسيافٍ وأرماحِ

فهذه معان متقاربات تدخل في باب المساواة بين الآخذ والمأخوذ منه في كلامه.

وقال المتنبي:

(1/261)

فَرؤوسُ الرماحِ أذْهَبُ للغي ... ظِ وأشفى لغل صَدْرِ الحَقُودِ

فقوله) أذهب للغيظ (لحن لأنه يقال ذهب به فأذهبه فكان يجب أن يقول أشد إذهاباً للغيظ أو يقول) ذهب بالغيظ (ليسلم من الخطل ولكنه لم يفرق بين الأمرين لضعفه في العربية ومما أدلك على صحة ذلك ما حدثنا به شيخنا أبو الحسن المهلبي رحمه الله قال: حضرته في مجلس لبعض الرؤساء وجرت مسألة في المذكر والمؤنث. فقلت: قد يؤنث المذكر إذا نسبت لمؤنث، فقال: من قال هذا. فقلت: قال سيبويه ويستشهد بقول القائل:

مَشَيْنَ كما اهتَّزتْ رماح تَسفهت ... أعاليها مَرُّ الرياح النَّواسمِ

ومثل ذلك:

وَتشرقُ بالقولِ الذي قَدْ ادَعْتهُ ... كما شَرِقَتْ صدر القَناةِ من الدَّمِ

(1/262)

فقال: لا أعرف هذا ولعله مذهب البصريين ولا أعمل على قولهم، قال: فقلت له هذا في كتاب ابن السكيت في المذكر والمؤنث فقال: ليس ذلك فيه فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده، فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيد أنا أكتب خيراً، فقلت: ما جلسنا للتخاير بالخطوط فانقطع في يدي، وقلت له يوماً: كيف تصغّر مختاراً فقال: مختار لا تصغر وقلت: لهن مختاراً وأم حنين لك العافية،

(1/263)

وهذا يشهد لك بما قلناه، ويقرب بيته بيت البحتري:

وَلمْ تَر التّراتِ بَعْدنَ عهداً ... كَسلِّ المشرَفَيَّةِ من قَريبِ

وقال المتنبي:

لا كما قَدْ حييتَ غَيْر حَمِيدٍ ... وإِذا مُتَّ مُتَّ غَير فَقيدِ

يشبه قول الديك:

فإِنْ ماتَ لمْ يحزن صديقاً مماته ... وإنْ عاشَ لمْ يضرر عدواً بقاؤه

وهذا يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

يقْتلُ العاجِزُ الجَبان وقَدْ يَع ... جزُ عنْ قطع بخنقِ الموْلود

وَيُوقّى الفَتى المِخشُ وقد خَ ... وَّضَ في ماءِ لِبَّةِ الصَنْدِيد

ومما أنشده في هذا المعنى معاوية بن أبي سفيان:

كأنَّ الجبان يَرى أنّهُ ... يدافعُ عَنْه الفَرار الأجلُ

فَقدْ تدرك الحادثات الجبان ... ويسلمُ مِنْها الشُجاع البطلُ

وقال ابن أبي عيينة:

(1/264)

لَيسَ الجَسور على الأُمور بِهالكٍ ... دُون الجَبان ولا الجبان بخارجِ

وكل هذا من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير والشاعران أحق بما قالا، للاختصار.

وقال المتنبي:

لا بِقَوْمي شَرفتُ بَلْ شَرفوا بي ... وبنفسي فخَرت لا بجدودي

هذا من قول القائل:

قَدْ قالَ قَوم أعطه لقديمه ... جَهلوا، ولكن أعطني لتقدمي

فأنا ابن نفسي لا ابن عرضي أجْتديَ ... بالسَّيفِ لا برفات تلك الأعظم

ذهب هذا إلى قول القائل:

إِذا ما الحي عاشَ بعظم ميتٍ ... فَذاك العَظم حيّ وهو ميت

يقرب منه قول الأول:

فَما سودت عجلاً مآثر عيرهم ... ولكن بِهم سادتْ عَلى عيرها عجل

(1/265)

وقال ابن المعتز:

وَتردّيتُ بالمكارم حَوْلي ... وكفتني نَفْسي من الافتخارِ

وقال البحتري:

حَسِبَ الفتى أنْ يكونَ ذَا حس ... ب مِنْ نفسه ليس حسبه حَسبهُ

وفي هذا مجانسة وهذه الأبيات متقاربة وهي من باب مساواة الآخذ المأخوذ عنه في الكلام.

وقال المتنبي:

وَبهمْ فَخْرُ كُلّ من نطق الضَّا ... د وعَوذُ الجاني وغوثُ الطَّريدِ

أراد أن العرب لا ينطق غيرها بالضّاد وقد روى ابن دريد أن بعض العجم ينطق بالضّاد.

قال أبو محمد: ولو جاء بحرف يشترك فيه العرب وغيرها كان أعم للمدح.

وقال المتنبي:

إِنْ أكنْ مُعجباً فَعُجْبُ عَجيبٍ ... لمْ يَجدْ فَوْقَ نَفْسِهِ منْ مَزيدِ

ولولا عادة الشعراء تمدح أنفسهم لكان هذا الكلام من نهاية الجهل وضعف العقل، وقد قرأت أبياتاً ترجمتها لبعض المحمقين هي تشبه هذا البيت وهي:

(1/266)

أتيهُ على جِنّ البلاد وإِنْسها ... فلو لم أجد خَلقاً لتْهتُ على نفسي

أتيه فَما أدري مِن التيّه منْ أنا ... سوى ما يقولُ الناس فيّ وفي جنسي

فإِنْ يزعموا أني من الإِنسِ مثْلهمْ ... فما لي عيب غير أني من الإِنسِ

وقال المتنبي:

أنا تِربُ النّدى وَربُّ القوافي ... وسَمامُ العدى وغيظُ الحَسُودِ

وهذا مدح يكثر مثله ولا يغرب وهو من قول ابن مناذر:

كان عبد الحميد ضَيم الأعادي ... ملء عين الصديق رَغم الحَسُودِ

وأقسام ابن مناذر) في ضيم الأعادي وملء عين الصديق رغم الحسود (أحسن صنعة من ذكر الندى مع القوافي، وذكر العدو مع الحسود فابن مناذر أحق ببيته.

وقال المتنبي:

أنا في أمّةٍ تداركها الل ... هـ غريبُ كصالح في ثَمُودِ

أخذه من أبي تمام في قوله:

كان الخليفة يوم ذلك) صالحاً ( ... فيهم. وكان المشركون) ثمودا (

(1/267)

هذا يدخل في باب المساواة.

يتلوها أبيات أولها:

قَدْ شَغل النَّاسَ كثرةُ الأملِ ... وأنْتَ بالمُكرماتِ في شُغُلِ

هذا بيت مسلم:

تَشاغلَ الناس بالدنيا وزُخرفها ... وأنْتَ من بذلك المعروف في شُغلِ

والكلام يساوي الكلام ولا يزيد عليه وصاحبه أحق به.

وقال المتنبي:

تَمثَّلوا حاتماً ولوْ عَقَلُوا ... لكنتَ في الجودِ غَاية المَثلِ

اقتصر في التشبيه على حاتم في معنى واحد من المد وأبو تمام أشعر منه في قوله:

إِقدامَ عمرو في سماحة حاتمٍ ... في حِلم أحْنفَ في ذَكاء إِياسِ

فأتى في ذلك بأربع صفات ذكر أن الممدوح يساوي فيها من فوقه ثم لم يرض بذلك حتى استدرك ذلك بأن قال:

لا تُنكروا ضَرْبي لَهُ مِن دُونِهِ ... مثلاً شروداً في الندى والباس

فاللهُ قَدْ ضَرب الأقلَّ لِنُورِهِ ... مثلاً من المشْكاةِ والنِّبراس

فهذا كلام فائق ومعنى رائق يقع كلام أبي الطيب معه بعيداً ورجحانه لا خفاء به. وقد قال البحتري:

لا تَقيسنّ) حاتم (الجُود في الجو ... د إِليه) فحاتِمٌ (فيه عَيْدُهْ

(1/268)

وهذا يقرب من معنى أبي الطيب لأنه إذا كان عبده غاية المثل في الجود صلح أن يكون في الجود عبده بالقياس، فأما قول ابن الرومي:

أعطى الذي لَوْ سِيمَ حا ... تمُ أخْذهُ يوماً لَهَابَه

فجعل حاتماً يهاب أن يأخذ ما يعطيه من مدحه وقول أبي تمام يدل في رجحان الكلام المأخوذ عنه على كلام الآخذ منه وكذلك كلام ابن الرومي فهما أحق بما سبقا إليه.

وقال المتنبي:

هديَّةُ ما رأيتُ مُهْديها ... إلاّ رأيْتُ العِباد في رَجُل

سرق هذا من أبي نواس في قوله:

وليسَ للهِ بِمُسنكرٍ ... أنْ يَجمعَ العالمَ في وَاحِدِ

ولم يزد على أنّ نقل معناه في مقدار لفظه في الاختصار ولا زيادة عليه فأبو نواس أحق بما قال.

وقال المتنبي:

كَيفَ أكافي على أَجَلِّ يدٍ ... من لا يَرى أنَّها يدٌ قِبلي

لم يهمز أكافي على غير قياس وما أكثر ما يسقط الهمز من أبواب النحو وأنت ترى ذلك كثيراً في شعره. ومعنى أبي الطيب أن الممدوح لا يرى يداً تشد بها يداً وأبيات حسان في آل جفنة في قوله:

(1/269)

إِنَّ ابن جَفْنَة من بقية معشرٍ ... لم يغذهم آباؤهم باللّوم

يعطي الجزيل ولا يَراهُ عِنْده ... إلا كبعضِ عطية المذموم

أبلغ مدحاً وأرجح لفظاً لأنه ما رضي إلا بأن جعل الممدوح يعطي الجزيل ويراه كبعض عطية المذموم ولم يجعلها كلّ عطية المذموم، ولكن أبا الطيب قد جعل يد الممدوح أجلّ يد نالته وأنّ الممدوح لا يراها أبداً أصلاً لا لممدوح ولا لمذموم فقد نقصت مبالغة حسان ورجحانه لمبالغة أبي الطيب فصار أولى بما أخذ على من أخذ منه.

يليها أبيات أولها:

أقْصِرْ فلستَ بِزائدي وُدّا ... بَلغ المَدى، وتَجاوزَ الحَدّا

مأخوذ من قول جرير:

إِني وعيتك لو طلبت زيادةً ... في الحُب عِنْدي ما وَجدت مَزِيدا

قال ابن الرومي:

فَلا تسأليني في هواك زيادةً ... فأيسرُه مُرضٍ، وأدناهُ مُقْنِعُ

هذه ألفاظ متساوية في باب المساواة لا له ولا عليه وأصحابها أولة) بها (.

وقال المتنبي:

أرْسلتهَا مملوءةً كرماً ... فرددْتها مَملوءةٌ حَمْدا

جاءتْكَ تَطْفَحُ وهي فَارغةً ... مَثْنى به وَتظّنُّها فَردا

(1/270)

قد رأيت بعض أهل الأدب تقوم علينا وهو أبو القاسم علي بن حمزة البصري، بأن قال: لأبي الطيب معان لا يفسرها غيره فسألناه عنها فكان هذا منها وسألناه عن معنى أي شيء أراد به فقال: جاء جام حلواً ففرغه وكتب هذه الأبيات فصار فارغاً من الحلواء مملوءاً من الحمد فهو فارغ طافح يظن فرداً وهو بالحمد مثنى فقلت له الشعر على مقصد قائله وأبيات المعاني كلها تجري هذا المجرى فسكت.

وقال المتنبي:

لوْ كُنت عصراً مُنْبتاً زَهراً ... كُنتَ الرَّبيعَ وكانتِ الوَرْدا

أخذه من أبي تمام:

وَمِنْ زمنٍ ألبستينيه كأنَّهُ ... إِذا ذكرتْ أيّامُهُ زمنُ الورْدِ

معنى أبي الطيب: لو كنت عصراً وكان الملك زهراً كنت ربيعاً وكان الزهر ورداً وتشبيه الزمان بزمان من جنسه هو زمان الورد أحسن وأشبه من تشبيه إنسان بزمان الورد فتشبيه أبي تمام أوضح وكلامه أرجح وهو للشبق أولى بما قال.

يليها أبيات أولها:

بَقيَّةُ قَوْمٍ آذنوا بِبوارٍ ... وأنضاء أسْفارٍ كَشَرْبِ عُقارِ

لا فائدة فيها.

يليها قصيدة أوّلها:

أرقٌ على أرقٍ ومِثْلي يأرقُ ... وجوىً يَزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ

قال فيها:

جهدُ الصَّبابة أنْ تكون كما أرى ... عين مسهدة وَقَلْب يَخْفِقُ

(1/271)

وقال الحماني:

قالتْ: عُييت عن الشكوى. فَقلتُ لها ... جَهدُ الشكايةِ أنْ أعيا عَنْ الكَلمِ

أشكو إلى الله قلباً لو كحلت به ... عينيك لاختضبت من حرّه بدم

فهذا أبلغ من قول أبي الطيب ويشبه قول أبي الطيب قول البحتري:

هَلْ غايةُ الشّوقِ المبّرح غَيْر أنْ ... يَعْلو نشيجٌ أو تَفيض مَدَامِعُ

وصاحب العين المسهدة، والقلب الخافق وصاحب النشيج والدمع الفائض يمكنهما شكاية حالهما ويقدران على الكلام ومن عجز عن الكلام أتم سوء حال منهما، فكلام أبي الطيب والبحتري يدخل في باب المساواة وكلام الثالث أرجح من كلامهما.

وقال المتنبي:

ما لاحَ برقُ أو ترنَّمَ طائِرٌ ... إلاّ انْثَنيتُ ولي فُؤاد شَيِّقُ

هذا معنى متدارك لا يعبأ به ولكن أبا الطيب لتناوله ما سخف من المعاني وارتفع يلزمنا الشغل بما أشتغل به وهو من قول ابن أبي عيينه:

ما تَغَنّى القُمريّ إِلاَّ شَجانِي ... وغِناءُ القُمريّ للصبّ شاجِي

(1/272)

وقال المتنبي:

جَرّبْتُ من نار الهَوى ما تَنْطفي ... نارُ الغضى وَتكلُّ عما تُحْرِقُ

إبدال الهمزة هذا لا يجوز إلا ضرورة وهذا مما ذكرت لك من إسقاط الهمز وأما معناه فمأخوذ من قول الشاعر:

لوْ أن قلبي في نارٍ لأحْرقها ... لأن إِحْزانَهُ أذْكى منَ النَّار

ومن جعل النار تحترق من نار قلبه أشد مبالغة ممن ذكر أنها تعمل في النار إلا تطفأ والكلال وإن كان الانطفاء من النار لا يكون مما هو أعظم منها إنما يكون بضدها من الماء فصاحب البيت في مذهب من رأى المبالغة أحسن وأرجح كلاماً وهو أحق ببيته، قال أبو محمد: وقد أنشدني أبي رحمه الله قال: أنشدني أبو بكر بن دريد لنفسه:

لَوْ أن نار فؤادي ما زجتْ لَهباً ... لظلَّ مِنها لَهيبُ النارِ مُحترقا

وقال المتنبي:

وَعذلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ ... فَعجبتُ كيفَ يموت من لا يعشقُ

وعذرتُهمْ وعرفْتُ ذَنبي أنني ... عَيّرتهمْ فَلقيتُ فيه ما لقوا

(1/273)

هذا من قول أبي الشيص:

وكنتُ إِذا رأيتُ فتىً يبكي ... على شَجَنٍ ضَحكتُ إِذا خَلَوتُ

فاحسبني أدالَ الله مِني ... فَصرتُ إَذا بَصرْتُ بِه بكيتُ

قال ابن الجهم:

وقدْ كُنتُ بالعشّاقِ أهزأ مَرَّةً ... فها أنا لِلعشاق أصبحت باكيا

بيتا أبي الطيب مساويان لبيتي أبي الشيص وبيت ابن الجهم مما نقله أبو الطيب من اللفظ القصير إلى الطويل الكثير فالأول أحق بقوله.

وقال المتنبي:

نبكي على الدنيا وما من مَعْشرٍ ... جمعتُهم الدُّنيا فلمْ يَتفرّقوا

هذا من قول صالح:

أو ما يريبكَ مِنْ زمانِكَ أنَّهُ ... لا يُلْبث القُرناءَ أنْ يتفرقوا

ومثله قول للأول:

لنْ يُلبثُ القرناء أنْ يتفرقوا ... لَيْل يكرُّ عليهِمْ وَنهارُ

(1/274)

وهذا يدخل في باب المساواة لا له ولا عليه. وقال المتنبي:

أين الأكاسرة الجبابرة الألى ... كنزوا الكُنوز فما بَقَيْنَ ولا بَقُوا

قال أبو العتاهية:

أين الأولى كنزوا الكُنوز وأتقنوا ... أنْ القرون بنو القرون الماضية

دَرجُوا فأصبحت المنازلُ منهم ... عُطلاً وأصبحت المساكن خالية

وأبو الطيب جاء بالمعنى واللفظ الطويل في الموجز القليل وهو أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

من كُلّ من ضَاق الفَضاءُ بجيشه ... حتى ثَوى فَحواهُ لحْدٌ ضَيِّقُ

هذا من قول أشجع:

وأصبح في لحدٍ من الأرضِ ضَيِّقٍ ... وكانَتْ به حَيّاً تضيق الصَّحاصِحُ

فجعل أبو الطيب الأرض تضيق بجيشه، وأشجع جعل الضيق به وحده فبيته أرجح وأمدح فهو أولى للسبق بما قال. وقد قال أبو العتاهية:

شهواتُ الدنيا ... عوافهن المكاره

يسع القبر شخصاً ... من لم يسعه المهامه

(1/275)

وهذان البيتان يساويان قول أبي الطيب بغير زيادة لأن المهامه لا تضيق عن شخص من إلا أن يريد أبو العتاهية مراد أبي الطيب لم يسعه المهامه لكثرة رجاله وتوافر جيشه فيصيران متساويان وقد يكون أشجع أولى بالرجحان.

وقال المتنبي:

فالموتُ آتٍ والنّفوسُ نفائس ... والمستغرُّ بما لديه الأحمقُ

أنشد ابن قتيبة في كتاب عيون الشعر:

إِنّ امرأ أمِن الزَّما ... ن لمستغِر أحْمقُ

وفي بيت أبي الطيب زيادتان في صدره وعجزه يستولي بها على هذا البيت ولفظه أجزل فهو أرجح من هذا البيت وأحق بما أخذ.

وقال المتنبي:

ولَقدْ بكيْتُ على الشَّبابِ ولمّتي ... مُسودّةٌ ولماء وجهي رَوْنَقُ

حَذراً عليهِ قَبْلَ يَومِ فَراقِهِ ... حتّى لكدتُ بِماءَ جَفْني أشْرَقُ

هذا يشبه قول القائل:

كُنتُ أبكي دماً وأنْت ضجيعي ... حَذراً من تَشّتت أو فراق

وهذا يدخل في نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير لم يبلغ مراده إلا في

(1/276)

بيتين وأتى به من سبقه في بيت، الأول أولى بما قال. ويشبه ما حكاه الصولي، قال: قال ثعلب: غير مرة وأنشد لابن الأحنف ما رأيت أحداً إلا وهو يستحسن هذا وهو مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه:

قد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصُّدودِ والغَضبِ

إن تم ذَا الهجر يا ظلوم ... ولا تم فما لي في العيش من أرب

جعله أبو الطيب في الشباب وجعله ابن الأحنف في محبوبه واعتراض كلام في كلام فيه فائدة مما يستحسن قوله ولا تم من ذلك وفي معنى ابن الأحنف:

ما كنتُ أيّام راضية ... عنّي بذاك الرّضا بمغتبط

علماً بأنَّ الرّضا سيتبعُهُ ... منك التَّجني وكثرة السَّخط

فكلما نساني فعن خلق منك ... وما سرني فعنَّ غلط

وقال المتنبي:

كَبّرتُ حَول ديارهمْ لما بَدتْ ... منها الشُّموسُ وليس فيها المشرِقُ

ذكر أنه كبر حول ديارهم تعجباً من كون الشموس فيها وليس فيها المشرق. شبه الممدوحين بالشموس، وينبغي أن تكون الشموس في المشرق فكأن ديارهم ليس لها مشرق فلذلك أستغرب كون الشمس فيها، نبهه على هذا أبو نواس بقوله:

(1/277)

ترى حَيْثُ ما كانتْ من البيت مَشرقاً ... وما لم تكنْ فيه من البيت مَغربا

فخبر عن الخمر بأنها إذا حلت في بيت كان مشرقاً وإذا لم يكن فيه كان مغرباً وكلام أبي نواس أحسن وقد ذكر المشرق والمغرب فرجح كلامه عليه.

وقال المتنبي:

وعجِبتُ من أرض سَحاب أكفهم ... مِنْ فوقها وصخُورها لا تُورِقُ

قال بعض البادية:

لوْ أنَّ راحتهُ مرت على حجرٍ ... صَلْدٍ لأورق منها ذلك الحَجَرُ

وقال مسلم:

لَوْ أنَّ كفاً أعشبتْ لِسماحةٍ ... لبدى براحتِهِ النباتُ الأخْضرُ

قال ابن الخياط في طاهر بن الحسين) في حراقة في دجلة (.

عَجبتُ لِحُرّاقةَ ابن الحسي ... أن كيف تعومُ ولا تغْرقُ

(1/278)

وبحران مِنْ تَحْتِها واحِدٌ ... وآخر مِنْ فوقها مُطْبِقُ

وأعجب من ذاك عِيدانُها ... وقَدْ مسّها كيف لا تُوْرقُ

فتعجب أبو الطيب من أرض سحاب أكفهم فوقها لم تورق صخورها وخبر البدوي أن يد الممدوح لو مرت على حجر لأورق فأخبر بإيراق الحجر ولم يتعجب من أن لا يورق فبيته أرجح وأمدح وهو أولى بما قال ومعنى بيت مسلم لو كان ممكناً أن يعشب كف لأعشبت يدك فخبر أن ذلك غير ممكن والإخبار بإيراق الحجر أبلغ في المدح من إعشاب الراحة بعد ما دل على أن ذلك لا يمكن فيها وقد أشترك أبو الطيب وابن الخياط في التعجب ولكن الصخور أبعد من الإيراق وإن كانت العيدان قد بعدت من إمكان الإيراق فيها ولكن ما أمكن أن يورق في حال أقل مبالغة مما لم يكن إيراقه على حال فعلى هذا الترتيب فالبدوي أحق بما قال ثم أبو الطيب وأقصد القوم مسلم.

وقال المتنبي:

وتفوحُ من طيبِ الثَّناءِ رَوائحٌ ... لهم بكل مكانةٍ تُستنشقُ

مِسْكيّةُ النفحّاتِ إِلا أنّها ... وَحْشيّة بِسواهُمُ لا تعْبقُ

أخذ هذا من شعر أورده جدّي وكيع في كتاب الغرة:

لَوْ كان يوجَدُ ريحُ مجدٍ فائحاً ... لوجدتَهُ منهم عَلى أمْيالِ

(1/279)

وقال العطوي: وقد حمل نعش ابن أبي داود:

وليسَ نسيم المِسْك ما تجدونه ... ولكنَّهُ ذاك الثَّناءُ المخلَّفُ

وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنَّهُ أصلاب قومٍ تَعصفُ

وقال ابن الرومي:

أعبقتهُ من طيبِ ريحكَ عبقةً ... كادَتْ تكُونُ ثناءك المَسمُوعا

فالشاعر الأول قال لو كان يوجد ريح مجد فائحاً لوجدته منهم على أميال ولكنه لا يوجد وابن الرومي قال: كادت تكون) ثناءك وقال: كادت (والعطوي خبر أن المسك ليس هو في الحقيقة ما يجده الشام ولكنه ثناؤه المخلف بعده وأبو الطيب خبر عن ريح الثناء أنه منهم بكل مكانة يستنشق وبكل مكان أعم من أميال ولكن العطوي جاء بإرادته في بيت ولم يبلغ أبو الطيب إرادته إلا في بيتين فنقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير.

(1/280)

وقال المتنبي:

أمريُدَ مِثْلَ مُحمدٍّ في عصرنا ... لا تبلنا بطِلاب ما لا يُلْحقُ

أخذه من أبي الشيص:

لَوْ تبتغي مثلَهُ في الناس كُلّهم ... طلبتَ ما ليس في الدنيا بموجود

ويقرب من قول البحتري:

وما للمعالي طالبُ فتمهّلنْ ... ولو طُلبتْ ما كان مِثْلك يُلْحقُ

وللبحتري أيضاً:

أيُّها المبتغي مساجلة) الفتْ ... ح (تبغيتَ نَيلَ ما لا يُنالُ

فهذه أبيات تتناسب معانيها ومبانيها وهي تدخل في باب المساواة والسابق أولى بها.

وقال المتنبي:

لمْ يخلقِ الرحمنُ مِثْل محَمدٍ ... أحداً وظني أنَّه لا يَخلقُ

(1/281)

قال عبد الله بن أبي السمط:

ما كان مِثلك في الورى فيمنْ مَضى ... أحداً وظنّي أنه لا يخلقُ

وهما متفقا اللفظ والمعنى مجتمعان على التيقّن فيما مضى والشكّ في المستقبل وهذا تغيير يسير يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى وهو ومعناه معاً، وقد قال ابن الرومي:

فَهلْ من سبيلٍ إلى مِثله ... أبى اللهُ ذاك على منْ خَلقْ

فلم يخطر جمعهم وجود مثله إلا على من خلق دون من يخلق غير المعوج فإنه قال:

(1/282)

وما ابن علي في العُلى كابن من ... لهُ مِن الناسِ شكل أو يكون لهُ شكل

وقال الحصنيّ:

لمْ يكن في خليفةِ الله ندٌّ ... لك فيما مَضى وليس يكونُ

فمنع وجود مثله في الماضي والمستقبل فحكم على الغيب وما أشبه هذا الشعر بشيء. روي عن المعتصم أنه أمر في ليلة من لياليه بإحضار من جار على بابه فوجد الغلام ثلاثة قد مروا بالباب من أهل المدينة فأدخلوا، فقال لهم المعتصم: أسمعوا هذا الغناء واحداً واحدا وعرّفوني ما عندكم فيه وأمر جارية له بالغناء فغنّت فقال لأحدهم: كيف رأيت ما تسمع؟ قال: امرأته طالق إن كان الله يخلق مثل هذه. وقال للآخر ما تقول أنت؟ قال: امرأته طالق إن كان الله يخلق مثلها أبداً. فقال للثالث: ما تقول أنت؟ قال: أقول امرأتي طالق. قال: إن كان ماذا. قال: إن كان لا شيء، قال: ولم طلقت، قال: لطلاق رفيقيّ من أين لهذا العاض بظر أمه أن الله ما خلق مثل هذه ولهذا العاض بظر أمه إن الله لا يخلق مثلها فلما رأيتهما قد طلقا في غير موضع الطلاق ساعدتهما على ذلك.

(1/283)

وقال المتنبي:

يا ذَا الذي يهَبُ الكثير وعنده ... إني عليه بأَخْذِهِ أتَصدَّقُ

أخذه من زهير من أحسن لفظ) وهو:

تَراهُ إِذا ما جِئتهُ مُتهللاً ... كأنّكَ تُعطيه الذي أنْتَ سَائله (

فأتى بما لا زيادة عليه في الحسن، وأخذه أبو الطيّب أخذاً قبيحاً وجعل مكان المعطي المتصدق ومن شأن النفوس الأبيّة الفرح بالعطايا النسبية، فأما) أخذ (الصدقة فلا تفرح بها، وهذا يدخل في باب رجحان المأخوذ منه على من أخذ عنه.

وقال المتنبي:

أمْطِرْ عليّ سَحاب جُودِكَ ثَرَّةً ... وأنظُرْ إليَّ بِرحمةٍ لا أغْرَقُ

وهذا يشبه قول عبد الله بن أبي السمط في سحابة:

حتَّى ظللتُ أقولُ في إلحاحِها ... بالويل: هَلْ أنا سالمٌ لا أغْرقُ

وهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

جَذب ابن فاعلةٍ يقول لجهله ... مات الكرامُ وأنت حَيّ تُرْزقُ

أخذه من قول أبي زيد عمر بن شبة:

وقائلةٍ لم يَبق في الأرضِ سيد ... فَقُلْتُ لها عبدُ الرّحيم بن جَعْفَرِ

(1/284)

ولا زيادة له فيه غير شتم القائل وليس ذلك مما يحسب له به زيادة وهو يدخل في قسم المساواة.

ويلي ذلك قصيدة أولها:

حُشاشَة نفس ودَّعتْ يَوْمَ ودّعُوا ... فَلمْ أدْر أيّ الظاعنينَ أشيِّعُ

أخذه من بشار في قوله:

حَدا بَعضُهم ذات اليمين وبَعضُهُمْ ... شمالاً وقَلبي بينهم مُتَوزّعُ

فَو الله ما أدري بليلٍ وَقَدْ مَضَتْ ... حُمولهم أيّ الفريقين أتْبَعُ

وقال العباس بن الأحنف:

تَفرّق قَلبي منْ مُقيمٍ وظاعِنٍ ... ولله دَرّى أيّ قلْبٍ أشيِّعُ

فهو في المبنى والمعنى يساوي ما قاله فلا له ولا عليه، والأول أحق بقوله.

وقال المتنبي:

أشارُوا بتسليمٍ فَجُدْنا بأنفسٍ ... تَميلُ من الآماق والسَّمُ أدْمُعُ

أحسن ما أتى في هذا قول بشار:

وليسَ الذي يَجْري من العين ماؤُها ... ولكنَّها نفس تَذُوبُ فَتقطُرُ

(1/285)

وقد قال الديك:

ليسَ ذا الدّمْعُ دَمْعَ عَينِي وَلكِنْ ... هي نَفْسٌ تُذيبُها أنفاسِي

فجانس بين النفس والنفس وقد قال ابن دريد:

لا تحْسبني دَمْعي تَحدَّر إِنَّما ... رُوحِي جَرَتْ في دَمْعي المُتحدّرِ

وكلهم أنّث الروح، والروح مذكر إنّما أنثوه لتأنيث النفس فكلام بشار أرطب وأعذب، لأن من قال ذاب، قال: قطرت فهو أرجح من جميع هذه الألفاظ فأما أبو الطيب فنسخ هذا المعنى وما نسخه لأنه يبعد عن لفظ من يقدمه في الرونق والبهاء وكثرة الماء ولو لم يكن في بيته إلا ما يفاضح به من قول السم وبكم قطع ألف الوصل أملح في شعر المتأخرين من ذكر السم على كراهة النحويين ذلك إلا في ضرورة الشعر ولعل بعضاً من المتشدقين أن يعارض هذا القول مني بالطعن ويقول أتختار له ركوب ما لا يجوز إلا في ضرورة على الصحيح الفصيح؟ فالجواب على ذلك، أنّ أبا الطيب أكثر الناس ركوباً للضرورات والمجازات أولاً وأيضاً فإن أشعار المحدثين لا يراد منها استفادة علم وإنما يروى لعذوبة ألفاظها ورقتها وحلاوة معانيها وقرب مأخذها ولو سلك المتأخرون مسلك المتقدمين في غلبة الغريب على أشعارهم ووصف المهامة والقفار والإبل والفلوات وذكر الوحش والحشرات ما رويت لأن المتقدمين أولى

(1/286)

بهذه المعاني ولا سيما مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربه وإنما يكتب أشعارهم لقربها من الأفهام وإنّ الخواص في معرفتها كالعوام فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل أمّة من الناس لاستماعه وإن جهل الألحان وكسر الأوزان وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنّي الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت يعرض عنه إلا من عرف فضله على أنه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات إنما يجعل معلماً للمطربات من القينات يفوقهن بحذقه ويستمتع بخلوفهن دون حلقه ليسلمن من الخطأ في صناعتهن ويطربن بحسن أصواتهن.

وقال المتنبي:

حَشاي على جمر ذَكيٍّ من الهوى ... وَعيْناي في رَوْضٍ من الحُسن تَرْتعُ

أخذه من خالد الكاتب حيث يقول:

بأيِّ ذنبٍ إِليه ... أطال حُزني عليه

قالوا نَراك سَقيماً ... فَقُلْتُ مِنْ مُقْلتيه

في النّار قَلْبي، وَعَينْي ... في الرّوضَ مِنْ وَجْنتيْه

وهذا من نقل القصير إلى الطويل الكثير، ومثله لبعض المحدثين:

وكانَ طَرْفي مِنْهُ في جَنَّةٍ ... وكانَ قَلبي مِنْه في نارِ

(1/287)

وما زاد في المعنى ما يستحقه والمتقدم أولى به.

وقال المتنبي:

وَلَوْ حُملِّتْ صُمُّ الجبال الَّذي بنا ... غَداةَ افْترقنا أوشكتْ تَتصَدَّعُ

قال الأول:

وأكتمُ ما بي مِنْ هَواكِ ولو يرى ... على جبلٍ صَلْد إِذن لتقطَّعا

وقال الآخر:

صَبرتُ على ما لو تحمل بَعضه ... جِبالُ شَروري أوشكتْ تَتصدّعُ

وقال ابن الرومي:

شكوى لو أني أشكوها إلى حجرٍ ... أصَمَّ ممتنع الأركان لانفلقا

فهذه الأبيات تناست معانيها ومبانيها ولا زيادة له فيها وأصحابها أحق بها منه.

وقال المتنبي:

أتتْ زائراً ما خامرَ الطِّيب ثَوْبها ... وكالمِسْك من أردانِها يَتَضوَّعُ

غير متهيب ولا مراع للأخذ من سيد الشعراء في أخذ شعره مع نباهة ذكره حيث يقول:

ألمْ تَر أني كُلمّا جئتُ طارقاً ... وجَدْتُ بها طيباً وإنْ لمْ تَطّيبِ

ولا زيادة على هذا الكلام في المعنى والنظام فهو أحق بما قال ممن سرقه منه.

وقال المتنبي:

فيا ليلةً ما كانَ أطْولَ بتها ... وسم الأفاعي عذب ما أتجّرعُ

(1/288)

إذا قال إن) سم الأفاعي عذب ما أتجرع (فقد خبر أن سم الأفاعي مرّ وإنما يوصف السم بالإهلاك وضد الإهلاك، السلامة، فلو قال) إن سم الأفاعي أسلم ما أتجرع (لكان أقرب وقد قال النابغة (:

فبتُّ كأنّي ساورتني ضئيلةٌ ... من الرُّقش في أنيابها السُّمُّ ناقعُ

فأخبر بما يحذر منها من سمها ولم يخبر عن طعمه.

وقال المتنبي:

تذلَّل لها وأخضَعْ على القُربِ والنَّوى ... فما عاشِقٌ منْ لا يذلُّ ويخضَعُ

هذا مستعمل كثيراً إلا أنه ما حقره، وقد ساوى البحتري في قوله:

وَتذلّلتُ خاضعاً لمليكي ... وقليلُ من عاشقٍ أنْ يذلاّ

وقال المتنبي:

بِذي كرمٍ ما مرّ يوم وَشْمسُهُ ... على رأس أوفى ذِمَّةً مِنهُ تَطلْعُ

قال البصير:

مَلكُ لم تَطلْع الشْمْسُ على ... مِثْله أوْسَعَ شيئاً وأعمّ

فهذا يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

فأرْحامُ شِعْرٍ يتّصلْنَ لدنّهُ ... وأرْحامُ مالٍ ما تني تَتَقطَّعُ

هذا من لحونه إنما تشدد النون مع النون نحو) لدنّي، ولدنّا (وأستعمل لدن

(1/289)

بغير) من (وما يكاد يستعمل إلا بمن قال الله عز وجل:) من لدن حكيم عليم (واستعماله إقفاء الكلام إنما يجوز ويطلب له الوجوه إذا كان ذلك من يدري يتكلم بطبعه فأما لمثله فلا، وقد قال المتنبي قبل هذا بيتاً وهو:

وإِنَّ الذي حابى جَديلة طيءٍ ... بهِ الله يُعْطي من يَشاءُ وَيمنَعُ

وهو أيضاً يخرج إلى تفسير فمعناه حاباها من الحباء بمعنى حباها والحبا العطية، وللبيت معنيان: أحدهما أن تكون الهاء في) به (راجعة إلى حابى وخبر عن الممدوح بأنه يعطي من يشاء ويمنع وهذا مدح أرفع أبا الطيب أن يقصده لأن كل واحد له ملك أو ملك فهو مخير بمن يعطيه ويمنعه ممن شاء، والمعنى الآخر الذي أراه مراده أن يكون إن الله يعطي به من يشاء ويمنع أي قد جعلها الله شيئاً للعطاء والمنع كما قال الضبي:

وأقضيةُ الله محتومة ... وأنْتَ منفّذ أقْدارها

(1/290)

وقال المتنبي:

فَتىً ألفُ جُزءٍ رأيهُ في زمانه ... أقلُّ جُزْءٍ بَعْضه الرأيُ أجْمَعُ

هذا كلام ظاهر التعسف بين التخلف وهو ينظر إلى قول أبي تمام:

لَوْ تراهُ يا أبا الحَسنِ ... قمراً أوفى على غُصُنِ

كُلُّ جُزءٍ من مَحَاسِنِهِ ... فيهِ أجزاءُ من الفِتَنِ

وهذا يدخل في نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، وأبو تمام أولى بما قال.

