المقتضب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المقتضب
المؤلف: المبرد


Wikipedia logo اقرأ عن المقتضب في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

هَذَا تَفْسِير وُجُوه الْعَرَبيَّة وإعراب الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال

فَالْكَلَام كلّه اسْم وفِعل وحرف جاءَ لِمَعْنى لَا يَخْلُو الْكَلَام عربيّا كَانَ أَو أَعجميّا من هَذِه الثَّلَاثَة والمُعْرَب الِاسْم المتمكن وَالْفِعْل الْمُضَارع وسنأْتي على تَفْسِير ذَلِك كلِّه إِن شَاءَ الله أما الْأَسْمَاء فَمَا كَانَ وَاقعا على معنى نَحْو رجل وَفرس وَزيد وَعَمْرو وَمَا أشبه ذَلِك وتعْتَبِرُ الأسماءَ بِوَاحِدَة كلُّ مَا دخل عَلَيْهِ حرف من حُرُوف الجرِّ فَهُوَ اسْم وَإِن امْتنع من ذَلِك فَلَيْسَ باسم وإعراب الْأَسْمَاء على ثَلَاثَة أضْرب على الرّفْع وَالنّصب والجرِّ فأمّا رفع الْوَاحِد المعرب غير المعتلّ فالضَّمُّ نَحْو قَوْلك زيدٌ وعبدُ الّله وعمرٌ وونصبه بِالْفَتْح نَحْو قَوْلك زيدا وعمراً وعبدَ اللهِ وجرّه بالكسرة نَحْو قَوْلك زيدٍ وعمرٍ ووعبدِ الله فَهَذِهِ الحركاتُ تسمّى بهذِه الأسماءِ إِذا كَانَ الشيءُ مُعْرَبا فَإِن كَانَ مبنيّا لَا يَزُول من حَرَكَة إِلَى أُخْرَى نَحْو حيثُ وقبْلُ وبعْدُ قيل لَهُ مضموم وَلم يُقَل مَرْفُوع لأنّه لَا يَزُول عَن الضمِّ و " أيْنَ " و " كيفَ " يُقَال لَهُ مَفْتُوح وَلَا يُقَال لَهُ مَنْصُوب لأنَّه لَا يَزُول عَن الْفَتْح وَنَحْو هؤلاءِ وحذَارِ وأمسِ مكسور وَلَا يُقَال لَهُ مجرور لِأَنَّهُ لَا يَزُول عَن الْكسر وَكَذَلِكَ مِنْ وهلْ وبلْ يُقَال لَهُ مَوْقُوف وَلَا يُقَال لَهُ مجزوم لِأَنَّهُ لَا يَزُول عَن الْوَقْف وَإِذا ثَنَّيْت الْوَاحِد ألحقْتَه الْفَا ونونا فِي الرّفْع أمّا الْألف فإنَّها عَلامَة الرّفْع وأَمّا النُّون فَإِنَّهَا بدَل من الْحَرَكَة والتنوين اللَّذين كَانَا فِي الْوَاحِد فَإِن كَانَ الِاسْم مجروراً أَو مَنْصُوبًا فعلامته ياءٌ مَكَان الأَلف وَذَلِكَ قَوْلك جاءَني الرّجلَانِ وَرَأَيْت الرجليْن ومررت بالرجلَين يَسْتَوِي النصب والجرّ فِي ذَلِك وتُكْسَر النُّون من الِاثْنَيْنِ لعلَّة سنذكرها مَعَ ذكر اسْتِوَاء الجرّ وَالنّصب فِي موضعهَا إِن شاءَ الله فَإِن جمعت الِاسْم على حدّ التَّثْنِيَة أَلحقته فِي الرّفْع واوا ونونا أمّا الْوَاو فعلامة الرّفْع وأمّا النُّون فَبدلٌ من الْحَرَكَة والتنوين اللَّذين كَانَا فِي الْوَاحِد وَيكون فِيهِ فِي الجرّ وَالنّصب ياءٌ مَكَان الْوَاو وَيَسْتَوِي الجرّ وَالنّصب فِي هَذَا الْجمع كَمَا اسْتَويَا فِي التَّثْنِيَة لأَنَّ هَذَا الْجمع على حد التَّثْنِيَة وَهُوَ الْجمع الصَّحِيح وإِنما كَانَ كَذَلِك لأَنَّك إِذَا ذكَرت الْوَاحِد نَحْو قَوْلك مُسْلم ثُمّ ثَنَّيْتَهُ أَدَّيْتَ بناءَه كَمَا كَانَ ثُمّ زِدْت عَلَيْهِ ألفا ونونا أَو يَاء ونونا فَإِذا جمعته على هَذَا الحدّ أدّيت بناءَه أَيْضا ثُمّ زِدْت عَلَيْهِ واوا ونونا أَو يَاء ونونا وَلم تغيّر بناءَ الْوَاحِد عمّا كَانَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَكَذَا سَائِر الْجمع لأَنَّك تكْسِر الْوَاحِد عَن بنائِهِ نَحْو / قَوْلك دِرْهَم ثُمّ تَقول دَرَاهِم تفتح الدَّال وَكَانَت مَكْسُورَة وتكسر الهاءَ وَكَانَت مَفْتُوحَة وتفصل بَين الراءِ والهاءِ بأَلف تُدْخلها وَكَذَلِكَ أَكْلُب وأَفْلُس وغِلْمان فَلذَلِك قيل لكلّ جمع بِغَيْر الْوَاو وَالنُّون جمع تكسير وَيكون إِعرابه كإعراب الْوَاحِد لأَنَّه لم يأْتِ على حدِّ التَّثْنِيَة وَنون الْجمع الَّذِي على حدّ التَّثْنِيَة أَبدا مَفْتُوحَة وإِنما حرّكت نون الْجمع وَنون الْإِثْنَيْنِ لالتقاءِ الساكنين فحرّكت نون الْجمع بِالْفَتْح لأَن الْكسر والضمّ لَا يصلحان فِيهَا وَذَلِكَ أَنَّها تقع بعد وَاو مضموم مَا قبلهَا أَو يَاء مكسور مَا قبلهَا وَلَا يَسْتَقِيم توالي الكسَرات الضَّمَّات مَعَ الياءِ وَالْوَاو ففتحت وَكسرت نون الِاثْنَيْنِ لالتقاء الساكنين على أَصْل مَا يجب فيهمَا إِذا التقيا وَلم تكن فيهمَا مثل هَذِه العلَّة فتمتنع وإِذا جمعت المؤنَّث على حدّ التَّثْنِيَة فإِنَّ نَظِير قَوْلك مُسلمُونَ فِي جمع مُسلم أَن تَقول فِي مسلمة مسلمات فَاعْلَم وَإِنَّمَا حذفت التاءُ من مسلمة لأَنَّها علَم التأْنيث والأَلف والتاءُ فِي مسلمات علَم التأْنيث ومحال أَن يدْخل تأْنيث على تأْنيث فإِذا أَردت رَفعه قلت مسلماتٌ فَاعْلَم ونصبه وجرّه مسلماتٍ يَسْتَوِي الْجَرّ وَالنّصب كَمَا اسْتَويَا فِي مسلمِينَ لأَن هَذَا فِي المؤنّث نَظِير ذَلِك فِي المذكِّرَّ وإِنَّما اسْتَوَى الجرّ وَالنّصب فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع لاستوائما فِي الْكِنَايَة تَقول مَرَرْت بك ورأَيتك واستواؤهما أَنَّهما مفعولان لأَنَّ معنى قَوْلك مَرَرْت بزيد أَي فعلت هَذَا بِهِ فعلى هَذَا تجْرِي التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي المذكّر والمؤنَّث من الأسماءِ فأَمَّا الأَفعال فإِنَّا أَخَّرنا ذكرهَا حتّى نَضَعها فِي موَاضعهَا بِجَمِيعِ تَفْسِيرهَا إِن شاءَ الله

محتويات

هَذَا بَاب الْفَاعِل[عدل]

وَهُوَ رَفْع وَذَلِكَ قَوْلك قَامَ عبدُ الله وَجلسَ زيدٌ وإنَّما كَانَ الْفَاعِل رفعا لأَنَّه هُوَ وَالْفِعْل جملةٌ يحسن عَلَيْهَا السُّكُوت / وَتجب بهَا الفائدةُ للمخاطب فالفاعل وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة الِابْتِدَاء وَالْخَبَر إِذا قلت قَامَ زيد فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك الْقَائِم زيدُ وَالْمَفْعُول بِهِ نصب إِذا ذكرت مَن فعَل بِهِ وَذَلِكَ لأَنَّه تعدّى إِلَيْهِ فعل الْفَاعِل وإنَّما كَانَ الْفَاعِل رفعا وَالْمَفْعُول بِهِ نصبا ليُعْرَف الْفَاعِل من الْمَفْعُول بِهِ مَعَ العلَّة الَّتِي ذكرت لَك فَإِن قَالَ قَائِل أَنت إِذا قلت قَامَ زيد فَلَيْسَ هَهُنَا مفعول يجب أَن تفصل بَينه وَبَين هَذَا الْفَاعِل فإِن الْجَواب فِي ذَلِك أَن يُقَال لَهُ لمّا وَجب أَن يكون الْفَاعِل رفعا فِي الْموضع الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ للعلَّة الَّتِي ذكرنَا وَلما سَنذكرُهُ من العِلَل فِي موَاضعهَا فرأَيته مَعَ غَيره علمت أَنَّ الْمَرْفُوع هُوَ ذَلِك الْفَاعِل الَّذِي عهدته مَرْفُوعا وَحْدَه وأَنَّ الْمَفْعُول الَّذِي لم تعهده مَرْفُوعا وَكَذَلِكَ إِذا قلت لم يقم زيد وَلم ينطبق عبد الله وسيقوم أَخوك فإِن قَالَ قَائِل إِنما رفعت زيدا أَوّلا لأَنَّه فاعِل فإِذا قلت لم يقم فقد نفيت عَنهُ الفِعْل فَكيف رفعته قيل لَهُ إِن النَّفْي إِنَّما يكون على جِهَة مَا كَانَ مُوجبا فإِنَّما أَعلمت السَّامع من الَّذِي نفيت عَنهُ أَن يكون فَاعِلا فَكَذَلِك إِذا قلت لم يضْرب عبدُ الله زيدا عُلم بِهَذَا اللَّفْظ مَنْ ذكرنَا أَنَّه لَيْسَ بفاعل وَمن ذكرنَا أَنَّه لَيْسَ بمفعول أَلا ترى أَن الْقَائِل إِذا قَالَ زيد فِي الدَّار فأَردت أَن تنفى مَا قَالَ أَنَّك تَقول مَا زيد فِي الدَّار فَترد كَلَامه ثمّ تنفيه وَمَعَ هَذَا فإنَّ قَوْلك يضْرب زيد يضْرب هِيَ الرافعة فإِذا قلت لم يضْرب زيدٌ (فَيضْرب) الَّتِي كَانَت رَافِعَة لزيد قد ردَدْتها قبله و (لمْ) إِنَّما عملت فِي (يضْرب) وَلم تعْمل فِي زيد وإِنَّما وَجب الْعَمَل بِالْفِعْلِ فَهَذَا كَقَوْلِك سيضرب زيد إِذا أَخبرت وكاستفهامك إِذا قلت أَضرب زيد إِنَّما استفهمت فَجئْت بالآلة الَّتِي من شأْنها أَن ترفع زيدا وَإِن لم يكن وَقع مِنْهُ فِعْل ولكنَّك إِنَّما سأَلت عَنهُ هَل يكون فَاعِلا وأَخبرت أَنَّه سَيكون فَاعِلا فللفاعل / فِي كلِّ هَذَا لفظ وَاحِد يُعْرَف بِهِ حَيْثُ وَقع وَكَذَلِكَ الْمَفْعُول وَالْمَجْرُور وَجَمِيع الْكَلَام فِي حَال إِيجَابه ونفيه وسنضع من الْحجَج المستقصاة فِي موَاضعهَا أَكثر من هَذَا لأَنَّ هَذَا مَوضِع اخْتِصَار وتَوْطِئة لما بعده إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب حُرُوف الْعَطف بمعانيها[عدل]

فَمِنْهَا (الْوَاو) وَمَعْنَاهَا إشراك الثانى فِيمَا دخل فِيهِ الأول وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيل على أَيهمَا كَانَ أَولا نَحْو قَوْلك جاءنى زيد وَعَمْرو ومررت بِالْكُوفَةِ والبصره فجائزأن تكون ألبصرة أَولا كَمَا قَالَ ألله عز وَجل {واسجدي واركعي مَعَ الراكعين} وَالسُّجُود بعد الرُّكُوع وَمِنْهَا (الفاءُ) وهى توجب أَنَّ الثانى بعد الأَوّل وأَنّ الأّمر بَينهمَا قريب نَحْو قَوْلك رَأَيْت زيدا فعمرا وَدخلت مكَّة فالمدينة و (ثُمّ) مثل الفاءِ إلأ أَنَّهَا / أَشَّد تراخيا تَقول ضربت زيدا / ثمّ عمرا وأَتيت الْبَيْت ثُمَّ الْمَسْجِد وَمِنْهَا (أَو) وَهِي لأَحد الأَمرين عِنْد شكِّ المتكلِّم أَو قَصْده أَحدَهما وَذَلِكَ قَوْلك أَتيت زيدا أَو عمرا وجاءَني رجل أَو امرأَةٌ هَذَا إِذا شكَّ فأَمَّا إِذا قصد فَقَوله كل السّمك أَو اشرب اللبنَ أَي لَا تجمع بَينهمَا وَلَكِن اختر أَيَّهما شِئْت وَكَذَلِكَ أَعطني دِينَارا أَو اكسني ثوبا وَقد يكون لَهَا مَوضِع آخر مَعْنَاهُ الْإِبَاحَة وَذَلِكَ قَوْلك جَالس الْحسن أَو ابنَ سِيرِين وائت الْمَسْجِد أَو السُّوق أَي قد أَذِنت لَك فِي مجالسة هَذَا الضَّرْب من النَّاس وَفِي إتْيَان هَذَا الضَّرْب من الْمَوَاضِع فإِن نهيت عَن هَذَا قلت لَا تُجالس زيدا أَو عمرا أَي لَا تجالسْ هَذَا الضَّرْب من النَّاس وعَلى هَذَا قَول الله عزَّ وجلَّ {وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا} و (إِمّا) فِي الْخَبَر بِمَنْزِلَة (أَو) وَبَينهمَا فَصْل وَذَلِكَ أَنَّك إِذا / قلت جاءَني زيد أَو عَمْرو وَقع الْخَبَر فِي زيد يَقِينا حتّى ذكَرت أَوْ فَصَارَ فِيهِ وَفِي عَمْرو شكّ وإِمّا تبتدئ بهَا شاكّاً وَذَلِكَ قَوْلك جاءَني إِمّا زيدٌ وإِمّا عَمْرو أَي أَحدهمَا وَكَذَلِكَ وُقُوعهَا للتَّخْيِير تَقول اضْرِب إمّا عبدَ الله وإِمّا خَالِدا فالآمر لم يَشُكَّ ولكنَّه خيّر المأْمور كَمَا كَانَ ذَلِك فِي (أَوْ) وَنَظِيره قَول الله عزَّ وجلَّ {إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا} وَكَقَوْلِه {فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء} وَمِنْهَا لَا وَهِي تقع لإِخْرَاج الثَّانِي ممّا دخل فِيهِ الأَوَل وَذَلِكَ قَوْلك ضربت زيدا لَا عمرا ومررت بِرَجُل لَا امرأَةٍ وَمِنْهَا بَلْ وَمَعْنَاهَا الإضراب عَن الأَوَّل وَالْإِثْبَات للثَّانِي نَحْو قَوْلك ضربت زيدا بل عمرا وجاءَني عبد الله بل أَخوه وَمَا جاءَني رجل بل امرأَة وَمِنْهَا (لكنْ) وَهِي للاستدراك بعد النَّفْي وَلَا يجوز أَن تدخل بعد وَاجِب إلاّ لترك قصّة إِلَى قصّة تامّة نَحْو قَوْلك جاءَني زيد لَكِن عبدُ الله لم يأْت / وَمَا جاءَني زيد لكنْ عَمْرو وَمَا مَرَرْت بأَخيك [لَكِن عدوَّك وَلَو قلت مَرَرْت بأَخيك] لَكِن عَمْرو لم يجز وَمِنْهَا (حتَّى) وَلها بَاب على حِياله وَمِنْهَا أَمْ وَهِي فِي الِاسْتِفْهَام نظيرة (أوْ) فِي الْخَبَر ونذكره فِي بَاب الِاسْتِفْهَام إِن شاءَ الله فَهَذِهِ الْحُرُوف - حُرُوف الْعَطف - تُدْخِل الثَّانِي من الْإِعْرَاب فِيمَا دخل فَمَا فِيهِ الأَوّل

هَذَا بَاب من مسَائِل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ[عدل]

/ وَتقول أَعجبني ضربُ الضاربِ زيدا عبدَ الله رفعت الضَّرْب لأَنَّه فَاعل بالإِعجاب وأَضفته إِلى الضَّارِب ونصبت زيدا لأَنّه مفعول فِي صلَة الضَّارِب ونصبت عبد الله بِالضَّرْبِ الأَوّل وفاعله الضَّارِب الْمَجْرُور وَتَقْدِيره أَعجبني أَن ضربَ الضاربُ زيدا عبدَ الله فَهَكَذَا تَقْدِير الْمصدر وَتقول سرّني قيام أَخيك فقد أَضفت الْقيام إِلى الأَخ وَهُوَ فَاعل وَتَقْدِيره سرَّني أَن قَامَ أَخوك وَتقول أَعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمرا وإِن شِئْت قلت ضربُ زيد عَمْرو إِذا كَانَ عَمْرو ضرب زيدا تضيف الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول كَمَا أَضفته إِلى الْفَاعِل وَإِن نوّنت أَو أَدخلت فِيهِ أَلفا ولاما جرى مَا بعده على أَصله فَقلت أَعجبني ضربٌ زيدٌ عمرا وإِن شِئْت نصبت (زيد) وَرفعت عمرا أَيُّهما كَانَ فَاعِلا رفعته تقدَّم أَو تأَخَّر وَتقول أَعجبني الضَرْبُ زيدٌ عمرا فممّا جاءَ فِي الْقُرْآن منوّنا قَوْله {أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة يَتِيما ذَا مقربة} وَقَالَ الشَّاعِر فِيمَا كَانَ بِالْألف وَاللَّام

(لقد علمت أُوْلَى المُغِيرةِ أَنَّني ... لحِقتُ فَلم أَنكُلْ عَن الضَّرب مِسْمَعا) أَرَادَ عَن ضرْب مِسْمَع فلمّا أَدخل الأَلف وَاللَّام امْتنعت الإِضافة فَعمل عمَلَ الْفِعْل وَمثله قَوْله

(وهُنَّ وُقوفٌ ينتظرْن قَضاءَه ... بضاحى عَذاة أَمْرَهُ وهْو ضامِرُ)

أَي ينتظرن أَن يقْضِي أَمره فأَضاف القضاءَ إِلَى ضَمِيره وَمثل ذَلِك عجبت من ضرْبِ الناسِ زيدا إِذا كَانَ مَفْعُولا وترفعه إِذا كَانَ فَاعِلا على مَا وصفت لَك وتصيّر النَّاس فِي مَوضِع نصب لأَنَّهم مفعولون وتَقُول أَعجبني دَقُّالثوب القصّارُ وأَكلُ الخبزِ زيدٌ ومعاقبة اللصّ الأَميرُ فَهَذَا لَا يصلح إِلاَّ أَن يكون الأَخير هُوَ الْفَاعِل وَتقول مَا أَعجب شَيْئا إِعجابَ زيد ركوبُ الفرسِ عَمْرو فَنصبت (إِعجابا) بِالْمَصْدَرِ وأَضفته إِلى زيد فالتقدير مَا أَعجب شيءٌ شَيْئا كَمَا أَعجب زيدا أَنْ ركب الفرَسَ عَمْرو لأَنَّك أَضفت الرّكُوب إِلى الْفرس و (الْفرس) مفعول لأَنَّ عمرا رَكبه و (زيد) الْمَفْعُول لأَنَّ الرّكُوب أَعجبه وَتقول سرَّني والمُشْبِعَه طعامُك شَتْمُ غلامِك زيدا بِالنّصب وَالرَّفْع فِي زيد على مَا تقدّره من أَن يكون فَاعِلا / أَو مَفْعُولا وَتقول أَعجب إِعطاءُ الدَّرَاهِم أَخاك غلامُكَ (إِيّاك) نصبت (إِياك) بأَعجب وَجعلت (غلامُك) هُوَ الَّذِي أَعطى الدَّرَاهِم أَخاك وَتقول ضَرْبَ الضَّارِب عمرا والمكرمَ زيدا أَحبَّ أَخواك نصبت الضَّرْب الأَوّلُّ بأَحبّ وجررت (الضَّارِب) بالإِضافة وعدّيته إِلى عَمْرو ونصبت (المكرم) بِالضَّرْبِ الأَوّل وَالضَّرْب الأَوّل مُتعدِّ فإِن أَردت أَلاَّ تعّديه قلت ضَرْبَ الضَّارِب المكرمِ زيدا أَحبَّ أَخواك وَهَذَا كلُّه فِي صلَة الضَّرْب لأَنَّك أَضفته إِلى الضَّارِب وَسَائِر الْكَلَام إِلى قَوْلك (أَحبّ) متَّصل بِهِ وَتقول سرَّ الشاربُ المطعُمه طعامَك شَرابَك زيدا ف (الشَّرَاب) ينْتَصب ب (الشَّارِب) و (الْمطعم) يرْتَفع بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي (الشَّارِب) ونصبت (الطَّعَام) بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي (الْمطعم) وكلُّه اسْم وَاحِد وَتقول ظَنَنْت الَّذِي الضاربُ أَخاه زيدٌ عمرا فَالَّذِي فِي / مَوضِع نصب بظننت وعمرا مفعول ثَان وَقَوله الضَّارِب أَخاه زيد الضَّارِب مبتدأٌ وَزيد خَبره وهما جَمِيعًا فِي صلَة الَّذِي وإِنما اتَّصلا بِالَّذِي للهاء الَّتِي فِي قَوْلك أَخاه لأَنَّها ترجع الى الَّذِي وَلَو قلت قَامَ الَّذِي ضربت هندٌ أَباها لم يجز لأَنَّ " الَّذِي " لَا يكون اسْما إِلاَّ بصلَة وَلَا تكون صلته إِلاَّ كلَاما مستغنيا نَحْو الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل والظرف مَعَ مَا فِيهِ نَحْو فِي الدَّار زيد وَلَا تكون هَذِه الْجمل صلَة لَهُ إِلاَّ وفيهَا مَا يرجع إِليه من ذكره فَلَو قلت ضَرَبَنِي الَّذِي أَكرمت هِنْد أَباها عِنْده أَو فِي دَاره لصلح لمّا رددت إِليه من ذكره وَنَظِير الَّذِي مَا وَمن وأَي وأَل الَّتِي فِي معنى الَّذين وكلّ مَوْصُول ممّا لم نذكرهُ فَهَذَا مجْرَاه وَلَو قلت ضرب مَن أَبوك منطلق زيدا لم يجز فإِن جعلت مكانَ الْكَاف هَاء وَقلت أَبوه صحّت المسأَلة بالراجع من ذكره وَكَذَلِكَ بَلغنِي مَا صنعت لأَنَّ هَهُنَا هَاء محذوفة وَالْمعْنَى مَا صَنعته وَكَذَلِكَ رأَيت مَنْ ضربتَ وأَكرمتُ مَنْ أَهنتَ فِي كل هَذَا قد حذفت هَاء وإِنَّما حذفتها لأَنَّ أَربعة أَشياءَ صَارَت اسْما وَاحِدًا وَهِي الَّذِي وَالْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ فخفَّفت مِنْهَا وإِن شِئْت جِئْت بهَا وإِنَّما كَانَت الهاءُ أَولى بالحذف لأَنَّ الَّذِي هُوَ الْمَوْصُول الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْمَعْنى وَالْفِعْل هُوَ الَّذِي يوضِّحه وَلم يجز حذف الْفَاعِل لأَنَّ الْفِعْل لَا يكون إِلاَّ بفاعل فحذفت الْمَفْعُول من اللَّفْظ لأَنَّ الْفِعْل قد يَقع وَلَا مفعول فِيهِ نَحْو قَامَ زيد وتكلَّم عبد الله وَجلسَ خَالِد وإِنَّما فعلت هَذَا بالمفعول فِي الصِّلَة لأَنَّه كَانَ متَّصلا بِمَا قبله فحذفته مِنْهُ كَمَا تحذف التَّنْوِين من قَوْله

(وَلَا ذاكِرَ اللَّه إِلاَّ قَلِيلا) وَمَا أَشبهه وَلَو كَانَ مُنْفَصِلا لم يجز حذفه لأَنَّ الضَّمِير قد خرج من الْفِعْل وَصَارَ فِي حيِّز الباءِ وَكَذَلِكَ الَّذِي ضربت أَخاه زيد لَا يجوز حذف {الهاءِ من} الأَخ كَمَا حذفت الْهَاء من الأَوّل لما ذكرت لَك وَتقول سَرَّ دَفْعُك إِلى المعطِي زيدا دِينَارا درهما القائمَ فِي دَاره عَمْرو نصبت الْقَائِم بسرّ وَرفعت عمرا بقيامه وَلَو قلت سرّ دفْعُك إِلى زيد درهما ضربَك عمرا كَانَ محالا لأَنَّ الضَّرْب لَيْسَ ممّا يُسّرُّ وَكَذَلِكَ لَو قلت أَعجب قيامُك قعودَك كَانَ خطأ وَلَو قلت وَافق قيامُك قعودَ زيد لصلُح وَمَعْنَاهُ أَنَّهما قد اتفقَا فِي وَقت وَاحِد فَلَو أَردت معنى الْمُوَافقَة الَّتِي هِيَ اِعجاب لم يصلح إِلاَّ فِي الآدميّين وَتقول اشْتهى زيد شَتْما عمرا خَالِدا كأَنَّك قلت أَن يشْتم عمرا خَالِدا وَكَذَلِكَ الْألف وَاللَّام فإِن لم تنوّن وَلم تدخل أَلفا ولاماً أَضفت الْمصدر إِلى الِاسْم الَّذِي بعده فَاعِلا كَانَ أَو مَفْعُولا وَجرى الَّذِي بعده على الأَصل وَقد فسرنا هَذَا فِيمَا مضى من ذكرنَا هَذَا الْكتاب وَتقول أَعجبك ضربُ زيد عمرا إِذا كَانَ زيد فَاعِلا وضَرْب زيدٍ عَمْرو إِذا كَانَ زيد مَفْعُولا وَنَحْوه وَقَالَ الشَّاعِر

(أَفْنى تِلادي وَمَا جمّعتُ من نَشَبٍ ... قرعُ القواقيزِ أَفْواهُ الأَباريقِ)

التَّقْدِير أَن قرعت القواقيزَ أَفواهُ الأَباريق وتنصب الأَفواه إِن جعلت القواقيز فَاعِلا

هَذَا بَاب وَتقول فِي مسَائِل طوال يمْتَحن بهَا المتعلمون[عدل]

الضاربَ الشاتمَ المكرِمَ المعطِيَه درهما القائمُ فِي دَاره أَخوك سَوْطًا أَكْرَمَ الآكِلُ طعامَه غلامُه زيدٌ عمرا خالدٍ بكرا عبدَ الله أَخوك نصبت الضَّارِب بأَكرم وَجعلت مَا بعد الضَّارِب فِي صلته إِلى قَوْلك أَكرم فَصَارَ اسْما وَاحِدًا وَالْفَاعِل هُوَ الْآكِل وَمَا بعده صلَة لَهُ إِلى ذكرك الأَسماء المفردة وَهَذِه الأَسماءُ المنصوبة بدل من الضَّارِب والشاتم والمكرم وخالدٍ الْمَجْرُور بدل من الْهَاء فِي غُلَامه وَالْمَرْفُوع بدل من أَحد هَؤُلَاءِ الفاعلين الَّذين ذكرتهم وتقديرها كأَنَّك قلت أَكرم الْآكِل طعامَه غلامُه الرجل الَّذِي ضرب سَوْطًا رجلا شتم رجلا أَكرم رجلا أَعطاه درهما رجلٌ قَامَ فِي دَاره أَخوك وَلَو قلت أَعجب ضَرْبُ زيدٍ غلامَه خَالِدا عمرا بكرٍ لم يجز لِقَوْلِك بكر وَحْدَه والمسأَلة إِذا حذفته مِنْهَا صَحِيحَة وَذَلِكَ لأَنَّك إِذا قلت أَعجب ضرْبُ زيدٍ غلامَه خَالِدا عمرا نصبت عمرا بأَعجب ونصبت خَالِدا فَجَعَلته بَدَلا من الْغُلَام فإِن جِئْت ببكر فجررته فإِنما تَجْعَلهُ بَدَلا من الْهَاء فِي غُلَامه والهاءُ هِيَ زيد فقد أَحلت حِين جعلت زيدا بكرا وفصلت بَين الصِّلَة والموصول وَلَو قلت ظَنَنْت بناءَ الدارِ الساكنِهاالمُعْجِبُه القائمُ عِنْده الذَّاهِب إِليه أَخواه مُعْجِبا بكرا كَانَ جيّدا إِذا جعلت معجبا بكرا هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي فِي ظَنَنْت وَلم تذكر الْبَانِي فإِن ذكرت الْبَانِي جعلته اسْما قبل الْمَفْعُول الثَّانِي فَرَفَعته لأَنَّ قَوْلك الساكنها صفة للدَّار وَمَا بعده دَاخل فِي صلته والصلة والموصول اسْم وَاحِد أَلا ترى أَنَّك تَقول جاءَني عبد الله ورأَيت زيدا فإِنما تذكر بعد جاءَني ورأَيت اسْما وَاحِدًا فَاعِلا أَو مَفْعُولا وَتقول جاءَني القائمُ إِليه الشاربُ ماءَه الساكنُ دارَه الضاربُ أَخاه زيدٌ فالقائم إِليه اسْم وَاحِد وَهَذَا كلُّه فِي صلته وَكَذَلِكَ لَو قلت جاءَني الَّذِي اللَّذَان ضرباه القائمان إِليك كَانَ الَّذِي جاءَك وَاحِدًا وَهَذَا الْكَلَام من صلته بِمَنْزِلَة قَوْلك جاءَ الَّذِي أَبوه منطلق وجاءَني الَّذِي أَبوه غلامُه زيدٌ إِذا كَانَ الْغُلَام للأَب فإِنما الصالة موضَّحة عَن الْمَوْصُول وَفِي هَذِه الْمسَائِل مَا يدلُّك على جَمِيع مَا يرد عَلَيْك فِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله وَتقول ضربت زيدا أَخا عَمْرو فإِن شِئْت جعلت أَخا عَمْرو صفة وإِن شِئْت جعلته بَدَلا وَتقول ضربت أَخاكَ زيدا فَلَا يكون زيد إِلاَّ بَدَلا لأَنه اسْم علَم وإِنما الصِّفَات تحْلِية الشَّيْء نَحْو الظريف والطويل وَمَا أَشبه ذَلِك ممّا أُخِذ من الفِعْل أَو نُسب نَحْو الفلانيّ والتميميّ والبكريّ وَمَا اعتوره شيءمن هذَيْن المعنَييْن وَالْبدل يجوز فِي كلّ اسْم معرفَة كَانَ أَو نكرَة مظْهرا كَانَ أَو مضمرا إِذا كَانَ الأَوّل فِي الْمَعْنى أَو كَانَ بعضه فأَما بدل الْمعرفَة من الْمعرفَة فكقولك مَرَرْت بأَخيكَ عبدِ الله وَنَظِير بدل الْمعرفَة من الْمعرفَة نَحْو قَول الله عزَّ وجلَّ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الذِّبن أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وَبدل الْمعرفَة من النكرَة كَقَوْلِك مَرَرْت بِرَجُل زيد كأَنَّك نَحّيت الرجل وَوضعت زيدا مَكَانَهُ فكَأَنَّك قلت مَرَرْت بزيد لأَنَّ ذَلِك الرجل هُوَ زيد فِي الْمَعْنى وَنَظِير هَذَا قَول الله {وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاط الله} وَبدل النكرَة من الْمعرفَة كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد رجلٍ صَالح وضعت الرجل فِي مَوضِع زيد لأَنَّه هُوَ فِي الْمَعْنى وَنَظِير هَذَا قَول الله عزَّ وجلّ {لنسفعا بالناصية نَاصِيَة كَاذِبَة} واَمَّا بدل بعض الشيءِ مِنْهُ للتبيين فنحو قَوْلك ضربت زيدا رأْسَه وجاءَني قَوْمك بعضُهم أَراد أَن يبيّن الْموضع الَّذِي وَقع الضَّرْب بِهِ مِنْهُ وأَن يُعْلمك أَنَّ بعض الْقَوْم جاءَ لَا كلَّهم وَمن ذَلِك قَول الله عزَّ وجلَّ {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} لأَن فرض الْحَج إِنَّما وَقع مِنْهُم على المستطيع وَقد يجوز أَن يُبدل الشيءُ من الشيءِ إِذا اشْتَمَل عَلَيْهِ مَعْنَاهُ لأَنَّه يقْصد قصْد الثَّانِي نَحْو قَوْلك سُلِب زيدٌ ثوبُه لأَنَّ معنى سلب أَخذ ثَوْبه فأَبدل مِنْهُ لدُخُوله فِي الْمَعْنى وَلَو نصبت الثَّوْب كَانَ أَجود إِذا لم ترد الْبَدَل وَمثل ذَلِك قَول الله عزَّ وجلَّ {يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ} لأَنَّ المسأَلة وَقعت عَن الْقِتَال وَمثل ذَلِك قَول الأَعشى يُنشد كَمَا أَصف لَك

(لقد كَانَ فِي حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْته ... تَقَضَّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سائِمُ) أَراد لقد كَانَ فِي ثواءِ حول فأَوقع الْفِعْل على الحَول وَجعل ثواءٍ بَدَلا مِنْهُ كَمَا أَنَّه إِذا قَالَ ضربت زيدا رأْسَه إِنما أَراد ضربت رأْس زيد فأَوقع الْفِعْل وَجعله بَدَلا ويُروى تُقَضَّى لُباناتٌ ويَسْأَمُ وللبدل مَوضِع آخر وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ بدل الْغَلَط وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل حمارٍ أَراد أَن يَقُول مَرَرْت بِحِمَار فإِمَّا أَن يكون غلِط فِي قَوْله مَرَرْت بِرَجُل فتدارك فَوضع الَّذِي جاءَ بِهِ وَهُوَ يُريدهُ فِي مَوْضِعه أَو يكون كأَنَّه نسِي فَذكر فَهَذَا الْبَدَل لَا يكون مثلُه فِي قُرْآن وَلَا شعر وَلَكِن إِذا وَقع مثلُه فِي الْكَلَام غَلطا أَو نِسْيانا فَهَكَذَا إِعرابه

هَذَا بَاب مَا كَانَ لَفظه مقلوبا فحقَّ ذَلِك أَن يكون لَفظه جَارِيا على مَا قُلِبَ إِليه[عدل]

فَمن ذَلِك قِسِيّ وإِنَّما وَزنهَا فُعُول وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون قُوُوس لأَنّ الْوَاحِد قَوْس وأَدنى الْعدَد فِيهِ أَقْواس وَالْكثير قِياس كَمَا تَقول ثوب وأَثواب وَثيَاب وسوط وأَسواط وسياط وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا الْبَاب الَّذِي مَوضِع الْعين مِنْهُ وَاو فأَمَّا قُوُوس فجارٍ على غير مَا تجْرِي عَلَيْهِ ذَوَات الْوَاو نَحْو كَعْب وكعوب وصقر وصقور فكرهوا واوين بَينهمَا ضمّة فقلبوا وَكَانَ حقَّ فَعْل من غير المعتلّ أَن يكون أَدنى الْعدَد فِيهِ أَفْعُل كَقَوْلِك كَعْب وأَكْعُب وكلْب وأَكلُب وصقْر وأَصقُر فلهذه العلَّة قلب إِلى أَفْعَال فَقيل أَبْيات وأَثْواب إِذ كَانَ ذَلِك قد يكون فِي غير المعتلّ من فَرْخ وأَفْراخ وزَنْد وأَزناد وجَدّ وأَجداد فإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ شَاعِر ردّه إِلَى الأَصل كَمَا قَالَ

(لكلِّ دَهْرٍ قد لبِستُ أَثْوُبا)

فَهَذَا نَظِير فُعُول فِي الْوَاو وَمن المقلوب قَوْلهم أَيْنُق فِي جمع نَاقَة وَكَانَ أَصل هَذِه أَنْوُق والعلَّة فِيهِ كالعلُّة فِيمَا وَصفنَا فَلَو سميت بأَيْنُق رجلا لم تصرفه إِلاّ فِي نكرَة لأَنَّه أَفْعُل على مِثَال أَقْتُل وَمن ذَلِك أَشْيَاءُ فِي قَول الْخَلِيل إِنَّما هِيَ عِنْده فَعْلاءُ وَكَانَ أَصلها شَيْئاءَ يَا فَتى فكرهوا همزتين بَينهمَا أَلف فقلبوا لنَحْو مَا ذكرت لَك من خَطَايَا كراهةَ أَلفين بَينهمَا همزَة بل كَانَ هَذَا أَبْعَد فقلبوا فَصَارَت اللَّام الَّتِي هِيَ همزَة فِي أَوّله فَصَارَ تَقْدِيره من الْفِعْل لَفْعَاءَ وَلذَلِك لم ينْصَرف قَالَ الله عزَّ وجلَّ {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَلَكُمُ تَسُؤكُم} وَلَو كَانَ أَفْعالا لانصرف كَمَا ينْصَرف أَحْياءٌ وَمَا أَشبهه وَكَانَ الأَخفش يَقُول أَشْياءُ أَفْعِلاءُ يَا فَتى جُمع عَلَيْهَا فَعْل كَمَا جُمِع سَمْح على سُمَحاءَ وَكِلَاهُمَا جمع لفعِيل كَمَا تَقول فِي نصيب أَنْصباءُ وَفِي صديق أَصْدِقاءُ وَفِي كريم كُرَماءُ وَفِي جليس جُلَساء فسَمْح وشَيْءٌ على مِثَال فَعْل فَخرج إِلى مِثَال فَعيل وَقَالَ الْمَازِني فَقلت لَهُ كَيفَ تُصَغِّرهُنَّ فَقَالَ أَُشيَّاءُ فسأَلته لمَ لمْ تردّه إِلَى الْوَاحِد إِنَّه أَفْعِلاءُ فقد وَجب عَلَيْهِ فَلم يأْتِ بمُقْنِع وَهَذَا ترك قَوْله لأَنَّه إِذا زعم أَنَّه أَفْعِلاءُ فقد وجَبَ عَلَيْهِ أَن يصغِّر الْوَاحِد ثمّ يجمعه فَيَقُول فِي تَصْغِير أَشْياءَ على مذْهبه شُيَيْئات فَاعْلَم تَقْدِير فُعَيْلات وَلَا يجب هَذَا على الْخَلِيل لأَنَّه إِذا زعم أَنَّه فَعْلاءُ فقد زعم أَنَّه اسْم وَاحِد فِي معنى الْجمع بِمَنْزِلَة قَوْم ونفَر فَهَذَا إِنَّما يجب عَلَيْهِ تصغيره فِي نَفسه فقد ثَبت قَول الْخَلِيل بحجّة لَازِمَة وممّا يؤكِّد ذَلِك السماعُ قَول الأَصمعيّ فِيمَا حدّث بِهِ عُلَمَاؤُنَا إِنَّ أَعرابيّا سمع كَلَام خلَف الأَحمر فَقَالَ يَا أَحمرُ إِنَّ عنْدك لأَشاوَى فَقلب الياءَ واوا وأَخرجه مُخْرَج صحراءَ وصحارَى فكلُّ مقلوب فَلهُ لَفظه

هَذَا بَاب اللَّفْظ بالحروف[عدل]

قَالَ سِيبَوَيْهٍ خرج الْخَلِيل يَوْمًا على أَصحابه فَقَالَ كَيفَ تلفِظون بالباءِ من اضربْ وَالدَّال من قدْ وَمَا أَشبه ذَلِك من السواكن فَقَالُوا با دَال فَقَالَ إِنَّما سمّيتم باسم الْحَرْف وَلم تلفِظوا بِهِ فَرَجَعُوا فِي ذَلِك إِليه فَقَالَ أَرى إِذا أَردت اللَّفْظ بِهِ أَن أَزيد أَلف الْوَصْل فأَقول اِبْ اِد / لأَن الْعَرَب إِذا أَرادت الِابْتِدَاء بساكن زَادَت أَلف الْوَصْل فَقَالَت اِضرب اُقتل إِذا لم يكن سَبِيل إِلى أَن تبتدي بساكن وَقَالَ كَيفَ تلفِظون بالباءِ من ضَربَ وَالضَّاد من ضُحىً فأَجابوه كنحو جوابهم فِي الأَول فَقَالَ أَرى إِذا لُفِظ بالمتحرّك أَن تزاد هاءٌ لبَيَان الْحَرَكَة كَمَا قَالُوا ارمه {وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَه} فأَقول بَهْ ضُهْ وَكَذَلِكَ كلُّ متحرّك وَهَذَا مَا لَا يجوز فِي الْقيَاس غيرُه فإِن سميَّت بِحرف من كلمة فإِنَّ فِي ذَلِك اخْتِلَافا فإِن سميَّت بالباءِ من ضرَبَ فإِنَّ بعض النحويّين كَانَ يزِيد أَلف الْوَصْل فَيَقُول هَذَا اِبٌ فَاعْلَم وَهَذَا خطأٌ فَاحش وَذَلِكَ أَنَّ أَلف الْوَصْل لَا يدْخل على شيءٍ متحرّك وَلَا نصيب لَهَا فِي الْكَلَام إِنَّما تدخل ليوصل بهَا إِلى السَّاكِن الَّذِي بعْدهَا لأَنَّك لَا تقدر أَن تبتدئْ بساكن فإِن كَانَ قبلهَا كَلَام سَقَطت وَقَالَ غَيره أَرى أَن أَقول رَبٌ فَاعْلَم فأَردّ مَوضِع الْعين من ضربَ فَقيل لَهُ أَرأَيت مَا تثبت عينه ولامه وفاؤُه محذوفة من غير المصادر الَّتِي فاؤها وَاو نَحْو عِدة وزِنة فاعتل بِمَا قد وُجد من غَيرهَا وَذَلِكَ قَوْلهم نَاس الْمَحْذُوف مَوضِع الفاءِ وَلَا نعلم غَيره ويدلُّك على ذَلِك الإِتمام إِذا قلت أُناس فإِنما هُوَ فُعال على وزن غراب وإِنه مشتقُّ من أَنِس وإِنسان فِعْلان وَهَذَا وَاضح جدّا قَالَ أَبو الْحسن ضَبٌ كَمَا ترى فيحذف مَوضِع الْعين كَمَا فعل فِي مذْ لأَنَّ الْمَحْذُوف فِي مُنْذُ مَوضِع الْعين وَكَذَلِكَ سَهٌ إِنَّما الْمَحْذُوف التاءُ من اَستاه قَالَ الشَّاعِر

(أُدْعْ أُحَيْحاً باسمه لَا تَنْسَهْ ... إِنَّ أُحَيْحاً هِيَ صِئْبَانُ السَّهْ) وَقَالَ أَمير الْمُؤمنِينَ عليّ بن أَبي طَالب كرّم الله وَجهه العَيْنُ وِكاءُ السَّه وَالْقَوْل الأَوّل لأَبي عُثْمَان المازنيّ ثمّ راَى بعدُ إِذاسُمّي بالباءِ من ضربَ أَن يردّ الْكَلَام كلَّه فَيَقُول ضَرَبٌ كَمَا ترى وَلَا يحذف لأَنَّه إِذا آثر أَن يردّ رَدّ على غير علَّة وَلَو سمَّيت رجلا ذُو لَقلت هَذَا ذَوا فَاعْلَم لأَنَّ أَصله كَانَ فَعَلا يدلُّك على ذَلِك ذواتا وقولك هما ذواَ مَال

هَذَا بَاب مَا يُسمَّى بِهِ من الأَفعالِ المحذوفةِ والموقوفةِ[عدل]

إِذا سمَّيت رجلا (لِتَقُمْ) أَو (لم تَقمْ) أَو (إِنْ تقمْ أَقمْ) فالحكاية لأَنَّه عَامل ومعمول فِيهِ إِذا جِئْت بالعامل مَعَه وإِن سمَّيته (أَقِمْ) أَوْ (تَقُمْ) وَلَيْسَ مَعَهُمَا لمْ أَعربت فَقلت هَذَا أَقومُ فَاعْلَم وَهَذَا تقومُ فَاعْلَم ورأَيت تقومَ فَاعْلَم لأَنَّه لَيْسَ فِيهِ فَاعل ورددت الْوَاو لأَنَّها حذفت فِي الْفِعْل لالتقاءِ الساكنين فلمّا تحرّكت الْمِيم رجعت وإِن سمّيته (قُمْ) أَو (بعْ) قلت هَذَا قُومٌ على وزن فُعْل وَهَذَا بِيعٌ على وزن دِيْك يَا فَتى لأَنَّ الأَسماءَ لَا تنجزم وإِذا تحركت أَواخرها ردّ مَا حذف لالتقاء الساكنين وإِن سميته أَقِيمْ قلت هَذَا أَقيمُ قد جاءَ لَا تصرفه للزِّيَادَة الَّتِي فِي أَوّله وإِن سمَّيته (رَزديدا) حكَيْته فإِن حذفت زيدا وسمَّيته بالفِعْل وحدَه قلت هَذَا رأَى مثل قفاً وعَصا تردّ الْهمزَة وَهِي عين الْفِعْل وتردّ الأَلف لأَنَّ الأَسماءَ لَا تنجزم وَهَذِه جُمَل تدلُّ على أَبوابها إِن شاءَ الله


وَهَذِه حُدُود التصريف وَمَعْرِفَة أَقسامه[عدل]

وَمَا يَقع فِيهِ من الْبَدَل والزوائد والحذف وَلَا بدّ / من أَن يُصدَّر بِذكر شيءٍ من الأَبنية لتعرف الأَوزان وليعلم مَا يبْنى من الْكَلَام وَمَا يمْتَنع من ذَلِك

هَذَا بَاب مَا يكون عَلَيْهِ الكَلِمُ بمعانيه[عدل]

فأَقلّ مَا تكون عَلَيْهِ الْكَلِمَة حرف وَاحِد وَلَا يجوز لحرف أَن ينْفَصل بِنَفسِهِ لأَنَّه مُسْتَحِيل وَذَلِكَ أَنَّه لَا يمكنك أَن تبتدئ إِلاّ بمتحرك وَلَا تقف إِلاَّ على سَاكن فَلَو قَالَ لَك قَائِل الفِظ بِحرف لقد كَانَ سأَلك أَن تُحيل لأَنَّك إِذا ابتدأْت بِهِ ابتدأت متحرّكا وإِذا وقفت عَلَيْهِ وقفت سَاكِنا فقد قَالَ لَك اجْعَل الْحَرْف سَاكِنا متحرّكا فِي حَال وَلَكِن سنذكر اللَّفْظ بالحروف ساكِنها ومتحرّكها فِي مَوْضِعه ليوصل إِلى التَّكَلُّم بِهِ إِن شاءَ الله فَمَا كَانَ على حرف فَلَا سَبِيل إِلى التكلُّم بِهِ وحدَه فممّا جاءَ على حرف ممّا هُوَ اسْم التاءُ فِي قمْت إِذا عَنى المتكلِّم نَفسه أَو غَيره من ذكر أَو أُنثى إِلاَّ أَنَّها تقع لَهُ مضمومةٌ ذكرا كَانَ اَوْ انثى وَلغيره اذا كَانَ ذكرا مَفْتُوحَة وإِن كَانَت أُنثى مَكْسُورَة وَالْكَاف من نَحْو ضربتك ومررت بك تنفتح للمذكَّر وتنكسر للمؤنَّث والهاءُ فِي ضَربته ومررت بِهِ وَلها أَحكام نبيّنها إِن شاءَ الله وَذَلِكَ أَنَّ أَصْل هَذِه الهاءِ أَن تلحقها وَاو زَائِدَة لأَنَّ الهاءَ خُفْيَة فتُوصِل بهَا الْوَاو إِذا وصلت فإِن وقفت لم تُلحق الْوَاو لئلاّ يكون الزَّائِد كالأَصليّ وَذَلِكَ قَوْلك رأَيتُهو يَا فَتى ورأَيتُهو يَا فَتى فتلحق بعد المضموم والمفتوح فإِن كَانَت قبلهَا كسرة جَازَ أَن تُتبعها واوا أَو يَاء أَيّهما شِئْت أَمَّا الْوَاو فعلى الأَصل الَّذِي ذكرت لَك وأَمّا الياءُ فلقرب الْجوَار لأَنَّ الضمّة مستثقلة بعد الكسرة وَالنَّاس عامّة للكسرة والياءُ بعْدهَا أَكثر اسْتِعْمَالا فأَمّا أَهل الْحجاز خاصّة فعلى الأَمر الأَوّل فِيهَا يقرءُون {فَخَسَفْنَا بِهُو وَبدَارِهُو الأَرْضَ} لزموا الأَصل وهما فِي الْقيَاس على مَا وصفت لَك فإِن كَانَت هَذِه الهاءُ بعد / وَاو أَو ياءٍ ساكنتين أَو أَلف فَالَّذِي يُختار حذف حرف اللين بعْدهَا تَقول عليهِ مَال يَا فَتى بِكَسْر الْهَاء من أجل الياءِ الَّتِي قبلهَا كَمَا فعلت ذَلِك للكسرة وَمن لزم اللُّغَة الحجازيّة قَالَ عليهُ مالٌ وَتقول هَذَا أَبوه فَاعْلَم {فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ} وإِنَّما حذفت الياءُ وَالْوَاو لأَنَّ الهاءَ خفيّة والحرف الَّذِي يلْحقهَا سَاكن وَقبلهَا حرف لين سَاكن فكره الْجمع بَين حرفي لين ساكنين لَا يفصلهما إِلاّ حرف خفيّ وإِن شِئْت أَلحقت الياءَ وَالْوَاو على الأَصل لأَنَّ الهاءَ حرف متحرّك فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ قَوْلك على قَول العامّة عليهى مَال وعَلى قَول أَهل الْحجاز عليهو مَال {فَأَلْقَى عَصَاهُو فَإِذَا هِيَ} وَهَذَا أَبوهو فَاعْلَم فإِن كَانَ قبل الهاءِ حرف سَاكن من غير حُرُوف المدّ واللين فأَنت مخيّر إِن شِئْت أَثبتَّ وإِن شِئْت حذفت أَمّا الإِثبات فعلى مَا وصفت لَك وأَمَّا الْحَذف فلأَنَّ الَّذِي قبل الهاءِ سَاكن وَبعدهَا سَاكن وَهِي خفيّة فكرهوا أَن يجمعوا بَينهمَا كَمَا كَرهُوا الْجمع بَين الساكنين وَذَلِكَ قَوْلك {مِنْهُ آيَات محكمات} وإِن شِئْت قلت {مِنْهُو آياتٌ} وعنهو أَخذت فَهَذَا جملَة هَذَا وَاعْلَم أَنَّ الشَّاعِر إِذا احْتَاجَ إِلى الْوَزْن وَقبل الهاءِ حرف متحرك حذف الياءَ وَالْوَاو اللَّتَيْنِ بعد الهاءِ إِذا لم يَكُونَا من أَصل الْكَلِمَة فَمن ذَلِك قَوْله

(فإِنْ يكُ غَثّاً أَو سَمينا فَإِنَّني ... سَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِى لِنَفْسِهِ مَقْنَعَا)

وَقَالَ آخر

(أَوْ مُعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبِي عَن وَلِيَّتِه ... مَا حَجّ ربُّهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرا)

وَقَالَ آخر

(وَمَا لهُ منْ مَجْدٍ تَليدٍ وَمَا لَهو ... من الرّيح فَضْلٌ لَا الجَنُوبُ وَلَا الصَّبَا) وأَشدّ من هَذَا فِي الضَّرُورَة أَن يحذف الْحَرَكَة كَمَا قَالَ

(فَظِلتُ لدَى البيتِ العَتِيقِ أُرِيغُهُ ... ومِطْوايَ مُشْتاقان لَهُ أَرقانِ)

فأَمّا مَا كَانَ من هَذِه الْحُرُوف الَّتِي جَاءَت لمعان فَهِيَ مُنْفَصِلَة بأَنفسها ممّا بعْدهَا وَقبلهَا إِلاّ أَنَّ الْكَلَام بهَا مُنْفَرِدَة محَال كَمَا وصفت لَك فإِنَّ مِنْهَا كَاف التَّشْبِيه الَّتِي فِي قَوْلك أَنت كزيد وَمَعْنَاهُ مثل زيد و (اللَّام) الَّتِي تسمى لَام المِلْك نَحْو هَذَا لِعبد اللَّه ولَك تكون مَكْسُورَة مَعَ الظَّاهِر ومفتوحة مَعَ الْمُضمر لعلَّة قد ذكرت فِي موضعهَا وَهِي الَّتِي فِي قَوْلك جِئْت لأُكرمَك لأَنَّ الْفِعْل انتصب بإِضمار أَنْ وأَنْ وَالْفِعْل مصدر فقد صَار الْمَعْنى جِئْت لإِكرامك وَمِنْهَا (الباءُ) الَّتِي تكون للإِلصاق والإستعانة فأَمّا الإِلصاق فقولك مَرَرْت بزيد وأَلممت بك وأَمّا الإستعانة فقولك كتبت بالقلم وَعمل النجّار بالقَدوم وَمِنْهَا (وَاو) الْقسم الَّتِي تكون بَدَلا من الباءِ لأَنَّك إِذا قلت بِاللَّه لأَفعلَّن فَمَعْنَاه أَحلف بِاللَّه فإِذا قلت وَالله لأَفعلّن فَذَلِك مَعْنَاهُ لأَنَّ مخرج الباءِ وَالْوَاو من الشّفة وَمن ذَلِك الْكَاف الَّتِي تلْحق آخر الْكَلَام لَا مَوضِع لَهَا نَحْو كَاف ذَاك وروُيدك و {أَرَأَيْنَكَ هَذّا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيّ} وَقَوْلهمْ أَبْصِرْكَ زيدا وَهَذِه الْحُرُوف كَثِيرَة إِلاَّ أَنَّا نذْكر مِنْهَا شَيْئا يدلّ على سائرها