وقال المتنبي:

غَمامٌ علينا مُمطِرٌ لَيْسَ يُقْشعُ ... وَلا البرقُ فيه خُلَّباً حين يَلْمَعُ

أخذه من قول المعتصم:

فليستْ جهاماً للعفاةِ سحابه ... وليستْ بُروق الجودِ فيها تَحْلِبُ

وقد قال البحتري قبلهما:

رأيتك إِنْ مَنَّيتَ منَّيْتَ موعداً ... جَهاماً وإِنْ أبرقْتَ أبرقْتَ خُلَّبا

وهذا من المعكوس الذي ابتدئ هجاءً وعكس فصار ثناءً.

وقال المتنبي:

إِذا عرضَتُ حاج إِليه فَنفْسُهُ ... إِلى نَفْسِهِ فيها شَفيعُ مُشَفَّعُ

(1/291)

وهذا كثير من قول الحطيئة:

وَذاكَ امرؤ إِنْ تأتِهِ في نفسهِ ... إلى مالِهِ لا تأتهِ بِشَفِيعِ

قال أبو العتاهية:

وما ابتغى عنده شافعاً ... سِواه إلى نفسِه يَشْفَعُ

وقال أبو العتاهية:

فيا جُود موسى ناج مُوسى بحاجِتي ... فمالي سِوَى مُوسى إِليه شَفِيعُ

وقال آخر:

فيا جودَ معن ناد معناً بِحاجتي ... فمالي سوى مَعْن سِواكَ رَسولُ

وقال ابن الرومي:

أبا الصَّقرّ من يَشْفع إِليك بشافعٍ ... فما لي سوى شِعْري وجود شافِعُ

وقال ابن الحاجب:

جُوده شافعٌ لطالب جدواه ... إِذا غره وجودك شَفيعُ

وقال المتنبي:

خَبَتْ نارُ حربٍ لم تَهجْها بنانه ... وأسمرُ عُريانٌ من القشر أصْلعُ

نحيفُ الشَّوى يعدو على أُمَّ رأسه ... ويَحفى فيقوى عَدُوهُ حين يَقْطَعُ

(1/292)

أما قوله:) يعدو على أم رأسه (فمن قول القائل:

وَمنتكس يَعدو على أمّ رأسه ... يَخافُ ويرجى نَفعه حَيثُ تَمما

وأما قوله:) ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع (فمن قول كلاب بن حمزة:

فإِنْ تخوّفت من حفاه فخُذْ ... سَيفك فأضربْ قفا مُقلّدِهِ

فإِنَّه إِنْ قطعْتَ أجْوَدَه ... عادَ نشيطاً بِقَطْع أجْوَدِهِ

وقال المتنبي:

ذبابُ حُسامٍ مِنْهُ أنجى ضريبةً ... وأعْصَى لمولاهُ وذا مِنْهُ أطْوَعُ

شبهه بالسيف وفضله بالطاعة لمن ملكه. وقد قال البحتري:

ما السيف عصيان نصل رونقه ... أمضى على الحادثات مِن قلمه

وليس في شعر البحتري أكثر من تشبيه القلم بالسيف وأبو الطيب قد ذكر من عصيان السيف أحياناً وطاعة القلم للكاتب به ما فيه زيادة يستحق بها الشعر.

وقال المتنبي:

بِكفّ جَوادٍ لو حَكَتْها سَحَابةٌ ... لما فَاتها في الشرق والغَرْب مَوضِعُ

(1/293)

أخذه من ابن الرومي حيث يقول:

خِرقٌ يعمّ ولا يخصُّ بِفَضلِهِ ... لكنَّهُ كالغيْث في الأطباقِ

فجعل الغيث يعمّ ويخصّ وجعله يعم الغيث في أطباقه وكذلك قال أبو الطيب: إن سحابة لو حلت كفه لكانت عامة غير مختصة وهذا يدخل في باب المساواة والسابق أولى به.

وقال المتنبي:

فَصيحٌ متى ينطقُ تَجِدْ كُلّ لفظةٍ ... صول البراعات التي تَتفَرّعُ

ففي كل لفظة محذوف يزيد على كل لفظة حسنة أو عذبة أو ما أشبه ذلك ولو قال كل لفظه وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:

كلُّ جُزْءٍ منْ مَحاسِنِه ... فيه أجزاءٌ من الفِتنِ

وقد أخذ ذلك من أبي تمام أخذاً مما هو أبين من هذا في قوله:

كلُّ سقامٍ تراه في أحدِ ... فَذاكَ فرع والأصلُ في بَدني

وهذا من استخراج كلام من كلام أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

ولَيس كبحر الماء يَشتقّ قَعْرهُ ... إلى حيثُ يفنى الماءَ حوتٌ وضَفدعُ

(1/294)

في هذا البيت حشوٌ غثّ وهو قوله) بحر الماء (ولا معنى له وهو من جنس قول أبي العيال:

ذكرتُ أخي فَعاودني ... صُداع الرأسِ والوصب

إلا أن يكون للبيتين بحر يعبر عنه بهذا الاسم فيفيد كلامه وما في اشتقاق الحوت والضفدع ماءه حتى يفنى الماء ضرر على أحد ولا نقص على البحر وهذا مدح لا فائدة فيه فأما قول ابن الرومي:

هُو البحر إلا أنَّ في جَنباته ... رُغاء المَطايا لا تفتق العَلاجِمُ

فقد صيره بحراً على صفة يعدمها البحر لأن المطايا لا تحط على البحار فدل على كرم من حط إليه المطايا إذ كان مرجواً لخير مقصوداً. وقال أشجع:

لو كان للركبان في كل وجهه ... إليك إيصال تتبعه الركب

وقال الآخر:

يَزدحمُ الناسَ على بَابِه ... والمنهلُ العذب كَثيرُ الزحام

فليس في فائدة هذا الكلام فائدة ذكر الحوت والضفدع.

وقال المتنبي:

أبْحرٌ يَضرّ المعْتفين وَطَعْمُه ... زعاقُ كبحرٍ لا يَضُرُّ وَيَنْفعُ؟

(1/295)

فإن كان ضرر المعتفين في البحر هو الغرق والصائب بالأموال فبازاء هذا نيل الرغائب من نفس المتاجر ومثمن الجواهر وقطع المسافات المتباعدات في أقل مدة وإن كان ضرره أن طعمه زعاق فلا يضرك ذلك إلا من قصده صادياً وقد قصر لفظه عن إيضاح معناه لأن الأجود كاد أن يقول:

أبحر يزيد الواردين زعاقه ... صدا مثل بحر سلسل الورد ينفع

ولعل معترضاً أن يعترض هذا الكلام فيقول: البحر لا يكون سلسل الورد فإن البحر لا يقع إلا على الملح، قلنا له إنما شبه رجلاً ببحر فذكر أخلاقه بالعذوبة وأعرب ببحر يخالف صفة ما وقع عليه هذا الاسم وقد يسمى العذب باسم الملح وقد قال ابن الجهم:

ولست ببحرٍ أنْتَ أعْذَبَ مَورداً ... وأقربُ للرّاجي نداك وأسْهَلُ

ففضله على البحر بعذوبة مورده وقرب راجيه من مراده وأوضح مراده ورجح على أبي الطيب فصار أحق بما قال.

وقال المتنبي:

أَلاَ أيُّها القَيلُ المُقِيمُ بمنْبجٍ ... وهمّتهُ فوق السماكين تُوضعُ

هذا مأخوذ من قول العطوي:

إِنْ كُنت أصبحتُ لابساً سملاً ... فَهِمتي فَوْقَ كَاهِلُ الفَلك

وقال القاضي التنوخي:

(1/296)

وأنفس مسكنها ما بيننا ... وهَمّها بين السَّماكِ والسُّهى

وكل الأبيات تدخل في باب المساواة وبيت العطوي دونهما وليس لبس السمل مما يدل على اتضاع الهمة، وقد خبر أبو الطيب عن الممدوح بإقامة جسمه بمكان وخبر عن همته بسير فوق السماكين فطابق وزاد بالمطابقة فأستحق ما أخذ وهو يساوي التنوخي في معناه ولكن وافقه في ذكر الأنفس والهمم ولم يتفق له من الإقامة والسير ما أتفق لأبي الطيب والذي نبه أبا الطيب على هذا المعنى أبو تمام بقوله:

جرّدتُ في ذَمِّيك خَيْلَ قَصائدِ ... سَارتْ بك الدُّنيا وأنْتَ مُقِيمُ

وقد أخذ ابن الرومي هذا المعنى من أبي تمام فقال في صفة قصيدة له:

تَظل مقيماً في محلّكَ خافضاً ... وأنْتَ بِها في كُلّ فجٍ تُسيّر

وقال المتنبي:

أليْسَ عجيباً أنَّ وصْفكَ مُعْجزٌ ... وأنَّ ظُنُوني في معاليك تَطلعُ

ينظر إلى قول أبي تمام:

تَرقَّتْ مناهُ طوْدَ عِزٍّ لو ارتقتْ ... له الريحُ فتراً لانثنتْ وهي طَالِعُ

(1/297)

وقال المتنبي:

وأنَّكَ في ثوبٍ وَصَدْرُكَ فِيكُما ... على أَنَّهُ مِنْ ساحَة الأرضِ أوْسَعُ

الصدر في الثوب وليس الصدر في الإنسان إنما هو من الإنسان ولم يرد بالصدر ما أشتمل عليه من قلبه على المجاورة لأنه قد ذكر في البيت الذي بعد هذا قلبه، وقال أبو المعتصم في مرثية:

يا وَاسعَ المعروفِ هَلْ وَسِعَ الثرى ... في الأرض صَدْرك وَهْوَ منها أوْسَعُ

فعجب من أن صدر هذا البيت في الأرض وهي مشتملة عليه وهي أوسع منها وأصل هذا أبو تمام في قوله:

وَرُحْبِ صَدْرٍ لو أنّ الأَرضَ واسِعَةٌ ... كَوُسِعه لَمْ يَضِقْ عنْ أهلهِ بَلَدُ

وقال المتنبي:

وَقَلبك في الدُّنيا وَلَوْ دَخَلتْ بنا ... وبالجِنّ ما دَرتْ كيف تَرْجِعُ

فشبه سعة بأوسع منها فهو إفراط مستعمل مثله. فأما دخول الإنس والجن في قلبه ثم لا يدري كيف ترجع فهو من المبالغة المستحيلة لا يستحسنها كثير من الناس فأما دخول الأجسام في قلبه من الجن والإنس فلا أراه مليحاً.

وقال المتنبي:

ألا كُلّ سَمْحٍ غيرك اليوْمَ باطلُ ... وكلُّ مديحٍ في سِواكَ مُضَيَّعُ

(1/298)

هذا من قول ابن الرومي:

وكلُّ موالٍ صاعداً فهو صاعدُ ... وكل معادٍ صاعداً فهو هَابطُ

وهذا أحسن من قول أبي الطيب لأن الصعود والهبوط ضدان فالبيت المطابق صحيح الطباق وليس باطل ضدّ مضيع لأنّ ضد باطل حق وضدّ مضيع محفوظ فأبن الرومي أرجح كلامه وأولى ببيته.

يتلوها أبيات أولها:

قَضاعة تَعْلمُ أني الفَتى الّ ... ذي ادَّخرتْ لصُروف الزَّمانِ

وقال فيها:

ومَجدي يَدلُ بني خِنْدفٍ ... عَلى أنَّ كُلّ كريمٍ يَماني

نبهه على هذا أبو نواس في قوله:

بَلى فإِن ذمتني للضبى أريحيّة ... يمانية إن السماح يَمان

وقد تبعه ابن الرومي في هجاء قاله وهو:

ونساءُ كأنَّما يتوقعن ... سُقوط السماء كل أوانِ

(1/299)

فتراهن شَاعرات لكنّما ... يُدعمن السماء بالسيقان

إِنْ يَجد جلد بذلك ... فالسخ يمان والجود قدماً يمان

قال أبو محمد وتبعتهم في ذلك فقلت:

بُتْ صيفاً لسد يمني ... فقرابي والجودُ قدماً يماني

وأنْتَ عرسه بعاذلٍ أبرئ ... قلت لا تبعني فلست بزاني

فأتاني فقال نكهاً تعيشي ... فهي مرفوفة على الصيفان

قلت أحدثت في الضيافةِ ... معنى ما عرفناه في قديمِ الزَمان

قال منْ أجل ذاكَ طارلي ... اسم وألح الضيوف في عشاني

فإِذا يذكروا مع أسمي ... مضيفاً قبل مرعى وليس كالعدان

وقد كان ينبغي أن ترغب عن ذكر هذه الأبيات ولكن جر ذكرها ما قبله وقال المتنبي:

حَديدُ اللّحاظِ، حديدُ الحفاظ ... حديدُ الحُسامِ، حديد الجنان

يشبه قول المريمي:

ثَلاثة أنشاء في حداد فكيف لا أروم ... الغنى بالغضب والغضب والغضب

فمقولي الماضي وثانيه مفصلي وثالث ... صدق من وفاء ومن لبّ

(1/300)

فأتى أبو الطيب بأربع صفاتٍ في بيت كشف مراده فيه والمريمي جاء باللفظ القصير في الطويل الكبير فالمتنبي أحق بما أخذ.

وقال المتنبي:

يَرى حده غامضاتِ القلوب ... إِذا كُنْتُ في هَبْوةٍ لا أرانِي

وكشف السيف عن غوامض القلوب إنما يكون بشق الصدور عنها وإبراء المنون في ظلم الأحشاء سبلاً وقد شرط فيها ابن دريد أنها لا ترى بقوله في المقصورة:

يُرى المنون حيث تقفو إِثْرَهُ ... في ظُلمِ الأحشاءِ سُبْلاً لا تُرَى

هذا أبلغ وأرجح وهو المأخوذ منه فهو أولى ببيته، وقال المعلى الطائي:

تمشت الهوينى في الرماح سُيوفكم ... حتّى عَرفن مسالك الأرْواحَ

سَخطتْ جماجمُهمْ على أجسادهم ... فتبدلتْ منهم صُدر رماحِ

وقال المتنبي:

سأجْعَله حَكماً في النفوس ... وَلَوْ ناب عَنْهُ لِساني كفاني

(1/301)

وقال الحرثي في مثله:

وإذا تألق في الندى كَلامه ... المصقول خَلتْ لِسانه من غَضبه

وقال ابن المعتز:

ولي حسام يهابُ الناس صَوْلته ... أمضى وأغضب من حديه غضب فمي

وقال أحمد بن محمد الحاجب:

ما يُبالي أسيفَ عمرو بن معدي ... كرب حزْت أم غرار لِسانه

وقال ابن الرومي:

يا مَنْ غدا وعزيمهُ ولسانهُ ... سَيفان شَتْى في الخُطوبِ وفي الخُطبْ

وفيه من المجانسة ما يرجح به، وقال آخر:

يحلو به شبه العمى فكأنّها ... من جدّ مِنْصلة الحسام لسانه

وهذه المعاني داخلة في قسم المساواة فإن قلت إن فائدتها أن ألسنتهم كسيوفهم لا غرو لأبي الطيب زيادة أن جعله حكماً في النفوس ولم يخبروا

(1/302)

بذلك، قلت: ذلك موجود في شعر أبي تمام في قوله:

راحَ التّنصُلُ معقوداً بألسنهمْ ... لمّا غَدَا السَيّفُ في أَعْناقهم حَكَما

ويلي ذلك أبيات أوّلها:

قِفَا تَريا ودقي فهاتا المخايلُ ... ولا تخشيا حلفاً لما أنا قائِل

وقال فيها:

رماني خِساس الناس من صائب أسنه ... وآخر قُطنّ مِنْ يَديه الجَنادِلُ

فهذا بيت ضعيف ونسج سخيف فأما صدره فإنه رماه من أصاب أسته والسهام لا تدور إلى خلفه إنما يحسن أن يقول كما قال الحارث بن وعلة:

قومٌ هُمْ قَتلوا أميم أخي ... فإِذا رميتُ يُصيبني سَهْمي

والسهم قد يصيب بارتداده ما وقع عليه من نحر أو صدر فإن أحتج له محتج فقال ليس هاهنا سهم ولا رمي على الحقيقة إنما هذه استعارة قلنا وكذلك قول الحارث استعارة ولكن ينبغي أن توفي الاستعارة مستعيرها حقوق ألفاظها وقال في عجز البيت:) وآخر قطن من يديه الجنادل (

(1/303)

فإن كان معناه في هذا أن الجنادل من يدي هذا الرامي كالقطن تهاوناً وخفة وزن عليه فإنه لفظ هجين غير رصين.

وقال المتنبي:

ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جَهْلهُ ... ويَجْهلُ عِلْمي أنَّهُ بي جاهِلُ

هذا مذهب من الشعر يسميه الجاحظ المذهب الكلامي ويشبهه قول الخليل:

لو كُنْتَ تعلم ما أقولُ عَذرتَنِي ... أو كنت أعلم ما تقول عذرتكا

لكن جَهِلْتَ مقالتي فعذلتني ... وعلمتُ أنَّكَ جاهل فَتركتكا

وهذا الجنس قبيح التعسف بين التكلف وفيه تعب وكد وبلاء وجهد وبالجملة فإن قول أبي الطيب أخصر من هذا وأقل طولاً وهو أحق بما قال ومن هذا الجنس قول القائل:

وعلَّمتني كيفَ الهوى وَجهلتْه ... وعلمني صَبْري عَنْ ظِلمكم ظلمي

وأعلمْ ما لي عِنْدكم فَتميل بي ... هواي إلى جَهلي فأعرض عن عِلمي

وقد كان ينبغي أن أدخل هذا الفن في فنون البديع ولكنه ثقل مثله في

(1/304)

الشعر ولا سيما في شعر أبي الطيب ولا أختار له أن يسلك مسالك من ركب هذا الطريق فلذلك تركته.

وقال المتنبي:

ويَجهلُ أني مالك الأرض مُعسر ... وأني على ظهرِ السَّماكين رَاجِلُ

فمعسر مع مالك الأرض، وراحل على ظهر السماكين معنى مليح وتطبيق صحيح وهو أصح من قول العطوي:

إِنْ كُنتَ أصبحت لابساً سملاً ... فَهمّتي فوق كاهل الفلك

فأبو الطيب أحق بما أخذ وهو مأخوذ من قول أبي تمام:

فَثريت جاراً للحضيض وهِمّتي ... قد عُلقت بكواكب الجَوْزاء

وقال المتنبي:

وما زلتُ طوقاً لا يزول مناكبي ... إلى أنْ بدتْ للضّيمِ فيّ زَلازِلُ

ينظر إلى قول ابن الرومي:

أنا ذو القصد غير أني إذا آ ... نستُ ضيماً رأيت لي غُلواء

وقال المتنبي:

فقلقتُ بالهمّ الذي قَلْقل الحشا ... قَلاقِلَ عيس كُلهُنَّ قَلاَقِلُ

هذا البيت ما ذكره أبو العباس النامي في عيوب شعره وما ظلمه وهو قليل

(1/305)

المجانسة فلما جانس جاء بغير طائل، والهاء والنون في قوله) كلهنّ (تعود على العيس لا القلاقل وهو أبلغ من عودتها على القلاقل وهو يحتاج إلى ناقل فإنه يصح له.

وقال المتنبي:

إِذا الليلُ وارنا أرتْنا خِفافُها ... بقدحْ الحَصى ما لا تُرينا المَشاعِلُ

القدح لا تستنير إلا شرراً والمشاعل إفراط وقد قال أشجع:

ينشرن نَقع القاعِ حين يطأنه ... ويُطرن مُرّان الحصى بالفرْقَدِ

ويقع على الشرار اسم النار ولا يبلغ ذلك إلى المشاعل، قال الحصني:

وللمرء عن قدحٍ ما تستثير ... سَنابلها لهب مضّرم

وكذلك اللهب المضرم قول أبي الطيب فيمن أستحسن المبالغة أبلغ وفي مذهب من ذمها أنقص، وقال ابن أبي كريم:

إِذا أفترشتْ جنباً أثارتْ بمثنه ... عجاجاً وبالكذان نارُ الحَباحبِ

(1/306)

هذا تشبيه مقتصد جيد النظام مستوفي الأقسام أخبر فيه عن حال الأرض الوعثة والصلبة من حال الأغبار والنار بما لا قسم في الأرض الموطوة غيره فهو أحق بالمعنى من جميعهم.

وقال المتنبي:

يُخَيَّلُ لي أنَّ البِلادَ مسامعي ... وأني فيها ما تقول العَوَاذِلُ

وهو بيت معنى وذلك أنه أراد لا يستقر في بلد إنما يدخل أرضاً ويخرج منها إلى غيرها فكأنه عذل العذول له يدخل أذنه ويخرج منها، وأراد بقوله إلى العواذل فحذف لعلم المخاطب مراده.

وقال المتنبي:

ومَنْ يبغِ ما أبْغي من المَجْدِ والعُلا ... تساوى المحايى عِنْدهُ والمَقاتِل

قال امرئ القيس:

فقلتُ لهُ لا تبكِ عَينكَ إِنَّما ... نُحاولُ ملكاً أو نموت فَنُعْذَرا

فتبعه الناس في هذا منهم أبو تمام في قوله:

رَكُوبٌ لأَثباج المهالكِ عالم ... بأنَّ المَعالي دُونَهنَّ المَهالِكُ

وقال أبو تمام أيضاً في ممدوح مدحه وقد قال:

وقَدْ قالَ إِمَّا أنْ أُغادرَ بَعْدَها ... عَظيماً وإِمّا أنْ أغَادرَ أعْظُمَا

فجاء بمعنى بيت امرئ القيس في مجانسة مليحة. وقال ابن الرومي:

وَمنْ لمْ يَزلْ في مصعب المجد راقياً ... صِعاب المراقي نالَ أعلى المَراتبِ

(1/307)

فامرؤ القيس بالسبق أولى) الناس (بما قال وأبو تمام فأخذ ببيته كمعنى بيت امرئ القيس بغير زيادة والبيت الثاني فيه مجانسة مليحة رجح بها كلامه وابن الرومي يساوي أبا الطيب في كلامه وابن الرومي بالتقدم أولى بما أخذ عنه.

وقال المتنبي:

ألا ليْسَت الحاجاتُ إلاّ نُفوسكمْ ... وليْسَ لنا إِلاَّ السيوف وسَائلُ

والعلوي البصري:

إِذا اللئيم مط حَاجيه ... وزادَ عَنْ حريم دِرْهميه

فأنهضْ إلى السيف وشفرتيه ... فاستنزل الرزق بمضربيه

إذا قعد الدهر فَقُمْ إِليه

وفائدة هذا البيت فائدة وليس لنا إلا السيوف وسائل فلم يجعل ذلك الرزق إلا منه ولم يجعل هذه الوسيلة في حوائجه غيره ولعل غائباً أن يقول يحتاج إلى إيراد بيت سرقه فيأتي بمتطوع كامل، ولعمري إن هذا قد مضى منا مثله ويمضي في باقي الكتاب، لأنا ما جهلنا ما ذكره ولا عمتنا عما أبصره ولكن قصدناه قصداً وأتيناه عمداً لأن موضوع الكتاب الفائدة للقارئ ولسنا من عليه من الإكثار عاقبة للإضمار بمعنى واحد من السرقات فيريد أن ينقله إلى استماع شعر مطرب أو خبر معجب ليروح عن قلبه ويجلو صدى ما في الانتقال من حال إلى حال من مداواة

(1/308)

القلوب من الإملال. وقد قال بعض الصحابة روحوا القلوب تعي الذكر. وقال أبو الدرداء: إني لأستجّم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أعون لها على الحق. وروى عن عطاء بن يسار قال: كان يفض علينا حتى نبكي ويجدينا حتى نضحك، ويقول مرة هكذا ومرة هكذا وقد حضر بشار بن برد مجلساً فقال: لا تجعلوا مجلسنا هذا حديثاً كله ولا غناء كله ولا شعراً كله ولكن تناهبوه فإن العيش فرص ثم يعود إلى موضع التأليف.

ويتلو ما تقدم قصيدة أولها:

ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيْرَ مُحْتِشم ... السَّيفُ أحْسَنُ فِفْلاً مِنْهُ باللّمم

العامة تضع الحشمة موضع الاستحياء والعرب تضعها موضع الغضب وقد أستعمل الأرذل في موضع الأفضل وأوجب الاستحياء من الضيوف وميّز عادة هذا

(1/309)

الضيف من عاداتهم وحشمة الضيف إنما تكون من لئيم فأما من أهل الكرم فلا حشمة منهم فأما معنى بيته فهو قوله:) والسيّف أحسن فعلاً منه باللمم (وذلك من قول القائل:

وَصد الغواني عَنْ بِياضٍ بعارضي ... وأعرضن عَنْ لبيك لي عنْدَ مَنْطقي

فليتَ بياض السيف يَوْم لقيتني ... مَكان بياض الشيبِ كان بِمفرقي

ومجيء البياض مكان البياض من الترديد المليح الذي رجح به لفظه فصار أولى بما قال وقد ملح دعبل في تسمية الشيب ضيفاً وهذا يدخل في الاستطراد يريد مديح نفسه بالكرم لمحبة الأضياف في قوله:

ومِقتُ الشيب لَما قيل ضيفٌ ... لحبي للضيوف الطارِقينا

وقال المتنبي:

أبْعَدْ بَعِدْت بياضاً لا بياض لَهُ ... لأنْتَ أسود في عيني من الظُّلمِ

سامح أبو الطيب نفسه في هذا ولم يبلغ علمه إلى ما فيه عليه لأن العرب لا تقول أسود من) كذا (ولا أحمر من كذا إنما تقول في الألوان أشد سواداً) أ (وأشد

(1/310)

حمرة، وهذا رأي البصريين وما ورد ما قاله أبو الطيب إلا في بيتين شاذين غير مأخوذ بهما ولا معول عليهما فأحدهما) من قول الراجز (:

جاريةٌ في درْعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني إِباضِ

والآخر:

إذ الرّجالُ شَتوا وأشتدَّ أكلهُمُ ... فأنْتَ أبيضهُمْ سربال طَبّاخِ

هذا حال الإعراب وأما المعنى فأخذه من قول أبي تمام:

لَهُ مَنْظرٌ في العَينِ أبيض ناصِعُ ... ولكّنهُ في القلب أسودُ أسْفَعُ

(1/311)

وقال ديك الجن:

نباتُ في الرؤوس لهُ بَياض ... ولكنْ في القلوبِ لَهُ سَواد

وقد سلم البيتان من اللحن ولم يعد ما حسن الكلام فلفظهما أرجح والسابق أولى بما قال.

وقال المتنبي:

بحُبّ قاتِلتي والشيب تَغْذَيتي ... هواي طفلاً وشَيبْي بالغ الحُلمِ

تقرب ألفاظه من قول أبي علي البصير:

وتَمتعتُ شبابي كلهُ ... وغذائي بالهوى قبل الحلمِ

وقال المتنبي:

وما أمرّ برسم لا أسائلُهُ ... ولا بذات خمار لا تُريقُ دَمي

هذا العموم في لفظه بمسائلة كل رسم وإراقة كل ذات خمار دمه لا أحبه قد يمكن أن يكون الرسم لغير محبوب ويكون ذات خمار مشينة أو عجوزاً فيصير حفاظه في القياس شبهاً بالوسواس.

وقال المتنبي:

تَرْنو إليّ بعين الظّبي مُجْهشةً ... وَتَمْسح الطّلَّ فَوْقَ الوَرْدِ بالعنم

وهذا تشبيه أبي نواس:

(1/312)

يا قمراً أبصرت في مأتمٍ ... يَنْدبُ شَجْواً بَين أتْرابِ

يَبْكي فيذْري الدُّرَّ مِنْ عينه ... وَيلطُمُ الورْدَ بِعُنَّابِ

جعل مكان الطل الدرّ وكلاهما يراد الدموع والعناب مكان العنم والورد بازاء الورد فلا زيادة له على أبي نواس غير أن الطلّ يقع على الورد ويخضر العناب بحيث يخضر الورد من البساتين والدارسين من جنس الأزهار والأثمار فجمع بين أنواع متجانسة ولقائل أن يقول ذكر الدّر هاهنا بمنزلة عين الظبي وأنقطع الكلام ثم عطف ما يتجانس على مثله فالأول أحق به.

وقال المتنبي:

أبديتَ مِثْلَ الذي أبْديتُ من جزعٍ ... ولمْ تُجنّي الذي أجنيتَ من ألمٍ

وهو من قول أبي نواس:

زعمتم بأنَّ البين يْحزنكُمْ نعم ... سيُحزنكُمْ علْمي ولا مثل حزْننا

وفي كلام أبي الطيب جزالة يفضل أبا نواس ورجح كلامه على كلامه فهو ولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

أرى أناساً ومحصولي على غنمٍ ... وذكر جودٍ ومحصولي عَلى كَلمِ

أما صدر هذا البيت فمن قول أبي تمام:

لاَ يَدْهمَّنكَ مِنْ دهمائهمْ عَدَدُ ... فإِنَّ جُلَّهُمُ بل كُلَّهُمْ بَقَرُ

(1/313)

وأما عجزه فمن قول أبي تمام:

مُلْقَى الرَّجاءِ ومُلْقى الرَّحْلِ في نفرٍ ... الجُودُ عِنْدهمُ قَولُ بلا عَمَلِ

مثله للقائل:

جاءني الصك بالشعر ولكن ... لمْ أحْصِل سِوى استماعُ الكلام

فالمعنى يساوي المعنى ولكن قد استوفى اللفظ الطويل في الموجز القليل وأتى في بيت واحد فصار أحق بذلك من الأول: وقال المتنبي:

وَرُبَّ مالٍ فقيراً من مُروتّهِ ... لَمْ يُثر مِنها كما أثْرى من العَدَمِ

هذا من قول البحتري:

إِذا المرْءُ له يحصل غِناهُ ذَرِيعةً ... إلى سُؤْدُد فأعدد غِنَاه من العدْمِ

ومعنى البحتري أوضح لفظاً وأرجح.

وقال المتنبي:

سَيصحبُ النَّصْلُ مِنّي مثل مضربه ... وتتجلى خبرتي عن صِمّة الصِّممِ

فائدة هذا البيت أن النصل قد صحب منه مثله فهذا موجود في قول مسلم:

(1/314)

أتتكَ المطايا تبقى بمطيةٍ ... عَليها فتىً كالنَّصْلِ يَصْحبه النَّصْل

وهذا مما يدخل في قسم المساواة والسابق به أولى به من السارق.

وقال المتنبي في الخيل:

فالطعنُ يُحْرِقها، والزَّجْرُ يُقلقُها ... حتى كأنَّ بها ضَرْباً من اللَّممِ

قال البحتري في فرس:

وتظنُّ رَيْعَانَ الشَّباب يَروُعُهُ ... من نشوة أو جنَّة أو أفكَلِ

فجمع البحتري أوصافاً متقاربة ومعان متناسبة لم تحصل لأبي الطيب منها غير صفة واحدة فكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.

وقال المتنبي:

تُنْسى البلاد يروق الجو بارِقَتي ... وتكتفي بالدَّمِ الجاري مِنَ الديمِ

وهذا البيت رديء الصنعة إنما يكتفي بالشيء عن الشيء إذا ساواه، والديم لا تكفي البلاد بالدم عنها لأن الأرض لا تشرب الدم ولا تنبت عنه فليس تشبيهه تشبيهاً صحيحاً.

وقال المتنبي:

(1/315)

إِنْ لم أدعك على الأرماحِ سائلة ... فلا دُعيتُ ابن أُمّ المجدِ و) الكرم (

هذا يقرب من قول ابن دريد:

خَيْرُ النفوس السّائلاتُ جَهْرةً ... على ظُبات المُرْهفاتِ والقَنَا

يتلوها أبيات أولها:

أبا سَعيدٍ جنّبِ العتابا ... فَرُبّ رائي خطاءٍ صَوَابا

يقرب هذا من قول منصور النمري:

لعلَّ له عُذراً وأنْتَ تَلُومُ ... وكم لائم قَدْ لام وهو مُلِيمُ

وليس في هذه الأبيات معنى رائق ولا لفظ فائق وكذا أكثر مقاطعه لا يلحق بقصيدة وقد رغب عن أشياء من شعره لا يستحق الرغبة عنها وأثبت أشياء لا فائدة فيها لغرض له وافقه لا لحسن الشعر.

ويليها أبيات أولها:

شَوْقي إِليْكَ نفى لذيذَ هُجُوعي ... فارقتني فأقامَ بين ضُلُوعي

ليس في هذا الكلام معنى غير المطابقة بين المفارق والمقيم وذلك موجود في قول البحتري:

رَحلَ الظاعِنونَ عَنّك وأبقَوْا ... في حَواشي الأحْشَاءِ حُزْناً مُقِيمَا

(1/316)

وهذا يدخل في باب المساواة، والسابق أولى به من اللاحق.

وقال المتنبي:

ما زِلتُ أحْذر مِنْ وداعِكَ جاهداً ... حتى اغتدى أسفي عَلى التَوْديع

معنى هذا البيت: أني كنت أحذر الفراق فلما وقع البعد أسفت على التوديع لما نلت فيه من اللذة والعناق كما قال أبو تمام:

منْ يكنْ يَكْره الفراق ... فإِني أشْتهيه لموضعِ التسليم

إِنّ فيه اعتناقه لوداع ... وانتظار اعتناقه لقدومِ

وكلام أبي تمام أشرح ومعناه أرجح فهو أولى بما أخذ عنه.

وقال البحتري:

أُحاذرُ البينَ من أجل النوى ... طوراً وأهواه من أجل الفراقِ

ويلي ذلك أبيات أولها: أيَّ مَحلّ أرْتقي؟ أيَّ عظيمٍ أتَّقِي؟

وكُلُّ ما قَدْ خِلَق ... الله وما لمْ يَخْلُقِ

مُحْتقرٌ في هِمَّتي ... كَشعْرةٍ في هِمَّتي كَشعْرةٍ في مَفْرِقي

هذه أبيات فيها قلة ورع أحتقر ما خلق الله عز وجل وقد خلق الأنبياء والملائكة والصالحين وخلق الجن والملوك والجبارين وهذا تجاوز في العجب الغاية ويزيد على النهاية وقد تهاون بما خلق وما لم يخلق فكأنه لا يستعظم شيئاً مما خلق الله عز وجل الذي جميعه عنده كشعرة في مفرقه.

(1/317)

وهذا مما لا أحب إثباته في ديوانه لخروجه عن حد الكبر إلى حد الكفر.

ويلي هذا مقطوع أوله: أنا عاتب لتغيبك متعجب لتعجبك قال فيها: إذ كنت حين لقيتني متوجعاً لتغيبك وقال أبو تمام:

وولهتُ إِذ رُمَّتْ رِكابُكَ للنَّوى ... فكأَنِني مُذْ غِبتَ عَنِّي غائِبُ

وما فيها غير قوله:

فَشغلت عَنْ رد السلام ... وكان شغلي عنك بك

وبعدها أبيات فارغة أولها:

أرى الشطرنج لو كانت رجالا ... تهز صفائحاً وقتاً طوالا

(1/318)

ومثلها لا يشتغل بها، وبعدها بيت منفرد وهو:

إِذا لمْ تَجدْ ما يَبْتُرُ الفقْرَ قاعداً ... فَقُم فأطلب الشَّيء الَّذي يبتر العُمرا

وهذا بيت جيد وفيه مطابقة بين القيام والقعود وفيه من ترديد اللفظ في يبتر ما يستحسن ولكن لا أحب لشاعر قادر على الكلام محكم في النظام أن يعمل بيتاً مفرداً بغير ثانٍ فإذا فعل هذا فينبغي أن يكون البيت باهراً ومعناه نادراً كما حكي عن الرقاشي أنه قال:

لَوْ قيل من رجلٍ طالتْ بلبته ... لاستعجلت غيرتي حتى أقول أنا

قال بعض الأدباء: لقيته فقلت له ما أحسن ما قلت لو جئت له بثان قال: فعمل نحو الأربعين بيتاً ليس فيها بيت يلحقه ثم قال:

وَلوْ قضى حزناً مستهتر كَلف ... لكنتَ أول محزون قَضى حُزْنَا

وما كان يعجزه مع قدرته على أن الشعر أن يكون لهذا البيت أبيات تليه في معناه ومن مفردات قوله:

في الصدقِ مندوحة عن الكذب ... والجدُّ أولى بِنا من اللعبِ

(1/319)

هذا فارغ ولو جاء بقصيدة مثله لوجب طرحها.

وقال بعده:

أنْصُرْ بجودكَ ألفاظاً تركتُ بها ... في الشَّرق والغربِ من عاداك مكبوتا

فَقَدْ نَظرتُكَ حتى حانَ مُرْتحلٌ ... وذا الوداعُ فَكُنْ أهلاً لما شِيتا

معناه فكن أهلاً لما تنبئت من الإحسان أو ضده وقد قيل فيمن هو في هذا المعنى فيمن هو أرفع بدراً ممن مدحه أبو الطيب وهو طاهر بن الحسين ما هو أكثر تهدداً وأعظم توعداً قال فيه ابن الجهم:

أ) طاهرُ (إنّي عنْ خُراسان راحل ... ومُسْتَخبر عنها فما أنا قائِلُ

أأهجوك أمْ أثني عليك فأيما ... تخيرتَ أهْدَته إِليك المحافِلُ

وقال ابن الجهم في مثله:

عِنْدي خِيارات فأختر والخيار ... لِمَنْ في مثل رأيك إِلا يقبلُ الغبنا

واعلمْ بأنَّكَ ما أسْديت مِنْ ... حَسن إِليّ أو شي وقتك الثمنا

فقد خبر أبو الطيب في قوله ما شئت ولكنه كلام مجمل غير مشروح ولعلي شرح واضح وإن طال فكلاهما محسن وبازاء المختصر المشروح وإذا جعلنا التطويل بازاء المشروح دخل هذا الشعر في باب المساواة ولو شاء الناظر فيها لأدخلها في قسم نقل الطويل الكثير إلى الموجز القصير فصار أبو الطيب أرجح كلاماً من غيره.

ويلي هذين البيتين قصيدة أولها:

(1/320)

أشى الرقيبَ فَخانتْهُ ضمائرهُ ... وغيَّضَ الدَّمْعِ فأنهلّتْ بَوادِرُهُ

وكاتم الحُبّ يوم البين مُنْتهكٌ ... وصاحبُ الدَّمْعِ لا تَخْفى سَرائرُهُ

هذا معنى مستعمل لا يعبأ بمثله ولكنه لم يحقره فأوجب أن يقول أخذ هذا من بيت أنشده المبرّد:

وأظهرت الدموع هَوىً مصوناً ... ولمْ نر فاضحاً مِثْل الدموع

وقال المتنبي:

نُعْجٌ محاجرُهُ، دُعْجٌ نَواظِرُهُ ... حُمْرٌ غَفائِرُهُ، سُودٌ غدائِرُهُ

جاء أبو الطيب بحمر غفائره بين صفات الخلق ولو كانت خضر العقائر أو صفراؤها لم يفد ذلك إلا إفادة الخمر ولو قال بيض ترابيه، سود غدائره طابق بين البياض والسواد وكان البيت كله في صفات الخلق لكان أحسن.

وقال المتنبي:

أعارني سُقْم عَينيهِ وَحمّلني ... مِن الهوى ثِقْلَ ما تحوي مآزرُهُ

قال الخبزأرزي:

وأسقمني حَتّى كأني جُفُونُه ... وأثْقلني حتى كأني رَوَادِفُه

وكلام أبي الطيب أرطب ومعناه أعذب فهو أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

يا منْ تَحكَّمَ في نَفْسي فَعذبني ... ومَن فُؤادي على قَتْلي يُضَافرُهُ

بِعَودة الدَّولةِ الغَرَّاء ثانيةً ... سَلوتُ عنك ونامَ اللَّيلَ ساهِرُهُ

(1/321)

بيتاً يخبرنا بمضافرة قلبه على قتله إذ خبّر بعودة الدولة للممدوح بسلو حادث ونوم عمّن يحب، وليس هذا يسلي الحب إنما يسلي بموت مؤنس أو فراق طويل وهذا كثير فمنه قول مسلم:

يُضافره قَلْبي عليَّ جَهالةً ... ويوشك يسلو حبّه ثم يَنْدِمُ

وقال ابن الأحنف:

قَدْ صِرتُ عبداً لأذني من ... يلوذ بكم فيما مضى مولى مواليك

قلبي محبٌ لكم راضٍ بفْعلكم ... أستروق الله قلباً لا يحابيك

وهذا يدخل في نقل الطويل الكثير إلى الموجز القصير وهو كله في نصف بيت لأبي الطيب وهو: ومن فؤادي على قتلي يضافره.

فهذا أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

مِنْ بَعْد ما كانَ لَيْلِي لا صَباحَ لَهُ ... كأنَّ أولَ يَوْمِ الحَشْرِ آخرُهُ

وهذا من قول ابن أبي الحرث:

كمْ ليلةٍ قَيل لا صباحَ لها ... أحببتها قابضاً على كَيدي

وقال الحماني:

يا ساعةَ البين أنْبري فكأنَّما ... واصلتْ ساعاتُ القيامةِ طُولا

(1/322)

وقال ابن الرومي:

وكأنَّ ليلته عليَّ طُولها ... باتتْ تَمّحضُ عنْ صباح الموقفِ

وكل هذه المعاني داخلة في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

قَدْ اشْتكتْ وحْشةَ الأحْياءِ أرْبُعُهُ ... وخبّرتْ عَنْ أسى الموْتى مَقابِرُهُ

العبارة عن الموتى بالأسى محال، وأحسن من قوله قول البحتري:

تحمّلَ عنه ساكتوهُ فجاءةً ... فعادتْ سواءً دُورُهُ ومَقابرُهُ

وقال المتنبي:

دَخَلتْها وشعاعُ الشَّمْسِ مُتَّقِدٌ ... ونورُ وجْهِكَ بين الخلق باهرُهُ

وليس هذا مما يعبأ ولكنه مأخوذ من قول البحتري:

والشَّمسُ ماتِعةٌ توقَّدُ بالضُحى ... طَوْراً ويُطْفئها العجاجُ الأكْدَرُ

حَتَّى طلعْتَ بضوءِ وجْهكِ فانْجلى ... ذاك الدُجى وانجابَ ذاك العَثيرُ

قد جمع أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز) فهو أحق بما أخذ (.

وقال المتنبي:

(1/323)

في فَيْلق من حديدٍ لَوْ قَذَفْتَ به ... صَرْفَ الزَّمانِ لما دارَتْ دَوائِرُهُ

ينظر إلى قول أبي تمام:

أمطرتهُمْ عزماتٍ لو رَميْتَ بها ... يومَ الكَريهةِ رُكنَ الدَّهْرِ لانْهدا

ولفظه من لفظ أبي العتاهية:

وأخلاقٌ تَركْنَ الدَّهر ... لا تعدو دَوائرُهُ

وقال المتنبي:

تَمْضي المواكبُ والأبصارُ شاخِصةٌ ... منها إلى المَلكِ الميْمُون طائِرُهُ

وليس هذه المعاني مما يشتغل بإخراج السرقة فيها ولكن قد استحسن أخذها فحسبنا أن يظنّ بنا ظانٍ أنّا لم يعلم أصولها فيعبر عنها بجهلها فضلاً عن إغفالها فاحتطنا بذكرها، وهذا يدخل في قسم باب المساواة.

وقال المتنبي:

قَدْ حِزنَ في بَشر في تاجه قَمَرٌ ... في درْعه أسدٌ تدمي أظافرُهُ

هذا من قول أبي نواس:

وإذا مج الفتى علقماً ... وتراءى الموت في صُورْهِ

راحَ في ثيني مفاضَتهِ ... أسد يدْمي شبا ظُفُرْهِ

كلام أبي نواس أجزل غير أن أبا الطيب جمع صفات لم يجمعها أبو

(1/324)

نواس فبازاء جزالة لفظ أبي نواس ما جمعه أبو الطيب من متفرق الصفات حتى دخل ذلك في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

حُلْوٍ خَلائِقُهُ شُوْسٍ حقائِقُهُ ... تُحْصى الحَصَى قبل أن تُحصى مآثِرُهُ

قال ديك الجن:

نغدو على سيّدنا نحصي الحصى عدداً ... في الخافقين ولا تحصى فَواضِلُه

جمع بيت ديك الجن في بعض بيت أبي الطيب وهذا يدخل في نقل اللفظ الطويل في الموجز القليل، وقال ابن دريد:

يُحْصى الحَصى والثُرى ونائله ... لا يتعاطا أدناه من حَسِبا

وقال المتنبي:

تَضيقُ عن جيشه الدُّنيا فلو رحُبت ... كصدْره لَمْ تَبنْ فيها عساكِرُهُ

هذا كقول أبي تمام:

وَرْحب صَدْرٍ لو أنّ الأرضَ واسعةً ... كرحبه لم يضقْ عن أهله بلدُ

وهذا مما يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

تحْمي السُّيوفُ على أعدائه مَعَهُ ... كأنَّهُنَّ بنُوهُ أوْ عشائِرُهُ

قال أبو تمام:

فإِنَّ المنايا والصَّوارم والقَنا ... أقاربُهُمْ في الرّوع دُون الأقاربِ

(1/325)

وهو ينظر إليه، وفي معنى قول أبي الطيب قول أبي تمام أيضاً:

كأنّها وهي الأرواح والغةٌ ... وفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظ الذي نَجِدُ

وقال ابن المعتز:

يَغضبُ الدَّهر لغضبه ... فكأنَّ الدَّهرِ مِنْ نفرهِ

وهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

إِذا انتضاها لحرْبٍ لمْ يدع جسداً ... إلاّ وباطنُهُ للعين ظاهِرُهُ

هذا مأخوذ من قول ابن الخطيم:

ملكتُ بها كَفّي فأنْهرتُ فَتْقها ... يرى قائمٌ من خَلفِها ما وراءها

وهذا يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

فَقَدْ تَيقّنّ أنّ الحقَّ في يَدِهِ ... وَقَدْ وثَقْنَ بأنّ اللهَ ناصرُهُ

والمليح قول أبي تمام:

ما إِنْ يخافُ النصر من أيّامِهِ ... أحَدٌ تَيَّقنَ أنّ نَصْراً ناصرُهُ

ففي هذا البيت تجنيس من ذكر النصر الذي هو مصدر، والنصر الذي هو اسم فقد زاد لفظه ورجح فصار أبو تمام به أحق.

وقال المتنبي: (1/326)

فخاضَ بالسَّيفِ بحْر الموت خَلْفُهمُ ... وكانَ مِنْهُ إلى الكَعْبينِ زاخرُهُ

وقال أبو تمام:

وقَدْ علم القِرْنُ المُساويك أَنَّهُ ... سَيَغْرقُ في البحر الذي أنْت خَائِضُ

ولم يفد أبو الطيب بأن خبّر عنه بخوض بحر الموت خلفهم فإن بحر الموت لم يجاوز يعني الخائض زاخره، وأبو تمام ذكر أنه خاض ما غرق فيه مساويه، ولم يخبر أبو الطيب بذلك فقد رجح كلام أبي تمام وأستحق المعنى.

وقال المتنبي:

حتّى انْتهى الفرسُ الجاري وما وَقَعتْ ... في الأرضِ من جيف القتلى حوافرُهُ

قال محمد بن علي الجواليقي:

بينا يَرى فارساً على فرسٍ ... إِذْ صار نعلاً لموطئ الفرس

فالإشارة واحدة إلى معنى مساو فهو يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

لا يخْبرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ ... ولا يهيضُونَ عظماً أنْتَ جابرُهُ

قال البحتري:

كسرْتُم كسر الزُّجاجةِ بَعْدَهُ ... ومَنْ يَجْبرُ الوهي الَّذي أنْتَ كاسرُهُ

(1/327)

وقال البحتري:

رُبّ عظم قَدْ هَضته كان ذا جبرٍ ... وعظمٌ منعته أن يهاضا

وفي البيت الأول من قول البحتري تمثيل للكسر بالزجاجة التي لا جبر لها وجعل الممدوح ممن لا يجبر وهي كسره، ومثل ذلك قول القائل:

لا يجْبرُ النّاسُ عَظْمَ ما كَسرُوا ... ولا يهيضُونَ عظم ما جَبرُوا

وهذه أبيات متقاربات المباني والمعاني تدخل في المساواة.

ويتلوها قصيدة أولها:

عَزيزٌ أسىً من داؤُهُ الحدقُ النُّجلُ ... عَياءً به ماتَ المُحبّون مِنْ قَبْلُ

هذا يقرب من قول ابن المعتز.

يا مَنْ يَلومُ على الهوى ... دَعْني فذا داءٌ قديمُ

هذا أرق وأعذب من بيت أبي الطيب وإن كان معناهما غير غريب وهذا من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي.

وقال المتنبي:

ومَنْ شاءَ فَلْينظُرْ إليَّ فمنظري ... نذيرٌ إلى مَنْ ظنّ أنّ الهوى سَهْلُ

يقرب هذا من قول محمد بن عبد الملك الزيات:

مَنْ سَرهْ أنْ يرى مَيت الهوى ... دنفاً، فليستدل على الزيات وليقف

(1/328)

وقال آخر:

من رآني فلا بد تمن لحظاً ... وليكن في جنبيه سامريا

وكلها مبانيها ومعانيها متساوية والسابق أحق بما قال.

وقال المتنبي:

جَرى حُبّها مَجْرى دمي في مَفاصلي ... فأصْبحَ لي عَنْ كل شُغْلٍ بها شُغْلُ

أما صدر هذا البيت فمن قول أبي الشيص:

أما وحرمة كأسٍ ... من المدامِ العتيقِ

وعقدُ نحرٍ بنحرٍ ... ومزجُ ريقٍ بريقِ

ولقد جرى الحبُّ منّي ... مجرى دمي في عروقي

وقال المجنون:

وَشُغلتُ عَنْ فهم الحديث سوى ... ما كانَ منك فأهانهِ شُغْلي

وأديم نحو محدي ليرى ... أنْ قد فهمت وعندكم عَقْلِي

وقال البحتري:

وألحاظ عَيْنٍ ما عَلِقْنَ بِفارغٍ ... فَخلينه إلا وهنّ له شُغْلُ

وقال المعرج:

يكبرن من شوق الذي كُلَّ شوقةٍ ... ويجعلن شغلاً لأمرٍ ما له شُغْلُ

(1/329)

ولولا أن هذا البيت معلم الظرفين مسروق النصف لم ينفرد فيه بمعنى ولا زيادة لدخل في جملة ما نقل من اللفظ الطويل إلى الموجز القليل لأنه قد جمع ألفاظ بيتين في بيت ولكنه مسلوب فينبغي أن يغفر له باختصاره ذنب سرقته.

وقال المتنبي:

ومِنْ جَسدي لمْ يترُكِ السّقْمُ شعرةً ... فما فَوْقها إِلاّ وفيها لهُ فعْلٌ

أخذ هذا من المسلمي:

لم يتق من بدني جُزء عِلمتُ به ... إِلاّ وقدْ حلَه جُزء من الحزنِ

وينظر إلى هذا بيت ثاني:

دعيني جهاراً إلى حُبها ... ولمْ تدر أني لها أعْشقُ

فقمتُ وللسَّقم من مَفْرقي ... إلى قدمي ألسن يَنْطِقُ

وبيت المسلمي تقرب صنعته من صنعة بيته وكلام المسلمي بالعذوبة أرجح فهو أولى بما أخذ.

وقال الديك:

تراكَ يظن فيه مَقر عضو ... ببيتٍ ومَا تغمده سِقامُ

وقال المتنبي:

إِذا عَذَلُوا فيها أجَبْتُ بأنّةٍ ... حُبَيِّبتا قَلْباً فؤاداً هَيا جُمْلُ

هذا ترفق جاف متكلف ومتفاصح متعجرف وليس هذا مما يطلب له استخراج سرقة.

وقال المتنبي:

كأنَّ رقيباً منك سدّ مسامعي ... على العَذْل حتَّى ليس يَدْخُلُها العَذْلُ

(1/330)

إعادة العذل هاهنا مرتين قبيح في الكلام جائز في الشعر أنشدنا في مثله أبو بكر بن سيار النحوي قال: أنشدناه أبو جعفر أحمد بن محمد بن النحاس:

لعمرك ما معن بتارك حقّه ... ولا منسئ معن ولا متيسر

فأعاد معناً مرتين والأجود ترك إعادته وهو مسروق من قول مسلم:

مللتُ من العُذّال فيها فأطرقَتْ ... لهم أذُنٌ قَدْ صَمّ مِنْها المسامعُ

ومن قول أبي العتاهية:

أريح حب الصبي عن بصري ... وسد سمعي عن الملامات

وليس في هذه الأبيات فائدة أكثر من أنّ القوم قد أخبروا أنهم لا يسمعون العذل في محبهم وقد زاد أبو العتاهية عليهم بالعمى والصمم وذلك يدخل في باب المساواة وإن كان كلام مسلم أجزل.

وقال المتنبي:

كأنَّ سُهادَ الليلَ يَعْشُق مُقْلتي ... فبينهما في كل هَجْرٍ لَنا وَصْلُ

وهذا يحتاج إلى شرح كاف يجب أن يقول:

سُهادَ العينِ تَعشق مُقلتي ويفرق ... مَعشوقتي فإِذا هجرت أغتنم وصلي في عينيها

وقال المتنبي:

(1/331)

أحِبُّ التي في البدْر منها مشابه ... وأشكو إِلى مَنْ لا يُضابُ لَه شَكْلُ

جاء في هذا البيت بما يشكل وخبر بحبه من يشبه البدر وخبر عن شكوى إلى من لا شكل له كان يشكو حاله إلى الممدوح فحسن وإن كان يشكو محبوبته إلى ممدوحه فقد أساء وأبتذله كما أبتذله أبو نواس في قوله:

سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدٍ ... هواكَ لعلّ الفَضْلَ يجمعُ بيننا

وما فرحت بالمبتدئ فكيف بالمقتدي.

وقال المتنبي:

إِلى سَيِّدٍ لو بشّر اللهُ أمّةً ... بغير نبيّ بَشّرَتْنا به الرُّسْلُ

ينظر معناه إلى قول ابن الرومي:

فَلوْ نزلتْ بعد النبيين سورة ... إِذا نزلتْ في مدحه سُوراتُ

وقد بشرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمهدي وليس بنبي.

وقال المتنبي:

إلى القابضِ الأرْواح والضّيْغم الذي ... تُحدّثٌ عن وقْعاته الخَيلُ والرَّجْلُ

والصحيح عن وقعاته - بفتح القاف والتسكين - من مألوف ضروراته.

وقال المتنبي:

إلى ربّ مالٍ كلما شَتَّ شَمْلُهُ ... تجمع في تشتيته لِلْعُلا شَمْلُ

(1/332)

قال أبو تمام:

لَهُ كلّ يَوْمٍ شَمْلُ مجدٍ مؤلّفٍ ... وَشممّلُ ندىً بينَ العفاةُ مَشتّتِ

وليس يزيد بيت أبي الطيب على هذا في مبنى ولا معنى فهو أحق للسبق، وقال أبو تمام:

قَومُ إِذا فَرقوا شَمْل اللهى جَمعوا ... شَمْلُ العُلى وإِذا لمْ يرضهم قُمْتُ

فقد أتى بمعنى مستوفى وأتى بزيادة في آخر البيت فصار أحق بما أخذ منه بزيادة لفظه على لفظ من أخذ عنه، وقد أخذ منه هذا البحتري فقال:

ومعالٍ أصارها لاجتماعٍ ... شَمْلُ مالٍ أصارهُ لافْتِراقِ

قال بعض الأعراب:

أعاذلني لَومي البخيل على البخلِ ... ولا تكثري لَوْم البذولِ على البذلِ

ذريني وهذا المجد أجمع شمله ... ويصبحُ مالي وهو مفترق الشملِ

وهو من التساوي. وقال المتنبي:

همَّامٌ إِذا ما فارقَ السيف غِمْدَهُ ... وعايَنْته لم تدْرِ أيّهُما النَّصْلُ

(1/333)

وقال الحماني:

إِنّي وقومي منْ إحسان قومهم ... كمسجد الخيف مِنْ بحبوحة الخيف

ما علقَ السيف مِنا بابن عاشرة ... إِلاّ وهمّتُه أمضى من السيفِ

وأوضح من هذا قوله أيضاً:

تستأنس الضيف في أبياتنا أنساً ... فليسَ يعلم خلق أينا الضيف

والسيف إِنْ قستَهُ يوماً بناشئنا ... في الروع لم تَدرْ عزماً أينا السيف

فليس في بيت الحماني حشو لأن الناشئ مفيد أن عزمه في حال الحداثة التي يطعن على أهلها بها لأن جهلها معذور وعلمها محقور بمنزلة السيف مضاء قوله في الروع أيضاً مفيد لأنه يسلب المحتنكين عزائمهم وحديث فراق السيف غمده وذكر المعاتبة حشو مذموم وما زاد عليه في المعنى ولا المبنى فصاحب البيت أحق به.

وقال المتنبي:

(1/334)

على سابحٍ موج المنايا بنحره ... غداةَ كأنَّ النَّبْل في صَدْره وبلُ

قال محمد بن الحسن الأسدي المعرج في جيش: في ذي صهيل ونبله من نبله فقد أتى المعرج باللفظ الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما قال.

وقال المتنبي:

إِذا قيل رفْقاً قال للحِلْم مَوْضِعٌ ... وَحِلْمُ الفتى في غيرِ مَوْضِعه جَهْلُ

أصل هذا من قول الأول:

وبعضُ الحلم عِند الجَهْ ... ل للذَّلَّةِ إذْعانُ

وقال ابن الرومي:

حليمٌ إذا ما الظلم أحمد عبه ... وآل إلى العُقبى التي هي أسلمُ

جَهول على الأعداء جهل ركانه ... يُداوي بها جهل الجهولِ فيحسمُ

وقد طول ابن الرومي وزاد في الشرح وما زاد على إيراده معنى أبي الطيب.

وقول الآخر:

جَهول إِذا أزرى التحكم بالفَتَى ... حليمٌ إذا أزرى بذي الحسب الجهلُ

(1/335)

ومعنى هذا يوافق معنى بيت أبي الطيب بغير زيادة فهو يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

وَلوْلا تولي نفسه حَمْل حلْمه ... عنْ الأرض لانهدَّتْ وناءَ بها الحِملُ

قد خبر في البيت الأول أنه قد يفارق الحلم لموضع إصلاح نفس الجاهل لجهله الذي يكف الجاهل عن الطمع فيه ثم أفرط في وصف حلمه بعد ذلك والمعنى الصحيح ما قال البحتري:

مَعْشر أمسكَتْ حلومُهم الأر ... ضَ، وكادتْ من عزِّهم أنْ تَميدا

وهذا الكلام يرجح على كلام أبي الطيب بالإخبار عن سكونها بهم وميدها بغيرهم. وقال المتنبي:

تَباعدت الآمالُ عنْ كل مَقْصدٍ ... وضَاقَ بها إِلاّ إلى بابهِ السُّبْلُ

قال العكوك:

إِليه سبيل الناسِ في كُلِّ وجهةٍ ... ولو فقدوها ما اهتدوا لسبيلِ

وقال مسلم:

من كلِّ حيٍّ وإن أثروا وإن شرفوا ... إليكَ من كل أرضٍ منهجُ الطُّرُقِ

(1/336)

وقال أشجع:

بسطتْ يداهُ رجاءَ سائلهِ ... فجرتْ إليه بأهلها السُّبُلُ

ذكر أبو الطيب أن الآمال عن كل مقصد تباعدت وضاقت بها إلا إلى بابه السبل. فكأن قاصديه مضطرون لتعذر الكرام، تضييق الغرض إليه لطلب ما عنده ومسلم يقول: إن المثري والشريف وغيرهما إليه راغبون في كل أرض، فكلامه أرجح من كلام من أخذ عنه. وذكر أشجع أنه بسط رجاء آمليه فجرت إليه بأهلها السبل. وقد يكون ذلك من اتساع المطالب واتجاه المكاسب لزيادته على غيره في الجود. وكلٌّ أحسن تحلصا منه وأرجح مدحا، فهم أولى بما سبقوا إليه.

وقال المتنبي:

ونادى النَّدى بالنائمين عن السُّرى ... فأسمعهم: هبُّوا فقد هلك البُخلُ

هذا ينظر إلى قول أبي نواس:

إذا ضنّ ربُّ المال ثوَّبَ جودهُ ... بحيٍّ على مال الأمير وأذناَ

ولابن الرومي في معناه:

ثوَّبَتْ بي إلى عليَّ معالي ... يهِ فلبَّيْتُ أول التثويبِ

وقال أبو العتاهية:

إذا أُسمي المهديُّ نادتْ يمينهُ ... ألا من أتاني زائراً فله الحُكمُ

(1/337)

وهذه أبيات متقاربات تدخل في باب المساواة، وإن كان أبو الطيب أوضح كلاماً منهم. وفي قوله:) فأسمعهم (مقاربة للفظ ابن الرومي في قوله:) فلبيت (.

وقال المتنبي:

وحالتْ عطايا كفَّهِ دون وعدهِ ... فليس له إنجازُ وعدٍ ولا مَطْلُ

قال البحتري:

حيثُ لا تدفع الحقوقَ المعاذي ... رُ ولا يسبقُ العطايا السُّؤالُ

فقوله:) لا يسبق العطايا السؤال (هو بيت أبي لطيب، وفي صدره معنى يرجح عليه به.

وقال البحتري أيضا:

رَطْبُ الغمامِ إذا ما استمطرتْ يدُهُ ... جاءت مواهبه قبلَ المواعيدِ

وقال ابن الرومي:

وكثيراً ما كان يفعلُ ما يح ... سنُ من غيرِ أن يُقدمُ وعدا

وقال أبو المعتصم:

الفعلُ قبل القول من عاداته ... والعُذرُ من قبل النَّوالِ الأعجلِ

وأجود من هذا قول أشجع:

(1/338)

يَسْبقُ الوعد بالنَّوال كما يس ... بقُ برق العيون صَوْبَ الغَمامِ

بيت ابن الرومي الأوّل معناه أنّ العادة تقتضي أن السؤال قبل العطاء وإذا لم يسبق السؤال العطاء فكأنه قبل أن يسل أعطى، والإعطاء من غير وعد قد يمكن أن يكون بعد سؤال وتقدم الرفد قبل الوعد أفضل، فكلام البحتري أمدح وكذلك البيت الثاني له وكذلك بيت ابن الرومي وبيت أبي المعتصم يسوغ فيه أن يسبق النوال السؤال والوعد.

وقد قال ابن المعتز:

سَبق المواعِد والمطالَ عطاؤه ... فأتى رجاء الراغبين سَرِيعا

وقد قال ابن الحاجب:

سَبَقتْ وعدُ عطاياه فاعت ... ضت بها من يُشْبه الوعد نَقْدا

وقال أيضاً:

كَرم أبطلَ المواعيد ... بالمطلِ فأضحى وما لهُ موعود

هذه معان متقاربات، إلا أن أشجع قد زاد عليهم بتشبيه مليح من البرق الذي يتقدم الغمام وكلها تقارب باب المساواة أو تدخل فيه لقلة تفاضلها.

(1/339)

وقال المتنبي:

فأقرب من تحديدها رَدُّ فائتٍ ... وأيْسرُ منْ إحصائها القطْرُ والرّمْلُ

أخذه من قول مسلم:

لَهُ سطواتٌ غبّها الحلْمُ بينها ... فَوائِدُ يُحصي قَبْلَ إِحْصائِها الرَّمْلُ

فإن قلت جمع أبو الطيب بين تشبيهين من) القطر (و) الرَّمْلُ (قلنا إن احتسبت له هذه الزيادة، فقد قال عبد الصمد:

الرمل يفنى ولا تَفنى مكارمُه ... والقطرُ يُحْصى ولا تُحصى عَطاياه

وأبو الطيب يقول) ردّ فائت (قد دل على مقصده وكلما يمتنع عد فائتة وكذا يمتنع عدا القطر والرمل فيه فجعل عدهما ممتنعاً، ومسلم قال:) يحصى قبل إحصائها الرمل (وإذا عد الرمل قبل إحصاء سطواته وفوائده جعل عده ممكناً بعد ذلك لأنّ أبا الطيب وعبد الصمد جعلا ما أمتنع عندهما فناؤه وبعد في ظنونهما إحصاؤه فيمكن الفناء والإحصاء لهما وعطاياه لا يمكن ذلك فيهما، فهو أبلغ مدحاً وأولى بما قال: وقال المتنبي:

وما تَنْقمُ الأيام ممن وجُوهُها ... لأْخمَصه في كل نائبةٍ نَعْلُ

معناه مأخوذ من قول كثير:

(1/340)

وطئت على أعناق ضمرة كلها ... بأخمص نَعلي واتخذتمْ نَعْلا

وفي صدر بيت أبي الطيب مطعن وما في بيته ما يزيد معناه على معنى كثير، فكثير أحق بما قال.

وقال المتنبي:

كَفى ثعلاً فخراً بأنّكِ مِنْهُم ... ودهْرٌ لأن أمسيْتَ من أهْلِهِ أهْلُ

معناه: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. والدهر مرفوع بفعل مضمر يدلّ عليه أول الكلام كأنه قال: وليفخر دهر. وهذا أكثر ما يمكن الاحتجاج له إذ لا مرفوع هاهنا يعطف عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، والفعل أقوى. والاحتجاج له ضعيف لأنه جاء إما من ضعف علم أو تكلف إعراب

(1/341)

ليجيب بهذا الجواب. ومثل هذا من المحدثين قبيح.

وقال المتنبي:

فما بفقيرٍ شامَ برقَكَ فاقةً ... ولا في بلادٍ أنت صيِّبُها محلُ

قال مسلم:

ما ضرَّ أرضاً كنت فيها نازلاً ... يا زيدُ حقاً أنَّها لا تُمطرُ

فأتى أبو الطيب من ذكر البرق والصَّيب والمحل بجنس يتقارب. وذكر مسلم من النزول في الأرض ما ليس من جنس المطر. وقال:) يا زيدُ حقاً (فحشّى البيت بقوله) حقاً (. فكلام أبي الطيب في الصنعة أحسن وأرجح وهو أولى بما أخذ.

ويتلوه قصيدة أولها:

اليومَ عهدُكُمُ فأينَ الموعدُ ... هيهاتَ ليس ليومِ عهدكمُ غدُ

هذا معنى نبهه عليه قول ابن الرومي:

يا سيدي أنجزَ جَرٌّ ما وعدْ ... لم يكن ليومه في الوعدِ غدْ

وهذا يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

إنّ التي سفكتْ دمي بجفُونها ... لم تدرِ أنَّ دمي الذي تتقلدُ

(1/342)

هذا من قول النابغة:

في إثر غانيةٍ رمَتْكَ بسهمها ... فأصابَ قلبكَ غير أن لم تقصدِ

لعل أن التي سفكت دمه لم تدر بسفكه، وأصابت هذه قلبه من غير أن تقصد له. فالمعنى لا يزيد على المعنى، وهو داخل في باب المساواة والأل أحقّ بما قال. وقال ابن أبي فتن:

أذاهبةٌ نَفْسُ المُتَيَّمِ ضيعةً ... وقاتلُها لم يَدْرِ ما صَنَعَ السَّهْمُ

وقال المتنبي:

قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدَّتْ فأجبتُها المتَنَهِّدُ

يقرب هذا من قول ديك الجن:

مَرّت فقلت لها: تحية مُغرمٍ ... ماذا عليك من السلام فَسلمي

قالت: لمن تعني؟ فطرفك شاهد ... بنحول جسمك قلت: للمتكلم

فتبسمت فبكيتُ، قالت: لا تُرع ... فلعلّ مِثْل هواك بالمبتسّم

(1/343)

قلتُ: اتفقنا في الهوى فزيارةً ... أو موعداً قبل الزيارة قَدّمي

فتضاحكت خجلاً وقالت: يا فتى ... لو لم أدعك تنامُ، بي لم تَحلمِ

قوله:) قال (لمن تعني في معنى بيت أبي الطيب لكن هذا كلام أعذب ولفظ يبعد من قوله: من به وكم بين قوله:) للمتكلم (وقوله:) فأجبتها المتنهّد (وهذا يدخل في نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي والأول أحق به فكأني بمتتبع العيب يقول أراد بيتاً فأورد أبياتاً يستغنى عن ذكر جميعها ولسنا نعمل هذا في كل ما نريده من السرقات ولكن إذا ورد الشعر الفصيح والمعنى المليح أوردناه بكماله عمداً، وقصدنا ذلك قصداً لأن موضوع الكتاب الفائدة فإن خرجنا عن الغرض وأفدنا القارئ فيه فقد بلغنا المقصد المطلوب وجمعنا له المحبوب وإيراد الخبر النادر والمعنى الباهر يؤمن قارئ الكتاب من الملل علماً بمحبة النفس للاستطراف والنقل فهذا ما حقنا أن نعاب به ثم نرجع إلى موضع التأليف.

قال المتنبي:

فَمضتْ وقد صبغ الحياءُ بياضَها ... لَوْني كما صَبغ اللُّجيْنَ العَسْجَدُ

لأبي الطيب مذهب في الحياء ينفرد به لأنه القائل:

سَفرتْ وَبرْقَعها الحياءُ بِصُفرةٍ ... ستَرتْ محاجرها ولمْ يكُ بُرْقُعا

فكأنه لا يفرق بين تأثير الوجل وتأثير الخجل ونسي قول جالينوس:) الحمرة حادثة عن الخجل والصفرة حادثة عن الغم والوجل (فإن أراد مذهب الفلاسفة فهذا مذهبهم وإن أراد مذهب الشعراء فقد قال ابن المعتز:

(1/344)

يا مَنْ يجودُ بموعدٍ من وصله ... ويصد حين يقول أين الموعدُ

ويظلُّ صبّاغ الحياء بوجهه ... تعباً يعصفر تارةً ويورِّدُ

وقال ابن دريد:

يَصفر وَجْهي إِذا بَصَرتْ ... به خوفاً ويحمر خده خجلا

حتّى كأن الذي بوجنته ... من دم وجهي إِليه قَدْ نقلا

قال الخبزأرزي:

خجل الحبيب من الع ... تابِ فورّد الخد الخجلْ

فحسبت منه غضبا ... فقطعت ذلك بالقبلْ

ما لي وما بعتاب من ... لو شاء يقتلني فعلْ

فقد خالف أبو الطيب مذهب الفلاسفة والشعراء ومشاهدة العيان ومع إحالته فقد سرق المعنى من قول ذي الرمة:

كحلاءُ في برجٍ صفراء في نعجٍ ... كأنّها فضة قَدْ مسها ذهب

فإن توهم متوهم ناقص الفطنة أن علينا في قول ذي الرمة حجة لأبي الطيب فليس كما توهم. لأن ذا الرمة وصفها بصفة ثابتة عليها ولم يجعل الحياء سبباً

(1/345)

لصفرتها. وقد يكون اللون العاجيّ في البشر خلقة لا لعلة. وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين، أنشده الجاحظ:

بيضاءُ صفراءُ قد تنازعتها ... لونان من فضَّةٍ ومن ذهبِ

فقد بين إرادته وخبَّر عن خلقة لن تتغير لعلة أوجبتها. ومن جعل الحياء علةً للصفرة فقد أحال، والسارق الصحيح المعنى أولى من السارق العليل المعنى.

وبعد هذا بيتان رعد فيهما وبرق، ويقال أرعد وأبرق، وهما موجودا المعنى في قول جهم بن خلف:

وأضحتْ ببغدانَ في منزلٍ ... له شُرفاتٌ دوينَ السَّما

وجيشٌ ورابطةٌ حولهُ ... غِلاظُ الرِّقابِ كأُسدِ الشَّرَى

بأيديهمُ مُحدثاتُ الصِّقالِ ... سُريجيةُ يختلينَ الطُّلى

ومثله:

وكيف بها والعار والنَّارُ دونها ... وآسادُ غيلٍ زأرها ووعيدُها

(1/346)

وبيتا المتنبي:

عدويَّةٌ بدويَّةٌ من دُونها ... سلبُ النُّفوسِ ونارُ حربٍ تُوقدُ

وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ... وذوابلٌ وتوعُّدٌ وتهدُّدُ

وليس هذا مما يُعبأ باستخراج سرقته، ولكننا نعني بما عني به. وبينا هو في ذكر مرضه يقول:

أبرحْتَ يا مرَضَ الجُفون بمُمرضٍ ... مَرِضَ الطَّبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ

حتى خرج خروجا غير مليح ولا متقارب ولا متناسب إلى قله:

فلهُ بنو عبد العزيزِ بن الرِّضا ... ولكلٍّ ركبٍ عيسُهُمْ والفدفدُ

وما أشبه هذا بقوله:

جَلَلاً كما بي فليكُ التَّبرجُ ... أغذاءُ ذا الرَّشأِ الأغنِّ الشِّيحُ

فبينا هو يشكو تباريحه إذ صار عن غذاء الرشأ ما هو. وقد قيل للعجاج: ليهنك ما يقول رؤبة من جيد الشعر. قال نعم ولكني أقول البيت

(1/347)

وأخاه وهو يقول البيت وابن عمه. وهذا الكلام الذي قاله لا يشبه ابن عم البيت ولا يستحق اسم جار قريب. وما أفرح بهذا الخروج ولا استحسنه.