هَذَا بَاب مَا جَاءَ من الْكَلم على حرفين[عدل]

فَمن ذَلِك مَنْ وَهِي لمن يعقل تكون فِي الْخَبَر والاسنفهام والمجازاة وَتَكون فِي الْخَبَر معرفَة ونكرةً فإِذا كَانَت معرفَة لزمتها الصِّلَة كَمَا تلْزم الَّذِي وإِذا كَانَت نكرَة لَزِمَهَا النَّعْت لإبهامها فأَمّا كَونهَا فِي الإِستفهام فكقولك مَنْ ضربك ومنْ أَخوك وأَمَّا المجازاة فقولك مَنْ يأْتني آته وأَمَّا الْخَبَر فرأَيت مَنْ عنْدك وأَمَّا كَونهَا نكرَة فقولك مَرَرْت بمَنْ صالحٍ كَمَا قَالَ

(يَا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أَذْوَادَنا ... رُحْنَ على بَغْضائهِ واغْتَدَيْنْ)

أَلا ترى أَنَّها فِي جَمِيع هَذَا وَاقعَة على الآذمييّن وَمِنْهَا مَا وَهِي سُؤال عَن ذَات غير الآدمييّن وَعَن صِفَات الآدمييّن وَتَقَع فِي جَمِيع مَوَاضِع مَنْ وإِن كَانَ مَعْنَاهَا مَا وصفت لَك وَذَلِكَ قَوْلك فِي الِاسْتِفْهَام مَا عنْدك فَلَيْسَ جَوَاب هَذَا أَن تَقول زيد أَو عَمْرو وإِنَّما جَوَابه أَن تُخْبر بِمَا شِئْت مِنْ / غير الآدمييّن إِلاّ أَن تَقول رجل فتخرجه إِلى بَاب الأَجناس وَيكون سؤالا عَن جنس الآدمييّن إِذا دخل فِي الأَجناس أَو تجْعَل الصّفة فِي مَوضِع الْمَوْصُوف كَمَا تَقول مَرَرْت بعاقل ومررت بحليم فإِنَّ مَا على هَذِه الشريطة تقع على الآدمييّن لإِبهامِها قَالَ الله عزَّ وجلّ {إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم} ف (مَا) هَهُنَا للآدمييّن وَكَذَلِكَ تَقول رأَيت مَا عنْدك فِي معنى الَّذِي وَتقول مَا تصنعْ أَصْنعْ على المجازاة وَقد قيل فِي قَوْله عزَّ وجلّ مَعْنَاهُ أَو مِلْك أَيمانهم وَكَذَا قيل فِي قَوْله عزَّ وجلَّ {وَالسَّمَاء وَمَا بناها} أَي وبنائها وَقَالُوا وَالَّذِي بناها وأَمَّا وُقُوعهَا نكرةٌ فَقَوله

(رُبَّ مَا تكره النفوسُ من الأَمْر لَهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ)

وَاعْلَم أَنَّه لَا يكون اسْم على حرفين إِلاَّ وَقد سقط مِنْهُ حرف ثَالِث يُبَيّن لَك ذَاك التصغير وَالْجمع فالأَسماءُ على أُصول ثَلَاثَة بِغَيْر زِيَادَة على ثَلَاثَة وأَربعة وَخَمْسَة والأَفعال على أَصلين 7 على ثَلَاثَة وأَربعة وَنَذْكُر هَذَا فِي مَوْضِعه / وممّا جاءَ على حرفين من الْحُرُوف الَّتِي جاءَت لِمَعْنى والأَسماءِ الدَّاخِلَة على هَذِه الْحُرُوف قَوْلهم قَدْ وَهِي تكون اسْما إِذا كَانَت فِي مَوضِع حَسْب نَحْو قَوْلك كأَنْ قَدْ وَنَحْو قَوْلك قَدْكَ من هَذَا أَي حسبُك وَتَكون حرفا جاءَ لِمَعْنى فإِذا كَانَت كَذَلِك فلهَا موضعان من الْكَلَام أَحدهما أَن تكون لقوم يتوقَّعون الْخَبَر نَحْو قَوْلك هَل جاءَ زيد فَيَقُول لَك قد جاءَ وَتقول لمّا يأَتِ فَيَقُول لَك قد أَتى وَتَكون فِي مَوضِع ربمَّا كَقَوْلِه

(قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرَّا أَنَامِلُه ... كأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ)

وَقَوله

(وقدْ أَقُودُ أَمَامَ الخيلِ سَلْهَبَةً ... يَهدِي لَهَا نَسَبٌ فِي الحَيّ مَعلومُ)

وَمِنْهَا هَلْ وَهِي للاستفهام نَحْو قَوْلك هَل جاءَ زيد وَتَكون بِمَنْزِلَة قد فِي قَوْله عزَّ وجلَّ {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر} لأَنَّها تخرج تخرج عَن حدّ الِاسْتِفْهَام تدخل عَلَيْهَا حُرُوف الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْلك أَمْ هَل فعلت وإِن احْتَاجَ الشَّاعِر إِلى أَن يُلْزمها الأَلف فعَلَ كَمَا قَالَ

(سائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ بِشدَّتِنا ... أَهلْ رأَوْنا بِسَفْح القُفِّ ذِي الأَكّمِ)

وَمِنْهَا مِنْ وأَصلها ابتداءُ الْغَايَة نَحْو سرت من مكّة إِلى الْمَدِينَة وَفِي الْكتاب من فلَان إِلى فلَان فَمَعْنَاه أَنَّ ابتداءَه من فلَان ومحلَّه فلَان وكونهُا فِي التَّبْعِيض راجعٌ إِلى هَذَا وَذَاكَ أَنَّك تَقول أَخذت مَال زيد فإِذا أَردت الْبَعْض قلت أَخذت من مَاله فإِنَّما رجعت بهَا إِلى ابْتِدَاء الْغَايَة وقولك زيد أَفضل من عَمْرو إِنَّما جعلت غَايَة تفضيله عمرا فإِذا عرفت فضل عَمْرو علمت أَنَّه فَوْقه وأَمَّا قَوْلهم إِنَّها تكون زَائِدَة فلست أَرى هَذَا كَمَا قَالُوا وَذَاكَ أَنَّ كلّ كلمة إِذا وَقعت وَقع مَعهَا معنى فإِنما حدثت لذَلِك الْمَعْنى وَلَيْسَت بزائدة فَذَلِك قَوْلهم مَا جَاءَنِي من أَحد وَمَا رأَيت من رجل فَذكرُوا أَنَّها زَائِدَة وأَنَّ الْمَعْنى مَا رأَيت رجلا وَمَا جاءَني أَحد وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا / وَذَلِكَ لأَنَّها إِذا لم تدخل جَازَ أَن يَقع النَّفْي بِوَاحِد دون سَائِر جنسه تَقول مَا جاءَني رجل وَمَا جاءَني عبد الله إِنَّما نفيت مَجِيء وَاحِد وإِذا قلت مَا جاءَني من رجل فقد نفيت الْجِنْس كلَّه أَلا ترى أَنَّك لَو قلت مَا جاءَني مِنْ عبد الله لم يجز لأَنَّ عبد الله معرفَة فإِنَّما مَوْضِعه مَوضِع وَاحِد وَمِنْهَا (قَطْ) وَمَعْنَاهَا حَسْب وَهِي اسْم وقولك قطْك فِي معنى قَوْلك حَسْبُك وَمن هَذِه الْحُرُوف (فِي) وَمَعْنَاهَا مَا استوعاه الوِعاءُ نَحْو قَوْلك النَّاس فِي مَكَان كَذَا وَفُلَان فِي الدَّار فأَمَّا قَوْلهم فِيهِ عَيْبَان فمشتقّ من ذَا لأَنَّه جعله كالوعاء للعيبَيْن وَالْكَلَام يكون لَهُ أَصل ثُمّ يتسَّع فِيهِ فِيمَا شاكل أَصله فَمن ذَلِك قَوْلهم زيد على الْجَبَل وَتقول عَلَيْهِ دَين فإِنَّما أَرادوا أَنَّ الدَّيْن قد ركِبه وَقد قهره وَقد يكون اللَّفْظ وَاحِدًا ويدلّ على اسْم وفِعْل نَحْو قَوْلك زيد على الجبلِ يَا فَتى وَزيد / علا الجبلَ فَيكون (علا) فِعْلاَ وَيكون حرفا خَافِضًا وَالْمعْنَى قريب وَمن كَلَامهم اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ لاخْتِلَاف الْمَعْنيين وَاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد واتِّفاق اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَاف الْمَعْنيين فأَمَّا اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ لاخْتِلَاف الْمَعْنيين فَهُوَ الْبَاب نَحْو قَوْلك قَامَ وَجلسَ وَذهب وجاءَ وجمل وجبل وأَما اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد فنحو جلس وَقعد وقولك بُرَّ وحنطة وذراع وساعد وأَمَّا اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَاف الْمَعْنيين فقولك ضربت مثلا وَضربت زيدا وَضربت فِي الأَرْض إِذا أَبعدت وَكَذَلِكَ وجدت تكون من وِجْدان الضالَّة وَتَكون فِي معنى علمت كَقَوْلِك وجدت زيدا كَرِيمًا وَفِي معنى الموجِدة نَحْو وجَدت على زيد فَهَذَا عَارض فِي الْكتاب ثُمّ نعود إِلَى الْبَاب وَمِنْهَا لَمْ وَهِي نفي للْفِعْل الْمَاضِي ووقوعها على الْمُسْتَقْبل من أَجل أَنَّها عاملة وعملها الْجَزْم وَلَا جزم إِلاَّ لمُعرَب وَذَلِكَ قَوْلك قد فعل فَتَقول مكذِّبا لم يفعلْ فإِنَّما نفيت أَن يكون فَعَل / فِيمَا مضى والحروف تدخل على الأَفعال فتنقلها نَحْو قَوْلك ذهب وَمضى فتخبر عمّا سلف فإِن اتَّصلت هَذِه الْأَفْعَال بحروف الْجَزَاء نقلتها إِلى مَا لم يَقع نَحْو إِن جئتني أَكرمتك وإِن أَكرمتني أَعطيتك فإِنَّما مَعْنَاهُ إِن تكرمني أُعطك وَمن هَذِه الْحُرُوف (لَنْ) وإِنَّما تقع على الأَفعال نَافِيَة لِقَوْلِك سيفعل لأَنَّك إِذا قلت هُوَ يفعل جَازَ أَن تخبر بِهِ عَن فِعْل فِي الْحَال وعمّا لم يَقع نَحْو هُوَ يصلِّي أَي هُوَ فِي حَال صَلَاة وَهُوَ يصلِّي غَدا فإِذا قلت سيفعل أَو سَوف يفعل فقد أَخلصت الْفِعْل لما لم يَقع فإِذا قلت لن يفعل فَهُوَ نفي لقَوْله سيفعل كَمَا أَنَّ قَوْلك مَا يفعل نفي لقَوْله هُوَ يفعل وَمِنْهَا (لَا) وموضعها من الْكَلَام النَّفْي فإِذا وَقعت على فِعْل نفتْه مُسْتَقْبلا وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقوم زيد وحقُّ نَفيهَا لما وَقع مُوجبا بالقسم كَقَوْلِك ليقومَنَّ زيد فَتَقول لَا يقوم يَا فَتى كأَنَّك قلت وَالله ليقومنّ فَقَالَ الْمُجيب وَالله لَا يقوم / وإِذا وَقعت على اسْم نفته من مَوْضِعه كَقَوْلِك لَا رجل فِي الدارَ وَلَا زيدٌ فِي الدَّار وَلَا عمروٌ ويفرد لهَذَا بَاب يستقصى فِيهِ إِن شاءَ الله ولوقوعها زَائِدَة فِي مثل قَوْله {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ} أَي ليعلم كَمَا قَالَ الراجز

(وَمَا أَلومُ البِيضَ أَلاَّ تَسْخَرَا ... لَمّا رَأَيْنَ الشَمَطَ القَفَنْدرَا)

وَمن الْحُرُوف مَا يُستجمع فِيهِ مَعانٍ فَمن ذَلِك (مَنْ) لَهَا أَربعة مَوَاضِع كَمَا ذكرت لَك وَمن ذَلِك (مَا) لَهَا خَمْسَة مَوَاضِع تكون جَزَاء فِي قَوْلك مَا تصنعْ أَصنعْ وَتَكون استفهاما فِي قَوْلك مَا صنعت وَتَكون بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي قَوْلك أَرأَيت مَا عنْدك إِلاَّ أَنَّها فِي هَذِه الْمَوَاضِع اسْم ووقوعها على ذَات غير الآدميّين نَحْو قَوْلك إِذا قَالَ مَا عنْدك فرس أَو حمَار أَو مَال أَو بُرّ وَلَيْسَ جَوَاب قَوْله مَا عنْدك زيد وَلَا عَمْرو وَقد خبّرتك بعمومها فِي قَوْله {إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم} وأَمَّا وُقُوعهَا لصفات الآدميّين فكقولهم / مَا زيد فَيَقُول شرِيف أَو وضيع وَلها موضعان تقع فيهمَا وَلَيْسَت باسم إِنَّما هِيَ فيهمَا حرف فأَحدهما النَّفْي نَحْو قَوْلك مَا زيد فِي الدَّار وَمَا يقوم زيد والموضع الآخر هِيَ فِيهِ زَائِدَة مؤكِّدة لَا يخلّ طرحها بِالْمَعْنَى كَقَوْل الله عزَّ وجلَّ {فَبِمَارَحْمَةٍ} وَكَذَلِكَ {فبمَا نقضهم ميثاقهم} وَمن الْحُرُوف الَّتِي يستجمع لَهَا مَعانِ أَنْ الْخَفِيفَة لَهَا أَربعة مَوَاضِع فَمن ذَلِك الْموضع الَّذِي تنصب فِيهِ الْفِعْل فمعناها أَنَّها وَالْفِعْل فِي معنى الْمصدر وَذَلِكَ قَوْلك يسرّني أَنْ تقوم يَا فَتى مَعْنَاهُ يسرّني قيامك وأُريد أَن تذْهب يَا فَتى إِنَّما هُوَ أُريد ذهابَك وَلَا يَقع فِي الْحَال إِنَّما يَقع مَعَ الْفِعْل المسْتقبل لما بعْدُ نَحْو يسرّني أَن تذْهب غَدا وَمَعَ الْفِعْل الْمَاضِي لما قد فرط نَحْو يسرّني أَن ذهبت وأَن كلّمت زيدا لأَنَّ مَعْنَاهُ مَا مضى وَتَكون مخفَّفة من الثَّقِيلَة نَحْو قَوْلك / علمت أَنْ زيدٌ خيرٌ من عَمْرو وَمَعْنَاهُ علمت أَنَّ زيدا خيرٌ من عَمْرو والفصل بَين (أَنْ) خَفِيفَة وَبَين (أَنْ) المخفَّفة من الثَّقِيلَة أَنّ الْخَفِيفَة لَا تقع ثَابِتَة إِنَّما تقع مَطْلُوبَة أَو متوقَّعة نَحْو أَرجو أَنْ تذهبَ وأَخاف أَنْ تقومَ فإِذا وَقعت مخفَّفة من الثَّقِيلَة وَقعت ثَابِتَة على معنى الثَّقِيلَة نَحْو أَعلم أَنْ ستقومُ على معنى قَوْلك أَنَّك ستقوم وَلَا يصلح أَرجو أَنَّك ستقوم لأَنَّه لم يسْتَقرّ عِنْده لأَنَّ الثَّقِيلَة إِنَّما تدخل على ابتداءِ مستقرّ فأَمَّا (ظَنَنْت) فإِنَّ الثَّقِيلَة والخفيفة يجوزان بعْدهَا تَقول ظَنَنْت أَنَّك منطلق تخبر أَنَّ هَذَا قد استقرّ فِي ظنِّك كَمَا اسْتَقر الأَول فِي عِلْمك وَيجوز للتشكُّك أَن تقع على الْخَفِيفَة لأَنَّها ترجع إِلى معنى أَرجو وأَخاف وَمن ذَلِك قَول الله عزَّ وجلَّ {تظن أَن يفعل بهَا فاقرة} وَتَقَع (أَنْ) فِي / مَوضِع (أَيْ) الْخَفِيفَة للعِبارة وَالتَّفْسِير كَقَوْلِه عزَّ وجلَّ {وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم} مَعْنَاهُ أَي امشوا وَلَا تقع إِلاَّ بعد كَلَام تَامّ لأَنَّه إِنَّما يفسّر بعد تَمَامه وَتَقَع زَائِدَة توكيدا كَقَوْلِك لمّا أَنْ جاءَ ذهبت وَوَاللَّه أَنْ لَو فعلت لفَعَلت فإِن حُذِفتْ لم تُخلِلْ بِالْمَعْنَى فَهَذِهِ أَربعة أَوجه وَكَذَلِكَ الْمَكْسُورَة تقع على أَربعة أَوجه فمنهنَّ الجزاءُ نَحْو إِنْ تأْتني آتِك ومنهنّ أَن تكون فِي معنى مَا نَحْو إِنْ زيد فِي الدَّار أَي مَا زيد فِي الدَّار وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ {إِن الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور} وَقَالَ {إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا} وَتَكون مخفَّفة من الثَّقِيلَة فإِذا كَانَت كَذَلِك لزِمتها اللَّام فِي خَبَرهَا لئلاّ تلتبسَ بالنافية وَذَلِكَ قَوْلك إِنْ زيدٌ لمُنْطلقٌ وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ {إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ} / فإِن نصبتَ بهَا لم تَحْتَج إِلى اللَّام نَحْو أَنْ زيدا منطلق لأَنَّ النصب قد أَبان وَجَاز النصب بهَا إِذا كَانَت مخفَّفة من الثَّقِيلَة وَكَانَت الثَّقِيلَة إِنَّما نصبتْ لشبهها بِالْفِعْلِ فلمَّا حُذف مِنْهَا صَار كفِعْل مَحْذُوف فعَمَلُ الْفِعْل واحدٌ وإِن حُذِف مِنْهُ كَقَوْلِك لم يَكُ زيد مُنْطَلقًا وكقولك عِ كلَاما وأَمّا الَّذين رفعوا بهَا فَقَالُوا إِنّما أَشبهت الفِعْل فِي اللَّفْظ لَا فِي الْمَعْنى فلمّا نقصت عَن ذَاك اللَّفْظ الَّذِي بِهِ أَشبهت الْفِعْل رَجَعَ الْكَلَام إِلى أَصله لأَنَّ مَوضِع إِنَّ الابتداءُ أَلا ترى أَنَّ قَوْلك إِنَّ زيدا لمنطلق إِنَّما هُوَ زيد منطلق فِي الْمَعْنى ولمّا بَطل عَملهَا عَاد الْكَلَام إِلى الِابْتِدَاء فبالابتداء رفعته لَا بإِنَّ وَمَا بعده خَبره وَهَذَا القَوْل الثَّانِي هُوَ الْمُخْتَار وَلَيْسَ كَذَا كأَنَّ إِذا خفّفت لأَنَّك إِذا قلت كأَنَّ تشبّه فإِذا خفَّفُّت فَذَلِك الْمَعْنى تُرِيدُ وقولك (لكنَّ) بِمَنْزِلَة إِنَّ فِي تخفيفها وتثقيلها فِي النصب وَالرَّفْع وَمَا يخْتَار فيهمَا لأَنَّها على الِابْتِدَاء دَاخِلَة / وَتَكون (إِنْ) زَائِدَة فِي قَوْلك مَا إِنْ زيد منطلق فَيمْتَنع (مَا) بهَا من النصب الَّذِي كَانَ فِي قَوْلك مَا زيد مُنْطَلقًا كَمَا يمْتَنع (إِنَّ) الثَّقِيلَة بهَا من النصب فِي قَوْلك إِنَّما زيد أَخوك فَمن ذَلِك قَوْله

(فَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ ولكنْ ... مَنايانا ودَوْلةُ آخِرينا)

فقد ذكرنَا من الْحُرُوف والأسماء الَّتِي تقع على حرفين مَا فِيهِ دَلِيل على تَأْوِيل مَا كَانَ مثله ممّا لم نذكرهُ إِن شاءَ الله وَنَذْكُر من الْآلَات الَّتِي على ثَلَاثَة أَحرف مَا يدلّ على مَا بعده من ذَلِك عِنْد وَمَعْنَاهَا الحضرة نَحْو قَوْلك زيد عنْدك فإِن قلت عِنْد فلَان عِلْم أَو عِنْده مَال أَي لَهُ مَال وإِن لم يكن بِحَضْرَتِهِ فإِنّما أَصْله هَذَا وإِن اتَّسع كَمَا تَقول على زيد ثوبٌ فَهَذَا صَحِيح فإِن قلت عَلَيْهِ مالٌ فتمثيل لأَنَّه قد رَكبه وَمن هَذِه الْحُرُوف لَدُنْ وَهِي اسْم فمعناها عِنْد يدلُّك على أَنَّه اسْم دُخُول الْآلَات كَقَوْلِك مِنْ لَدُنْك كَمَا تَقول من عنْدك وَمِنْهَا أَيَّان وأَصله الثَّلَاثَة وإِن / زَادَت حُرُوفه وَمَعْنَاهُ مَتى كَقَوْلِه عزَّ وجلَّ {يسْأَل أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة} فَهَذِهِ الْحُرُوف تفتح لَك مَا كَانَ من هَذِه الْآلَات

هَذَا بَاب الْأَبْنِيَة وَمَعْرِفَة حُرُوف الزَّوَائِد[عدل]

اعْلَم أَنَّ الأَسماءَ الَّتِي لَا زِيَادَة فِيهَا تكون على ثَلَاثَة أَجناس تكون على ثَلَاثَة أحرف وعَلى أَربعة وعَلى خَمْسَة لَا زِيَادَة فِي شيءٍ من ذَلِك وَنحن مفسّروه بأَقسامه وأَوزانه وذاكرون مَا يلْحقهُ من الزَّوَائِد بعد الْفَرَاغ من الأُصول وَكم مبلغ عدده من الزَّوَائِد فأَمَّا الأَفعال فَتكون على ضَرْبَيْنِ تكون على ثَلَاثَة أَحرف وعَلى أَربعة أَحرف بِلَا زَوَائِد ثمّ تلحقها الزَّوَائِد وسنخبر عَن ذَلِك وَعَن امتناعها أَن تكون خَمْسَة كَمَا كَانَت الأَسماءُ ونخبر عمّا وَقع من الأَسماءِ والأَفعال على حرفين مَا الذَّاهِب مِنْهُ وَلم ذهب إِن شاءَ الله فأَوّل الأَبنية مَا كَانَ / من الأَسماءِ على ثَلَاثَة أَحرف والحرف الأَوسط مِنْهُ سَاكن لَا يكون اسْم غيرُ مَحْذُوف على أَقلَّ من ذَلِك وَذَلِكَ أَنَّه لَا بدّ لَك من تَحْرِيك الأَوّل لأَنَّك لَا تبتدئ بساكن ويتحرك الآخر لأَنَّه حرف الإِعراب فأَوَّل ذَلِك مَا كَانَ على فَعْلٍ وَهُوَ يكون اسْما ونعتا فالاسم نَحْو بكْر وكَعْب والنعت قَوْلك ضخْم وجزْل وَيكون على (فِعْل) فيهمَا فالاسم جِذْع وعِجْل والنعت نِقْض ونِضْو وَيكون على فُعْل فِيمَا فالاسم خُرْج وقْفُل والنعت مُرّ وحُلْو وَيكون على فَعَلٍ فيهمَا فالاسم جَمَل وجَبَل والنعت بطَل وحَسَن وَيكون على فَعِل فيهمَا فالاسم فَخِذ وكتِف والنعت فرِح وحذِر وَيكون على فَعُل فيهمَا فالاسم رجُل وعضُد والنعت حذُر وندُس وَيكون على فُعُل فيهمَا فالاسم نَحْو طُنُب وعُنُق والنعت جُنُب وشُلُل / وَيكون على فِعَل فيهمَا فالاسم ضِلَع وعِنَب والنعت عِدَّى وقِيَم وَيكون على فِعِلٍ فِي الِاسْم وَلم ياْت ثَبَتا إِلاّ فِي حرفين وهما إِبِل وإِطِل وَيكون على فُعَل اسْما ونعتا فالاسم صُرَد ونُغَر والنعت حُطَم ولُبَد وكُتَع وخُضع قَالَ

(قدْ لَفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ)

وَقَالَ الله عزَّ وجلَّ {أهلكت مَالا لبدا} وَلَا يكون فِي الْكَلَام فِعُل فِي اسْم وَلَا (فِعْل) وَلَا يكون فِي الأسماءِ شيءٌ على (فُعِل) فَهَذَا جَمِيع بناءات الثَّلَاثَة بِغَيْر زَوَائِد وَنَذْكُر الزَّوَائِد وَالْبدل ثمّ نرْجِع إِلى بناءَات الأَربعة إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب معرفَة الزَّوَائِد ومواضعها[عدل]

وَهِي عشرَة أَحرف الأَلف والياءُ وَالْوَاو والهمزة والتاءُ وَالنُّون وَالسِّين والهاءُ وَاللَّام وَالْمِيم فأَمَّا الأَلف فإِنَّها لَا تكون أَصلا فِي اسْم وَلَا فِعْل إِنَّما تكون زَائِدَة أَو بَدَلا وَلَا تكون أَبدا إِلاَّ سَاكِنة وَلَا يكون مَا قبلهَا أَبدا إِلاَّ مِنْهَا / أَي إِلاَّ مَفْتُوحًا لأَنَّ الفتحة من الأَلف والضمّة من الْوَاو والكسرة من الياءِ والأَلف لَا تُزاد أَوّلا لأَنَّها لَا تكون إِلاَّ سَاكِنة وَلَا يُبتدأُ بساكن وَلَكِن تزاد ثَانِيَة فَمَا فَوق ذَلِك فأَمَّا زيادتها ثانيةٌ فقولك ضارِب وذاهب لأَنَّهما من ضرب وَذهب وتزاد ثَالِثَة فِي قَوْلك ذهَاب وجمال ورابعة فِي قَوْلك حُبْلى للتأْنيث والإِلحاق وَغير ذَلِك فِي مثل عطشان وسكران فَهَذَا مَوضِع جُمَل فإِنَّما نذْكر مَا يدّل على الْموضع ثمّ نرْجِع نستقصي فِي بَابه إِن شاءَ الله وتزاد خَامِسَة فِي مثل حَبَنْطًى وزَعْفران وسادسة فِي قَبَعْثَرًى فأَمَّا الياءُ فتزاد أَوّلا فَيكون الْحَرْف على يفْعَل نَحْو يَرْمَع ويَعْملة وَفِي مثل قَوْلك يرْبُوع ويَعْسُوب وتزاد ثَانِيَة فِي قَوْلك جَيْدَر وبَيْطَر وثالثة فِي مثل سَعِيد وعِثْيَر ورابعة فِي مثل قنديل ودِهْليز وَمَا بعد ذَلِك الأَلف وتزاد للنسب مضعفةً نَحْو قَوْلك تميميّ وقيسيّ وتزاد للإِضافة إِلى نَفسك نَحْو غلامِي وصاحبِي / وَتَقَع فِي النصب نَحْو ضَرَبَنِي والضاربي وَتَقَع دَلِيلا على النصب والخفض فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع نَحْو مسلمَيْن ومسلمِين وأَمَّا الْوَاو فَلَا تزاد أَوّلا كَرَاهَة أَن تقع طرفا فيلزمها الْبَدَل وَلَكِن تزاد ثَانِيَة فِي مثل حَوْقل وكَوْثر وثالثة فِي مثل ضَروب وعجوز ورابعة فِي مثل تَرْقُوَة وخامسة فِي مثل قَلَنْسُوة كالأَلف والياءِ وتزاد دَلِيلا على رفع الْجمع فِي مثل قَوْلك مُسلمُونَ وَلها مَوَاضِع نذكرها فِي بَاب الْبَدَل إِن شاءَ الله وأَمَّا الْهمزَة فموضع زيادتها أَن تقع أَوَّلا نَحْو أَحمر وأَحمد وإِصْلِيت وإِسْكاف وَكَذَلِكَ فِي جمع التكسير نَحْو أَفْعُل كأَكْلُب وأَفْلُس وأَفعال كأَعْدال وأَجْمال وَفِي الْفِعْل فِي قَوْلك أَفعلت نَحْو أَكرمت وأَحسنت وَفِي مصدره فِي وقلك إِكراما وإِحسانا فَهَذَا موضعهَا وَقد تقع فِي غير هَذَا الْموضع فَلَا تجْعَل زَائِدَة إِلاَ بثبت نَحْو قَوْلك شَمْأَل وشَأْمل يدلَّك على زيادتها قَوْلك شمَلتَ الرّيح فَهِيَ تشْمُل شُمولا وَالْمِيم بِمَنْزِلَة الْهمزَة إِلاَّ أَنَّها من زَوَائِد الأَسماءِ وَلَيْسَت من زَوَائِد الأَفعال / وَلَكِن موضعهَا كَمَا ذكرت لَك أَوّلا فَمن ذَلِك مَفْعول نَحْو مضْروب ومَقْتول وإِذا جَاوز الْفِعْل ثَلَاثَة أَحرف لحِقت اسْم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول نَحْو مُكرم ومُكرَم ومنطلق ومنطلَق بِهِ ومستخرج ومستخرَج مِنْهُ وتلحق فِي أَوائل المصادر والمواضع كَقَوْلِك أَدخلته مُدْخَلا وَهَذَا مُدْخَلنا وَكَذَلِكَ مَغْزىً ومَلْهىً فَهَذَا مَوضِع زيادتها فإِن وَقعت غيرَ أَوّل لم تُزَدْ إِلاَّ بثَبَت نَحْو قَوْلهم زُرْقُم وفُسْحُم إِنَّما هُوَ من الأَزرق وفُسْحُم مَنْسُوب إِلى انفساح الصَّدْر وَكَذَلِكَ دُلامِص الْمِيم زَائِدَة لأَنَّهم يَقُولُونَ دَليص ودِلاص فتقديرها فُعامِل وأَمَّا النُّون فتلحق فِي أَوائل الأَفعال إِذا خبّر المتكلِّم عَنهُ وَعَن غَيره كَقَوْلِك نَحن نَذْهَب أَو تلْحق ثَانِيَة مثل مَنْجَنِيق وجُنْدُب وتلحق ثَالِثَة فِي حَنَبْطى ودَلَنْطىً ورابعة فِي رَعْشَنٍ وضَيْفَنٍ لأَنَّ رَعْشَن من الارتعاش / وضَيْفَن إِنَّما هُوَ الجائي مَعَ الضيْف وتزاد مَعَ الأَلف فِي غَضْبَان وسكران وَمَعَ الياءَات وَالْوَاو والأَلف فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي رجلَيْن ومسلِمين ومسلمون وَكَذَلِكَ الأَلف فِي رجلَانِ وتزاد عَلامَة للصرف فِي قَوْلك هَذَا زيدٌ ورأَيت زيدا وَفِي الْفِعْل مفردةٌ ومضاعفةٌ فِي قَوْلك اضربَنْ زيدا أَو اضربَنَّ عمرا فَفِي هَذَا دَلِيل وأَمّا التاءُ فتزاد عَلامَة للتأْنيث فِي قَائِمَة وَقَاعِدَة وَهَذِه التَّاء تبدل مِنْهَا الهاءُ فِي الْوَقْف وتزاد مَعَ الأَلف فِي جمع الْمُؤَنَّث فِي مسلمات وذاهبات وتزاد وَحدهَا فِي افتعل ومفتعل نَحْو اقتدر وافتقر وَمَعَ السِّين فِي مستفعل نَحْو مستضرب ومستخرج وتزاد مَعَ الْوَاو فِي مَلَكُوت وعَنْكَبُوت وَمَعَ الياءِ فِي عِفْرِيت وتزاد فِي أَوائل الأَفعال يُعنى بهَا الْمُخَاطب مذكَّرا كَانَ أَو مؤنَّثا والأُنثى الغائبة فأَمَّا الْمُخَاطب / فنحو أَنت تقوم وَتذهب وأَنتِ تقومين وتذهبين والأُنثى الغائبة نَحْو جاريتك تقوم وَتذهب وَتَقَع زَائِدَة فِي تفعّل وتفاعل فأَمَّا تفعَّل فنحو تشجَّع وتقرّأَ وأَمَّا تفَاعل فنحو تغافَلَ وتعاقل وأَمّا السِّين فَلَا تلْحق زَائِدَة إِلاَّ فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ استفعل وَمَا تصرّف مِنْهُ والهاءُ تزاد لبَيَان الْحَرَكَة ولخفاءِ الأَلف فأَما بَيَان الْحَرَكَة فنحو قَوْلك ارمه {وَمَا أَدْرَاك مَا هيه} و {فَبِهُدَهُمْ اقْتَدِه} ْ وأَمّا بعد الأَلف فقولك يَا صَاحِبَاه وَيَا حسرتاه فأَمّا اللَّام فتزاد فِي ذَلِك وأُولئك وَفِي عَبْدَل تُرِيدُ العَبْد

هَذَا بَاب حُرُوف الْبَدَل[عدل]

وَهِي أَحدَ عشر حرفا مِنْهَا ثَمَانِيَة من حُرُوف الزَّوَائِد / الَّتِي ذَكرنَاهَا وَثَلَاثَة من غَيرهَا وَهَذَا الْبَدَل لَيْسَ بِبَدَل الإِدغام الَّذِي تقلب فِيهِ الحروفُ مَا بعْدهَا فَمن حُرُوف الْبَدَل حُرُوف المدّ واللين المُصَوِّتة وَهِي الأَلف وَالْوَاو والياءُ فالأَلف تكون بَدَلا من كلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا كَمَا وصفت لَك وَتَكون بَدَلا من التَّنْوِين المفتوح مَا قبله فِي الْوَقْف نَحْو رأَيت زيدا وَمن النُّون الْخَفِيفَة لأَنَّها كالتنوين إِذا انْفَتح مَا قبلهَا تَقول اضرَبَنْ زيدا فإِذا وقفت قلت اضربا وَفِي قَوْله {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} وَالْوَقْف (لنسفعا) وَالْوَاو تكون بَدَلا من الأَلف الزَّائِدَة فِي فاعِل وفاعِلة فِي التصغير وَالْجمع كَقَوْلِك ضُوَيرب وضَوارب وَمن الْهمزَة إِذا انضمَّ مَا قبلهَا وَكَانَت سَاكِنة نَحْو جُؤْنة ولُؤْم وَمن الْهمزَة المبدلة لالتقاء الهمزتين فِي التصغير وَالْجمع وَذَلِكَ قَوْلك فِي آدم أُوَيْدِم وأَوادِم وَتَكون بَدَلا من الْيَاء / إِذا انضمَّ مَا قبلهَا وَكَانَت سَاكِنة نَحْو قَوْلك مُوقِن ومُوسِر لأَنَّها من أَيقنت وأَيسرت فإِن تحرّكت أَو زَالَت الضمَّة رجعت إِلى أَصلها تَقول مَيَاقِن ومَياسِر وَلها فى بَاب فَتْوى وطُوبَى مَا نذكرهُ فِي مَوْضِعه إِن شاءَ الله والياءُ تكون بَدَلا من الْوَاو إِذا انْكَسَرَ مَا قبلهَا وَهِي سَاكِنة وَذَلِكَ قَوْلك ميزَان وميعاد وميقات لأَنَّه من وزنت ووعدت وَمن الْوَقْت فإِن زَالَت الكسرة أَو تحرّكت رجعت إِلى أَصلها وَذَلِكَ قَوْلك مَوَازِين ومَوَاعيد ومواقيت وتُبدَل من الْوَاو إِذا كَانَت رَابِعَة فَصَاعِدا نَحْو أَغزيت واستغزيت وغازيت وتُبدَل مَكَان أَحد الحرفين إِذا ضوعفا فِي مثل قَوْلك دِينَار وقيراط فإِنَّما الأَصل تثقيل النُّون وَالرَّاء أَلا ترى أَنَّهما إِذا افْتَرقَا ظهرا تَقول دَنَانِير وقراريط وَكَذَلِكَ تَقول أَمللت وأَمليت وتقضَّيت من القِضَّة وتَسَرَّيْت والأَصل / تسررّت وتقضَّضت وأَمَّا الْهمزَة فإِنَّها تبدل مَكَان كلِّ ياءٍ أَو وَاو تقع طرفا بعد أَلف زَائِدَة وَذَلِكَ قَوْلك سَقَّاءٌ وغزّاءٌ وتبدل مَكَان إِحدى الواوين إِذا التقيا فِي أَوّل كلمة وَذَلِكَ قَوْلك فِي تَصْغِير واصِل أُوَيْصِل وَكَذَلِكَ تَصْغِير واعِد أُوَيْعِد فإِن انضمّت الْوَاو كنت فِي بدلهَا وترْكِه مخيّرا وَذَلِكَ قَوْلك فِي وُجوه أُجُوه وإِن شِئْت وُجُوه وَكَذَلِكَ وُرْقه وأُرْقة وَمن ذَلِك قَول الله عزَّ وجلَّ {وَإِذا الرُّسُل أقتت} إِنَّما هُوَ فُعِّلت من الْوَقْت والتاءُ تُبدَل من الْوَاو وَالْيَاء فِي مُفْتعل وَمَا تصرف مِنْهُ نَحْو متعدّ ومتَّزن ومتَّبس من اليبس فَهَذَا موضعهَا فِيهَا وتُبدل من الْوَاو خاصَّة فِي قَوْلك تُراث إِنما هُوَ من ورِثت وتُجاه فُعال من الْوَجْه وَكَذَلِكَ تُخَمة وتُكأَة فُعَلة وتَيْقُوَر فَيْعُول من الْوَقار فَهَذَا مَوضِع جُمَل وتوطئة لما بعده وأَمَّا الهاءُ فتُبدَل من التاءِ الدَّاخِلَة للتأْنيث نَحْو نَخْلَة وَتَمْرَة إِنما الأَصل التاءُ والهاءُ بدل مِنْهَا فِي الْوَقْف وَالْمِيم تبدل من النُّون إِذا سكنت وَكَانَت بعْدهَا الباءُ نَحْو قَوْلك عَنْبَر ومِنْبَر وشَنْباءُ فَاعْلَم وَالنُّون تكون بَدَلا من أَلف التأْنيث فِي قَوْلك غَضْبان وعطشان إِنَّما النُّون والأَلف فِي مَوضِع أَلفي حمراءَ يَا فَتى وَلذَلِك لم تقل غضبانة وَلَا سكرانة لأَنَّ حرف تأْنيث لَا يدْخل على حرف تأْنيث فَكَذَلِك لَا تدخل على مَا تكون بَدَلا مِنْهُ ولهذه الْعلَّة قيل فِي النّسَب إِلى صنعاءَ وبَهْراءَ صَنْعانيّ وبَهْرانيّ ونشرح هَذَا فِي بَاب مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف إِن شاءَ الله فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أَحرف من حُرُوف الزَّوَائِد فأَمَّا الثَّلَاثَة الَّتِي تبدل وَلَيْسَت من حُرُوف الزَّوَائِد فأَحدها (الطاءُ) وَهِي تبدل مَكَان التاءِ فِي مُفْتعل وَمَا تصرّف مِنْهُ إِذا كَانَ قبلهَا حرف من حُرُوف الإِطباق وحروف الإِطباق الصَّاد وَالضَّاد والطاءُ والظاء وَذَلِكَ قَوْلك مُصْطبر ومضطَّهد ومظَّلِم وَهُوَ مفتعِل من الظُّلم وأَمَّا مَا تصرّف مِنْهُنَّ / للإدغام فَفِي بَابه نذْكر ومنهنّ الدَّال وَهِي تبدل مَكَان التاءِ فِي مُفتعِل وَمَا تصرّف مِنْهُ إِذا كَانَ قبلهَا حرف مجهور من مخرجها وممّا يدانيها من الْمخْرج نَحْو الذَّال وَالزَّاي وَذَلِكَ قَوْلك فِي مُفْتعِل من الزّين مزدان وَمن الذِكْر مُدَّكر والحرف الثَّالِث الْجِيم وَهِي تبدل إِن شِئْت مَكَان الياءِ المشدّدة فِي الْوَقْف للْبَيَان لأَنَّ الياءَ خفيّة وَذَلِكَ قَوْلك تَميمِجّ فِي تميميّ وعَلِجّ أَي عليّ

هَذَا بَاب معرفَة بَنَات الاربعة الَّتِي لَا زِيَادَة فِيهَا[عدل]

فَمِنْهَا مَا يكون على فَعْلَل فَيكون اسْما وصِفة فالاسم نَحْو جَعْفَر ونهْشل والنعت مثل سَلْجَم وسلْهَب وَيكون على فُعْلُل فيهمَا فالاسم نَحْو البُرْثن والتُّرْنُم وَالصّفة نَحْو قَوْلك رجل قُلْقُل وناقة كُحْكُح وَيكون على فِعْلِل فيهمَا فالاسم الزِبْرِج الخِمْخِم والنعت الِّطْلِط وَهُوَ قَلِيل وَيكون على (فِعْلَل) فيهمَا فالاسم دِرْهَم وَالصّفة هِجْرَع وَيكون على (فِعَلٍّ) غيرَ مضاعفٍ فِي النَّعْت خاصّة وَذَلِكَ قَوْلهم سِبَطْر وقِمْطر وَاعْلَم أَنَّه لَا يكون اسْم على أَربعة أَحرف كلُّها متحركة إِلاَّ وأَصله فِي الْكَلَام غير ذَلِك فيحذف وَذَلِكَ قَوْلهم (عُلَبِط) وَنَحْوه وإِنَّما أَصله عُلابِط وَكَذَلِكَ (هُدَبِد) إِنَّما أَصله هُدابِد وَكَذَلِكَ جَمِيع بَابه

هَذَا بَاب معرفَة بَنَات الْخَمْسَة من غير زِيَادَة[عدل]

وَهِي على أَربعة أَمثلة مِنْهَا فَعَلَّل وَهُوَ يكون اسْما ونعتا فالاسم نَحْو السَّفَرْجَل وَالصّفة نَحْو شَمَرْدَل وَيكون على فُعَلَّل فيهمَا فالاسم نَحْو الخُزعْبِلة وَالصّفة نَحْو الخُبَعْثِن والقُذَعْمِلة وَيكون على فِعْلَلٍّ غير مضاعف فَيكون اسْما ونعتا فالاسم قِرْطَعْب والنعت جِرْدَحْل وحِنْزَقْر / وَيكون على فَعْلَلِل نعتا وَذَلِكَ قَوْلهم عَجُوز جَحْمَرِش وكلب نَخْوَرِش

هَذَا بَاب معرفَة الابنية وتقطيعها بالافاعيل وَكَيف تعْتَبر بهَا فِي أَصْلهَا وزوائدها[عدل]

ونبدأُ بالأَسماءِ الصَّحِيحَة فإِذا قيل لَك ابْنِ مِنْ ضرب مثلَ جَعْفَر فقد قَالَ لَك زد على هَذِه الْحُرُوف الثَّلَاثَة حرفا فحقُّ هَذَا أَن تكرّر اللَّام فَتَقول ضَرْبَبٌ فَاعْلَم فَيكون على وزن جَعْفَر وَتَكون قد وضعت الفاءَ وَالْعين فِي موضعهما وكرّرت اللَّام حتّى لحِق بِوَزْن فَعْلَل أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا قيل لَك ابْن مِنْ ضرب مثل قَطَّع ضَرَّبَ فَاعْلَم لأَنَّه إِنَّما قَالَ لَك كرّر الْعين فإِنَّما زِدْت على الْعين عينا مثلهَا وَلَو قَالَ لَك ابْن لي من ضرب مثل صَمَحْمَح لَقلت ضَرَبْرَب لأَنَّه إِنَّما قَالَ لَك كرّر الْعين / وَاللَّام فأَجَبْته على شَرْطه وَلَو قَالَ لَك ابْن لي من ضرب مثل جَدْول لَقلت ضَرْوَبٌ فَاعْلَم لأَنَّه لم يقل لَك أَلحقه بِجَعْفَر إِنَّما اشْترط عَلَيْك أَن تلْحقهُ بِمَا فِيهِ وَاو زَائِدَة فزدت لَهُ واوا بحِذاءِ الراءِ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لَك ابنِ لي من ضرب مثل كوثر لَقلت ضَوْرَبٌ فَاعْلَم فاحتذيت على الْمِثَال الْمَطْلُوب مِنْك وَلَو قَالَ ابنِ لي من ضرب مثل جَيْدَر لَقلت ضَيْرَبٌ فَاعْلَم وَلَو قَالَ ابنِ لي من ضرب مثل سَلْقَى لَقلت ضَرْبَى وَقلت لنَفسك ضَرْبَيْتُ مثل قَوْلك سَلْقَيْتُ فَهَذَا يجْرِي فِي الزَّوَائِد والأُصول على مَا وصفت لَك وإِنَّما ذكرنَا هَذَا الْبَاب توطِئَةً لما بعده نفسير يُقَال سلقه إِذا أَلقاه على قَفاهُ وإِذا أَلقاه على وَجهه قيل بطحه وإِذا أَلقاه على أَحد جَنْبَيْه قيل قتَّره وقطَّره وإِذا أَلقاه على رأْسه قيل نَكَتَه

هَذَا بَاب معرفَة الافعال اصولها وزوائدها[عدل]

فالفعل فِي الثَّلَاثَة يَقع على ثَلَاثَة أَبنية إِذا كَانَ مَاضِيا يكون على فَعَلَ فيشترك فِيهِ المتعدّى وغيرُ المتعدّى وَذَلِكَ نَحْو ضَرَب وقَتَل فَهَذَا مُتَعَّد وَجلسَ وَقعد لما لَا يتعدّى وَيكون على فَعِلَ فيهمَا فَمَا يتعدّى فنحو شرِب ولقِم وأَمَّا مَا لَا يتعدّى فنحو بطِر وخرِق وَالْفِعْل الثَّالِث لما لَا يتعدّى خاصّةً إِنَّما هُوَ للْحَال الَّتِي ينْتَقل إِليها الْفَاعِل وَذَلِكَ مَا كَانَ على فَعُلَ نَحْو كرُم وظرُف وشرُف فأَمَّا مَا كَانَ على فَعِلَ فاللازم فِي مستقبله يَفْعَل تَقول شرِب يشْرَب وعلِم يعْلَم وَمَا كَانَ على فَعُل فاللاوم يَفْعُلُ نَحْو كرُم يكرُم وظرُف يظرُف وأَمَّا مَا كَانَ على فَعَلَ فإِنَّه يَجِيء على يَفْعِل ويَفْعُل نَحْو يضرِب ويقتُل وإِن عرض فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق جَازَ أَن يَقع على / فعَلَ يَفْعَل وَذَاكَ إِذا كَانَ الْحَرْف من حُرُوف الْحلق عينا أَو لاما فأَمّا الْعين فنحو ذهب يذهب وطحنَ يطحَن وأَمّا مَوضِع اللَّام فصنَع يصنَع وقرأَ يقرَأُ وَهَذِه الأَفعال الَّتِي على ثَلَاثَة أَحرف تخْتَلف مصادرها لاختلافها فِي أَنْفُسها لأَنَّ الْمصدر إِنَّما يجْرِي على فِعْله فإِذا خرجت الأَفعال من الثَّلَاثَة لم يكن كلُّ فِعْل مِنْهَا إِلاَّ على طَريقَة وَاحِدَة وَلم تخْتَلف مصادرها وَذَاكَ أَنَّ الْفِعْل إِذا خرج من الثَّلَاثَة إِنّما يخرج لزائد يلْحقهُ إِلاَّ أَن يكون من بَنَات الأَربعة فَيكون فِي الأَربعة أَصلا كَمَا كَانَت بَنَات الثَّلَاثَة فأَمَّا بَنَات الثَّلَاثَة فإِنَّ الْهمزَة تلحقها أَوّلا فَيكون الْفِعْل على أَفْعَل نَحْو أَخرج وأَكرم وَيكون الْمُسْتَقْبل نَحْو يُخْرِج ويُكْرِمُ وَكَانَ الأَصل أَن يكون وَزنه يُؤَفْعِل فحذفت الْهمزَة لأَنَّه كَانَ يلْزمه إِذا أَخبر عَن نَفسه أَن يجمع بَين همزتين وَذَلِكَ مُمْتَنع فلمّا كَانَت زَائِدَة / وَكَانَت تُلْزِم مَا لايقع فِي الْكَلَام مثلُه حذفت وأُتْبِعت حُرُوف الْمُضَارع الْهمزَة كَمَا جرَيْن فِي بَاب وعد مَجْرى الياءِ وَيكون الْمصدر على إِفْعَال وَذَلِكَ قَوْلك أَكرم يُكْرِم إِكراما وأَحسن يُحْسِن إِحسانا وَيكون على فاعَلْت فَيكون مستقبله على وزن مُسْتَقْبل أَفْعَلت قبل أَن يحذف وَذَلِكَ قَوْلك قَاتل يُقاتِل وضارب يُضارِب وَمعنى فاعَل إِذا كَانَ دَاخِلا على فعَلَ أَنَّ الْفِعْل من اثْنَيْنِ أَو أَكثر وَذَلِكَ لأَنَّك تَقول ضربت ثمّ تَقول ضارَبت فتخبر أَنَّه قد كَانَ إِليك مثلُ مَا كَانَ مِنْك وَكَذَلِكَ شاتمت فإِن لم يكن فِيهِ فعَلَ فَهُوَ فِعْل من وَاحِد نَحْو عَاقَبت اللص وطارقت نعلى والمصدر يكون على مفاعَلة نَحْو قَاتَلت مُقاتلة وشاتمت مُشاتمة وَيَقَع اسْم الْفِعْل على فِعال نَحْو القِتال والضراب وَاعْلَم أَنَّ الْفِعْلَيْنِ إِذا اتَّفقا فِي الْمَعْنى جَازَ أَن يحمل مصدر أَحدهما على الآخر لأَنَّ الْفِعْل الَّذِي ظهر فِي معنى فعله الَّذِي ينصبه / وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك أَنا أَدَعُك ترْكاً شَدِيدا وَقد تطوَّيت انطواءً لأَنَّ تطوّيت فِي معنى انطويت قَالَ الله عزَّ وجلَّ {وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا} لأَنَّ تبتَّل وبتَّل بِمَعْنى وَاحِد وَقَالَ {وَالله أنبتكم من الأَرْض نباتا} وَلَو كَانَ على أَنبتكم لَكَانَ إِنباتا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس

(وَرُضْتُ فذلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلاَلِ)

وَلَو كَانَ على ذلَّت لَكَانَ أَيّ ذُلٍّ لَكِن رُضْتُ فِي معنى أَذللت وَيكون الْفِعْل على (فعَّل) فَيكون مستقبله على (يُفَعِّل) لأَنَّه فِي وزن فاعَل وأَفْعَل فَلذَلِك وَجب أَن يكون مستقبله {كمستقبَلهما} والمصدر على التفْعِيل نَحْو قطَّعت تقطيعا وكسّرت تكسيرا وَهَذِه الأَفعال الْفَصْل بَين فاعلها ومفعولها كسرةٌ تلْحق الْفَاعِل قبل آخر حُرُوفه وفتحةُ ذَلِك الْحَرْف من / الْمَفْعُول نَحْو قَوْلك مُكرِم ومُكرَم ومُقاتِلٌ ومُقاتَلٌ ومُقطِّع ومُقطَّع وَمَا كَانَ من المصادر الَّتِي فِي أَوائلها الْمِيم أَو أَسماء الْمَوَاضِع الَّتِي على ذَلِك الحدّ أَو الأَزمنةِ فعلى وزن الْمَفْعُول لأَنَّها مفعولات فالمصدر مفعول أَحدثه الْفَاعِل وَالزَّمَان وَالْمَكَان مفعول فيهمَا وَذَلِكَ قَوْلك أَنزلته مُنْزلا قَالَ الله عزَّ وجلَّ {ليدخلنهم مدخلًا يرضونه} و {بِاسْم اللهِ مَجْريها وَمُرْسَاهَا} وَتقول هَذَا مقاتَلنا أَي مَوضِع قتالنا كَمَا قَالَ

(أُقاتِلُ حتّى لَا أَرَى لي مُقاتَلا ... وأَنجو إِذا غُمَّ الجَبانُ من الكرْبِ)

وَتقول سرّحته مُسرّحا أَي تسريحا قَالَ

(أَلمْ تَعْلمْ مُسَرَّحِيَ القوافِي ... فلاعِياً بهنّ وَلَا اجتلابا)