وقال المتنبي: مَنْ في الأنام من الكرامِ ولا تَقُل مَنْ فيك شأمُ سِوى شُجاع يُقْصدُ هذا بيت لا يوجب أن لا يكون في الكرام أحد غير شجاع وهو مأخوذ من قول للأعرابي:

والله ما ندري إِذا ما فاتنا ... طلب لديك من الذي يتطلبُ

ولقَدْ ضَربنا في البلادِ فلمْ نَجد ... أحدُ سواك إلى المكارم ينسب

فأصبرْ لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهبُ

فذكر البدوي أنه لم يجد أحداً إلى المكارم غيره وهو معنى أبي الطيب وهما يدخلان في قسم المساواة: وقال المتنبي:

أعْطى، فقلْتُ: لجُودِهِ ما يُقْتنى ... وسطا، فقلتُ: لسيفه ما يُولَدُ

الصفة في هذا البيت أن يقول:

أعطى، فقلت لكفه ما يقتنى ... وسطا، فقلت لسيفه ما يولد

(1/348)

أو أن يقول:

لجوده ما يقتنى وسطا ... فقلت: لسيفه ما يولد

فيأتي باسم مع اسم، أو بمصدر مع مصدر وهو ينظر إلى قول أبي تمام في عجزه:

لَمْ تَبْقَ مشركةٌ إلاّ وقد عَلمتْ ... إِنْ لم تَتبْ أنَّهُ للسَّيْف ما تلدُ

ولكن لأبي الطيب زيادة في صدر البيت يرجح بها فهو أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

وتحيَّرتْ فيه الصّفاتُ لأنَّها ... ألفتْ طَرائِقهُ عليْها تَبْعُدُ

هذا من قول البحتري:

كيف نثني على) ابن يُوسف (لا كي ... ف سرى مَجْدُهُ ففات الثناء

ولم يخبر أبو الطيب إلا بتخير الصفات قد يهتدي إلى وصفه بعد حيرتها، والبحتري خبر عن فوت ما فيه وأنه لا يمكنه فهو أحق لرجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه.

وقال المتنبي:

في كُلِّ مُعْتركٍ كُلى مَفْريَّةٌ ... يَذممنَ مِنْهُ ما الأسنَّةُ تَحْمَدُ

وليس للأسنة منفعة في قرى الكلى توجب حمداً وكان يجب أن يقول) يذمم من فعل القنا ما يحمد (لأن الحمد يقع من الطاعن بالأسنة، وينظر إلى هذا قول) ديك الجن (:

(1/349)

بكرت عَواذله وجاءَ عفاته ... فرأيت مَحمود الندَى مَذْمُوما

وهذا مما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقد أوقع الحمد والذم هاهنا على من يقع الحمد والذمّ منه، والكُلى والأسنة لا يقع منهما ذلك. فتقسيمه، أعني الديك، أوضح وكلامه أرجح وهو أولى بما قال. وقال المتنبي:

أسدٌ، دمُ الأسدِ الهزبرِ خضابُهُ ... موتٌ، فريصُ الموتِ منه ترعَدُ

فمما يشبه صدره صدر هذا البيت قول الخليع الحراني:

عطاءٌ علمتُهُ ذوي العطايا ... أسودٌ غُذِّيَت بدمِ الأُسودِ

هذا البيت يقارب صدر بيت أبي الطيب، وعجزه يشبه قول علي بن محمد البصري:

والليلُ يعلمُ أنِّي ما هممتُ بهِ ... إلا ومنّي قُلوبُ الجِنِّ ترتعدُ

فادّعى البصري مُمكناً في الجنّ لأن الله تعالى قد خبّر عن استماع الجن القرآن، وسماهم نفرا. وإذا كانت لهم أسماه كانت لهم قلوب يرعدها الخوف على وجه المبالغة. وأبو الطيب صيّر الموت، هو عرض، جسما، وصيّر له فريصاً فأحال. ولكنه قد أورد اللفظ الطويل في الموجز القليل، وأتى بيته نائباً عن بيتين فهو

(1/350)

بالاختصار أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

ما منبحٌ مُذْ إلا مقلةٌ ... سهدتْ ووجهُكَ نومها والإثْمدُ

ينظر إلى قول أبي تمام:

إليك هتكنا جُنْحَ ليلٍ كأنَّما ... به اكتحلتْ عينُ البلادِ بإثمدِ

فجعل المتنبي مقلةً، نومها وإثمدها وجهه، وأبو تمام جعل للبلاد عيناً وجعل لها من سواد الليل إثمدا. فالألفاظ متقاربة وإن كانت المعاني مختلفة.

وقال المتنبي إثر هذا:

فالليلُ مُنذُ قدمتَ فيها أبيضٌ ... والصُّبحُ منذُ رحلتَ عنها أسودُ

قال أبو تمام:

وكانتْ وليسَ الصُّبحُ فيها بأبيضٍ ... فعادت وليس الليل فيها بأسودِ

فهذا أخذ فاضح وغصب واضح، لا يليق بمن أخذه أن يقول ما أعرف أبا تمام. وقد ساواه في المبنى والمعنى فالمسلوب أولى بسلبه.

وقال المتنبي:

ما زِلتَ تدنُو وهي تعلُو عِزَّة ... حتى توارى في ثراها الفرقدُ

أخذه من قول الديك:

فيا قبرَهُ جُدْ كُلَّ قبرٍ بجُوده ... وفيكَ سماءٌ ثرَّةٌ وسحائبُ

فإنك لو تدري بما فيكَ من عُلىً ... علوتَ فغابتْ في ثراكَ الكواكبُ

(1/351)

وهذا يدخل في باب المساواة، والسابق أولى به.

وقال المتنبي:

أرضٌ لها شرفٌ، سواها مثلُها ... لو كان مثلُكَ في سواها يُوجَدُ

نبهه البحتري على هذا:

والبيتُ لولا أنّ فيه فضيلةً ... يَعْلُو البيوت بِفضْلها لم يُحْججِ

وقال المتنبي:

أبْدى العُداةُ بك السُّرور كأنهُمْ ... فرحوا وعِنْدهم المُقيمُ المُقعِدُ

قال ابن الرومي:

يهش لذكراكَ العدوّ، وإِنَّه ... ليضمر في الأحشاءِ ناراً تسعَّرُ

وهما تساويا في المبنى والمعنى فالأول أحق به.

وقال المتنبي:

قطّعتهُمْ حسداً أراهُمْ ما بهمْ ... فَتقطَّعوا حسداً لمن لا يحْسُدُ

هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما أنهم لما رأوا ما حل بهم التقطع

(1/352)

بالحسد تقطعوا حسداً كمن عدم الحسد فإن كان أراد هذه فمن قول البحتري أخذه:

وملأت أحشاء العدو بلابلاً ... فأرتد يحسد فيك من له يحسد

فكرم البحتري أوضح وهو يساويه في المبنى والمعنى والسابق أولى بما قال. وإن كان أراد أنهم تقطعوا حسداً للممدوح الذي لا يحسد أحداً فقد أنشد الأخفش:

فحسبني أني لست مثرياً وإن ... كنت ذا عدم ويحسدني المثري

وقال المعوج:

تنبت على غمر عداه ولم يمت ... حسين بن يحيى من عداه على غمر

وكلا البيتين أعذب من بيتي أبي الطيب ولفظه أخفى وأصعب وكذلك بيت البحتري أعذب من كلامه فهم أولى بما قالوا منه.

وقال المتنبي:

حتى انثنوا ولو أنّ حرّ قلوبهم ... في قلب هاجرة لذاب الجلمد

أخذه من قول جرير:

تكلفني هواجر دونهم ... تكاد الحصى من جمنهن يذوب

وقال ابن المعتز:

(1/353)

واليوم تجري بالآكام ... سراته والصخر ذائب

وقال ابن المعتز أيضاً:

ويوم تظلّ الشمس توقد ناره ... تكاد حصى المعزاء منه تذوب

ولكن في بيت أبي الطيب زيادة من تشبيه) حرّ قلوبهم (بحر هاجرة يذوب منها الجلمد فهو أرجح بزيادة التشبيه واستعارة) القلب () للهاجرة (فهو أحق بما أخذ.

وقال المتنبي:

بَقيتْ جُموعهم كأنَّكَ كُلّها ... وَبقيت بَينهمُ كأنَّكَ مُفْرَدُ

قال أبو تمام:

بَيتُ المَقامِ يَرى القَبيلةَ واحداً ... ويُرى فَيحْسَبُه القَبيلُ قبيلا

فأبو الطيب جعل جموعهم كانفراده، وأبو تمام جعل جموعهم كوحدته ووحدته كأجماعهم، فالمعنى واحد، وقال أبو تمام أيضاً:

لَوْ لم يَقُدْ جَحفلاً يوم الوغى لغدا ... من نفسه وَحْدها في جَحْفل لَجِبِ

(1/354)

وقد أخذ معناهما ابن الرومي فقال:

بَلْ لَوْ توحّدْت دون الناس كُلّهمُ ... كُنْت الجميع وكانوا كالمواحيدِ

فخبر ابن الرومي أنك لو توحدت كنت جميعاً ولم يخبر عنه أنه يرى الجميع كالواحد، ففي كلام أبي تمام زيادة يستحق بها بيته، وأبو تمام مخبر محقق وأبو الطيب استعمل) كأن (فصار تشبيهاً والتحقيق أبلغ في المدح من التشبيه فالمحقق أولى بما قال ممن أخذ منه.

وقال المتنبي:

لهفان يستوبي بك الغضب الوَرى ... لَوْ بم يُنهْنهكَ الحجا والسُّؤدَدُ

) يستوبي (من الوباء وكان ينبغي أن يكون مهموزاً ولكنه أستعمل طرد القياس في ترك الهمز وأبدل الهمزة ياء على غير قياس.

وقال المتنبي:

كُنْ حيثُ شئتَ تسر إِليكَ ركابُنا ... فالأرضُ واحدةٌ وأنْتَ الأوْحَدُ

قال أبو المعتصم:

صِرْ من الأرض حيث شِئت ... فَجسمي صائرٌ قلبهُ بحيث يصيرُ

فذكر أبو الطيب مصير ركابه إليه، وذكر أبو المعتصم أن جسمه صائر قلبه إلى حيث يصير وقد يصير إليه من ليس صائراً إليه إنما يقصده راغباً وراهباً فهو أرجح من مصير ركابه إليه فقد رجح على أبي الطيب فصار أولى بما قال.

وقال المتنبي:

فصن الحسام ولا تُذله فإِنَّهُ ... يَشْكو يَمينكَ والجَماجِمُ تَشْهَدُ

(1/355)

معناه أنه يضرب به في غير حقه فينبغي أن يصونه إلى أن يضرب به في حقه، وهو يقرب في ذكر شهادة الجماجم من معنى أبي تمام:

قَضى من سَند بايا كُلّ نَحْبٍ ... وأرْشقَ والسيوفُ مِن الشُّهُودِ

وقال المتنبي:

يبس النّجيعُ عليه وَهْوَ مُجَّرّد ... من غِمدهِ فكأنَّما هُوَ مُغْمَدُ

قال البحتري:

سُلبوا، وأشرقت الدماءُ عليهم ... مُحْمَّرةً فكأنَّهم لم يُسلَبُوا

وهذا يدخل في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات وذكر أبو العباس النامي في رسالة له في عيوب شعر أبي الطيب أن قوله.

رَيّانَ لو قَذفَ الَّذي أسْقيتَهُ ... لجرى من المُهجات بَحْر مُزْبِد

أنه مسروق من قول البحتري:

صَديْان من ظمأ الحقودِ لو أنّهُ ... يُسْقي جَميعَ دِمائهم لمْ يَنْقَعُ

فهذا يخبر عن ريان لو مج جميع شربه) تجري من المهجات بحر مزيد (، وهذا يخبر عن صديان لو شرب جميع دمائهم لم يروِ صداه وهذا ضد المعنى ولو أدخل هذا في قسم المعكوس من الشيء إلى ضده لكان أليق ولو قال هذا

(1/356)

الكلام من لم يعرف الشعر رواية ولم ينتقده دراية لقبح فكيف بشاعر يوازن بشعره شعره ويطاول بقدره قدره.

وقال المتنبي:

ما شاركتُه منّية في مُهْجةٍ ... إلاّ وشفرتُهُ على يدها يَدُ

ينظر إلى قول أبي العتاهية:

فإِذا أضرم حرباً كان في ... مهج لا لقوم شريكاً للقدرْ

وقال المتنبي:

إنَّ العطايا والرزايا والقنا ... حُلفاءُ طيء غوّروا أوْ أنجَدوا

جعل هذا أبو الطيب خبراً عنهم، وجعله ابن أبي زرعة أمراً فقال:

حالفَ السيفُ والسنان على الدهرِ ... عَسى أنْ تدلك الأيامُ

وقال المتنبي:

منْ كل أكبر من جبالِ تهامةٍ ... قَلْباً، ومن جود الغوادي أجْوَدُ

(1/357)

هذا متداول وقد أحسن الديك الأقسام وأجاد النظام بقوله:

كالأُسدِ بأساً والبدور إضاءةً ... والمزن جوداً والجبال حُلوما

وهذا التقسيم أرجح لفظاً فصاحبه أولى به لزيادته في الأوصاف وذكر أبو العباس النامي المصيصي في قول أبي الطيب في رسالته:

أنَّا يكونُ أبا البريَّة آدمٌ ... وأبوك والثقلان أنْتَ مُحَمدُ

قال أبو العباس: بعد إيراد هذا البيت يخاطب أبا الطيب فأين ذهبت وفي أي ضلالة همت ومن أي قليب جهالة اغترفت هذا النوع الذي أكثرت العجب به هو الذي أكثر التعجب منك فلم يرد على بيت أبي الطيب شيئاً من غير إيضاح العتب من قوله.

قال أبو محمد: وفي البيت كلفة وليس بلفظ مطبوع ولا ملتذاً لمسموع في إعرابه مطعن وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان ففصل بين المبتدأ الذي هو) أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة، هذا قول بعض النحويين ويجوز عندي أن يكون مراده:) أنى يكون أبا البرية آدم وأبوك

(1/358)

محمد (مبتدأ وخبر،) والثقلان أنت (عطف على المبتدأ وهذه تعقيدات يحتمل ورود مثلها لبدوي لا يعرف الاختيار ويستعمل وجوه الاضطرار فأما المحدث المطبوع فلا عذر له في أن لا يأخذ من الكلام جوهره ويصطفي من متخيره.

وختم القصيدة بقوله:

يَفْنى الكلامُ ولا يحُيط بفضلكُمْ ... أيحيط ما يَفنى بما لا يَنْفدُ

هذا مأخوذ من قول القائل:

لَنْ ينفد الكلم المثنى عليك به ... ما قِيل منْ كرم أو ينفد الكلَم

قال ابن الرومي:

لَمْ يفنِ ما ف ... يك، بَلْ الكلام

فخبر أن ما فيه من الفضائل لم يفن ولكن فني الكلام فجعل) لنفاد كرمه نهاية من نفاد الكلام وابن الرومي خبر أنه لم يفن ما فيه ولكن فني الكلام (فهذا أبلغ من الأول وهو أخصر. وقال البصير:

مدحت الأمير الفتح طالبُ عُرفَهُ ... وهل يستزاد قائل وهو راغبُ

فأفنى فنونَ الشعر وَهي كثيرةٌ ... وما فنيت آثارُهُ والمناقبُ

وقول ابن الرومي:) بل الكلام (اختصار يفوق فيه غيره وكلام المتنبي

(1/359)

أشرح وفي لفظه جزالة فهو بعد ابن الرومي أحق بما قال، وقد ملح القائل بقوله:

بأبي شكري قليلُ ... وأياديك كثيرة

لمْ يقل فيك لساني ... قَطْ فاستوفى ضميره

ويتلو هذه القصيدة أبيات أولها:

لَيسَ الغليل الذي حُماه في الجسدِ ... مثل الغليل الذي حماهُ في الكبدِ

أقسمت ما قتل الحمّى هوى ملك ... قبل الأمير ولا اشتاقت إلى أحدِ

فلا يلمها رأت شيئاً فأعجبها ... فعاودتك ولو ملك لمْ تَعد

أما البيت الأول من هذه الأبيات فإنه يريد أنه من حمى الأمير محموم الكبد فهذا يشبه قول القائل:

قَدْ قلت للدهر على أنني ... أناس أن يرجع عن ظلمه

أسقمتَ من أهوى وعاقبتني ... حكمت في الحبِ سوى حلمه

فقال لم تفهم وكل امرئ ... آفته النقصان من فهمه

قد نلت من قلبك لما أشتكى ... أضعاف ما قد نلت من جِسمه

وهذا الشعر لولا سؤالات فيه وجوابات لكان البيت الأخير أحسن من قول أبي الطيب، فأما قوله: أقسمت ما قتل الحمى..... البيت فالحمى عرض يستولي على الأجسام، والعبارة عن الأعراض بالقتل والشوق فاسدة، وأما قوله:

فلا يلمها رأت شيئاً فأعجبها ... فعاودتك ولو ملك لم تعد

الحمى تعاود من الأجسام ما لا يعجب ولا يستحسن كمعاودتها المعجب المستحسن فقد صارت عليه معلولة، فأما قول القائل:

(1/360)

حمّاك خماشة حماك عاشقة لَوْ ... لمْ تكن هكذا ما قبلتْ فاكا

فله في قوله في الحمى خماشة وعاشقة أصح من علة أبي الطيب لأن الناس يشبهون آثار ما تبقيه الحمى من آثارها في فم المحموم بالتقبيل فيحسن أن يعبر عن الحمى بالتخميش والعشق لأن التقبيل موضوع لمن هذه صفته من العاشق والمعشوق فكلام هذا القائل أملح وعليه أرجح وهو أولى بما قال.

ويتلوها أبيات أولها:

أهْوِنْ بطول الثواء والتَّلف ... والسِّجْنِ والقيْدِ يا أبا ذُلَفِ

قال فيها:

غَيْر اختيارٍ قبلْتُ برّكَ بي ... والجوع يُرضى الأُسود بالجيفِ

هذا يقرب من قول ابن أبي عيينة:

ما كنت إِلاَّ كلحْم مَيْتٍ ... دعا إلى أكْلِهِ اضْطِرَارُ

ويقارب هذا قول ابن المعتز:

(1/361)

خُذْ ما أتاكَ من اللئا ... مِ إذا نأى أهْلُ الكَرَمْ

فالليثُ يفترس الكلا ... ب إِذا تعذرتِ الغَنمْ

وقد أخذ هذا المعنى الخليع الحماني وكان قد خرج في سفر له فقطع عليه الطريق فرجع إلى ناحية فيها بعض الأمراء من التنوخيين وكان جائعاً عارياً راجلاً فوقف بين يديه فأنشده:

أنا شاكرٌ أنا ناشرٌ أنا ذاكرٌ ... أنا راجلٌ أنا جائعٌ أنا عارُ

هي ستة فكن الضمين لنصفها ... أكن الضمين لنصفها بعيار

أجمل وأطعِمْ وأكسي ولك الوفا ... عِنْد اختيار مَحَاسنِ الأخبارِ

والعارُ في مدحي لغيرك فاكفني ... بالجود منك تعرّضي للعارِ

والنارُ عندي كالسؤال فهل ترى ... أن لا تكلفني دُخول النارِ

(1/362)

فحمله وكساه وأطعمه وخرج من عنده فلقيه بعض أهله فقال أيرضى لنفسك أن تقبل عطاء التنوخي فقال:

وَقالوا قَدْ قَتلت جَدّي تنوخ ... فقلتُ الليث يَفْترس الكَلابا

إِذا أبيضَ الحِسام فَحلّ عَنْه ... يصيبُ الضريبة ما أصابا

وأجود هذه الأبيات قول ابن أبي عيينة وهو أولى به من غيره المنية في معنى الجيف والجوع يرضى بها والمضطر صفة تقع بالإنسان والأسود فما عم جميع المضطرين كان أرجح من تخصيص الأسود بالجوع وذكر السجن فقال:

كُنْ أيّها السِّجنُ كيف شئت فَقَدْ ... وطّنْتُ للموت نَفْس مُعْتَرِفِ

لو كان سُكناي فيك مَنْقصةً ... لمْ يكن الدّرّ ساكِنَ الصَّدفِ

(1/363)

فالبيت المتقدم من قول كثير:

فقلتُ لها يا عَزَّ كلُّ مُصيبةٍ ... إِذا وطّنتْ يوماً لها النَّفْسُ ذَلَّتِ

وهذا يدخل في باب المساواة وقوله: لمْ يكُنْ الدرّ ساكن الصَّدفِ مأخوذ من قول أبي هفان:

تَعَجبتْ درّ من شَيبي فَقلتُ لها ... لا تَعْجبي فطلوع البْدر في السُّدف

وَزادها عجباً أنْ رُحْتُ في سَملٍ ... وما دَرتْ درّ أنّ الدّرّ في الصدفِ

ويلي هذه الأبيات قصيدة أولها:

أيا خَدَّدَ الله وَرْدَ الخُدُود ... وَقَدَّ قُدودَ الحسانِ القُدُود

ورد الخدود هو حمرتها والتحديد للخد يكون لا للحمرة وكان ينبغي أن يقول ألا خدود الله الخدود والمليح فيها قول محمد بن يحيى الأسدي:

حادثات الفراق كُل أوانٍ ... مُولعات بالمستهام العميد

كَمْ قلوبٍ قَدْ أحرقْت في صدورٍ ... وخدود قَدْ غادرتْ في خدودِ

هذه المجانس المليح وقد دعا أبو الطيب على أحبابه دعاه على أعدائه بأن يخدد الله خدودهم ويقد قدودهم والقد القطع طولاً والقط القطع عرضاً وليس الدعاء بمثل هذا من شأن شعر المحدثين اللطاف العشاق الظراف ولعل مثل هذا أن يرد في شعر من غلبت عليه عنجهية الإعراب ويكون ذلك خارجاً عن الرقة والصواب كقول كثير:

رَمى الله في عَينْي بُثينَة بالقذى ... وفي الغُر من أنيابها بالقَوادحِ

(1/364)

وهذا مما عيب به مع تقدمه، فأما المتأخرون فيقولون كما قال الديك:

كيفَ الدّعاءُ على مَنْ خان أو ظلما ... ومالكي ظالمٌ في كُلّ ما حَكما

لا واخذ الله من أهْوى بجفوَتِهِ ... عنّي ولا أقتصّ لي منه ولا ظَلما

فهذا تجنب الدعاء على الظالمين لأن مالكه محبوبه متهم ويسأل الله أن لا يقتصّ له منهم ولا ينتقم.

قال أبو محمد: وقد سلكت أنا هذا المسلك فقلت:

فَهمٌ غالط منى فَهِمَا ... جاءني يسألُ عما عَلمَا

مُقْسم ما بلغتهُ علّتي ... كاذبُ والله فيما زعما

كيف لم يبلغه عن سقمي ... وهو المهدي إليّ أسقّما

رزق المظلوم منا رحمة ... ثم لا أدعو على من ظلما

قال أبو محمد: وقد قلت في معناه أيضاً:

إنْ كنتَ تعلمُ ما بي ... وأنتَ بي لا تُبالي

فصارَ قَلبكَ قَلْبي ... وصِرت في مثل حَالي

بلْ عِشْتَ في طيب عَيشٍ ... تقيك نَفسي وَمالي

دَعوْتُ إذْ ضاق صدري ... عليك ثُم بَدَالي

(1/365)

فهذا مذهب العشاق وإشفاق الرفاق ومثل هذا قول الرشيد في الفضل بن الربيع:

يعز عليّ بأن أراك عليلاً ... أو أن يكون بِكَ السّقام نَزيلا

فَرددت أني مالك لِسلامتي ... فأغيرها لك بكرةً وأصيلا

فتكون تشفى سالماً لِسَلامتي ... وأكون دُونك للسّقام بَدِيلا

ويروى للواثق:

لا بِك السّقم ولكنْ حَلّ بِي ... وبأهلي وأمي وأبي

قيل لي إنك صَدعت فَما ... خَالطت سمعي حتى ديربي

وقال آخر:

فَقْلتُ للسّقم عُدْ إلى بدني ... إنساً بشيء يكون مِنْ سَنيك

وقال آخر:

قد سرني أنهم قد سرهم سقمي ... فازددت سقماً ليزدادوا به فرحا

(1/366)

هذا المذهب المعتاد فأما أن يقول العاشق لمعشوقه:) خدَّد الله خدك وقدَّ قدّك وأعمى بصرك وطمس حسنك (فهذه دعوات المستضعف من المظلومين على الأعداء القاهرين لا على الأحباب المعشوقين وقد عد الناس جريراً من الجفاة لقوله.

طوقتك صائدةُ القُلوب وليس ذا ... وَقْتَ الزَّيارةِ، فارجعي بِسَلامِ

وقد اتبع هذا الجفاء بجفاء مثله فقال في خروجه أعني المتنبي:

فكانَتْ وكُنْتَ فداءَ الأمير ... وزَالَ من نِعْمةٍ في مَزيدِ

ومما لم يسبق إليه أن جعل محبوبه فداء الأمير الذي رغب إليه وأظنه قال هذه القصيدة أول زمان عشقه قبل أن يرق.

وقال المتنبي:

لَقْد حالَ بالسّيف دُون الوعيد ... وحَالتْ عَطاياه دُون الوعُود

وهو من قول البحتري:

تمضي المنايا داركا ثُم يُتبعُها ... بيضَ العطايا ولمْ يُوعد ولم يِعِدِ

والمعنى المعنى وهو يدخل في باب المساواة.

وقال المتنبي:

فأنجُمُ أموالِهِ في النُّحوسِ ... وأنجم سُؤاله في السُّعودِ

صدر هذا البيت لفظ ينظر من مثله في أن يجعل أمواله منحوسة وإن كان

(1/367)

مراده تفريقها وتبديدها، وأحسن من هذا قول أبي تمام:

طَلعتْ نُجومك للخليفة أسعدا ... وعلى ابن ميخائيل كُن نَحوسا

وكقوله أيضاً:

رَأى بابكُ منه التي طَلَعتْ لَهُ ... بنحسٍ وللدِّين الحَنيفِ بأسعَدِ

فجعل النحوس لعدوه والسعود له ولدينه وليس في الحالتين لفظ يكره سماعه ولا وقوعه وهو في اللفظ الراجح على لفظ من أخذ عنه وصاحبه أحق به.

وقال المتنبي:

ولَوْ لمْ أخف غَير أعدائه ... عَلْيه لبشّرتُهُ بالخُلُودِ

يشبه قول القائل:

زَعم الفرزدق أنْ سيقتلُ مَرْبعاً ... أْبشِرْ بطولِ سلامةٍ يا مَرْبَعُ

وبعد هذا البيت:

(1/368)

رمَى حَلبا بنواصي الخُيُولِ ... وسُمْر يُرقنَ دماً في الصَّعيدِ

الصعيد: الأرض التي لم يخالطها سبخ، وقال ثعلب: هي الأرض التي فيها رفعة. قال أبو محمد: فإن كان مراده أن الرماح تريق السلام فيما سمي صعيداً خاصة فليس كذلك يريق الدم في أصناف الأرضين عبر الصعيد وإن كان عبّر عن الصعيد بالأرض أي أرض كانت، فما أفاد فائدة لأن الدم إذا أريق ما يقع إلا على الأرض وهذا من الحشو المذموم.

وقال المتنبي:

وبيضٍ مُسافرةٍ ما يُقم ... ن لا في الرقابِ ولا في الغُمُودِ

قال أبو تمام:

فَلاَ تَطلبُوا أسيافَهُمْ في جُفُونِهم ... فَقدْ أسكنتْ بين الطُّلى والجَماجمِ

) فأبو تمام يمنع من كونها في غمودها في حال ويجعل سكناها بين الطلى والجماجم (وأبو الطيب يذكر أنها لا تقيم في الغمود ولا في الرقاب فتكون مرة كذا ومرة كذا وقد قال أبو الطيب في قصيدة له:

إلى الهامِ تُصْدر عَنْ مِثْلِهِ ... تَرى صدراً عنْ وُرودٍ وُروُدا

يقول إن سيوفه تصدر عن هام إلى هام فكان صدرها ورود فهي لا تبرح بين الهام وهو معنى أبي تمام بعينه فما لا يبرح الهام والطلى أمدح مما يكون في الغمد وقتاً ثم ينتقل إلى الهام والطلى وكلام أبي تمام أرجح ووصفه وأمدح فهو أحق بقوله ممن أخذ منه، وقال ابن الرومي:

(1/369)

ما ضم سيفاً لنا غمد ولا برحتْ ... ضَريبتاه من الأعناق والجزرِ

يخبر أنه لا يضم سيفه ودعا بأن لا يبرح ضريبتاه من الأعناق والجزر وخبر بالبأس والكرم جميعاً فرجح لفظه على لفظ أبي تمام فاستحق ما أخذ.

وقال المتنبي:

يُروَن من الذُّعْرِ صَوتَ الرياحِ ... صَهيل الجيادِ وخَفْقَ البُنُودِ

هذا في معنى قول جرير:

تَركوك تَحْسِبُ كل شَيء بَعْدَهم ... خَيلاً تشدّ عليكمُ ورَجالا

وقول جرير أبلغ لأنه جعل كل شيء يخيفهم وخصّ أبو الطيب الرياح فهذا أرجح.

وقال المتنبي:

سَعوا للمعالي وهُمْ صبيةٌ ... وسادُوا وجادُوا وهُمْ في المُهُودِ

وهذ) ا (مبالغة مستحيلة غير ممكنة لأن السيادة وقود العساكر لم يكن قط لمن هو في المهد، وإنما كان في المسيح عليه السلام كلام في المهد خرج به عن عادة البشر لتظهر المعجزة في نبوته.

وأما قول ابن بيض:

بَلغت لعشر مَضتْ مِنْ سَنيك ... ما يبلغُ السيد الأشيب

وقال البحتري:

قَدْ أكمل الحلمَ واشتدَّتْ شكيمتُهُ ... على الأعادي ولْم يَبْلغْ مدى الحُلُم

(1/370)

فقد وسعا ما كان يبعد فهو إلى الإمكان أقرب من ذكر عدة السنين ومن سبق بلوغ الحلم، وقد تمكن مع زائد الفضل وإفراط النبل أن يكون في صبي من التمييز بازاء ما هو في شيخ هو دونه في الفضل وقال سوار بن أبي شراعة:

تَعرف السؤدد في مَولدِهم ... وتراهُ سيداً إن أيفعا

ومعرفة السؤدد بظهور صحة التمييز في الطفل وما يخالف به أشكاله من الصبيان فإذا أيفع كان سيداً على مذهب ابن بيض والبحتري، فأما إطلاق السيادة على الأطفال وقود الجيوش فمحال واضح وكذب فاضح وعلى كراهية العلماء المبالغة المستحيلة فأصحاب الأبيات التي قبله أصح معنى وأحق بما أخذ منهم.

وقال المتنبي:

أمالِكَ رّقِي ومن شأنُهُ ... هبات اللُّجَين وعْتقُ العَبيدِ

لو قال:) من شأنه هبات التضار لنا والعبيد (.

كان أمدح لأن الذهب واهبه أسمح من واهب الفضة لنفاسته وارتفاع قيمته وإلا من فساده إذا أكثر) وعتق العبيد (يستعاض عليه بالأجر في الآخرة والواهب العبيد منهم ليوصف بالجود لا ليعاض عرضاً يصل إليه) من (منفعته.

(1/371)

يليها أبيات:

أجابه منه للضبّ الش ... اعر بها حين هَجاه الضبّ

أيها أتاك الحمام فاحت ... رمك غير سفيه عليك مِنْ شتمك

ولا فائدة فيها فيطلب لها استخراج سرقه، وقال فيه أيضاً:

أي شعرٍ نَظرتْ فيه لضبّ ... أوحد ماله على الدهر عونُ

يقول فيها:

يا لك الويل ليس يعجز م ... وسى رجل حشو خلده فرعونُ

هذا معنى ينظر إلى قول أبي نولس:

فإِن يكن باقي إفك فرعون ... فيكم فإِنّ عصى موسى بكف خَصيب

(1/372)

وقال ابن الحاجب:

وإذا المرء فرعنته لهاة ... كنت موسى فرعون ذي الأوتادِ

وقال المتنبي:

أنا في عينيك الظلام كَما ... أنّ بياض النهار عَندك جُون

وهذا يشبه بيتاً لابن الرومي من أبيات يذكرها لجودتها وهي:

بحقهم إن باعدوني وقربوا ... سواي، وتقريبُ المباعد أوجبُ

رأى القوم لي فضلاً يعاريه نقصهم ... فمالوا إلى ذي النقص، والشكل أقربُ

بهائم لا تصغي إلى شدو مَعْبدٍ ... وأمّا على جافي الحداء فَتطربُ

خَفافيش أغشاها نهار بضوئِه ... ولاءمها قطع من الليل غيهبُ

فشبههم بالخفافيش التي من شأنها أن لا تبصر بالضوء ويكون بصرها في الظلام وخبر أبو الطيب أنه عين الهجو ظلام كما أن النهار عنده أسود ولم يذكر العلة الموجبة لذلك فكلام من جعل المهجّوين مثالاً صحيحاً أرجح كلاماً وأولى بما قال.

(1/373)

يليها أبيات أولها:

أبا عَبْد الإِلهِ مُعاذُ أنّي ... خَفي عَنْك في الهيجا مَقامي

يقول فيها:

أمثلي تَأخُذُ النكباتُ مِنه ... ويجزعُ من مُلاقاة الحِمام

وليس هذا من المعاني البديعة ولا الألفاظ الرفيعة ولكنه إذا أخذه أوجب علينا إخراج أصله وهذا من قول أبي هفان:

أمثلي يخوف بالنائباتِ ... ويَخشى بوائق صرف الزمنِ

(1/374)

أذاقني الله مُر الهَوى ... وأدخلني في حرامي إذن

فزاد على أبي الطيب بما يزيل الشك في مخافته وبالغ حتى سخف لفظه.

وقال المتنبي:

ولَوْ برز الزمان إليّ شخصاً ... لخضّبَ شَعْرَ مفرقه حُسامي

هذا من قول دريد:

لَوْ مُثّل الحتف لَهُ قرناً لما ... صدّتْهُ عنه هَيبةٌ ولا انثنى

ومعنى) ابن (دريد لا يفيد غير أَلاَّ نهاب شخص الموت لو مثل له وقول أبي الطيب أحسن عند مدح من المبالغة لأنه شرط يخصب مفرقه بحسامه فأبو الطيب أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

وما بَلَغتْ مشيتَها الليالي ... ولا سارتْ وفي يَدِها زمامي

قال البحتري:

لَستُ الذي إنْ عارضتهُ مُلمَّةٌ ... ألقى إلى حُكم الزَّمان وفوَّضَا

يليها أبيات أولها:

أنا عين المسوّد الجحجاحِ ... هَيّجتني كلابُكُمْ بالنُّباحِ

(1/375)

ولو قال:

أنا عين الصارم الكلاح ... هيجتني كلابكم بالنباحِ

واحتمل غثاثة الكلاح كان بالمعنى أوقع أن يجعل نفسه ليثاً ويجعلهم كلاباً تنبحه والأبيات فارغة.

قال ابن المعتز:

سَمع الليث نباحاً منكمْ ... فَلهُ في وسطِ الغابةِ زارُ

يليها أبيات أولها:

ألذّ من المُدامِ الخندريسِ ... وأحلى مَنْ مُعطاةِ الكُئُوسِ

مُعطاة الصَّفائحِ والعَوَال ... وإقحامي خميساً في خَميسِ

هذا شعر يحتاج أوله إلى ما بعده وهو معيب عند الشعراء يسمى التضمين وذلك أن يبتدئ معنى في بيت لا يتم إلا بالبيت الثاني، وقد قال إسحاق بن خلف ما فيه التضمين والمعنى:

لَسلُ السيوف وشقُّ الصُّفوف ... وخوضُ الحُتوف، وضربُ القُللْ

ألذّ من المسمعاتِ القيان ... وحُث المدامة في يوم طَلْ

ولا فرق بين المبنى والمعنى فهو داخل في قسم المساواة والأول أحق بما قال.

(1/376)

وقال المتنبي:

وموتي في الوغَى عيشي لأني ... رأيتُ العيش في أربِ النفوسِ

صدره من قول أبي تمام:

يَستعذبونَ مناياهُمْ كأنَّهمُ ... لا ييأسوُنَ من الدنيا إذا قُتِلوا

ولأبي تمام فيه زيادة يرجح بها، وتمام البيت من قول الأحوص:

فما العيشُ إلا ما تَلذُّ وتَشتهي ... وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنان وفَنّدا

ولكن أبا الطيب قد أختصر الطويل في الموجز القليل فاستحق ما قال.

يليها أبيات وهما:

إذا ما سربْتَ الخمْرَ صرفاً مُهنّأ ... شربنا الذي من مثله شرب الكَرْمُ

ألا حَبّذا قَومٌ نداماهم القنا ... يُسقونها) رياً (وساقيهم العزْمُ

أما ما ذكره من شرب الشارب الخمر فإنه يشرب من مثل ما شرب الكرم فإنه نسي قوله:

فإن تكُنْ تغلِبُ الغلباءُ عُنصرها ... فإِنَّ في الخمر معنى ليس في العِنَبِ

(1/377)

فجعل العنب لا يلحق الخمر فكيف يجعل ذلك مثل الماء وهل للماء تسخية البخيل وتشجيع الجبان وزوال الهموم وصحة الجسم هذه فضائل لا توجد في الماء فكيف يكون الشرب للخمر كالشرب للماء، وقد خبر الله عنها بمنافع لولا التحريم ما تركت فقد ماثل بين شيئين مختلفين وبينهما فرق لا يخيل.

ويلي ذلك أبيات أولها:

لأحبَّتي أن يَمْلَئوا ... بالصّافياتِ الأكْوُبا

وهي أبيات فارغة ما أظنه أثبتها إلا ليدل على شجاعته وليس) له (مما يطلب له استخراج سرقة.

وبعد ذلك بيتان:

أما تَرى ما أراهُ أيُّها الملِكُ ... كأنّنا في سماءٍ ما لها حُبُك

ما لذكر الحبك هاهنا فائدة غير إتمام القافية.

وقال المتنبي:

الفَرْقدُ أبنكَ والمصباحُ صاحبُهُ ... وأنْتَ بَدْرُ الدُّجى والمجْلسُ الفَلكُ

وهذا التشبيه من قول ابن الجهم:

كأنَّهُ وولاةُ الأمر تَتْبعُهُ ... بَدْر السماءِ تليه الأنجمُ الزّهُرُ

ولا زيادة لأبي الطيب فيه غير صفة المجلس وقد أشار له إلى هذه الزيادة أبو نواس في قوله:

(1/378)

مضى أيْلولُ، وارتفعَ الحُرورُ ... وأخْبتْ نارها الشِّعرى العبُورُ

فقوما فالقحا خمراً بماء ... فإِنّ نتاج بينهما السّرُورُ

نتاجٌ لا تدرُّ عليه أمٌّ ... بحمْل لا تعدّ له الشُّهورُ

إِذا الكاساتُ كرّتْها علينا ... تكوَّنَ بينَها فلكٌ يدُورُ

تسير نجومه عجلاً وريثاً ... مُشرّقةً وأحياناً تَغُورُ

إِذا لم يجرهِنَّ القُطْبُ مِتْنا ... وفي دَوْراتهِنَّ لنا نَشُورُ

فشبه دوران الكؤوس على الندامى بفلك دائرة الكؤوس نجومه فإلى هذا ذهب أبو الطيب وقول أبي نواس ينبه عليه وإن كان في معنى غيره فهو من قسم استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه وبالجملة فقد زاد علي بن الجهم زيادة في كلامه هي من تمامه فهو أحق بما أخذ وقال ابن أبي فنن:

بَنوك نجوم بهم يقتدى ... سبيل الرشادِ وأنْتَ القمرُ

وقال بعد ذلك بيتين في نائم أنشده شعره وهما:

إِنَّ القوافي لمْ تُنمكَ وإِنَّما ... مَحقتْكَ حتى صدت ما لا يُوجدُ

(1/379)

خبرنا بوجود بعده عدم ثم خبر أن له أذناً وفماً فدل على وجود فناقض والمعنى في هذا أنك نمت عند الإنشاد وإنما تشكى منها إذا هجاها غماً فأما إذا أسمع شعراً قصد به غيره فلم يمحقه ويسكره، وهذا معنى نبه عليه أبو تمام بقوله:

عِنْدي من الأيَّام ما لَو أنهُ ... بإِزاء شارب مُرقد ما غَمَّضا

فأبو تمام يذكر أنه لو شرب المرقد ما غمض وأبو الطيب يذكر أنه نام حتى كأنه شارب مرقد، فكلام أبي تمام أشد مبالغة وأرجح معنى وقد أتى ابن الرومي في معنى قول أبي الطيب:) حتى صرت ما لا يوجد (بقوله:

وإنّ كنت لا أهجوك إلا كحالم ... يَرى ما يراهُ النائمون فَيهجرُ

لأنك معدوم الوجود وإنما ... يرينيك ظني ريثما أتدبرُ

(1/380)

فخبر عن عدمه ثم احتاط وقال:

فإِن كُنتَ شيئاً ثابتاً فهباءةٌ ... تضاءل في عينِ اليقين وتصغرُ

كأنه جعله معدوماً ثم رآه مهجواً ومخاطباً فعلم أن ذلك لا يقع على معدوم فجعله شيئاً حقيراً كالهباء صغيراً.

وقال المتنبي بيتين:

كتِمْتُ حُبّك حتى مِنْك تكرمةً ... ثمَّ استوى فيك إسراري وإعِلاني

كأنَّه زاد حتى فاض في جسدي ... فصار سُقْمي به في جسم كتماني

فخبر أنه قد استوفى فيه إسراره وإعلانه حتى كأنه زاد ففاض وضعف كتمانه حتى صار حبه في جسم كتمانه الضعيف على وجه الاستعارة وفيه تكلف.

وبعدهما بيتان أولهما:

وأخٍ لنا بَعث الطّلاقَ أَلِيَّةً ... لأُعَلِّلَنَّ بهذه الخرطوم

فهذا فارغ، وقال يليه:

فَجعلتُ رَدّي عِرْسَهُ كفارةً ... عَنْ شُربها وَشربْتُ غير أثيمٍ

ففقه أبو الطيب في هذا البيت فقهاً غير إسلامي لأنه ذكر أن حالفاً حلف عليه بالطلاق ليشربن الخمر فشربها وجعل رده عرسه وإليه كفارة ذنبه في معصية كان اجتناب الحالف عليها واجتناب ما نهى الله عز وجل عن شربه أولى بمذهب المسلمين.

ويليها قصيدة أولها:

أظَبيةَ الوحْشِ لولا ظَبيةُ الأنَسِ ... لما غَدوْتُ بجَدّ في الهوى تَعِسِ

(1/381)

قال فيها:

ولا سَقيتُ الثَرى والمُزْنُ مُخْلفُهُ ... دَمْعاً ينشفهُ من لَوْعةٍ نَفسي

قال الخُبزأرزي:

وكذاك نيرانُ القلوب إذا الْتظَتْ ... يوماً تُنشِّفُ في العُيون الماءَ

وقال آخر:

لَولا الدُّموعُ وفيضهن لأحْرقَتْ ... أرضَ الوداعِ حَرارةُ الأكبادِ

فساوى الخبزأرزي المتنبي في معناه من نشف ماء العيون بنار القلوب في بيته مطابقة من النار والماء ليس في بيت أبي الطيب والبيت الثالث جعل فيض الدموع سبباً منع من الإحراق فهو أقل مبالغة. ويقرب من هذا قول الحصني:

وكنتُ أرجّي الدمع أنْ يطفئ الأسى ... فَغالبهُ نِيران تُوقد في صَدْري

وقال المتنبي:

ولا وقفْتُ بجسْمِ مُسْي ثالثةٍ ... ذي أرْسُمٍ درس في الأرسم الدُّرُسِ

قال العكوك:

خَلَّفتني نِضْو أحزانٍ أُعالجُها ... بالجزع أنْدبُ في أنْضاء أطْلالِ

فجعل نصفه) نضو أحزان (يندب في أنضاء أطلال وهو مثل قوله:) ذي أرسم درس في الأرسم الدرس (.

(1/382)

وأملح من الجميع قول الديك:

أنضاءُ طلّتْ دَمْعهُمْ أطْلالهمْ ... فتخالهُمْ بين الرَّسُومِ رُسُوما

في هذا البيت تجنيس مليح وتشبيه من رسوم أجسام برسوم أطلالهم فهذا البيت يزيد على بيت العكوك ويرجح لفظه فهو أولى به من أبي الطيب.

وقال المتنبي:

ما ضاقَ قبلك خَلخالٌ على رشاءٍ ... ولا سمعتُ بديباجٍ على كَنسِ

) الكنس (جمع كانس مثل غائب وغيب ولو قال:) على كانس (وأفرد على مقصده شخصاً كان أحسن والذي قاله يحسن على مذهب من قال من أهل اللغة: كنس وكناس ومعنى هذا البيت أن ساق الظبي دقيق فلا يضيق فيه خلخال وأن الديباج على الهودج مثل الديباج على كنس الظبي أي هذا مخالف لسائد الظباء الوحشية كما قال ابن دريد:

أعَنِ الشمسِ عشاءً ... كشفت تلك السّجوف

أمْ على ليتي غزال ... علقت تلك الشّنوف

ومثله لآخر:

ظبي أتاكَ مُعطراً ... والظبي لا يتعطرُ

(1/383)

فكلهم يعرب بصفات لا تكون للظباء الوحشية.

وقال المتنبي:

مِنْ كل أبيْض وضّاحٍ عمامَتُهُ ... كأنَّما اشْتملتْ نوراً على قَبسِ

هذا يساوي قول ابن قيس) الرقيات (:

إِنّما مُصْعب شهابٌ من اللّ ... هـ تجلّتْ عن وجهه الظّلمْاءُ

وقال المتنبي:

أكارمٌ حَسَدَ الأرضَ السماء بهم ... وَقصّرت كل مِصْرٍ عن طَرابلُسِ

فقال:) قصرّت (والفعل للكل ولكنه أراد الجماعة كما تقول:) جاءت كل صاحبة لك (كأنك قلت صواحبك كلهنّ.

وبعد ذلك قصيدة أوّلها:

هَذِي بَرزْت لنا فهجتَ رسيسا ... ثُمّ انصرفت وما شَفيتْ نَسيسَا

(1/384)

حذف حرف النداء من المبهمات لحن عند البصريين لأنه لا إعراب له يدل على إرادتك كما يدل قولك:) زيد أقبل (على المحذوف وهو من المبهمات التي لا إعراب لها لا يدل على مرادك) ويشكل (ولا يجوز إلا في رواية شاذة غير موثوق بها ولا معمول عليها.

وقال المتنبي:

إِنْ كُنْت ظاعِنةً فإِنَّ مدامِعي ... تكفي مَزاركُمُ وتُرْوي العِيسا

من قول علي بن هشام:

ويا أخا الذود طال الظمأ بها ... لا تعرف الري من جذب وأقتار

قف بالعطاش على عيني ومحجرها ... نرو العطاش بماء سافح جار

(1/385)

فالمعنى المعنى ولكنه قد جاء بالكثير الطويل في الموجز القليل فصار أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

حاشى لمثلك أن تكون بخيلة ... ولمثل وجهك أن يكون عبوسا

كان الوجه أن يقول:) أن يكون مبخلاً (فيتم وزن الشعر ويصح الإعراب ويحمله على مثل وقد يجوز على ما قال على المعنى كما قيل: ذهبت بعض أصابعه:

وقال المتنبي:

خود جنت بيني وبين عواذلي ... حرباً وغادرت الفؤاد وطيسا

) الوطيس (: التنور، أوّل من تكلم بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:) لأن حمى الوطيس (أي أشتد القتال على التشبيه وليس الوطيس من صفات الحرب فكأنّ

(1/386)

عواذله حين تلته كانوا كأنهم في حرب حمي لها قلبه فكان كالوطيس، فأما قول أبي تمام:

فتركْتَ تلك الأرضِ فَصْلاً سَجْسجاً ... من بَعْد ما كادت تكُونُ وَطِيسَا

وهذا الكلام أصح من كلامه والأقسام أصح من أقسامه لأن السجسج ضد الوطيس وليس الحرب ضد الوطيس فأبو تمام أحق بمعناه.

وقال المتنبي:

إِنْ حلَّ فارقَتِ الخزائِنُ ما لَهُ ... أوْ سار فارقتِ الجُسوم الرُّوسا

هذا كلام مليح النظام مستوفي الأقسام ذكر حال حلوله في سلمه) وحال مسيره في حربه (.

وهو من قول أبي نواس:

فيومٌ لإِلحاق الفقير بذي الغنى ... ويومُ رقابٍ بوكرتْ لِحصادِ

وقال المتنبي:

لَوْ كان ذو القرنين أعمل رأيَهُ ... لمّا أتى الظُّلماتِ صِرْنَ شُمُوسا

هو من قول القائل:

لَوْ أن في الظلمات شَعْشع كأسَها ... ما حار ذُو القرنين في الظُّلماتِ

(1/387)

قال الخبزأرزي:

لَوْ أنَّ ذا القَرْنين في ظُلُماتِهِ ... ورآهُ يضحك لاسْتضاءَ بثغْرِهِ

فهذه معان تدخل في قسم ما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه لأن أبا الطيب نقل ما قيل في الخمر أو الثغر إلى الرأي وجاء بالمعنى بعينه.

وقال المتنبي:

لَوْ كانَ صادفَ رأس عازَر سيفُهُ ... في يَوْمِ مَعْركةٍ لأعيا عِيسَى

هذه مبالغة ما كنت أوثرها له لأن) عازر (لم يكن مضروب العنق وإنما كان ميتاً فأحياه عيسى عليه السلام وكذلك قال:

أوْ كان لجّ البحْرِ مِثْل يمينه ... ما أنْشقّ حتى جازَ فيه مُوسَى

وهاتان آيتان من قدرة الله تعالى تدلان على صحة نبوة مظهرها منه افتراه يعتقد أن قدرة الله لا تستولي على قطع عنق عازر إذا صادفه سيف الممدوح

(1/388)

أو لا تستولي على شق البحر لموسى، هذه مبالغات تركها الشعراء غير معتقدين لها ولا يحملهم عليها محبة الجودة في الكلام والتناهي في معاني النظام.

وقال المتنبي:

لمّا سمعتُ به سمعتُ بواحدٍ ... ورأيتُه فرأيت منه خَمِيسا

هذا معنى متداول ولفظ متناقل، ومنه قول أبي تمام:

لَوْ لمْ يقُدْ جحفلاً يوم الوغى لغدا ... مِن نفسه وَحْدَها في جَحْفل لَجِبِ

وقال أيضاً:

بيتُ المقام يرى القبيلة واحداً ... ويُرى فَيحسَبُه القَبيلُ قبيلا

وقال ابن الرومي:

فَرْدٌ وحيدٌ يراه النّاسُ كُلُّهُمُ ... كأنّه النَّاسُ طُراً وهُو إنسانُ

هذه الأبيات يتساوى معانيها ومبانيها ولم يرجح لفظ أبي تمام فالسابق إليها أولى بها:

(1/389)

وقال المتنبي:

ولحظْتُ أنمله فَسِلْنَ مواهباً ... ولمسْتُ مُنْصلهُ فسال نُفُوسَا

هذا من قول البحتري:

تَلْقاهُ يقطُرُ سيفُهُ وسنانُهُ ... وبنانُ راحتِهِ ندىً ونَجِيعَا

وقال ابن دريد:

تَصرفُ في حالي نداه وبأسِه ... أناملُ يُقْطرن السَماحةُ والدمَا

قال أبو محمد: وأنشدت لدعبل:

وإِذا صادقْتَ أكدْتَ الصفا ... وإِذا أدْبرت يوماً لم أعج

وإذا عاذَ بقومي عائذٌ ... وَتَر الناس جميعاً لم يهج

لو قال:

وإذا عاذ بقومي ... عائذ لم يهج

لكان مديحاً كافياً فحشي البيت حشواً مليحاً مفيداً من قوله:) وتر الناس جميعاً (وقال دعبل بعد ذلك:

فَعلى أيْماننا يَجْري النَدى ... وعَلى أسيافنا تَجْري المُهجْ

وكل ذلك يدخل في باب المساواة والسابق أولى به.

وقال المتنبي:

(1/390)

بَلدٌ أقمْتَ به وذِكْركَ سائرُ ... يَشْنى المَقيلَ ويكرَهُ التّعْريسا

أسكن الهمزة على ما جرت به عادته بغير قياس ولو قال: يأبى المقيل ويكره التَّعْريسا استراح من الضرورة، وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام:

جَرّدتُ في ذَمِّيك خَيْل قضصائد ... حَالتْ بِك الدُّنيا وأنْتَ مُقِيمُ

وذكر ابن الرومي قصيدة له فقال:

تَظلُ مقيماً في محلك خافضاً ... وأنْتَ بها في كل فج تُسيّرُ

وكلها معان متقاربة تتساوى في معانيها ومبانيها وأصحابها السابقون أحق بها.

وقال المتنبي:

فإِذا طَلبتَ فريسةً فارقْتَهُ ... وإذا خدرت تخذته عِرِّيسا

أشار له إلى هذا ابن الرومي:

هو الليث طوراً بالعراقِ وتارةً ... لَهُ بين آحامِ القَنا مُتاجَّمُ

وقد قال قبله أبو تمام:

أسَدانِ حَلا مِنْ دِمشْقَ وأوطنا ... مِنْ حِمْص أمْنعَ بلدةٍ عرّيسَا

تَخِذَ القَنَا خِيساً فإِنْ طاغٍ طَغى ... نَقَلا إلى مَعْناهُ ذَاكَ الخِيْسا

صرح أبو تمام باسم أسدين يحسن معهما ذكر العريس والخيس وكذلك ابن الرومي ولم يذكر أبو الطيب أسداً في شعره وإنما دلّ على إرادته بذكر (1/391)

الفريسة وإنه إذا خدر تجده عريسا، ومن شرح مراده أرجح لفظاً وأولى بشعره.

وقال المتنبي:

إِني نثْرتُ عنك دُرّا فأنْتقِدْ ... كثرَ المدلّسُ فأحْذر التَّدْليسا

لم يثق بفطنة الممدوح في النقد فحذره التدليس وصدر هذا البيت من قول أبي نواس:

ونَثرى عليك الدُّرَّ يا درَّ هاشمٍ ... فَيا من رأى دُرّا على الدرِّ يُنْثَرُ

فجمع أبو نواس بين تشبيه كلامه وتشبيه الممدوح فصارت له زيادة يرجح بها فهو أولى بما قال، وابن الرومي يقول في صاعد:

أوّلُ ما أسألُ منْ حاجَةٍ ... أن يُقْرأ الشِّعْرُ إلى آخرِهْ

ثُمَّ كفاني بالَّذي تَرْتئي ... في جَيد الشعر وفي شَاعرِهْ

فسأله قراء شعره مما استقصاه ثم اكتفى بالذي يرتئي في جودة الشعر فسلم المعرفة بما يسم وإنما سأله استقصاء الشعر فهذا أحسن من كلام من حذره أن يقع عليه التدليس في الكلام وابن الرومي أولى بما قال.

وقال المتنبي:

حَجبتها عن أهلِ إنطاكية ... وجَلوتها لك فاجتليت عَروسا

(1/392)

هذا المعنى موجود في قول الحسن بن وهب وقد أنشده:

كفيّ وغاك فإِنني لك قال ... ليست هواري عزمتي بتوالي

فقال له: لقد أهديت إلينا منها عروساً يا أبا تمام وقام فاعتنقه فقال أبو تمام: لو أنها من الحور العين لكان قيامك أفضل مهورها.

وقد قال البحتري:

هذي القصائد قد أتتك حسانها ... تَسعى إليكَ كأنَهنّ عَرائسُ

ولم يزد على أن شبه قصائده بالعرائس ولأبي الطيب من ذكر الحجاب وذكر الجلوة ما يقتضيه ذكر العروس وإنها مضنون بها على الأكفاء من الممدوحين ومن أكفانها الممدوح فرجح كلامه فصار أولى بما أخذ.

ويتلوها قصيدة أولها:

بكيتُ يا ربعُ حتى كدْتُ أبكيكا ... وَجْدتُ بي وَبِدمْعي في مَغانيكا

النصف الأول من قول الحصني:

لَما وقفنا بها أضْحت تُدارسنا ... عَهد الخَليط فتبكينا ونبكيها

(1/393)

فأطلق لفظه ولم يقل:) حتى كدت (فرجح بذلك وهذه مجازات لا حقائق لها وقد قال ابن الرومي:

فَلوْ استطاعت إِذْ بكيت دُثُورها ... لبكيتُ نحولي بالدُّموع الهمل

فمنعها الاستطاعة للبكاء على نحوله وذكر ممكناً.

وقال المتنبي:

بأي حُكمْ زمانٍ صرْتَ متّخذاً ... ريمَ الفلا بدلاً من ريم أهْليكا

هذا من قول أبي تمام:

وظباءُ أنُسك لَمْ تُبدَّلْ مِنْهُم ... بِظباءِ وحْشِكَ ظاعناً بِمُقيمِ

وقال الخليع:

عَهدتكُ مستن الخواذلَ للهوى ... فَما أنْتَ مُستن الظباء الخَواذِلِ

المعنى متقارب ولكن للخليع من الخواذل والخواذل تجنيس مليح يرجح ويصير أحق به.

وقال المتنبي:

أيّامَ فيك شُموس ما انبعثنَ لنا ... إِلاّ انْبعثنَ دما باللحْظِ مَسْفوكا

هذا بيت رديء الصنعة لأنه كان في حديث الوحش ثم قال:) شموس (ولو قال ظباء كان قد أورد ما يجانس البيت الأول وأحسن من قوله في بقية البيت قول أشجع:

وإِذا نَظرْتَ إلى مَحَاسِنها ... فَلِكُلّ مَوْضع نَظْرة قَتْلُ

وقال أبو نواس:

(1/394)

رسْمُ الكرى بيْن الجفونِ محيلُ ... عَفّي عليه بُكا عليك طويلُ

يا ناظراُ ما أقلعَتْ لحظاتُه ... إلاّ تشخط بينهن قَتيلُ

قال أبو محمد: وقد أخذت هذا المعنى فقلت أنا:

لا، وَوجهٍ لك يُبْدي ... صَفْحةَ السّيف الصَّقيل

وسواد الشَّعر الأسْ ... ودِ في الخدِّ الأسيْلِ

وَجُفون لك لا تَطْ ... ف إلاّ عن قَتيلِ

ما جميلُ الصَّبر عن مِثْ ... لك عندي بجميلِ

ومن ميز اللفظين عرف الفرق بينهما.

وقال المتنبي:

أحيْيت للشُّعراء الشّعر فامتدحوا ... جَميعَ من مَدحُوهُ بالذي فِيكا

هذا قول ابن الرومي:

على أنّهُ من أحسن القولِ مِنْهم ... فمِنكَ ومن آثارِكَ ما حِسْنَه

(1/395)

وقال ابن الرومي أيضاً:

لولا بدائعُ من صِفاتِك لمْ تكنْ ... للمادين إلى البديع تَغلغلُ

ومما جاء فيه ابن الرومي في هذا المعنى وبالغ فيه قوله:

مَدحَ الأوَّلون قوماً بأخْلا ... قِكَ من قَبْلِ أنْ تُرى مَخْلُوقا

نحلوهُمْ ذخائراً لك بالْبا ... طِلَ مِنْ قَولهم وكانَ زَهُوقا

فانتزعْنا الغصوبِ مِنْ غاصبيها ... فحبا صَادقٌ بها مَصْدوقا

فتجاوز معنى أبي الطيب وبالغ ورجح عليه ولابن المعتز في نظر قول أبي الطيب:

إِذا ما مدحناهُ استعنا بِفعْلِه ... لنأخذ مَعنى مدحه من فَعالِهِ

وهذا يساوي قول أبي الطيب، فابن الرومي أولى منه بذلك وابن المعتز قد ساواه، وهما أحق بما أخذ منهما وقريب من هذا قوله:

وعَلّموا النّاس منك المجْدَ واقتدرُوا ... على دقيقِ المعاني مِنْ معانيكا

فالسرقة متقاربة فيهما.

وقال المتنبي:

شكْرُ العفاةِ بما أوليْتَ أوْجد لي ... إلى يَديك طريق العِرف مسلوكا

(1/396)

هذا يشبه قول أبي تمام:

ولهذا أضحى ثنائي طريقاً ... عامراً بينه وبين المعالي

ومثله قول أشجع:

لَقدْ قَوم الرُّكبان من كل وجْهَه ... إِليْكَ اتِّصالَ الرَّكبِ يتْبعُهُ الرَّكْبُ

ويقرب منه قول الآخر:

لَقدْ وضَح الطّريقُ إِليك جداً ... فما أحدٌ أرادك فاسْتَدلا

وهذه معان متناسبة وألفاظ متقاربة فالسابق أحق بها.

وقال المتنبي:

وعُظْمُ قدرك في الآفاقِ أوْهَمني ... أنَّي بقلَّةِ ما أثنيتُ أهْجُوكا

قال البحتري:

جَلَّ عَنْ مذْهبِ المديح فقد كا ... دَ يكون المديحُ فيه هِجاءُ

فخبر أنه يجل عن المدح وأبو الطيب يقول: إن عظم قدره أوهمه وهماً والوهم يخطئ ويصيب أن عظم قدره في الآفاق أراه أنّ قلة ما أثنى به عليه كالهجاء له وعظم قدره في الآفاق قد يكون بخطوة لا يستحقها فقول البحتري أمدح وأرجح وهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

ولَوْ نقصتُ كما قد زِدتَ من كرمٍ) على ... الورى (لَرأوْني مثل شانيكا

أسقط الهمزة من) شانيكا (على الرسم وقوله مأخوذ من قول ابن أبي عيينة:

(1/397)

خالدٌ لولا أَبوه ... كان والكلْبَ سواء

لَو كما ينقص يَزْدا ... د إِذا نال السَّماء

هذا لفظ مطبوع مليح المطابقة سليم من العجرفة وقبيح الكلفة فصاحبه أولى به.

وقال المتنبي:

فإِنْ تقلْ: ها، فعاداتٌ عُرفت بها ... أوْلا فإِنَّكَ لا يَسْخُو بها فُوكا

جوز عليه قول لا، ثم ذكر لا يسخو بها فوه وكان ينبغي أن يقول: ولو هممت بلا لم يستطع فوكا وقد قيل في هذا المعنى أشياء منها قول أبي العتاهية:

وإِنّ الخليفةَ من بعض) لا ( ... إِليه ليبعضُ مَنْ قالها

وقد ملح العكوك في قوله:

الله أجزى من الأرزاقِ أكثرها ... على يديك بعلم يا أبا دُلَفِ

ما خطَّ) لا (كاتباه في صَحيفته ... كما تُخَطط) لا (في سائر الصحفِ

بارى الرياحَ فأعطى وهي جاريةٌ ... حتّى إِذا وقفتْ أعطى ولم يَقِفِ

وبعدها قصيدة أولها:

أريقُكِ أمْ ماءُ الغمامةِ أم خمْرُ ... بِفيَّ بُرودٌ وهو في كبدي جَمْر؟!

(1/398)

أما تشبيه الريق بالغمام أو الخمر فمن قول امرئ القيس:

كأنَّ المُدامَ وصوبَ الغمام ... وريحِ الخُزامي ونشر القُطرْ

يُعلُ به بَرْد أنيابها ... إِذا طرّبَ الطائرُ المُستحرْ

فقد زاد امرئ القيس صفتين عليه وهو أول الشعراء، وأما عجز البيت فمن قول أشجع:

وسَقاك مِن حَر الهو ... ى بَردُ المفلجة العذابِ

وقد قال ابن الرومي:

ويسقيك الذي يُروى ويُذوى ... فَفي الأحشاء بَردٌ واضطرام

فقول أشجع أن برد أنيابها يسقي أحشاءه من حر التهابها حسن جداً، وأما قول ابن الرومي فكيف أجتمع البرد والحر في أحشائه؟ وكيف يحسن موقع البرد فيها مع اضطرامها وما قاله أبو الطيب من إحساسه البرد في فيه والخمر في كبده أحسن من قول ابن الرومي وأشعرهم أشجع وهو أولى بما قال.

وقال المتنبي:

إَذا الغُصن أمْ ذا الدِّعص أمْ أنت فِتْنةٌ ... وذيَّا الَّذي قبّلتُهُ البرق أمْ ثَغْرُ!

وليس هذا مما يعنى باستخراج سرقته ولكنا نخاف من ناقص النقد أن يتوهم أنّا جهلناه فلذلك نذكر مثالاً احتياطاً. أنشد ابن قتيبة لبعض الإغفال:

أنسيم ريقك أحتال العنبرُ ... هَذا أمْ استنشاقه مِن عنبرِ

أنظام ثغرك ما أرى أمْ لمحة ... من بارقٍ أم معدن من جوهر

(1/399)

هذه معان متساوية غير أن أبا الطيب قد جاء بالكثير الطويل في الموجز القليل فهو أولى بما أخذ.

وقال المتنبي:

رأتْ وجْهَ من أهْوَى بليلٍ عَواذلي ... فَقُلْنَ نرى شمساً وما طَلَع الفَجْرُ

هذا من المستعمل قال الأول في معناه:

تراءت لنا والليلُ من دونِها سَترُ ... فكانَ لنا من غيرِ نحريهما فَجرُ

وقلت لها من أنْتِ قالتْ: تعجباً ... يُقال كذا للبدر من أنْتَ يا بدرُ

هذا كلام مستعذب والبيت الأول يقارب معنى أبي الطيب وفي الثاني زيادة مليحة عذبة تخبر عن تعجبها من سؤاله إيّاها عنها وهي أشهر من أن يسأل عنها وقال ابن المعتز:

ولمْ أدرِ أنَّ ألبانَ يُغْرسُ في النّقا ... ولا أنَّ شمساً في الظلام تَطوفُ

فشغل صدر البيت من غرس ألبان في النقى بمعنى غريب، وعجب من شمس تطوف في الظلام كما عجب أبو الطيب من رؤية شمس ولم يطلع الفجر فجمع بين الصفتين وزاد في الكلام ما هو من التمام فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

رأيْنَ التي للسحرِ في لَحظاتِها ... سُيوفُ ظباها مَنْ دمى أبداً حُمْرُ

بينا هو يصفها بأنها كالشمس إذ خرج إلى وصف سحر جفونها وما يفعله به وكان ينبغي أن يجود صنعته ولا يخرج الكلام عن نور وجهها فيقول:

رأين التي للنور فِيها تألق ... يرد عيون الناظرين بها كَسر

(1/400)

وأما قوله:

سيوف ظباها م ... ن دمى أبداً حُمْرُ

فمن قول ابن الرومي:

وغزال تَرى على وجْنتيه ... قَطْرَ سهميه من دماء القلوبِ

لم يُعادِلْهُ في كمال المعاني ... توأمُ الحسن من بني يعقوبِ

فجعل لعينيه سهمين وجعل التثنية للتثنية وجعل حمرة خديه من قطر سهميه من دم القلوب وهذا معنى لطيف ولفظ شريف وقد زاد فيه معنى ليس موجوداً في كلام أبي الطيب من صفة حمرة خديه فكلام ابن الرومي أرجح وما زاد أبو الطيب في المعنى لأنه جعل مكان السهام سيوفاً وخبر عن حمرتها لا غير، فأبن الرومي أولى بما قال.

وقال المتنبي:

تَناهى سكون الحُسن في حَركاتِها ... فَليسَ لرأي وَجْهها لمْ يَمُت عُذْرُ

قال ابن المعتز:

عُذرَ القتيل بحبِّها لكنَّ مَنْ ... قَدْ عاشَ بِعْد فراقِها ما عُذرُهُ

وقال المتنبي:

إِلى لَيْث حربٍ يُلحم اللَّيثَ سيفُهُ ... وبحْرِ ندىً في جُوده يغْرقُ البَحْرُ

(1/401)

أخذه من البحتري:

إِذا قُرِنَ البحرُ الخضم بأنْعُم ال ... خليفة كاد البحْرُ فيهنَّ يَغْرَقُ

وقد أختصر هذا أبو الطيب في عجز بيت شغل صدره بمعنى آخر بما أتى به البحتري وبين قوله:) يغرق البحر (وبين قول البحتري) يكاد البحر) يغرق (مبالغة هي أمدح من قول من حمدها.

وقال المتنبي:

وإِنْ كانَ يُبْقي جُودُهُ من تَليدِه ... شبيهاً بما يُبقي من العاشِقِ الهَجْرُ

هذا من قول الديك:

فَعلت مُقلتاه بالصبِّ ما تف ... علُ جَدوى الأمير بالأموالِ

وقد قال القاضي التنوخي:

وأشعث لَمْ يبق منه المور ... إلاّ مثل ما أبقت من الصب النوى

ومثله قول خالد الموصلي:

يا منزلاً ضن بالسَّلام ... سُقيت ريّاً من الغمامِ

(1/402)

لمْ يترك القطرُ مِنْه إلاّ ما ... تَرك الشوق مِنْ عظامي

وكل هذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه والسابق أولى به.

وقال المتنبي:

فَتى كلّ يومٍ يَحْتوي نفس مَالهِ ... رماحُ المعالي لا الرّدينيَّةُ السُّمْرُ

ذكر أن المعالي تحتوي نفس ماله لا يوصل إلى ذلك منه بقهر ولا غلبة فهذا البيت ينظر إلى معنى أبي تمام في قوله:

إذا ما أغاروا فاحتووا مال معش ... ر أغارتْ عليه فاحتوته الصَنائِعُ

وفيه زيادة أنّ بغاراتهم على الأعداء يملكون المال وذلك يدل على الشجاعة وتغير عليهم الصنائع فيحتوي ما حووه هم فصاروا شجعاء كرماء فهذا أمدح من ذاك وأرجح فأبو تمام أحق بقوله.

وقال المتنبي:

ولَوْ تنزلُ الدُّنْيا على حكم كَفّهِ ... لأصْبحتِ الدّنيا وأكثرها نَزْرُ

هذا من قول أبي العتاهية:

ولو كانتْ لَهُ الدنيا ... لأعطاها وما بَالى

وأبو الطيب قال:) أكثرها (فقد بقي منها بقية وأبو العتاهية أخبر عنه أنه يعطيها كلها ولا يبالي فلفظ أبي العتاهية أمدح ولفظ أبي الطيب أجزل فنحن ندخل هذا في باب المساواة.

وقال المتنبي:

أراه صغيراً أعظمها عظْمُ قدْرِهِ ... فَما لعظيمٍ عنْدهُ قَدْرُ

(1/403)

أخذه من أبي تمام:

أبى قدرنا في الجود إلاّ نباهة ... فَليس لمالِ عِنْدنا أبداً قَدرُ

وهما يتساويان في المبنى والمعنى والسابق أولى بما قال، فإن قال قائل: فلأبي الطيب زيادة وذلك أنه قال: فليس لعظيم يكون ما كان عنده قدر) وقد (خص أبو تمام المال وحده، قيل له: المال أنفس شيء وأفخذه وأعظم نفيس وأكبره تتلف النفوس في تطلبه وتركب الأهوال في تكسبه ويرد به سطوة الأعداء القاهرة ويتوصل به إلى الدنيا والآخرة فالمعنى فيهما واحد.

وقال المتنبي:

مَتى ما يُشِرْ نحو السَّماء بِوجْهِهِ ... تَخر لَهُ الشِّعري وينكسفُ البدْرُ

هذا من قول البحتري:

شوقاً إلى من لَوْ تبدى وَجهه ... للبدرِ كانَ من التحير يكسفُ

وهذا مثل ذلك مساوياً ولولا أن الله عز وجل خبرنا) أنه رب الشعرى (فدلنا على أشرفها لقلنا ما حاجتنا مع ذلك البدر إلى ذكر الشعرى، فقد صار له بهذا زيادة يستحق الشعر بها.

وقال المتنبي:

ترى القمر الأرضِ والملك الَّذي ... لَهُ الملك بَعْد الله والذكرُ والفخرُ

(1/404)

) فدل (على أن القمر الأرضي أفضل من السمائي لأنه يكسفه والذي أعرف أن أحسن بشراً إذا بولغ في صفته يشبه بقمر السماء فأما ذكر الملك والذكر والفخر فلا مدخل له في صفة القمر وهذه معان تمضي على الأسماع فإذا وقع عليها التصفح الشافي والتأمل الكافي ظهرت أسرارها وأنكشف عوارها.

وقال المتنبي:

كثيرُ سُهادِ العين مِنْ غير علةٍ ... يؤرقّهِ فيما يشرفه الذِكْر

هذا من قول ابن المعتز:

وأسهر للمجدِ والمكرماتِ ... إِذا اكتحلتْ أعين بالكرى

وهذا يدخل في قسم المساواة، وما أحسن قول ابن الرومي:

أقسمتُ باللهِ ما استيقظتم لحتا ... ولا وجدتم عن العليا بِنوام

هذا طباق حسن قد استوفى فيه أقسامه وجود نظامه وذلك أنه خبر عنهم بيقظة شريفة ورقده منيفة في الحالين جميعاً.

وقال المتنبي:

أبا أحْمدٍ ما الفخْرُ إلاّ لأهْلهِ ... وما لامْرئٍ لَمْ يُمْسِ مِنْ بُحْترٍ فَخْرُ

هذا تجاوز عن الحد وخروج عن الصدق إنما يصلح أن يقال هذا لمن له نسب متصل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن الشعراء يتجاوزون إلى الغاية في المبالغة.