وَيكون الْفِعْل على (افْتعَلَ) فَيكون مستقبله على (يَفْتعِلُ) والمصدر الافْتِعال وَيكون الْفَاعِل مُفْتعِلا على مَا وصفت وَيكون على (انْففعَلَ) وَهُوَ فِي وزن (افْتعَل) وَيكون الْمُسْتَقْبل (يَنْفَعِل) / على وزن (يفْتعِل) وَهُوَ بناءٌ لَا يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلى الْمَفْعُول ومصدره (الانْفِعال) على وزن (الافْتِعال) وفاعله (مُنْفعِل) وَلَا يَقع فِيهِ (مفعول) إِلاّ الظرفان الزَّمَان وَالْمَكَان تَقول هَذَا يَوْم مُنْطَلق فِيهِ و (يَنْفعِل) يكون على ضَرْبَيْنِ فأَحدهما أَن يكون لما طاوع الْفَاعِل وَهُوَ أَن يرومه الْفَاعِل فيبلغَ مِنْهُ حاجَته وَذَلِكَ قَوْلك كسَرته فانكسر وقطعته فَانْقَطع وَيكون للْفَاعِل بالزوائد فِعْلا على الْحَقِيقَة نَحْو قَوْلك انْطلق عبد الله وَلَيْسَ على فعَلْته وَفِي هَذَا الْوَزْن إِلاَّ أَنَّ الإِدغام يُدْرِكهُ لأَنَّك تزيد على اللَّام مِثْلَها وَذَلِكَ قَوْلك احمرَّ واخضرَّ وأَصله احْمَرر يتَبَيَّن ذَلِك لَك إِذا جعلت الْفِعْل لنَفسك وَقلت احمرَرْت لأَنَّ التَّضْعِيف يظْهر إِذا سكن آخِره فَيصير احمررت على وزن انفعلت وافتعلت وَالْفَاعِل / مِنْهُ مُحْمَرّ وأَصله محُمَرِر وَهُوَ فِعْل لَا يتعدّى الْفَاعِل لأَنَّ أَصل هَذَا الْفِعْل إِنَّما هُوَ لما يحدث فِي الْفَاعِل نَحْو احمرَّ واعوَرَّ فإِن وَقع ذَلِك للمكان أَو الزَّمَان قلت مَكَان مُحْمَرّ فِيهِ ومُعْورّ فِيهِ وَيكون الْمصدر على مِثَال (افْعِلال) نَحْو الاحمرار والاصفرار فَذَلِك على وزن الافْتِعَال والانْفِعَال وَيكون الْفِعْل على مِثَال (اسْتفْعَلْت) نَحْو استخرجت واستكثرت وَيكون مستقبله على (يَسْتفْعِل) نَحْو يَسْتَخْرِج ويَسْتكْثِر وَيكون الْمصدر (اسْتِفْعَالا) نَحْو استخراجا واستكثارا وَالْفَاعِل مُسْتخْرِج وَالْمَفْعُول مُسْتخْرَج وَيكون على مِثَال (افْعَنْللْت) و (افْعَوْعَلْت) إِلاَّ أَنَّ (افْعَنْللْت) فنحتاج أَن نعيد ذكرهَا فِي بَاب الْأَرْبَعَة وَذَلِكَ قَوْلك: اقعنسس، وَفِي افعوعل: اغدودن والمصدر كمصدر (استفعلت) تَقول من (افعنللت) : (افْعِنْلالا) وَمن (افْعَوْعَلْت) (افْعِيعَالا) تقلب الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا وسكونها وَيكون على افْعَوَّلْت نَحْو اعْلوَّطْت تَقول اعْلوَّط الرجل إِذا ركب دابّته فضّم بيدَيْهِ على عُنُقهَا إِذا خَافَ السُّقُوط والمصدر (اعْلِوَّاطا) تصحّ الْوَاو لأَنَّها مشدّدة وكلَّما صحّت الْوَاو فِي الْفِعْل صحّت فِي الْمصدر وَيكون على (افْعَاللْت) فَيكون على هَذَا الْوَزْن إِلاّ أَنَّ الإِدغام يُدْرِكهُ والأَصل أَن يكون على وزن استخرجت وَمَا ذكرنَا بعْدهَا وَذَلِكَ قَوْلك احمارَرْت واشهابَبْت واحمارّ الدابّة واشهابّ والمصدر (افْعِيلال) على وزن اسْتِخْرَاج وَذَلِكَ قَوْلك احمارٌ احميرارا وَهَذَا الْوَزْن أَكثر مَا يكون عَلَيْهِ الِاسْم حروفا وَلَا يُوجد اسْم على سَبْعَة أَحرف إِلاّ فِي مصدر الثَّلَاثَة والأَربعة المزيدة وَيكون الفِعْل على (تَفعَّلَ) فَيكون على ضَرْبَيْنِ على المطاوعة من (فعّل) فَلَا يتَعَدَّى نَحْو قَوْلك قطَّعته فتقطَّع وكسّرته فتكسّر فَهَذَا للمطاوعة وَيكون على الزِّيَادَة / فِي فِعْل الْفَاعِل نَحْو تقحّمت عَلَيْهِ وتقدّمت عَلَيْهِ والأَصل إِنَّما هُوَ من قحّمته فتقحّم وقدّمته فتقدّم والمصدر التَفَعُّل نَحْو التقَدُّم والتقَحُّم فإِذا كَانَ على زِيَادَة غير (فَعَّلَ) كَانَ مثل تكلَّم وَمثل مَا يَقُول النحويّون إِنّه يخرج من هَيْئَة إِلَى هَيْئَة نَحْو نشجّع وتجمّل وتصنّع وَيكون على (تَفَاعَل) كَمَا كَانَ (تَفَعَّل) لأَنَّ هَذِه التاءَ إِنَّما لحقت فعَّل وفاعَل فِي الأَصل فَيكون على ضَرْبَيْنِ أَحدهما المطاوعة وَذَلِكَ نَحْو ناولته فَتَنَاول وَلَيْسَ كَقَوْلِك كسَرْتُه فانكسر لأَنَّك لم تخبر فِي قَوْلك انْكَسَرَ بِفعل مِنْهُ على الْحَقِيقَة وأَنت إِذا قلت قدّمته فَتقدم وناولته فَتَنَاول تخبر أَنَّه قد فَعَل على الْحَقِيقَة مَا أَردت مِنْهُ فإِنَّما هَذَا كَقَوْلِك أَدخلته فَدخل وَيكون على ضرب آخر وَهُوَ أَن يظْهر لَك من نَفسه مَا لَيْسَ عِنْده وَذَلِكَ نَحْو تعاقل وتغابَى وتغافل كَمَا قَالَ (إِذَا تَخَازَرْتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرْ)

والمصدر (التَّفَاعُل) على وزن / التفعُّل فَفِي مَا ذكرنَا دَلِيل على كلِّ مَا يرد عَلَيْك من هَذِه الأَفعال إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب معرفَة أَلفات الْقطع وأَلفات الْوَصْل وهنّ همزات فِي أَوائل الأَسماءِ والأَفعال والحروف[عدل]

فَمَا كَانَ من ذَلِك أَصليّا فهمزته مَقْطُوعَة لأَنَّها بِمَنْزِلَة سَائِر الْحُرُوف وَكَذَا إِذا أُلحقت بِغَيْر مَا استثنيته لَك وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك فِي الْهمزَة الأَصليّة أَب وأَخ والزائدة أَحْمَر وأَصْفَر تَقول رأَيت أَباك وأَخاك وأَحمر وأَصفر وَفِي الأَفعال الْهمزَة الأَصليّة نَحْو همزَة أَكل وأَخَذَ والزائدة همزَة أَعْطى وأَكرم تَقول يَا زيد أَحْسِنْ وأَكْرِمْ فأَمَّا الْهمزَة الَّتِي تسمّى أَلف الْوَصْل فموضعها الفِعْل وتلحق من الأَسماء أَسماء بِعَينهَا مختلَّة والمصادر الَّتِي أَفعالُها فِيهَا أَلفُ / الْوَصْل وإِنَّما دخلت هَذِه الأَلف لسكون مَا بعْدهَا لأَنَّك لَا تقدر على أَن تبتدئ بساكن فإِذا وصلت إِلى التكلُّم بِمَا بعْدهَا سَقَطت وإِنَّما تصل إِلى ذَلِك بحركة تُلقى عَلَيْهِ أَو يكون قبل الأَلف كَلَام فيتصَّل بِهِ مَا بعْدهَا وَتسقط الأَلف لأَنَّها لَا أَصل لَهَا وإِنَّما دخلت توصّلا إِلى مَا بعْدهَا فإِذا وصل إِليه فَلَا معنى لَهَا فآية دُخُولهَا فِي الفِعْل أَن تَجِد الياءَ فِي يَفْعَل مَفْتُوحَة فَمَا كَانَ كَذَلِك فلحقته الأَلف فَهِيَ أَلف الْوَصْل وَذَلِكَ قَوْلك يَضرب ويَذهب ويَنطلق ويَستخرج وَذَلِكَ قَوْلك يَا زيد اضربْ وَيَا زيد انطلقْ وَيَا زيد استخرجْ فإِن انضمّت الياءُ فِي (يَفْعل) لم تكن الأَلف إِلاّ قطعا وَذَلِكَ نَحْو أَحسن وأَكرم وأَعطى لأَنَّك تَقول يُكَرِم ويُحْسِن ويُعْطِي تكون الأَلف ثَابِتَة كَمَا تكون دَال دحْرج لأَنَّ حُرُوف المضارعة تنضم فِيهَا كَمَا تنضم مَعَ الأُصول فِي مثل قَوْلك / يُدَحرج ويُرامي فكلّ مَا كَانَ من الفِعْل أَلفُه مَقْطُوعَة فَكَذَلِك الأَلف فِي مصدره تَقول يَا زيد أَكْرِمْ إِكراما وأَحْسِنْ إِحسانا وإِذا كَانَت فِي الْفِعْل مَوْصُولَة فَكَذَلِك تكون فِي مصدره تَقول يَا زيد استخرج استخراجا واِنطلق اِنطلاقا وَهَذِه الأَلف الموصولة أَصلها أَن تبتدئ مَكْسُورَة تَقول اِعلم اِنطلق فإِن كَانَ الثَّالِث من (يَفْعل) مضموما ابتُدئت مَضْمُومَة وَذَلِكَ لكرهيتهم الضمَّ بعد الْكسر حتىَّ أَنَّه لَا يُوجد فِي الْكَلَام إِلا أَن يَلْحَق الضمُّ إِعرابا نَحْو قَوْلك فخِذٌ كَمَا ترى فكرهوا أَن يلتقي حرف مكسور وحرفٌ مضموم لَا حاجزَ بَينهمَا إِلاَّ حرفٌ سَاكن وَذَلِكَ قَوْلك فِي ركض يرْكضُ وَعدا يَعْدُو وَقتل يقتل إِذا استأْنفت اركُضْ برجلك اُعْدُ يَا فَتى اُقْتُلْ وَكَذَلِكَ / للمرأَة تَقول اُقْتُلي لأَنَّ العلَّة وَاحِدَة تَقول لَهَا اُغْزِي أُعْدِي لأَنَّ الأَصل كَانَ أَن تثبت الْوَاو قبل الياءِ ولكنَّ الْوَاو كَانَت فِي يَعْدُو سَاكِنة والياءُ الَّتِي لحقت للتأْنيث سَاكِنة فَذَهَبت الْوَاو لالتقاء الساكنين والأَصل أَن تكون ثَابِتَة فاستؤنفت أَلف الْوَصْل مَضْمُومَة على أَصل الْحَرْف لأَنَّ يعْدو بِمَنْزِلَة يقتل وَكَذَلِكَ تَقول اُسْتُضعِف زيد اُنْطُلِقَ بِهِ اُقْتُدِرَ عَلَيْهِ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وأَمَّا وُقُوع أَلفات الْوَصْل للاسماءِ فقولك ابْن وَاسم وامرؤ كَمَا ترى فأَمَّا ابْن فإِنَّه حرف مَنْقُوص مُسكَّن الأَوَّل فَدخلت لسكونه وإِنَّما حدث فِيهِ هَذَا السّكُون لِخُرُوجِهِ عَن أَصله وَمَوْضِع تَفْسِيره فِيمَا نذكرهُ من بَنَات الحرفين وَكَذَلِكَ اسْم فإِن صغَّرتهما أَو غَيرهمَا ممّا فِيهِ أَلف الْوَصْل من الأَسماءِ سَقَطت الأَلف لأَنَّه يَتَحَرَّك مَا بعْدهَا فَيمكن الابتداءُ بِهِ وَذَلِكَ قَوْلك بُنيّ وسُمَيّ تسْقط الأَلف وتردّ مَا ذهب مِنْهُمَا / وأَمَّا امْرُؤ فَاعْلَم فإِنَّ الْمِيم مَتى حركّت سَقَطت الأَلف تَقول هَذَا مَرْءٌ فَاعْلَم وكما قَالَ تَعَالَى {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} وَهَذَا مُرَيْىٌ فَاعْلَم وَمن قَالَ امْرُؤ قَالَ فِي مؤنثَّه امرأَة وَمن قَالَ مَرْءٌ قَالَ فِي مؤنَّثه مَرْأَة وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت امْرُؤ فَاعْلَم ابتدأَت الأَلف مَكْسُورَة وإِن كَانَ الثَّالِث مضموما وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة اُرْكُضْ لأَنَّ الضمّة فِي اُركُضْ لَازِمَة وَلَيْسَت فِي قَوْلك اُمرؤ لَازِمَة لأَنَّك تَقول فِي النصب رأَيت امْرأ {وَفِي الجرّ} مَرَرْت بامرِئ فَلَيْسَتْ بلازمة وأَمّا قَوْلنَا إِذا تحرّك الْحَرْف السَّاكِن فبتحويل الْحَرَكَة عَلَيْهِ سَقَطت أَلف الْوَصْل فَمن ذَلِك أَن تَقول اِسأَلْ فإِن خفَّفت الْهمزَة فإِنّ حكمهَا إِذا كَانَ قبلهَا حرف سَاكن أَن تحذف فَتلقى على السَّاكِن حركتها فَيصير بحركتها متحرِّكا وَهَذَا نأْتي على تَفْسِيره فِي بَاب الْهمزَة إِن شاءَ الله وَذَلِكَ قَوْلك سَلْ لأَنَّك لمّا قلت اسأَلْ حذفت الْهمزَة فَصَارَت اِسَلْ / فَسَقَطت أَلف الْوَصْل لتحرّك السِّين قَالَ الله عزَّ وجلَّ {سل بني إِسْرَائِيل} وَمن ذَلِك مَا كَانَت الياءُ وَالْوَاو فِيهِ عينا نَحْو قَالَ وَبَاعَ لأَنَّك تَقول يقُول ويبيِع فتحوّل حَرَكَة الْعين على الفاءِ فإِذا أَمرت قلت قُلْ وبعْ لأَنَّهما متحرّكان وَلَو كَانَتَا على الأَصل لَقلت قَوَلَ وبَيَعَ على مِثَال قتلَ وضَربَ يَقْوُل ويَبْيع على مِثَال يقتل وَيضْرب ولقلت أُقْوُلْ كَمَا تَقول اُقْتُلْ وَقلت اِبْيعْ كَمَا تَقول اِضْربْ لسكون الْحَرْف وَمن ذَلِك مَا كَانَت فاؤه واوا وَوَقع مضارعه على يَفْعِل لأَنَّك تحذف الْوَاو الَّتِي هِيَ فاءٌ فتستأْنف الْعين متحركة فَتَقول عِدْ وزِنْ لأَنَّهما من وعَد وَوزن يَعِدُ ويزَنُ ففاؤهما وَاو تذْهب فِي يَفْعِل وإِنَّما الأَمر من الْفِعْل الْمُسْتَقْبل لأَنَّك إِنَّما تأْمره بِمَا لم يَقع وكلّ مَا جاءَك من ذَا فعلى هَذَا فَقِسْ إِن شاءَ الله وَمن أَلفات الْوَصْل الأَلف الَّتِي تلْحق مَعَ اللَّام للتعريف / وَزعم الْخَلِيل أَنَّها كلمة بِمَنْزِلَة قَدْ تنفصل بِنَفسِهَا وأَنَّها فِي الأَسماءِ بِمَنْزِلَة سَوف فِي الأَفعال لأَنَّك إِذا قلت جاءَني رجل فقد ذكرت منكورا فإِذا أَدخلت الأَلف وَاللَّام صَار معرفَة معهودا وإِذا قلت زيد يأْكل فأَنت مُبْهم على السَّامع لَا يدْرِي أَهو فِي حَال أَكْلِ أَم يُوقع ذَلِك فِيمَا يسْتَقْبل فإِذا قلت سيأْكل أَو سَوف يأْكل فقد أَبنت أَنَّه لما يسْتَقْبل وَلَو احْتَاجَ شَاعِر إِلى فصل الأَلف وَاللَّام لاستقام ذَلِك وَكَانَ جَائِزا للضَّرُورَة كَمَا يجوز مثله فِي سَوف وقلَّما وقَدْ نَحْوهَا من الْحُرُوف الَّتِي تكون أَصلا للأَفعال كَمَا قَالَ حَيْثُ اضْطر الشَّاعِر

(صددتِ فأَطْوَلتِ الصدودَ وقَلَّمَا ... وصالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدومُ)

وإِنَّما قلَّما للْفِعْل وعَلى هَذَا قَالَ الشَّاعِر حَيْثُ اضطرّ

(دَعْ ذَا وعجّلْ ذَا وأَلْحِقْنا بِذَلْ ... بِالشَّحْم إِنَّا قد ملِلْناه بَجَلْ)

ففصل / الأَلف وَاللَّام على أَنَّه قد ردّهما فِي الْبَيْت الثَّانِي وَقد شرحت لَك أَنَّ هَذِه الأَلف إِذا اتَّصلت بِالِاسْمِ الَّذِي فِيهِ كَلَام قبله سَقَطت إِذْ كَانَت زَائِدَة لسكون مَا بعْدهَا تَقول أَستخرجت من زيد مَالا إِذا إِذا كنت مستفهما لأَنَّ أَلف الِاسْتِفْهَام لمّا دخلت سَقَطت أَلف الْوَصْل فَمن ثَمّ ظَهرت أَلف اسْتِفْهَام مَفْتُوحَة قَالَ الله عزَّ وجلَّ {سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم} فَذَهَبت أَلف الْوَصْل فإِن لحقت أَلفُ الِاسْتِفْهَام أَلفِ الْوَصْل الَّتِي مَعَ اللَّام لم تحذف لأَنَّها مَفْتُوحَة فَلَو حذفت لم يكن بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر فَصْل ولكنَّها تجْعَل مدّة فَتَقول آلرجل قَالَ ذَاك آلغلام ضربك وَكَذَا حكم كلّ أَلف وصل تقع مفتوحةٌ وَلَا نعرفها مَفْتُوحَة إِلاَّ الَّتِي مَعَ اللَّام وأَلف آيم الَّتِي تقع فِي الْقسم فإِنَّك إِذا استفهمت عَنْهَا قلت آيْمُ الله لقد كَانَ ذَاك والعلَّةُ الفرقُ بَين الْخَبَر والاستخبار

هَذَا بَاب تَفْسِير بَنَات الْأَرْبَعَة من الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال بِمَا يلْحقهَا من الزَّوَائِد[عدل]

فالاسم من بَنَات الاربعة يكون على مِثَال (فُعْلُول) وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك عُصْفُور وزُنْبُور فالواو وحدَها زَائِدَة وَيكون على مِثَال (فِعْلِيل) نَحْو دِهْليز وقنديل وَيكون على مِثَال (فِعْلال) نَحْو سِرداح وحِمْلاق وَيكون على مِثَال (فُعالِل) نَحْو عُذافِر وعُلابِط وتلحق الافعال الزَّوَائِد فَيكون على مِثَال تَفَعْلَلَ وَذَلِكَ نَحْو تدحرج وتَسَرْهَف وَهَذَا مِثَال لَا يتعدّى لأَنَّه فِي معنى الانفعال وَذَلِكَ قَوْلك دحرجته فتدحرج وسرهفته فتَسَرْهَف وَيكون بالزوائد على مِثَال (افْعَنْلَل) وَذَلِكَ نَحْو احْرَنْجَم واخْرَنْطَم وأَلف هَذَا مَوْصُولَة لأَنَّك إِذا قلت يَحْرَنْجِم فتحت الياءَ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَفِيمَا كُتِب لَك دَلِيل على الْمعرفَة بِموضع الزَّوَائِد

هَذَا بَاب مَا كَانَ فاؤه واواً من الثَّلَاثَة[عدل]

اعْلَم أَنَّ هَذِه الْوَاو إِذا كَانَ الْفِعْل على (يَفْعِل) سَقَطت فِي الْمُضَارع وَذَلِكَ قَوْلك وعَد يَعِد ووجَد يَجِد ووسَم يَسِم وسقوطها لأَنَّها وَقعت موقعا تمْتَنع فِيهِ الواوات وَذَلِكَ أَنَّها بَين ياءٍ وكسرة وجُعِلت حُرُوف الْمُضَارع الأُخَر توابعَ للياءِ لئلاَّ يخْتَلف الْبَاب ولأَنَّه يلْزم الْحُرُوف مَا لزم حرفا مِنْهَا إِذْ كَانَ مجازُها وَاحِدًا وَقد بينّت لَك أَنَّه إِذا اعتلّ الفِعْل اعتلّ الْمصدر إِذا كَانَ فِيهِ مِثْلُ مَا يكون فِي الْفِعْل فإِن كَانَ الْمصدر من هَذَا الْفِعْل على مِثَال فَعْلٍ ثبتَتْ واوه لأَنَّه لَا علَّة فِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك وعدته وَعْدا ووصلته وَصْلا وإِن بنيت الْمصدر على فِعْلَة لزمَه حذف الْوَاو وَكَانَ ذَلِك للكسرة فِي الْوَاو وأنَّه مصدر فِعْل معتلّ مَحْذُوف وَذَلِكَ قَوْلك وعدته عِدَةً ووزنته زِنَةً وَكَانَ الأَصل وِعْدَة ووِزْنَة / ولكنَّك أَلقيت حَرَكَة الْوَاو على الْعين لأَنَّ الْعين كَانَت سَاكِنة وَلَا يُبتدأُ بِحرف سَاكن والهاءُ لَازِمَة لهَذَا الْمصدر لأَنَّها عِوَض ممّا حذف أَلا ترى أَنَّك تَقول أَكرمته إِكراما وأَحسنت إِحسانا فإِن اعتلَّ الْمصدر لحقته الهاءُ عِوَضا لما ذهب مِنْهُ وَذَلِكَ قَوْلك أَردت إِرادةً وأَقمت إِقامةً وَلَو صحّ لَقلت فِيهِ أَقْوَمْن إِقْوَاما وَلم تحتج إِلى الهاءِ وَكَذَلِكَ عِدة وزِنة وَلَو بنيت اسْما على (فِعْلَة) غيرَ مصدر لم تحذف مِنْهُ شَيْئا نَحْو قَوْلك وِجْهة لأَنَّه لَا يَقع فِيهِ فعَل يَفْعل وإِن كَانَ فِي معنى المصادر وإِنَّما اعتلّ الْمصدر للكسرة واعتلال فِعْله فإِن انْفَرد بِهِ أَحدهما لم يَعْتَلِل أَلا ترى أَنَّك تَقول وعدته وَعْدا وَمثل ذَلِك خِوان لم تنْقَلب واوه يَاء لأَنَّه لَيْسَ بمصدر وَكَذَلِكَ الجِوار لَا يعتلّ أَنَّه مصدر جَاوَرت فيصحّ كَمَا صحّ فِعْله وَتقول قُمْت قيَاما فيعتلّ الْمصدر لاعتلال فعله والكسرة / الَّتِي فِيهِ وَلَو قلت قلت قَوْلا لصحّ الْمصدر لأَنَّه لَا علَّةَ فِيهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَة (وَعْدا) من وعدت فإِن كَانَ الْفِعْل على (فَعِلَ) كَانَ مضارعه صَحِيحا إِذا كَانَ على (يَفْعَل) وَذَلِكَ قَوْلك وجِل يَوْجَل ووحِل يَوْحَل ووَجِعَ الرجل يَوْجَع لأَنَّ الْوَاو لم تقع بَين ياءٍ وكسرة وثباتُ الْوَاو بعد الياءِ إِذا لم تكن كسرة غيرُ مُنْكَر كَقَوْلِك يَوْم وَمَا أَشبهه وَقد استنكر ذَلِك بَعضهم وَله وَجه من الْقيَاس فَقَالُوا يَيْجَل وَيَيْحَل وَلَيْسَ ذَلِك بجيّد لأَنَّ الْقلب إِنَّما يجب إِذا سكن أَوَّل الحرفين نَحْو سيّد وميّت وأَصلهما سَيْوِد ومَيْوِت أَنَّه من سَاد يسود وَمَات يَمُوت وَكَذَلِكَ لَيَّة إِنَّما هِيَ لَوْية لأَنَّها من لويت وَقَالَ قوم نكسر أَوائل المضارعة لتنقلب الْوَاو يَاء أَنَّ الْوَاو الساكنة إِذا انْكَسَرَ مَا قبلهَا انقلبت يَاء كَمَا ذكرت لَك فِي ميزَان وميعاد فَقَالُوا نقُول يِيْجَل ويِيْحَل وَلَو كسروا الأَحْرُف الثَّلَاثَة الْهمزَة والتاءَ النُّون لَكَانَ قِيَاسا على قَوْلك بِالْكَسْرِ فِي بَاب فَعِل كلِه إِذا / قلت أَنا إِعْلَمُ وأَنت تِعْلَمُ وَلَكِن لمّا كسروا الياءَ فِي يِيجل علمنَا أَنَّ ذَلِك لتنقلب الْوَاو وَلَوْلَا ذَلِك لم يكسروا الياءَ وَهَذَا قَبِيح لإدخالهم الْكسر فِي الياءِ وَقَالَ قوم وهم أَهل الْحجاز نبدُلها على مَا قبلهَا فَنَقُول يَا جَل وَيَا حَل وهم الَّذين يَقُولُونَ مُوتَعِد ومُوتَزِن وَيَا تَعِد وَيَا تَزِن وَهَذَا قَبِيح لأَنَّ الياءَ وَالْوَاو إِنَّما تبدلان إِذا انْفَتح مَا قبلهمَا وكلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي مَوضِع حَرَكَة نَحْو قَالَ وَبَاعَ وغزا وَرمى فأَما إِذا سكنا وقبلَ كلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فتحةٌ فإِنَّهما غير مُغيَّرتين نَحْو قَوْلك قَوْل وبَيْع وَكَذَا إِذا سكن مَا قبلهمَا لم تغيرا كَقَوْلِك رَمْى وغَزْو وإِنَّما الْقيَاس وَالْقَوْل الْمُخْتَار يَوْجَل ويَوْحَل وَهَذِه الأَقاويل الثَّلَاثَة جَائِزَة على بُعْد

هَذَا بَاب مَا لحقته الزَّوَائِد من هَذَا الْبَاب[عدل]

اعْلَم أَنَّك إِذا قلت افْتَعَل ومُفْتَعل وَمَا تصرّف مِنْهُ فإِن / الْوَاو من هَذَا الْبَاب تقلب فِيهِ تَاء وَذَلِكَ الِاخْتِيَار والقولُ الصَّحِيح وإِنَّما فعلوا ذَلِك لأَنَّ التاءَ من حُرُوف الزَّوَائِد وَالْبدل وَهِي أَقرب الزَّوَائِد من الْفَم إِلى حُرُوف الشّفة فإِن قلت إِنَّ السِّين من حُرُوف الْبَدَل فسنبين أَنَّ السِّين لَيست من حُرُوف الْبَدَل وإِنَّما تلْزم استفعل وَمَا تصرّف مِنْهُ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَقد كَانَت التاءُ تبدل من الْوَاو فِي غير هَذَا الْبَاب فِي قَوْلك أَتْلَجَ وإِنَّما هُوَ من ولج وَكَذَلِكَ فلَان تُجاه فلَان وَهُوَ فُعال من الْوَجْه والتراثُ من ورِثت والتُخَمة من الوخامة وَهَذَا أَكثر من أَن يُحْصى فلمّا صرت إِلى افتعل من الْوَاو كَرهُوا ترك الْوَاو على لَفظهَا لما يلْزمهَا من الانقلاب بالحركات قبلهَا وَكَانَت بعْدهَا تاءٌ لَازِمَة فقلبوها تَاء وأَدغموها فِي التاءِ الَّتِي بعْدهَا وَذَلِكَ قَوْلك اتَّعد واتَّزن ومُتَّعِد ومُتَّزِن ومُتَّجِل من وجِلت وَكَانَت الياءُ من قِبَل الزَّوَائِد مخالفةٌ للواو فِيمَا فاؤه واوٌ وَذَلِكَ قَوْلك يَبِس ويَئِس وإِذا قلت يَيْبِس ويَيْئِس وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فعَلَ مِنْهُ مَفْتُوحًا نَحْو يعَرَ الجَدْي يَيْعِر وينَع يينِع لم تحذف الياءَ / لوقوعها بَين الياءِ والكسرة لأَنَّه لَيْسَ فيهمَا مَا فِي الْوَاو فَلذَلِك ثبتتْ كَمَا ثبتَتْ ضاد يضْرب وَعين يَفْعَل فَمن قَالَ فِي يبِس ويئِس ييبس ويَيْأَس فَهُوَ على قِيَاس من قَالَ يَوْجَل وَبَعض من يَقُول يَا جَل يَقُول ياءَس ويابَس وَهَذَا رَدِيء جدّا فإِذا صرت إِلى بَاب يَفْتَعِل ومُفْتَعِل صَارَت الياءُ فِي الْبَدَل كالواو تَقول مُتَّيِس ومُتَّئِس وإِنَّما صَارَت كَذلك لأَنَّ الياءَ إِذا انْضَمَّ مَا قبلهَا صَارَت واوا لسكونها فالتبست بِالْوَاو ولأَنَّ الْوَاو إِذا انْكَسَرَ مَا قبلهَا صَارَت يَاء أَلا ترى أَنَّك تَقول مُوْسِر ومُوْقِن فتقلب الياءَ واوا كَمَا فعلت ذَلِك بِالْوَاو فِي ميزَان فقد خرجنَا فِي مفْتَعل إِلى بَاب وَاحِد فأَمّا من يَقُول يَا جلّ فإِنه يَقُول ياتئِس وياتزِن وموتئِس وموتزن فإِذا أَراد افتعل قَالَ ايْتَزَنَ الرجل وَيَقُول ايْتَبَس إِذا أَرادوا افتعل من اليبس ويقيس هَذَا أَجْمعَ على مَا وصفت لَك وَهُوَ قَول أَهل الْحجاز والأَصل وَالْقِيَاس مَا بدأْنا بِهِ والضَّمّة مستثقلة فِي / الْوَاو لأَنَّها من مخرجها وهما جَمِيعًا من أَقلّ المخارج حروفا ونبيّن هَذَا فِي بَابه إِن شاءَ الله فَمَتَى انضمّت الْوَاو من غير علَّة فهمزها جَائِز وَذَلِكَ قَوْلك فِي وُجوه أُجوه وَفِي وُعِدَ أُعِدَ وَمن ذَلِك قَوْله {وَإِذا الرُّسُل أقتت} إِتَّما هِيَ فُعِّلت من الْوَقْت وَكَانَ أَصلها وُقِّتت وأَمَّا قَوْلنَا إِذا انضمت لغير علَّة فإِن العلَّة أَن يحدث فِيهَا حَادث إِعراب وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا غَزْوٌ وَعَدْو وَيكون لالتقاء الساكنين كَقَوْلِك اخْشَوُا الرجل {لترون الْجَحِيم} {وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم} وإِنَّما وَجب فِي الأَوّل مَا لم يجب فِي هَذَا لأَنَّ الضمة هُنَاكَ لَازِمَة تَقول وُعِدَ فَلَا تزايلها الضمة مَا كَانَت لما لم يُسَّم فاعلُه وَفِي قَوْلك وُجوه لَا يكون على غير هَذِه البِنْية وَكَذَلِكَ كلّ مَا كَانَت ضمّته على هَذِه البِنْية فأَمَّا من ضمَّ للإِعراب فإِنَّ ضمّته / لِعَلَّة مَتى زَالَت تِلْكَ العلَّة زَالَت الضمة تَقول هَذَا غَزْوٌ ورأَيت غَزْواً ومررت بغزْوٍ فالضمة مُفَارقَة وَكَذَلِكَ مَا ضُمَّ لالتقاء الساكنين إِنَّما ضمّته إِذا وَقع إِلى جَانب الْوَاو سَاكن نَحْو اخشَوْا الرجل فإِن وَقع بعْدهَا متحرّك زَالَت الضمّة نَحْو قَوْلك اخشوْا زيدا واخشَوْا عبد الله فإِن انْكَسَرت الْوَاو أَوّلا فهمزها جَائِز وَلَا تهمزها مَكْسُورَة غيرَ أَوّل لعلَّةٍ نذكرها إِن شاءَ الله وَذَلِكَ فِي قَوْلك وِسادة إِسادة وَفِي وِشاح إِشاح وإِن الْتَقت فِي أَوَّل الْكَلِمَة واوان لَيست إِحداهما للمدّ لم يكن بُدٌّ من همز الأُولى إِذ كنت مخيّرا فِي همز الْوَاو إِذا انضمَّت وَذَلِكَ قَوْلك فِي تَصْغِير واصِل أُوَيْصَل وَكَانَ أَصلها وُوَيْصِل لأَنَّ فِي وَاصل واوا وأَلف فاعِل تبدل فِي التصغير واوا تَقول فِي ضَارب ضُويرب وَجمع التكسير بِمَنْزِلَة التصغير وَذَلِكَ قَوْلك فِي جمع ضاربة ضوارب فتقلب الأَلف واوا فاجتمعت فِي وَاصل واوان إِذا صغَّرته أَو جمعت واصلة تَقول فِي جمعهَا أَواصِل وَكَذَلِكَ تَصْغِير وَاقِد وَلَو قيل لَك ابْنِ مِنْ وعد مثل فَوْعَل لَقلت أَوْعَد وَكَانَ أَصلها وَوْعَد لأَنَّ واوا من الأَصل وَبعدهَا وَاو فَوْعَل فهمزت الأُولى على مَا وصفت لَك وأَمَّا قَوْلنَا إِلاَّ أَن تكون الثَّانِيَة مدّة فَإِن المدّة الأَلف والياءُ المكسور مَا قبلهَا وَالْوَاو المضموم مَا قبلهَا فإِذا الْتَقت وَاو فِي أَوّل الْكَلَام إِلى جَانبهَا وَاو والأُولى مَضْمُومَة فإِن شِئْت همزت الأُولى لضمّها وَلَا يكون ذَلِك لَازِما لأَنَّ الْوَاو الَّتِي هِيَ مدّة لَيست بلازمة وَذَلِكَ إِذا أَردت مثل قُووِل زيد وَهُوَ فُوعِلَ من قاولت وَمن وعدت تَقول وُوعِدَ زيد وإِن شِئْت همزت الْوَاو لضمّها وَلَيْسَ من أَجْل اجْتِمَاع / الواوين لَو كَانَ لذَلِك لم يجز إِلاَّ الْهَمْز ولكنّ المدّة بدل من أَلف واعَدَ وَلَيْسَت بلازمة إِنَّما انقلبت واوا لمّا أَردت بناءَ مَا لم يسمّ فَاعله وَمثل ذَلِك قَول الله عزَّ وجلَّ {مَا ووري عَنْهُمَا من سوآتهما} وَلَو كَانَ فِي غير الْقُرْآن لَكَانَ همز الْوَاحِد جَائِزا وأَمَّا الياءُ فَلَا يلْحقهَا من الْهَمْز مَا يلْحق الْوَاو لخروجها من العلَّة وصحتّها فِيمَا تعتلّ فِيهِ الْوَاو من بَاب وعدت

هَذَا بَاب مَا كَانَت الْوَاو أَو الْيَاء مِنْهُ فِي مَوضِع الْعين من الْفِعْل[عدل]

فإِذا كَانَت وَاحِدَة مِنْهُمَا عينا وَهِي ثَانِيَة فَحكمهَا أَن تنْقَلب أَلفا فِي قَوْلك فَعَلَ وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك قَالَ وَبَاعَ وإِنَّما انقلبت لأَنَّها فِي مَوضِع حَرَكَة وَقد انْفَتح مَا قبلهَا وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي هَذَا فإِذا قلت يَفْعل فَمَا كَانَ / من بَنَات الْوَاو فإِنَّ يفعل مِنْهُ يكون على يَفْعُل كَمَا كَانَ قتل يقتل وَلَا يَقع على خلاف ذَلِك لتظهر الْوَاو وَذَلِكَ قَوْلك قَالَ يَقُول وجال يجول وعاق يعوق وَكَانَ الأَصل يَعْوُق ويَجْوُل مثل يقتل وَلَكِن لمّا سكنت الْعين فِي (فَعَلَ) سكَّنت فِي (يفْعُل) لِئَلَّا يخْتَلف الفِعْلان أَلا ترى أَنَّك تَقول دُعِيَ فتقلب الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا فإِذا قلت يُدْعَى كَانَت أَلفها منقلبة من ياءٍ ويدلُّك على ذَلِك قَوْلك هما يُدْعَيان فإِنَّما انقلبت فِي يُدْعَيان إتباعا لدعى فَكَذَلِك مَا ذكرت لَك ونبيّن هَذَا فِي مَوْضِعه بِغَيْر مَا ذكرنَا من الْحجَج إِن شاءَ الله وإِذا قلت يَفْعل فِي فَعَلَ من الياءِ كَانَ على يَفْعِل كَمَا كَانَ ضرب يضْرب وَلم يُبْنَ على غير ذَلِك لتسلم الياءُ وَذَلِكَ قَوْلك بَاعَ يَبِيع وكال يَكِيل فأَسكنت الياءَ من الأَصل من قَوْلك يَبْيع ويَكْيِل فإِذا قلت فَعَلْت من الْوَاو لزمك أَن تلقى حَرَكَة الْعين على الفاءِ كَمَا فعلت ذَلِك فِي / يَفْعَل وَتسقط حَرَكَة الفاءِ إِلاَّ أَنَّك تفعل ذَلِك بعد أَن تنقلها من فَعَلْت إِلى فَعُلْت لتدلّ الضمة على الْوَاو لأَنَّك لَو أَقررتها على حَالهَا لاستوت ذَوَات الْوَاو وَذَوَات الياءِ وَذَلِكَ قَوْلك قُلْتُ وجُلْتُ فإِن قَالَ قَائِل إِنَّما قُلْتُ فَعُلْت فِي الأَصل وَلَيْسَت منقلبة قيل لَهُ الدَّلِيل على أَنَّها فَعَلت قَوْلك الحقُّ قُلْته وَلَو كَانَت فِي الأَصل فَعُلْت لم يتعدّ إِلى مفعول لأَنَّ فَعُلت إِنَّما هُوَ فعل الْفَاعِل فِي نَفسه أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول كرُمته وَلَا شَرُفته وَلَا فِي شيءٍ من هَذَا الْبَاب بالتعدّي وإِذا قلت فَعَلْت من الياءِ نقلتها إِلى فَعِلْت لتدلّ الكسرة على الياءِ كَمَا دلَّت الضمّة على الْوَاو وَذَلِكَ قَوْلك بِعْت وكِلْت فإِن قَالَ قَائِل مَا تنكر من أَن تكون فَعِلت فِي الأَصل قيل لأَنَّ مضارعها يَفْعِل تَقول بَاعَ يَبِيع وكال يَكِيل وَلَو كَانَت فَعِلَ لَكَانَ مضارعها يَفْعَل نَحْو شرب يشرب وَعلم يعلم / وَقد تدخل فَعِلَ على ذَوَات الياءِ وَالْوَاو وهما عينان كَمَا دخلت عَلَيْهِمَا وهما لامان فِي قَوْلك لِقي وشِقي وغبي وَذَلِكَ قَوْلك خِفْت وهبْت إِنَّما هما فَعِلت فِي الأَصل يدلُّك على ذَلِك يخَاف ويهاب فإِن قَالَ قَائِل فَلم لَا نَقَلْتَ خِفْت إِلى (فَعُلْت) لأَنَّها من الْوَاو فتنقلها من (فَعِل) إِلى (فَعُل) قيل إِنَّما جَازَ فِي (فَعَل) التَّحْوِيل لاخْتِلَاف مضارعه لأَنَّ مَا كَانَ على (فَعَل) وَقع مضارعه على (يَفْعِل) و (يَفْعُل) و (يَفْعَل) إِن كَانَ فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق نَحْو صنع يصنع وَذهب يذهب وَمَا كَانَ من فَعِل فيَفْعَل لَازم لَهُ وَقد ذكرت لَك لُزُوم الفِعْلِ بعضه بَعْضًا فِي اعتلاله وصحّته أَعني الْمُضَارع والماضي

هَذَا بَاب اسْم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول من هَذَا الْفِعْل[عدل]

فإِن بنيت فاعِلا من قلت وبعت لزمك أَن تهمز مَوضِع الْعين لأَنَّك تبنيه من فِعْل معتلٍّ فاعتلّ اسْم الْفَاعِل / لاعتلال فِعْله وَلزِمَ أَن تكون علَّته قلبَ كلِّ وَاحِد من الحرفين همزَة وَذَلِكَ قَوْلك قَائِل وبائع وَذَاكَ أَنَّه كَانَ قَالَ وَبَاعَ فأَدخلت أَلف فاعِل قبل هَذِه المنقلبة فلمّا الْتَقت أَلفان والأَلفان لَا تَكُونَانِ إِلاَّ ساكنتين لزمك الْحَذف لالتقاء الساكنين أَو التحريك فَلَو حذفت لالتبس الْكَلَام وَذهب البناءُ وَصَارَ الِاسْم على لفظ الْفِعْل تَقول فيهمَا قالٌ فحرّكت الْعين لأَنَّ أَصلها الْحَرَكَة والأَلف إِذا حُرِّكت صَارَت همزَة وَذَلِكَ قَوْلك قَائِل وبائع فإِن قلت فَمَا بالك تَقول هُوَ عاوِر غَدا وجملك صايد غَدا من الصَّيَد قيل صحّ الْفَاعِل لصحّة فِعْله لأَنَّك تَقول عَوِر وصَيِد وحول وصيِد الْبَعِير يصْيَد فَتَقول مَا باله يصحّ وَلَا يكون كقال وَبَاعَ قيل لأَنَّه مَنْقُول ممّا لابدّ أَن يجْرِي على الأَصل لسكون مَا قبله وَمَا بعده وَذَلِكَ قَوْلك اعورّ واحوَلّ فإِنَّما عوِر وحوِل مَنْقُول من هَذَا أَلا ترى / أَنَّك تَقول اخْتَار الرجلُ وابتاع ثمّ تَقول اعتونوا وازدوجوا فيصحّ لأَنَّه مَنْقُول من تعاونوا وتزاوجوا لأَنَّ هَذَا لَا يكون للْوَاحِد فإِن بنيت مَفْعُولا من الياءِ أَو الْوَاو قلت فِي ذَات الْوَاو كَلَام مَقُولٌ وَخَاتم مَصُوغ وَفِي ذَوَات الياءِ ثوب مَبِيع وَطَعَام مَكِيل وَكَانَ الأَصل مكْيُول ومقْوُول وَلَكِن لمّا كَانَت الْعين سَاكِنة كسكونها فِي يقُول ولحقتها وَاو مفعول حذفت إِحدى الواوين لالتقاءِ الساكنين ومَبِيع لحقت الْوَاو يَاء وَهِي سَاكِنة فحذفت إِحداهما لالتقاء الساكنين فأَمَّا سِيبَوَيْهٍ والخليل فإِنَّهما يزعمان أَنَّ الْمَحْذُوف وَاو مَفْعول لأَنَّها زَائِدَة وَالَّتِي قبلهَا أَصليّة فَكَانَت الزِّيَادَة أَولى بالحذف وَالدَّلِيل على هَذَا عِنْدهمَا مَبِيع فَلَو كَانَت الْوَاو ثَابِتَة والياءُ ذَاهِبَة لقالوا مَبُوع / وأَمَّا الأَخفش فَكَانَ يَقُول المحذوفة عني الْفِعْل لأَنَّه إِذا التقى ساكنان حذف الأَوّل أَو حرّك لالتقاء الساكنين فَقيل للأَخفش فإِن كَانَ الأَوّلُ الْمَحْذُوف فَقل فِي مبِيع مَبُوع لأَنَّ الياءَ من مَبِيع ذهبت والباقية وَاو مفعول فَقَالَ قد علمنَا أَنَّ الأَصل كَانَ مَبْيُوع ثمّ طرحنا حَرَكَة الياءِ على الباءِ الَّتِي قبلهَا كَمَا فعلنَا فِي يَبِيع وَكَانَت الياءُ فِي مبْيُوع مَضْمُومَة فانضمّت الباءُ وسكنت الْيَاء فأَبدلنا من الضمّة كسرة لتثبت الياءُ ثمَّ حذفنا لالتقاءِ الساكنين فصادفت الكسرةُ وَاو مفعول فقلبتها كَمَا تقلب الكسرةُ واوَ ميزَان وميعاد وَقَوله أَبدلنا من الضمّة كسرة لتثبت الياءُ إِنَّما يُرِيد كَمَا فُعِل فِي بِيْض لأَنَّ بِيضا أَصله فُعْل لأَنَّ فُعْلا جمع أَفْعَل الَّذِي يكون نعتا كَقَوْلِك أَحْمر وحُمْر وأَصْفَر وصُفْر فَكَذَا الْقيَاس فِي أَبْيض / وَلَكِن أَبدلوا من الضمّة كسرة فَقيل للأَخفش قد تركت قَوْلك لأَنَّه يزْعم أَنَّه يَفْعَل ذَلِك فِي الْجمع وَلَا يَفْعَله فِي الْوَاحِد لعلَّة نذكرها فِي بَاب الْجمع إِن شاءَ الله وَكَانَ يَقُول لَو صغت فُعْلا من الْبيَاض تُرِيدُ بِهِ وَاحِدًا لَقلت بُوْض فأَما سِيبَوَيْهٍ والخليل وَغَيرهمَا من النحويّين البصريّين فَيَقُولُونَ مَعِيشة يجوز أَن تكون مَفْعُلة وَيجوز أَن تكون مَفْعِلة ولكنْ تقلب ضمّتها كسرة حتَّى تصحَّ الياءُ كَمَا قَالُوا فِي بِيْض وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي دِيك وفِيل يجوز أَن يكون فُعْلا وَيجوز ان يكون فعلا لَا يفرقون فِي ذَلِك بَين الْوَاحِد وَالْجمع فإِذا اضطُرّ شَاعِر جَازَ لَهُ أَن يردّ مَبيعا وجميعَ بَابه إِلى الأَصل فَيَقُول مَبْيُوع كَمَا قَالَ علْقمة بن عَبَدة

(حتَّى تَذكَّرَ بَيْضَاتٍ وهَيَّجَهُ ... يومُ الرَّذاذِ عَلَيْهِ الدَّجْنُ مَغْيُومُ)

وأَنشد أَبو عَمْرو بن العلاءِ

(وكأَنَّها تُفَّاحةٌ مَطْيُوبَةٌ)

وَقَالَ آخر (نُبِّئتُ قومَك يزْعمونك سيّدا ... وإِخالُ أَنَّك سيّد مَعْيُونُ)

فأَمَّا الْوَاو فإِن ذَلِك لَا يجوز فِيهَا كراهيَةً للضمّة بَين الواوين وَذَلِكَ أَنَّه كَانَ يلْزمه أَن يَقُول مَقْوُوْل فَلهَذَا لم يجز فِي الْوَاو مَا جَازَ فِي الياءِ هَذَا قَول البصريّين أَجمعين وَلست أَراه مُمْتَنعا عِنْد الضَّرُورَة إِذ كَانَ قد جاءَ فِي الْكَلَام مثله ولكنَّه يعتلّ لاعتلال الفِعْل وَالَّذِي جاءَ فِي الْكَلَام لَيْسَ على فِعْل فإِذا اضْطر الشَّاعِر أَجرى هَذَا على ذَاك فممّا جاءَ قَوْلهم النَوُور وَقَوْلهمْ سرت سُوُورا وَنَحْوه قَالَ أَبو ذُؤَيْب

(وغيَّرَ ماءُ المَرْدِ فاها فلَوْنُه ... كَلَوْنِ النَّؤورِ وَهْيَ أَدْماءُ سَارُها)

وَقَالَ العجّاج

(كأَنَّ عَيْنَيهِ مِن الغُوُورِ)

وَهَذَا أَثقل من مَفْعول من الْوَاو لأَنَّ فِيهِ واوين / وضمَّتَيْن وإِنَّما ثَمَّ واوان بَينهمَا ضمّة

هَذَا بَاب مَا لحقته الزَّوَائِد من هَذِه الأَفعال[عدل]

اعْلَم أَن أَصل الْفِعْل من الثَّلَاثَة فَعَلَ فَمَتَى لحقته زَائِدَة فإِنَّها تلْحقهُ بعد اعتلاله أَو صحّته فَمَا كَانَ معتلاًّ وَقبل يائه أَو واوه حرف متحرك فقصّتُه قصَّة فَعَلَ فِي الانقلاب وإِن كَانَ قبل كلّ وَاحِد مِنْهُمَا سَاكن طرحتَ حَرَكَة حرف المعتلّ على السَّاكِن الَّذِي قبلهَا لئلاّ يلتقي ساكنان لأَنَّك إِذا سلبت المعتلّ حركته سكن وأَبدلته لأَنَّ الزِّيَادَة إِنَّما لحقته بعد أَن ثَبت فِيهِ حكم الْبَدَل فَمن ذَلِك أَن تلْحقهُ الْهمزَة فِي أَوّله فَتَقول أَقام وأَصاب وأَجاد وَنَحْو ذَلِك والأَصل أَقْوَم وأَجْوَد كَمَا أَنَّ أَصل قَالَ قَوَل وأَصل بَاعَ بَيَع فطرحت حَرَكَة الْوَاو والياءِ على مَوضِع الفاءِ من الْفِعْل وقلبتَ الَّتِي تطرح حركتها إِلى الْحَرْف الَّذِي حركتها مِنْهُ إِن كَانَت مَفْتُوحَة / قلبتها أَلفا وإِن كَانَت مَضْمُومَة قلبتها واواً وإِن كَانَت مَكْسُورَة قلبتها يَاء وَذَلِكَ قَوْلك أَقام للفتحة وَتقول فِي الْمُضَارع يُقِيمُ لأَنَّ أَصله يَقْوِم فَهَذَا مثل يَقُوْل لأَنَّ أَصله يَقْوُل على وزن يقتل والياءُ وَالْوَاو فِي ذَلِك سواءٌ فإِن بنيت مِنْهُ مصدرا قلت إِقامة وإِرادة وإِبانه وَكَانَ الأَصل إِقْوامة وإِبْيَانة ولكنَّك فعلت بِالْمَصْدَرِ مَا فعلت بِالْفِعْلِ فطرحت حَرَكَة الْوَاو أَو الياءِ على مَا قبلهَا فَصَارَت أَلفا لأَنَّها كَانَت مَفْتُوحَة وإِلى جَانبهَا أَلف الإِفعال فحذفت إِحدى الأَلفين لالتقاءِ الساكنين فأَمَّا سِيبَوَيْهٍ والخليل فَيَقُولَانِ المحذوفة الزَّائِدَة وأَمَّا الأَخفش فَيَقُول المحذوفة عين الْفِعْل على قِيَاس مَا قَالَ فِي مَبِيع كلا الْفَرِيقَيْنِ جارٍ على أَصله والهاءُ لَازِمَة لهَذَا الْمصدر عِوَضا من حذف مَا حذف مِنْهُ لأَنَّ الْمصدر على أَفْعلت إِفْعالا نَحْو قَوْلك أَكرمت إِكراما وأَحسنت إِحسانا / فَكَانَ الأَصل أَقْوَمت إِقْوَاماً فلمّا لزمَه الْحَذف دخلت الهاءُ عِوَضا ممّا حذف إذكانت الهاءُ لَا تمْتَنع مِنْهَا المصادر إِذا أَردت المّرة الْوَاحِدَة وَيكون فِيهَا على غير هَذَا الْمَعْنى والعوض كَقَوْلِهِم بِطْريق وبطاريق وزِنْدِيق وزناديق فإِن حذفت الْيَاء دخلت الهاءُ فَقلت بطارقة وزنادقة لأَنَّ الْجمع مؤنَّث فأَدخلت الهاءَ لأَنَّها تدخل فِيمَا هُوَ مَوضِع لَهَا أَلا تراك تَقول صَيْقَل وصياقلة وحِمار وأَحْمِرة وكلّ مَا لزمَه حذفٌ من هَذَا الْبَاب بِغَيْر هَذِه الزَّائِدَة فحالهُ فِي الْعِوَض كَحال مَا لحقته الزِّيَادَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَذَلِكَ قَوْلهم استقام استقامة واستطاع استطاعة لأَنَّه كَانَ فِي الأَصل اسْتَطْوَع اسْتِطْواعا كَمَا تَقول استخرج استخراجا فلمّا حذفت لالتقاء الساكنين عوّضت فأَما قَوْلك انْقَادَ انقيادا وَاخْتَارَ اخْتِيَارا فإِنَّه على تَمَامه لأَنَّ الياءَ المنكسر مَا قبلهَا منفتحة فِي هَذِه المصادر فإِتَّما هِيَ بِمَنْزِلَة الياءِ فِي النصب فِي أَواخر الأَسماءِ والأَفعال إِذا كَانَ مَا قبلهَا مكسورا نَحْو قَوْلك رأَيت قَاضِيا يَا فَتى وَيُرِيد أَن يقضيَ / فَاعْلَم ولكنَّها تنْقَلب فِي الانقياد وَنَحْوه من الْوَاو فَيكون هَذَا اعتِلالَها وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلك قياد من انقياد مثل قيام الَّذِي هُوَ مصدر قُمْت فَانْقَلَبَ على جِهَة وَاحِدَة وَفِي هَذِه الْجُمْلَة مَا يدلّ على مَا يرد عَلَيْك من هَذَا الْبَاب إِن شاءَ الله فإِن بنيت شَيْئا من هَذِه الأَفعال بناءَ مَا لم يُسَّم فاعلُه فإِنَّك تُجريها مُجْرَى الثَّلَاثَة فِي الْقلب وتُسلم صدرها لأَنَّها فِي إِلحاق الزَّوَائِد كَالصَّحِيحِ من الأَفعال وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ من أَفْعَل قد أُقِيمَ عبدُ الله فَتلقى حَرَكَة الْوَاو على مَا قبلهَا لأنَّها كَانَت قَبْلُ أُقْوِم عبد الله مثل أُخْرِج فحوّلت الْحَرَكَة على الْقَاف فَانْكَسَرت الْقَاف وسكنت الْوَاو فَانْقَلَبت يَاء لسكونها وكسرة مَا قبلهَا والأَصل فِي هَذَا مَا ذكرت لَك فِي بَاب (أَفعل) فإِن قلت قد اُختِيرَ واُنقِيدَ ضممت أَلف الْوَصْل لأَنَّ حقّ هَذَا الْكَلَام أَن يكون / افتعل وانفعل ولكنَّك طرحت حَرَكَة الْعين على مَا قبلهَا كَمَا فعلت فِي قِيل وبِيعَ لأَنَّ تِير من اختير وقِيد من انقيد بِمَنْزِلَة قِيل وبِيع وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا وَكَذَلِكَ اُسْتُفْعِل نَحْو أُسْتُطِيع وَمن كَانَ قَوْله قد بُوعَ وقُولَ فعل هَهُنَا كَمَا فَعَلَ ثَمَّ وَمن رأَى الإِشمام أَشمّ هَهُنَا فالمجرى وَاحِد