(1/405)

وقال المتنبي:

هُم الناسُ إِلاَّ أنهُمْ من مكارمٍ ... يُغنّي بهم حَضْرُ ويحدو بهم سَفْرُ

قال ابن الرومي:

وقد سار شعري شرق أرضٍ وغربها ... وغنّى به القومُ المقيمون والسّفرُ

فألفاظ بيت ابن الرومي يأخذ بعضها بأعناق بعض وقد عرف الحضر والسفر بالألف واللام، فيمكن أن يقال إن الناس كلهم قد غنوا به، وأبو الطيب نكر فأمكن أن يكون المعنى فرقة من الحضر وفرقة من السفر، وإذا كان كلام ابن الرومي أشرح وأمدح بإمكان العموم فيما خص فيه أبو الطيب، فابن الرومي أحق بما قال ولعل قائلاً أن يقول: جمع أبو الطيب حالتي الغناء فصارت له زيادة فإنه إنما يحتسب له بذلك لو كان الغناء لا يكون إلا في الحضر فإذا صلح للحضر والسفر لم يصح تقسيمه، وقد قال عمر بن الخطاب:) الغناء يعم زاد الراكب (، فجعله بمنزلة الزاد لمسافر.

وبعدها قصيدة أولها:

ما الشّوقُ ممتنع مني بِذا الكَمَدِ ... حتى أكونَ بلا قلبٍ ولا كَبدِ

قال) فيها (:

ما زالَ كُلُّ هزيمِ الودْقِ يُنْحِلها ... والسُّقْمُ يُنحُلني حتّى حكتْ جَسدي

يشبه قول ابن الرومي:

درساً براهن البلى بَرى الضنى ... جِسمي لبين قطينها المترحل

(1/406)

ولبعض العرب:

ألا إنّما تذري دموعي مهارق ... فسرى إعلان ولست أبوحُ

أسائل عَنْه منزلاً شفه البلى ... كما شف جسمي السّقم وهو صحيحُ

وليس قول أبي الطيب داخلاً في حسن الخروج المليح إلى الهجاء أو المديح وبينما يخبر عن زفراته إذ سأل أين منك ابن يحيى صولته الأسد فخرج عن حديث الهوى والحزن الشاغل إلى أن يسأل ابن يحيى أين صولته من صولة الأسد وهذا من ذاك غير متقارب ولا متناسب وذلك قوله:

فأينَ من زَفَراتي من كَلفتُ به ... وأينَ منك ابن يحيى صَولةُ الأَسَدِ

وقال المتنبي:

لمّا وزنتك بالدنيا فَملت بها ... وبالورى قَلَّ عِنْدي كَثْرةُ العَدَدِ

ينظر قوله:) قلّ عندي أكثر العدد (إلى قول القائل:

ما أكثرَ الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم أني لمْ أقل فندا

إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا

هذا يذكر أنه على كثرة عددهم قليل، وأبو الطيب يذكر أنهم قلوا بالقياس الممدوح وكلا القصدين) صحيح (.

وقال المتنبي:

(1/407)

إِذا ما ذكرْنا جُودَهُ كان حاضراً ... نأى أو دنا يسْعَى على قَدمِ الخضْرِ

(1/428)

هذا لا يقرن بالبيت الذي قبله ولا يجانسه وهو على تباعده منه مسروق من قول مسلم:

فحث مطي الراحِ حَتَّى ظَننتهُ قفا ... أثر العنقاء أو سَائر الخَضْراء

الجود: عرض وليس بجسم وسعيه على قدم الخضر وقدمه جسم غير صحيح وإن كنا نعلم أن مراده من هذا الكلام سرعة حضور جوده، ولكن تشبيه مسلم المتحرك بجسم يقفو أثر ما لا يجد أو يساير الخضر أصح مقصداً وله من ذكر العنقاء زيادة يستحق بها.

يتلوها قصيدة أولّها:

أحادٌ أم سداسٌ في آحادِ ... ليلتنا المنُوطَةُ بالتَّنادي

أي ست ليال في ليلة وما عدت العرب أكثر من رباع ولكن أبا حاتم

(1/429)

حكى أن العرب تقول أحاد إلى عشار وكأنه قال لا يجوز ثم عاد فأجازه فأستشهد بقول الكميت:

فَلمْ يَستر يثُوكَ حتى رَميْ ... تَ فوقَ الرجالِ خِصالاً عُشارا

وما أراه رجع إلا ببيت الكميت أو ما علم أنّ الأصمعي قال: تقول العرب برق ورعد وأنشد المتلمس:

فإذا حللتُ ودُون قومي عاوةٌ ... فأبرق بأرضك ما بَدا لك وأرْعُدِ

فقيل له قد قال الكميت:

أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائرْ

فقال الأصمعي: الكميت مولّد لا يحتج بشعره فعلى هذا فقد أستعمل

(1/430)

المتنبي المختلف فيه وقاس على كلام العرب الذي ينبغي أن تؤخذ لغتهم سماعا يأتي بما أتت فيه أتباعاً وصغر ليلة على لفظها وقد سمع منه ليلية كأنه تصغير ليلاة وإن لم يسمع ذلك وهذا التصغير التعظيم كقول بعض الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقتها المرحب.

وعلى هذا تصغير الأسماء مثل كليب وعمير، وما أدري لما أراد وصف هذه الليلة بالطول وأقتصر على سداس لم أقتصر على سداس فيقول: أحاد في عشار فيكون أطول لما أحب وصفه بالطول ثم أخبر أنها موصولة بالتنادي يعني بالتنادي بالرحيل فكأنما المسافة بينه وبين

(1/431)

وقوع التنادي ست ليال على قياس لفظه، وهذا كلام به من قلة الماء وبهجة الرواء ما ترى.

وقال المتنبي:

كأَنَّ بنات نعشٍ في ذُراها ... خرائد سَافرات في حِدادِ

يقال: سافرات على النعت وسافرات على الحال، وقال أبو العباس الناشئ:

كأن محجلات الدهم فيه ... خَرائد سَافرات في حِدادِ

هذه سرقة توجب القطع. وقال ابن المعتز:

وأرى الثُريا في السمّاءِ كأنَّها ... قدمُ تبدت في ثيابِ حِدادِ

(1/432)

وقال آخر:

كأنَّ كؤوس الراحِ والليلُ مُظلم ... وجوهُ عذارى في ملاحف سُود

الخريدة الخبية وهذه معان يقرب بعضها من بعض وتتساوى فالسابق أولى بها.

وقال المتنبي:

زَعيما للقنا الخطّى عَزمي ... بسفكِ دمِ الحواضر والبَوادي

هذا يدل على قلة رأفة ودين لأنه لم يقل دم المشركين ولا المنافقين ورأى قتل العباد غويّهم ورشيدهم وذميمهم وحميدهم بغير جناية، هذا لا يدخل في العدل ولا يحسن في العقل وقد سبقه إلى هذا القبيح أبو دلف فقال.

وأحسنُ من نَزوات الصبا ... إذا ما اللبيب أطاعَ اللبيبا

ركوبُ الجيادِ وطي البلادِ ... وقتل العبادِ شعوباً شعوبا

ولا خير في المعنيين فيشتغل بها.

وقال المتنبي:

وشُغْلُ النّفسَ عن طلب المعالي ... ببيعِ الشِّعر في سُوق الكَسادِ

أخذه علي بن بسام:

(1/433)

قالوا تغير شعره عن حَالِه ... والفكرُ يَقطعه عن الأشعار

لا تعذلوهُ إذا تغير شِعره ... فالسوق كاسِده بغير تجار

وهما معنيان متساويان والأول أولى بقوله.

وقال المتنبي:

وَما ماضى الشباب بمستردٍ ... ولا يوم يمرَ بِمستعادِ

قال عدي بن زيد:

أمسك أمس قَدْ مَضى فانقضى ... لَيْس لأمسٍ قَدْ مضى مرتجعُ

وقال الحطيئة:

إذا ذهبَ الشباب فبان مِنهُ ... فليس لما مَضى مِنه لِقاءُ

وقال أبو العتاهية:

لا يُستعَاد اليومُ إن ... ولّى ولا للأمسَ ردُ

وقال البحتري:

فهل عقب الزمان يَعُدنَ يوماً ... بيومٍ من لقائك مُستفادُ

فكل هذه المعاني متساوية وهي إخبار بما لا يجهل ولكنه كالتوجع والتفجع غير أن أبا الطيب أختصر الكثير الطويل في الموجز القليل وذلك أنه خبر أن ماضي الشباب لا يسترد وأن يوماً يمر غير مستعاد. خبر عن الشباب

(1/434)

والزمان وأفرد غيره بالإخبار إما عن الزمان وإمّا عن اليوم وكان بيت أبي الطيب ينوب عن أبياتهم فهو أحق به.

وقال المتنبي:

مَتى لحظت بياضَ الشيب عَينٌ ... فقدْ وجدتهُ مِنها في السَّوادِ

هذا من قول القائل:

في كل يومٍ أرى بيضاء نابتةٍ ... كأنّما تنبت في حبةِ البَصرِ

فالمعنى المعنى ولكن مبنى أبي الطيِّب أرجح مما يأتي به من المطابقة بين البياض والسواد والأول ذكر البياض وجعل حبة البصر موضع السواد من بيت المتنبي، ولو قال:) في أسود البصر (كانت الصنعة واحدة وكان أحق بما قال، ولكن تأتي لأبي الطيب أن رجح كلامه على كلام من أخذ عنه فصار أولى به.

وقال المتنبي:

مَتى ما ازددت من بعد التَّناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي

أخذه من محمود الوراق:

إذا ما ازددت من عمري صُعوداً ... ينقصه التَزيُّدُ والصُّعُودُ

أما السرقة في هذا الكلام ففاضحة، إلا أن لفظه من أبي الطيب أصنع ألا ترى أن الزيادة مع النقصان ضدان والصعود مع الهبوط ضدان فأبو الطيب

(1/435)

أوقع اللفظ على استحقاقه في استعمال الأضداد، ومحمود تساهل في ذلك، فرجح كلام المتنبي، واستحق ما أخذ، فأما قول أحمد) بن (أبي طاهر:

متى ما زاد عمرك كان نقصاً ... ونُقصانُ الحياة مع التَّمامِ

فالنقص والتمام ضدان وقد استوفى معنى بيت أبي الطيب في صدر بيته، وعجزه زيادة في المعنى ما هو من تمامه ومثله قول أبي المعتصم:

كمالُ المرء نقصٌ في قواه ... ونقصُ المرءِ من بعد الكمالِ

وهو يشبه بيت أحمد بن أبي طاهر سواء، وهذا يدخل في قسم المساواة وللسابق فضل السبق.

وقال المتنبي:

جَزى الله المسير إليه خيراً ... وإنْ تَرك المطايا كالمزادِ

المزاد: يكون فيها الملاى الجديد فيكون التشبيه يدل على الصلابة والسمن وقلة الكد وليس هذا مراده لأنه لا يوجب على الممدوح ذماً ما في قصده لأنه ما كد إليه راحلة ولا جهد نفسه في إتيانه وقد تكون فارغة يابسة فيشبه الهزلي من الإبل ولكنه ما أتبع هذا بنعت يفسر إرادته، والجيد قول بعض الأعراب:

كأنّها والشوكُ كالشنان ... تَميسُ في حلةِ أرجوانِ

(1/436)

فالشنان: القرب البالية جمع شنّة فدل بمعنى الشنان على بلاها وهزالها فرجح لفظه على لفظ أبي الطيب.

وقال المتنبي:

فَلمْ تلق ابن إبراهيم عنسى ... وفيها قُوتُ يومٍ للقُدادِ

هذا معنى ينظر إلى قول الحطيئة:

سناماً ومحضاً أنبتا اللحم فاكتستْ ... عظامُ امرئ ما كان يَشبع طائرهُ

أي لو وقع عليه طائره ما كان يشبع طائره من لحمه فجعل الناقة مكان الرجل وجعل القداد مكان الطير وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به.

وقال المتنبي:

وأبعدَ بعدنا بعد التَّداني ... وقرّب قُربنا قُرب البِعادِ

معناه وأبعد بعدنا مثل بعد التداني وأقرب قربنا مثل قرب البعاد كان

(1/437)

بيننا أي قربني إليك بحسب ما كان بيننا من البعد فهذا كما قلنا إنما يشبه كلام أهل علم الباطن) خذني مني وغيبني عني حتى لا أبقى أنا بلا أنا (وهذا مما لا يلتمس له استخراج سرقة وإنما فسرت لك معناه لئلا تسمع تهويلاً فتتوهم أن له محصولاً.

وقال المتنبي:

فلما جئته أعلى مَحلّي ... وأقعدني على السّبعِ الشّدادِ

قد ألمّ بمعنى زهير:

لو كَانَ يقعد فَوقَ الشمسِ من كرمٍ ... بآبائهم أو مجدهم قَعدوا

فزهير أحترس وقال:) لو جاز أن يقعد قوم بحسب أو مجد فوق الشمس لقعدوا وأبو الطيب حقق جلوسه على السبع الشداد فليس هذا في قدرة الممدوح فكان زهيراً بالاقتصاد في المحال ورجحان لفظه على لفظ من أخذ عنه أحق بما قال.

وقال المتنبي:

تَهلَّل قبل تَسليمي عَليهِ ... وألقىَ كيسهُ قبل الوِسادِ

أما ذكر التهلّل فلا أعرف فيه أحسن من قول زهير:

تراهُ إذا ما جئته متهلّلاً ... كأنَّك تعطيه الذي أنت سائلُه

وذلك أنه قد عرف مقدار تهلله لأنه قد يتهلل المعطي ولا يبلغ تهلل

(1/438)

المعطي ما يفرح به وذكر الكيس واللقاء به ليس مدح فأخر ولا يبلغ نهاية المدح بالجود لأنه قد يلقي كيساً ليس فيه ما يغني المعطى ولا يفقد المعطي والبدرة أولى من الكيس بإغراق في المدح وخبر أنه ألقى الكيس وأتبعه وساداً فخبر عن الممدوح بالسخاء وإكرام عفاته فكأنه ينبه على المعنى بقول أبي الهندي:

سألناهُ الجزيلَ فما تلكى ... وأعطى فَوقَ منيتنا وزادا

وأحسن ثم أحسنَ ثم عُدنا ... فأحسنَ ثم عُدتُ له فعادا

مراراً ما قصدت إليه إلا ... تَبسَّم ضاحكاً وثنى الوسادا

فذكر معاودته مراراً والتكرم يكون مع كثرة المعاودة غير مأمون وخبر ببشاشة وإفراط هشاشة، فإن قال قائل شرط أبو الطيب إلقاء الكيس قبل الوساد والإكرام أولى بالتقديم وقد خبر أبو الهندي بأنه أعطاه فوق منيته وذلك مما يتسع الظن في كثرته وأنه عاوده دفعات فكلامه يفيد معاني من كرمه يرجح بها على أبي الطيب.

وقال المتنبي:

(1/439)

وأنّكَ لا تجودُ على جَوادٍ ... هباتُكَ أن يلقب بالجوادِ

هذا من ألفاظه التي تحتاج إلى تفسير فإذا فسرت قلت فائدة مسبوكها ومعناه هباتك لا تجود على أحد بأن يلقب جواداً ولو قال أن يسمى بالجواد كان أحسن من قوله) أن يلقب (.

وقال المتنبي:

كأنَّ الهامَ في الهَيجا عيُونٌ ... وقَدْ طُبعتْ سُيوفكَ من رقادِ

فسر هذا بعض النحويين فقال: إن معناه أن سيوفك تألفها الهام كما تألف العيون الرقاد، وهذا ضعف في النقد وخروج عن القصد لأن الهام تكره السيوف ولا تألفها قال أبو محمد: وهذا الكلام يحتمل معنيين أحدهما أن لا يقدر الهام على الامتناع من سيوفك كما لا تمنع العيون دخول الرقاد عليها أحبته أو كرهته والآخر أن يكون أراد موقع سيوفك في هامهم كموقع الرقاد في المقل يريد إمّا بطلان الحس والغيبة بها أو يريد حسن وقعها كوقع الرقاد في العيون كقول الأول:

فكأنما وقع السيوف بهامهم ... خَدرُ المنية أو نعاس الهاجع

(1/440)

يقرب منه قول أبي نواس:

ولها دَبيبُ في العظامِ كأنَّهُ ... أخذ النعاسِ، وقبضهُ بالمفصلِ

وكلام أبي نواس يشبه نعنى الأول إذ ليس يمتنع العقل ولا المفصل لمن عمل النعاس فيهما وأخذه إياهما لأنه فعل للطبيعة يدخل عليهما من حيث لا يمتنع.

وقال المتنبي:

وقَدْ صُغتَ الأَسنَّة من هُمومٍ ... فما يخطُرنَ إلا في فُؤادِ

يجوز الكسر والضم في الطاء من) يخطرن (ومن أراد الرماح كسر، وهو ينظر إلى قول أبي تمام:

كأنّه كان تربَ الحبِّ مُذْ زمنٍ ... فليس يُعجزه قلبُ ولا كَبد

وقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى أخذاً جلياً واضحاً قبيحاً ومن ذلك قول بعض بني عبد شمس:

(1/441)

الطاعنُ الطعنة النَّجلاء عن عرضٍ ... أثر الكتيبة يُرميه ويرميها

بلهذمٍ من همومِ النفسِ صيغتهُ ... فليس ينفكُّ يجري في مَجاريها

وكلام الشمسي مساو لكلامه في معناه فالأول أحق بما قال.

وقال المتنبي:

ويْومَ جلبتَها شُعثَ النَّواصي ... مُعَقّدة السَّبائبِ للطِّرَادِ

هذا بيت لا معنى فيه فيطلب له استخراج سرقة وإنما ذكرناه للضمير الذي لم يجر له ذكر ولكنه ذكر من الهيجاء والرماح ما يدل على حضور الخيل فاستعمل الإيجاز والاختصار واكتفى بعلم المخاطب وهو مذهب صحيح قد ورد في القرآن والشعر ففي القرآن قوله تعالى:) حتى توارت بالحجاب (و) كل من عليها فانٍ (ولم يجر للشمس ولا للأرض ذكر وفي الشعر قال حميد بن ثور أول قصيدة:

وأدماء منها كالسَّفينة تضحتْ ... به الحَمل حتى زاد عشراً عَديدُها

فقال منها يريد ناقة وأضمرها لعلم المخاطب.

وقال المتنبي:

وَحام بِها الهلاكُ على أناسٍ ... لهمْ باللاَّذقيةِ بَغيُ عادِ

قال ابن الجهم:

أعطاكَ يا ابن أبي داود رُتبةً ... فجريت في ميدانِ أحمر عَادِ

(1/442)

وهذا يدخل في باب التساوي.

وقال المتنبي:

لقُوكَ بأكبدِ الإِبلِ الأبايَا ... فسقتهم وَحدُّ السَّيق حَادي

هذا البيت جيد الصنعة لأنه ما خرج عن ذكر الإبل وسوقها وحدائها فلم يخرج عما يتبع بعضه بعضاً ويلتقي بمعناه لفظه وهو ينظر إلى قول البحتري:

فدعوتهم بظُبا الصَّفيح إلى الرَّدى ... فأتوكَ طُرّأ مُهطعين خُشُوعَاً

ولغيره:

لما التووا بمقاده عَنْ سُبلهِ ... أخذ المقادةِ عن ظباه حِدادِ

وقال المتنبي:

فَما تَركوا الإمارةَ لاختيارٍ ... ولا انتحلوا ودادكَ مِنْ وِدَادِ

ثم قال:

ولكنْ هبَّ خوفكَ في حشاهُمْ ... هُبوبَ الريحِ في رجل الجرادِ

هذا البيت تفسير لِما تقدم وهو موجود المعنى في بيت شريف وذلك قوله:

ذلها أظهرَ التودد منها ... وبها مِنكمْ كزء المَواسي

(1/443)

فمن بلغ مراده في بيت وأتى في عجز بيته بتشبيه صحيح كان أحق بما قال ممن عمل بيتين تفسيرهما في الثالث بعدهما واستعار استعارة غير صحيحة لأن الخوف عرض والهبوب لا يصح إلا من جسم والمعنى موجود في قول القائل:

تَولوا حزاناً مُدبرين كأنّهم ... جَراد شمال كية وابلِ القَطَرِ

فهذا شبه جواهر بجواهر وقال الحطيئة:

ونحنُ إذا ما الخيل وافت كأنّها ... جراد زفت أعجازه الرّيح منتشر

ومثله قول مسلم:

ما كان جَمعهم لمّا لقيتهُمُ ... إلا كمثل جراد ريعُ مُنجفَلِ

وكل ذلك أصح معنى من معنى بيت أبي الطيب وأرجح لفظاً وهم أحق بما قالوا.

وقال المتنبي:

وماتوا قَبْلَ مَوتهم فَلمَّا ... مننتَ أعدتُهمْ قبل المَعادِ

ينظر إلى قول أبي تمام:

مَعادُ البعث معروفٌ ولكنْ ... ندى كفَّيك في الدُّنيا معادي

وقد أتبع أبو تمام هذا بمثله فقال:

مَعادُ الورى بَعد الممات وجوده ... مَعادُ لنا قبل الممات ومَرجعُ

وهذه معان تدخل في قسم التساوي.

وقال المتنبي:

غَمدْتَ صوارماً لو لم يتوبوا ... مَحوتهُمْ بها مَحو المِدَادِ

(1/444)

وقد أتى بهذا اللفظ أبو تمام فقال:

محوٌ من البيض الرّقاق أصابَهُ ... فَعفاهُ لا محوٌ من الأحوالِ

ومحو المداد أصل الكلام ومحو الأحوال استعارة والمعنى مساو.

وقال المتنبي:

وما الغضبُ الطّريفُ وإن تَقَّوى ... بمنتصف من الكَرمِ التِّلادِ

ليس الغضب ضد الكرم، وإنما ضده اللؤم ولو قال:) من الحلم التلاد (كان في الصنعة أجود ويقوى لفظه هجيته ضاق عطته عن أملح منها.

وقال المتنبي:

فلا تغررك ألسنةُ مَوال ... تُقبلهُنّ أفئدة أعادي

فهذا يشبه قول القائل:

وأبلغ مُصعباً عني رسولاً ... وهل يجد النصيح بكل وادِ؟

تعلم أن أكثر من بكا فيّ وإن ... ضحِكوا إليك هُمْ الأعادي

وقال ابن المعتز:

عرفت أخلاء هذا الزمان ... فأكثرت بالهجر منهم نصيبي

فكلهم إن تأملته صديق العتاب عدوّ المعيب.

(1/445)

وهذه الأبيات تتساوى والسابق بها أولى.

وقال المتنبي:

وكُنْ كالموتِ لا يرثى لباكٍ ... بكى منه ويروى وهو صَادِ

ينظر إلى قول لقيط:

لا حرثَ يشغلهم بلْ لا يرون لكمْ ... مِنْ دون نَبضتكم رياً ولا شبعا

وقال المتنبي:

فإِنَّ الجُرحَ ينفر بعد حينٍ ... إذا كانَ البِناءُ على فسادِ

هذا من قول البحتري:

إذا ما الجُرح ذم على فسادٍ ... تبيّن فيه تفريطُ الطبيب

هما متساويان والأول أحق بقوله.

وقال المتنبي:

فإِنّ الماءَ يجري من جَمادٍ ... وإنَّ النَّار تخرجُ مِنْ زنادِ

أما صدره فيشبه قول ابن الرومي:

يا شبيه البدر في الحس ... ن وفي بعد المنالِ

جد فقد تتفجر الصخ ... رة بالماءِ الزلالِ

(1/446)

وأما عجزه فمن قول ابن الجهم:

والنارُ في أحجارِها مخبوءةٌ ... لا تُصطلى إنْ لم تُثرها الأزندُ

وتمثل المأمون:

أنا النار في أحجارها مسكنة ... متى ما يهجها قادح تتصرمُ

ويدخل في معنى هذا قول أبي تمام:

أخرجتموه بكره من سجيته ... والنارُ قد تتنضى من ناضر السَلمِ

وقد جمع أبو الطيب في بيته معنيين وأختصر وجاء باللفظ الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ.

وقال المتنبي:

وكيفَ يبيت مضطجعاً جبان ... فرشت لجنبهِ شوكَ القْتَادِ

ما كان يجب أن يطلق أسم الجبن على أعدائه فيوثق تأثيره منهم وليس شوك القتاد في المراقد مما يخص الجبان الشهر به دون الشجاع، فأما التشبيه فمستعمل فمنه قول ابن مناذر:

كأنّ عوائدي مِنْ بعد هذء ... العيون فَرشنني شوك القتادِ

(1/447)

ومثله قول أبي تمام:

إني بعلتك أعتللت ... فمفرشتي شوكُ القتادِ

وهذا المعنى كثير الاستبدال متواتر الاستعمال لا يعبأ بسرقته ولكن أبا الطيب لا يحقر شيئاً من المعاني فيلزمنا أن نعبأ بما عني به لئلا يتوهم متوهم أن الغامض أوردناه والمكشوف جهلناه.

وقال المتنبي:

ترى في النّوم برمحك في كُلاهُ ... ويخشى أن تراه في السُهادِ

أحسن من هذا قول أشجع:

وعلى عدُوّك يا ابن عمِّ مُحمّدٍ ... رَصدان: ضوءُ الصًّبحِ والإِظلامُ

فإذا تنبهَ رعَتهُ وإذا غَفا ... سَلَّتْ عليه سيوفك الأحلامُ

وقد ألمَّ بهذا أبو تمام في قوله:

إنْ يَنتبه ترتعدْ فَرائصه ... ويهتجدْ بعجلة عن حِلمه

وقال المتنبي:

أشرتَ أبا الحُسينِ بمدح قَومٍ ... نزلتُ بهم فَسرتُ بِغير زادِ

يقرب من قول ابن عيينه:

نَزلتُ عليهم ورحلتُ عَنْهم ... فكان صُدودهم نُزلي وزادي

وقول ابن أبي عيينه أهجا لأنه ذكر أنه راح منهم بغير زاد وهذا ذكر أنهم

(1/448)

زودوه الصدود فخبر بمنع البشر والزاد فصار كلامه أرجح في الهجاء فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

وَظنُّوني مدحتهُمُ قَديماً ... وأنت بما مَدحتهُمُ مُرادي

قال كثير:

متى ما أقلُ في آخر الدَّهر مدحةٍ ... فَما هي إلا لابن لَيلى المكرَّمِ

قال أبو نواس:

إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني

وإنْ جَرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني

فقوله:) إنساناً (حشو لأن المدح لغيره مفهوم أنه إنسان.

وقال الديك:

ونَمدحُ أقواماً ما سِواكَ وإنما ... إليك نُسدِّيه وفيك نزخرفه

فلكثير فضل السبق والديك يساوي أبا الطيب بغير زيادة فالسابق أولى من السارق.

وقال ابن الرومي:

ومَا قِيلَ فِيه من مديحٍ فإِنَّه ... مَديحك، والنياتُ نَحوك عُمَّدُ

وقال المتنبي:

وإني عنك بعد غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فنائِكَ غير غادِ

(1/449)

يشبه قول الخبزأرزي:

أنا غائبٌ والقلبُ عندكَ حاضِرُ ... سافرتُ عنكَ وما الفؤاد مُسافرُ

وقال المتنبي:

مُحبّك حيثما اتجهتْ ركابي ... وضيفُكَ حيثُ كنتُ مِنَ البِلادِ

هذا من قول أبي تمام:

وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جَدواكَ راحِلتي وزادي

ومنه قول أبي تمام أيضاً:

مُقِيمُ الظنِّ عِندكَ والأماني ... وإن قَلقتْ ركابي في البلادِ

يليها قصيدة أوّلها:

مُلِثَّ القَطرِ أعطشها رُبُوعاً ... وإلا فأسقِها السَّمّ النقيعا

من شأن منازل الأحباب أن يدعى لها بالترويض والبهجة كقول أبي تمام:

يا دارُ درَّ عليكِ أرهامُ النّدى ... واهترَّ روضك في الثرى فَتزادا

(1/450)

وقال مخلد الموصلي:

يا منزلاً ضنّ بالسَّلامِ ... سُقيتَ صوباً من الغَمامِ

لمْ يترك المُزن منك إلا ... ما تركَ السقمِ من عظامي

وما سبق أحد أبا الطيب إلى الدعاء على منازل الأحباب بالعطش ولا من عادة السحاب سقيا السم ولا السم مما يدعى به على الجمادات ولو قال: أمطرها حجارة تهدمها وأرسل عليها صواعقاً تحرقها مما يجوز مثله أن يقع من السحاب لكان أحسن في الدعاء عليها ولما أغرب في الدعاء عليها جاء بعذرٍ أشبه شيء باستئناف ذم وقال:

أسائلها عن المتدَيّريها ... فَلا تَدري ولا تُذري دُموعا

فجعل ذنبها أنها لا تذري الدموع وقد دعا البحتري على نفسه باللوم في سؤال ما لا يستجيب فقال:

وسألتُ ما لا يستجيبُ فكنتُ ... في استخباره كمجيب من لَمْ يَسلْ

فعذر المنازل ولا نفسه والعاقل أولى باللوم مما لا يعقل، وألزمها أبو الطيب الجواب وأذرى الدموع وذلك تكليف غير ممكن فلما امتنع عليه منها ما لا يمكنها دعا عليها بما قد سمعت وإنما وقف الناس بالمعاني وبكوا رسوم الديار، وتغير الآثار إما لإظهار وفاء لمن كان بها أو أعثار بخرابها وانقلاب الدهور وتغير العصور فإما أن يسألوها لتجيب وإلا اغتاظوا فدعوا عليها، فهذا تخيل فاسد ومعنى بارد.

وقال المتنبي:

لحاها الله إلا ماضيَيْها ... زمان اللهو والخود الشموعا

(1/451)

ماضيها كان يوجبان الدعاء عليها بالسقيا والنضرة والالتفاف بالخضرة والزهرة أما سمع قول البحتري:

وإذا ما السحاب كان ركاماً ... فسقى بالرباب دار) الرباب (

وكمثل الأحباب ... لو يعلم العا ذل عندي منازل الأحباب

فإن كان كما قال البحتري فقد دعا أبو الطيب على أحبابه بالعطش والسم النقيع فهذه معان أقل تأملها ونقدها.

وقال المتنبي:

منعّمةٌ، ممنعّةٌ، رداحٌ ... يكلفُّ لفظها الطَّيرَ الوُقوعا

هذا يشبه قول ابن رومي:

مَديحٌ إذا ما الطير مَرْت مَرت رعالها ... بمنشده ظلت هُناكَ تكفكِفُ

والمبنى والمعنى متساويان لأن لفظ المحبوبة التي ذكر أنها تكلف لفظها الطير الوقوع يشبه لفظ المنشد لهذا الشعر الذي ذكره ابن الرومي وهما يدخلان في قسم المساواة، والذي على هذا المعنى قول كثير:

وأدنيتني حتى إذا ما سبتني ... بقولٍ يُحلّ العُصَم سَهْل الأباطح

توليت عني حين لا لي حيلة ... وخلفتَ ما خلفت بين الجوانح

(1/452)

وقد أخذ هذا المعنى ابن دريد فقال:

لو ناجَتْ الأعصمَ لأنحطَّ لها ... طَوع القيادِ من شَماريخ الذُّرى

وقوله:) طوع القتاد (أحسم من قول: أبي الطيب:) يكلف لفظها الطّير الوُقُوعا (لأن من كلف ليس كمن فعل أفعاله طوعاً ولا يتوهم الضعيف النقد باختلاف الجنسين) العصم، والطير (أن هذا ليس من هذا فإنه منه وهو من توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق فكلام من أخذ المتنبي أرجح من كلامه فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

يُرفّع ثَوبها الأرداف عنها ... فَيبقى مِنْ وشاحيها شسوعا

) شسوع (بعيد وهو لفظ غير عذب وأحسن من هذا قول رجل من كلب:

أبتِ الغلائل والثدي لِقميصها ... مَس البطونِ وأنْ تَمسّ ظُهوُرا

وإذا الرياح برتجهن تعطرت ... نبهن حاسدة وهَجْن غُيورا

وقال المتنبي:

إذا ماست رأيتَ لها أرتجاجاً ... لهُ لَولا سواعدُها نَزُوعا

الهاء تعود على الثوب في) له (وتقدير الكلام رأيت لها ارتجاجاً نزوعاً له لولا سواعدها وما أدري كيف ينزع ارتجاجها قميصها عنها أما لهذا القميص طوق أم ليس لها عنق يمنعها من خروجها من قميصها وقد وافى الناس بلولا في هذا الموضع فكان أحسن وأدنى إلى الإمكان، فقال ابن المعتز:

(1/453)

يكاد يجري من القميص من ال ... نعمة لولا القميص يمسكه

فذكر نعمة يكاد يجري من أجلها فيمسكه القميص وقال في صفة فرس:

يكاد يخرج من أهابه ... إذا بدا السوط له لولا اللبيب

فجعل اللبيب يمسكه من أن يطير ويخرج من أهابه كما جعل القميص يمسك الإنسان، من أن يخرج من قميصه فأما أن ينزع قميصها ارتجاجها لولا سواعدها فبعيد وأما ما قيل في هذه المعاني قول أبي الشيص:

لولا التمنطقُ والسّوار معاً ... والحجلُ والدملوج في العضدِ

لتزايلت من كلّ ناحيةٍ ... لكن جعلن لها على عمدِ

وقال المتنبي:

تألّم دَرزهُ والدّرز لينٌ ... كما يتألَّمُ الغَضْبَ الصَّنيعا

فخبر بتألمها في الدّرز، وهو لين يريد رقتها ونعمتها وأول من فتح هذا المعنى امرئ القيس فقال:

من القاصرات الطّرف لو دبّ مُحولٌ ... من الدَّر فوق الأتبِ مِنها لأثرا

(1/454)

والذر أخف وزناً على الجسم من درز القميص فإذا أثر في الجسم كان أبلغ وصفاً من أبي الطيب وله فضل السبق وقد أخذه القائل فقال:

لو يَدبُّ الحَوليُّ مِنْ ولد الذَّ ... رّ عليها لأندبتها الكُلومُ

والخارج أبلغ من المؤثر في حسنها فذلك أبلغ من قول أبي الطيب وأرجح لفظاً.

وقال المتنبي:

ذراعاها عَدُوَّا دُملجيْها ... يَظنُّ ضَجِيعُها الزَّندَ الضجيعا

لو ضاجع الفيل ما كان يجب أن يتخيل أن زنده ضجيع له وهذه مبالغة مع استحالتها غثة.

وقال المتنبي:

كأنَّ نِقَابها غيْمٌ رقيقٌ ... يُضيء بمنعه البَدْرَ الطُّلوعا

سرقه من قول بشار:

بَدا لكَ ضَوءُ ما انتقبت عليهِ ... بَدُوّ الشَّمس من خَلل الغَمامِ

فقال أبو الطيب يضيء لمنعه البدر الطلوع، والغمام لا يمنع البدر الطلوع بل يمنعه الظهور وهو طالع تحت الغمام وهي عبارة غير طائلة وفيها تسامح وكلام بشار أحسن كلاماً لأنه خبر بضوء نقابها من نور وجهها، وشبه وجهها بالشمس والنقاب بالغمام وقد وفى كلامه أقسامه، فكلام بشار أرجح وهو أولى بشعره.

وقال المتنبي:

أقُولُ لها اكشفي ضُرّيَ وقُولي ... بأكثر من تدَللها خُضُوعا

(1/455)

خاطبها يقول) أكثر من تدللها خضوعاً (يريد أن خضوعي أكثر من تدللها ولو كان لتدللها خضوع لكان قد أوقع الكلام موقعه ووضعه بموضعه، فإذا لم يكن ذلك وإنما شبه كثرة خضوعه بكثرة تدللها وكان يجب أن يقول تمثيلاً: وخضوع قولي أكثر من تدللها، فيكون الاعتماد على كثرة الخضوع المشبه بكثرة تدللها.

وقال المتنبي:

أخفتِ الله في إحياءِ نفسٍ ... متى عُصي الإِلهُ بأن أطيعا

يشبه قول الخبزأرزي:

ما حَرامُ إحياءُ نفسٍ ولكن ... قَتلُ نفسٍ بغير نفسٍ حَرَامُ

هذا يناسب قول أبي الطيب وقول الخبزأرزي أسهل كلاماً وأعذب نظاماً فهو أحق بمعناه.

وقال المتنبي:

غَدا بِك كلُّ خِلْوٍ مُستهاماً ... وأصبحَ كلُّ مَستُورٍ خَليعا

ليس هذا مما يلتمس له استخراج سرقة ولكن ذكرته لفساد صنعته لأن ضده المملوء لا المستهام والخليع ضد الناسك المستور ولو قال:

غَدا بك كلّ خلوٍ في اشتغال ... وأصبح كلُّ ذي نَسك خليعا

كان أجود لصنعته وكان طباقاً حسناً.

وقال المتنبي:

بَعيدُ الصَيتِ مُنبثُّ السّرايا ... يشيب ذكرهُ الطفل الرَّضِيعا

هذا كثير ولا يحقر أخذ شيء من المعاني فلا نحقر نحن إيرادها فمن ذلك قول بعض الأعراب:

(1/456)

وما شيبتني كبرة غير أنّني ... لدهرٍ لهُ رأس الوليدِ يَشيبُ

وقال إبراهيم بن المهدي:

إلا شغلتنا عنك يا أرو نكبة ... يَشيبُ لها قَبل الفطام وليدها

وقد يفارق الوليد الفطام والرضاع ويسمى وليداً فإبراهيم بن المهدي قد ضيق القول بقوله: قبل الفطام وليدها.

والرضيع أشد مبالغة والمعنيان متساويان فأبن المهدي أحق بشعره.

وقال المتنبي:

يَغضُّ الطّرف مِنْ مكرٍ ودهي ... كأنَّ به وليس به خشُوعا

من قول ابن الرومي:

ساهٍ وما تتقى سقطتهُ ... داهٍ وما يُنْطوي منهُ على ريبِ

فَدَهْيُهُ للدواهي الرُّبد يدرؤها ... وسهوه عن عُيوبِ الناسِ والغَيبِ

وقد قسم تقسيماً رجح به كلامه.

وقال المتنبي:

قُبولك مِنَّهُ مَنٌّ عليه ... وإلا يبتدئ يَرهُ فظَيِعا

صدره من قول أبي تمام:

يعطي ويشكُرُ مِنْ يأتيه يسألُهُ ... فَشكُرهُ عِوَضٌ، ومالُهُ هَدرُ

فصدر بيت أبي تمام كصدره، وباقيه عبارة غثة يسقط دون ما سرقت منه

(1/457)

ونصف بيت أبي تمام الثاني مفيد من تمام الأول فهو أرجح بذلك.

وقال المتنبي:

لهونِ المال أفرشَهُ أديماً ... وللتَّفْريقِ يكرهُ أن يضيعا

أي لهوانه عليه يبسط تخته أنطاعاً ليهينه على عفاته وطالبي عرفه، وقوله:) للتّفريق يكره أن يضيعا (أي لأنه يكره ضياع المال ليس لادخاره لنفسه ولكنه يجمعه ليفرقه كما قال ابن الجهم:

ولا يَجمعُ الأموال إلا لبذلَها ... كما لا يساقُ الهَدْيُ إلا إلى النحرِ

فخبر بنظير خبر أبي الطيب بكلام سهل ولفظ جزل ثم مثل المال بالهدي الذي يعنى بسوقه إلى النحر فزاد في كلامه ما هو من تمامه واستحق ابن الجهم شعره على من أخذ عنه.

وقال المتنبي:

إذا مدّ الأميرُ رقابَ قَومٍ ... فما لكرامةٍ مدّ النُّطُوعا

أنه لا يمد رقاب من يقتله لكرامة بل لهون كما أفترش المال أديماً فالمال ليفرقه والرقاب ليقطعها وهذه معان كان اطراحها أصلح له.

وقال المتنبي:

فليس بواهب إلا جزيلاً ... وليس بقاتلٍ إلا قريعا

(1/458)

يشبه معنى قول مسلم:

حَذار من أسدٍ ضرغامةٍ بطلٍ ... لا يولغُ السيف إلا هامةَ البطَلِ

فقد خبر أبو الطيب بخبرين من المدح عن الممدوح فخبر بالسخاء والشجاعة فزاد على مسلم ورجح كلامه فصار أولى بما أخذ.

وقد حكى أنّه كان في عسكر الأمين حبشي بأبيات ويرمي بمقلاع معه يخاطب بالأبيات طاهر بن الحسين ويقول:

دُونك الرمية يا طاهر ... مِنْ كفِ ابن حبيش

حَبشي يَقتِل الناس ... على قطعة خيش

مرتد بالشمس راض ... بالمنى من كلّ عيش

يَحمِلُ الحملة لا يق ... تل إلاّ رأس جيش

فلم يخبر إلا بقتله رأس الجيش ولأبي الطيب ورود معنيين من المدح يستحق على الشاعرين ما قالا لأنه أختصر معناهما في بيت واحد.

وقال المتنبي:

وليس مُودِّبا إلا بنصلٍ ... كَفى الصّمصامةُ التَّعبَ القطيعا

نبهه على هذا المعنى شريف بقوله:

فضع السيف وأرفع السوط حتّى ... لا ترى فَوق ظَهرِها أمويا

وقال المتنبي:

عليٌّ ليس يمنع مِنْ مجيءٍ ... مبارزَهُ ويمنعُهُ الرُّجُوعا

(1/459)

هذا من قول الفضل بن العباس الخزاعي:

لا يمنعُ الواردين الورد ما نَهلوا ... إلى اللقاء ولكنْ يمنع الصَدرا

وهذا يدخل في المساواة.

وقال المتنبي:

على قاتل البطل المُفدى ... ومُبدلُهُ من الزرد النجيعا

قوله) المفدى (ضيق عطن عن كلمة أجود منها ولو كانت المفدى في معشوق كان أولى منها في شجاع.

وقال المتنبي:

إذا أعوج القنا في حامِليهِ ... وجازَ إلى ضُلوعهم الضُّلُوعا

معنى) حامليه (: المطعونين وقال أبو الطيب بقول: كنت قلبه وأشبه في ضلوعهم الضلوعا والمحدث الذي ذكره البحتري والبيت الذي قيل له قوله:

في مأزقٍ ضنك تخالُ به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضُلوعا

(1/460)

وأما تقبل حكاية أبي الطيب إذا لم يسرق من البحتري إلا هذا البيت وأما سرقته منه أكبر من العذر وأشد تواتراً من ذنوب الدهر ولكن أخذ منه كما عود الله وظن ذلك قد خفي فما خوطب عليه علم أنه بيت منكشف وما يأمن أن بيته على استشفاف شعره فيؤخذ فيه كثير فرجع عنه وغيره بما لا فائدة فيه إذ ليس غريباً من فعل القنا أن يجوز من جنب إلى جنب آخر، وكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.

وقال المتنبي:

ونالت ثأرها الأكباد منهُ ... فأولتهُ اندقاقاً أو صُدُوعا

هذا كلام ينقض بعضه بعضاً بينا هو يخبرنا بجوازه من الضلوع إلى الضلوع وما كان بهذه الصنعة فهو سالم غير مندق ولا متصدع إذ أخبرنا أن الأكباد نالت ثأرها منه باندقاقه وانصداعه فإذا اندق وانصدع لم ينفذ إلى الضلوع التي بعدها والعجب أن هذا القنا صادم عظام الأضلاع فلم يصدعه ولم يدقه وجازها فلما صار إلى الأكباد الرطبة التي تلين ملاقاتها عليه اندق وأنصدع ولو تأتى له أن يقول:) ونالت ثأرها الأيدي) من (الأكباد (لجاز أن يلحقه ذلك من مصادمة الأيدي إياها وهذا من قوله للتخريف وقلة التأمل.

وقال المتنبي:

وإن ماريتني فأركب حِصاناً ... وَمَثِّلْهُ تخرّ لهُ صَريعا

فقوله:) أركب حصاناً (من أغث عبارة كأنه لا يخر له صريعاً إلا فارس على فرس ولو رآه راجل ما خَرَّ له إلا أن يحتج محتج فيقول: إذا كانت هذه حال الفارس غنينا عن ذكر حال الراجل، وقد يكون الراجل أشجع من الفارس وأقتل للفرسان وهذه معان غير مستعملات وكلام ناقص ألما ولو قال فمثله يخر له صريعاً من غير ذكر ركوب الحصان كان أحسن وأعم للفارس والراجل وأحسن

(1/461)

من كلامه قول أبي تمام:

وإلا فأعلمهُ بأنك ساخطٌ ... ودعهُ فإنَّ الخوفَ لا شكَّ قاتلُه

فإن قلت ببيت أبي تمام في الخوف وهذا في الهيبة قلنا كلاهما غرضان يفعلان فعلاً واحداً، وكلام أبي تمام بغير حشو وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

فَصَيَّرَ سَيْلُهُ بلدي غديراً ... وصَيَّر خيرُهُ سنتي ربيعا

نحا نحو الخبزأرزي:

فضيفُهُ في ربيعٍ طولُ مدّتهُ ... وجارهُ كلّ حين منهُ في رَجَبِ

فجعل ضيفه في ربيع من جوده طول زمانه وجعل جاره كل حين منه في رجب أراد في حمى من طالب الثأر لأن العرب في الجاهلية كانت لا تقاتل في الأشهر الحرم ولا تسقك دماً فكلام الخبزأرزي أرجح لأنه جمع بين الجودة والأمن في الخبر عن ممدوحه، وأبو الطيب ما خبر إلا عن سخاء الممدوح فقط.

وقال البحتري:

(1/462)

وكمْ لبستُ الخفض في ظلّهِ ... عُمري شبابٌ، وزماني ربيعُ

وهذا تقسيم مليح جاء فيه بمعنيين مفيدين كما جاء الخبزأرزي بهما، فهو أولى بالمعنى منه، وقال أبو هفان في ذكر الربيع:

لربيعِ الزّمانِ في الجَوْل وَقْتٌ ... وابن يَحْيى في كُلّ وقتٍ رَبيعُ

وقال المتنبي:

أمنسيَّ السكون وَحَضْرموتا ... وَوالدتي وكِنْدَةَ والسَّبيعا

حصول والدته بين هذه القبائل غير مستحسن وكان ينبغي أن لا يخرج عن ذكر قبيلة مكان والدته والمعنى الذي قصده غير مفصح عن إرادته لأنه لم يذكر السبب في نسيانه من نسي.

وقال البحتري:

جَفُوتُ الشَّأمَ مُرتبعي وأنسي ... وعلْوةَ جَنتي وهوى فُؤادي

ومِثلُ نَداكَ أذْهلني حبيبِي ... وأكسبني سُلّواً عنْ بِلاَدي

(1/463)

فبيّن سبب نسيانه وخبرنا عن سلوانه فأوضح وأرجح فهو أولى بقوله.

وقال المتنبي:

إِذا ما لمْ تُسِرْ جيشاً إِليهمْ ... أسبرْتَ إلى قُلوبِهم الهُلُوعا

هذا يقرب من قول أبي تمام:

لمْ يسر يوماً ولمْ ينهدْ إلى بلدٍ ... إلاّ تقدّمهُ جيشٌ من الرُّعبِ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

رَضُوا بك كالرضى بالشَّيبِ قسراً ... وقد وخَطَ النَّواصي والفُرُوعا

أما صدر هذا البيت فجيّد المعنى، وهو ينظر إلى قول مخلد الموصلي:

أراكمْ تنظرونَ إِليَّ شُرزاً ... كما نظرتْ إلى الشيبِ الملاحِ

تَحدون العيونَ إليَّ شُزراً ... كأنّي في عيونكمْ السماحِ

وعجزه حشو لأن المعنى: رضوا بك كالرضى بالشيب فلو ظهرت منه شيبة واحدة لمقتها من يلحظها وقد قال بشار:

يَحبوني ودّي كأنّي ... شيبةٌ بين فروقه

ولا فرق بين شيبة وشيب، وإنما كانت الشيبة بحدوثها بعد أن لم تكن أشد ترويعاً.

وقال المتنبي:

فَلا عزلٌ وأنتَ بلا سلاحٍ ... لِحاظك ما يكونُ به مَنيعا

(1/464)

أي فلا عزل بك وأنت بغير سلاح لأنك بلحاظك منيع، وهذا لفظ قصير عن إرادة قائلة وهو مأخوذ من قول بعض الموسوسين وهو مجنون ديرزكى:

لحظاتُ طرفك في الوغَى ... تُغْنِيكَ عَنْ سل السيُوف

وعَزيمُ رأيك في النُّهى ... يَكْفيكَ عاقبة الصُّرُوفِ

وسُيولُ كفّك في الوَرى ... بَحْرٌ يفيضُ على الضَّعيف

ذكر عن أبي نواس أنه قال: مدحت الرشيد بقصيدة فقصدته لأنشده إياها فوجدته راكباً فاعترضته فإذا بمجنون ديرزكا قد أخذ بلجامه ثم أنشده الأبيات المقدم ذكرها ثم قال له أعطني ألف درهم فقال له الرشيد: ما تصنع بها فقال: أكل بها زبداً وتمراً فأمر بدفعها إليه فرجعت والله عن إنشاده لأنه لم يكن في شعري ما يفي بأبيات المجنون.

وقال المتنبي:

لو استبدغْتَ ذهْنكَ من حُسامٍ ... قَددْتَ به المغافِر والدُّرُوعا

هذا ينظر إلى قول القائل: -

نظرتُ إليها نظرة لو حشوتها ... سَرابيلَ أبدانِ الحديد المُسَرّدِ

لقضتْ حَواشِيها وذابتْ بحرِّها ... ولانتْ كما لانتْ لَداود في اليدِ

(1/465)

قال أبو محمد: هذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.

وقال المتنبي:

وَهَبْكَ سَمحْتَ حتى لا جَوادٌ ... فكيفَ علوْتَ حتّى لا رَفيعا

قوله: وهبك سمحت حتى لا جواد لم أستغرب ألا يكون جواد يقاس به ولم يجوز أن يكون رفيع أرفع منه وسبب رفعته ما خبرنا به بأنه لا جواد يشاركه في جوده. ويليها قصيدة أولها:

أحقُ عافٍ بدمعِكَ الهممُ ... أحْدثُ شَيء عَهداً بها القِدَمُ

ينظر إلى قول البحتري:

بكى آماله لمَّا رآها ... عِياناً وهي دراسةُ الرُّسُومِ

يقول فيها:

إِني وإنْ لمتُ حاسديَّ فما ... أنكُرُ أني عُقوبةٌ لهُمُ

هذا يشبه قول أبي زرعة:

ومالتْ حسادُ الأميرِ وقَدْ رأوا له ... فوق أعناقِ المكارمِ معرْسا

وقال المتنبي:

وكيفَ لا يحسدُ إمرؤ عَلَمٌ ... لَهُ على كُل هامةٍ قَدَمُ

معناه موجود في قول ابن دريد:

والناسُ فوق رؤوسهم أقدامنا ... لا ينطبقُ الأقوام ما لمْ تَنْطِقُ

(1/466)

فجاء في صدر البيت بالمعنى وجاء في عجزه بخبر يدل على الهيبة فقد رجح كلامه بزيادة على المتنبي فهو أحق بشعره.

وقال ابن دريد:

وعامر أوطأ هَاماتِهم ... أخمص مِلك فرعه الأطول

قال ابن المعتز:

أسلم وعشْ أبداً وغِظْ ... حسداً وَبِهَامِ مَنْ عاديت فأنتَعِل

وهذه معان يتساوى في المبنى والمعنى فالسابق أحق بها.

وقال المتنبي: كفاني الذّمَّ أنّني رجُلٌ أكرمُ مالٍ ملكتُهُ الكَرمُ هو مأخوذ ممن قال:

ليس لي مالٌ سوى كَرمي ... فيهِ ليأمن مِنْ العدمِ

وهذا البيت من أبيات أذكرها بجملتها لجودتها تلي البيت الأول:

لا أقولُ اللهُ يظلمني ... كيف أشْكو غير مُتهمِ

قنعتُ روحي بما رزقت ... وتمطتْ في العُلا هِمَمي

ولبستُ الصبرَ سابغة ... فَهي من قُرني إلى قدمي

هذا كلام مليح لو لم يكن في الأحسن الاستعارة في) تمطت في العلا هممي (وقد أتى ببيت أبي الطيب في مصراع وزاد في كلامه ما هو من تمامه فهو أحق بما قال.

وقال المتنبي:

يَجْني الغنى للئام لو عَقَلُوا ... ما ليْس يَجْني عليهم العَدمُ

لو أمكنه على في أول البيت لكان أحسن ليعتدل الكلام في النصفين

(1/467)

والمعنى من قول الحصيني:

وما الفقرُ بالإِقلالِ إنْ كنت قانعاً ... ولكنْ شحَّ النفس عندي هو الفقرُ

فمعنى بيت أبي الطيب أن جناية الغنى عليهم أكثر من جناية الفقر وفسّر العلّة في ذلك فقال:

همُ لأموالهم وليس لَهم ... والعارُ يبقى والجرحُ يَلْتئمُ

معناه أنهم يخدمون أموالهم ولا ينتفعون منها لبخلهم فكأنها ليست لهم ويبقى عليهم العار وهو الجرح الذي لا التئام له، وقد جاء مراده في بيتين فأما قوله:) والعار يبقى والجرح يلتئم (فمأخوذ من قول امرئ القيس:

ولوْ عن نثا غيره جَاءني ... وجرحُ اللّسانِ كجرح اليَدِ

فتبعه الحطيئة فقال:

وجرحُ السيفِ ينمى ثُمَّ يعفو ... وجرح الدهرِ ما جرح اللسانِ

وقال صالح بن جناح:

(1/468)

فإِنك ما يخرج لسانك لا تعدْ سل ... يماً وما يجرجُ بكفّك يَسلَمُ

ولصالح أيضاً:

إِنَّ جرح القول لا يبرأ وقَدْ ... يَبرأ الكلمُ إِذْ السيفُ جرح

وجميع هذه الأبيات أحسن صنعة من بيته لأن جميعها سمي القول فيه جرحاً ثم شبه جرحاً بجرح أحدهما حقيقة والآخر استعارة، وأبو الطيب ذكر العار ولم يذكر جرحاً فصنيعتهم أجود.

وقال المتنبي:

ويعرف الأمر قَبْلَ موقعه ... فما لهُ بعَدَ فعله نَدَمُ

هذا من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

بصيرُ بعورات العواقبِ لا يرى ... على سقطةٍ من رأيه متندّما

أسكن عورات ضرورة، وقال أبو تمام:

وكمْ من يدٍ أسديتها وملمةٍ ... فرجتَ فلم يقرع بها سنُّ نادمِ

وال ابن الرومي:

لك الرأي إِنْ تُورده لا تلفْ نادماً ... يعض على إصداره باباهِم

بيت إسحاق هو بيت أبي الطيب مبنى ومعنى من غير زيادة وأبو تمام يخبر عن كرم وشجاعة وجزالة رأي وليس في بيت أبي الطيب غير جزالة رأيه فيما يفعل فهو يعرف الشيء قبل ركوبه فلا يندم فهو أحق بالزيادة، وابن الرومي يساوي

(1/469)

أبا الطيب وله من ذكر الإيراد والإصدار طباق له به فضل وقد شرك البحتري ابن الرومي في الطباق والمعنى فقال:

مُدبرُ رأيٍ ليس يوردُ عَزْمَهُ ... فيقرعَ في إِيرادهِ سنَّ نادِمِ

وقال المتنبي:

يُرعيكَ سمعاً فيه استماعٌ إلى الدَّا ... عي وفيه عَنْ الخنا صَمَمُ

هذا من قول القائل:

غائبُ السمعِ إذا قِيلَ خَنا ... وإِذا ناداهُ عافٍ سَمِعا

ولإسحاق بن إبراهيم:

إِنْ ذكر الخير عِنْدهم إِذْ ... نواله وفيهمُ عن الخَنا صَممُ

وقال ابن الحاجب:

أصمُّ عَنْ عذل عاذليه فأمّا ... عَنْ سؤالِ العافيّ فغير أصمّ

فهذه معان متساوية لا زيادة في شعره عليها والسابق أحق بها.

وقال المتنبي:

ملتُ إِلى منْ يكادُ بينكما ... إِنْ كنتما السائلين يَنقسمُ

هذا كلام قليل الإفادة ناقص عن الإرادة ابتدأ بيته لم يجد لصاحبيه قبل ذلك ذكر وذكر أنه ينقسم إن كنتما السائلين ولو نكر السائلين كان أطبع في الشعر وكان يجب أن يقول إن كنتما سائلين في انقسامه فهو ينقسم وليس هذا

(1/470)

من المبالغة الحلوة، وقول مسلم:

يجودُ بالنفسِ إن ظنّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنّفسِ أقْصى غاية الجودِ

ومعناه أنه لو سأله أن يهب له نفسه لدفع ما يخافه عليها لبذل ذلك له، وهذا من صفات الكرام الشجعان ومن هذا قول القائل:

ولو لمْ يكنْ في كفّه غير نَفْسه ... لجادَ بها فَلْيتّقِ اللهَ سائِلُهْ

هذا مذهب حسن يقول: لو كانت نفسه مما يجوز أن تكون في كفه لتعوده بذل ما في كفه وسبيل لإجرائها مجرى الموهوبات ولم يخرج عن عادته إلى المنع فهي مبالغة مليحة، فأما سؤاله أن ينقسم بين السائلين فقد دخل عليه ضرر، ألا ينتفعان به وإطلاق اللفظ في قول مسلم أنه يجود بنفسه في المكارم والمعالي واكتساب الشكر وبقاء الذكر أحسن من قول أبي الطيب) يكاد (.

وقال المتنبي:

مِنْ بعد ما صِيغَ مِنْ مواهبه ... لمنْ أحبَ الشّنوف والخَدمُ

فتخصصه من أحبَ بالشنوف والخدم ولم يجعل ذلك عاماً، فيه بعض النحل ولعله قصد أن يهب من يحبه أبو الطيب ما يصاغ منه الشنوف والخدم حتى افتقر الممدوح، فلو سألتماه عطاء كان ينقسم بينهما وجملة هذا المعنى لا خير فيه.

وقال المتنبي:

بنو العفرني محطة الأسَد ال ... أُسد ولكن رِماحُها الأجَمُ

قال العكوك:

(1/471)

كأنّها والرّماحُ شابكةُ ... أسْدٌ عليها أظلَّتِ الأجَمُ

فالمعنى والمبنى متساويان، وقال أبو تمام:

آسادُ موتٍ مخدراتٌ مالها ... إِلاّ الصّوارِمَ والقَنا آجامُ

وقال المتنبي:

قومٌ بُلوغ الغُلامِ عندهَمُ ... طعْنُ نُحور الكُماةِ لا الحُلُمُ

قال أبو دلف:

علامةُ القومِ في بُلوغهِمُ ... أنْ يرضعوا السيفَ هامةَ البطلِ

وقال يحيى بن زيد بن علي:

خَرجْنا نقيمُ الدّين بَعْد أعْوجاجهِ ... سوياً ولمْ نخرُجْ لكسب المالِ

إِذا أحكم التَّنزيلُ والحِلْمُ طفلنا ... فإِن بلوغَ الطّفلِ ضرُب الجَماجمِ

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

(1/472)

كأنّما يولدُ النّدى مَعَهمْ ... لا صِغر عاذر ولا هَرمُ

هذا ينظر إلى قول أبي تمام:

أنا ابن الذينَ أستُرضعَ المجد فيهمُ ... وربّى فيهمْ فهو ناشٍ ويَافعُ

قال يزيد بن محمد المهلبيّ:

قومٌ يسرون ما يولونَ من حُسن ... حتى كأنّهمْ إِنْ أحسنوا احْترموا

فبيت أبي الطيب فيه صفتان وتطبيق إن كان أراده فقد قصد فيه لأن ضد الكشف التغطية والكتمان للإعلان وبيت المهلبي وإن كانت فيه صفة واحدة فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه فزيادة الصفة بالزيادة في المعنى، فهو أحق بما قال.

وقال المتنبي:

تظن من فَقْدِكَ اعْتدادهُمُ ... أنّهمُ أنْعموا وما عَلِمُوا

هذا إن شاء مدخل أن يدخله في الهجاء أدخله لو كان قال إنهم قد نسبوا الذي فعلوا في غير هذه القافية لأصاب فأما توهمه أنّهم أحسنوا وما علموا فقد جوّز عليهم فساد الحسن وبلادة الذّهن في قلة علمهم بما صنعوا، ويدخل ذلك في

(1/473)

قول أبي القاسم الأعمى في الحسن بن وهب يهجوه:

إِنّ ابن وهب مُحيل في تناهيه ... ما كانَ يدري أأعطى المال أم حَرما

لكنّها خطرات مِنْ وساوسه ... يُعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما

والجيد الذي قد يحترز منه قول منقذ بن عبد الرحمن الهلالي:

لا تنكرن في صنيعةٍ سَلَفَتْ ... مِنكَ وإنْ كُنت لَست تُنكرها

عند امرئ أنْ تَقول إنْ ذكرت ... يوماً من الدهر لست أذكرها

فإِن أحياها أماتها و ... إن منّ بها يكدّرها

ويقرب من قول الخريمي:

زادَ معروفك عِنْدي عظماً ... أنّهُ عِندكَ مَستورٌ حقيرُ

تَتناساهُ كأنْ لمْ تأتهِ ... وهو عند الناسِ مَشْهورٌ خَطيرُ

(1/474)

أمر الهلالي بأن لا يظهر تلك الصنيعة وإن كنت ذاكراً لها من طريق الكرم والأدب، ولم يطلق عليهم أنّهم قلة يحسنون ولا يعلمون. وقال الخريمي: أنت تتناسى المعروف كأنك لم تأته تناسياً لأنه يأتي الجميل ولا يعلم وإذا كان معنى المتقدم أصح وأرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.

وقال المتنبي:

أو حلفوا بالغُموس واجْتهَدوا ... فقولهم:) خابَ سَائلي (القَسمُ

المليح من هذا البيت أن الغموس من الإيمان وهي التي تغمس صاحبها في الإثم أن يقول:) خاب سائلي (وهذا المعنى موجود في قول الأشتر:

وفَرتُ وفري وانحرْفتُ عن العُلا ... فلقيتُ أضْيافي بوجْهٍ عَبُوسِ

إِنْ لمْ أشُنَّ على ابن هندٍ غارةً ... لم تخلُ يوماً من ذهاب نفوسِ

خيلاً كأمثالِ السعالي شُزباً ... تعدو ببيضِ في الكريهةِ شُوسِ

حمى الحديدُ عليهمْ فكأنَّهمْ ... لمعانُ برقٍ أو ضياءُ شُموسِ

فقسمه في هذا الضروب من المكارم أرجح من قسم من مدحه أبو الطيب في الكرم.

وقال المتنبي:

(1/475)

أو شَهِدوا الحرب لاقحاً أخَذوا ... من مُهجِ الدارعِينَ ما احْتَلموا

وهذا يقرب من قول ابن المعتز في كلاب الصيد:

إِنْ أطلقت من قدِّها لم ترها ... إِلاّ وما شاءت من الصيدِ لَها

وقال المتنبي:

تُشْرق أعراضُهُمْ وأوجههُمْ ... كأنّها في نُفوسِهمْ شِيَمُ

يشبه قول الحسين بن دعبل:

أما تَرى غرة النيروز مشرقةً ... كأنَها بعض ما تُسديه مِنْ كَرمِك

وقال المتنبي يصف البحيرة:

فهي كماويَّةٍ مطوّقةٍ ... جُرّد عنها غَشاؤها الأدمُ هذا مولد من قول بعض الأعراب:

كأنّ هُلاله مرآة قَين لَها ... شطرُ يلوحُ مِن الغلافِ

وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه، وإن فارق ما قصد به إليه، شبه أبو الطيب البحيرة بالمرآة، والروض بغشاء الأديم، وشبه هذا الهلال الذي هو دون كمال ببعض امرأة تبدت من غلافها، وكلاهما تشبيه حسن.

وقال المتنبي:

أبا الحسين أستمعْ، فمَدحكمُ ... في الفعلِ قَبْل الكلامِ مُنْتظِمُ

هذا من قول ابن الرومي:

لو سكتَ المادحونَ لأجتلب ... المدحُ له نفسه ولا انْتظما

وهذا يدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:

أعِيذكُم من صُروفِ دَهْركُم ... فإِنَّه في الكِرامِ مُتَّهَمُ

قال ابن أبي فنن:

أودى الزمان بإِخواني ومزّقهم ... إِنَّ الزمانَ على الإِخوانِ مُتّهمُ

وقال الحصني:

ما زلتُ قيه لريب الدهر متهماً ... إِنَّ الزمانَ على الأحرارِ مُتهَمُ

وبيت الحصني أملح الأبيات لأنه قد ردّ أعجاز الكلام على صدوره

(1/477)

والأحرار أرجح من الإخوان) والكرام أرجح منهما (فهو أرجح كلام منهما وأولى بما سبق إليه.

يليها قصيدة أوّلها:

دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا ... لأهله وشفى أنّاً ولا كربا

سرق هذا البيت من الوائلي وكانت معاملته متصلة في أخذ معانيه وذلك قوله:

سأشكر الدمع إنّ الربع كان له ... حقٌّ فقام له عند نَواجيه

وقال المتنبي:

عجباً فأذهبَ ما أبقى الفراقُ لنا ... من العُقُول وما ردَّ الَّذي ذَهَبا

ما طلب الباقي لم يردّ الماضي، وفي هذا الشعر شبيه بما أنشد فيه أبي رحمه الله قال: أنشدنا أبو الحسن جحطة وهو:

يا كبدُ أفنى الهوى جَلهاً ... مِنهُ بالذاعِ وإحراقِ

(1/478)

حتّى إِذا أنفسها ساعة ... كَرتْ يدُ البينِ على الباقيِ

وكأن البين أخذ ما بقي فيها يقارب المعنى والكلام أعذب من الكلام وإن كان أبو الطيب قد اختصر وجاء ببيتين في بيت واحد فنحن نجعل عذوبة اللفظ بازاء الاختصار والسابق أولى به وقال المتنبي:

سَقيتُه عبراتٍ ظَنّها مطراً ... سَوائلاً من جُفُونٍ ظَنَّها سُحُبا

الربع لا ظن له ولا يقين استعارة والمعنى من قول أبي تمام:

مطرٌ من العبرات خَدِّي أَرضُهُ ... حتَّى الصَّباحِ ومقلتاي سَماؤُه

فذكر الدموع وموقعها، وأين تقع، فَوَفّى الكلام أقسامه، ولم يذكر أبو الطيب إلا العبرات والجفون الذي يدل على المورد ولم يذكر المصدر وهذا ذكر المورد والمصدر فرجح وزاد في المعنى ما هو من تمامه.

وقال المتنبي:

ناءيتُه فَدنى، أدْنيتُه فَنأى ... جَمَّشتُهُ فَنبا، قَبلته فأبَى

قوله:) قبلته فأبى (إنما كان يجب أن يقول أردت تقبيله فأبى فيشتق وقوع الفعل للإباء، ولو قال قائل وقع يريد الضرب فأمتنع لم يكن كلام له حقيقة إنما الكلام أريد ضربه فأمتنع ولكنه على المجاز والتسامح يجوز وقد قال ابن بسام:

(1/479)

فأشربُ على الوردِ مِنْ وَرديةٍ عَب ... قتْ كأنّها خَدُ ريمٍ ريْمَ فأمتنعا

فقد أجتمع في هذا البيت مجانسة مليحة وألفاظ صحيحة فهو أرجح كلاماً من كلامه.

وقال المتنبي:

هامَ الفؤادُ بأعرابيةٍ سكنتْ ... بيتاً من القلبِ لمْ تحدد لهُ طُنُبا

أما معنى: سكنت بيتاً من القلب فكثير، من ذلك قول أبي تمام:

متى أنتَ عن ذُهْلِيّةِ الحَيِّ ذاهِلُ ... وصَدْركَ مِنْها مُدَّة الدَّهْرِ آهِلُ

فخبر عن سناها صدره وقال الآخر:

شطَتْ منازلُ مَنْ في القلبِ منازله ... وحلّ في كبدي ما لشيب أحْمِلهْ

ظَبيٌ تسبّب لي هجراً بلا سببٍ ... قَدْ حرم الله ما مني يحلَلهْ

هذا هو المستعمل فأما بيت من) في (القلب بلا طنب فغير مفيد.

وقال المتنبي:

مظلومةُ القدّ في تَشبيهه غُصناً ... مظلومةُ الرّيق في تَشبيههِ ضَرَبا

مظلومة لفظة مليحة، وقد قلت أنا في معناها:

تجاوزَ الإِسرافَ في ظْلمهِ ... حتى لقدْ هَمَّ بإِسْرافهِ

(1/480)

فثغرهُ مظلومٌ مِسواكهِ ... وَخصره مظلومٌ أردافهِ

مِنْ ظْلمه جار على نَفْسِه ... كيف أرجِّي حُسْنَ إِنصافهِ

وقد قال ابن الجهم:

إِذا نَحْنُ شبَّهناك بالبدر طالعاً ... بَخسناكَ حظّاً أنت أبهى وأجْملُ

ونظلمُ إنْ قسناك بالليثِ مرّةً ... فإِنّكَ أحمى للحريمِ وأبْسَلُ

وقال آخلا:

قالت ظلوم وما جارتْ ولا ظلمت ... إنّ الذي قاسني بالبدر قد ظلما

وهذا البيت فيه من أسمها وفعلها مجانسة مليحة أو قد حشا البيت حشواً حسناً من قوله:) ما جارت ولا ظلمت (وهذا من الحشو السديد في المعنى المفيد وشاعره أحق به.

وقال المتنبي:

بيضاءَ تُطمعُ فيما تحت حُلَّتِها ... وعزَّ ذلك مطلوباً إِذا طَلبا

هذا يشبه قول القائل:

سألتكَ حاجة فَأَجَبْتَ عنها ... بأسرع ما يكون من الجوابِ

فلما رمتها رمت الثريا ... وأبعدُ ما يكون من السحابِ

وهذا المعنى غير أن المتنبي قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل

(1/481)

فهو أحق به ويشبه هذا أيضاً.

تحسبن من لين الحديث ذوائباً ... ويصدهن عن الخنا الإِسلام

وهذا البيت يدخل في قسم التساوي.

وقال المتنبي:

كأنّها الشّمسُ يُعيي كفَّ قابضِهِ ... شُعاعُها، ويراه الطَّرف مُقْتربا

هذا مأخوذ من جماعة منهم ابن أبي عيينة قال:

فقلتُ لأصحابي هي الشمس ضَوؤها ... قريبٌ ولكن في تناولها بُعْدُ

وقال آخر:

فأضحت مكان الشمس يقرب ضوؤها ... ويا بعدها عن ملمس المتناول

وقال المتنبي:

هي الشُمس يغشاني سُناها وَضوؤها ... ويعجز لمسي حين يطلبُها لمسي

(1/482)

وقال البحتري:

دانٍ على أيدي العُفاةِ وشاسعٌ ... عن كل ندٍّ في الورى وضريب

كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤُه ... للعُصبة السارينِ جدُّ قريبُ

وأعاد المعنى فقال:

دنوت تواضعاً، وبعدت قَدْراً ... فشأناك: أنحدار وأرتفاعُ

فذاك الشمس تُبعدُ أن تُسامى ... ويدنو الضوء مِنْها والشُّعاعُ

وجميع هؤلاء في المعنى أشعر منه لأن جميعهم جعل القرب للضوء والشعاع والبعد للجرم يقرب ضوؤها ويبعد لمسها والضوء عرض والشمس جرم لا يقع إلا على الأجسام، وأبو الطيب تعجب من عجز القابض شعاعها، ومن توهم أن الشعاع مما يمكن قبضه فهو مختل وهذا من رجحان كلام المسروق منه على كلام من أخذ عنه.

وقال المتنبي:

مَرّتْ بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جَانَسَ هذا الشَّادِنُ العَربَا

سؤاله لها: من أين جانس هذا الغزال العرب يشبه قول الحسين العرجي:

بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي مِنْكنَّ؟ أمْ ليلى من البَشرِ

(1/483)

ثم أتبع أبو الطيب بقوله:

فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشَّرى وهو من عجلٍ إِذا انتسبا

هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولا تعرفه الأعراب إنما قولها دع ذا وامدح فلاناً وقد تقدم أمثلته من أشعار المحدثين يساوي هذا.

وقال المتنبي:

لو حلَّ خاطرهُ في مقعدٍ لمشى ... أو جاهلٍ لصحا أو أخْرسٍ خطبا

أما صدره فينظر إلى قول القائل:

ومقعدُ قومٍ قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه مليّاً فأبصرا

فقوله:) أو جاهل لصحا (كان ينبغي أن يقول أو سكران لصحا أو جاهل لعقل فأما قوله:) أو أخرس خطبا (فكلام بليغ لأنه لو قال: أو أخرس نطق كان جيداً فأما خطب فنهاية لأنه ليس كل ناطق خطيباً وهذا المعنى موجود في قول ابن الرومي:

دعا الناس حتى أسمع الصمَّ لفظه ... وأنْطق حتى قال فيه الأَخارسُ

وهذا البيت قد شتت شمله من فرق جمعه على بيتين أحدهما المتقدم، وهو:) لو حل خاطره في مقعد لمشى (

(1/484)

والثاني بيت له آخر آخره) وأسمعت كلماتي من به صمم (فصار مقسم الجملة وإن كان لأبي الطيب بالخطابة زيادة يستحق بها المعنى.