هَذَا بَاب الاسماء الْمَأْخُوذَة من الأَفعال[عدل]

اعْلَم أَنَّ كلَّ اسْم كَانَ على مِثَال الْفِعْل وزيادته لَيست من زَوَائِد الْأَفْعَال فإِنَّه مُنْقَلب حرف اللين كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الأَفعال إِذ كَانَ وَزنهَا وَكَانَت زِيَادَته فِي مَوضِع زيادتها والنحويّون البصريّون يرَوْنَ هَذَا جَارِيا فِي كلّ مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن الَّذِي أَصفه لَك وَلست أَراه كَذَلِك إِلاَّ أَن تكون هَذِه الأَسماءُ مصَادر فتجري على أَفْعالها أَو تكون أَسماءً لأَزمنة الْفِعْل أَو لأَمكنته الدالَّة على الفِعْل فأَمَّا مَا صِيغ مِنْهَا / اسْما لغير ذَلِك فَلَيْسَ يلازمه الاعتلال لبعده من الفِعْل وسنأْتي على شرح ذَلِك إِن شاءَ الله تَقول فِي مَفْعَل إِذا أَردت بِهِ مَذْهَب الْفِعْل من القَوْل وَالْبيع وَمَا كَانَ مثل وَاحِد مِنْهُمَا مَقال ومَباع لأَنَّه فِي وزن أَقال وأَباع فالميم فِي أَوّله كالهمزة فِي أَوّلِ الْفِعْل فَلم تخف التباسا لأَنَّ الْمِيم لَا تكون من زَوَائِد الأَفعال فإِن بنيت مِنْهُ شَيْئا على مُفْعَل قلت مُقال ومُراد كَمَا كنت تَقول يُقال ويُراد فإِن صغت اسْما لاتريد بِهِ مَكَانا من الْفِعْل وَلَا زَمَانا للْفِعْل وَلَا مصدرا قلت فِي مَفْعَل من القَوْل هَذَا مَقْوَل وَمن البيع مَبْيَع كَمَا قَالُوا فِي الأَسماءِ مَزْيَد وَقَالُوا إِنَّ الفُكاهة مَقْوَدةٌ إِلى الأَذى وعَلى هَذَا قَالُوا مَرْيَم وَلَو كَانَ مصدرا لَقلت مَراما وَهَذَا مَرامك إِذا أَردت الْموضع الَّذِي تروم فِيهِ وَكَذَلِكَ الزَّمَان وعَلى هَذَا استخرت مُستخارا فِي معنى الاستخارة / وانقدت منقادا فى معنى قَوْلك انقيادا وَاعْلَم أَن الْمصدر وَاسم الْمَكَان وَالزَّمَان بِزِيَادَة الْمِيم فى أَوائلها يكون لَفظهَا لفظ الْمَفْعُول اذا جَاوَزت الثَّلَاثَة من الْفِعْل وذالك لآنها مفعولات وَذَلِكَ نَحْو قَوْله {وَقُلْ رَبِّيْ أَنْزِلْنِيْ مُنْزَلاً مُبَارَكا} و {بِاسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} وَمَا أَشبه ذَلِك فأَمّا الْفَاعِل مِنْهَا فَيجْرِي عِلّة وزن (يُفْعِل) إِلا أَنَّ الْمِيم فِي أَوّل اسْمه مَضْمُومَة ليفصل بَين الِاسْم وَالْفِعْل وَالْمَفْعُول يجْرِي على مِثَال (يُفْعَل) إِلا أَنَّ الْمِيم فِي أَوّله {مَضْمُومَة} لأَنَّه اسْم وَالْمِيم آيَة الأَسماء فِيمَا كَانَ من الأَفعال المزيدة وَذَلِكَ قَوْلك للْفَاعِل مُقِيم ومُرِيد لأَنَّ فعله يُقِيم ويُرِيد وَالْمَفْعُول مُقام ومُراد على مِثَال يُقام ويُراد فإِن كَانَت هَذِه الْمِيم فِي اسْم وَلم يكن بهَا على مِثَال الْفِعْل فالاسم تامّ وَذَلِكَ قَوْلك رجل مِقْوَل ومِخْيَط ومِشْوَار من الشارة والهيئة ومِسْواك فَيتم لأَنَّه إِنَّما اعتلّ الِاسْم لإِجرائه على الْفِعْل فلمّا خرج عَن ذَلِك كَانَ على أُصول الأَسماءِ وَلَو / بنيت مثل جَعْفَر من قلت وبعت لَقلت قَوْلَل وبَيْعَع فإِن قَالَ قَائِل هَذَا ممّا تلْزمهُ العلَّة لأَنَّه على مِثَال دحرج قيل لَهُ يمْتَنع هَذَا من العلَّة لشيئين أَحدهما الإِلحاق بدحرج لأَنَّ الملحق بأَلا صلىِّ يَقع على مِثَاله والعلَّة الأُخرى أَنَّ الياءَ وَالْوَاو لَا تقع وَاحِدَة مِنْهُمَا أَصلا فِي ذَوَات الأَربعة إِلاَّ فِيمَا كَانَ مضاعفا نَحْو الوَحْوَحَة والوَعْوَعَة وَمَا كَانَ مثله فَلهَذَا امتنعنا من العلَّة فِي هَذَا البناءِ ونبيّن هَذَا فِي مَوْضِعه بعد مقدّماته إِن شاءَ الله فإِن كَانَت الياءُ وَالْوَاو بعد حرف متحرّك لم تُلْقَ على مَا قبلهمَا حركةُ وَاحِدَة مِنْهُمَا لأَنَّ قِيَاس المتحرّك الَّذِي قبلهمَا قياسُ قَاف قَالَ وباءِ بَاعَ وَذَلِكَ قَوْلك اخْتَار الرجل وانقاد وأَصلهما اخْتَيَر وانْقَوَد لأَنَّ اخْتَار انفعل من الْخَيْر وانقاد انفعل من القوْد فَصَارَت أَواخرهما كقال وَبَاعَ فَمَا كَانَ يلْزم فِي ذَاك فَهُوَ فِي هَذَا لَازم فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة فِيمَا يرد عَلَيْك من بابهما إِن شاءَ الله فإِن كَانَت زَوَائِد الأَسماءِ كزوائد الأَفعال / لم يكن فِي الأَسماءِ إِلاَّ التصحيحُ لئلاَّ يلتبسا وَذَلِكَ أَنَّك لَو بنيت أَفْعَل من القَوْل وَالْبيع اسْما لَقلت أَقْوَلُ وأَبْيَعُ يَا فَتى كَمَا تَقول زيد أَقْوَلُ النَّاس وأَبْيَعُهم لئلاَّ يلتبسا بِمثل أَخاف وأَراد وَمَا أَشبهه وعَلى هَذَا تَقول أَقْوِلة وأَبْيِعة لئلاَّ يلتبس بِقَوْلِك أَبِيع وَمَا أَشبهه وَكَذَلِكَ أَبْيِناءُ لأَنَّ أَلف التأْنيث لَا يُعْتدّ بهَا فَالْكَلَام بِغَيْر الأَلف إِنَّما هُوَ أَفْعَل فَهَذَا ممَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ بَين النحويّين فإِن كَانَت الزَّائِدَة لَا تبلغ بِهِ مثالَ الأَفعال فإِنَّ الِاسْم يعتلّ عِنْد سِيبَوَيْهٍ والخليل وَغَيرهمَا من البصريّين وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ بَينه وَبَين مِثَال الأَفعال فصْل بحركة فَيَقُولُونَ لَو بنينَا مثل (تِفْعِل) من القَوْل لقلنا تِقِيْل وَكَانَ أَصله تِقْوِل ولكنَّا أَلقينا حَرَكَة الْوَاو على مَا قبلهَا فسكنت وَقبلهَا كسرة فَانْقَلَبت يَاء فَلَو قُلْنَاهُ من البيع لقلنا تِبِيع وَكَذَلِكَ لَو بنينَا (تفعل) مِنْهُمَا لقلنا تُقُوْل وتُبُوْعٌ كَمَا يَقُولُونَ فِيمَا لحقته الْمِيم وَلَيْسَ بمشتق من الْفِعْل مصدرا وَلَا مَكَانا وَقَالُوا فُعِل هَذَا لأَنَّ زِيَادَته من زِيَادَة الأَفعال والحركةُ قد رفعت اللّبْس / وَلَا أَراه كَمَا قَالُوا لأَنَّه لَيْسَ مبنيّا على فِعْل فتلحقه علَّته وَلَا هُوَ على مِثَاله

هَذَا بَاب مَا كَانَ على ثَلَاثَة أَحرف مِمَّا عينه وَاو أَو يَاء[عدل]

فَمَا بنيته من ذَلِك على (فَعَلٍ) وَجب فِي عينه الانقلاب وَذَلِكَ قَوْلك دَار وَبَاب وسَاق وَمَا أَشبهه وإِنَّما انقلبت لأَنَّها متحرّكة وَقبلهَا فَتْحة فَصَارَت فِي الأَسماء بِمَنْزِلَة قَالَ وَبَاعَ فِي الأَفعال فإِن قَالَ قَائِل لمَ لمْ تَجْرِ على أَصلها ليَكُون بَينهَا وَبَين الْفِعْل فرق كَمَا فُعِل ذَلِك فِيمَا لحقته الزَّوَائِد قيل لَهُ الْفَصْل بَينهمَا أَنَّ الأَفعال فِيمَا لحقته الزَّوَائِد تُلقى حركةُ عينهَا على مَا قبله وتسكّن وَهَذِه لم تُلق حَرَكَة عينهَا على غَيره واحتيج إِلى الْفرق مَعَ الزَّوَائِد لأَنَّ مَا لحقته زَائِدَة من الأَسماءِ تبلغ بِهِ زنة الأَفعال لم ينْصَرف فيلتبس بِالْفِعْلِ لأَنَّه لَا يدْخلهُ خفض وَلَا تَنْوِين وَمَا كَانَ على ثَلَاثَة فالتنوين والخفض فصل بَينه وَبَين الْفِعْل فقد أُمن اللّبْس / وأَصل انقلاب الياءِ وَالْوَاو فِي (فَعَل) وَاحِد اسْما كَانَ أَو فِعْلا لأَنَّ القالب لَهما الفَتحةُ قبلهمَا وأَنَّهما فِي مَوضِع حَرَكَة فَهَذَا بِمَنْزِلَة قفاً وغزا والأَفعال فِي (أَفْعَل) وَمَا أَشبهها تقلب وتُلقى الْحَرَكَة على مَا قبلهَا وَلَا يكون ذَلِك فِي الأَسماءِ لأَنَّ (أَفْعل) وَمَا أَشبهه ممّا يسكن فاؤه إِنَّما يبْنى على (فَعَلَ) فيعتلّ بعلَّته والأَسماءُ مصوغة على غير تصرّف فإِنَّما يلْزمهَا صحّة الياءِ وَالْوَاو وإِذا سكن مَا قبلهمَا فإِن كَانَ شَيْء من هَذَا على (فَعْل) صحّت واوه وياؤُه لسكونهما وَقد تقدّم القَوْل فِي هَذَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْل وبَيْع وَنَذْكُر سَائِر الأَمثلة الَّتِي على ثَلَاثَة أَحرف إِن شاءَ الله وَكَذَلِكَ مَا بني على مِثَال لَا يكون عَلَيْهِ الْفِعْل نَحْو (فُعَل) فإِنَّك تَقول فِيهَا من القَوْل قُوَل وَمن البيع بُيَع كَمَا قلت صُوَر ونُوَم وَنَحْو ذَلِك وَمَا كَانَ على (فِعَلٍ) نَحْو بِيَع وحِوَل وَكَذَلِكَ لَو بنيت من وَاحِد مِنْهُمَا مثل (إِبِل) لَقلت من القَوْل قِوِل وَلم تقلب لأَنَّها متحرّكة وَمن البيع بِيِع فإِن بنيت مِنْهُمَا مثل (فُعُل) فإِنَّ الياءَ تسلم فِيهِ نَحْو قَوْلك / رجل صَيُود وَقوم صُيُد ودجاجة بَيُوض ودجاج بُيُض وَمن أَسكن فَقَالَ فِي رُسُل رُسْل لمَا نذكرهُ بعد هَذَا الْبَاب قَالَ فِي صُيُد صِيدٌ وَفِي بُيُض بِيضٌ لأَنَّه فُعْل فَيلْزم فِيهِ مَا يلْزم فِي جمع أَبْيض وَمن بناه من الْوَاو فإِنَّه يخْتَار الإِسكان كَمَا قَالَ فِي رُسُل رُسْل وَفِي عَضُد عَضْد كَرَاهَة الضمّة فِي الْوَاو على مَا تقدّم بِهِ قَوْلنَا فَيَقُول فِي فُعُل من القَوْل قُول كَمَا تَقول فِي جمع خِوان خُوْن والأَصل قُوُل وخُوُن فإِن جِئْت بِهِ على الأَصل فأَردت أَن تبدل من الْوَاو همزَة كَانَ ذَلِك جَائِزا لانضمامها وقلَّما يبلغ بِهِ الأَصل وَهُوَ جَائِز ولكنَّه مجتنب لثقله ولأَن الصَّحِيح فِيهِ يجوز فِيهِ إِسكان المضموم والمكسور فِي مثل هَذَا الْبَاب {فممّا جاءَ على الأَصل} قَول العجّاج

(وَفِي الأَكُفِّ اللامعاتِ سُوُر ... ْ)

وَقَالَ الآخر

(أَغَرُّ الثنايا أَحَمُّ اللثاتِ ... تَمْنَحُه سُوُكَ الإِسْحِل)

وأَمّا مَا كَانَ من هَذَا على (فَعِلَ) أَو فعل / فإِنَّه يعتلّ فتنقلب واوه وياؤه أَلفا كَمَا اعتلّ خافٌ وطالٌ لأَنَّ المعتلّين فِي مَوضِع حَرَكَة وَقبل كلِّ وَاحِد مِنْهُمَا فَتْحة فأَمَّا القَوَد والصَيَد والخَوَنَةُ والحَوَكة وَمَا كَانَ نَحْو ذَلِك من بَاب فُعِلٍ نَحْو رجل حَوِل وعَوِر فإِنَّ هَذَا يفسّر فِي بَاب مَا يبلغ بِهِ الأَصل إِن شاءَ الله وأَمَّا العَوَرَ والحَوَلَ والصَّيَد مصدر الأَصْد فإِنَّما صحّت لصحّة أَفعالها ليَكُون بَينهَا وَبَين مَا اعتلَّ فِعْله فصل وكما قُلْنَا إِنَّ هَذِه الأَفعال من عوِر وحوِل إِنَّما هِيَ منقولة من أَعْوَرَّ واحْوَلَّ نقُول إِنَّ مصادرها منقولةٌ من مصادره

هَذَا بَاب مَا اعتلت عينه مِمَّا لامه همزَة[عدل]

وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك جاءَ يجِيء وساءَ يسوءُ وشاءَ يشاءُ فَمَا كَانَ من هَذَا على فَعِلَ يَفْعَل فَهُوَ بِمَنْزِلَة خَافَ يخَاف وَمَا كَانَ مِنْهُ على فَعَل يَفْعِل فَهُوَ بِمَنْزِلَة / بَاعَ يبِيع وَذَلِكَ لأَنَّ الْهمزَة لَيست من حُرُوف العلَّة فالواو والياءُ قبلهَا بمنزلتهما قبل سَائِر الْحُرُوف ولكنَّا أَفردنا هَذَا الْبَاب لنبيّن مَا يلْحق الْهمزَة من الْقلب فِي فاعِل وَنَحْوه وَمَا يدّعى فِيهِ من التَّقْدِيم والتْخير ونبيّن اخْتِلَاف النحويّن فِي ذَلِك إِن شاءَ الله اعْلَم أَنَّك إِذا بنيت من شيءٍ من هَذِه الأَفعال اسْما على (فاعِل) اعتلّ مَوضِع الْعين مِنْهُ فهمز على مَا وصفت لَك فِي قَائِل وبائع فإِذا همزت الْعين الْتَقت هِيَ واللامُ الَّتِي هِيَ همزةٌ فَلَزِمَ الهمزةَ الَّتِي هِيَ لامٌ القلبُ إِلى الياءِ لكسرة مَا قبلهَا لأَنَّه لَا يلتقي همزتان فِي كلمة إِلاَّ لزم الآخرةَ مِنْهُمَا البدلُ والإِخراج من بَاب الْهَمْز فَتَقول جاءٍ كَمَا ترى وَكَانَ الأَصل جائِيٌ فَقلت لما ذكرت لَك وَكَذَلِكَ شاءٍ وساءٍ فَهَذَا قَول النحويّين أَجمعين إِلاَّ الْخَلِيل بن أَحمد فإِنَّه كَانَ يَقُول قد رأَيتهم يفرون إِلى الْقلب فِيمَا كَانَت فِيهِ همزَة وَاحِدَة استثقالا لَهَا فيقدّمون لَام الْفِعْل ويؤخِّرون الْهمزَة الَّتِي هِيَ عين فِيمَا / لَا يهمز فِيهِ غيرُها ليصير الْعين طرفا فَيكون يَاء وَذَلِكَ قَوْله

(لاثٍ بِهِ الأَشاءُ والعُبْرِى ... ) وَقَالَ

(فَتَعَرَّفوني إِنَّني أَنا ذاكمو ... شاكٍ سلاحي فِي الْحَوَادِث مُعْلِمُ)

يُرِيد شائك أَي ذُو شَوْكَة قَالَ فلمّا الْتَقت همزتان كَانَ الْقلب لَازِما فأَقول جائِيٌ فَاعْلَم وشائِيٌ يَا فَتى فالهمزة الَّتِي تلِي الأَلف إِنَّما هِيَ لَام الْفِعْل الَّتِي لم تزل همزَة والمتأَخِّرةُ إِنَّما هِيَ عين الْفِعْل الَّتِي كَانَت تهمز للاعتلال إِذا كَانَت إِلى جَانب أَلف ويمضي على هَذَا الْقيَاس فِي كلِّ مَا كَانَ مثل هَذَا فِي وَاحِد أَو جمع وكلا الْقَوْلَيْنِ حسن جميل


هَذَا بَاب مَا كَانَ من الْأَسْمَاء الصَّحِيحَة والمعتلة مِثَال فَعِلٍ وفَعُلٍ وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي ثَانِي حُرُوفه كسرة وَمَا كَانَ من الأَفعال كَذَلِك[عدل]

اعْلَم أَنَّه يجوز إِسكان الحرفين من المضموم والمكسور فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذين حدّدتهما استثقالا للكسرة والضمّة وَذَلِكَ / قَوْلك فِي عَضُد عَضْد وَفِي حُمُر وحُمْر وَفِي فخِذ فَخْذ وَالْفِعْل تَقول فِي علِم عَلْمَ وَفِي كرُم كرْمَ وَلَا يجوز فِي مثل ذَهَب أَن تسكَّن وَلَا فِي مثل جَمَلٍ لَا يسكَّن ذَلِك اسْما وَلَا فِعْلا لخفَّة الفتحة وَثقل الكسرة والضمة أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا زيْد ومررت بزيْد وتبدل فِي النصب من التَّنْوِين أَلفا تَقول زيدا لأَنَّ الفتحة لَا علاج فِيهَا وَلذَلِك تَقول هَذَا قاضٍ فَاعْلَم ومررت بقاضٍ يَا فَتى وَلَا تحرّك الياءَ المكسور مَا قبلهَا بضمّة وَلَا كسرة وَتقول رأَيت قَاضِيا وَتَفْسِير هَذَا فِي بَاب مصطفَوْن بِمَا يزِيدهُ إيضاحا

(هَذَا بَاب جمع الاسماء المعتلة عيناتها وَمَا يلْحقهَا ممّا هُوَ صَحِيح إِذا زيدت فِيهِ حُرُوف اللين[عدل]

وَيجب التصدير فِي هَذَا الْبَاب أَن نبدأَ بِذكر الأَسماءِ الصَّحِيحَة الَّتِي لَا زَوَائِد فِيهَا / وَمَا يلْحقهَا من الزَّوَائِد الَّتِي تسمّى الملحِقة والزوائد غير الملحِقة واجتماع الْجمع والتصغير اعْلَم أَنَّ الأَسماءَ إِذا كَانَت على أَربعة أَحرف أَصليّة أَو فِيهَا حرف مزِيد فإِنَّ جمعهَا على مِثَال تصغيرها فِي الأَصل فإِن خرج من ذَلِك شيءٌ فلِعلَّة مُوجبَة إِذا جمعت اسْما على مِثَال جَعْفَر أَو قِمْطَر أَو جُلْجُل فإِنَّ تصغيره جُعَيْفِر وقُمَيْطِر {وجُلَيْجِل} لأَنَّ الْعدَد أَربعة وتصغير الأَربعة على مِثَال وَاحِد اخْتلفت حركاته أَو اتَّفقت زَائِدا كَانَ أَو أَصليّا فالأَصليّة مَا قدَّمنا والزوائد فِي قَوْلك رَغيف رَغَيِّف وَفِي عَجوز عُجَيِّز وَفِي مثل جَدْول جُدَيّل وإِن شِئْت قلت جُدَيْول لأَنَّها متحرّكة وإِن كَانَت زَائِدَة كَمَا قلت فِي أَسْود أُسَيِّد وأُسَيْوِد وَالْقلب أَجودُ لأَنَّ وَاو جدول مُلْحِقة وللملحِق حكم الأَصليّ أَلا ترى أَنَّك تَقول جَداول كَمَا تَقول أَساوِد وإِنمَّا كَانَت الأَربعة / مستوية فِي التصغير على اخْتِلَاف حركاتها لأَنَّ التصغير مِثَال يخرج إِليه كَمَا أَنَّ الثَّلَاثَة على مِثَال وَاحِد وإِن اخْتلفت حركاتها أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي عُمَر عُمَيْر وَكَذَلِكَ عَمْروا وَكَذَلِكَ جَمَل ومِعىً وكلُّ مَا كَانَ من الثَّلَاثَة وإِن كَانَ الِاسْم على خَمْسَة أَحرف أَصليّة أَو فِيهَا زَائِدَة فإِنَّ التصغير على مَا كَانَ فِي الأَربعة تَقول فِي تَصْغِير سَفَرْجَل سُفَيْرِج وتحذف اللَّام الأَخيرة وإِن كَانَت من الأَصل لأَن التصغير تناهى دونهَا وَتقول فِي تَصْغِير قَلَنْسُوة قُلَيْسِية إِن حذفت النُّون وقُلَيْنِسة إِن حذفت الْوَاو لأَنَّ الزيادتين إِذا استوتا كنت فِي حذف إِحداهما بِالْخِيَارِ إَيّما شِئْت فإِن كَانَت إِحداهما للإِلحاق أَو لعلامة أَقررتها وحذفت الأُخرى إِلا أَنَّه يجوز لَك الْعِوَض فِي الْجمع والتصغير من كلّ مَا حذفت وَذَلِكَ أَنَّك إِذا صغَّرت اسْما على خَمْسَة ورابعة أَحد الْحُرُوف الثَّلَاثَة المصوّته (وَهِي الياءُ وَالْوَاو والأَلف) فإِن جمْعه وتصغيره غير مَحْذُوف فيهمَا شيءٌ وَذَلِكَ قَوْلك فِي مثل دِينَار دَنَانِير إِذا جمعت ودُنَينِير إِذا صغَّرت وَفِي قنديل قناديل وقُنَيْدِيل وَفِي سُرحوب سراحيب وسُرَيْحيب وَفِي بِرْذون بَراذين وبُرّيْذِين تُقرّ الياءَ يَاء وتقلب الْوَاو والأَلف إِلى الياءِ لأَنَّ كلَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تقع سَاكِنة بعد كسرة والعِوض أَن تَقول فِي تَصْغِير سفرجل سُفَيْرِيج إِن شِئْت وَفِي الْجمع سفاريج فتجعل هَذِه الياءَ عِوَضا ممّا حذفت ودليلا على أَنَّك حذفت من الِاسْم شَيْئا فَهَذَا غير مُمْتَنع فعلى هَذَا تَقول فِي قلنسوة فِيمَن حذف النُّون قُلَيْسِيَّة وقَلاسِيّ وَمن حذف الْوَاو قَالَ قُلَيْنيِسة وقَلانيس فأمّا قَوْلنَا فِيمَا كَانَ على أَربعة أَحرف إِنَّ تصغيره من بَاب جمعه فإِنَّما تأْويل ذَلِك أَنَّك إِذا جمعت زِدْت حرف اللين ثَالِثا وَكسرت مَا بعده فإِن عوّضت فِي التصغير عوّضت فِي الْجمع وان تركته محذوفا فى أَحدهمَا فَكَذَلِك هُوَ فى الْأُخَر لِأَنَّك إِذا صغرت ألحقت حرف اللين ثَالِثا وَكسرت مَا بعده والفصل بَين التصغير وَالْجمع أَن أول التصغير مضموم وَأول الْجمع مَفْتُوح وحرف لين الْجمع أَلف / وحرف لين التصغير ياءٌ فإِن قلت فَمَا بالك تَقول فِي ضَارب ضُوَيْرب وأَنت لَا تَقول فِي جمعه ضوارب قيل لَهُ الأَصل أَن يُقَال فِي جمعه ضَوارب ولكنَّه اجْتنب للَّبس بَين المذكَّر والمؤَنَّث لأَنَّك تَقول فِي جمع ضاربة ضوارب وَمَا كَانَ من بَاب فاعِلٍ فإِنَّما هُوَ اسْم مبنّي من الْفِعْل أَو على جِهَة النّسَب فأَمَّا مَا كَانَ من الْفِعْل مِنْهُ فَهُوَ الْبَاب نَحْو ضارِب وقاتِل وشاتِم وأَمّا مَا كَانَ على جِهَة النّسَب فنحو فَارس ودارِع ونابِل أَي ذَو فرس وَذُو درع وَذُو نبل وَلَيْسَ فِيهِ (فَعَل) فَهُوَ (فاعِل) وَمَا كَانَ للمرأَة فعلى هَذَا نَحْو ضربت وشتمت وَقتلت فلمّا كَانَ جمع فاعلة فواعل اجتنبوا مثل ذَلِك فِي المذكَّر وَعدلُوا بِهِ عَن هَذَا الْبَاب لِكَثْرَة أَبنية المذكَّر فِي الْجمع وَلَو احْتَاجَ إِليه شَاعِر لردَّه إِلى الأَصل فَجَمعه على فواعِل أَلا تراهم قَالُوا فِي جمع فَارس فوارس إِذ كَانَ / مثل هَذَا مطَّرحا من المؤنّث وَكَذَلِكَ هَالك فِي الهوالك لمّا أَردت الْجِنْس كلَّه قَالَ الفرزدق حَيْثُ احْتَاجَ إِليه

(وإِذا الرجالُ رأَوْا يزيدَ رأَيتهمْ ... خُضُعَ الرِقابِ نَوَاكِسَ الأَبصارِ)

هَذَا بَاب جمع مَا كَانَ على أَرْبَعَة أحرف وثالثه وَاو أَو يَاء أَو ألف[عدل]

فَمَا كَانَ من ذَلِك أَصلا أَو ملحَقا بالأَصليّ أَو متحرّكا فِي الْوَاحِد فإِنَّه يظْهر فِي الْجمع وَذَلِكَ قَوْلك - فِيمَا كَانَ أَصلا وَكَانَ متحركا فِي الْوَاحِد - أَساود إِذا جمعت أَسْوَدَ وأَصايد إِذا جمعت أَصْيد وَقد جعلت كلّ وَاحِد مِنْهُمَا اسْما وأَمّا مَا كَانَ متحرّكا فِي الْوَاحِد وَهُوَ زَائِد فقولك فِي جَدْول جداول وَفِي قَسْور قساور وَفِي عِثْيَر عثاير وأَما مَا كَانَ أَصلا وَهُوَ سَاكن فِي الْوَاحِد فقولك فِي مَقال مَقاوِل لأَنَّه من القَوْل وَفِي مَباع مبايِع لأَنَّه من البيع وإِن جمعت (يَزِيد) اسْم رجل قلت يزايد قَالَ الفَرَزْدَقُ

(وإِنِّي لقوَّامٌ مَقاوِمَ لم يكن ... جَريرٌ وَلَا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُها)

/ فإِن جمعت اسْما على أَربعة وثالثه حرف لين زَائِد سَاكن فإِنَّك تهمز ذَلِك الْحَرْف فِي الْجمع وَذَلِكَ قَوْلك فِي رِسَالَة رسائل وَفِي عَجُوز عَجَائِز وَفِي صحيفَة صَحَائِف وإِنمَّا فعلت ذَلِك لأَنَّ هَذِه الأَحرف لَا أَصل لَهَا فلمّا وَقعت إِلى جَانب أَلف وَلم تكن متحرّكة وَلَا دَخَلتهَا الْحَرَكَة فِي مَوضِع أُبدلتْ لما قبلهَا ثمّ تحرّكت كَمَا تحرّك لالتقاء الساكنين فلزمتها الْهمزَة كَمَا لَزِمت قَضَاء لما سنبيّنه فِي مَوْضِعه إِن شاءَ الله فأَمَّا (معيشة) فَلَا يجوز همز يائها لأَنَّها من الأَصل متحرّكة فإِنَّما تردّ إِلى مَا كَانَ لَهَا كَمَا ذكرت لَك فِي صدر الْبَاب فأَمّا قراءَة من قرأَ (معائِش) فهمز فإِنَّه غَلط وإِنَّما هَذِه القراءَة منسوبة إِلى نَافِع بن أَبي نُعَيْم وَلم يكن لَهُ علم بِالْعَرَبِيَّةِ وَله فِي الْقُرْآن حُرُوف قد وقف عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ فِي جمع مُصِيبَة مصائب إِنَّما هُوَ غلط وإِنَّما الْجمع مصاوب لأَنَّ مُصِيبَة مُفْعِلة فعلى هَذَا يجْرِي وَمَا أَشبهه

هَذَا بَاب مَا كَانَت عينه إِحْدَى هَذِه الأَحرف اللينة ولقيها حرف لين[عدل]

وَذَلِكَ نَحْو سيّد وميّت وهيّن وليّن لأَنَّ هَذَا البناءَ إِنَّما هُوَ (فَيْعِل) من ياءٍ أواو فأَمَّا ذَوَات الْوَاو مِنْهُ فهيَّن وميِّت وسيِّد لأَنَّه من سَاد يسود وَمَات يَمُوت وأَمَّا ليّن فَمن الياءِ وَالْحكم فيهمَا وَاحِد فِي بنائهما على بَاب (فَيْعِل) لأَنَّهما مشتركان فِي العلَّة فَخَرَجَا إِلى بَاب وَاحِد خلافًا على الصَّحِيح وَذَاكَ أَنَّه لَا يكون فِي الصَّحِيح (فَيْعِل) إِنَّما نَظِير هَذَا البناءِ من الصَّحِيح (فَيْعَل) نَحْو رجل جَيْدَرٍ وَزَيْنَب وخيفق فَهَذَا البناءُ من المعتلّ نَظِيره مَا ذكرت لَك من الصَّحِيح وَقد يكون للمعتلِّ البناءُ الَّذِي لَهُ نَظِير من الصَّحِيح على غير لَفظه وَيكون لَهُ البناءُ لَا يُقَابله فِيهِ الصحيحُ فممّا كَانَ من المعتل على خلاف لَفظه فِي الصَّحِيح سوى مَا ذكرت لَك قَوْلهم فِي فاعِلٍ من الصَّحِيح فَعَلَة نَحْو كَاتب وكتَبَة وحافظ وحفَظَة وعالم وعلَمَة وَنَظِير هَذَا من المعتل (فُعَلَة) / مضموم الأَول وَذَلِكَ قَوْلك فِي قاضٍ قُضاة ورامٍ ورُماة وغازٍ وغُزاة وشارٍ وشُراة وَمَا كَانَ للمعْتل خاصّة دون الصَّحِيح قَوْلهم كَانَ كَيْنُونة وَصَارَ صَيْرورة فأَصل هَذَا إِنما هُوَ (فَيْعَلولة) وَلَا يكون (فَيْعَلُول) إِلاَّ فِي ذَوَات الواووالياءِ فإِن قَالَ قَائِل إِنَّما وَزنه (فَعْلُول) لأَنَّ اللَّفْظ على ذَلِك قيل لَهُ الدَّلِيل على أَنَّه لَيْسَ بفَعْلُول وأَنَّه على مَا ذكرنَا أَنَّه لَيْسَ فِي الْكَلَام فَعْلُولٌ بفنح الفاءِ وأَنَّه لَو كَانَ على مَا وصفتم لَكَانَ اللَّفْظ كَوْنُونَة لأَنَّه من الْوَاو ولكنت تَقول فِي قيدود قَوْدُود بِالْوَاو لأَنَّه من القوْد ولكنَّه لمَّا كَانَ يجوز لَك أَن تَقول فِي ميِّت مَيْت وَفِي هيِّن هَيْن وَكَذَلِكَ جَمِيع بَابه استثقالا للتضعيف فِي حُرُوف العلَّة جعلت الْحَذف فِيمَا كثر عدده غَالِبا فَقلت قيدود وكينونة فحذفته من قيَّددود وكيَّنونة / وَكَانَ الأَصل كَيْونَونة كَمَا أَنَّ أَصل سيِّد سَيْوِد لأَنَّه (فيعِل) من سَاد يسود فَلَزِمَ فِيهِ من الإِدغام وَالْقلب مَا لزم فِي سيّد لأَنَّ صُدُور هَذِه الأَسماء كسيّد وإِن كَانَت مَفْتُوحَة فإِذا جمعت سيّدا أَو ميِّتا أَو مَا كَانَ مثلهمَا فإِنّ النحويّين يرَوْنَ همز المعتلِّ الَّذِي يَقع بعد الأَلف وَذَلِكَ قَوْلك سيائد وميائت فإِن قَالَ قَائِل مَا بالهم همزوا وإِنما هِيَ عين وَقد تقدّم شرطهم فِي بَاب معيشة أَنَّه لَا يُهمز موضعُ الْعين وإِنَّما يهمز مَا كَانَ من هَذَا زَائِدا فإِن قَوْلهم فِي هَذَا إِنَّما هُوَ لالتقاءِ هَذِه الْحُرُوف المعتلَّة وقُرْب آخرهَا من الطّرف ولأَنَّهم جعلُوا هَذَا الأَلف بَين واوين أَو ياءَين أَو ياءٍ وواو فالتقت ثَلَاثَة أَحرف كلُّها ليِّنة فكأَنّها على لَفْظَة وَاحِدَة وَقربت من الطّرف وَهُوَ مَوضِع لَا يثبت فِيهِ وَاو وَلَا ياءٌ بعد أَلف وإِنما تُقلب كلُّ وَاحِدَة مِنْهُمَا همزَة فَفَعَلُوا هَذَا لما قبلهَا ولقربها من الطّرف أَلا ترى / أَنَّ الْوَاحِدَة مِنْهُمَا إِذا كَانَت طرفا أُبدلت وَذَلِكَ قَوْلك غزَاءٌ وسقَّاءٌ وإِنَّما هما من غزوت وسقيت فكانتا يَاء أَو واوا وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا الْكتاب وَقَالُوا إِن وَقع بَينهَا وَبَين الطّرف حرف صَحِيح لم تهمز وَذَلِكَ قَوْلهم فِي طَاوُوس طواويس وَفِي بيّاع بياييع وَلَا تكون إِلا ذَلِك لبعدهما من الطّرف كَمَا لَا يكون فِي بَاب قَضاءٍ وسقَّاءٍ إِلا الْهَمْز فَهَذَا قَول جَمِيع النحويِّين فِيمَا تبَاعد من الطّرف وأَمَّا مَا ذكرنَا من بَاب جمع سيّد وميّت فإِن أَبا الْحسن الأَخفش كَانَ لَا يهمز من هَذَا الْبَاب إِلاَّ مَا كَانَت الأَلف فِيهِ بَين واوين نَحْو قَوْلك فِي أَوّل - وَزنه أَفعل ففاؤه من لفظ عينه - أَوائل وَكَذَلِكَ يَقُول فِي فَوْعَل من قلت وجلت قَوائل وجَوائِل فَيجْعَل علَّته فِي همز الْوَاو لقربها من الطّرف نظيرا لما ذَكرْنَاهُ / أَنَّه إِذا الْتَقت الواوان أَوَّلا همزت الأُولى مِنْهُمَا فَكَانَ يَجْعَل همز الأُخرى من هَذَا الْبَاب وَاجِبا وإِن كَانَت الأَلف قد حَالَتْ لِاجْتِمَاع الواوين والقرب من الطّرف وَلَا يرى مثل ذَلِك إِذا اجْتمعت ياءَان أَو ياءٌ وواو وَيَقُول لأَنَّه لَو الْتَقت الياءَان أَو الياءُ وَالْوَاو لم يلْزَمنِي همز والنحويُّون أَجمعون غَيره لَا يَخْتَلِفُونَ فِي إِجراءِ الياءِ وَالْوَاو والياءَين مُجْرى الواوين فِي هَذَا الْبَاب كَمَا صدّرنا بِهِ فِي أَوَّل الْبَاب وعلَّتهم فِي ذَلِك مَا وَصفنَا من التقاءِ المتشابهة وَذَلِكَ لأَنَّهم يجيزون فِي النّسَب إِلى راية وَغَايَة ورائيٌّ وغانئي فيهمزون لِاجْتِمَاع الياءَات إِن شاءُوا وَلِهَذَا بَاب نذكرهُ فِيهِ فَلذَلِك ذكرنَا أَحد وجوهه ليُستقصى فِي مَوْضِعه إِن شاءَ الله وإِنَّما أَخَّرنا تَفْسِير هَذَا ليَقَع بَابا على حِياله مُستقصى وَالْقَوْل البيِّن الْوَاضِح قَول النحويِّين لَا قَول أَبي الْحسن الأَخفش أَلا ترى أَنَّه يلزمك من همز الياءِ إِذا وَقعت طرفا مَا يلزمك من همز الْوَاو / إِذا وَقعت طرفا بعد الأَلف وأَنّ الياءَ وَالْوَاو تظهران إِذا وَقع الإِعراب على غَيرهمَا نَحْو سِقاية وشَقاوة وَلَيْسَ هَذَا من بَاب مَا يَقع من همز الْوَاو إِذا لقيها وَاو أَوَّل الْكَلِمَة وَلَا ممّا يُنَاسِبه وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهما جَمِيعًا إِذا تباعدتا من الطرَف لم يكن همز وَهَذَا يدلُّ {على} أَنَّه من أَجل الأَواخر لَا من أَجل الأَوائل وَلَو بنيت مثل (فَيْعال) من كلت فَقلت كَيَّال لَقلت فِي الْجمع كياييل فَلم تهمز كَمَا تَقول طواويس

هَذَا بَاب مَا كَانَ من الْجمع على وزن فُعَّل وفُعّال مِمَّا اعتلت عينه[عدل]

اعْلَم أَنَّ مَا كَانَ من هَذَا من ذَوَات الْوَاو فإِنَّ الأَجود فِيهِ أَن تصحّ الْوَاو وَتظهر وَذَلِكَ قَوْلك على قَوْل من قَالَ فِي جمع شَاهد شُهَّد فِي صَائِم صُوّم وَقَائِل قُوّل وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا الْبَاب وَقد يجوز أَن تقلب الْوَاو يَاء وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ ولكنْ تَشْبِيها بِمَا اعتلَّت لامه وَذَلِكَ أَنَّك تَقول فِي جمع عاتٍ / عُتِيّ لَا يصلح غيرُه إِذا كَانَ جمعا فلمّا كَانَ هَذَا الْبَاب يقرُب من الطرَف جَازَ تشبيهه بِهَذَا الَّذِي هُوَ طَرف فَتَقول فِي صَائِم صُيَّم وَقَائِل قُيَّل وَالْوَجْه مَا ذكرت لَك أَوّلا وإِنَّ هَذَا تَشْبِيه ومجاز فإِن بنيته على (فُعَّال) ظَهرت الْوَاو وَلم يجز إِلا ذَلِك لتباعدها من الطّرف وَذَلِكَ قَوْلك صَائِم وصُوّام وَقَائِل وقُوَّال وَهَذَا كنحو مَا ذكرت لَك فِي الْجمع الَّذِي قبله فِي صحّته إِذا تبَاعد من الطّرف فأَمَّا مَا كَانَ من الياءِ فجارٍ فِي الْبَابَيْنِ جَمِيعًا - فُعَّل وفُعَّال على الأَصل تَقول قوم بُيَّع وبُيَّاع لَا يكون إِلاَّ ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن بنيت وَاحِدًا من الْوَاو على (فُعَّل) لم يجز الْقلب لأَنَّ الْوَجْه فِيمَا اعتلت لامه فَكَانَت واوا الثَّبَات فِي الْوَاحِد نَحْو قَوْلك عتا يعتو عُتُوّا قَالَ الله عزَّ وجلَّ {وعتوا عتوا كَبِيرا} فالواحد إِذا كَانَ {الْوَاو فِيهِ عينا} لَازم لموضعه وَذَلِكَ قَوْلك رجل قُوَّل كَمَا تَقول رجَل حُوَّل قُلَّب لَا يكون إِلاَّ ذَلِك

هَذَا بَاب مَا كَانَ من الْجمع على فِعَلَة[عدل]

وَأعلم أَنَّ كلّ مَا كَانَ من هَذَا الْجمع من بَنَات الياءِ وَالْوَاو اللَّتَيْنِ هما عينان فإِنَّ الياءَ مِنْهُ تجْرِي على أَصلها وَالْوَاو إِن ظَهرت فِي واحده ظَهرت فِي الْجمع فأَمَّا مَا ظَهرت فِيهِ فقولك عَوْد وعِوَدة وثَوْر وثِوَرَة وأَما ماقلبت فِيهِ فِي الْوَاحِد فقولك دِيمة ودِيَم وقامة وقِيَم فأَمّا قَوْلهم ثِيَرَة فَلهُ علَّة أَخَّرناها لنذكرها فِي موضعهَا إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب جمع مَا كَانَ على فعل من ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو اللَّتَيْنِ هما عينان[عدل]

فأَدنى الْعدَد فِيهِ (أَفْعال) إِذ كَانَ يكون ذَلِك فِي غير المعتلّ نَحْو فرخ وأَفراخ وزَنْد وأَزْناد فأَمّا مَا كَانَ من الْوَاو فنحو قَوْلك صَوت وأَصوات وحَوض وأَحواض وثوب وأَثواب وَمَا كَانَ من الياءِ فشَيْخ وأَشياخ وَبَيت وأَبيات وقَيْد وأَقياد فإِذا جَاوَزت الثَّلَاثَة إِلى الْعشْرَة فقد خرجت من أَدنى الْعدَد فَمَا كَانَ من الْوَاو فبابه فِعال / وَذَلِكَ قَوْلك ثوب وَثيَاب وحوض وحياض وسوط وسياط تنْقَلب الْوَاو فِيهِ يَاء لكسرة مَا قبلهَا ولأَنَّها كَانَت فِي الْوَاحِد سَاكِنة فإِن كَانَت فِي الْوَاحِد متحرّكة ظَهرت فِي الْجمع نَحْو قَوْلك طَوِيل وطِوال وَمَا كَانَ مثله أَمّا مَا كَانَ من الياءِ فإِنَّك تَقول فِيهِ إِذا جَاوَزت أَدنى الْعدَد فُعُول لأَنَّ فُعول وفِعال يعتوران (فَعْل) من الصَّحِيح وَذَلِكَ قَوْلك كَعْب وكُعوب وفلس وفلوس ويكونان مَعًا فِي الشيءِ الْوَاحِد نَحْو كِعاب وكعوب وفِراخ وفُروخ فلمَّا استبدّت الْوَاو بفِعال كراهيةَ الضمّتين مَعَ الْوَاو خُصَّت الياءُ بفُعول لئَلاَّ يلتبسا وَذَلِكَ قَوْلك شيخ وشُيوخ وَبَيت وبيوت وقَيْد وقُيود فإِن قَالَ قَائِل فلِم لمْ يُفصل بَينهمَا فِي الْعدَد الأَقلّ فإِن الْجَواب فِي ذَلِك أَنَّهما تظهران فِي (أَفْعَال) فتعلم الْوَاو من الياءِ وَذَلِكَ قَوْلك أَبيات وأَحواض فكلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بيّنٌ من صَاحبه كَمَا / كَانَ فِي بَيت وحوض وإِن احْتَاجَ شَاعِر فَجمع ماكان من بَاب (فَعْلٍ) وَنَحْوه على (أَفْعُلٍ) جَازَ ذَلِك لأَنَّ بَاب (فَعْل) كَانَ فِي الصحّة لأَفْعُل نَحْو كَلْب وأَكْلُب وكَعْب وأَكْعُب وَكَذَلِكَ مَا كَانَ نظيرا لهَذَا إِذا اضطرّ إِليه كَمَا قَالَ

(لكلِّ عيْشٍ قد لبِستُ أَثْوُبا)

وَمثل ذَلِك عَيْن وأَعْيُن وأَعْيان جيّد على مَا وصفت لَك قَالَ

(ولكننَّي أَغْدو عليّ مُفاضَةٌ ... دِلاصٌ كأَعْيان الجَرادِ المنظَّمِ)

وَمثل أَعْيُن وأَثوب قَوْله

(أَنعَتُ أَعْيَاراً رَعَيْن الخَنْزَرا ... أَنْعَتُهنّ آيُراً وكَمَرَا)

وَمثل أَعْيان قَوْله

(يَا أَضْبُعاً أَكلْت آيارَ أَحْمِرةً ... فَفِي الْبُطُون وَقد راحت قراقِيرُ)

هَذَا بَاب مَا يَصح من ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو لسكون مَا قبله وَمَا بعده[عدل]

وَذَلِكَ نَحْو قاوَل وبايَع لأَنَّ قبل الياءِ وَالْوَاو أَلفا فَلَو قلبتها لصرت إِلى علّة بعد علَّة فَلَا يجوز أَن تغيّر حرف اللين بطرْح حركته على ماقبله إِذا كَانَ الَّذِي قبله من حُرُوف اللين وَمن ذَلِك مَا كَانَ على فُعَّل وفُعَّال وفَعّال وأَفْعَال وَذَلِكَ قَوْلك رجل قُوّل وقوْم قُوّال وَرجل قَوَّال وبَيَّاع وَكَذَلِكَ أَقْيَاد وأَحْوال وكلُّ مَا سكن مَا قبله من هَذَا الْمِنْهَاج وَلم نذكرهُ فَهَذَا قِيَاسه وأَمَّا قَوْلهم أَهْوِناءُ وأَبْيناءُ وأَخْونة وأَعْيِنه جمع عِيان وَهِي حَدِيدَة تكون فِي الفَدَان فإِنَّما صُحّحن لأَنَّ أَوّلهن زِيَادَة الفعْل فصُحّحن ليفصل بَين الِاسْم وَالْفِعْل وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَمن هَذَا الْبَاب ساير وتساير الْقَوْم وتقاولوا وتبايعوا كلُّ يجْرِي مَجْرىً وَاحِدًا وكلُّ مَا لم نذكرهُ فَهَذَا مجْرَاه إِذا كَانَ على هَذَا

هَذَا بَاب مَا اعتل مِنْهُ مَوضِع اللَّام[عدل]

اعْلَم أَنَّ كلَّ مَا كَانَ من هَذَا على (فَعَلَ) فَكَانَ من الْوَاو فإِنْ مجْرى بَابه (يَفْعُل) لَا يجوز إِلاَّ ذَلِك لتسلم الْوَاو كَمَا ذكرت لَك فى بَاب مَا اعتلت عينه وَذَلِكَ قَوْلك غزا يَغْزُو وَعدا يعدو وَلها يلهو فإِن كَانَ من الياءِ كَانَ على (يَفْعِل) لأَنْ تَسْلَم الياءُ كَمَا ذكرت لَك فى بَاب الْعين وَذَلِكَ نَحْو رمى يَرْمِي وَقضى يقْضِي وَمَشى يمشي وتعتلّ اللَّام فتسكن فِي مَوضِع الرّفْع مِنْهُمَا كَمَا تَقول هَذَا قاضٍ فَاعْلَم لأَنَّ الضمّة والكسرة مستثقلتان فِي الْحُرُوف المعتلَّة فأَمّا فِي النصب فتحرّك الياءُ لما قد تقدّمنا بِذكرِهِ فِي الفتحة وَذَلِكَ كَقَوْلِك أُريد أَن ترْميَ يَا فَتى وأَنْ تغزوَ فَاعْلَم كَمَا تَقول رأَيت قَاضِيا وغازيا فإِن لحق شَيْئا من هَذِه الأَفعال الْجَزْم فآية جزمها حذف الْحَرْف السَّاكِن لأَنَّ الْجَزْم حذف فإِذا كَانَ آخر الْفِعْل متحرّكا حذفت الْحَرَكَة وإِذا كَانَ سَاكِنا حذف الْحَرْف السَّاكِن تَقول لم يغزُ وَلم يرْمِ / كَمَا تفعل بالأَلف إِذا قلت لم يخشَ وَاعْلَم أَنَّ (فَعِلَ) يدْخل عَلَيْهِمَا وهما لامان كَمَا دخل عَلَيْهِمَا وهما عينان وَذَلِكَ قَوْلك شقِيَ الرجل وغَبِيَ من الشقوة والغباوة وخشِيَ يَا فَتى من الخشية فإِذا قلت (يَفْعَل) لزمَه يَخْشَى ويَرْضَى فإِن أَردت نَصبه تركته مسكَّنا لِامْتِنَاع الأَلف من الْحَرَكَة كَمَا تَقول رأَيت المثنّى فَلَا يحرّك وإِن أَردت الْجَزْم حذفتها كَمَا وصفت لَك من حكم هَذَا الْفِعْل

هَذَا بَاب مَا لحقته الزَّوَائِد من هَذِه الْأَفْعَال[عدل]

اعْلَم أَنَّ الزَّوَائِد تلحقها كَمَا تلْحق الصَّحِيح فَتَقول أَعطى الرجل وَمَعْنَاهُ ناول والأَصل عطا يعطو إِذا تنَاول كَمَا تَقول غزا الرجل وأَغزيته وَجرى الْفرس وأَجريته وَيكون على (اسْتَفْعَلَ) و (فاعَلَ) و (افْعَوْعَل) وَجَمِيع أَبنية الفِعْل إِلا أَنَّك إِذا زِدْت فِي الْفِعْل فَصَارَت أَلفه رَابِعَة اسْتَوَى البابان لخُرُوج بَنَات الْوَاو إِلى الياءِ لأَنَّك إِذا قلت (يَفْعل) فِيمَا فِيهِ / الزِّيَادَة من هَذَا الْبَاب انْكَسَرَ مَا قبل الْوَاو فَانْقَلَبت يَاء كَمَا تنْقَلب وَاو ميزَان لسكونها وكسرة مَا قبلهَا وَذَلِكَ قَوْلك يُغْزى ويُعْدِى ويَسْتَغْزي وَنَحْو ذَلِك فعلى هَذَا يجْرِي أَغزيت واستغزيت كَمَا أَنَّك تَقول دُعِيَ وغُزِي فتقلب الْوَاو يَاء وَتقول فِي الْمُضَارع هما يُدْعَيان ويُغْزَيان لأَنَّ الْفِعْل إِذا لزم فِي أَحد وجهيه شيءٌ اتّبعه الآخر لئلاَّ يخْتَلف إِذْ كَانَ كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا يُبْنَى على صَاحبه فإِن قَالَ قَائِل مَا بَال تَرَجَّى وتَغَازَى يرجعان إِلى الياءِ وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا يلْحقهُ فِي الْمُضَارع كسرة لأَنَّك تَقول ترجّى يَتَرَجَّى وتَغَازَى يَتَغَازى فَلم قلت تَغَازينا وترجّينا قيل لأَنَّ التاءَ إِنّما زَادَت بعد أَن انقلبت الْوَاو يَاء أَلا ترى أَنَّك تَقول رَجّى يُرَجّى وغَازَى يُغَازِي ثمّ لحقت التاءُ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّ غازى لَا يكون من وَاحِد ويتغازى على ذَلِك لَا يجوز / أَن تَقول تغازى زيد حتَّى تَقول وَعَمْرو وَمَا أَشبهه

هَذَا بَاب بِنَاء الْأَسْمَاء على هَذِه الْأَفْعَال الْمَزِيد فِيهَا وَغير الْمَزِيد فِيهَا وَذكر مصادرها وأَزمنتها ومواضعها[عدل]

اعْلَم أَنَّ كلَّ اسْم بنيته من فِعْل من هَذِه الأَفعال الَّتِي هِيَ (فَعَلَ) فبناءُ الِاسْم فاعِل كَمَا يجْرِي فِي غَيرهَا فَتَقول من غزوت وَهَذَا غاز فَاعْلَم وَمن رمَيت هَذَا رامٍ يَا فَتى وَمن خشِيت هَذَا خاشٍ فَاعْلَم واعلاله كاعتلال فِعْله إِذا قلت هُوَ يَغْزُو وَيَرْمِي فأَسكنتهما فِي مَوضِع الرّفْع وَقلت لم يغز وَلم يرمِ فحذفتهما فِي مَوضِع الْجَزْم والعلَّة فِي فَاعِل أَنَّك تسكِّن الياءَ فِي مَوضِع الرّفْع والخفض فَتَقول هَذَا غازٍ ومررت بغازٍ وَكَذَلِكَ حكم كلّ ياءٍ انْكَسَرَ مَا قبلهَا وَهِي مخفَّفة فأَمَّا فِي مَوضِع النصب فَتَقول رأَيت قَاضِيا وغازيا لخفَّة الفتحة كَمَا كنت تَقول فِي الْفِعْل لن يغزوَ وَلنْ يرميَ يَا فَتى فتحرّك أَواخر الأَفعال بِالْفَتْح لما قد تقدّم تَفْسِيره وكلّما زَاد من هَذِه الأَفعال شيءٌ فقياسه قياسُ غَيره من الْفِعْل الصَّحِيح إِلاَّ أَنَّك تسكِّن آخِره فِي الرّفْع والخفض كَمَا كَانَ اعتلال فِعْله وتفتحه فِي النصب على مَا وصفت لَك وَذَلِكَ قَوْلك _ إِذا بنيت من هَذَا الْفِعْل شَيْئا على (أَفْعَل) أَعطى وأَغزى وَهُوَ يُعْطِي ويُغْزى وَلنْ يُعْطِي وَلنْ يُغْزِىَ وَكَذَلِكَ استعطى وَهُوَ يَسْتَعْطِيَ وَلنْ يَسْتَعْطِيَ ورأَيت مستعطيا فعلى هَذَا مجْرى جَمِيع هَذِه الأَفعال

هَذَا بَاب مَا بني من هَذِه الأَفعال اسْما على فَعِيل أَو فَعُول أَو فِعال أَو فَعْلَل وَمَا أَشبه[عدل]

ذَلِك اعْلَم أَنَّك إِذا قلت من رميت رَمْياً فَاعْلَم على مِثَال جَعْفَر فأَردت جمعه فإِنَّك تَقول رَمَايٍ فَاعْلَم تلتقي فِي آخِره ياءان يُذهب إِحداهما التَّنْوِين لالتقاء الساكنين كَمَا أَنَّك إِذا قلت قاضٍ فَاعْلَم حذفت الياءَ لالتقاءِ / الساكنين لأَنَّ الياءَ سَاكِنة ويلحقها التَّنْوِين وَهُوَ سَاكن فتذهب لالتقاء الساكنين وَتقول بعيرٌ مُعْيٍ وإِبِل مَعايٍ لأَنَّك إِنما جِئْت بعد الأَلف بِحرف أَصليّ فإِذا قلت من هَذَا شَيْئا أَصله الْحَرَكَة لم يلزمك فِي الْجمع همزَة وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي بَاب الياءِ وَالْوَاو اللَّتَيْنِ هما عينان وأَمَّا قَوْلهم إِبل مَعَايَا فَلَيْسَ هَذَا لَازِما ولكنَّه يجوز ذَلِك فِي كلّ مَا كَانَ آخِره يَاء قبلهَا كسرةٌ أَن تبدلها أَلفا بأَن تفتح مَا قبلهَا وَذَلِكَ قَوْلهم مِدرَى ومدارى وعَذراءُ وعَذَارَى وَكَذَلِكَ كلّ مَا كَانَ مثله والأَصل مدارٍ وعذارٍ ولكنًّه جَازَ ذَلِك {على} مَا وَصفنَا لأَنَّ الفتحة والأَلف أَخفُّ من الكسرة والياءِ وَلم تَخف التباسا لأَنَّه لَا يكون شيءٌ من الْجمع أَصل بنائِهِ فتح مَا قبل آخِره وَلذَلِك لم يجز فِي مثل (رامٍ) فَاعْلَم أَن تحمله على الْفَتْح وتُثبت مَكَان يائه أَلفا لأَنَّه كَانَ يلتبس برامَى وغازَى فَهَذَا جَائِز هُنَاكَ ممتنعٌ فِي كلِّ مَوضِع دخله التباس فإِن بنيته بِنَاء (فَعِيلة) أَو فَعِيل) الَّذِي يكون مؤنَّثا أَو مَا كَانَ جمعه كجمعها لزمك الْهَمْز والتغيير من أَجْل الزِّيَادَة كَمَا ذكرت لَك فِي بَاب صَحَائِف وسفائن وَكَذَلِكَ فِعالة / وفُعالة وفَعُول وكُلّ مؤنَّث على أَربعة أَحرف ثَالِث حُرُوفه حرف لين وَمَا جمعته على جمعه وَذَلِكَ قَوْلك إِذا جمعت مثل رَمِيّة أَو رماية رَمَايا وقضيّة قضايا وَكَانَ الأَصل هَذَا قضائِي فَاعْلَم ورمائِي فَاعْلَم كَقَوْلِك صَحَائِف فكرهوا الْهمزَة والياءَ والكسرة فأَلزموه بَدَل الأَلف وَلم يجز إِلاَّ ذَلِك لأَنَّه قد كَانَ يجوز فِيمَا لَيست فِيهِ هَذِه العلَّة فلمّا لَزِمت العلَّة كَانَ الْبَدَل لَازِما فلمّا أَبدلت وَقعت الْهمزَة بَين أَلفين فأَبدلوا مِنْهَا يَاء لأَنَّ مَخْرَج الْهمزَة يقرب من مَخْرَج الأَلف فَكَانَ كالتقاءِ ثَلَاث أَلفات فَلذَلِك قَالُوا مطايا وركايا وَلَو اضطرّ شَاعِر لردّه إِلى أَصله كردّ جَمِيع الأَشياء إِلى أُصولها للضَّرُورَة وسنبين ذَلِك بعد فراغنا من الْبَاب إِن شاءَ الله وَتقول فِي (فُعْلُول) من رميت وغزوت رُمْيِىّ وغُزْوِىّ وَفِي الْجمع زَمايِيّ وغَزَاوِيّ لَا تهمز فِي التباعد من الطّرف خاصّة / فإِن قلت فَعِيلة ممّا لامه مَهْمُوزَة أَو مَا يلْحقهُ فِي الْجمع مَا يلْحق فَعِيلة نَحْو فُعالة وفِعالة وفَعُولة اعتلّ اعتلالَ مَا وصفت لَك وَذَلِكَ قَوْلك خَطِيئَة فإِن جمعتها قلت خَطَايَا وَكَانَ أَصلها أَن تلتقي همزتان فَتَقول خَطَائِئِ فَاعْلَم فأَبدلت إِحدى الهمزتين يَاء لئلاَّ تلتقي همزتان فلمّا احتمعت همزَة وياءٌ خرجت إِلى بَاب مطيّة وَمَا أَشبهها وَاعْلَم أَنَّ كلَّ مَا ظَهرت الْوَاو فِي واحده فإِنها تظهر فِي جمعه لَيْسَ إِنَّ الَّتِي تظهر فِي الجَمْع تِلْكَ الواوُ ولكنَّك تبدل من همزته واوا لتدلّ على ظُهُور الْوَاو فِي الْوَاحِد إِذ كَانَ قد يجوز أَن تبدل الْهمزَة واوا فِي البابِ الَّذِي قبله وإِن كَانَ الِاخْتِيَار الياءَ وَذَلِكَ قَوْلك فِي إِداوة أَدَاوَى وهِراوة هَرَاوي وَقد قَالَ قوم فِي جمع شهيّة شَهاوَى فَهَذَا عِنْدهم على قِيَاس من قَالَ فِي مطيّة مَطاوَى وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي مَا قَالُوا ولكنَّه جمع شَهْوَى وَهُوَ مَذْهَب أَكثر النحويّين وَكَانَ الْخَلِيل يرى فِي هَذَا الْجمع الَّذِي تلتقي فِيهِ علَّتان / من بَاب مطايا وأَداوَى الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ همزَة وحرف علَّة القلبَ كَمَا كَانَ يرى فِي بَاب جاءٍ ذَلِك لَازِما إِذ كَانَ يكون فِي غَيره اخْتِيَارا وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب إِذ كنت تَقول فِي شوائع شواعٍ على الْقلب أَن يكون هَذَا لَازِما فِيمَا اجْتمعت فِيهِ ياءٌ وهمزة قَالَ الشَّاعِر

(وكأَنَّ أُولاها كِعابُ مُقامِرٍ ... ضُرِبتْ على شُزُنٍ فهنّ شَوَاعِي) فَكَانَ يَقُول فِي جمع خَطِيئَة خطائِي فَاعْلَم لأَنَّها الْهمزَة الَّتِي كَانَت فِي الْوَاحِدَة وإِذا كَانَت الْهمزَة فِي الْوَاحِد لم يلْزمهَا فِي الْجمع تَغيير لأَنَّ الْجمع لم يجلبها أَلا ترى أَنَّك لَو جمعت جائية لم تقل إِلا جواءٍ فَاعْلَم لأَنَّك إِنَّما رددت الْهمزَة الَّتِي كَانَت فِي الْوَاحِدَة وَكَذَلِكَ لَو بنيت (فَعْلَل) من جاءَ يَا فَتى لَقلت جَيْأَي وتقديرها جيعّى فإِن جمعت قلت جَياءٍ فَاعْلَم لأَنَّ الْهمزَة لم تعرض فِي جمع إِنَّما كَانَت فِي الْوَاحِد كالفاءِ من جَعْفَر فَقلت فِي الْجمع كَمَا قلت / جعافِر فَهَذَا أَصل هَذَا الْبَاب إِنَّ التَّغْيِير إِنَّما يلْزم الْجمع إِذا كَانَ الْهمزَة مجتلَبا فِيهِ وَلم يكن فِي واحده وَكَانَ الْخَلِيل يُجِيز خَطَايَا وَمَا أَشبهه على قَوْلهم فِي مِدْرَى مَدَارَى وَفِي صحراء صَحارَى لَا على الأَصل ولكنَّه يرَاهُ للخفَّة أَكثرأَلاَ ترى أَنَّه إِذا أَثْبَت الْألف أَبدل من الْهمزَة يَاء كَمَا يفعل لئلاَّ تقع همزَة بَين أَلفين لشبه الْهمزَة بالأَلف وَاعْلَم أَنَّ الشَّاعِر إِذا اضطرّ ردّ هَذَا الْبَاب إِلى أَصله وَإِن كَانَ يرى القَوْل الأَوّل لأَنَّه يجوز لَهُ للضَّرُورَة أَن يَقُول ردَد فِي مَوضِع ردّ لاَنَّه الأَصل كَمَا قَالَ (الحمدُ لله العَليِّ الأَجْلَل ... ِ)

وكما قَالَ

(أَنَّي أَجُودُ لأَقْوام وإِن ضَنِنُوا ... )

وَيجوز لَهُ صرف مَا لَا ينْصَرف لأَنَّ الأَصل فِي الأَشياءِ أَن تَنْصَرِف فإِذا اضْطر إِلى الياءِ المكسور مَا قبلهَا أَن يعربها فِي الرّفْع والخفض فعل ذَلِك لأَنَّه الأَصل كَمَا قَالَ ابْن الرُّقَيَّات

(لَا بارَك اللهُ فِي الغوانِي هلْ ... يُصبِحْنَ إِلا لهنّ مطَّلَب) ُ ... / لأَنَّ غواني فواعل فَجعل آخرهَا كاخر ضوارب وَقَالَ الآخر

(قد عجبتْ منِّي ومنْ يُعَيْلِيَا ... لَمّا رأَتْني خَلَقا مُقْلَوْلِيا) لأَنَّه لمّا بلغ بتصغير يَعلى الأَصل صَار عِنْده بِمَنْزِلَة يَعْلَم لَو سمّيت بِهِ رجلا لأَنَّه إِذا تمّ لم ينْصَرف فإِنَّما انْصَرف بَاب جوارٍ فِي الرّفْع والخفض لأَنَّه أَنقص من بَاب ضوارب فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَكَذَلِكَ قاضٍ فَاعْلَم لَو سمّيت بِهِ امرأَة لانصرف فِي الرّفْع والخفض لأَنَّ التَّنْوِين يدْخل عوضا ممّا حذف مِنْهُ فأَمّا فِي النصب فَلَا يُجْرَى لأَنَّه يتمّ فَيصير بِمَنْزِلَة غَيره مّما لَا عِلَّةَ فِيهِ فإِن احْتَاجَ الشَّاعِر إِلى مثل جوارٍ فحقُّه إِذا حرّك آخِره فِي الرّفْع والخفض أَلاَّ يُجْرِيَه ولكنَّه يَقُول مَرَرْت بجوارِيَ كَمَا قَالَ الفرزدق

(فَلَو كَانَ عبدُ الله مولى هجَوْته ... وَلَكِن عبدَ الله مولَى مَواليا)

فإِنَّما أَجراه للضَّرُورَة مجْرى مَالا علَّةَ فِيهِ فإِن احْتَاجَ إِلى / صرف مَا لَا ينْصَرف صرفه مَعَ هَذِه الْحَرَكَة فَيصير بِمَنْزِلَة غَيره ممّا لَا علَّةَ فِيهِ كَمَا قَالَ

(فَلْتَأْتِيَنْك قصائدٌ ولْيَرْكَبَنْ ... جيشٌ إِليك قوادِمَ الأَكْوار) ِ ... أَلا ترى أَنَّه فِي قَوْله (مولى مواليا) قد جعله بِمَنْزِلَة الصَّحِيح كَمَا قَالَ جرير (فيوما يُجارِيْن الْهوى غيرَ ماصِيٍ ... وَيَوْما تُرى مِنْهُنَّ غُولٌ تغَوَّل)

وَقَالَ الكُمَيْت

(خَرِيعُ دَوَادِيَ فِي مَلْعَبٍ ... تَأَزَّرُ طورا وتُلقى الإِزارا)

وَيَكْفِيك من هَذَا كلِّه مَا ذكرت لَك من أَنَّ الشَّاعِر إِذا اضطّر ردّ الأَشياءَ إِلى أُصولها فأَمّا قَوْله

(سماءُ الإِلهِ فوقَ سَبْعِ سَمائيا ... )

فإِنَّهَ ردّ هَذَا إِلى الأَصل من ثَلَاثَة أَوجه أَحدهما أَنَّه جمع سَمَاء على فعائل وَالَّذِي يُعْرف من جمعهَا سماوات وَالثَّانِي أَنَّه إِذا جمع سَمَاء على فعائل فحقُّه أَن يَقُول سمايا لأَنَّ الْهَمْز يعرض فِي الْجمع بَدَلا من الأَلف الزَّائِدَة فِي فَعال وَترجع الْوَاو الَّتِي هِيَ همزَة / فِي سماءٍ لأَنَّ سَمَاء إِنَّما هُوَ فَعال من سموت فَتَصِير الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا كَمَا صَارَت وَاو غزوت يَاء فِي غازٍ فتلتقي همزَة وياءٌ فَيلْزم التَّغْيِير كَمَا ذكرت لَك فردّها للضَّرُورَة إِلى سمائيا ثُمّ فتح آخرهَا وَكَانَ حقّ الياءِ المنكسر مَا قبلهَا أَن تسكَّن فإِذا لحقها التَّنْوِين حذفت لالتقاء الساكنين فحرّك آخرهَا بِالْفَتْح كَمَا يفعل بِالصَّحِيحِ الَّذِي لَا ينْصَرف فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَوجه جمعَها على فعائل وتركَها يَاء ومَنعها الصّرْف وأَمَّا مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب كأَوّل فِي بَابه فعِلَّته فِي الْهَمْز كعلَّة أَوَّل إِلاَّ أَنَّ الْهَمْز يلْزم ذَوَات الياءِ وَالْوَاو والتغيير تَقول فِي (فَعَّل) من حَيِيت حَيّا وَكَذَلِكَ (فَعْلَل) اللفظان سواءٌ فأَمَّا (فعَّل) فإِنَّك ثقَّلت الْعين - وَهِي ياءٌ - كَمَا ثقَّلت عين قطَّع فانفتح مَا قبل الياءِ الَّتِي هِيَ لَام وَهِي فِي مَوضِع حَرَكَة فَانْقَلَبت أَلفا وَلَا يكون اسْم على مِثَال (فَعَّل) إِلاَّ أَن تصوغه معرفةٌ فتنقله من (فعَّل) فأمّا قَوْلهم (بقَّم) فإِنَّه اسْم أَعجميّ فَلَو سمّيت بِهِ رجلا لم تصرفه / فِي الْمعرفَة لأَنْه وَقع من كَلَام الْعَرَب على مِثَال لَا تكون عَلَيْهِ الأَسماءُ فَلم يكن بأَمثلَ حَالا من عربيّ لَو بنيته على هَذَا الْمِثَال فأَمَّا قَوْلهم (خَضَّم) - للعنبر بن عمرْو بن تَمِيم - فإِنَّما هُوَ فِعْل مَنْقُول وَهُوَ غير منصرف فِي الِاسْم وَهَذَا شيءٌ لَيْسَ من هَذَا الْبَاب وَلَكِن لمّا ذُكِر وَصفنَا حَاله ثمّ نعود من القَوْل إِلَى الْبَاب وأَمّا (فَعْلَلٌ) من حييت فإِنّ الْعين سَاكِنة واللامان متحرّكتان فأُدغمت الْعين فِي اللَّام الأُولى وأُبدلت الثَّانِيَة أَلفا فإِن جمعت (فعْلَل) فتقديرجمعه (فَعَالل) كَمَا قلت فِي قَرْدَد قَرادِد وإِن جمعت (فَعَّل) فتقدير جمعه (فَعاعِل) كَمَا تَقول فِي سُلَّم سلالم وأَيَّهما جمعت يلْزمه الْهَمْز لَيْسَ من أَجل أَنَّ فِيهِ زَائِدا ولكنَّه لالتقاءِ حرفين معتلَّين الأَلف بَينهمَا كَمَا ذكرت لَك فِي أَوائل فَتَقول فيهمَا جَمِيعًا حَيايا وَكَانَ الأَصل حيائي فَلَزِمَ مَا لزم مطيّة فِي قَوْلك مطايا وَكَذَلِكَ لَو قلت فعاعل من جِئْت / لَقلت جَيايا وَكَانَ الأَصل جيائِيُّ فَكنت تبدل الثَّانِيَة يَاء كَمَا فعلت فِي قَوْلك هَذَا جاءٍ فَاعْلَم ثمَّ تذْهب إِلى بَاب مطايا فإِن قلت (فَعالِل) و (فَعاعِل) من شويت ولويت قلت شوايا ولوايا فتُظْهِر الْوَاو لأَنَّ الْعين وَاو كَمَا أَظهرت الياءَ فِي حييت وجيت فإِن قلت (مَفْعَل) من شويت أَو حييت قلت مَشْوًى ومَحْياً فإِن جمعت قلت مَشاوٍ ومَحايٍ فَلم تهمز لأَنَّه لم يعرض مَا يهمز من أَجله وإِنَّما وَقع حرفا العلَّة الأَصليّان بعد الأَلف فإِن بنيت مِنْهُ شَيْئا على (مفاعيل) أَو (فَعاليل) أَو مَا أَشبه ذَلِك لم يصلح الْهَمْز أَيضا وَذَلِكَ قَوْلك مَشاويّ ومَلاوِيّ لبعد حرف العلَّة من الطّرف وَقد تقدّم تَفْسِير هَذَا فِي بَاب طواويس فإِن كَانَ مَكَان الْوَاو ياءٌ فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقاويل تَقول فِي (فعاليل) أَو (مفاعيل) من حييت حياويّ أَبدلت / من الياءِ واوا كَرَاهِيَة اجْتِمَاع الياءَات كَمَا قلت فِي النّسَب إِلى رحى رَحَويّ وَيجوز أَن تبدل من إِحدى الياءَات همزَة فَتَقول حَيائيّ فَاعْلَم وَهُوَ الَّذِي يختاره سِيبَوَيْهٍ وَلَيْسَت الْهمزَة بِمَنْزِلَة مَا كنت تهمز قَبل فيلزمك التَّغْيِير من أَجلها لأَنَّك فِيهِ مخيّر وإِنَّما هِيَ بدل من الياءِ وَهِي بِمَنْزِلَة الياءِ لَو ثبتَتْ وَمن أَجرى الأَشياءَ على أُصولها فَقَالَ فِي النّسَب إِلى رحى رحيىّ وإِلى أُميّة أُمَيِّيّ ترك الياءَ هُنَا على حَالهَا فَقَالَ حَيَاييّ وبهذه الْمنزلَة النّسَب إِلى راية وَآيَة وَمَا كَانَ مثلهمَا يجوز إِقرار الياءِ مَعَ ياءِ النّسَب الثَّقِيلَة فَتَقول رايّي وآييّ وتبدل الْهمزَة إِن شِئْت وَتَقَلُّبهَا واوا وَهِي أَجود الأَقاويل عِنْدِي وسيبويه يخْتَار الْهمزَة فأَمَّا مَا كَانَ من الياءِ مثل شَوَيْت إِذا قلت (فعاعيل) فَلَا يجوز إلاَّ شواويّ فَاعْلَم وَذَاكَ لأَنَّ الْوَاو من أَصل الْكَلِمَة وَقد كَانَ يفرّ إِليها من الياءِ الَّتِي هِيَ أَصل فلمّا كَانَت ثَابِتَة لم يجز أَن يتعدّى إِلى غَيرهَا وَهَذَا الْبَاب يرجع بعد ذِكْرنا شَيْئا من الْهَمْز وأَحكامه وشيئا من التصغير وَالنّسب ممّا يجْرِي وَمَا يمْتَنع من ذَا إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب ذَوَات الياءِ الَّتِي عيناتها ولاماتها ياءَات[عدل]

وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك عَييت بالأَمر وحَيِيت فَمَا كَانَ من هَذَا الْبَاب فإِنَّ مَوضِع الْعين مِنْهُ صَحِيح لأَنَّ اللَّام معتلَّة فَلَا تُجمع على الْحَرْف علَّتان فَيلْزمهُ حذف بعد حذف واعتلال فالعين من هَذَا الْفِعْل يجْرِي مجْرى سَائِر الْحُرُوف تَقول حَيِيت ويَحْيا كَمَا تَقول خَشِيت ويَخْشَى وَكَذَلِكَ إِن كَانَ موضِعَ الْعين وَاو وَمَوْضِع اللَّام ياءٌ فَحكمه حكم مَا تقدّم وَذَلِكَ نَحْو شوَيْت ولوَيْت يَشْوِي ويَلْوِي كَمَا تَقول رمَيت وَيَرْمِي وَلَا تقلب الْوَاو فِي شَوَى أَلفا كَمَا قلبتها فِي قَالَ وَلَكِن يكون شوَيْت بِمَنْزِلَة رميت وحَيِيت بِمَنْزِلَة خشِيت وَتقول هَذَا رجل شاوٍ وَرجل لاوٍ وحايٍ بِغَيْر همزَة لأَنَّ الْعين لَا علَّةَ فِيهَا وَلَا يلْزم الْخَلِيل قلب هَذَا لأَنَّه بِمَنْزِلَة غير المعتلّ وَتقول فِي الْمَفْعُول مَكَان مَحْيِيّ فِيهِ ومَشْوِيّ فِيهِ كَمَا تَقول مرميّ فِيهِ مقضيّ فِيهِ تجريه على هَذَا

هَذَا بَاب مَا كَانَت عينه ولامه واوين[عدل]

اعْلَم أَنَّه لَيْسَ من كَلَامهم أَن تلتقي واوان إِحداهما طرف من غير علَّة فإِذا الْتَقت عين وَلَام كِلَاهُمَا جَازَ ثباتها إِذا كَانَت الْعين سَاكِنة لأَنَّك ترفع لسَانك عَنْهُمَا رَفْعةً وَاحِدَة للإِدغام وَذَلِكَ قَوْلك قُوّة وحُوّة وصُوّة وبكْنّ قُوّ والجَوّ وَنَحْو ذَلِك فإِن بنيت من شَيْء من هَذَا فِعْلا لم يجز أَن تَبْنيه على (فَعَلَ) فتلتقي فِيهِ واوان لأَنَّك لَو أَردت مثل غزوت أَغزو لَقلت قَوَوت أَقْوُو فَجمعت بَين واوين فِي آخر الْكَلِمَة وَهَذَا مطّرح من الْكَلَام لما يلْزم من الثّقل والاعتلال فإِنَّما يَقع الْفِعْل مِنْهُ على فَعِلتُ لتنقلب الْوَاو الثَّانِيَة يَاء فِي الْمَاضِي وأَلفا فِي الْمُسْتَقْبل وَذَلِكَ قَوْلك قوِيَ يَقْوَى وحِويَ يَحْوى فإِذا قلت كَذَلِك صرّفت الْوَاو الثَّانِيَة المنقلبة يَاء تصريفَ مَا الياءُ من أَصله مَا دمت فِي هَذَا الْموضع فإِن قَالَ قَائِل مَا بَال الواوين لم تثبتا ثَباتَ الياءَين فِي حَيِيت / وَنَحْوه فلأَن الْوَاو مُخَالفَة للياء فِي موَاضعهَا أَلا ترَاهَا تُهمز مَضْمُومَة إِذا الْتَقت الواوان أَوّلا وَلَا يكون ذَلِك فِي الياءِ فإِن أَخرجت الْوَاو الَّتِي تلاقيها وَاو من هَذَا الْمِثَال حتَّى يقعا منفصلتين ثبتتا للحائل بَينهمَا وَذَلِكَ قَوْلك - إِن أَردت مثل احمارّ - احوَاوَى الْفرس واحواوت الشَّاة فترجع الواوان إِلى أُصولهما لأَنَّه لَا مَانع من ذَلِك وإِنَّما نَدُلّ فِي هَذَا الْموضع على الأَصل لأَنَّه مَوضِع جُمَل ونأْتي على تَفْسِيره فِي مَوضِع التَّفْسِير والمسائل إِن شاءَ الله اعْلَم أَنَّه لَا يكون فِعْل وَلَا اسْم مَوضِع فائه وَاو ولامه وَاو لَا يكون فِي الأَفعال مثل وَعَوْت وأَمّا الياءُ فقد جَاءَ مِنْهَا لخفَّتها وَذَلِكَ قَوْلك يَدَيْت إِليه يَداً وَهُوَ مَعَ ذَلِك قَلِيل لأَنَّ بَاب سلَس وقلَق أَقلّ من بَاب ردّ فَلذَلِك كثُر فِي الياءِ مثل حييت وعييت وقلّ فِيمَا وصفت لَك

هَذَا بَاب مَا جَاءَ على أَن فعله على مِثَال حييت وَإِن لم يسْتَعْمل[عدل]

لأَنَّه لَو كَانَ فِعْلا للزمته عِلَّة بعد علَّة فرُفِض ذَلِك من الْفِعْل لما يعتوره من العلَل وَذَلِكَ نَحْو غَايَة وَرَايَة وثاية فَكَانَ حقَّ هَذَا أَن يعتلّ مِنْهُ مَوضِع اللَّام وتصحّ الْعين كَمَا ذكرت لَك فِي بَاب حيِيت فَيكون (فَعَلة) مِنْهُ على مِثَال حَيَاة ولكنَّه إِنَّما بُنى اسْما فَلم يجر على مِثَال الْفِعْل هَذَا قَول الْخَلِيل وَزعم سِيبَوَيْهٍ عَمْرو بن عُثْمَان أَنَّ غير الْخَلِيل وَلم يُسمّهم كَانَ يَقُول هِيَ فَعْلَة فِي الأَصل وَكَانَ حقَّها أَن تكون أَيّة وَلَكِن لمّا الْتَقت ياءَان قلبوا إِحداهما أَلفا كَرَاهِيَة التَّضْعِيف وَجَاز ذَلِك لأَنَّه اسْم غير جارٍ على فِعْل وَقَول الْخَلِيل أَحبّ إِلينا وممّا رفض مِنْهُ الْفِعْل لما يلْحقهُ من الاعتلال (أَوّل) وَهُوَ (أَفْعَل) يدلُّك على ذَلِك قَوْلهم هُوَ أَوّل مِنْهُ كَقَوْلِك هُوَ أَفضل مِنْهُ وأَفضل النَّاس وأَنَّ مؤنثه الأُولى / كَمَا تَقول الكُبْرى والصُغْرى وكلن كَانَت فاؤه من مَوضِع عينه وَمثل هَذَا لَا يكون فِي الْفِعْل وممّا لَا يكون مِنْهُ فِعْل (يوْم) و (آءَة) لما يلْزم من الاعتلال وَاعْلَم أَنَّ اللَّام إِذا كَانَت من حُرُوف اللين وَالْعين من حُرُوف اللين فإِنَّ الْعين تُصحّح وَلَا تعتلّ وتُعلّ اللَّام فَتكون الْعين بِمَنْزِلَة غير هَذِه الْحُرُوف لئلاَّ تَجْتَمِع على الْحَرْف علَّتان وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي بَاب حييت وإِنَّما ذَكرنَاهَا هَاهُنَا لمجيءِ هَذِه الأَسماءِ على مَا لَا يكون فعْلا وَلَا اسْما مأْخوذا من فِعْل فَلَو بنيت من حييت (فَعَلَة) أَو من قوِيت لَقلت قَوَاة وحَيَاة كَمَا تَقول من رميت رَماة فَتكون الياءُ {أَو الْوَاو} الَّتِي هِيَ عين بِمَنْزِلَة غير المعتلّ فأَمّا قَوْلهم (شَاءٌ) كَمَا ترى فإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافا يَقُول قوم الْهمزَة منقلبة من ياءٍ وأَنَّها كَانَت فِي الأَصل شاي كَمَا ترى فأُعلَّت الْعين وَهِي وَاو من قَوْلهم / شويٌّ وقلبت الياءُ همزَة لأَنَّها طرف وَهِي بعد أَلف فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَة سقَّاءٍ وغَزَّاءٍ فَيُقَال لَهُم هلاَّ إِذا أُعلَّت الْعين صحّحت اللَّام ليَكُون كباب غَايَة وَآيَة أَلا ترى أَنَّهم لمّا أَعلُّوا الْعين صحّحوا اللَّام لئلاَّ تجتمعَ علَّتان فَقَالُوا آي وراي جمع راية قَالَ العجّاج

(وخَطَرتْ أَيدي الكُمَاةِ وخَطَرْ ... رايٌ إِذا أَورده الطعْنُ صَدَرْ)

وَنَظِير ذَلِك قَوْلهم فِي جمع قَائِم قيام وَفِي جمع ثوب ثِياب فلمّا جمعُوا رَوِيّ قَالُوا رِواءٌ فَاعْلَم فأَظهروا الْوَاو الَّتِي هِيَ عين لمّا اعتلت الياءُ وَهِي فِي مَوضِع اللَّام وَلَا اخْتِلَاف فِي أَنَّه لَا يجْتَمع على الْحَرْف علَّتان وَزعم أَهل هَذِه الْمقَالة فِي (شاءٍ) يَا فَتى أَنَّه وَاحِد فِي معنى الْجمع وَلَو كَانَ جمع شَاة وعَلى لَفظهَا لم يكن إِلاَّ شِيَاه لأَنَّ الذَّاهِب من شَاة الهاءُ وَهِي فِي مَوضِع اللَّام يدلَّك على ذَلِك قَوْلهم شُوَيْهة فِي التصغير وَزعم أَنَّ الْهمزَة منقلبة من حرف لين لقَولهم شوِيٌّ فِي الْمَعْنى / الشاءِ وَفَسَاد قَوْلهم مَا شرحت لَك وأَمَّا غير هؤلاءِ فَزعم أَنَّ (شاءُ) جمع شَاة على اللَّفْظ لأَنَّ شَاة كَانَت فِي الأَصل شاهة على قَوْلك شُويهة وَالظَّاهِر هاءُ التأْنيث فكرهوا أَن يكون لفظ الْجمع كَلَفْظِ الْوَاحِد فِي الْوَقْف فأَبدلوا من الهاءِ همزَة فَقَالُوا شَاءَ فَاعْلَم لقرب المخرجين كَمَا قَالُوا أَرَقتُ وهَرقت وإِيَّاك وهِيَّاك وكما قَالُوا ماءٌ فَاعْلَم وإِنما أَصله الهاءُ وتصغيره مُويْه فَاعْلَم وَجمعه أَمواه ومياه وَذهب هؤلاءِ إِلى أَن شوىّ مخفّف الْهمزَة كَمَا تَقول فِي النبيّ والبريّة ويفسّر هَذَا فِي بَاب الْهَمْز مستقصى إِن شاءَ الله وَهَذَا القَوْل الثَّانِي هُوَ الْقيَاس

بَاب الْهَمْز[عدل]

اعْلَم أَنَّ الْهمزَة حرف يتباعد مَخْرَجه عَن مخارج الْحُرُوف وَلَا يَشْرَكه فِي مخرجه شيءٌ وَلَا يُدانيه إِلاَّ الهاءُ والأَلف وَلَهُمَا علَّتان نشرحهما إِن شاءَ الله أَمَّا الأَلف فقد تقدم / قَوْلنَا فِي أَنَّها لَا تكون أَصلا وأَنَّها لَا تكون إِلاَّ بَدَلا أَو زَائِدَة وإِنَّما هِيَ هواءٌ فِي الْحلق يسمّيها النحويّون الْحَرْف الهاوي والهاءُ خَفيّة تقَارب مَخْرَج الأَلف والهمزة تحتهما جَمِيعًا أَعني الْهمزَة المحقَّقة فلتباعدها من الْحُرُوف وَثقل مخرجها وأَنَّها نبرة فِي الصَّدْر جَازَ فِيهَا التَّخْفِيف وَلم يجز أَن تَجْتَمِع همزتان فِي كلمة سوى مَا نذكرهُ فِي التقاءِ الْعَينَيْنِ اللَّتَيْنِ بِنْية الأُولى مِنْهُمَا السّكُون وَلَا يجوز تحريكها فِي مَوضِع البتّة فإِذا كَانَت الْهمزَة مَفْتُوحَة وَقبلهَا فَتْحة وأَردت تحقيقها قلت قرأَ الرجل وسأَل عبد الله كَذَا حقُّ كلِّ همزَة إِذا لم ترد التَّخْفِيف فإِن أَردت التَّخْفِيف نحوت بهَا نَحْوَ الأَلف لأَنَّها مَفْتُوحَة والفتحة من مَخْرَج الأَلف فَقلت قرا يَا فَتى والمخفَّفة بوزنها مُحقَّقةً إِلاَّ أَنَّك خفَّفت النبرة لأَنَّك نَحَوْت بهَا نَحْوَ الأَلف أَلا ترى أَنَّ قَوْله

(أَان رأَت رجلا أَعْشَى أَضَرَّ بهِ) فِي وَزنهَا لَو حقَّقت / فَقلت أَأَن وتحقيقها إِذا التقتا رَدِيء جدّا ولكنِّي ذكرته لأُمثِّل لَك فإِن كَانَت قبلهَا فتحةٌ وَهِي مَضْمُومَة نَحَوْت بهَا نَحْوَ الْوَاو لأَنَّ الضمّة من الْوَاو فِي محلّ الفتحة من الأَلف وَذَلِكَ قَوْلك لؤم الرجل إِذا حقَّقت فإِذا خفَّفت قلت لوم الرجل الْوَزْن وَاحِد على مَا ذكرت لَك فإِن كَانَت مَكْسُورَة وَمَا قبلهَا مفتوحٌ نحَوْت بهَا نَحْوَ الياءِ وَذَلِكَ يئس الرجل والمخفَّفة - حَيْثُ وَقعت - بوزنها محقَّقةً إِلاَّ أَنَّ النبر بهَا أَقلّ لأَنَّك تزيحها عَن مخرج الْهمزَة المحقَّقة فإِن كَانَت مَضْمُومَة وَقبلهَا فتح أَو كسر فَهِيَ على مَا وَصفنَا يُنْحَى بهَا نَحْوَ الْوَاو وَكَذَلِكَ الْمَكْسُورَة يُنْحَى بهَا نَحْوَ الياءِ معَ كلّ حَرَكَة تقع قبلهَا فأَمَّا الْمَفْتُوحَة فإِنَّه إِن كَانَت قبلهَا كسرة جعلت يَاء خَالِصَة لأَنَّه لَا يجوز أَن يُنحى بهَا نَحْوَ الأَلف وَمَا قبلهَا مكسور أَو مضموم لأَنَّ الأَلف لَا يكون مَا قبلهَا إِلاَّ مَفْتُوحًا وَذَلِكَ قَوْلك فِي جمع مِئْرة من مأَرت بَين الْقَوْم أَي أَرّشت بَينهم مِئَر فإِن خفَّفت الْهمزَة قلت مِيرَ تُخْلِصُها يَاء وَلَا يكون تخفيفها إِلاَّ على مَا وصفت لَك للعلَّة الَّتِي ذكرنَا وإِن كَانَ مَا قبلهَا مضموما وَهِي / مَفْتُوحَة جعلت واوا خَالِصَة والعلَّةُ فِيهَا العِلَّةُ فِي المكسور مَا قبلهَا إِذا انفتحت وَذَلِكَ قَوْلك فِي جمع جُؤْنة جُؤن مَهْمُوز فإِن خفَّفت الْهمزَة أَخلصتها واوا فَقلت جُوَن وَاعْلَم أَنَّ الْهمزَة إِذا كَانَت سَاكِنة فإِنَّها تقلب - إِذا أَردت تخفيفها - على مِقْدَار حَرَكَة مَا قبلهَا وَذَلِكَ قَوْلك فِي رأْس وجُؤْنة وذئب - إِذا أَردت التَّخْفِيف - راس وجُوْنة وذِيْب لأَنَّه لَا يمكنك أَن تنحو بهَا نَحْوَ حُرُوف اللين وأَنت تخرجها من مُخْرَج الْهمزَة إِلاَّ بحركة مِنْهَا فإِذا كَانَت سَاكِنة فإِنَّما تقلبها على مَا قبلهَا فتخلصها يَاء أَو واوا أَو أَلفا وَكَانَ الأَخفش يَقُول إِذا انضمّت الْهمزَة وَقبلهَا كسرة قلبتها يَاء لأَنَّه لَيْسَ فِي الْكَلَام وَاو قبلهَا كسرة فَكَانَ يَقُول فِي يَستهزئون - إِذا خفَّفت الْهمزَة - يَستهزيون وَلَيْسَ على هَذَا القَوْل أَحد من النحويّين وَذَلِكَ لأَنَّهم لم يجعلوها واوا خَالِصَة إِنَّما هِيَ همزَة مخفَّفة فَيَقُولُونَ يستهزيون وَقد تقدم قَوْلنَا فِي هَذَا وأَعلم أَنَّه لَيْسَ من كَلَامهم / أَن تلتقي همزتان فتحقَّقا جَمِيعًا إِذ كَانُوا يحقِّقون الْوَاحِدَة فَهَذَا قَول جَمِيع النحويِّين إِلاَّ عبدَ الله بن أَبي إِسحق الحضرميّ فإِنَّه كَانَ يرى الْجمع بَين الهمزتين وسأَذكر احتجاجه وَمَا يلْزم على قَوْله بعد ذكرنَا قولَ العامَّة النحويّون يرَوْنَ إِذا اجْتمعت همزتان فِي كَلِمَتَيْنِ كلُّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي كلمة تخفَّف إِحداهما فإِن كَانَتَا فِي كلمة وَاحِدَة أَبدلوا الثَّانِيَة مِنْهُمَا وأَخرجوها من بَاب الْهمزَة أَمَّا مَا كَانَ فِي كلمة فنحو قَوْلهم آدَم جعلُوا الثَّانِيَة أَلفا خَالِصَة للفتحة قبلهَا وَقَالُوا فِي جمعه أَوادِم كَمَا قَالُوا فِي جمع خَالِد خوالد فَلم يرجِعوا بهَا إِلى الْهَمْز وَقَالُوا فِي (فاعِل) من جِئْت وَنَحْوه جاءٍ كَمَا ترى فقلبوا الْهمزَة يَاء لأَنَّها فِي مَوضِع اللَّام من الْفِعْل وموضعُ الْعين تلْزمهُ الْهمزَة لاعتلاله كَمَا قلت فِي فاعِل من يَقُول قَائِل فلمّا الْتَقت الهمزتان فِي كلمة قلبوا الثَّانِيَة مِنْهُمَا على مَا وَصفنَا فإِذا كَانَتَا فِي كَلِمَتَيْنِ فإِنَّ أَبا عَمْرو بن العلاءِ كَانَ تَخْفيف الأُولى مِنْهُمَا وعَلى ذَلِك قرأَ فِي قَوْله / عزَّ وجلَّ {فقد جَاءَ أشراطها} إِلاَّ أَن تبتدأَ بهَا ضَرُورَة كامتناع السَّاكِن وَكَانَ يحقِّق الأُولى إِذا قرأَ {أألد وَأَنا عَجُوز} ويجفِّف الثَّانِيَة وَلَا يلْزمه الْبَدَل لأَنَّ أَلف الِاسْتِفْهَام مُنْفَصِلَة وَكَانَ الْخَلِيل يرى تَخْفيف الثَّانِيَة على كلّ حَال وَيَقُول لأَنَّ الْبَدَل لَا يلْزم إِلاَّ الثانيةَ وَذَلِكَ لأَنَّ الأُولى يُلفظ بهَا وَلَا مَانع لَهَا وَالثَّانيَِة تمْتَنع من التَّحْقِيق من أَجل الأُولى الَّتِي قد ثبتَتْ فِي اللَّفْظ وَقَول الْخَلِيل أَقيس وأَكثر النحويّين عَلَيْهِ فأَمَّا ابْن أَبي إِسحق فَكَانَ يرى أَن يحقِّق فِي الهمزتين كَمَا يرَاهُ فِي الْوَاحِدَة وَيرى تخفيفها على ذَلِك وَيَقُول هما بِمَنْزِلَة غَيرهمَا من الْحُرُوف فأَنا أُجريهما على الأَصل وأُخفِّف - إِن شِئْت - اسْتِخْفَافًا وإِلاَّ فإِنَّ حكمهمَا حكم الدالين وَمَا أَشبههما وَكَانَ يَقُول فِي جمع خَطِيئَة - إِذا جاءَ بِهِ على الأَصل - هَذِه خطائِيءُ ويختار فِي الْجمع التَّخْفِيف وإِن يَقُول خَطَايَا ولكنَّه لَا يرى التَّحْقِيق فَاسِدا وَاعْلَم أَنَّ الْهمزَة المتحرّكة إِذا كَانَ قبلهَا حرف سَاكن فأَردت تخفيفها فإِنَّ ذَلِك يلْزم فِيهِ أَن تحذفها وتلقى حركتها / على السَّاكِن الَّذِي قبلهَا فَيصير السَّاكِن متحرّكا بحركة الْهمزَة وإِنَّما وَجب ذَلِك لأَنَّك إِذا خففت الْهمزَة جَعلتهَا بَيْنَ بَيْنَ قد ضارعت بهَا السَّاكِن وإِن كَانَت متحرّكة وَوجه مضارعتها أَنَّك لَا تبتدئها بَيْنَ بَيْنَ كَمَا لَا تبتدئ سَاكِنا وَذَلِكَ قَوْلك منَ ابوك فتحرّك النُّون وتحذف النُّون ومنِ اخوانك وتقرأَ هَذِه الْآيَة إِذا أَردت التَّخْفِيف {اللهُ الذِّي يُخْرِجُ الحَبَ فِي السَّموَاتِ} وَقَوله {سل بني إِسْرَائِيل} إِنَّما كَانَت اسأَل فلمّا خفَّفت الْهمزَة طرحت حركتها على السِّين وأَسقطتها فتحرّكت السِّين فَسَقَطت أَلف الْوَصْل وَمن قَالَ هَذِه مَرْأَة كَمَا ترى فأَراد التَّخْفِيف قَالَ مَرَة فَهَذَا حكمهَا بعد كلّ حرف من غير حُرُوف اللين فأَمّا إِذا كَانَت بعد أَلف أَو وَاو أَو ياءٍ فإِنْ فِيهَا أَحكاما إِذا كَانَت الياءُ وَالْوَاو مَفْتُوحًا مَا قبلهَا فهما كَسَائِر الْحُرُوف تَقول فِي جَيْأَل جَيَل وَكَذَلِكَ إِن كَانَت وَاحِدَة مِنْهُمَا اسْما أَو دخلت لغير المدّ واللين وَتقول فِي فَوْعَل من سأَلت سَوْأَل / فإِن أَردت التَّخْفِيف سَوَل / كَمَا قلت فِي الياءِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَت فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُمَا اسْما وإِن كَانَ قبل الْوَاو ضمّة أَو قبل الياءِ كسرة تَقول فِي اتبعُوا أَمره اتبعُوَ مره وَفِي اتبعي أَمره اتبِيَ مره وَفِي اتبعُوا إِبلكم اتبعي بلكم لَا تبالي أَمفتوحة كَانَت الْهمزَة أَم مَضْمُومَة أَم مَكْسُورَة فإِن كَانَت الياءُ قبلهَا كسرة وَهِي سَاكِنة زَائِدَة لم تدخل إِلاَّ لمدّ أَو كَانَت وَاو قبلهَا ضمّة على هَذِه الصّفة لم يجز أَن تطرح عَلَيْهَا حَرَكَة لأَنَّه لَيْسَ ممّا يجوز تحريكه وَذَلِكَ نَحْو خَطِيئَة ومَقْرُوءَة فإِنّ تَخْفيف الْهمزَة أَن تَقلبها كالحرف الَّذِي قبلهَا فَتَقول فِي خَطِيئَة خَطيّة وَفِي مَقْرُوءَة مقروّة وإِنَّما فعلت ذَلِك لأَنَّك لَو أَلقيت حَرَكَة الْهمزَة على هَذِه الياءِ وَهَذِه الْوَاو لحرّكت شَيْئا لَا يجوز أَن يَتَحَرَّك أَبدا لأَنَّها للمدّ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الأَلف إِلاَّ أَنَّ الإِدغام فِيهِ جَائِز لأَنَّه ممّا يدغم كَمَا تَقول عدوّ ودِليّ ومغزوّ ومرميّ وأَمّا الأَلف فإِنَّ الإِدغام فِيهَا محَال وَهِي تحْتَمل أَن تكون الْهمزَة بعْدهَا بَيْنَ بَيْنَ كَمَا احتملت السَّاكِن المدغم فِي قَوْلك دابّة / وشابّة لأَنَّ المدّة قد صَارَت خلَفا من الْحَرَكَة فساغ ذَلِك للقائل وَلَوْلَا المدّ لَكَانَ جمع الساكنين مُمْتَنعا فِي اللَّفْظ فَتَقول - إِذا أَردت اتبعا أَمره فخفَّفت - اتبعا امْرَهْ فتجعلها بيْنَ بَيْنَ وَكَذَلِكَ مضى إِبراهيم وجزى أُمّه لأَنَّ الأَلف لَا تكون إِلاَّ سَاكِنة فَلَو طرحت عَلَيْهَا الْحَرَكَة لَخَرَجت من صورتهَا وَصَارَت حرفا آخر وَتقول فِي نبيىء - إِذا خففت الْهمزَة - نبيّ كَمَا ترى هَكَذَا يجْرِي فِيمَا لم تكن حُرُوف ليّنة أَصليّة أَو كالأَصليّة وهم فِي نبيىء على ثَلَاثَة أَضرب أَمّا من خفَّف فَقَالَ نبيّ وَجعلهَا كخطيّة فإِنَّه يَقُول نُبَآءُ فيردّها إِلى أَصلها لأَنَّها قد خرجت عَن فعيل كَمَا قَالَ

(يَا خَاتم النُّبَآءِ إِنَّك مُرْسَلٌ ... بالحقّ كلُّ هُدَى السبيلِ هُداكا)

وَمن قَالَ نبيّ فَجَعلهَا بَدَلا لَازِما كَقَوْلِك عِيد وأَعْياد وكقولك أَحَد فِي وَحَد فَيَقُول أَنبياءُ كَمَا يَقُول تقيّ وأَتقياءُ وشقيّ وأَشقياءُ وغنيّ وأَغنياءُ وَكَذَلِكَ جمع فَعِيل الَّذِي على هَذَا الْوَزْن وَكَذَلِكَ يَقُول / من أَخذه من قَوْلك نبا ينبو أَي مُرْتَفع بِاللَّه فَهَذَا من حُرُوف العلَّة فحقُّه على مَا وصفت لَك وإِن خفَّفت الْهمزَة من قَوْلك هُوَ يَجِيئُك ويَسُوءُك قلت يجِيُك ويسوُك تحرّك الياءَ وَالْوَاو بحركة الْهمزَة لأَنَّهما أَصلان فِي الْحُرُوف فَهَذَا يدلُّك على مَا يرد عَلَيْك من هَذَا الْبَاب وَاعْلَم أَنَّه من أَبي قَول ابْن أَبي إِسحق فِي الْجمع بَين الهمزتين فإِنَّه إِذا أَراد تحقيقهما أَدخل بَينهمَا أَلفا زَائِدَة ليفصل بَينهمَا كالأَلف الدَّاخِلَة بَين نون جمَاعَة النساءِ وَالنُّون الثَّقِيلَة إِذا قلت اضربْنانِّ زيدا فَتَقول {آئذَاكُنَّا تُرَاباً} وَتقول {أَأَنْت قلت للنَّاس} وَمثل ذَلِك قَول ذِي الرّمة

(فياظبيةَ الوَعْساءِ بيْنَ جُلاجِل ... وبيْنَ النَّقا آأَنتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ)