وقال المتنبي:

إِذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إِذا احتجبا

ذكر أنه يحجب العيون عن رؤيته بالهيبة ولا يحجبه الحجاب لنور وجهه وقد قال مسلم:

حجبُ العيون فما يكادُ يبينه ... مِنْ وجههِ الإِهلال والتكبيرُ

فما زاد عن ذكر الهيبة، ولأبي الطيب رجحان يذكر معنى النور، وقد ولد هذا البحتري فقال: فأراني دونه الحجاب فما تستر عنهم آلاءه حجبه فالبحتري يقول: إنه محتجب غير محتجب الآلاء، وذكر أبو الطيب أنّه محجوب بالهيبة غير محجوب لنور وجهه فهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه وقال المتنبي:

بياضُ وجٍ يريكَ الشمس كالحةً ... ودرُّ لفظٍ يريك الدُّرَّ مخْشَلبا

(1/485)

جعل أبو الطيب كلام العامة لغة وأصلاً يبني عليه ويستند إليه أي عربي عرف المخشلب قط وفي أي شعر ورد الفصيح أو مولد حتى يجيز له.

وقال المتنبي:

عُمْرُ العدوّ إِذا لاقاهُ في رهجٍ ... أقلُّ من عُمْرِ ما يحوي إِذا وهَبَا

هذا بيت كثير الحشو لأنه إذا ذكر اللقاء فقد وجب أن يقل عمره إذا لاقى الممدوح وكان في رهج أو ضده، وجعل عمر ماله قليلاً بشرط وهو أن يهب وكان إمساكه عن أن يقول إذا وهب أعمّ وأتمّ لأنه يدل على بقاء ما يحويه كل زمان وعلى ضيّة في كل أوان إلا في الحين الذي يسخ له أن يهبه فهذا حشو غير مفيد ولا معنى سديد، والمعنى موجود في قول الوائلي:

إِنْ سمته كفر نعمى لا بقيتُ إِذاً ... إِلاّ بقاءَ لُهاهُ أو مُحَاربه

(1/486)

اللهم لا يكون إلا من مال فكأنّه قال: إلاّ بقاء ماله أو محاربه. فقد جمع المعنيين في عجز بيته فصار بالاختصار أولى بما قال.

وقال المتنبي:

تَوقَّه فمتى ما شئت تبلوَهُ ... فكُنْ مُعَاديهُ أو كُنْ لَهُ نَشَبا

هذا تكرير لمعنى الوائلي وفيه إلمام بقول مسلم:

تَظّلمَ المالُ والأعداءُ من يدهِ ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظلاّما

وقال أبو نواس:

ليتَ من كان عَدُوي ... كانَ لإِْبراهيمٍ مالا

هذا المعنى يقارب قول مسلم غير أن في بيت أبي نواس ضعفاً في نظامه وركاكة في كلامه، وبيت أبي الطيب أجزل وأفصح وأوفى وأرجح.

وقال المتنبي:

تَحْلو مذاقتُهُ حتى إِذا غَضَبا ... حالتْ فلو قطرتْ في الماءِ ما شَرِبا

جعل المذاقة تقطر وهي من عذوبة ألفاظه وهذا من الاستعارات وهو يشبه القائل:

(1/487)

لو أنْ ما تبتلني الحادثاتُ به ... يصبُّ في الماءِ لم يشرب من الكَدرِ

وقال ابن الرومي:

حلا لشفاه الذائقين وأنَّهُ ... على لَهواتِ الآكلين لَعلْقَمُ

وقال المتنبي:

وتغبطُ الأرضَ منها حيثُ حلَّ به ... وتحسدْ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا

عجزه عن قول علي بن الجهم:

وتَطْربُ الخيلُ إِذا ما علا ... مُتونَها، فالخيلُ تَسْتبشرُ

ونظر صدره إلى قول أبي تمام:

مَضى طاهرُ الأثوابِ لم تَبْق روضةٌ ... غداة ثَوى إِلاّ اشْتَهت أنّها قَبْرُ

غير أن أبا الطيب اختصر في بيت ما ورد في بيتين فهو بالاختصار أولى، وقال ابن دريد:

ومَنْ له تَخْشع الملوك ومَنْ ... تزهى به الخيلُ حين يركبُها

وقال المتنبي:

وكُلمّا لقي الدِّينارُ صاحِبُه ... في مِلْكه افْترقا من قبل يَصْطحبا

هذا يدل على أن الممدوح لا يجتمع عنده مال يجود به حمله إنما يفرق ديناراً دينارا وإنما يفرق

(1/488)

ديناراً دينارا لأن الدينار يفارق صاحبه قبل الصحبة، والعجيب أنه خبر بلقاء الدينار للدينار وسماه صاحباً له، واعلم بافتراق بتقدم الصحبة، وكيف يسمى صاحباً من لم يصحب وكيف يجتمع اللقاء والفراق في حال واحدة، وأصح من هذا قول مسلم:

تأتي البُدور فتُقنيها ضائِعُه ... وما يُدنّسُ منها كَفُّ مُنْتقِد

لا يعرف المال إِلا عند ناقله ... ويوم يجمعه للنِّهْبِ والبرد

وواهب البدور المجتمعة أجود من واهب الدينار بعد الدينار وقد دلّ بقوله:) لا يدنس منها كف منتقد (، لأنه إنما يأمر بنقدها ليخبرها وهي عند مجيئها توهب فلا معنى لنقده وزاد) بأنه (بقوله: -) لا يعرف المال إِلا عند ناقله (.

وذكر أنه يجمعه ليبدده فذهب إلى معنى قول ابن الجهم:

ولا يجمعُ الأموالَ إِلاّ لبذْلِها ... كما لا يُساق الهَدْيُ إِلاّ إلى النحر

وقال النضر بن جؤيه:

قالتْ طريفةُ ما تبقى دَرَاهِمُنَا ... وما بنا سَرفٌ فيها ولا خُرُقُ

إِنّا إِذا اجتمعتْ يوماً دَراهُمنا ... ظلّت إلى طُرقِ المعروفِ تَسْتَبِقُ

فذكر اجتماعاً يقع بعده تفريق وذكر أنها تستبق إلى طرق المعروف فاحتاط لأنها قد تنصرف في تبذير وشهرة محرمة ولم يحتط أبو الطيب فكلام ابن جؤية أرجح فإن قال قائل قد قال بعد هذا:

(1/489)

ما يسكنُ الدرهمُ المنقوش صُرَّتنا ... إلا يمرُّ عليها ثُمّ ينطلقُ

قيل له قد خبر عن الدرهم أنه قد يسكن صرته فقد قارب معنى أبي الطيب لأنه يريد الجنس لقول العرب قل الدينار والدرهم في أيدي الناس فيكتفي بالواحد الدليل على جنسه من الجمع فهذا مراده، فإن قال قائل: كيف يكثر عندهم ما ليس في صرّتهم، قيل لهم جمع المال في الصرار يصلح للاقتناء وإنما يريد أن المال إذا جاءهم فرّقوه لوقته قبل ذلك.

وقال المتنبي:

مالٌ كأنَّ غُرابُ البينِ يَرقُبهُ ... فكلّما قيلَ هذا مُجتدٍ تَعبا

قال بعض النحويين المحققين بتفسير كلام أبي الطيب: إن معنى هذا البيت أن غراب البين متصل الصياح كاتصال عطاء هذا الممدوح وليس النحو من صناعة الشعر، وإنما يقع على معاني الشعر فطن الذهناء وتستخرجه قرائح العقلاء كما قلت أنا في بعض النحويين:

عليك بالنحو لا تعْرضْ لصنْعِتنا ... فإِنَّ شِعْركَ عِنْدي أشْهَرُ الشُّهرِ

لوْ كان بالنّحو قولُ الشَّعرُ مكتسباً ... كانَ الخليلُ به أحْظى من البشرِ

وإنما أراد أبو الطيب: أنّ غراب البين إنما ينعب لفراق، فإذا رأى الغراب

(1/490)

مجتدياً علم أنّ أبياته سبب لفراق المال فنعب لذلك، وليس ما ذهب إليه النحوي بشيء.

وقال المتنبي:

هَزّ اللّواءَ بَنُو عجلٍ به فَغَدا ... رأساً لهمْ وغدا كلٌّ لهُمْ ذَنبا

هذا من قول الحطيئة:

قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهُمُ ... فَمِنْ يساوي بأنفِ الناقةِ الذَّنبَا

قال أبو دلف:

لا تحسبيني ذَنباً لِمَنْ غلب ... نَحنُ رؤوس الناسِ والناسُ ذَنْبُ

وقال ابن الرومي:

قومٌ هم الرأس إذ حسّادهم ذنبٌ ... ومن يُمثّلُ بين الرأْس والذنب

وكل هذه المعاني متساوية.

وقال المتنبي:

مُبرقعي خَيلهم بالبيضْ مُتّخذي ... هامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبا

يشبه قول أبي تمام:

مِنْ كلّ ذي لِمّةٍ غَطَّتْ ضفائرُها ... صَدر القناةِ فقد كادت تُرى عَلما

فشبه الضفائر المنشدة بالعلم وأحتاط بأن قال: كادت وأما إلهام نفسها فلا تشبه العذب وقال ابن الرومي:

تطيرُ عليه لحيةٌ منه أصبحتْ ... لهُ رايةٌ يهدى بها الجيْش مطْردُ
فالضفائر واللحى أشبه بالأعلام والمطارد من إلهام.
وقال ابن المعتز:
ويجعلُ هامات أعدائِهِ ... قلانس يُلبسهُنَّ الرِماحا
وما في تشبيهه بعد وجميع هذه التشبيهات أصح وأرجح من تشبيهه وهم بالمعنى أحقّ.
وقال المتنبي:
مراتبُ صعدتْ والفكرُ يتبعُها ... فجازَ وهو على آثارها الشُّهبا
يقرب منه ابن الرومي:
وسمت هِمّتي فجاوزت العُي ... وق بعداً، وجازت العيّوقا
ويقرب منه قول البصير:
سَما بالأمير الفتح بيت مُشيد ... له فَوق أفلاك النجوم مَراتِبُ

(1/492)


وقال المتنبي:

محامدٌ نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت مِنهُ ولا نضبَا
هذا يقرب منه وينظر إليه قول أبي تمام:
فلو كان يفنى الشّعر أفناه ما قرتْ ... حياضُكَ مِنهُ في العُصُور والذواهبِ
ولكنَّه صوب العُقول إذا انجلت ... سَحائبُ منهُ أعقبتْ بِسحائبِ
وقال ابن الرومي:
أصبحتَ بحر سماحٍ غير منتزفٍ ... لاقاه بحرُ ثناءٍ غير منترفِ
وما عبر عنه بأن نزف فقد نضب أو قارب النضوب، فهي عبارة رديئة.
وقال المتنبي:
مكارمٌ لك فُتّ العالمين بها ... مَنْ يستطيعُ لأمرٍ فائتٍ طلبا
ينظر إلى قول البحتري:
أيها المُبتغي مساجلةَ) الفت ... ح (تَبغيتَ نيلَ ما لا ينَال

(1/493)


وقال المتنبي:

بِكل أشعث يلقى الموتَ مُبْتَسماً ... حتّى كأنَّ لهُ في قتله أربا
هذا مثل قول أبي تمام:
يَستعذبونَ مناياهُم كأنَّهم ... لا ييأسونَ من الدُّنيا إذا قُتِلوُا
وقال الوائلي:
تأتي الوغى عجلاً كأنَّك تبتغي ... طُولَ البقاءِ من الفناء الأَعجل
فبيت أبي تمام وبيت المتنبي يدخلان في قسم التساوي، فأما قول الوائلي فذكر أنه يأتي الوغى كأن له طيب بشيء وأعذبه عنده من البقاء الفناء الأعجل فكلامه أرجح فهو أولى بما أخذ منه.
يليها قصيدة أولها:
فُؤادٌ ما تسليّه المُدامُ ... وعمرٌ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
عجز هذا البيت من قول البحتري:
أرى غفلة الأيام إعطاءَ مانعٍ ... يصيبك أحياناً، وحلْمَ سَفيه
) فإعطاء مانع، مثل قوله: ما تهب اللئام، وقد قال جحظة:
يا ذل عرسة لنا بطعامٍ ... وشرابِ نزر كنيل البخيل

(1/494)


والبحتري أحق بالمعنى بزيادته تشبيهاً فقد زاد في كلامه ما هو من تمامه بقوله:) حلم سفيه (فصار أحق بقوله.

وقال المتنبي:
ودهرٌ ناسهُ ناسٌ صِغارٌ ... وإن كانت لهم جُثثٌ ضِخَامُ
قال الحصني:
إذا اعترضوا فأجسامٌ ضِخام ... وإن عجموا فأخلاقٌ صِغارُ
ولا فرق بينهما في مبنى ولا معنى فالأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن مَعدنُ الذَّهبِ الرَّغامُ
أخذه من قول علي بن بسام:
إذا ما المرء كانَ له خصالٌ ... تزينه وترقعُ منه عرضه
فَليس يصبر إن لم يعتقله ... فيزرعُ من ذوي الأحساب عضه
فأصل المعدنِ المطلوب صَخرٌ ... وفيه عروقه ذهبٌ وفضه
فالذهب معدنه الصخر لا التراب فقول علي بن محمد بن بسام أصح ولكن قول أبي الطيب أخصر.
وقال المتنبي:
ُأرانبُ غير أنهمُ ملوكٌ ... مفتحةٌ عيونهُمُ نِيامُ
هذا معنى فتحه أبو تمام بقوله:
انقطعت هاجعهُمْ وهل يغنيهُمُ ... سهرُ النواظِرِ والعيونُ نِيامُ

(1/495)


ويشبه قول القائل:

وخبرني البوابُ أنّك نائمٌ ... ولكن إذا استيقظت أيضاً فنائِمُ
وقال المتنبي:
خليلكَ أنتَ، لا من قلت خِلّي ... وإن كثر التجملُ والكلامُ
يقرب من قول القراطيسي:
وما أحد يكون أشد نُصحاً ... علمت مكانه مني لنفسي
وكلام المتنبي فيه شرح واضح ولفظ راجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ولو حِيز الحِفاظُ بغيرِ عقل ... تجنب عُنقَ صيقلِهِ الحُسامُ
يقول أبو الطيب: لو كان السيف بغير عقل له حفاظ لوجب أن يتوقى عنق صيقله لأنه هو الذي أرهفه وصيّره قاطعاً ولوجب أن يحفظ الصقل عنايته لجماله وتزينيه ولكنه لا يحفظ ذلك لكونه غير عاقل وإنما جعله تشبيهاً للإنسان الذي هو غير عاقل وقد أشار له إلى هذا المعنى ابن الرومي فقال:
قد يميط القذى عَنْه ويعض ... منا وليس في السيفِ عفو من صياقله

(1/496)


وقال المتنبي:

وشبهُ الشيء منجذب إليه ... وأشبُهنا بدنيانا الطَّغامُ
هذا يقرب من قول القائل:
دنيا تحيدُ عن الكرام وتنثني ... نحو اللئيم الساقط الوغَد
إن ساعدته فإِنّها أهل لهُ ... والقردُ مسلوك مع القرد
فكلام المتنبي جزل وهذا الكلام رذل فهو أحق بالبيت.
وقال المتنبي:
ولو لمْ يَعل إلا ذو مَحلٍّ ... تعالى الجَيشُ وانَحطّ القَتَامُ
هذا المعنى لم يبلغني من أين أخذه ولكن فتحه له ابن الرومي بقوله:
يا زماناً أحكامَهُ ... فَسروج الخيلِ تَعلوُها اللُّبودُ
وقد أكثر ابن الرومي في ارتفاع الوضيع وانحطاط الرفيع فمنه قوله:
دهرٌ علا قدرُ الوضيع بِه ... وغَدا الشريفُ يحطه شرفُهْ
كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤه ... سِفلاً، ويعلو فوقه جِيفُه
وقال أيضاً:
طارَ قومٌ بخفَّة الوزنِ حتّى ... لحقوا رفعةً بقاب العقابِ

(1/497)


ورسا الراجحونَ من جلّة النا ... سِ رُسُوّ الجبال ذات الهضابِ

لا وما ذاك للئام بفخرٍ ... لا، ولا ذاك للكرامِ بعابِ
هكذا الصخر راجح الوزن راسٍ ... وكذا الذُّر شائل الوزن هاب
جيف أنتنت فأضحت على الل ... جة والدر تحتها في حجاب
وغثاء علا عباباً من اليمّ ... وغاص المرجانِ تحت العبابِ
وجميع هذا من قول بعض العربيات:
قل للذي بصروف الدّهر غيرنا ... ما عاند الدهر إلاّ من له خَطَرُ
إنْ كان قدْ نشبت أيدي الزمان ... بنا ومسنا من تناهي صَفوه كدرُ
فقد نرى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... ويستقر بأقصى قعره الدررُ
وفي السماء نجوم ما لها عددٌ ... وليس يكسفُ إلاّ الشمس والقمرُ
وبيت أبي الطيب من قسم ما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إذا كانَ الشّباب السكر والشَّي ... بُ هُمّاً، فالحياةُ هي الحِمامُ

(1/498)


هذا بيت بني على صيغة بيت البحتري:

أبْرحَ العيشُ فالمشيبُ قذى في ... أعيُنِ البيض، والشَّبابُ جَمَالُ
وهو يساويه والبحتري بالتقدم أولى وأحق.
وقال المتنبي:
بأرض ما اشتهيتُ رأيتُ فيها ... فَليسَ يَفوتها للإّكِرَامُ
يقرب من قول فضيل الأعرج:
دُور تحاكي الجنان حُسناً ... لكن سُكانها خِساسُ
متى أرى الجيد ساكنيها ... وفي دهاليزها التِراس
وكلام أبي الطيب أجزل.
وقال المتنبي:
بِها الجبلان من فخرٍ وصخرٍ ... أنافا: ذا المغيث، وذا اللهام
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح ولولا ما تبع هذا البيت كان قد هجا الممدوح لما قدم في البيت الأول الذي قبله من عوز الكرام بهذه الأرض ولكنه أحتاط في مدحه بقوله:
وليستْ من مواطنِهِ ولكن ... يَمُّر بها كما مَر الغمام

(1/499)


أخذه من أبي تمام في قوله:

إن حنَّ نجدٌ وأهلوه إليك فقد ... مررتَ فيه مرور العارضِ الهطل
فقد زاد أبو تمام في كلامه ما هو من تمامه لأن الغمام قد يمكن أن تزيد سرعته في المضي وهذا مرور العارض الهطل يريد أنه إحياء من مرّ به بجوده الكثير فهو أرجح وأحق به.
وقال المتنبي:
سَقى الله ابن مُنجيةٍ سَقاني ... بِدَرٍّ ما لراضعه فِطامُ
هذا من قول ابن الرومي:
وقالوا ما فَواصِلهُ فقلنا ... عطاء ما لراضعه فِطَامُ
فهذا يقارب اللفظ المدعى هو معناه معاً، فهو أقبح أقسام السرقات.
وقال المتنبي:
تَلَذُّ لهُ المروءةُ وهي تُؤذي ... ومَنْ يعشقُ يَلذّ لَهُ الغَرامُ
وأتبعه:
تعلّقها هَوى قَيسٍ لليلى ... وواصلها فليس به سقامُ
وهذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام أخبرنا بالتذاذه بالمروءة التي يثقل حملها على الناس وشبه ذلك بالتذاذ العاشق الغرام وذكر أن تعلقه لها قيس لليلى وهي في نهاية التعلق بها وذكر أنّ مواصلته لها تؤمنه السقام الذي يقع من المقاطعة. وقد قال ابن الرومي:
عشق العلا وعشقتهُ فكأنَّما ... وافى هوى لبنى هوى ابن ذَريح

(1/500)


وقال ابن الرومي أيضاً:

أتحجبُ عنّي عشرة قد ومقتها ... فشوقي إليها شَوق قيس إلى ليلى
فالتشبيه كالتشبيه ولكنه زاد بقوله وواصلها فليس له سقام زيادة استحق بها المعنى.
وقال الخليع الحراني.
ما زال يوعدك التعشق لِلعُلى ... والمجد منية عروة بن حزام
هَب ذاك أغرمهُ الفراق فأنت لم ... أو المجد خدنك كنت خدن غرام
معنى هذا الكلام أن العشق إذا كان غراماً كان سقاماً إنما يحدث عن مقاطعة ويقول له فأنت مواصل فمن أين أتاك الغرام، وبالجملة فكلام المتنبي أرجح من جميع هذا كله وهو أحق بما) أخذ (.
وقال المتنبي:
يَروعُ ركانة، ويذوبُ ظرفاً ... فما تَدري: أشيخٌ أن غُلامُ؟
هذا يحسن أن يقال: لو كان كل شيخ ركيناً وكل غلام ظريفاً وإلا احتاج إلى أن يستظهر نبغت فيقول ما يدري أشيخ ركين أم غلام ظريف وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
غلامٌ حوى في أريحه دَهره ... ذكاءُ الفتى الزاكي وأبهةُ الكهل
فاحتاط على الفتى الزاكي ولم يحتط في الكهل، وقال ابن الرومي:
هو كهل الكهول حزماً وعزماً ... وهو ظرفاً يدعي فتى الفتيان
فاحتاط في الأمرين جميعاً بأن جعله كهل الكهول وفتى الفتيان وشرح

(1/501)


ولم يدع بقية قوله:

فتى ... إذا شِئت لا جهلاً ولا سفهاً كهلاً إذا شئت لا شيباً ولا جلحا
فتاهُ شرخ شبابي وكهله ... حلم، إذا شالَ حلم ناقص رجحا
وقال آخر:
وفتيانيهُ الظرفاءِ فيه ... وأبَّهة الكبير بغيرِ كبر
وجميع معانيهم أو في من معنى المتنبي، وفي البيت الأخير من لفظ الكبير والكبر مجانسة وزيادة من قول قائله هي من تمامه، وقد قال ابن الرومي:
نهتُ جَهلي نها وشيبتني ... لهاه فها أنا الشيخ الغلامُ
وقال المتنبي:
وقبضُ نوالِهِ شرفٌ وعزٌّ ... وقبضُ نوالِ بعض القومِ ذَامُ
أخذه من قول أبي خالد المهلبي:
شرفٌ للشريف مِنكَ نوالٌ ... رُبّ نيلٍ تعافهُ الأحرارُ
المعنى متساو ولأبي خالد زيادة في قوله:) للشريف (لأنه أبلغ في المدح لأنه قد يأخذ نواله وضيع فلا ينقصه أخذ ما أخذ، وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فقال:
تُدعى عطاياهُ وفراً وهي إن شُهرتْ ... كانت فخاراً لمن يعفوُهُ مؤتنقا

(1/502)


ما زلتُ منتظراً أعجوبةً عنفاً ... حتى رأيتُ نوالاً يقتضي شرفاً

فالبيتان مشتملان على معنى واحد من أنّ نواله شرف ولم يخبرنا عن نوال غيره واستوفى أبو الطيب في بيته معنى البيتين فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
أقامت في الرّقاب لهُ أيادٍ ... هي الأطواقُ والناسُ الحمام
قال أبو تمام:
مِنَنٌ منكَ في رقابِ أُناسٍ ... هي فيها أبقى من الأطواقِ
معنى أبي تمام: أنّ بقاء منن الممدوح كبقاء الأطواق في رقاب الحمام غير أنه ذكر الأطواق واكتفى بذلك عن ذكر الحمام فكان أبو الطيب أشرح كلاماً، وقد قال علي بن محمد بن بسام:
أبا علي لقد طوقتني نعماً ... طوقُ الحمامةِ لا تبلى على القدم
فهو يساوي أبا الطيب، وقال محمد بن حازم يصف أبياته:

(1/503)


وهًنّ إذا وسمتُ بهن قوماً ... كأطواق الحمائم في الرُقابِ

وهنّ وإن أقمت مسافراتٌ ... تهاداها الرّواة مع الرّكابِ
وهذا النوع مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إذا عد الكرامُ فتلكَ عِجْلٌ ... كما الأنواءُ حينَ تُعدُّ عامُ
وهذا كما قال ابن الرومي:
جمعن العُلا بالجودِ بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يَجمعها الشهرُ
فهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولو يمّمتهُمْ في الحشر تَجدو ... لأعطوك الذي صَلّوا وصامُوا
يقال جداه تجدوه، وفي هذا المعنى قول أبي تمام:
ولو قصرتْ أموالهُ عن سماحةٍ ... لقاسم من يجدوه شطر حَياتهِ
فإِنْ لم يجد في شركة العُمر حيلةً ... وجاز له الإِعطاء من حسناتهِ
لجادَ بها من غير كفرٍ لربّهِ ... وآساهُمُ في صَومهِ وصلاتِهِ
فالمعنى المعنى ولكنه في تطويل وتضمين وبيت أبي الطيب قد جمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما أخذ وإن كان قد أطلق عليهم السماحة بصلاتهم وصيامهم فهي مبالغة يمكن الطعن عليهم بها لأنها تدل على سماحهم بأديانهم واحتاط أبو تمام فقال:) من غير كفر لربه (فدّل على صحة الدين والجود معاً.
وقال المتنبي:
فإِن حلموا فإنّ الخيل فيهم ... خفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ

(1/504)


قصد الحلم السفه والجهل وضد الحلم عند أبي الطيب الخفة وليس كذلك إلا على التسامح في العبارة والمجازفة في الاستعارة ولو قال:

فإِن ثَقلوا فإِنّ الخيل فيهم ... خِفافٌ والرّماحُ بها عُرامُ
كان قد طابق بين الثقل والخفة والذي قاله أبو تمام:
عَليه مُطعن بطل حليم ... سَفيه السيف ذُو رُمحٍ جَهولُ
فجعل الحلم للرجل والسفه للسيف، والجهل للرمح ووفى مطابقته أقسامها ورجح كلامه فهو أحق بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
نُصرّعهُمْ بأعيننا حياءً ... وتنبوُ عن وجوههِم السّهامُ
فتصريعهم بالحياء حسن، نبوّ السهام عن وجوههم بلا علة توجيه إلاّ صلابة بشراتهم فهذا في الهجاء أدخل لما قال بعض الشعراء:
اللؤمُ أَكرمُ من وبرٍ ووالدِهِ ... واللّؤمُ أكرمُ من وبرٍ وما ولدا
لو أنّ حافرَ برذوني كأوجههمْ ... بني الزواني لما أنعلتهُ أبدا
فأما قول ابن الرومي:
فتى يتقي لحظَ العيون ويرعوي ... ويغشى رماح الحظّ مُشتبكات
أخذه من العكوك في قوله:
فتى يتقي مأثور ما يتقي الفتى ... ويغشى المنايا والرماح دَواني
فالمعنيان يدلان على أن القوم ممدوحون بالحياء والشجاعة فأما نبو السهام

(1/505)


عن وجوههم فلا نصيب له في المدح، وينظر إلى قول العكوك وابن الرومي قول أبي دلف:

نحنُ قومٍ تذيبنا الحدقُ النحل ... على أننا نذيبُ الحديدا
لا نصدّ الوجوه من خشية الناس ... ونخشى من الغواني الصدودا
وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بِشرٌ الملكُ الهُمامِ
فذكر أنه على شرفه واحد منهم وهو على الانفراد قبيلٌ وحده، وأحسن من هذا قول ابن الرومي:
قالوا أبو الصقر من شَيبان قُلت لهم ... كلا لعمري ولكن مِنه شيبان
وكم أبٍ قد علا بأبن ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان
تَسمو الرجال بآباء وآونة ... تَسمو الرجال بأبناء وتزدان
جعل شيبان منه ولم يجعله منهم ذهاباً به عن الإضافة إلى أحد وذكر أنها على ارتفاعها ترتفع به، وأبو الطيب إضافة إليهم وابن الرومي أرجح كلاماً وأبلغ في معناه فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
لقد حسنتُ بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزَّمنِ ابتسامُ

(1/506)


يشبه قول ابن الرومي:

قعدت بِك الدنيا وما ظلمت ... مفترة عَنْ كل مبتسم
وقال البحتري:
فأبقَ أنساً لهُ فما ضحِكَ الدَّه ... رُ إلينا إلاّ وعَنْكَ إفترِارُهْ
وقال ابن الرومي أيضاً:
أناسٌ إذا دهرٌ تبسم ضاحكاً ... فعنهم وعن آبائهم يبتسمُ
فذكر الابتسام ولم يذكر فماً وهي استعارة يجوز فيها أن يراد بها بهجة الدهر وبشاشته، وأبو الطيب جعل للدهر فماً وشبه بابتسامة فحقق المعنى وملح فرجع كلامه.
ويتلو هذه قصيدة أولّها:
لجنّيةٍ أم غادةٍ رُفِعَ السجفُ ... لوحشية؟ لا. ما لوحشيةٍ شَنْفُ

(1/507)


معلوم أن هذا الكلام سؤال متباله يسأل من أي الجنسين هي، وهو يعلم أنها بشر ولا أعلم من خبره أنّ الجن لأحسن منظراً من الأنس حتى يسأل من أي الجنسين هي، فأما قوله:) لوحشيّة؟ لا ما لوحشية شنف (.

فمستعمل من ذلك قول أبي تمام:
لم يُخطك الجيدُ مِنْ غَزال ... لو عطّلوه من السحابِ
فأنكر هذا الشنف كما أنكر هذا السحاب، وقد أنشدني أبي رحمه الله قال: أنشدنا ابن دريد:
أعنْ الشّمس عشاءً ... كشفَتْ تلك السجوفُ
أمْ على لبتي غزال ... عُلّقت تلك الشُّنوفُ
فسأل هل كشف السجوف عن الشمس، وهل تعلق الشنوف على لبتي الغزال لتشابه المعنيين عنده، فهو تباله مليه مع علم ليدل على قوة الشبه بين المشتبهين، والقرط ما كان في شحمة الأذن من أسفل، والشنف ما كان في حياز الأذن من فوق.
وقال المتنبي:
وخُيِّلَ مِنها مرطُها، فكأنَّما ... تَثنّى لنا خوطُ ولاحَظنا خِشْفُ
فتخيل مرطها إياها يعمل لها حركة في قدها يشبه بها الخوط ولا عمل لتخييل مرطها في لحظها وهذه صفات متداولة منها قول ابن الرومي:

(1/508)


إن أقبلتْ فالبدر لاح، وإنْ مشتْ ... فالغصنُ مال، وإن رنت فالرّيمُ

فإن كان الناظر في كتابنا يحتسب بهذه الشبهات المتداولات المستعملات فبيت ابن الرومي لا مطعن في أقسامه، وأبو الطيب لم يذكر في شعره غير لحظها وقدها وذكر ابن الرومي وجهها وقدّها ولحظها فكلامه أرجح وهو أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
زيادةُ شيبٍ وهي نقص زيادتي ... وقوةُ عشقٍ وهي من قُوّتي ضَعفُ
صدره من قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
الشوقُ يزدادُ كُلَّ يومٍ ... إليك والجسمُ في انتقاصِ
ومثله قول القائل:
زيادةُ عمر المرء نقص حياته ... فَما عجب من نُقصانِه من تَمامه
ويقرب منه قول البحتري:
أدلّةُ المرء أيّامٌ عددنَ لهُ ... يرينهُ الفضل تقويماً وإرشاداً
وقدْ يُطالبن ما قدّمنَ من سلف ... فيه وينقصهُ الفضل الذي ازدادا
وينظر إلى قوله قول ابن الحاجب:
أكرهُ الموت والزيادة في أيام ... عمري نقصان عُمر السواد
وقد أتفق لأبي الطيب من ذكر الزيادة والنقصان والقوة والضعف ما صار به

(1/509)


أجود صنعة بالزيادة في كلامه ما هو من تمامه وهذه معان تدخل في قسم المساواة.

وقال المتنبي:
هراقَتْ دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حَلفُ
هذا يشبه قول الشاعر:
وجدتُ بي ما وجدتُ بها ... فكِلانا مغرمٌ دَنِفُ
وعلى الأيام مظلمتي ... هلْ من الأيام منتصفُ
وقال المتنبي:
ومَنْ كلما جرّدتها من ثيابها ... كَساها ثياباً غيرها الشّعرُ الوحفُ
من بلغ إلى تجريد محبوبه من ثيابه فقد بلغ نهاية مناه وبغية هواه فلم يهرق دمه، فأما المعنى فقد قال أبو تمام:
من كلّ فتنانة تَردّى ... بِثوبِ فينانها الأثيثِ
فقد تساوى المعنى ولكن أبا الطيب أكثر إبانة وأرجح بالإبانة والجزالة فهو أحق بالمعنى.
وقال المتنبي:
وقابلني رُمّانتا غُصن بانةٍ ... يميلُ به بدرٌ ويمسكُهُ حِقْفُ
إضافته الرّمانتين إلى غصن البانة يدل على أنّ أغصان ألبان من ثمرها الرمان، وقد عرفنا مقصده إنما شبه الثديين بالرمانتين وقدها بالغصن وأرانا جمع حلقها غرائب لا تجتمع ولا تقع إلا فيه ولو أمكنه أن يقول:) رمانتان في غصن بانة (

(1/510)


.....، كان أسوغ في مقصده، كما قال ابن الرومي:

أغصان بانٍ عليها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل ألبان
فكل تعجب مما ليس في العادة إجماعه، فأما إطلاق اللفظ على الرمان أنه من ثمر ألبان بغير مقدمة توضح مراده فلا أستحسنه هاهنا وقوله:) يميل به بدر (فالبدر وجهه وليس يميل وجهه بقده لأن إذا مال مال بوجهه حيث يميل، وابن الرومي أشعر منه في إتيانه أن الفواكه ليس مما يحمل ألبان، فدل على أن المراد التشبيه لا الحقائق وهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
أرددُ) ويلي (لو قضى الويل حاجةً ... وأكثر) لهفي (لو شفى غلةً لهفُ
يشبه قول البحتري:
فيا أسفاً لو قابلَ الأسفُ الجوى ... ولهفاً لو أَن اللهف في ظالمٍ يُجدي
وهذا من قسم المساواة، وقال ابن الرومي:
أسفي لو أنّ قولي أسفي ... كان يشفيني من حر الأسف
وقال المتنبي:
ضَنَىً في الهوى كالسُّم في الشَّهد كامناً ... لذذت به جهلاً وفي اللّذةِ الحتفُ
هذا من قول إبراهيم بن المهدي:
يشوب بنادي النصح غِشّاً يسره ... كما خيض بالسم الرحيقِ المُشعشع

(1/511)


وقال أبو تمام:

أعلى يا ابن الجهم أنَّك دقت لي ... خمراً وسماً في إناءٍ واحدِ
ويقرب من هذا قول القائل:
إذا استوحشتَ مِنْ رجلٍ ... فكُن منه على وجَلِ
ولا يغرركَ ظاهرُهُ ... فباطنُهُ على دَغَلِ
فقد يُلفي حِمامُ المو ... تِ بين السمِّ والعَسلِ
فجاء بالسم والعسل كما جاء به وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه، ومثله لأبي الشيص:
أعلّلُ آمالي بكانت ولم تكن ... وذلك طعمُ السمِّ والسهد في الكأسِ
وبيت أبي الطيب أفصح وأرجح.
وقال المتنبي:
فأفنى وما أفنته نفسي كأنَّما ... أبو الفرجِ القاضي لهُ دونها كَهفُ
الهاء في) أفنته (عائدة على أفنى، أي نفسي ولا أفنيه كأن الممدوح كهف للضنى دون أن تفنيه نفسي، فقد أراد الخروج المليح إلى المديح ولم يظفر بمعنى فائق ولا جاء بحفظ رائق.
وقال المتنبي:
قليلُ الكرى لو كانت البيضُ والقنا ... كآرائهِ ما أغنتْ البيضُ والزَّغفُ

(1/512)


قال أبو تمام:

وأستلَّ من آرائِهِ الشُّعلَ التي ... لو أنهُنَّ طُبعنَ كُنَّ سُيوفا
لم يزد أبو تمام على أنّ أراهم لو طبعن كدن سيوفاً، وأبو الطيب يذكر أن السيوف لو كنّ كآرائه ما أغنت البيض والزغف أي لقطعن ما لا تقطع السيوف فلفظه أرجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
يقومُ مقامَ الجيشِ تقطيبُ وجههِ ... ويستغرق الألفاظ مِنْ لفظهِ حَرفُ
قال البحتري:
وإذا خِطابُ القوم في الخطبِ اعتلى ... فَصل القضيةَ في ثلاثةِ أحرفِ
فقد جاء أبو الطيب في صدر بيته بمعنى، وجاء في عجز البحتري ونقصنا حرفين فهو أرجح وأولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
وإن فَقَدَ الإِعطاء حنت يمينُهُ ... إليه حنينَ الإِلفِ فارقَهُ الإِلفُ
وهذا يقارب معنى أبي تمام:
واجدٌ بالجميل من رُحاءِ الشّ ... وقِ وجدانَ غَيرِهِ بالحبيبِ
فأما قول البحتري:
يحنُّ إلى المعروف حتى يُنيلَهُ ... كما حنَّ إلف مستهامٌ إلى إلفِ
فهذا أخذ واضح يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى هو ومعناه معاً والبحتري أحقّ بقوله.
وقال المتنبي:
أديبٌ رستْ للعلمِ في أرض صَدرِهِ ... جبالٌ، جبالُ الأرضِ في جنبها قُفُّ