وإِنَّما نذْكر هَاهُنَا من الْهمزَة مَا يدْخل فِي التصريف اعْلَم أَنَّ الْهمزَة الَّتِي للاستفهام إِذا دخلت على أَلف وصل سَقَطت أَلف الْوَصْل لأَنَّه لَا أَصلَ لَهَا وإِنَّما أُتي بهَا لسكون مَا بعْدهَا فإِذا كَانَ قبلهَا كَلَام وصل بِهِ إِلى الْحَرْف السَّاكِن سَقَطت الأَلف / وَقد تقدم القَوْل فِي هَذَا إِلاَّ الأَلف الَّتِي مَعَ اللَّام فإِنَّك تبدل مِنْهَا مدّة مَعَ أَلف الِاسْتِفْهَام لأَنَّها مَفْتُوحَة فأَرادوا أَلاَّ يلتبس الِاسْتِفْهَام بالْخبر وَذَلِكَ قَوْلك - إِذا استفهمت - آبْنُ زيد أَنت {آتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيَّا أَم زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَيْصَارُ} وأَلف (آيْم) الَّتِي للقسم و (اَيمُنْ) بِمَنْزِلَة أَلف اللَّام لأَنَّها مَفْتُوحَة وَهِي أَلف وصل فالعلَّة وَاحِدَة وكلّ مَا كَانَ بعد هَذَا فَمَا ذَكرْنَاهُ دالّ عَلَيْهِ فإِذا الْتَقت الهمزتان بِمَا يُوجبه البناءُ نحْوُ بنائك من جئِت مثلَ (فَعْلَل) قلبت الثَّانِيَة أَلفا لانفتاح مَا قبلهَا كَمَا وصفت لَك فِي الهمزتين إِذا التقتا من أَنَّه وَاجِب أَن تقلب الثَّانِيَة مِنْهُمَا إِلى الْحَرْف الَّذِي مِنْهُ الْحَرَكَة وأَنَّهما لَا يَلْتَقِيَانِ فِي كلمة وَاحِدَة فَيُقرّا جَمِيعًا فَتَقول جَيْأَي على وزن جَيْعىً فإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالك تجمع / بَين الهمزتين فِي كلمة وَاحِدَة إِذا كَانَتَا عينين فِي مثل فعّل وفَعّال وَذَلِكَ قَوْلك رجل سَئّال وَقد سُئِّل فلَان وَلَا تفعل مثَل ذَلِك فِي مثل جَعْفَر وقمطر فَالْجَوَاب فِي هَذَا قد قدّمنا بعضه ونردّهُ هَاهُنَا ونتمُّه إِنَّما الْتَقت الهمزتان إِذا كَانَتَا عينين فِيمَا وَصفنَا لأَنَّ الْعين إِذا ضوعفت فمحال أَن تكون الثَّانِيَة إِلاَّ على لفظ الأُولى وَبِهَذَا عُلم أَنَّهما عينان وَلَوْلَا ذَلِك لقيل عين وَلَام وَمَعَ هَذَا أَنَّ الْعين الأُولى لَا تكون فِي هَذَا البناءِ إِلاَّ سَاكِنة وإِنَّما ترفع لسَانك عَنْهُمَا رَفْعةً وَاحِدَة للإِدغام فإِن قَالَ فأَنت إِذا قلت قِمَطْر فَاللَّام الأُولى سَاكِنة فهلاَّ وَجب فِيهَا وَفِي الَّتِي بعْدهَا مَا وَجب فِي الْعَينَيْنِ قيل من قِبَل أَنَّ اللَّام لَا تلْزمهُ أَن تكون اللَّام الَّتِي بعْدهَا على لَفظهَا وإِن جَازَ أَن تقع وَلَكِن الْعين هَذَا فِيهَا لَازم أَلا ترى أَنَّ قِمَطْرا مُخْتَلفَة اللامين بِمَنْزِلَة جَعْفَر وَنَحْوه فإِذا قلت من قرأَت مثل (قِمَطْر) قلت (قِرَأْىٌ) فَاعْلَم تصحِّح الياءَ / لأَنَّه لَا تلتقي همزتان فإِن قيل فَلم قلبتها يَاء وَلَيْسَت قبلهَا كسرة فإِنَّما ذَلِك لأَنَّك إِذا قلبتها إِلى حُرُوف اللين كَانَت كَمَا جرى أَصلُه من حُرُوف اللين فالياءُ وَالْوَاو إِذا كَانَت وَاحِدَة مِنْهُمَا رَابِعَة فَصَاعِدا أَصليّةً كَانَت أَو زَائِدَة فإِنَّما هِيَ بِمَنْزِلَة مَا أَصله ياءٌ أَلا ترى أَنَّ أَغْزيت وغازيت على لفظ راميت وأَحييت وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي هَذَا ونُعيد مسَائِل الْهَمْز مَعَ غَيرهَا مّما ذكرنَا أُصوله فِي مَوضِع الْمسَائِل والتصريف إِن شاءَ الله وَاعْلَم أَنَّ قوما من النحويّين يرَوْنَ بدل الْهمزَة من غير علَّة جَائِزا فيجيزون قَرَيْت واجْتَرَيْت فِي معنى قَرَأت واجترأْت وَهَذَا القَوْل لَا وجهَ لَهُ عِنْد أَحد ممّن تصحّ مَعْرفَته وَلَا رسم لَهُ عِنْد الْعَرَب ويُجيز هؤلاءِ حذف الْهمزَة لغير علَّة إِلاَّ الاستثقال وَهَذَا القَوْل فِي الْفساد كالقول الَّذِي قبله وهم يَقُولُونَ فِي جمع برِئ الَّذِي هُوَ بُرآءُ على كريم وكرماءَ وبِراءٌ على كريم وكِرام فهؤلاءِ الَّذين وَصفنَا يَقُولُونَ / بُراءٌ فَاعْلَم فيحذفون الْهمزَة من برآءَ وَيَقُولُونَ الْهمزَة حرف مستثقل فنحذفه لأَنَّ فِيمَا أَبقَينا دَلِيلا على مَا أَلقَينا ويشبّهون هَذَا بفاعِل إِذا قلت رجل شاكٌ السلاحَ وَلَيْسَ ذَا من ذَلِك فِي شيءٍ لأَنَّه من قَالَ شاكٌ السلاحَ فإِنَّما أَدخل أَلف فاعِل وَبعدهَا الأَلف الَّتِي فِي الْفِعْل المنقلبة وَهِي عين فتحذف أَلف فاعِل لالتقاءِ الساكنين وَقد قَالَ لَهُم بعض النحويّين كَيفَ تَقولُونَ فِي مضارع قَرَيْت فَقَالُوا أَقْرَا - فقد تركُوا قَوْلهم من حَيْثُ لم يشعروا لأَنَّ من قلب الْهمزَة فأَخلصها يَاء لزمَه أَن يَقُول يَقْرِى كَمَا تَقول رميت أَرمي لأَنَّ فعَل يَفْعَل إِنَّما يكون فِي حُرُوف الْحلق وَلَو جَازَ أَن تقلب الْهمزَة إِلى حرف اللين لغير علَّة لجَاز أَن تقلب الْحُرُوف المتقاربة المخارج فِي غير الإِدغام لأَنَّها تنْقَلب فِي الإِدغام كَمَا تنْقَلب الْهمزَة لعلَّة فإِن فُعِل / هَذَا لغير علَّة فليفعَلْ ذَلِك وَلَكِن إِذا اضطرّ الشَّاعِر جَازَ أَن يقلب الْهمزَة عِنْد الْوَقْف على حَرَكَة مَا قبلهَا فيُخْلِصها على الْحَرْف الَّذِي مِنْهُ حَرَكَة مَا قبلهَا كَمَا يجوز فِي الْهمزَة الساكنة من التَّخْفِيف إِن شِئْت فَمن ذَلِك قَول عبد الرَّحْمَن بن حسّان

(وكنتَ أَذَلَّ منْ وَتِدٍ بِقاعٍ ... يُشَجِّجُ رأْسَهُ بالفِهْر واجي)

إِنَّما هُوَ من وَجَأْت وَقَالَ الفرزدق (راحتْ بمَسْلَمَة البِغَالُ عَشِيّةً ... فارْعَىْ فَزَارةُّ لَا هَناكِ المَرْتعُ)

وَقَالَ حسّان بن ثَابت

(سالتْ هُذَيْلٌ رسولَ اللهِ فَاحِشَة ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا قالتْ وَلم تُصِبْ)

فَهَذَا إِنَّما جَازَ للاضطرار كَمَا يجوز صرف مَا لَا ينْصَرف وَحذف مَالا يحذف مثله فِي الْكَلَام وَقد يُقَال فِي معنى سأَلت سِلْت أَسال مثل خِفْت أَخاف وهما يتساولان كَمَا يخْتَلف اللفظان وَالْمعْنَى وَاحِد نَحْو قَوْلك نَهَض ووثب فإِنَّما هَذَا على ذَلِك لَا على الْقلب وَلَو كَانَ / على الْقلب كَانَ فِي غير سأَلت مَوْجُودا كَمَا كَانَ فِيهَا فَهذا حقّ هَذَا

هَذَا بَاب مَا كَانَ على فُعْلَى مَّما مَوضِع الْعين مِنْهُ ياءٌ[عدل]

أَمّا مَا كَانَ من ذَلِك اسْما فإِنَّ ياءَه تُقلب واوا لضمّة مَا قبلهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك الطُّوبَى والكُوسى أَخرجوه بِالزِّيَادَةِ من بَاب بِيض وَنَحْوه فإِن كَانَت نعتا أَبدلت من الضمّة كسرة لتثبت الْيَاء كَمَا فعلت فِي بِيْض ليفصلوا بَين الِاسْم وَالصّفة وَذَلِكَ قَوْلهم {قسْمَة ضيزى} ومِشْية حِيكَى يُقَال هُوَ يَحِيك فِي مِشْيته إِذا جَاءَ يتبختر وَيُقَال حاك الثوبَ والشِّعرَ يحوكه فإِن قَالَ قَائِل فَمَا أَنكرت أَن يكون هَذَا (فِعْلَى) قيل لَهُ الدَّلِيل على أَنَّه (فُعْلَى) مُغَيَّرَ مَوْضِع الفاءِ أَنَّ (فِعْلَى) لَا تكون نعتا وإِنَّما تكون اسْما نَحْو مِعْزَى ودِفْلَى و (فُعْلَى) يكُون نعتا كَقَوْلِك امرأَة حُبْلَى وَنَحْوه فإِن قَالَ قَائِل من أَين زعمت أَنَّ الطوبَى والكُوسَى اسمان فَمن قِبَل أَنَّ هَذَا البناءَ لَا يَكْمُل نعتا / إِلاَّ بِقَوْلِك من كَذَا تَقول هَذَا أَفْضَل من زيد وَهَذِه أَفضل من زيد فَيكون (أَفْعَل) للمؤنث والمذكَّر والاثنين وَالْجمع على لفظ وَاحِد فإِذا قلت الأَفْضَل والفُضْاَى ثنَّيت وجمعت كَمَا فصلت بَين المؤنَّث والمذكَّر وَلِهَذَا بَاب يفرد مستقصى فِيهِ مسَائِله فَلَمَّا ذكرت لَك جرت مَجْرَى الأَسماءِ فَإِن كَانَ هَذَا الْبَاب من الْوَاو جرى على أَصْله اسْما وَصفَة فأَمّا الِاسْم فنحو قَوْلك والقُولَي والسُودَى تأْنيث قَوْلك هَذَا أَسْوَد مِنْهُ وأَقْول مِنْهُ لأَنَّ هَذَا إِذا ردّ إِلى الأَلف وَاللَّام خرج إِلى بَاب الأَكبر والكُبْرَى وإِن كَانَ نعتا لم يلْزم أَن يكسر مَا قبل واوه إِنَّما لزم الْكسر فِي (فُعْل) ممّا كَانَ من الياءِ أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي جمع أَسْوَد سُود خلافًا لأَبْيض وبِيض فَكَذَلِك تسلم الْوَاو من هَذَا اسْما وَصفَة

هَذَا بَاب مَا كَانَ على فعلى وفعْلى من ذَوَات الْوَاو والياءِ اللَّتَيْنِ هما لامان[عدل]

أَمّا مَا كَانَ على فَعْلَى من ذَوَات الياءِ فإِنَّ ياءَه تُقلب واوا إِذا كَانَ اسْما وتُترك يَاء على هيئتها إِذا كَانَ نعتا فأَمَّا الِاسْم فالفَتْوَى وَالتَّقوى والدَعْوَى وأَمّا النَّعْت فنحو قَوْلك صَدْيا ورَيَّا وطَيا وَلَو كَانَت (رَيّا) اسْما لكَانَتْ رَوَّى وَذَلِكَ لأَنَّك كنت تقلب اللَّام واوا وَالْعين واوا لأَنَّها من روَيت فتلتقي الواوان فَيصير بِمَنْزِلَة قُوَّل وأَمَّا مَا كَانَ من الْوَاو فإِنَّك لَا تغيّره اسْما وَلَا صفة تَقول فِي الِاسْم دَعْوَى وعَدْوَى وَالصّفة مثل شَهْوَى وإِنَّما فعلت ذَلِك لأَنَّ الصّفة تجْرِي هَاهُنَا على أَأَصلها كَمَا جرت الصّفة من الْيَاء على أَصلها وأَمَّا الِاسْم فَلَا تقلب من الْوَاو لأَنَّ هَذَا بَاب قد غلبت الْوَاو على بَابه فإِذا أُصِيبتْ الْوَاو لم تُغَيّر لأَنَّ الياءَ تنْقَلب إِلى الْوَاو وأَما مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب على / (فُعْلَى) فإِنَّ واوه تنْقَلب يَاء إِذا كَانَ اسْما كَقَوْلِك الدُّنْيَا والقُصْيا والنعت يجْرِي على أَصله يَاء كَانَ أَو واوا كَمَا وصفت لَك فِيمَا مضى من النعوت وَذَوَات الياءِ لَا تتغيّر هَاهُنَا كَمَا أَنَّ ذَوَات الْوَاو لَا تَتَغَيَّر فِي (فَعْلَى) فَعَلى هَذَا يجْرِي التصريف فِي هَذِه الأَبواب وأَما قَوْلهم القُصْوَى فَهَذَا ممّا نذكرهُ مَعَ قَوْلهم الخوَنة والحَوَكة وَقد علمتْ ذَاك بَناتُ أَلْبُبِهْ وَحَيْوَةَ وضَيْوَن وَغير ذَلِك ممّا يبلغ بِهِ الأَصل إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب الْمسَائِل فِي التصريف ممَّا اعتلَّ مِنْهُ مَوضِع الْعين[عدل]

تَقول إِذا بنيت فُوعِل من سرت سُويرَ فإِن قَالَ قَائِل هلاَّ ادّغمتَ الْوَاو فِي الياءِ كَمَا قلت فِي لَيَّة وأَصلها لَوْية لأَنَّها من لويت يَده ولأَنَّ حكم الْوَاو والياءِ إِذا التقتا والأُولى مِنْهُمَا سَاكِنة أَن تقلب الْوَاو إِلى الياءِ وتدغم إِحداهما فِي الأُخرى فأَمَّا مَا كَانَ من هَذَا ياؤه / بعد واوه فنحو لَوَيْتة وشَوَيْتة لَيّة وشَيّا إِنَّما كَانَا لَوْيَة وشَوْيا لأَنَّ الْعين وَاو وَكَذَلِكَ (مَرْمِيّ) فَاعْلَم إِنَّما هُوَ مَرْمُوْي لأَنَّ اللَّام ياءٌ وَقبلهَا واوُ مَفْعول وأَمَّا مَا كَانَت الياءُ مِنْهُ قبل الْوَاو فنحو سَيّد ومَيّت لأَنَّه فِي الأَصل سَيْوِد ومَيْوت فإِذا قَالَ فلمَ لم يكن فِي (سُويِرَ) مثل هَذَا فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّ وَاو (سُويِرَ) مدّة وَمَا كَانَ من هَذِه الْحُرُوف مدّا فالاِدغام فِيهِ محَال لأَنَّه يخرج من المدّ كَمَا أَنَّ إِدغام الأَلف محَال وَالدَّلِيل على أَن هَذِه الْوَاو مدّة أَنَّها منقلبة من أَلف أَلا ترى أَنّها كَانَت سَايَرَ فلمّا بنيت الْفِعْل بِنَاء مَا لم يسم فَاعله قلت سُويِرَ فالواو غير لَازِمَة وَلَو قلت مثل هَذَا من القَوْل لَقلت (قُووِلَ) فَلم تُدْغَم والعلَّة فِي هَذَا العلَّة فِيمَا قبله لأَنَّها بدل من أَلف قاوَل وَنَذْكُر قلب الْوَاو فِي الإِدغام إِلى الياءِ وإِن كَانَت الياءُ قبلهَا ثمّ نعود إِلى الْمسَائِل إِن شاءَ الله قد قُلْنَا إِذا الْتَقت الياءُ وَالْوَاو وإحداهما / سَاكِنة وَجب الْإِدْغَام وقلبت الْوَاو إِلى الياءِ فَيُقَال فهلاَّ قلبت الياءُ إِلى الْوَاو إِذا كَانَت الْوَاو بعْدهَا كَمَا أَنَّك إِذا التقى حرفان من غير المعتلّ فإِنَّما تُدْغَم الأَوّل فِي الثَّانِي وتقلب الأَوّل إِلى لفظ الثَّانِي نَحْو قَوْلك فِي وَتِد (وَدّ) وَفِي يفتعل من الظُّلم (يَظَّلِم) فتدغم الظاءَ فِي الطاءِ وَكَذَلِكَ (ذهبَ طَلْحَة) تُرِيدُ ذهبتْ طَلْحَة تقلب التاءَ طاءً وَمثل ذَلِك (أَخَتُّ) تُرِيدُ أَخذت فتدغم الذَّال فِي التاءِ و (أَنْفَتُّ) تُرِيدُ أَنْفذت قيل الْجَواب فِي هَذَا أَنَّه إِذا التقى الحرفان وَلم يكون فِي الآخر مِنْهُمَا علَّة مَانِعَة تمنع من إِدغام الأَوّل فِيهِ أُدغم فِيهِ وإِن كَانَ الأَوّل أَشدّ تمكُّنا من الَّذِي بعده وتقاربا تَقَارُبَ مَا يجب إِدغامه لم يصلح إِلاَّ قلب الثَّانِي إِلى الأَول فَمن ذَلِك حُرُوف الصفير وَهِي السِّين وَالصَّاد وَالزَّاي فإِنَّها لَا تُدْغَم فِيمَا جاورها من الطاءِ والتاءِ وَالدَّال ومجاورتهنَّ إِيّاها أَنَّهنَّ من طَرف اللِّسَان وأُصول / الثنايا العُلَى وحروف الصفير من طرف اللِّسَان وأَطرافِ الثنايا ولهنّ انسلال عِنْد التقاءِ الثنايا لما فيهنّ من الصفير وتجاورهنّ الظاءُ والذال والثاءُ من طرف اللِّسَان وأَطراف الثنايا إِلاَّ أَنَّ هَذِه الْحُرُوف يلصق اللِّسَان لَهَا بأَطراف الثنايا وَهِي حُرُوف النَّفْث وإِذا تفقَّدت ذَلِك وجدته وَمعنى النَّفْث النفخ الخفيّ فالصاد وأُختاها لتمكُّنهنّ لَا يدغمن فِي شيءٍ من هؤلاءِ الستَّة وتدغم الستَّة فيهنّ وَنَذْكُر هَذَا فِي مَوْضِعه إِن شاءَ الله فإِذا التقى حرفان أَحدُهما من هَذِه الستَّة وَالْآخر من حُرُوف الصفير فَأَرَدْت الْإِدْغَام أدغمته على لفظ الْحَرْف من حُرُوف الصفير تَقول فِي (مُفْتَعِل) من صبرت - إِذا أَردت الإِدغام - (مصّبر) وَفِي مُسْتَمِع (مُسَّمع) وَفِي مزدان ومزدجر مُزَّان ومُزَّجر فَكَذَلِك الياءُ وَالْوَاو وَيجب إِدغامها على لفظ الياءِ لأَنَّ الياءَ من مَوضِع أَكثر الْحُرُوف وأَمكنها / وَالْوَاو مخرجها من الشّفة وَلَا يَشْرَكُها فِي مخرجها إِلاَّ الباءُ وَالْمِيم فأَمَّا الْمِيم فتخالفها لمخالطتها الخياشيمَ بِمَا فِيهَا من الغُنَّة وَلذَلِك تسمعها كالنون والباءُ لَازِمَة لموضعها مُخَالفَة للواو لأَنَّ الْوَاو تهوِي من الشّفة للفم لما فِيهَا من اللين حَتَّى تتَّصل بأُختيها الأَلف والياءِ ولغلبة الياءِ عَلَيْهَا مَوَاضِع نذكرها فِي بَاب الإِدغام لأَنَّه يوضِّح لَك مَا قُلْنَا مبيّنا وَلَيْسَت الْوَاو كالفاءِ لأَنَّ الفاءَ لَا تخلُص للشفة إِنَّما مخرجها من الشّفة السُّفْلى وأَطراف الثنايا الْعليا فَلذَلِك وَجب مَا وَصفنَا من الإِدغام وَلَا يجب الإِدغام إِذا كَانَت إِحداهما حرف مدّ وَآيَة ذَلِك أَن تكون منقلبة من غَيرهَا كَمَا وصفت لَك فِي وَاو (سُويرَ) لأَنَّها منقلبة من ألف سايرَ وأَمّا وَاو مَغْزُوّ ومَرْمِيّ فَلَيْسَتْ وَاحِدَة مِنْهُمَا منقلبة من شيءٍ إِنَّما هِيَ وَاو (مَفْعُول) غير مُنْفَصِلَة من الْحُرُوف وَلَو كَانَت مُنْفَصِلَة لم تُدْغَم وَقبلهَا ضمّة أَلا ترى أَنَّك تَقول ظلمُوا واقدَا فَلَا تُدْغَم كَمَا لاتدغم إِذا قلت ظلما واقدا وَكَذَلِكَ اُغْزي يَا سرا لايلزمك الإِدغام لكسرة مَا قبل / الياءِ وضمّة مَا قبل الْوَاو وَلَو كَانَت قبل كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فَتْحة لم يجز إِلا الْإِدْغَام فِي المِثْلَيْنِ وَلم يمكنك إِلاَّ ذَلِك تَقول رمَوْا واقدا واخْشَىْ يَا سرا فإِن قلت فَمَا بالك فِي اخْشَىْ واقدا ورمَوْا ياسرا لَا تُدْغَم والأَوَّل مِنْهُمَا سَاكن وَقد تقدّم الشَّرْط فِي الْوَاو والياءِ فإِنَّما قُلْنَا فِي المتَّصلين فأَمّا المنفصلان فَلَيْسَ ذَلِك حكمهمَا لأَنَّك فِي المنفصلين - إِذا قاربت الْحُرُوف - مُخَيّر وأَمّا فِي هَذَا الْموضع فَلَا يجوز الإِدغام لأَنَّ الْوَاو عَلامَة الْجمع والياءَ عَلامَة التأْنيث فَلَو أَدغمت وَاحِدَة مِنْهُمَا على خلاف لذهب الْمَعْنى وَهَذَا يحكم لَك فِي بَاب الإِدغام إِن شاءَ الله ورَجع بِنَا القَوْل إِلى مَا يتبع بَاب (سُوير) قد تقدّمنا فِي القَوْل أَنَّ الْوَاو الزَّائِدَة والياءَ إِذا كَانَتَا مدّتين لم تدغما كَمَا أَنَّ الأَلف لم تُدْغَم فإِذا كَانَتَا مدّتين صارتا كالأَلف وإِنَّما اسْتَحَالَ الإِدغام فِي الأَلف لأَنَّها لَو كَانَت إِلى جَانبهَا أَلف لَا يجوز أَن تُدْغَم فِيهَا لأَنَّ الأَلف لَا تكون إِلاَّ سَاكِنة وَلَا يلتقي ساكنان وبَعْدُ فإِن لَفظهَا وَهِي أَصليَّة لَا تكون إِلاَّ مدّا والمدّ / لَا يكون مدغما وَلَو رمت ذَلِك فِي الأَلف لنقلتها عَن لَفظهَا فَتَقول قد قُوْوِل زيد وبُويِع لَا غير ذَلِك وَكَذَلِكَ رُؤيا إِذا خفَّفت الْهمزَة وأَخلصتها واوا لأَنَّ الْهمزَة الساكنة إِذا خفِّفت انقلبت على حَرَكَة مَا قبلهَا وَلم يجز فِي هَذَا القَوْل أَن تدغمها لأَنَّها مدّة ولأَنَّ أَصلها غير الْوَاو فَهِيَ منقلبة كواو سُوْيَر وأَمّا من قَالَ رُيَّا ورُيَّة فعلى غير هَذَا الْمَذْهَب ونذكره فِي بَابه إِن شاءَ الله فَهَذَا حكم الزَّوَائِد وَلَو قلت (افْعَوْعَلَ) من القَوْل لَقلت اْقوَوَّل وَمن البيع ابْيَيَّع وَكَانَ أَصلها ابْيَوْيَع فأَدغمت الْوَاو فِي الياءِ الَّتِي بعْدهَا فإِن بنيت الْفِعْل من هَذَا بِنَاء مَا لم يُسمَّ فَاعله قلت اُبْيُويِع واقْوُووِل وَلَا يجوز الإِدغام لأَنَّ الْوَاو الْوُسْطَى مدّة فأَمَّا عَدُوّ ووَلِيّ فالإِدغام لَازم لأَنَّ الْوَاو والياءَ لم تنقلبا من شيءٍ وَتقول ف مثل (احْمارّ) من الحُوّة احواوت الْفرس / واحْوَاوَى الرجل وإِنَّما أَصل (احمارّ) احمارَرَ فأَدركه الإِدغام وَيظْهر ذَلِك إِذا سكَّنت الراءَ الأَخيرة تَقول احمارَرْت وَلم يحمارِرْ زيد فعلى هَذَا تَقول احْوَاوَيْت واحْوَاوَى زيد فإِذا قلت يَحْوَاوِي لم تُدْغَم لأَنَّ الياءَ سَاكِنة وَالْوَاو متحرّكة وإِنَّما يجب الإِدغام فِي هَذَا إِذا سكن الأَوّل فإِن بنيت الْفِعْل بِنَاء لم يُسمّ فَاعله قلت اُحْوُووِيّ فِي هَذَا الْمَكَان فَلَا تُدْغَم لأَنَّ الْوَاو الْوُسْطَى منقلبة عَن أَلف افعالّ فإِن قلت فَمَا بالك تَقول فِي الْمصدر على مثل احميرار احْوِيّاءٌ وأَصلها احْوِيواءٌ فتدغم هلاَّ تركت الياءَ مدّة فَمن قِبَل أَنَّ الْمصدر اسْم فبناؤه على حَالَة وَاحِدَة وَالْفِعْل لَيْسَ كَذَلِك لتصرّفه فالملحقة فِي هَذَا الْبَاب والزائدة لغير الإِلحاق سواءٌ فِي قَول النحويّين وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول لَو بنيت (أَفْعَلْت) من الْيَوْم فِي قَول من قَالَ أَجْوَدْت وأَطْيَبْت لَقلت أَيَّمت وَكَانَ الأَصل أَيْومت وَلَكِن انقلبت الْوَاو للياءِ الَّتِي قبلهَا كَمَا فعلت فِي سيّد فإِن بنيت الْفِعْل بِنَاء لم يُسمّ فَاعله أَو تكلَّمت بمضارعه قلت / فِي قَول الْخَلِيل (أُوِومَ) لأَنَّ الياءَ منقلبة من وَاو فلمّا بناها هَذَا البناءَ جعلهَا مدّة وإِن كَانَت أَصليّة لأَنَّها منقلبة كَمَا انقلبت وَاو سُويِرَ من أَلف سايرَ فقد صَارَت نظيرتها فِي الانقلاب وَتقول فِي مُوئِس فِيمَن خفَّف الْهمزَة مُويس فتجعلها بَيْنَ بَيْنَ وَفِي مِيأَل وَهُوَ مِفْعَل من وَأَلت ميال فَلَا تجعلها كالواو فِي خَطِيئَة إِذا قَالَ خطيّة إِذا خفَّف الْهمزَة والنحويّون أَجمعون على خِلَافه لإِدخاله الأَصول على منهاج الزَّوَائِد فَيَقُولُونَ اُيِّمَ لأَنَّها أَصليّة فالادغام لَازم لَهَا لأَنَّ المدّ لبس بأَصل فِي الأُصول وَيَقُول فِي (مِفْعَل) من وأَلت مِوَل إِذا خفَّفوا الْهَمْز والأَصل مِيْئَل فطرحوا حَرَكَة الْهمزَة على الياءِ فلمّا تحرّكت رجعت إِلى أَصلها لأَنَّها من وَاو وأَلت كَمَا رجعت وَاو ميزَان إِلى أَصلها فِي قَوْلك مَوَازِين وَيَقُول النحويّون فِي مُوئِس إِذا خفَّفوا الْهمزَة مُيِس / لأَنَّهم طرحوا حركتها على الْوَاو فَسَقَطت الْهمزَة وَرجعت الْوَاو إِلى الياءِ لمّا تحرّكت لأَنَّه من يَئست فَهَذَا قَول النحويّون وَهُوَ الصَّوَاب وَالْقِيَاس وَلَو بنيت من القَوْل (فَعَّل) أَو من البيع لَقلت قَوَّل وبَيَّع فإِن بنيته بِنَاء مَا لم يسمّ فَاعله قلت قُوّل وبُيّع لأَنَّها لَيست منقلبة إِنَّما رددت الْعين مثقَّلة كَمَا كَانَت وَتقول فِي (اِفْعَلْ) من أَويت إِذا أَمرت اِيْوِ يَا رجل وللاثنين اِيوِيا وللجمع ايوُوا وللنساءِ ايوِينَ كَمَا تَقول من عوَيْت فالياءُ مبدلة من الْهمزَة وَلَا يلزمك الادغام لأَنَّ الأَلف أَلف وصل فَلَيْسَ الْبَدَل لَازِما للياءِ لأَنَّ أَصلها الْهَمْز ولكنَّك لَو قلت مثل (إِوَزّة) من أَوَيْت لَقلت إِيّاة فَاعْلَم وَكَانَ أَصلها إِئواة فلمّا الْتَقت الهمزتان أَبدلت الثَّانِيَة يَاء لكسرة مَا قبلهَا كَمَا ذكرت لَك فِي جاءٍ وَنَحْوه فَصَارَت يَاء خَالِصَة وَبعدهَا وَاو فقلبتها لَهَا لأَنَّ الياءَ سَاكِنة / وَلم نَجْعَلهَا مدّا لأَنَّه اسْم وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي هَذَا فِي بَاب عدوّ ووليّ وَنَحْوه وَلَو قلت من وَأَيت مثل (عُصْفُور) لَقلت وُؤْييّ لأَنَّك إِذا قلت وأَيت فالواو فِي مَوضِع الفاءِ والهمزة فِي مَوضِع الْعين فلمّا قلت (فُعْلول) احتجت إِلى تَكْرِير اللَّام للبناءِ وَالْوَاو الزَّائِدَة تقع بَين اللامين كَمَا تقع فِي مِثَال فُعْلول فَقلت وُؤْيِيّ والأَصل وُؤْئوي فقلبت الْوَاو يَاء للياءِ الَّتِي بعْدهَا وضممت الْوَاو الأُولى لمثال فُعْلول وإِنَّما لزمك الإِدغام لأَنَّه اسْم وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ وَاو (فُعْلول) كواو (سُويِرَ) وَلَكِن الأَسماءِ لَا تتصرّف وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا أَلا ترى أَنَّ قَوْلك مَرْمِيّ إِنَّما هُوَ مَفْعُول من رميت فَكَانَ حقّه أَن يكون مَرْمُوي فأَدغمت فَكَذَلِك آخر (فُعْلُول) وَلَو قلت مثل (مَفْعُول) من حييت لَقلت هَذَا مَكَان مَحْييٌّ فِيهِ وَكَانَ الأَصل مَحْيُوي وَكَذَلِكَ مَشْوِيّ وَكَانَ / الأَصل مَشْؤوي لأَنَّ الْعين وَاو بعْدهَا واوُ مفعول وَبعد وَاو مفعول الياءُ الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل وَلَو قلت مثل (فَعالِيل) من رميت لَقلت رَمَايِيّ فَاعْلَم لم تغيّر لتباعد الأَلف من الطّرف فأَدغمت الياءَ الزَّائِدَة فِي الياءِ الَّتِي هِيَ لَام فأَمّا مثل طَوِيل وقويم وَمَا أَشبه ذَلِك فَلَا يلزمك الإِدغام لتحرّك الْحَرْف الأَوّل من المعتلَّين ونبيّن هَذَا بأَكثر من هَذَا التَّبْيِين فِي بَاب مسَائِل التصريف إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب تصرف الْفِعْل اذا اجْتمعت فِيهِ حُرُوف الْعلَّة[عدل]

إِذا بنيت الْمَاضِي من حَيِيت فَقلت حَيِيَ يَا فَتى فأَنت فِيهِ مخيّر إِن شِئْت أَدغمت وإِن شِئْت بيّنت تَقول فِي حَيَّ فِي هَذَا الْموضع وَقد حَيِيَ فِيهِ أَمَّا الإِدغام فَيجب للُزُوم الفتحة آخر (فَعَلَ) وأَنَّه قد صَار بالحركة بِمَنْزِلَة غير / المعتلّ نَحْو رَدَّ وكَرَّ وأَمّا ترك الإِدغام فلأَنَّها الياءُ الَّتِي تعتلّ فِي يَحْيَى ويُحْيِي فَلَا تلزمها حَرَكَة أَلا ترى أَنَّك تَقول هُوَ يُحْيِي زيدا وَلم يُحْيِ فتجعل محذوفة كَمَا تحذف الْحَرَكَة وَكَذَلِكَ يَحْيَا وَنَحْوه وَقد فسّرت لَك من اتِّصال الْفِعْل الْمَاضِي بالمضارع وإِجرائه عَلَيْهِ فِي بَاب أَغزيت وَنَحْوه مَا يُغني عَن إِعادته وَمن قَالَ حَيَّ يَا فَتى قَالَ للْجَمِيع حَيُّوا مثل رَدَّ وردُّوا لأَنَّه قد صَار بِمَنْزِلَة الصَّحِيح وَمن قَالَ حَيِيَ فبيّن قَالَ حَيُوا للْجَمَاعَة وَذَلِكَ لأَنَّ الياءَ إِذا انْكَسَرَ مَا قبلهَا لم تدْخلهَا الضمّة كَمَا لاتقول هُوَ يقضِىُ يَا فَتى وَلَا هُوَ قاضِيٌ وَكَانَ أَصلها حَييُوا على وزن علمُوا فسكِّنت وَالْوَاو بعْدهَا سَاكِنة فحذفت لالتقاءِ الساكنين فَمثل الإِدغام قراءَة بعض النَّاس {وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة} وَهُوَ أَكثر وَترك الإِدغام (من حَييَ عَنْ بَيِّنَةٍ) وَقد قرئَ / بهما جَمِيعًا وَكَذَلِكَ قيل فِي الإِدغام

(عَيُّوا بأَمْرِهمو كَمَا ... عَيّت ببَيْضَتها الحَمامهْ)

وَقَالَ فِي ترك الإِدغام

(وكنَّا حسِبناهم فورسَ كَهْمَسٍ ... حَيُوا بعد مَا مَاتُوا من الدَّهْر أَعْصُرا)

فإِذا قلت هُوَ (يَفْعَل) لم يجز الإِدغام البتَّة وَذَلِكَ قَوْلك لن يُعْيِيَ زيد وَلنْ يُحْيِيَ أَحد لأَنَّ الْحَرَكَة لَيست بلازمة وإِنَّما تدخل للنصب وإِنَّما يلْزم الإِدغام بِلُزُوم الْحَرَكَة وَكَذَلِكَ قَول الله عزَّ وجلَّ {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} لَا يجوز الإِدغام كَمَا ذكرت لَك فإِذا قلت قد (فُعِلَ) من حَيِيت على قَول من بَيَّنَ قلت قد حُيِيَ فِي هَذَا الْمَكَان وَمن أَدغم قَالَ قد حُيَّ فِي هَذَا الْمَكَان وإِن شاءَ قَالَ قد حِيَّ فأَبدل من الضمّة كسرة للياءِ الَّتِي بعْدهَا وَكَذَلِكَ كلُّ مَا كَانَ من هَذَا اسْما كَانَ أَو فِعْلا تَقول قرْنٌ أَلْوَى وقُرون لُيٌّ وإِن شِئْت قلت لِيٌّ والأَصل الضَّم وإِنَّما دخل الْكسر من أَجل الياءِ لأَنَّ جمع / أَفْعَل (فُعْل) إِذا كَانَ (أَفْعل) نعتا نَحْو أَحمر وحُمْر ولكنّ الْكسر فِي هَذَا أَكثر لخفَّته وَكَذَلِكَ مَا كَانَ على (فُعول) ممّا اعتلَّت لامه تَقول ثُدِيّ وعُصِيّ وإِن شِئْت قلت ثِدِيّ وعِصِيّ وَالْكَسْر أَكثر لما ذكرت لَك والضمّ الأَصل لأَنَّ البناءَ (فُعُول) فأَمَّا الْمَفْتُوحَة فَلَا تبدل كسرة لخفَّة الفتحة نَحْو وَلِيّ وعَدِيّ وَكَذَلِكَ {ليا بألسنتهم} فإِذا ثنيَّت (اُفْعُوْعِلَ) من حَييت لَقلت فِي قَول من لم يدغم قد احْيُويِيَا فِي هَذَا وَفِي قَول من أَدغم اُحْيُويَّا فِيهِ فإِن قلت فَكيف اجْتمعت الْوَاو وَهِي سَاكِنة والياءُ بعْدهَا سَاكِنة للإِدغام فقد تقدم قَوْلنَا فِي أَنَّ حرف المدّ يَقع بعده السَّاكِن المدغم لأَنَّ المدّة عوض من الْحَرَكَة وأَنَّك تعتمد على الحرفين المدغم أَحدُهما فِي الآخر اعتمادةً وَاحِدَة نَحْو قَوْلك دابّة وشابّ وتُمُودّ الثَّوْب وَهَذَا بريدّاود وَنَحْو ذَلِك وَنحن ذاكرو مَا تلتقي لامه وعينه / على لفظ وَاحِد بِجَمِيعِ علله من الصَّحِيح ثمّ نرْجِع إِلى المعتلّ إِن شاءَ الله إِذا قلت (فَعِل) أَو (فعَل) ممّا عينه ولامه سواءٌ فَكَانَ الحرفان متحرِّكين فإِنه يلزمك أَن تسكِّن المتحرّك الأَوّل فتدغمه فِي الَّذِي بعده لأَنَّهما لفظ وَاحِد فَلَا يَقع فِي الْكَلَام التباين وَذَلِكَ قَوْلك رَدَّ وفَرَّ وعَضَّ ورَدُّوا وفَرُّوا فإِن سكن الثَّانِي ظهر التَّضْعِيف وإِنَّما يظْهر لأَنَّ الَّذِي بعده سَاكن فإِن أَسكنته جمعت بَين ساكنين لذَلِك تَقول رَدَدْت وفَرَرْت وَتقول لم يردُدْن وَلم يفْرِرْن لأَنَّ مَا قبل نون جمَاعَة النساءِ لَا يكون إِلاَّ سَاكِنا لما قد تقدّم ذكره وَكَذَلِكَ مَا قبل التاءِ إِذا عني بهَا المتكلِّم نَفسه أَو مخاطبه وَتقول ردَّا لَا غير لأَنَّ الثَّانِيَة تتحرّك فإِذا أَمرت الْوَاحِد فَقلت (افْعَلْ) من هَذَا المضاعفة فأَنت مخيّر إِن شِئْت قلت اردُدْ كَمَا تَقول اُقتل وَتقول اِعْضَضْ كَمَا تَقول اِذهب وَتقول اِفرِزْ كَمَا تَقول اِضربْ وَهَذَا أَجود الأَقاويل / وَقد يجوز أَن تَقول فِرَّ رُدّ عَضَّ فإِذا قلت ذَلِك فإِنَّما طرحت حَرَكَة الْعين على الفاءِ فلمّا تحركت الفاءُ سَقَطت أَلف الْوَصْل وَقد التقى فِي الْوَقْف ساكنان فإِذا وصلت فَكَانَ الْحَرْف من بَاب (يَفْعُل) فأَنت فِي تحريكه مخيّر يجوز فِيهِ الْوُجُوه الثَّلَاثَة تَقول غُضِّ يَا فَتى وغُضُّ وغُضَّ أَمّا الْكسر فعلى أَنَّه أَصل التقاءِ الساكنين وأَمّا الضمّ فللإِتباع وأَمّا الْفَتْح فلأَنَّه أَخفُّ الحركات لأَنَّك إِنَّما تحرّك الآخر لالتقاءِ الساكنين فإِن كَانَ من بَاب مَسَّ جَازَ فِيهِ الْفَتْح من وَجْهَيْن لخفَّته وللإِتباع وَجَاز الْكسر لما ذكرت لَك وإِن كَانَ من بَاب فَرَّ جَازَ فِيهِ الْكسر من وَجْهَيْن للإِتباع ولأَنَّه أَصل التقاءِ الساكنين وَجَاز الْفَتْح لخفَّته وإِنَّما جَازَ فِي هَذَا مَا لم يجز فِيمَا قبله ممّا تحرّك نتع الأَوّل لأَنَّ هَذَا أَصله الحركه وإِنَّما سُكِّن للجزم وَلَيْسَ السّكُون لَازِما لَهُ لأَنَّك لَو ثنَّيته أَو جمعته أَو أَنَّثته للزمته الْحَرَكَة نَحْو رُدَّا ورُدُّوا ورُدِّي وَكَذَلِكَ إِن دخلت فِيهِ النُّون / الْخَفِيفَة أَو الثَّقِيلَة وَمَا كَانَ قبل التاءِ وَالنُّون الَّتِي لجَماعَة المؤَنَّث لم يكن إِلاَّ سَاكِنا لَا تصل إِليه الْحَرَكَة فلمّا كَانَ كَذَلِك كَانَ تحريكه تَحْرِيك اعتلال وَلم يكن كَمَا قد تقدّمنا فِي ذكره فإِن لَقيه سَاكن بعده اختير فِيهِ الْكسر وَلَا أَراه إِذا حرّك للَّذي بعده فِي التَّقْدِير يجوز فِيهِ إِلاَّ الْكسر فإِن قدّر تحريكه للَّذي بعده فِي التَّقْدِير يجوز فِيهِ إِلاَّ الْكسر فإِن قدّر تحريكه لما قبله جَازَت فِيهِ الْوُجُوه كلُّها على مَا تقدّمنا بِذكرِهِ وَذَلِكَ قَوْلك رُدِّ الرجل وغضِّ الطّرف وإِن شِئْت قدّرته لما قبله فَقلت فِي المضموم بالأَوجه الثَّلَاثَة كَمَا كَانَ من قبل أَن يدْخل السَّاكِن الَّذِي بعده وَقلت فِي المفتوح بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَكَذَلِكَ المكسور وَهَذَا الْبَيْت ينشد على الأَوجه الثَّلَاثَة لما ذكرنَا وَهُوَ

(فغُضّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْباً بلغتَ وَلَا كِلابا)

وَكَذَلِكَ الَّذِي بعده وَهُوَ

(ذُمُّ المنازلَ بعد منزلَة اللِّوَى ... والعيشَ بعد أُولئكَ الأَيامِ) / فعلى مَا ذكرت لَك مجْرى هَذَا الْبَاب وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي ذَوَات الياءِ وَالْوَاو المضاعفة ثمّ ذكرنَا ذَا ونعود إِلى استقصاءِ مَا فِيهَا إِن شاءَ الله اعْلَم أَنَّه لَا يَقع فِي الأَفعال مَا تكون عينه يَاء ولامه واوا وَلَكِن تكون عينه واوا ولامه يَاء وَذَلِكَ نَحْو شَوَيْت ولَويت وطويت وَيلْحق بِهِ مَا كَانَت عينه ولامه واوين لأَنَّه يُبنى على فَعِلت فَيصير لامه بِمَنْزِلَة مَا أَصله الياءُ نَحْو حَوِيت وقَوِيت فأَمّا قَوْلهم (حَيَوان) فِي الِاسْم فقد قيل فِيهِ قَولَانِ قَالَ الْخَلِيل الْوَاو منقلبة من ياءٍ لأَنَّه اسْم فخروجه عَن الْفِعْل كخروج آيَة وبابها وَقَالَ غَيره اشتقاق هَذَا من الْوَاو لَو كَانَ فعْلاً ولكنَّه لَا يصلح لما تقدّمنا بِذكرِهِ وَنَظِيره فِي هَذَا الْبَاب على هَذَا القَوْل جَبَيْت الْخراج جِباية وجِباوة وَلَيْسَ من جِباوة فِعْل وَمثل ذَلِك فاظ الميّت فَيْظاً وفَوْظا وَلَيْسَ من فَوْظ فِعْل وَلذَلِك ظهر على الأَصل ليدلّ على أَصله وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي أَنَّه لَا تظهر واوان مُجْتَمعين / إِذا كَانَت إِحداهما طرفا وَلَا يَقع فِي الْكَلَام مَا مَوضِع فائه وَاو ولامه وَاو نَحْو وَعَوْت وَنحن ذاكرو مَا يتَّصل بِهِ إِن شاءَ الله إِذا بنيت من الغَزْو (فَعَلَلْت) قلت غَزَوْيت وَلم يجز إِلاَّ ذَلِك لأَنَّها فِي الْمُضَارع يُغزْوِي على مَا ذكرنَا من الْبَاب وَلَو لم يكن ذَلِك لوَجَبَ أَلاَّ تَجْتَمِع واوان أَلا ترى أَنَّهم يذهبون (بفَعَلْت) من الْوَاو إِلى (فِعِلت) فِي نَحْو قَوِيت وحَوِيت لئلاَّ يجْتَمع واوان فإِذا كَانَت إِحداهما غير طرف أَو كَانَ مَا قبلهَا سَاكِنا فَهِيَ ثَابِتَة نَحْو قَوْلك خيل حُوّ وبطن قَوّ وَقد قُلْنَا فِي هَذَا وَلَكِن رددناه لما بعده إِذا بنيت (افْعَوْعَل) من قلت فإِنَّ النحويّين يَقُولُونَ اقْوَوَّلَ فتجتمع ثَلَاث واوات وَلم تكن وَاحِدَة منهنّ طرَفا ينْتَقل عَلَيْهَا الإِعراب إِلاَّ أَبا الْحسن الأَخفش فإِنَّه كَانَ يَقُول فِي هَذَا الْمِثَال (اقْوَيَّلَ) يقلب آخرهنّ يَاء ويدغم فِيهَا الَّتِي قبلهَا وعلَّته فِي ذَلِك اجْتِمَاع الواوات وَيَقُول إِنَّما تجْرِي الأَبنية على الأُصول وَلَيْسَ / فِي الأُصول مَا هُوَ هَكَذَا فإِن قلت (مَفْعُول) من غَزَوْت فَهُوَ {مَغْزُوّ} هَذَا الْمُجْتَمع عَلَيْهِ تصحّ الْوَاو الَّتِي هِيَ حرف الإِعراب لسكون مَا قبلهَا وَقد يجوز مَغْزِيّ وَذَلِكَ لأَنَّك قلبت الطّرف كَمَا فعلت فِي الْجمع وَلَيْسَ بِوَجْه لأَنَّ الَّذِي يقلب إِنَّما يذهب إِلى أَنَّ السَّاكِن الَّذِي قبلهَا غير جَائِز وَلَا تكون الْوَاو فِي الأَسماءِ طرَفا وَمَا قبلهَا متحرّك فَلم يعتدّ بِمَا بَينهمَا أَلا ترى أَنك إِذا جمعت دَلْو قلت أَدْلٍ وإِنَّما هِيَ (أَفْعُل) وَتقول فِي قلنسوة وَالْجمع قَلَنْسٍ وحقُّه قَلَنْسُوٌ ولكنَّك قلبت الْوَاو لمّا كَانَت طرفا وَكَانَ مَا قبلهَا متحرّكا على ذَلِك قَالَ الراجز

(لَا مَهْلَ حتَّى تَلْحَقِي بعَنْسِ ... أَهلِ الرِياطِ البِيْضِ والقَلَنْسِي)

وَقَالَ الآخر

(حتّى تَفُضِّي عَرْقِيَ الدِلِيِّ ... )

جمع عَرْقُوة وَكَانَ حقَّه عَرْقُوٌ فَهَذَا حكم كلّ وَاو طرف إِذا تحرّك مَا قبلهَا فَكَانَ مضموما أَو مكسورا وإِن كَانَ مَفْتُوحًا انقلبت أَلفا كَمَا ذكرت فِي غَزا وَكَذَلِكَ رمَى لأَنَّ حكم الْوَاو فِي هَذَا الْموضع كَحكم الياءِ لَو رخَّمت (كَرَوانا) فِيمَن قَالَ يَا حارُ لَقلت يَا كَرا أَقبل وَكَانَ الأَصل / يَا كَرَوُ لَكِن تحرّك مَا قبلهَا وَهِي فِي مَوضِع حَرَكَة فَانْقَلَبت أَلفا وَلم يكن ذَلِك فِي كروان لأَنَّ الأَلف بعْدهَا فَلَو قلبتها أَلفا لجمعت بَين ساكنين كَمَا كَانَ يلزمك فِي غَزَوَا لَو لم تردّها إِلى الْوَاو فَالَّذِينَ قَالُوا مَغْزيّ إِنَّما شبّهوه بِهَذَا وعَلى ذَلِك قَالُوا أَرض مَسْنِيّة وإِنَّما الْوَجْه مَسْنُوّة فإِن كَانَ هَذَا البناءُ جمعا فالقلب لَا غير تَقول فِي جمع عَاتٍ عُتِيّ وَفِي غاز غُزيّ وإِن كسرت أَوّله على مَا ذكرت لَك قَبْلُ فَقلت غِزِيّ كَمَا تَقول عِصيّ فالكسر أَكثر لخفَّته والأَصل الضَّم لأَنَّه (فُعُول) وَقَوْلِي فِي هَذَا الْجمع أَوجب لأَنَّ بَاب الانقلاب إِنَّما أَصله الْجمع فَلذَلِك أَجرينا سَائِر الْجمع عَلَيْهِ وَقد قُلْنَا فِي صُيّم مَا يَسْتَغْنِي عَن إِعادته وَاعْلَم أَنَّ اللَّام كَانَت يَاء أَو واوا وَقبلهَا أَلف زَائِدَة وَهِي طرف أَنَّها تنْقَلب همزَة للفتحة والأَلف اللَّتَيْنِ قبلهَا / وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا سقَّاءٌ يَا فَتى وغَزَّاءٌ فَاعْلَم فإِذا لم يكن مُنْتَهى الْكَلِمَة لم تنْقَلب وَذَلِكَ قَوْلك شقاوة وعَباية فأَمَّا من قَالَ عَظاءَة وعَبَاءَة فإِنما بناه أَوّلا على التَّذْكِير ثمّ أَدخل التأْنيث بعد أَن فرغ من البناءِ فأَنَّثه على تذكيره فعلى هَذَا تَقول صلاءَة وامرأَة سقَّاءَة وحذَّاءَة وَلَو بنيتها على التأْنيث على غير مذكَّر لَقلت سقَّاية وحذَّاوة فَاعْلَم كَمَا تَقول شقاوة وَنِهَايَة وَكَذَلِكَ مَا كَانَت آخِره وَاو وَلَيْسَ بمنتهى الْكَلِمَة نَحْو قَوْلك فِي مثل (فَعُلَة) من غزوت إِن بنيته على التَّذْكِير قلت غَزِية كَمَا كنت تَقول فِي المذكَّر هَذَا غَز فَاعْلَم وإِن بنيته على التأْنيث الَّذِي هُوَ من غير تذكير قلت غَزُوَة كَمَا قلت تَرْقُوة وقَلَنْسُوة لأَنَّ الإِعراب على الهاءِ وَلم يثبت لَهُ مذكَّر يَقع تأْنيثه عَلَيْهِ أَلا ترى أَنَّك لَو سمّيت رجلا (يَغْزُو) لَقلت هَذَا يَغْزٍ كَمَا ترى كَمَا قلت فِي الفِعْل هُوَ يدْلُو دَلْوه وأَنا أَدْلُو لأَنَّ / هَذَا الْمِثَال للفعْل وَتقول فِي جمع دَلْو هَذِه أَدْلٍ فَاعْلَم تقلب الْوَاو {يَاء} لما ذكرت لَك لأَنَّ الأَسماءَ لَا يكون آخر اسْم مِنْهَا واوا متحرّكا مَا قبلهَا وَيَقَع ذَلِك فِي حَشْو الِاسْم فِي مثل عنفوان وأُقْحُوان وَغير ذَلِك حَيْثُ وَقع ثَانِيًا أَو ثَالِثا أَو رَابِعا بعد أَلاَّ يكون طرفا وَلَو قلت (فُعْلُلَة) من رميت على التأْنيث لَقلت رُمْيُوَة تقلب الياءَ واوا لانضمام مَا قبلهَا وَلَو بنيتها على التَّذْكِير لَقلت رُمْييَة لأَنَّها كَانَت تنْقَلب مذكَّرة فأَعللتها على ذَلِك وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي أَنَّ الْحَرْف إِذا كَانَ على أَربعة أَحرف وَآخره ياءٌ أَو وَاو اسْتَوَى اللفظان على الياءِ لأَنَّ الْوَاو تنْقَلب رَابِعَة فَصَاعِدا إِلى الياءِ لما ذكرنَا من العلَّة وأَعدنا ذَلِك لقَولهم مِذْرَوان وَفُلَان ينفض مِذْرَوْيه وإِنَّما حقُّ هَذَا الياءُ لأَنَّ الأَلف رَابِعَة ولكنَّه جاءَ بِالْوَاو لأَنَّه لَا يُفْرَد لَهُ وَاحِد فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا بُنِي على التأَنيث ممّا لَا مذكَّر لَهُ وعَلى هَذَا لم يجز فِي (النِّهَايَة) مَا جَازَ فِي (عَظاية) من قَوْلك عظاءَة لأَنَّك تَقول فِي جَمِيع هَذَا العظاءُ فَهَذَا يُحْكم / لَك مَا يرد عَلَيْك من هَذَا الْبَاب إِن شاءَ الله

أَبواب الْإِدْغَام[عدل]

هَذَا بَاب مخارج الْحُرُوف[عدل]

وَقِسْمَة أَعدادها فِي مهموسها ومجهورها وشديدها ورخْوها وَمَا كَانَ مِنْهَا مطبقا وَمَا كَانَ من حُرُوف القلقلة وَمَا كَانَ من حُرُوف المدّ واللين وَغير ذَلِك اعْلَم أَنَّ الْحُرُوف الْعَرَبيَّة خَمْسَة وَثَلَاثُونَ حرفا مِنْهَا ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ لَهَا صوَر والحروف السَّبْعَة جَارِيَة على الأَلْسُن مستدل عَلَيْهَا فِي الخطِّ بالعلامات فأَمّا فِي المشافعة فموجودة فَمِنْهَا للحلْق ثَلَاثَة مخارج فَمن أَقصى الحلْق مخرج الْهمزَة وَهِي أَبعد الْحُرُوف ويليها فِي الْبعد مخرج الهاءِ والأَلف هاوية هُنَاكَ والمخرج الثَّانِي من الْحلق مخرج الحاءِ وَالْعين والمخرج الثَّالِث الَّذِي هُوَ أَدنى حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم ممّا يَلِي الْحلق مخرج الخاءِ والغين ثمَّ أَوّل مخارج الْفَم ممّا يَلِي الْحلق مخرج الْقَاف وَيَتْلُو ذَلِك / مخرج الْكَاف وَبعدهَا مخرج الشين ويليها مخرج الْجِيم ويعارضها الضَّاد ومخرجها من الشِدْقَ فبعض النَّاس تجْرِي لَهُ فِي الأَيمن وَبَعْضهمْ تجْرِي لَهُ فِي الأَيسر وَتخرج اللَّام من حُرُوف اللِّسَان مُعَارضا لأُصول الثنايا والرّباعيات وَهُوَ الْحَرْف المنحرف المشارك لأَكثر الْحُرُوف ونفسِّره فِي مَوْضِعه بمعانيه إِن شاءَ الله وأَقرب المخارج مِنْهُ مخرج النُّون المتحركّة وَلذَلِك لَا يدغم فِيهَا غير اللَّام فأَمّا النُّون الساكنة فمخرجها من الخياشيم نَحْو نون منْك وعنْك وَتعْتَبر ذَلِك بأَنّك لَو أَمسكت بأَنفك عِنْد لفظك بهَا لوجدتها مختلَّة فأَمّا النُّون المتحرّكة فأَقرب الْحُرُوف مِنْهَا اللَّام كَمَا أَنّ أَقرب الْحُرُوف من الياءِ الْجِيم فمحلّ اللَّام وَالنُّون والراءِ مُتَقَارب بعضه من بعض وَلَيْسَ فِي التداني كَمَا أَذكر لَك فإِذا ارْتَفَعت عَن مخرج النُّون نَحْو اللَّام فالراءُ بَينهمَا على أَنَّها إِلى النُّون أَقرب وَاللَّام تتَّصل بهَا بالانحراف الَّذِي قبلهَا ثمّ من طرف اللِّسَان وأُصول الثنايا مصعدا إِلَى الحنك مخرج الطاءِ والتاءِ وَالدَّال وَمن طرف اللِّسَان وملتقى حُرُوف الثنايا حُرُوف الصفير وَهِي حُرُوف تنسلّ انسلالا وَهِي السِّين وَالصَّاد وَالزَّاي وَمن طرف اللِّسَان وأَطراف الثنايا الْعليا / مخرج الظاءِ والثاءِ والذال وَمن الشافة السُّفْلى وأَطراف الثنايا الْعليا مخرج الفاءِ وَمن الشّفة مخرج الْوَاو والباءِ وَالْمِيم إِلاَّ أَنّ الْوَاو تهوى فِي الْفَم حتّى تتّصل بمخرج الطاءِ وَالضَّاد وتتفشَّى حتّى تتّصل بمخرج اللَّام فَهَذِهِ الاتّصالات تقرّب بعض الْحُرُوف من بعض وإِن تراخت مخارجها وَالْمِيم ترجع إِلى الخياشيم بِمَا فِيهَا من الغُنَّة فَلذَلِك تسمعها كالنون لأَنَّ النُّون المتحرّكة مشربَة غنَّة والغنَّة من الخياشيم وَالنُّون الْخَفِيفَة خَالِصَة من الخياشيم وإِنَّما سمّيتا باسم وَاحِد لاشتباه الصوتين وإِلاَّ فإِنَّهما ليسَا من مخرج لما ذكرت لَك وَمن الْحُرُوف حُرُوف تجْرِي على النَّفس وَهِي الَّتِي تسمّى الرخْوة وَمِنْهَا حُرُوف تمنع النَّفس وَهِي الَّتِي تسمّى الشَّدِيدَة وَمِنْهَا حُرُوف إِذا ردّدتها فِي اللِّسَان جرى مَعهَا الصَّوْت وَهِي المهموسة وَمِنْهَا حُرُوف إِذا ردّدتها ارتدع الصَّوْت فِيهَا وَهِي المجهورة وَمِنْهَا حُرُوف تسمع فِي الْوَقْف عِنْدهَا نَبْرة بعْدهَا وَهِي حُرُوف القَلْقَلَة وَذَلِكَ لأَنَّها ضُغِطَتْ موَاضعهَا وَمِنْهَا المطبقة والمنفتحة وَنحن ذاكرو جَمِيع ذَلِك بأَوصافه إِن شاءَ الله وأَمَّا الْحُرُوف الستّة الَّتِي كمّلت هَذِه خَمْسَة وَثَلَاثِينَ حرفا بعد ذكرنَا الهمزَة بَيْنَ بَيْنَ فالأَلف الممالة وأَلفُ التفخم والحرفُ الْمُعْتَرض بَين الشين وَالْجِيم والحرف الْمُعْتَرض بَين الزَّاي وَالصَّاد وَالنُّون الْخَفِيفَة فَهِيَ خَمْسَة وَثَلَاثُونَ حرفا ونفسّر هَذِه الَّتِي لَيست لَهَا صور مَعَ استقصائنا القولَ فِي / غَيرهَا إِن شاءَ الله فأَمَّا الْحُرُوف المهموسة فنبدأُ بذكرها وَهِي عشرَة أَحرف الهاءُ والحاءُ والخاءُ وَالْكَاف وَالصَّاد والفاءُ وَالسِّين والشين والتاءُ والثاءُ وَتعلم أَنَّها مهموسة بأَنَّك تردّد الْحَرْف فِي اللِّسَان بِنَفسِهِ أَو بِحرف اللين الَّذِي مَعَه فَلَا يمْنَع النَّفس وَلَو رُمْتَ ذَلِك فِي المجهورة لوجدته مُمْتَنعا فأَمَّا الرخوة فَهِيَ الَّتِي يجْرِي النفَس فِيهَا من غير ترديد والشديدة على خلَافهَا وَذَاكَ أَنَّك إِذا لفظت بهَا لم يتّسع مخرج النَّفس مَعهَا فالرخوة كالسين والشين وَالزَّاي وَالصَّاد وَالضَّاد وكلّ مَا وجدت فِيهِ مَا ذكرت لَك والشديدة نَحْو الْهمزَة وَالْقَاف وَالْكَاف والتاءِ وَنَذْكُر هَذَا فِي مَوْضِعه مستقصى إِن شاءَ الله وَهَذِه الْحُرُوف الَّتِي تعترض بَين الرخوة وَهِي الشَّدِيدَة فِي الأَصل وإِنَّما يجْرِي فِيهَا النفَس لاستعانتها بِصَوْت مَا جاورها من الرخوة كَالْعَيْنِ الَّتِي يَسْتَعِين المتكلِّم عِنْد اللَّفْظَة بهَا بِصَوْت الحاءِ وَالَّتِي يجْرِي فِيهَا الصَّوْت لانحرافها واتّصالها / بِمَا قد تقدّمنا فِي ذكره من الْحُرُوف وكالنون الَّتِي تستعين بِصَوْت الخياشيم لما فِيهَا من الغُنَّة وكحروف المدّ واللين الَّتِي يجْرِي فِيهَا الصَّوْت للينها فَهَذِهِ كلُّها رَسْمها الشدّة فَهَذَا مَا ذكرت لَك من الِاسْتِعَانَة وَمِنْهَا الراءُ وَهِي شَدِيدَة ولكنَّها حرف تَرْجِيع فإِنَّما يجْرِي فِيهَا الصَّوْت لما فِيهَا من التكرير وَاعْلَم أَنَّ من الْحُرُوف حروفا محصورة فِي موَاضعهَا فَتسمع عِنْد الْوَقْف على الْحَرْف مِنْهَا نبرة تتبعه وَهِي حُرُوف القَلْقَلَة وإِذا تفقَّدت ذَلِك وجدته فَمِنْهَا الْقَاف وَالْكَاف إِلاَّ أَنَّها دون الْقَاف لأَنَّ حَصْر الْقَاف أَشدّ وإِنَّما تظهر هَذِه النبرة فِي الْوَقْف فإِن وصلت لم يكن لأَنَّك أَخرجت اللِّسَان عَنْهَا إِلى صَوت آخر فَحلت بَينه وَبَين الِاسْتِقْرَار وَهَذِه المُقَلْقِلَة بَعْضهَا أَشدّ حصرا من بعض كَمَا ذكرت لَك فِي الْقَاف وَالْكَاف وإِنَّما قدّمنا هَذِه المقدّمات فِي مَوَاضِع الأُصول لنجريها فِي مسَائِل الإِدغام على / مَا تقدّم منّا فِيهِ غير رادّين لَهُ ثمَّ نذْكر الإِدغام على وَجهه إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب إدغام المثلين[عدل]

وَنَذْكُر أَوّلا معنى الإِدغام وَمن أَين وَجب اعْلَم أَنَّ الحرفين إِذا كَانَ لَفْظهمَا وَاحِدًا فسكن الأَوَّلُ منْهما فَهُوَ مدغم فِي الثَّانِي وتأْويل قَوْلنَا (مدغم) أَنَّه لَا حَرَكَة تفصل بَينهمَا فإِنَّما تعتمد لَهما بِاللِّسَانِ اعتمادةً وَاحِدَة لأَنَّ الْمخْرج وَاحِد وَلَا فَصْلَ وَذَلِكَ قَوْلك قطَّع وكسَّر وَكَذَلِكَ محمّد ومعبّد وَلم يذهب بَّكر وَلم يقم مَّعك فَهَذَا معنى الإِدغام فإِذا التقى حرفان سواءٌ فِي كلمة وَاحِدَة الثَّانِي مِنْهُمَا متحرك وَلم يكن الْحَرْف ملحِقا وَقد جَاوز الثَّلَاثَة أَو كَانَ مِنْهَا على غير (فَعَل) أَو مَا لَيْسَ على مِثَال من أَمثلة الْفِعْل وَجب الإِدغام متحرّكا / كَانَ الأَوّل أَو سَاكِنا لأَنَّ السَّاكِن على مَا وصفت لَك والمتحرّك إِذا كَانَ الْحَرْف الَّذِي بعده متحرّكا أُسكن ليرْفَع اللِّسَان عَنْهُمَا رَفْعة وَاحِدَة إِذ كَانَ ذَلِك أَخفَّ وَكَانَ غير نَاقص معنى وَلَا ملتبس بِلَفْظ هَذَا مَوضِع جُمَل وَسَنذكر تفصيلها إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب إدغام المثلين فِي الْفِعْل وَمَا اشتق مِنْهُ وَمَا يمْتَنع من ذَلِك[عدل]

اعْلَم أَنَّ الأَلفين لَا يصلح فيهمَا الإِدغام لأَنَّ الأَلف لَا تكون إِلاَّ سَاكِنة وَلَا يلتقي ساكنان وَقد قُلْنَا فِي الأَلف أَوّلا مَا يُغني عَن إِعادته وَكَذَلِكَ الهمزتان لَا يجوز فيهمَا الإِدغام فِي غير بَاب (فَعّل) و (فَعّال) لما ذكرت لَك فإِن التقتا وهما لامان أَو عين وَلَام ممّا لم نَسْتثْنه لم يجز فيهمَا الإِدغام لأَنَّه لَا يجوز أَن يحقَّقا جَمِيعًا فإِذا لم يجز اجْتِمَاعهمَا لأَنَّ الثَّانِيَة فِي قَول الْخَلِيل وَغَيره فِي الْكَلِمَة الأُولى مبدلة والأُولى فِي المنفصلين خاصّةً فِي قَول أَبي عَمْرو مخفَّفة فَلم يلق / الْحَرْف مَا يُشبههُ فَأَما من قَالَ بقول ابْن أبي إِسْحَاق فِي تَحْقِيق الهمزتين فَإِنَّهُ يدغم، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَة غَيرهَا من الْحُرُوف فأَمَّا مَا يلتقي فِيهِ حرفان الأَوّل مِنْهُمَا سَاكن من غير مَا ذكرنَا فالإِدغام فِيهِ وَاجِب لَا يُقْدَر إِلاَّ على ذَلِك نَحْو قَوْلك قُوّة ورِدّة وقَرّ فَاعْلَم وأَمّا مَا التقتا فِيهِ والأُولى متحرّكة وَالثَّانيَِة كَذَلِك ممّا هُوَ فِعْل فنحو قَوْلك رَدَّ يَا فَتى وفرّ فتقديره (فَعَلَ) وأَصله ردَدَ وفرَرَ ولكنَّك أَدغمت لثقل الحرفين إِذا فصلت بَينهمَا لأَنَّ اللِّسَان يزايل الْحَرْف إِلى مَوضِع الْحَرَكَة ثمّ يعود إِليه وَمثل ذَلِك مسّ وشمَّ وعضَّ وتقديرها (فَعِلَ) يبيّن ذَلِك قَوْلك عَضِضْت وشَمِمْت أَشَم وأَعَضَّ كَمَا تَقول فِي (فَعَلَ) ردَدْت وفَرَرْت أَرُدّ وأَفِرّ وَكَذَلِكَ (فَعُلَ) نَحْو لبّ الرجل من اللبّ وَلم يَأْتِ من فَعُل غَيره لثقل الضمّة مَعَ التَّضْعِيف وَذَلِكَ / قَوْلك لبُبْت لَبابة فأَنت لَبِيب؛ كَمَا قَالُوا: سفه سفاهةً وَهُوَ سَفِيه وَأَكْثَرهم يَقُول: لببت تلب وَأَنت لَبِيب، على وزن مرض يمرض وَهُوَ مَرِيض استثقالا للضمّة كَمَا وصفت لَك فَهَذَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ أَنَّه مدغم فإِن كَانَ من هَذَا شيءٌ من الأَسماءِ فَكَانَ على مِثَال الفِعْل فحكمُه حكمُ الفِعْل إِلاَّ مَا استثنيته لَك تَقول فِي (فَعِلٍ) رجل طَبّ وَرجل بَرّ لأَنَّه من بَرِرْت وطبِبْت فإِنَّما تَقْدِيره فرِقت فأَنا فرِق فاعتلال هَذَا كاعتلال قَوْلك هَذَا رجل خافٌ ومالٌ إِذا أَردت فَعِل وَكَذَلِكَ لَو بنيت مِنْهُ شَيْئا على (فَعُل) فأَمّا الَّذِي استثنيته فإِنَّه مَا كَانَ من هَذَا على (فَعَلٍ) فإِنّه صَحِيح وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك جَلَل وشَرَر وضَرَرَ وكلّ مَا كَانَ مثله وإِنَّما صحّحوا هَذِه الأَسماءَ لخفَّة الفتحة لأَنَّها كَانَت تصحّ فِيمَا لَا يصحّ (فَعَلْت) مِنْهُ نَحْو القَوَد والصَيَد والخوَنة والحَوَكة فلمّا كَانَت فِيمَا لَا يكون (فَعَلْت) مِنْهُ إِلاَّ صَحِيحا لزم أَن يصحّح / هَذَا قَول الْخَلِيل وسيبويه وكلّ نحويّ بصريّ علمناه فأَما قَوْلهم فِي الصَّدْر قَصّ وقصَص فَلَيْسَ قَصّ مدغما من قَوْلك قصَص ولكنَّهما لُغَتَانِ تعتوران الِاسْم كثيرا فَيكون على (فَعْل) و (فَعَل) وَذَلِكَ قَوْلهم شعْر وشعَر ونهْر ونهَر وصخْر وصخَر وحدّثني أَبو عُثْمَان المازنيّ عَن الأَصمعيّ قَالَ رأَيت أَعرابيّا بالموضع الَّذِي ذكره زهيرٌ فِي قَوْله

(ثمّ اسْتَمَرُّوا وَقَالُوا إِنَّ مَشْرَبكم ... ماءٌ بشرقيِّ سَلْمَى فَيْدُ أَوْ رَكَك) ُ ... فَقلت أَين رَكَك قَالَ هَذَا رَكّ فَاعْلَم هَذَا بِمَنْزِلَة مَا وَصفنَا فإِن لم يكن شيءٌ من هَذَا على مِثَال الفِعْل من الثَّلَاثَة فالإِظهار لَيْسَ غيرُ وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ على مِثَال فُعَل شُرَر ودُرَرَ وقُذَذ كَمَا قلت فِي الْوَاو سُوُر وَمَا كَانَ مِنْهُ على (فِعَلٍ) فَكَذَلِك تَقول قِدَد وشِدَد وسِرَر كَمَا كنت تَقول فِي الثاءِ وَالْوَاو ثِورة وبِيَع وقِيَم وعِودَة وَكَذَلِكَ (فُعُلٌ) تَقول فِيهِ حَضَضٌ وسُرُر كَمَا كنت تَقول صُيُد

وسُوُك الإِسْحِلِ[عدل]

وَلَو بنيت / مِنْهُ شَيْئا على مِثَال (فِعِل) مثل إِبل لصححته وَكنت تَقول رِدِد فَاعْلَم لأَنَّه إِنَّما يعتلّ من هَذَا مَا كَانَ فِعْلا أَو على مِثَاله هَذِه ذَوَات الثَّلَاثَة فإِن زِدْت على الثَّلَاثَة شَيْئا فَالتقى فِيهِ حرفان على لفظ لَا تُرِيدُ بهما الإِلحاق لم يكن إِلا مدغما اسْما كَانَ أَو فِعْلا وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ فعلا إِذا كَانَ على (أَفْعَل) من المضعف أَمَدَّ وأَعَدَّ وأَجَدَّ فِي أَمره وَكَذَلِكَ إِن كَانَ اسْما نَحْو رجل أَلَدَ وَرجل أَغرّ وَهَذَا أَبَرُ من هَذَا وَكَانَ الأَصل " أَبْرَر " فأَسكنت مَوضِع الْعين وأَلقيت حركته على مَا قبله لأَنَّ الَّذِي قبله كَانَ سَاكِنا فلمّا أَسكنته حوّلت حركته لئلاَّ يلتقي ساكنان كَمَا فعلت فِي الْفِعْل المضاعف وَذَوَات الْوَاو والياءِ فِي قَوْلك أَقام وأَراد وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَمَا كَانَ مِنْهُ على (فاعَلَ) فَكَذَلِك نَحْو قَوْلك عَادّ عبد الله زيدا وسارّه ومادّ يَا فَتى أَلا ترى أَنَّك إِذا عنيت بِهِ نَفسك ظهر التَّضْعِيف وَالْوَزْن فَقلت عاددت زيدا وماددته كَمَا كنت تَقول فِيمَا كَانَ على أَفْعَل أَعددت / وأَصممت زيدا وأَجررته رَسَنه فأَما مَا كَانَ من هَذَا على (فَعَّلَ) فإِنَّه لَا تَغْيِير فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلك ردَّد عبد الله زيدا وبدّد معيزه وَذَاكَ لأَنَّهم لَو أَلقَوا الْحَرَكَة على مَا قبلهَا لم يخرجهم ذَلِك من إِدغام وَاحِد وتضعيف آخر فلمّا كَانَت العلَّة وَاحِدَة امْتنع تَحْرِيك الْعين الَّتِي لم تقع فِي الْكَلَام قطّ إِلاَّ سَاكِنة وإِن أَردت بناءَ (انْفَعَلَ) أَدغمت وَكَذَلِكَ (افْتَعَلَ) نَحْو قَوْلك انقدّ وارتد وَمَا كَانَ مثلهمَا وكلّ مَا كَانَ من هَذِه الأَفعال فأَسماؤها مدغمة مثلهَا نَحْو قَوْلك منقدّ ومرتدّ وَكَذَلِكَ رادٌّ ومادٌّ ومَوادّ ومَغارّ فإِن قَالَ قَائِل فهلاَّ أَلقَوْا على الأَلف حَرَكَة مَا بعْدهَا إِذا سكَّنوه قيل لأَنَّ الأَلف مدّة فَمَا فِيهَا عِوَض من الْحَرَكَة على مَا تقدّم بِهِ قَوْلنَا من احتمالها وَاحْتِمَال مَا كَانَ مثلَها الساكنَ المدغم لما فِيهَا من المدّة وَفِيمَا بعْدهَا من الِاعْتِمَاد وَلَو أَلْقَيْت عَلَيْهَا حَرَكَة / لزمك أَن تهمز لأَنَّ الأَلف مَتى تحرّكت صَارَت همزَة وَتقول فِيمَا كَانَ من هَذَا على (اسْتفْعَل) اسْتَردّ واستعدّ مستعدّ وَفِيمَا ذكرنَا من هَذِه الأَفعال دَلِيل موضِّح لما لم نذكرهُ وَمَا كَانَ من الأَربعة فَصَاعِدا على غير مِثَال الْفِعْل فمدغم إِلاَّ أَن يكون مُلْحَقاً وَذَلِكَ نَحْو مُدُقّ فأَمَّا مثل (مَعَدّ) فَلَيْسَ بمسكَّن من شيءٍ وإِنَّما هُوَ فَعَلَ فِي الأَصل ويدلّك على أَنَّ الْمِيم أَصل قَوْلهم تمعددوا وَفِي وزن مَعَدّ هَبَيّ وهَيَبَّة والشَرّبَّة وَلَو كَانَ (فَعْلَل) لم يجز فِيهِ الادغام لأَنَّه مُلْحق بِجَعْفَر وَمَا أَشبهه وَلذَلِك لم يدغم قَرْدَد ومَهْددونحوهما فَفَعَلّ من فَعْلل بِمَنْزِلَة جُبُنّ من قُعْدُد إِنَّما جُبُنّ فُعُلّ وَلَو كَانَ فُعْلُلا لم يدغم؛ لِأَنَّهُ مُلْحق بجلجل وَكَذَلِكَ (طمر) إِنَّمَا هُوَ فعل فِي الأَصْل؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فعلل لم يدغم؛ نَحْو قَوْلك: رِمْدِد لأَنَّه مُلْحق بِخَمْخَمَ وَكَذَلِكَ الأَفعال مَا كَانَ مِنْهَا مُلْحقًا لم يدغم نَحْو قَوْلك جَلْبَبَ يُجَلْبب لأَنَّه مُلْحق بدحرج وَكَذَلِكَ اقْعَنْسَسَ لأَنَّه مُلْحق / بِقَوْلِك احْرَنْجَمَ فالملحقُ يبلغ بِهِ الَّذِي هُوَ ملحَق بِهِ وَمَا كَانَ على غير ذَلِك فقد أَوضحته لَك فِي الثَّلَاثَة وَمَا فَوْقهَا فِي العدّة

هَذَا بَاب الْإِدْغَام فِي المثلين فِي الِانْفِصَال[عدل]

اعْلَم أَنَّه إِذا التقى حرفان من كَلِمَتَيْنِ وَقبل الأَوّل مِنْهُمَا حرف متحرّك فإِنَّ الإِدغام وَتَركه جائزان فإِن أَردت الْإِدْغَام أَسكنت الأَوّل وإِنَّما تفعل ذَلِك اسْتِخْفَافًا لترفع لسَانك رَفْعَةً وَاحِدَة كلَّما كثرت الحركات فِي الْكَلِمَتَيْنِ ازْدَادَ الإِدغام حسنا وَذَلِكَ قَوْلك جعلَّك وإِن شِئْت قلت جعل لَك وإِنَّما كَانَ ترك الإِدغام جَائِزا فِي المنفصلين وَلم يجز فِيمَا سواهُمَا ممّا ذكرت لَك لأَنَّ الْكَلِمَة الثَّانِيَة لَا تلْزم الأُولى وإِنَّما وَجب فِي المتَّصلين للُزُوم الحرفين وَكَذَلِكَ تَقول قَدِ مُّحَمّد وقدِم / محمّد و {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبّ الدّيْن} هَذَا على مَا وصفت لَك

هَذَا بَاب الادغام فِي المقاربة وَمَا يجوز مِنْهُ وَمَا يمْتَنع[عدل]

ونبدأُ بحروف الْحلْق أَمَّا الْهمزَة والأَلف فقد قُلْنَا فيهمَا وأَمّا الهاءُ فتدغم فِي الحاءِ نَحْو قَوْلك اجْبَحَّميدا {تُرِيدُ اجبه حميدا} لأَنَّهما متقاربتان وَلَيْسَ بَينهمَا إِلاَّ أَنَّ الحاءَ من وسط الْحلق والهاءَ من أَوّله وهما مهموستان رِخْوتان وَلَا تُدْغَم الحاءُ فِي الهاءِ لأَنَّ الحاءَ أَقرب إِلى اللِّسَان ولأَنَّ حُرُوف الْحلق لَيست بأَصل للإِدغام لبعدها من مخرج الْحُرُوف وقلَّتها وَلَكِن إِن شِئْت قلبت الهاءَ حاءً إِذا كَانَت بعد الحاءِ وأَدغمت ليَكُون الإِدغام فِيمَا قرب من الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك أَصْلِحَّيْثَما تُرِيدُ أَصْلِحْ هَيْثما فأَمّا أَن تدعها من غير أَن تقلبها فَلَا وَكَذَلِكَ الْعين لَا تُدْغَم فِي الهاءِ وَلَا تُدْغَم الهاءُ فِيهَا فأَمّا ترك إِدغامها فِي الهاءِ فلقرب الْعين من الْفَم وأَمّا ترك إِدغام الهاءِ فِيهَا فلمخالفتها إِيّاها فِي الهمْس / والرخاوة وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي ذَلِك فإِن قلبت الْعين حاءً لقرب الْعين من الحاءِ جَازَ الإِدغام وَذَلِكَ قَوْلك محُّم تُرِيدُ مَعَهم وَهِي كَثِيرَة فِي كَلَام بني تَمِيم وَكَذَلِكَ الْعين والحاءُ إِذا أَدغمت وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي الأُخرى فقلبت {الْعين حاءً} جَازَ تَقول أَصْلِحاً مِرا تُرِيدُ أَصْلِحْ عَامِرًا وَكَذَلِكَ ادْفَحَّا تِما تُرِيدُ ادْفَعْ حاتما أَدغمت الْعين فِي الحاءِ وَهَذَا حسن فأَمّا قلب الْعين إِلى الحاءِ إِذا كَانَت بعْدهَا فَهُوَ جَائِز وَلَيْسَ فِي حسن هَذَا لأَن حقّ الإِدغام أَن يدغم الأَوّل فِي الثَّانِي ويحوّل على لَفظه والمخرج الثَّالِث من الْحلق مخرج الْغَيْن والخاءِ وإِدغام كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي أُختها جيّد وإِدغام الْعين والحاءِ فيهمَا يجوز فِي قَول بعض النَّاس وَلم يذكر ذَلِك سِيبَوَيْهٍ ولكنَّه مُسْتَقِيم فِي اللُّغَة معروفٌ جَائِز فِي الْقيَاس لأَنَّ الْغَيْن والخاءَ أَدنى حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم فإِذا كَانَت الهاءُ تُدْغَم فِي الحاءِ والهاءُ من الْمخْرج الأَوّل / من الْحلق والحاءُ من الثَّانِي وَلَيْسَ حُرُوف الْحلق بأَصل للإِدغام فالمخرج الثَّالِث أَحرى أَن يدغم فِيمَا كَانَ مَعَه فِي الْحلق وَهُوَ متَّصل بحروف الْفَم كَمَا تُدْغَم الباءُ فِي الفاءِ والباءُ من الشّفة مَحْضَة والفاءُ من الشّفة السُّفْلى وأَطراف الثنايا الْعليا تَقول اذْهَفِّي ذَلِك تُرِيدُ اذْهَبْ فِي ذَلِك واضْر فَّرَجا تُرِيدُ اضربْ فَرَجا لقرب الفاءِ من حُرُوف الْفَم فَكَذَلِك تَقول امْدَغَّالِبا تُرِيدُ امدَحْ غَالبا وامدَخَّلَفا تُرِيدُ امدح خلَفا وَكَذَلِكَ الْعين نَحْو اسْمَخَّلَفا تُرِيدُ اسمعْ خَلَفا واسْمَغَّالِبا تُرِيدُ اسْمَعْ غَالباً وسيبويه يأْبى هَذَا لتراخي بَينهمَا وأَنَّ الْغَيْن والخاءَ أَقرب إِلى الْفَم فِي الْمخْرج مِنْهُمَا إِليه وأَمّا مَا لَا اختلافَ فِيهِ فإِنَّك تُدْغَم الْغَيْن فِي الخاءِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الرخاوة وأَنَّه لَيْسَ بَينهمَا إِلاَّ الهمس والجهر فَتَقول فِي قَوْلك اصبغْ خلفا اصبخَّلفا وَهُوَ أَحسن من الْبَيَان وَكَذَلِكَ / ادْمَخَّالدا تُرِيدُ ادْمغْ خَالِدا وَالْبَيَان جَائِز حسن وتدغم الخاءُ فِي الْغَيْن فَنَقُول اسلَغَّنَمَك تُرِيدُ اسلَخ غَنمك وَالْبَيَان أَحسن لأَنَّ الْغَيْن مجهورة والتقاءُ المهموسين أَخفُّ من التقاءِ المجهورين وكلٌّ جَائِز حسن ويحتجّ سِيبَوَيْهٍ بأَنَّه قد يجوز لَك أَن تخفي النُّون مَعَهُمَا كَمَا تفعل بهَا مَعَ حُرُوف الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك مُنْغُل ومُنْخُل لأَنَّهما وإِن قربتا من الْفَم فأَصلهما الْحلق ثمّ نذْكر حُرُوف الْفَم وَهِي حَيِّز على حدَة تُدْغَم الْقَاف فِي الْكَاف وَالْقَاف أَدنى حُرُوف الْفَم إِلى الْحلق وَالْكَاف تَلِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك الحكِّلدة تُرِيدُ الحقْ كِلْدة فتدغم لقرب المخرجين والإِدغام أَحسن لأَنَّ الْكَاف أَدنى إِلى سَائِر حُرُوف الْفَم من الْقَاف وَهِي مهموسة وَالْبَيَان أَحسن وتدغم الْكَاف فِيهَا وَالْبَيَان أَحسن لأَنَّ الْقَاف أَدنى إِلى حُرُوف الْحلق وَهُوَ قَوْلك انْهَقَّطَنا تُرِيدُ انهكْ قطنا والإِدغام أَحسن / ثمّ نذْكر الشين وأُختيها الْجِيم والياءَ اعْلَم أَنَّ الياءَ لَا تُدْغَم فِي الْجِيم وَلَا فِي الشين لأَنَّها حرف لين وحروف اللين تمْتَنع من الإِدغام لعلل مِنْهَا أَنَّ الأَلف الَّتِي هِيَ أَمكن حُرُوف اللين لَا تُدْغَم فِي شيءٍ وَلَا يدغم فِيهَا شيءٌ لأَنَّها لَا تكون إِلاَّ سَاكِنة وَفِي الياءِ وَالْوَاو الشَبه بهَا فَيجب أَن تمتنعا كامتناعها وَبعد هَذَا فإِنَّ حُرُوف المدّ واللين لَا يلائمها فِي القوافي غَيرهَا أَلا ترى أَنَّك تَقول عَمْرو وبَكْر وَمَا أَشبه ذَلِك فِي القوافي فتعادل الْحُرُوف بعضُها بَعْضًا وَلَو وَقعت وَاو أَو ياءٌ بحذاءٍ حرف من هَذِه الْحُرُوف نَحْو جَوْر أَو خَيْر مَعَ بكر وَنصر لم يجز وَكَذَلِكَ تكون القافية على سعيد وقعود وَلَو وَقع مَكَان الياءِ وَالْوَاو غَيرهمَا لم يصلح فَهَذِهِ علل لَازِمَة وَمِنْهَا أَنَّ فِي الياءِ وَالْوَاو مَدّاوليناً فَلَو أَدغمت الياءَ فِي الشين أَو الْجِيم أَو أَدغمت / الْوَاو فِي الباءِ وَالْمِيم لذهب مَا كَانَ فيهمَا من المدّ واللين وَهِي حُرُوف بَائِنَة من جَمِيع الْحُرُوف لأَنَّها لَا يمدّ صَوت إِلاَّ بهَا والإِعراب مِنْهَا وتحذف لالتقاءِ الساكنين فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تحرّك فِيهَا غَيرهَا نَحْو قَوْلك هَذَا الْغُلَام وأَنت تغزو الْقَوْم وَتَرْمِي الْغُلَام وَلَو كَانَ غَيرهَا من السواكن لحرِّك لالتقاءِ الساكنين نَحْو اضربِ الْغُلَام وقلِ الْحق وَلَا تُدْغَم الشين وَلَا الْجِيم فيهمَا لئَّلا يدْخل فِي حُرُوف المدّ مَا لَيْسَ بمدّ فالياءُ بَائِنَة مِنْهُمَا للمدّ واللين الَّذِي فيهمَا فَهِيَ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة حرف بعيد الْمخْرج من مخرجهما وإِن كَانَت من ذَلِك الْموضع كَمَا أَنَّها والواوَ بِمَنْزِلَة مَا تدانت مخارجُه وإِن كَانَت بعيدةَ الْمخْرج مِنْهَا وَذَلِكَ لما يجمعهما من المدّ واللين وَالْكَثْرَة فِي الْكَلَام لأَنَّه لَيْسَ كلمة تَخْلُو مِنْهُمَا وَمن الأَلف أَو من بَعضهنَّ وبعضُهنّ حركاتُهنّ فحروف المدّ حيّزٌ على حِدة أَلا ترى أَنَّك تذكرهنّ فِي مَوَاضِع الحركات فيَدْلُلْن من الإِعراب على / مَا تدلّ عَلَيْهِ الحركات نَحْو مسلمِين ومسلمون ورجلُين ورجلان وَكَذَلِكَ أَخوك وأَخاك وأَخيك ويبدل بَعضهنَّ من بعض وَلَيْسَ هَكَذَا شيءٌ من الْحُرُوف تَقول مِيْزان ومِيعاد فتقلب الْوَاو يَاء وَتقول مُوسِر ومُوقن فتقلب الياءَ واوا ورمَى وغزا إِنما هِيَ وَاو غزوت وياءُ رميت وَكَذَلِكَ مَا أشِبه هَذَا وَالْجِيم تُدْغَم فِي الشين لقرب المخرجين وَذَلِكَ قَوْلك أَخْرِشَّبئا تُرِيدُ أَخْرج شبئا والإِدغام حسن وَالْبَيَان حسن وَلَا تُدْغَم الشين فِي الْجِيم البتّة لأَنَّ الشين من حُرُوف التفشِّي فلهَا استطالة من مخرجها حتَّى تتَّصل بمخرج الطاءِ والإِدغام لَا يبخس الْحُرُوف وَلَا ينقصها افرش جبلة تظهر وتخفي وَلَا تُدْغَم والإِخفاءُ فِي وزن المتحرّك إِلاَّ أَنه خفض صَوت وإِنما يحكمها المشافهة نَحْو قَوْلك أَراك متعقِّفا إِنَّما هُوَ كالاختلاس فَهَذِهِ حَالَة الشين مَعَ الْجِيم / وَلها أَخوات نصل ذكرهَا بهَا يدغم فيهنّ مَا جاورهنّ وَلَا يدغمْن فِي شيءٍ من تِلْكَ الْحُرُوف مِنْهَا الضَّاد وَالْمِيم والفاءُ والراءُ تُدْغَم الطاءُ وأُختاها فِي الضَّاد وَلَا تُدْغَم الضَّاد فِي شيءٍ مِنْهَا لانحرافها والباءُ وَالنُّون تدغمان فِي الْمِيم وَلَا تُدْغَم الْمِيم فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا وتدغم الباءُ فِي الفاءِ وَلَا تُدْغَم الفاءُ فِيهَا وتدغم اللَّام وَالنُّون فِي الراءِ وَلَا تُدْغَم الراءُ فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا لأَنَّ فِيهَا تَكْرَارا فَيذْهب ذَلِك التكرير أَلا ترى أَنك تَقول فِي الْوَقْف هَذَا عمْرو فينبو اللسانُ نَبْوَةً ثمّ يعود إِلى مَوْضِعه وإِذا تفطَّنت لذَلِك وجدته بيّنا وإِذا صرنا إِلى مَوضِع هَذِه الْحُرُوف ذكرنَا العلَّة فِي ذَلِك إِن شاءَ الله ثمّ نذْكر الْحَرْف المنحرف وَهُوَ أَكثر فِي الْكَلَام من غَيره وَله اتِّصَال بأَكثر الْحُرُوف وَهُوَ اللَّام ومخرجه من حرف اللِّسَان متَّصلا بِمَا يحاذيه من الضاحك والثنايا والرباعيات وَهُوَ يدغم إِذا كَانَ للمعرفة / فِي ثَلَاثَة عشر حرفا لَا يجوز فِي اللَّام معهنّ إِلاَّ الإِدغام فَمِنْهَا أَحد عشر حرفا تجَاوز اللَّام وحرفان يتصَّلان بهَا وإِنَّما كَانَ ذَلِك لَازِما فِي لَام الْمعرفَة لعلَّتين إِحداهما كَثْرَة لَام الْمعرفَة وأَنَّه لَا يعرى منكور مِنْهَا إِذا أَردت تعريفة والأُخرى أَنَّ هَذِه اللَّام لَازم لَهَا السّكُون فَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَة مَا يتحرّك فِي بعض الْمَوَاضِع فإِن كَانَت اللَّام غير لَام الْمعرفَة جَازَ إِدغامها فِي جَمِيع ذَلِك وَكَانَ فِي بعض أَحسن مِنْهُ فِي بعض وَنحن ذاكروها مستقصاة إِن شاءَ الله فَهَذِهِ الْحُرُوف مِنْهَا أَحد عشر حرفا مجاورة للام وَهِي الراءُ وَالنُّون والطاءُ وأُختاها الدَّال والتاءُ والظاءُ وأُختاها الذَّال والثاءُ وَالزَّاي {وأُختاها الصَّاد وَالسِّين} والحرفان اللَّذَان يبعدان من مخرجها ويتَّصلان بهَا فِي التفشِّي الَّذِي فيهمَا الشين وَالضَّاد فأَمّا الشين فَتخرج من وسط / اللِّسَان من مخرج الْمِيم والياءِ ثمّ تتفشَّى حتَّى تتَّصل بمخرج اللَّام فلام الْمعرفَة مدغمة فِي هَذِه الْحُرُوف لَا يجوز إِلاَّ ذَلِك لكثرتها ولزومها نَحْو التَّمْر وَالرَّسُول والطرفاءَ والنمر فكلّ هَذِه الْحُرُوف فِي هَذَا سواءٌ فإِن كَانَ اللَّام لغير الْمعرفَة جَازَ الإِدغام والإِظهار والإِدغام فِي بعض أَحسن مِنْهُ فِي بعض إِذا قلت هَل رأَيت زيدا وَجعل رَاشد جَازَ أَن تسكَّن فَتَقول جَعَرّا شِد كَمَا تسكّن فِي المثلين والإِدغام هَهُنَا أَحسن إِذا كَانَ الأَوّل سَاكِنا فإِن كَانَ متحرّكا اعتدل الْبَيَان والإِدغام فإِن قلت هَل طرَفك أَو هَل دَفعك أَو هَل تَم لَك فالإِدغام حسن وَالْبَيَان حسن وَهُوَ عِنْدِي أَحسن لتراخي المخرجين وقرأَ أَبو عَمْرو {بَتُّؤثِرُوْن} َ فأَدغم {هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ} / والإِدغام فِي الضَّاد والشين أَبْعَد لما ذكرت لَك من تراخي مخارجها وَهُوَ جَائِز وَهُوَ فِي النُّون قَبِيح نَحْو هَنَّرَي هَنَّحْن إِذا أَردت هَل نرى وَهل نَحن وَذَلِكَ لأَنَّ النُّون تُدْغَم فِي خَمْسَة أَحرف لَيْسَ منهنّ شيءٌ يدغم فِيهَا وَاللَّام أَحد تِلْكَ الْحُرُوف فاستوحشوا من إِدغامها فِيهَا إِذ كَانَت النُّون لَا يدغم فِيهَا غَيرهَا وَهُوَ جَائِز على قبحه وإِنَّما جَازَ لقرب المخرجين فإِن كَانَت الْحُرُوف غير هَذِه فتباعدت عَن مخرجها لم يحز الإِدغام نَحْو قَوْلك الْكَرم الْقَوْم الْعين الْهَادِي وَكَذَلِكَ حُرُوف الشّفة وَمَا اتَّصل بهَا نَحْو الفرَج والمثل والبأْس والوعد فَهَذَا سَبِيل اللَّام وأَمّا النُّون فإِنَّ لَهَا مخرجين كَمَا وصفت لَك مخرج الساكنة من الخياشيم مَحْضا لَا يَشْرَكها فِي ذَلِك الْموضع شيءٌ بِكَمَالِهِ ولكنّ النُّون المتحرّكة ومخرجها ممّا يَلِي مخرج الراءِ / وَاللَّام وَالْمِيم مخرجها من الشّفة تتناولان الخياشيم بِمَا فِيهَا من الغُنَّة وللنونات أَحكام نذكرها ثمّ نعود إِلى سَائِر الْحُرُوف اعْلَم أَنَّ النُّون إِذا وَليهَا حرف من حُرُوف الْفَم فإِنَّ مخرجها مَعَه من الخياشيم لَا يصلح غير ذَلِك وَذَلِكَ لأَنَّهم كَرهُوا أَن يجاوروا بهَا مَالا يُمكن أَن يدغم مَعَه إِذا وجدوا عَن ذَلِك مندوحة وَكَانَ العِلْم بهَا أَنَّها نون كالعِلْم بهَا وَهِي من الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك مَن قَالَ ومَن جاءَ وَلَا تَقول مَنْ قَالَ ومَنْ جاءَ فتبيّن وَكَذَلِكَ مَن سُلَيْمَان {ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين} وَلَا تَقول مَنْ سُلَيْمَان وَلَا {ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين} فتبيّن فإِن كَانَ مَعهَا حرف من حُرُوف الْحلق أُمِنَ عَلَيْهَا الْقلب فَكَانَ مخرجها من الْفَم لَا من الخياشيم لتباعد مَا بَينهمَا وَذَلِكَ قَوْلك مَنْ هُوَ فتظهر مَعَ الهاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ حَاتِم / وَلَا تَقول مَنْ حَاتِم فتخفى وَكَذَلِكَ مَنْ عليّ وأَجود القراءَتين {أَلا يعلم من خلق} فتبيّن وإِنَّما قلت أَجود القراءَتين لأَنَّ قوما يجيزون إِخفاءَها مَعَ الخاءِ والغين خاصّة لأَنَّهما أَقرب حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم فَيَقُولُونَ مُنْخُل ومُنْغُل وَهَذَا عِنْدِي لَا يجوز وَلَا يكون أَبدا مَعَ حُرُوف الْحلق إِلاَّ الإِظهار فأَمَّا حجّة سِيبَوَيْهٍ فِي أَنَّها تخرج مَعَ حُرُوف الْفَم إِلى الخياشيم فإِنَّما ذَلِك عِنْده لأَنَّها إِن أَدغمت مَعَ مَا تخفى مَعَه لم يستنكر ذَلِك وَلَا يصلح الإِدغام لتباعد المخارج فلمّا وجدوا عَن ذَلِك مندوحة صَارُوا إِليها وأَنا أَرى تَقْوِيَة لهَذَا القَوْل أَنَّ امتناعهم من تبيينها مَعَ حُرُوف تتفرّق فِي الْفَم ويتباعد بعضُها من بعض فكرهوا أَن يبيّنوها فِي حَيِّز مَا يدغم فِي نَظِيره أَلا تَرى أَنَّها تُدْغَم فِي الْمِيم فِي قَوْلك مّمثلك وتقلب مَعَ الباءِ ميما إِذا كَانَت سَاكِنة وَذَلِكَ عَمْبَرٌ وشَمْباءُ ومِمْبَر فَهِيَ فِي كلّ هَذَا مِيم فِي اللَّفْظ وتدغم فِي اللَّام والراءِ نَحْو مَن رَّأَيْت وَمن لّك فَهَذَا مخرج آخر وتدغم فِي الْوَاو نَحْو مَنْ ولَّى إِذا قلت موّلَّى فَهَذَا مخرج الْمِيم والباءِ وتدغم فِي الياءِ نَحْو منْ يُرِيد وَمن يقوم فلمّا كَانَت تُدْغَم فِي حُرُوف بأَعينها من جَمِيع المخارج استنكر إِظهارها مَعَ مَا جاور هَذِه الْحُرُوف وَسَنذكر بعقب هَذَا من أَين جَازَ إِدغامها فِي هَذِه الْحُرُوف على تبَاعد بَعْضهَا من بعض إِن شاءَ الله أَمّا إِدغامها فِي اللَّام والراءِ فلأَنَّ مخرجها بَينهمَا تَقول أَشهد أَنَّ محمَدا رَّسول الله وأَحْسِرَّأْيك تُرِيدُ أَحسن رأْيك ومحَمّد لَّك وإِدغامها فيهمَا على وَجْهَيْن بغُنَّة وَبِغير غُنَّة وإِظهار الغنَّة أَحسن لئَّلا تبطل وإِن شِئْت أَذهبت الغنَّة كَمَا تخلص مَا تدغمه فِي لفظ الْحَرْف الَّذِي يدغم فِيهِ وأَمَّا إِدغامها فِي الْمِيم وإِن خرجت من الشّفة فَهِيَ تجاورها لما فِي الْمِيم من الغُنَّة وتشاركها / فِي الخياشيم وَالنُّون تسمع كالميم وَكَذَلِكَ الْمِيم كالنون وتقعان فِي القوافي المُكْفَأَة فَتكون إِحدى القافيتين نونا والأُخرى ميما فَلَا يكون عَيْبا كَمَا قَالَ

(بُنَيّ إِنَّ البِرّ شيءٌ هَيِّنُ ... المنطقُ الليّنُ والطُّعَيِّمُ) وَقَالَ آخر

(مَا تنقِم الحربُ العَوانُ منِّي ... بازِلَ عَاميْنِ حديثَسِن)


(لمثْل هَذَا ولَدَتني أُمّي)

وَقَالَ الآخر

(يطعَنها بخَنْجَرٍ من لَحْمِ ... بَيْنَ الذُّنابَى فِي مكانٍ سخْنِ)

وَلَا يصلُح مِثْلُ هَذَا إِلاَّ فِي حُرُوف مُتَقَارِبَة المخارج لأَنَّ القوافي نسق وَاحِد فالمتقارب يلْحق مَا كَانَ من لَفظه وَذَلِكَ قَوْله

(إِذا ركِبتُ فاجعلاني وَسَطا ... إِنِّي كَبيرٌ لَا أُطِيقُ العُنُدا)

وَلَا تُدْغَم الْمِيم فِيهَا لأَنَّ الْمِيم تنفرد بالشفة وإِنَّما تُشرب غُنَّة من الخياشيم فالميم دَاخِلَة عَلَيْهَا وَهِي بَائِنَة من الْمِيم والراءُ لَا تُدْغَم فِيهَا وَلَا شيءَ ممّا تُدْغَم فِيهِ / يدغم فِيهَا إِلاَّ اللامُ وَذَلِكَ قَبِيح وَقد ذكرته لَك وأَمّا قَلبهَا ميما مَعَ الباءِ فلأَنَّ الْكَلَام لَا يَقع فِي شيءٍ مِنْهُ مِيم سَاكِنة قبْلَ الباءِ فأَمِنوا الالتباس وقلبوها ميما لشبهها الميمَ فِي الغنَّة ليَكُون الْعَمَل من وَجه وَاحِد فِي تقريب الْحَرْف إِلى الباءِ وأَمّا إِدغامها فِي الْوَاو فلعلل غير وَاحِدَة مِنْهَا مضارعةُ النُّون للياءِ وَالْوَاو لأَنَّها تزاد فِي مَوضِع زيادتها فتزاد ثَانِيَة وثالثةَ ورابعة فأَمّا زيادتها ثَانِيَة فنحو عَنْسل وعَنْبس لأَنَّ من العُسول والعُبوس وجُنْدَب وعُنْظَب وَجَمِيع مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن وَهَذَا مَوضِع زِيَادَة حُرُوف اللين نَحْو كَوْثَر وبيطر وتابل وضارب وَمَا أَشبه ذَلِك وتزاد ثَالِثَة فِي حَبْنَطّي وجَحَنْفَل وَهُوَ مَوضِع زِيَادَة الأَلف فِي قبائل / وحُبارَى وَالْوَاو فِي جَدْول وعجوز والياءِ فِي عِثْيَر وقضيب وَكَذَلِكَ {تزاد} النُّون رَابِعَة فِي رَعْشَن وضَيْفَن بحذاءِ الْوَاو والياءِ والأَلف فِي مثل قَوْلك سلْقَيْت وحبلى وَترْقُوة وَعرْقوة وَهَذَا أَكثر من أَن يُحْصى وَتَكون النُّون عَلامَة إِعراب فِي مثل قَوْلك يفْعَلَانِ والتنوين الَّذِي يدْخل الأَسماءَ وَالنُّون الثَّقِيلَة والخفيفة فِي الأَفعال وتبدل من الأَلف وتبدل الأَلف مِنْهَا تَقول رأَيت زيدا يَا فَتى فإِذا وقفت قلت رأَيت زيدا وأَمّا بدَلها من الأَلف فقولك فِي بهراءَ بهرانيّ وَفِي صنعاءَ صنعانيّ وَكَذَلِكَ فَعْلان الَّذِي لَهُ فَعْلى إِنَّما نونه بدل من الأَلف الَّتِي هِيَ آخر حمراءَ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي الْكتاب فَهِيَ تصرّف مَعهَا فِي الزِّيَادَات والعلامات وَقد أُدغمت فِيمَا جاورها فِي الْمخْرج فأَشبهتها / لفظا وَمعنى وَكَذَلِكَ الياءُ فِي بَاب الزِّيَادَات والشبه وَمَعَ ذَلِك فإِنَّ النُّون تُدْغَم فِي الراءِ والياءِ على طَرِيق الراءِ وإِن بَعُد مخرجها مِنْهَا وَكَذَلِكَ اللَّام على طريقها أَلا ترى أَنَّ الأَلثغ بالراءِ يَجْعَلهَا يَاء وَكَذَلِكَ الأَلثغ بِاللَّامِ لأَنَّ هَذِه الحروفَ بعضُها يَقع على سنَن بعض وبعضٌ ينحرف عَن ذَلِك السنَن فأُدغمت فِي الياءِ لذَلِك فإِذا كَانَت فِي كلمة وَاحِدَة مَعَ ياءٍ أَو وَاو أَو مِيم ظَهرت لئلاَّ يلتبس بالمضاعف من غَيره نَحْو كنية وزَنْماءَ وقَنْواء وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنَّ النُّون إِنَّما أُدغمت فِي الْوَاو لأَنَّ الْوَاو من مَوضِع تعتلّ فِيهِ النُّون لأَنَّ الْوَاو وَالْمِيم من الشّفة وَلذَلِك تقلب النُّون الساكنة مَعَ الباءِ ميما لتعتلّ مَعَ الباءِ كَمَا اعتلَّت مَعَ ماهو من مخرجها وَلم تدغمها فِيهَا / لأَنَّها لَا تجانسها ولأَنَّ الياءَ لَا يدغم فِيهَا مَا هُوَ من مخرجها - لتصرّف الْمِيم وَالْوَاو وَذَلِكَ قَوْلك العَنْبَر والشَنْبَاءُ يَا فَتى وممّن أَنت وأُمن الالتباس لأَنَّه لَيْسَ فِي الْكَلَام مِيم سَاكِنة قبل ياءٍ وأَدغم النُّون فِي الياءِ لأَنَّ الياءَ وَالْوَاو عِنْده بِمَنْزِلَة مَا تقاربت مخارجه أَلا ترى أَنَّهما إِذا التقتا والأُولى سَاكِنة لزم الإِدغام نَحْو سيّد وأَيّام ولويت يَده لَيَّا وشويته شَيّا وَهَذَا يبيّن بعد فراغنا من أَمر النُّون إِن شاءَ الله النُّون تُدْغَم فِي خَمْسَة أَحرف الراءِ وَاللَّام والياءِ وَالْوَاو وَالْمِيم وتقلب مَعَ الباءِ كَمَا وصفت لَك وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنَّها مَعَ مَا تُدْغَم فِيهِ مخرجها من الْفَم لَا من الخياشيم لأَنَّها لَو كَانَت تُدْغَم فِي حُرُوف الْفَم وَهِي من الخياشيم مَعَ تبَاعد مَا بَينهمَا لجَاز أَن يدغم الأَبعد فِي الأَبعد وَهَذَا نقض الْبَاب وَالْخُرُوج من الْمَعْقُول وَالْقَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ / فِي جَمِيع هَذِه الحروفَ إِلاّ حُرُوف الشّفة فإِنَّ النُّون لَو كَانَت من مخرج الراءِ وَاللَّام لبعُدت من الْمِيم ولكنّ مخرجها مَعَ الْمِيم من الخياشيم لأَنَّ الْمِيم تخرج من الشّفة وَتصير إِلى الخياشيم للغُنَّة الَّتِي فِيهَا فتدغم فِيهَا الْمِيم لتِلْك الْمُجَاورَة فَهَذِهِ قصّة النُّون وَاعْلَم أَنَّ الياءَ وَالْوَاو بِمَنْزِلَة مَا تدانت مخارجه وَذَلِكَ لأَنَّهما مشتركتان فِي المدّ واللين وأَنَّهما يخرجَانِ جَمِيعًا مِنْهُمَا إِذا تحرّكتا وَكَانَ قبل كلّ وَاحِد مِنْهُمَا فَتْحة وَالْوَاو تخرج من الشّفة ثمّ تهوِي فِي الْفَم حتَّى تَنْقَطِع عِنْد مخرج الأَلف والياءُ تخرج من وسط اللِّسَان من مخرج الشين وَالْجِيم حتَّى تَنْقَطِع عِنْد مخرج الأَلف فهما متجاورتان فإِذا التقتا فِي كلمة والأُولى مِنْهُمَا سَاكِنة أَدغمت إِحداهما فِي الأُخرى فَمَا كَانَت الأُولى واوا وَالثَّانيَِة يَاء هُوَ نَحْو قَوْلك لويت يَده ليّة وشويته شَيَّا وأَصله لَوْية / وشَوْيا وإِن كَانَت الثَّانِيَة واوا قلبتها يَاء ثمّ أَدغمت الياءَ فِيهَا لأَنَّ الْوَاو تقلب إِلى الياءِ وَلَا تقلب الياءُ إِليها لأَنَّ الْوَاو من الشّفة وَلَيْسَت من مجمع الْحُرُوف وإِنَّما الإِدغام نقلُ الأَثقل إِلى الأَخف والياءُ من مَوضِع الْحُرُوف وَذَلِكَ قَوْلك أَيّام فِي جمع يَوْم وإِنَّما الأَصل أَيْوام وَمثله سيّد وميّت وأَصلهما سَيْوِد ومَيْوِت وَكَذَلِكَ قَيَّام وقَيُّومُ إِنَّما هُوَ فَيْعَال وفَيْعُول وَاعْلَم أَنَّ مثل سيّد وميّت يجوز فِيهِ التَّخْفِيف فَتَقول سَيْد ومَيْت لأَنَّه اجْتمع تثقيل الياءِ والكسرة فحذفوا لذَلِك وَقَالُوا ميْت وهيْن ولَيْن وَقد فسّرنا حَال (فَيْعَلُول) من هَذَا فِيمَا تقدم نَحْو كَيْنُونة وقَيْدُود وَذكرنَا مَا يكون بَدَلا من الأَلف أَو غَيرهَا فَلَا يجوز إِدغامه نَحْو سُوِيْر وقُوْوِل وَزعم الْخَلِيل أَنَّ (يَوْمَ) كأَنَّه من " يُمْتُ " وَكَذَا يجب أَن يكون لَو كَانَ فِعْلا لأَنَّ ذَوَات الْوَاو إِذا كَانَت (فَعَلْت) فَهِيَ منقولة إِلى (فَعُلْت) مثل القَوْل والحوْل وَلَكِن اجْتمع فِيهَا حرفا علَّة وَكَانَ يجب أَن يقعا فِي (يفْعَل) ضمّة مَعَ ياءٍ وواو وَتَكون / الضمة فِي الياءِ وَهَذَا كلُّه مطَّرح من الْكَلَام فَلذَلِك لم يكن مِنْهَا فِعْل كَمَا لم يكن فِي ويل وويْح ووَيْس ووَيْب وَمَعْنَاهَا المصادر لما يجْتَمع فِيهَا من العلَّة وَلَا يكون فِعْل فِي مثل آءَة لأَنَّها حُرُوف كلُّها معتلّ لأَنَّ الأَلف من حُرُوف العلَّة وَكَذَلِكَ الهمزتان وَمثل ذَلِك (أَوّل) لأَنَّ الفاءَ وَالْعين واوان وَمَعْنَاهُ أَفْعَل أَلا ترى أَنَّك تَقول هُوَ أَوّل مِنْهُ والأَوّل والأُولى فَهَذِهِ أَشياءُ لَهَا مواقع من الْفِعْل وَكَانَ يجب فِي (أَفْعل) أَن يكون أَصله الفِعْل كَقَوْلِك هُوَ أَفضل من زيد إِنَّما مَعْنَاهُ يحسن فَوق حُسْن زيد فَكَذَلِك كَانَ يجب فِي (أَوّل) لَوْلَا مَا ذكرت لَك وَقَالَ الْخَلِيل لَو قلت (أَفْعَلْت) من الْيَوْم على قَول من قَالَ أَجْوَدت وأَطْيَبت لَقلت أَيّمت وَهَذَا لَا اختلافَ فِيهِ لأَنَّه كَانَ أَومت فلزمك الإِدغام لسكون الياءِ كَمَا قلت أَيّام وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَكَانَ يَقُول - وَهُوَ الَّذِي يُخَالِفهُ فِيهِ كثير من النحويّين - لَو قلت أُفْعِلَ من الْيَوْم لَقلت / أَووِم فقلبت الياءَ واوا لانضمام مَا قبلهَا كَمَا تَقول أُوقِن من أَيقنت وَلَا تُدْغَم لأَنَّ الأُولى حرف لين لأَنَّها منقلبة كانقلاب وَاو سُويِر وإِن كَانَت أَصلية أَلا ترى إِلى قَوْلك أُوقِنَ وبُوطِرَ من البيطرة لأَنَّا لمّا قلبنا ذَلِك جرى مجْرى الزَّائِد وَكَانَ يرى الملحق والأَصليّ إِذا كَانَ منقلبا كحروف اللين لَا يفصل بَين بعض ذَلِك وَبَعض والنحويّون أَجمعون على خِلَافه يَقُولُونَ فِي (أُفْعِلَ) من الْيَوْم أُيِّمَ لأَنَّ الْعين تلْزم الفاءَ كلزوم الْعَينَيْنِ إِحداهما فِي الأُخرى فِي قُوِّل وبُيِّع ويصرفون هَذَا على هَذَا فأَمَّا ظلمُوا واقِدا فَلَا يلْزم الْخَلِيل لأَنَّ الْوَاو قبلهَا ضمّة وَهِي بِمَنْزِلَة الأَلف فِي ظلما لأَنَّها تحلّ من الْجمع محلّ الأَلف من التَّثْنِيَة فيضارع سُويِرَ من سَايرَ فإِن قَالَ قَائِل فأَنت تطرح عَلَيْهَا حَرَكَة الْهمزَة إِذا خفّقت فَتَقول ظلموَ اخاك فإِن كَانَ حرف لين فَلَا يَنْبَغِي أَنْ / تُحَوَّل عَلَيْهَا الْحَرَكَة كَمَا لَا تحوّلها فِي النَّبِىء وخطيئة وبريئة قيل هَذَا لَا يلْزم لأَنَّها حرف لين فِي اللَّفْظ وَدخلت الْمَعْنى فَلَيْسَتْ كَمَا لَا تدخل إِلاَّ للمدّ نَحْو ياءِ فَعِيل وواو فَعُول أَلا ترى أَنَّ هَذِه إِذا كَانَت قبلهَا فَتْحة حرّكت لالتقاءِ الساكنين نَحْو اخشَوُا الرجل و {لتبلون فِي أَمْوَالكُم} وَكَذَلِكَ الياءُ فِي قَوْلك اخْشَى الرجل فَهَذَا هَكَذَا وَلَو قَالَ رجل هُوَ يَغْزوَ باه للزمه مثل هَذَا وَالْوَاو لَام الْفِعْل وَتقول زيد يَغْزُوُمَّه فتضمّ الْوَاو لأَنَّ الضمّة فِي الْحَقِيقَة للهمزة وَكَذَلِكَ هُوَ يَغْزُوِ خْوانه فتكسر لهَذَا العلَّة وَهِي لَام الْفِعْل ولفظها لفظ اللين لسكونها وانضمام مَا قبلهَا وَكَذَلِكَ ياءُ (يقْضِي) فإِن دخل عَلَيْهَا مَا ينصب نصبتهما جَمِيعًا وأَنت تَقول هُوَ يقْضِي يَاسر ويغزو وَاقد فَلَا تُدْغَم لما ذكرنَا من لفظ اللين فإِن كَانَت قبل كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فَتْحة لم يكن إِلاَّ الإِدغام نَحْو اخشَوْا واقدا واخشَىْ ياسرا لأَنَّ لفظ / اللين قد ذهب وَفِي هَذَا دَلِيل على جَمِيع هَذَا الْكتاب

هَذَا بَاب مَا تقلب فِيهِ السِّين صاداً وَتركهَا على لَفظهَا أَجود[عدل]

وَذَاكَ لأَنَّها الأَصل وإِنَّما تقلب للتقريب ممّا بعْدهَا فإِذا لقيها حرف من الْحُرُوف المستعلية قلبت مَعَه ليَكُون تناولهما من وَجه وَاحِد والحروف المستعلية الصَّاد وَالضَّاد والطاءُ والظاءُ والخاءُ والغين وَالْقَاف وإِنَّما قيل مستعلية لأَنَّها حُرُوف استعلت إِلى الحنك الأَعلى وَهِي الْحُرُوف الَّتِي تمنع الإِمالة أَلا ترى أَنَّك تَقول عابِد وجابِر وَسَالم وَلَا تَقول قَاسم وَلَا صاعد وَلَا خازم وَهَذَا مبيّن فِي بَاب الإِمالة فإِذا كَانَت السِّين مَعَ حرف من هَذِه الْحُرُوف فِي كلمة جَازَ قَلبهَا صادا وكلَّما قرب مِنْهَا كَانَ أَوجب وَيجوز الْقلب على التَّرَاخِي بَينهمَا وكلَّما ترَاخى فتركُ الْقلب أَجودُ وَذَلِكَ قَوْلك سطر وصطر وسقَر وصقَر / وسلخْت وصلخت ومساليخ ومصاليخ فإِن كَانَ حرف من هَذِه الْحُرُوف قبل السِّين لم يجز قَلبهَا نَحْو قست وقسوت وطست فَاعْلَم لأَنَّهم إِنَّما قلبوها وَهَذِه الْحُرُوف بعْدهَا لئَّلا يَكُونُوا فِي انحدار ثمّ يرتفعوا وإِذا كَانَ قبلهَا فإِنَّما ينحدر إِليها انحدارا وَوَجَب ذَلِك فِي السِّين لأَنَّها والصادَ من الْمخْرج وهما مهموستان جَمِيعًا وَكِلَاهُمَا من حُرُوف الصفير وَلم تكن الزَّاي هَهُنَا لأَنَّها لَيست بمستعلية وَلَا تبدل الصَّاد من الزَّاي مَعَ هَذِه الْحُرُوف لأَنَّ الزَّاي مجهورة وَالصَّاد مهموسة فَهِيَ مُخَالفَة لَهَا وَلم يكن ذَلِك فِي الظاءِ مَعَ الثاءِ والذال وَلَا فِي الطاءِ مَعَ التاءِ وَالدَّال لأَنَّ لحروف الصفير فِي السّمع والتصريف مَا لَيْسَ لهنّ وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي هَذِه الْحُرُوف

هَذَا بَاب الأَسماء الَّتِي وَقعت على حرفين[عدل]

اعْلَم أَنَّ الأَسماءَ أُصولُها تكون على ثَلَاثَة أَحرف بغَير زِيَادَة وعَلى أَربعة وَتَكون على خَمْسَة فَمَا نقص من الأَسماءِ عَن الأَفعال فمعلوم نقصُه ومذكورة علَّته إِن شاءَ الله فَمَا كَانَ من الأَسماءِ على حرفين فنحو يَد وَدم وأَست وَابْن وَاسم وأَخ وأَب ومالم نذْكر فحكمُه حكمُ هَذَا وَهَذِه الأَسماءُ الْمَحْذُوف مِنْهَا لَا يكون مَا حُذف إِلاَّ حرفَ لين أَو حرفا خفيّا كحرف اللين نَحْو الهاءِ وَالنُّون أَو يكون مضاعفا فيستثقل فِيهِ التَّضْعِيف فيحذف فَمَا لم يكن على هَذَا الشَّرْط الَّذِي ذَكرْنَاهُ لم يحذف مِنْهُ شيءٌ لأَنَّه لَا سبيلَ إِلى حذفه فَمَا ذهب مِنْهُ الياءُ وَالْوَاو فنحو ابْن وَاسم وأَخ وأَب وهَنٍ فِي بعض الأَقاويل يدلُّك على مَا ذهب من أَب وأَخ التَّثْنِيَة وَالْجمع والتصغير تَقول أَخوان وأَبوان وأَخوك وأَبوك وَتقول آباءٌ وآخاءٌ يَا فَتى وَكَذَلِكَ أُبَيّ وأُخَيّ وبُني وسُمَيّ أَمّا أَب وأَخ فَلم يسكِّنوا أَوائلها لئلاَّ تدخل أَلف الْوَصْل وَهِي همزَة على الْهمزَة الَّتِي فِي أَوائلها فَيصير إِلى اعتلال ثانٍ وأَمّا ابْن وَاسم واست فبنيت على سُكُون أَوائلها فَدَخلَهَا أَلف الْوَصْل لسكون مَا بعْدهَا وأَلف الْوَصْل لَيست بأَصل فِي الأَسماءِ وإِنَّما حقُّها الأَفعال لتصرّف الأَفعال وأَنَّها تقع مسكَّنةَ الأَوائل فِي مَوَاضِع إِسكان ضَرُورَة لَا محَالة وَهَذِه تذكر عِنْد ذكرنَا الأَفعالَ إِن شاءَ الله فأَمَّا الأَسماءُ فَلَا يلْحقهَا ذَلِك إِلاَّ أَن تكون منقوصة فَتكون قد زَالَت عَن أَصل بنائها فَدَخلَهَا لذَلِك مَا يدْخل الأَفعال لأَنَّها قد أَشبهتها فِي النَّقْص والانتقال فإِن قلت (امرؤْ) لم ينقص مِنْهُ شيءٌ فَمَا بَال أَلف الْوَصْل لحِقته فإِنَّما ذَاك لتغيّره فِي اتِّبَاع مَا قبل آخِره من أَجل الْهمزَة الَّتِي يجوز تخفيفها وَالدَّلِيل على ذَلِك انْتِقَاله من حَال إِلى حَال أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا امْرُؤ فَاعْلَم / وَهَذَا مَرْءٌ فَاعْلَم كَمَا قَالَ عزَّ وَجل {يَحُؤلُ بَيْن المَرْءِ وَقَلْبِهِ} وَتقول فِي مؤنَّثه امرأَة ومَرْأَة فإِنَّما لحقت أَلف الْوَصْل هَذَا الاسمَ لهَذَا الِانْتِقَال والتغيير اللَّذين ذكرتهما لَك فَجَمِيع مَا جاءَت فِيهِ أَلف الْوَصْل من الأَسماءِ ابْن وَاسم واست وامرؤ ومؤنَّث ذَلِك على قِيَاسه نَحْو ابْنة وامرأَة وَكَذَلِكَ اثْنَان وَاثْنَتَانِ وايمُن فِي الْقسم لأَنَّه اسْم يَقع بَدَلا من الْفِعْل فِي الْقسم تَقول اَيم اللهِ واَيمُن اللهِ فأَلفه مَوْصُولَة كَمَا قَالَ

(وَقَالَ فريقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي ... ) وتحذف النُّون فَتَقول ليمُ اللهِ مَا كَانَ ذَلِك فيلحقه من التَّغْيِير مَعَ لُزُومه موضعا وَاحِدًا مَا يلْحق امْرأ فَلَا تكون أَلف الْوَصْل إِلاَّ فِيمَا ذكرت لَك من الأَسماءِ إِلاَّ الأَلفَ الَّتِي مَعَ اللَّام للتعريف فإِنَّها دَاخِلَة على حرف لَا يكون إِلاَّ سَاكِنا فأَمَّا المصادر الَّتِي أَفعالُها موصولةُ الأَلفات فَهِيَ كأَفعالها نَحْو انطلاق واستخراج واقتدار فإِن كَانَت أَفعالها مقطوعَةَ الأَلفات فَهِيَ كَذَلِك نَحْو إِكرام وإِحسان فَهَذَا معنى أَلفات الْوَصْل وَذكرنَا مَا ذهب مِنْهُ الياءُ وَالْوَاو فَابْن وَاسم من ذَلِك لِقَوْلِك بُنَيّ وسُمَيّ وأَبناءٌ وأَسماءٌ كَمَا قُلْنَا فِي الأَب والأَخ فأَما الذَّاهِب من الأَب والأَخ فقد بَان لَك أَنَّهما واون وَقُلْنَا كَذَلِك فِي ابْن فإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ وَلَيْسَ براجعٍ فِي تَثْنِيَة وَلَا جمع مَا دلّ على أَحدهما دونَ الآخر قُلْنَا نستدلُّ بالنظائرِ أَمّا (ابْن) فإِنك تَقول فِي مؤنَّثه ابْنة وَتقول بنت من حَيْثُ قلت أُخت وَمن قلت هَنْت وَلم نر هَذِه التاءَ تلْحق مؤنَّثا إِلاَّ ومذكَّره محذوفُ الْوَاو ويدلُك على ذَلِك أَخوان وَمن ردّ فِي (هَنٍ) قَالَ هَنَوات فأَمّا (الِاسْم) فقد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ (فِعْل) {وَقَالَ بَعضهم هُوَ (فُعْل) } وأَسماءٌ تكون جمعا لهَذَا وَهَذَا تَقول فِي جِذْع أَجذاع كَمَا تَقول فِي قُفْل أَقفال وَلَا يدْرك صِيغَة الأَسماءِ إِلاَّ بِالسَّمْعِ - فأَكثرهم أَنشد

(باسم الَّذِي فِي كلِّ سُورةٍ سُمُهْ) فضم وجاءَ بِهِ على فُعْل وأَنشد بَعضهم (سِمُه) وَهُوَ أَقل وأَنشد أَبو زيد الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وأَنشد

(فدَعْ عَنْك ذِكْرَ اللَّهْوِ واعمدْ لِمدْحِة ... لخير مَعَدٍّ كلِّها حَيْثُمَا انتمَى)


(لأَعظمها قدْرا وأَكْرَمِهَا أَبا ... وأَحسنِها وجْها وأَعْلَنِها سُما)

فأَمّا (ابْن) فتقديره فَعَل وَذَلِكَ أَنَّك تَقول فِي جمعه أَبناءٌ كَمَا تَقول جمل وأَجمال وجبل وأَجبال فإِن قَالَ قَائِل فلعلَّه (فِعْل) أَو (فُعْل) فإِنَّ جمعهَا على أَفْعال قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول بَنون فِي الْجمع فتحرّك بِالْفَتْح فإِن قَالَ قَائِل فَمَا أَنكرت أَن يكون على (فَعْل) ساكنَ الْعين قيل لأَنَّ الْبَاب فِي جمع (فَعْل) أَفْعُل نَحْو كلْب وأَكلْب وكعْب وأَكُعب فَلَو كَانَ فَعْلا لم يجمع إِلاَّ على بَابه ليدلّ عَلَيْهِ وإِنَّما يخرج الشيءُ إِلى غير بَابه إِذا أَمِنْتَ اللّبْس فِي مثل (أَزْناد) وبابه فَهَذَا لَو كَانَ (فَعْلا) لم يجز فِيهِ أَفْعال مثل أَزناد لأَنَّ أَزنادا لَا لبس فِيهِ وَهَذَا يلتبس فَكَانَ يلْزم الْبَاب فأَمّا (دم) فَهُوَ (فَعَل) يدلُّك على ذَلِك أَنَّك تَقول دمِى يَدْمَى فَهُوَ دَمٍ فَهَذَا مثل فرِق فرَقا وَهُوَ فرِق وحذِر حذَرا فَهُوَ حذِر فدَم إِنَّما هُوَ مصدر مثل البطر والحذَر وممّا يدلُّك على أَنَّه (فَعَل) أَنَّ الشَّاعِر لمَّا اضطرّ فأَخرجه على أَصله وردّ مَا ذهب مِنْهُ جاءَ بِهِ متحرّكا فَقَالَ

(فَلَو أَنَّا على حَجَرٍ ذُبحْنا ... جرى الدمَيَانِ بالخبرِ اليقينِ) فإِن قَالَ قَائِل فإِنَّك تجمعه على فِعال كَمَا تَقول كلْب وكِلاب وفِعْل وفِعال فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّ (فِعالا) جمع لفَعَل المتحرّك الْعين كَمَا يكون لفَعْل السَّاكِن الْعين نَحْو قَوْلك جمل وجمال وجبل وجبال فَهَذَا غير خَارج من ذَلِك وأَمَّا (يَد) فتقديرها (فَعْل) سَاكن الْعين لأَنَّك تَقول أَيْد فِي الْجمع وَهَذَا جمع (فَعْل) وَلَو جاءَ شيءٌ مِنْهُ لَا يُعلم مَا أَصله من هَذِه المنقوصات لَكَانَ الحكم فِيهِ أَن يكون فعْلا ساكنَ الْعين لأَنَّ الْحَرَكَة زِيَادَة وَالزِّيَادَة لَا تثبت فأَمّا (اِست) ففعَل متحرّكة الْعين يدلُّك على ذَلِك أَسْتاه فإِن قَالَ قَائِل فلعلَّها فِعْل أَو فُعْل فإِنَّ الدَّلِيل على مَا قُلْنَا (سَهٌ) فَاعْلَم فتردّ الهاءُ الَّتِي هِيَ لَام وتحذف الْعين وَيفتح السِّين كَمَا قَالَ الراجز

(اُدعُ أُحَيْحاً باسمه لَا تنسَهْ ... إِنَّ أُحَيْحاً هِيَ صِئْبانُ السَّهْ)

وَفِي الحَدِيث " العَيْنُ وِكاءُ السَّهِ " مَعْنَاهُ أَنَّ الإِنسان / إِذا كَانَ منتبّها علم مَا يخرج مِنْهُ من الرّيح فأَمَّا (حِر) المرأَة فتقديره (فِعْل) وَقَوْلهمْ أَفْعَال فِي جمعه بِمَنْزِلَة جِذع وأَجذاع وَدَلِيله بيّن لأَنَّ أَوّله مكسور وَاعْلَم أَنَّه مَا كَانَ على حرفين وَلَا يُدرى مَا أَصله الَّذِي حذف مِنْهُ فإِنَّ حكمه فِي التصغير وَالْجمع أَن تثبت فِيهِ الياءُ لأَنَّ أَكثر مَا يحذف من هَذَا الياءُ وَالْوَاو والياءُ أَغلب على الْوَاو من الْوَاو عَلَيْهَا فإِنّما الْقيَاس على الأَكثر فَلَو سمّينا رجلا (بإِنْ) الَّتِي للجزاءِ ثمَّ صغَّرناها لقلنا أُنىّ وَكَذَلِكَ (أَنْ) الَّتِي تنصب الأَفعال فإِن سمّينا (إِن) المخفَّفة قُلْنَا أُنيْن فَاعْلَم لأَنّا قد علمنَا أَنَّ أَصلها نون أُخرى حذفت مِنْهَا وَكَذَلِكَ لَو سمَّينا (برُب) المخفَّفة من (ربّ) لقلنا رُبَيْب لأَنَّا قد علمنَا مَا حذف مِنْهُ وَكَذَلِكَ (بخ) المخفَّفة من (بخٍّ) تردّ فِيهَا الخاءُ المحذوفة لأَنَّ / الأَصل التثقيل كَمَا قَالَ

(فِي حسَبٍ بَخٍّ وعِزٍّ أَقْعَسا)

وَلَو سمّينا رجلا (ذُو) لقلنا هَذَا ذوّا قد جاءَ لأَنَّه لَا يكون اسْم على حرفين أَحدهما حرف لين لأَنَّ التَّنْوِين يذهبه فَيبقى على حرف فإِنَّما رددت مَا ذهب وأَصله (فعَل) يدلُّك على ذَلِك {ذواتا أفنان} و {ذواتي أكل خمط} وإِنَّما قلت هَذَا ذُو مَال فَجئْت بِهِ على حرفين لأَنَّ الإِضافة لَازِمَة لَهُ ومانعة من التَّنْوِين كَمَا تَقول هَذَا فو زيد ورأَيت فا زيد فإِذا أَفردت قلت هَذَا فمٌ فَاعْلَم لأَنَّ الِاسْم قد يكون على حرفين إِذا لم يكن أَحدهما حرفَ لين كَمَا تقدّم من نَحْو يَد وَدم وَمَا أَشبه ذَلِك فإِذا سمّيت رجلا ب (هُوَ) فإِنَّ الصَّوَاب أَن تَقول هَذَا هُوٌّ كَمَا ترى فتثقلِّ وإِن سمّيته ب (فِي) من قَوْلك فِي الدَّار زيد زِدْت على الياءِ يَاء وَقلت هَذَا فِيٌّ فَاعْلَم وإِن سمّيته (لَا) زِدْت على الأَلف أَلفا ثمّ همزت لأَنَّك تحرّك الثَّانِيَة / والأَلف إِذا حرّكت كَانَت همزَة فَتَقول هَذَا لاءٌ فَاعْلَم وإِنَّما كَانَ الْقيَاس أَن تزيد على كلّ حرف من حُرُوف اللين مَا هُوَ مثلُه لأَنَّ هَذِه حُرُوف لَا دَلِيل على ثوالثها وَلم تكن اسْما فيعلمَ مَا سقط مِنْهَا و (هُوَ) و (هِيَ) اسمان مضمران فمجراهما مجْرى الْحُرُوف فِي جَمِيع محالِّهما وإِن دلاَّ على الظَّاهِر بِمَا تقدّم من ذكره فإِنَّما جعلت مَا ظهر فِي كلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُتبعا لمثله حتَّى يتمّ اسْما وَلم تجْعَل الشَّاهِد غَائِبا وَكَذَلِكَ قَالَت الْعَرَب فِي (لوْ) حَيْثُ جعلته اسْما قَالَ الشَّاعِر

(لَيْت شِعْرِي وأَين مِنِّيَ ليْتُ ... إِنَّ ليْتاً وإِنَّ لوًّا عَناءُ)

فَزَاد على الْوَاو واوا لتلحق الأَسماءَ وَقَالَ الآخر

(أُلاَمُ على لوٍّ وَلَو كنت عالِما ... بأَعقاب لوٍّ لم تفُتني أَوائلُهْ)

وَقَالَ الآخر

(حاوَلتْ لوًّا فقلتُ لَهَا ... إِنَّ لَوًّا ذاكَ أَعْيانا) وإِن سمّيت رجلا (كيْ) قلت هَذَا كيٌّ فَاعْلَم / وَكَذَلِكَ كلّ مَا كَانَ {على} حرفين ثَانِيه ياءٌ أَو وَاو أَو أَلف أَلا ترى أَنَّ حرفين التهجي مَوْضُوعَة على الْوَقْف نَحْو با تا ثا وَكَذَلِكَ رأَوها إِنَّما هِيَ موقوفات غير منونَّات لأَنَّهنّ عَلَامَات فَهنّ على الْوَقْف أَلا ترى أَنَّك تَقول واوْ زايْ صادْ فتسكِّن أَواخرها لأَنَّك تُرِيدُ الْوَقْف وَلَوْلَا الْوَقْف لم يجمع بَين ساكنين كَمَا تَقول فِي الْوَقْف هَذَا زيدْ وَهَذَا عمْرو فإِذا جعلتهنَّ أَسماءً قلت باءٌ وتاءٌ فزدت على كلّ حرف مثلَه على مَا وصفت لَك قَالَ رجل من الأَعراب يذمّ النحويّين إِذ سمع خصومتهم فِيهِ

(إِذا اجتَمعوا على أَلفٍ وياءٍ ... وتاءٍ هاجَ بينهمُ قتالُ)

فأَعربها على مَا ذكرت لَك حِين جعلهَا اسْما وحكاها أَبو النَّجْم إِذ جعلهَا فِي موَاضعهَا فَقَالَ

(أَقْبَلتُ من عِنْد زِيادٍ كالخَرِفْ ... تَخُطُّ رِجْلايَ بخَطٍّ مُخْتلِفْ)


(تُكَتِّبانِ فِي الطَّرِيق لامَ الِفٌ)

فإِن كَانَت اسْما فالإِعراب كَمَا قَالَ

(كَمَا بُيِّنتْ كافٌ تَلوحُ وميمُها)

فأَعرب وأَضاف وكما قَالَ

(كأَنَّ أَخا الْيَهُود يُجِدّ خطًّا ... بكافٍ فِي منازلها ولامِ)

وفواتح السُّور كَذَلِك على الْوَقْف لأَنَّها حُرُوف تهجٍّ نَحْو (الم) (المر) (حم) (طس) وَلَوْلَا أَنَّها على الْوَقْف لم يجْتَمع ساكنان فإِذا جعلت شَيْئا مِنْهَا اسْما أَعربت كَمَا قَالَ الكُمَيت

(وجدنَا لكمْ فِي آلِ حَامِيمَ آيَة ... تَأَوَّلَها مِنَّا تَقِيُّ ومُعْرِبُ)

فحرّك وَلم يصرف للعجمة وَقَالَ

(أَوْ كتُباً بُيّن من حاميما ... قد علمتْ أَبناءُ إِبارهيما)

وَقَالَ

(يُذكِّرني حاميمَ والرمحُ شاجِرٌ ... فهلاَّ تَلا حاميمَ قبْلَ التقدُّمِ)

فأَمَّا قراءَة الْحسن (صَادِ وَالقُرْآنِ) فإِنَّه لم يَجْعَلهَا حرفا ولكنَّه / فِعْل إِنَّما أَراد صادِ بِالْقُرْآنِ عَملك وَهَذَا تَفْسِير الْحسن أَيّْ عارِض بِالْقُرْآنِ عَمَلك من قَوْلك صاديت الرجل أَي عارضته وَمِنْه {فَأَنت لَهُ تصدى} أَي تعرّض وأَمّا قَوْلك هَذَا فوزيد - ثمّ تبدل فَتَقول فَم فَهَذَا بِمَنْزِلَة تثقيلك لَو ثقَّلت لأَنَّه إِذا كَانَ على حرفين لَيْسَ أَحدهما حرفَ لين كَانَ على مثالٍ تكون الأَسماءُ المنقوصة عَلَيْهِ وإِنَّما أَصله فَوْه فَاعْلَم وَجمعه أَفْواه كَقَوْلِك ثوب وأَثواب وحوض وأَحواض على ذَلِك مَا تفوّهت بِكَلِمَة فإِذا كَانَ فِي الإِضافة لم تحتج إِلى تَغْيِيره لأَنَّك تأْمَن عَلَيْهِ التَّنْوِين فَتَقول رأَيت فا زيد ومررت بفي زيد وَهَذَا فو زيد كَمَا تَقول هَذَا ذُو مَال ورأَيت ذَا مَال لأَنَّ أَصل هَذِه الأَسماءِ الإِضافة فإِن أَفردتها أَخرجتها إِلى بَاب الأَسماءِ وَمَا ذكرت لَك غَيرهَا من نَحْو (لوْ) و (فِي) إِنَّما تلْحق بجُمَله الأَسماءِ المفردة ثمّ تُضَاف إِذا حدث ذَلِك فِيهَا كَمَا / يُضَاف رجل وَغُلَام وَمَا أَشبهه فَهَذَا بَاب الأَسماءِ تَقول هَذَا فِيُّ زيد ولوُّ عبدِ الله فإِن قَالَ قَائِل أَجعَل ذَلِك غيرَ مثقَّل إِذا سمّيت بِهِ مؤَنثا لأَمْنِي عَلَيْهِ التنوينَ قيل المؤنَّث قد يكون نكرَة فتنوّن كَقَوْلِك هَذِه هندٌ أُخرى وتنوّن زيدا إِذا سمّيت بِهِ امرأَة فِي قَول جمَاعَة من النَّحْوِيين فيستوي المؤنَّث والمذكَّر إِذا لم تكن فِيهَا هاءُ التأْنيث فَلَا يكون فِيهِ التَّنْوِين نَحْو رجل سمّيته بقدَم أَودعْد أَو هِنْد فَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاض بشيءٍ وَلَيْسَ من كَلَامهم أَن يكون الِاسْم على هَيْئَة فإِذا سمّى بِهِ غير من هُوَ لَهُ خرج إِلى هَيْئَة أُخرى فَكَذَلِك الْمُفْرد لَا ينْتَقل إِذا أَضفته فأَمّا فُو زيد وَذُو مَال فإِنَّما غيّرا من الأَصل الَّذِي هُوَ لَهما لأَنَّهما أُلزما الإِضافة فَكَانَ حرف إِعرابهما / منتقلا على غير مَا عَلَيْهِ جملَة الأَسماءِ إِنَّما يكون ذَلِك فِي أَسماءٍ بِعَينهَا معتلَّة نَحْو قَوْلك أَخوك وأَخاك وأَبوك وفو زيد وحموك وهنوك فِي بعض اللُّغَات لأَنَّها فِي الإِفراد أَب وأَخ وَهن وحم فَهَذِهِ أَسماءٌ كَانَ أَصلها الإِضافة لأَنَّ رواجعها فِيهِ خاصَّةً فأَمّا فوك فإِنَّما حذفوا لامه لموْضِع الإِضافة ثمّ أَبدلوا مِنْهَا فِي الإِفراد الْمِيم لقرب المخرجين فَقَالُوا فَم كَمَا ترى لَا يكون فِي الإِفراد غَيره وَقد لحّن كثير من النَّاس العجّاج فِي قَوْله

(خالَطٌ من سَلْمَى خياشيمَ وَفَا)

وَلَيْسَ عِنْدِي بلاحن لأَنَّه حَيْثُ اضطرّ أَتى بِهِ فِي قافية لَا يلْحقهُ مَعهَا التَّنْوِين فِي مذْهبه وَمن كَانَ يرى تَنْوِين القوافي فَيَقُول

(أَقِلِّي اللوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ)

لم ينوّن هَذَا لأَنَّ ترك التَّنْوِين هُوَ الأَكثر الأَغلب / لما فِي هَذَا الِاسْم من الاعتلال وَاعْلَم أَنَّ مَا جاءَ من الأَسماءِ على حرفين قَلِيل لأَنَّ الثَّلَاثَة أَقلّ الأُصول فيكرهون الْحَذف مِنْهَا إِلاَّ فِيمَا آخِره حرف خفيّ أَو حرف لين فإِنَّهم يستثقلون فِي ذَلِك الحركات فأَمَّا مثل قُلْ وبعْ فإِنَّما حذفتَ لالتقاءِ الساكنين مَا هُوَ فِي نيّتك وحذفت من عِدّ وزِنْ الواوات الَّتِي ذهبت لأَنَّها وَقعت فِي يعد ويَزِنَ وَيعود جَمِيع ذَلِك فِي تصرّف الْفِعْل إِذا قلت وعد وَوزن وَقَالَ وَبَاعَ وَيَقُول وَيبِيع وَكَذَلِكَ إِذا قلت فِهْ لزيد وعِهْ كلَاما وشِهْ ثوبا إِنَّما لحقها ذَلِك لذهاب الْوَاو من أَولها الَّتِي تذْهب فِي عِدْ وَذَهَاب الياءِ من آخرهَا الَّتِي تذْهب فِي ارْمِ وَلَا يلْزم ذَلِك فِي تصرّف الْفِعْل إِذا قلت وعَيْت وولِيت ووشَيْت فأَمّا مَا جاءَ على حرفين ممّا فِيهِ هاءُ التأْنيث فَهُوَ أَكثر / من ذَا نَحْو سَنة وشِية وعِدة وثُبَة وقُلَة ورِية وَذَاكَ لأَنَّ الهاءَ لمّا اتَّصَلت بِهِ قوى فضارع مَا كَانَ على ثَلَاثَة وَكَانَ بالهاءِ أَثبت من ابْن واست واثنين لأَنَّ أَلف الْوَصْل يحذفها الْوَصْل ويحذفها تحرُّك مَا بعْدهَا وَذَلِكَ فِي التصغير {كبنيّ} وَتَخْفِيف الْهَمْز كَقَوْلِك فِي اسأَل سَلْ وَفِي التَّشْدِيد وَهُوَ قَوْلك اردُدْ ثمَّ تَقول رُدَّ إِن شِئْت فأَمّا رُدّا أَو رُدُّوا فحذفها لَازم للُزُوم الإِدغام وهاءُ التأْنيث إِنَّما تذْهب فِي التَّرْخِيم وَفِي النّسَب لأَنَّه عوض مِنْهَا وَقد يردّ فِي النّسَب بعض مَا يذهب مِنْهُ الهاءُ لعلَّة تلْحق وإِنَّما قصدنا أَن تخبر أَن، مَا فِيهِ الهاءُ من ذَوَات الحرفين أَكثر ممّا لَا هاءَ فِيهِ وَهَذَا شيءٌ اتَّصل بالتصريف والإِدغام لما يَقع فِي مثله وَهُوَ مَا أَذكره لَك اعْلَم أَنَّ الحرفين المثلين إِذا كَانَا ملتقيَينِ فِي كلمة وَكِلَاهُمَا متحرّك وَقبل المتحرّك الأَوّل سَاكن طرحت حَرَكَة المتحرّك الأَوّل على ذَلِك السَّاكِن وأَدغمت كنحو مَا ذكرت لَك فِي اقْتتلوا فإِن التقيا وهما سواءٌ أَو متقاربان والأَوّل مِنْهُمَا أَوّل الْكَلِمَة أَدخلت أَلف الْوَصْل وأَدغمت وَذَلِكَ اطَّيّر زيد إِنَّما كَانَت تطيّر فأَسكنت التاءَ فَلم يجز أَن تبتدئ بساكن فأَدخلت أَلف الْوَصْل ثمّ أَدغمت التاءَ فِي الطاءِ وَكَذَلِكَ اتَّرس زيد إِذا أَردته تترّس فدخول الأَلف هَاهُنَا كسقوطها من اقْتَتَلُوا إِذا قلت قَتَّلوا فالتحريك يُسْقِطهَا كَمَا أَنَّ الإِسكان يجلبها وَمن ذَلِك قَوْله {وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا} وإِنما كَانَ (تدارأْتم) فِيهَا فأَدغمت التاءَ فِي الدَّال فَاحْتَجت إِلى أَلف الْوَصْل لِاسْتِحَالَة الابتداءِ بساكن وَمثله {قَالُوا اطيرنا بك وبمن مَعَك} فإِن قلت تتَّكلمون وتدّعون لم يجز الإِدغام وإِدخال أَلف الْوَصْل لأَنَّ أَلف الْوَصْل لَا تدخل على الْفِعْل الْمُضَارع لأَنَّ الأَفعال إِذا كَانَت على (يَفْعَل) وَمَا أَشبهه فَهِيَ مضارعة للأَسماءِ نَحْو فاعِل وَمَا أَشبهه فَكَمَا لَا تكون أَلف الْوَصْل فِي اسْم الْفَاعِل كَذَلِك لَا تكون فِيمَا ضارعه إِنَّما تكون فِي الأَفعال الْمَاضِيَة نَحْو انطلقَ واقتدرَ واحمررت واستخرج واغدودنَ واحرنجمَ أَو فِي الأَمر اضربْ اقتلْ استخرجْ لأَنَّها تضارع أَسماءَ الفاعلين فتمتنع فَهَذَا موضعهَا من الْكَلَام فقد شرحت لَك أَمرها فِي الأَفعال وتصرّفَها وأَمْرَ وُقُوعهَا فِي الأَسماءِ والعلَّة فِي ذَلِك إِذ كَانَ بَابهَا الأَفعال فإِذا قلت فِي المنفصلين هَذَا اسْم مُوسَى لم يجز أَن تطرح حَرَكَة الْمِيم على السِّين / وتحذف أَلف الْوَصْل كَمَا فعلت فِي الأَفعال لأَنَّ الْمُنْفَصِل بَائِن ممّا قبله وإِنَّما الإِدغام على مِقْدَار لُزُومه ولكنَّك تخفي إِن شِئْت وإِن شِئْت حقَّقت والمخفَى بزنة المحقَّق إِلاَّ أَنَّك تختلس اختلاسا كَقَوْلِك أَراك متعفِّفا فتختلس وَلَا يجوز الإِدغام لأَنَّ الَّذِي قبل الفاءِ الْوُسْطَى سَاكن وأَمّا الملحقات من الأَسماءِ فَلَا إِدغام فِيهَا لأَنَّها تنقص عَن مقادير مَا ألحقت بِهِ وَذَلِكَ قَوْلك قَرْدَد ومَهْدَد وَمَا أَشبهه لأَنَّه مُلْحق بِجَعْفَر وَكَذَلِكَ الْجمع نَحْو قَوْلك قَرَادد ومَهادد ليَكُون مثل جَعْفَر فإِن لم يكن مُلْحقًا لزِم الإِدغام نَحْو قَوْلك رجل أَلدّ وأَصَمّ لأَنَّ (أَفْعَلَ) لَيْسَ بملحق بفعلل أَلا ترى أَن مصادرهما مُخْتَلفَة إِذا كَانَا فِعْلين تَقول دحرج دحرجة وأَكرم إِكراما وَكَذَلِكَ (فَعَّلَ) لَيْسَ بملحق بدحرج لأَنَّ مصدره التفعيل وَلَكِن مثلُ جَدْوَل ملحقٌ بِجَعْفَر وَكَذَلِكَ كوثر / وإِن كَانَا فعلين فهما ملحقان بدحرج تَقول حَوْقَل يحوقل حوقلة وبَيْطَر بيطرة وسَهْوك سَهْوكة وَكَذَلِكَ سلقى يسلقى سلقاة وَفِيمَا ذكرته لَك مَا يدلّ على مَا يرد عَلَيْك مِنْهُ إِن شاءَ الله

هَذَا بَاب مَا شبه من المضاعف بالمعتل فَحذف فِي مَوضِع حذفه[عدل]

وَذَلِكَ قَوْلك فِي أَحْسَسْت أَحَسْتُ وَفِي مسِسْت مِسْت وتطرح حركته على مَا قبله وتحذفها تَشْبِيها بِقَوْلِك أَردت وأَقمت وكِلت وبِعْت كَمَا اسْتَويَا فِي بَاب رَدَّ وَقَامَ فِي الإِسكان واستويا فِي التَّصْحِيح فِي بَاب (فُعَل) و (فِعَل) تَقول صُوَر كَمَا تَقول دُرَر وبِيَع كَمَا تَقول قِدَد وإِنَّما تفعل هَذَا فِي الْموضع الَّذِي لَا تصل إِليه فِيهِ الْحَرَكَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَذَلِكَ فِي فعِلْت / وفَعِلْن فأَمّا لم أَحِسَّ وقولك احْسِسْ وامسَسْ ومَسَّ وحِسَّ فَلَا تحذف لأَنَّ هَذَا تدخله الْحَرَكَة إِذا ثنَّيت أَو جمعت أَو أَنَّثت نَحْو أَحسُّوا وأَحَسَّا وأَحِسَّى وَكَذَلِكَ مَسِّى ومَسَّا وإِنَّما جَازَ فِي ذَلِك الْموضع للُزُوم السّكُون وَلَيْسَ ذَلِك بجيّد وَلَا حسن وإِنَّما هُوَ تَشبيه قَالَ الشَّاعِر

(خلا أَنَّ العِتاقَ منَ المطايا ... أَحْسَنَ بهِ فهنَّ إِليهِ شُوسُ) وَمن قَالَ مَسْت فَفتح الْمِيم فإِنَّما شبّهها بِلَسْتُ لأَنَّ أَصلها كَانَ لاس يليس وَقد فسّرنا امتناعها من ذَاك لما يلْزمهَا فِي الْمُضَارع وَغَيره من تصرّف الْفِعْل فَهَذَا الَّذِي فتح الْمِيم حذف لما ذكرت لَك وَترك الْمِيم على أَصلها للتغيير وَاعْلَم أَنَّ التَّضْعِيف مستثقل وأَنَّ رَفْع اللِّسَان عَنهُ {مرّة وَاحِدَة ثمّ العودة إِليه لَيْسَ كرفع اللِّسَان عَنهُ وَعَن الْحَرْف الَّذِي من مخرجه وَلَا فصل بَينهمَا فَلذَلِك وَجب} وَقوم من الْعَرَب إِذا وَقع / التَّضْعِيف أَبدلوا الياءَ من الثَّانِي لئلاَّ يلتقي حرفان من جنس وَاحِد لأَنَّ الكسرة بعض الياءِ وأَنَّ الياءَ تَغلِب على الْوَاو رَابِعَة فَمَا فَوْقهَا حتَّى تصيّرها يَاء لَا يكون إِلاَّ ذَلِك وَقد مضى هَذَا وَذَلِكَ قَوْلهم فِي تقضَّضت تقضَّيت وَفِي أَمللت أَمليت وَكَذَلِكَ تسرّيت فِي تسرّرت وَالدَّلِيل على أَنَّ هَذَا إِنَّما أُبدل لاستثقال التَّضْعِيف قولُك دِينَار وقيراط والأَصل دِنَّار وقِرَّاط فأَبدلت الياءَ للكسرة فلمّا فرَّقت بَين المضاعفين رَجَعَ الأَصل فَقلت دَنَانِير وقراريط وقُرَيْرِيط وَاعْلَم أَنَّ الشعراءَ إِذا اضطِرُّوا إِلى إِسكان حرف ممَّا هُوَ متحرّك فَلم يصلوا إِلى ذَلِك أَبدلوا مِنْهُ الياءَ إِن كَانَت قبله كسرة لأَنَّ الياءَ إِذا كَانَت كَذَلِك لم تحرّك فَيسلم الإِعراب ويصحّ الْوَزْن وَذَلِكَ قَوْله (لَهَا أَشَارِيرُ منْ لَحْمٍ تُتَمِّرُهُ ... منَ الثَّعالِي ووَخْزٌ منْ أَرَانِيها)

لم يجز أَن يذكر الباءَ فِي الثعالب ويحرّكها فينكسر الشّعْر فأَبدل الياءَ لما ذكرت لَك وَمثله

(ومنهل لَيْسَ لهُ حَوازقُ ... ولِضفادِي جَمَّهِ نَقانِقُ)

هَذَا بَاب مَا يحذف اسْتِخْفَافًا لأَنَّ اللّبْس فِيهِ مأْمون[عدل]

وَذَلِكَ أَنَّ للأَشياءِ أُصولا ثمّ يحذف مِنْهَا مَا يُخرجهَا عَن أُصولها فَمن هَذَا الْمَحْذُوف مَا يبلغ بالشيءِ أَصلَه وَمِنْه مَا يحذف لأَنَّ مَا بَقِي دالّ عَلَيْهِ وإِن يكن ذَلِك أَصلَه فأَما مَا يبلغ بِهِ أَصله فإِنَّ كِنَايَة الْمَجْرُور فِي الْكَلَام ككناية الْمَنْصُوب وَذَلِكَ لأَنَّ الأَصل الرّفْع وَهُوَ الَّذِي لَا يتمّ الْكَلَام إِلاَّ بِهِ كالابتداءِ وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل وإِنَّما الْمَنْصُوب والمخفوص لِما خرجا إِليه عَن هَذَا الْمَرْفُوع فَلذَلِك اشْتَركَا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع نَحْو مسلمَين ومسلمِين ومسلمات وَلذَلِك كَانَ مَالا ينْصَرف إِذا كَانَ مخفوضا فتح وَحمل على مَا هُوَ نَظِير الْخَفْض نَحْو مَرَرْت بعثمانَ وأَحمرَ يَا فَتى وَذَلِكَ قَوْلك فِي الْكِنَايَة ضربتك ومررت بك وضربته ومررت بِهِ وضربتهم وَعَلَيْهِم وَاحِد وَتقول هَذَا غلامي وَهَذَا الضاربي فيستويان فإِذا قلت ضَرَبَنِي زِدْت نونا على المخفوض ليسلم الْفِعْل لأَنَّ الْفِعْل لَا يدْخلهُ جرّ وَلَا كسر فإِنَّما زِدْت هَذِه النُّون ليسلم لأَنَّ هَذِه الياءَ تكسر مَا وَقعت عَلَيْهِ فإِن قلت قد قلت الضاربي والياءُ مَنْصُوبَة فإِنَّما ذَلِك لأَنَّ الضَّارِب اسْم فَلم يكره الْكسر فِيهِ وَالدَّلِيل على أَن الياءَ مَنْصُوبَة قَوْلك الضَّارِب زيدا فإِن قلت فقد يدْخل الْفِعْل الكسرة فِي قَوْلك اضربِ الرجل فإِنَّما ذَلِك لالتقاءِ الساكنين وَلَيْسَ بِلَازِم وإِنَّما كسروا ليُعْلموا أَنَّه عارضٌ فِي الْفِعْل إِذ لم يكن من إِعرابه وَنَظِير زِيَادَة هَذِه النُّون فِي الْمَنْصُوب قَوْلهم / فِي الْمَجْرُور منِّي وعنِّي وقَدنْي زادوا النُّون ليسلم مَا قبلهَا على سكونه كَمَا سلم الْفِعْل على فَتحه فقد زيدت فِي الْمَجْرُور كَمَا زيدت فِي الْمَنْصُوب وَلَو كَانَ آخر الِاسْم متصرّفا بالحركة لم تزد نَحْو قَوْلك هَذَا هَنِي ودَمِي فَالَّذِي ذكرنَا ممّا يحذف قَوْلك إِنَّني وكأَنَّني ولعلَّني لأَنَّ هَذِه الْحُرُوف مشبهة للْفِعْل مَفْتُوحَة الأَواخر فزدت فِيهَا النُّون كَمَا زدتها فِي الْفِعْل لتسلم حركاتها وَيجوز فِيهِنَّ الْحَذف فَتَقول إِنِّي وكأَنِّي ولكنِّي وإِنَّما جَازَ لأَنَّ النُّون فِي (إِنَّ) و (كأَنَّ) ثَقيلَة وَهِي مَعَ ذَلِك مُشبَّهة بِالْفِعْلِ وَلَيْسَت بأَفعال فحذفت كَرَاهِيَة التَّضْعِيف وإِنْ أَثبتَّ فَلَمَّا وَصفته فإِن قَالَ قَائِل فأَنت تَقول لعلِّي وَلَيْسَ فِي لعلّ نون فإِنَّما ذَلِك لأَنَّ (لعلّ) مضعَّفة وَهِي أَقرب الْحُرُوف من النُّون وتعاقبها وتدغم كلّ وَاحِدَة / مِنْهُمَا فِي صاحبتها وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا فأَمَّا (لَيْتَني) فَلَا يجوز حذف النُّون مِنْهَا إِلاَّ أَن يضطَّر شَاعِر فيحذفها لأَنَّ الضَّرُورَة تردّ الأَشياءَ إِلى أُصولها والأَصل الياءُ وحدَها وَلَيْسَت (لَيْت) بِفعل إِنَّما هِيَ مشبّهة فَمن ذَلِك قَوْله

(تَمَنَّى مَزْيدٌ زيدا فَلاقَى ... أَخا ثِقةٍ إِذا اخْتلف العَوالي)


(كمُنْيةِ جابرٍ إِذ قَالَ لَيْتَني ... أُصَادفُه ويَهْلِكَ جُلُّ مَالِي)

فَهَذَا من الْمَحْذُوف الَّذِي بُلغ بِهِ الأَصل وممّا حذف اسْتِخْفَافًا لأَنَّ مَا ظهر دَلِيل عَلَيْهِ قَوْلهم فِي كلِّ قَبيلَة تظهر فِيهَا لَام الْمعرفَة مثل بني الْحَارِث وَبني الهُجَيم وَبني العنبر هُوَ بَلْعَنبر وبَلْهُجيم فيحذفون النُّون لقربها من اللَّام لأَنَّهم يكْرهُونَ التَّضْعِيف فإِن كَانَ مثل بني النجّار والنمر والتيم لم يحذفوا لئلاَّ يجمعوا عَلَيْهِ علَّتين الإِدغام والحذف وَيَقُولُونَ عَلْماءِ بَنو فلَان يُرِيدُونَ على الماءِ فيحذفون لَام على كَمَا قَالَ /

(وَمَا سُبِقَ القَيْسيُّ من ضعْفِ حِيلةٍ ... ولكنْ طفت عَلْمَاءِ قُلْفةُ خَالدِ)

وَاعْلَم أَنَّ كلّ مدغم فِيمَا بعده إِذا كَانَا من كَلِمَتَيْنِ فإِظهار الأَوّل جَائِز لأَنَّه غير لَازم للثَّانِي إِلاَّ أَنَّه فِي بعضٍ أَحسن مِنْهُ فِي بعض على قَدْر تداني المخارج وبُعْدها فإِذا لقِيت التاءُ دَالا أَو طاء كَانَ الإِدغام أَحسن لأَنَّ مخرج الثَّلَاثَة وَاحِد وإِنَّما يفصل بَينهمَا أَعراض فِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك ذهبطَّلحة الإِدغام أَحسن وَكَذَلِكَ هُدِّ مدَّارُ زيدٍ وَمثل ذَلِك لم يعد تَّميم وَلم يعد طَّاهر فإِن قلت انقط دَاوُد كَانَ الإِدغام بأَن تطبق مَوضِع الطاءِ أَحسن لأَنَّ فِي الطاءِ إِطباقا فيكرهون ذَهَابه تَقول انقطَّاود وَلَو قلت انقدّاود كَانَ حسنا ولكنّ الِاخْتِيَار مَا ذكرت لَك وإِن لم تُدْغَم / فَجَائِز والظاءُ والثاءُ والذال هَذَا أَمر بَعضهنَّ مَعَ بعض فِي تبقية الإِطباق وحذفه وَحسن الإِدغام وَجَوَاز التَّبْيِين وَفِيمَا ذكرت لَك من قرب المخارج وَبعدهَا كِفَايَة فأَمّا قراءَة أَبي عَمْرو {هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} فإِنَّ التَّبْيِين أَحسن مِمَّا قرأَ لأنَّ الثاءَ لَا تقرب من اللَّام كقرب التاءِ وأُختيها وَكَذَلِكَ التاءُ فِي قراءَته {بتُّؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} وَلَيْسَت هَذِه اللَّام كَلَام الْمعرفَة لَازِمَة لكلّ اسْم تُرِيدُ تَعْرِيفه فَلَيْسَ يجوز فِيهَا مَعَ هَذِه الْحُرُوف الَّتِي ذكرت لَك وَهِي ثَلَاثَة عشر حرفا إِلاَّ الإِدغام وَقد ذكرنَا بتفسيرها وإِنَّما يلْزم الإِدغام على قدْر لُزُوم الْحَرْف أَلا ترى / أَنَّها إِذا كَانَت فِي كلمة وَاحِدَة لم يجز الإِظهار إِلاَّ أَن يضطرّ الشَّاعِر فيردّ الشيءَ إِلى أَصله نَحْو ردَّ وفَرَّ ودَابّة وشابّة لأَنَّ الباءَ الأُولى تلْزم الثَّانِيَة فأَمَّا قَوْلهم أَنتما تكلِّمانني وتكلمانيّ وَقَوله {أفغير الله تأمروني} وَفِي الْقُرْآن {لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ} فلأَنَّ الثَّانِيَة مُنْفَصِلَة من الأُولى لأَنَّها اسْم الْمَفْعُول تَقول أَنتما تظلمان زيدا وأَنتم تظْلمُونَ عمرا وأَمّا (دابّة) فَهِيَ فاعِلة وَكَذَلِكَ (ردَّ) فَعَلَ فهما لَازِمَة إِحداهما للأُخرى لَا تنفصل مِنْهَا فإِذا اضطرّ شَاعِر جَازَ رَدَد وضَنِن كَمَا قَالَ

(تَشْكُو الوَجَى من أَظْلُلٍ وأَظْلُلِ) وَقَالَ

(مَهْلاً أَعاذلُ قدْ جَرَّبتِ منْ خُلُقي ... أَنِّي أَجُودُ لأَقْوامٍ وإِن ضَنِنُوا)

وَقَالَ

(الحمدُ لله العلِيّ الأَجْلَلِ)

وَاعْلَم أَنَّ أَلف الْوَصْل الَّتِي تكون مَعَ اللَّام للتعريف تخَالف سَائِر أَلفات الْوَصْل وإِن كَانَت فِي الْوَصْل مثلَهنّ وَذَلِكَ أَنَّها مَفْتُوحَة لأَنَّها لم تلْحق اسْما وَلَا فعلا نَحْو اضربْ واقْتُلْ وَابْن وَاسم وإِنَّما لحقت حرفا فَلذَلِك فتحت وخولف بلفظها لمُخَالفَة مَا وَقع هليه الأَسماءُ والأَفعال فإِذا كَانَت فِي درَج الْكَلَام سَقَطت كسقوط سَائِر أَلفات الْوَصْل وَذَلِكَ قَوْلك لقِيت الْقَوْم فَسَقَطت وَتقول وَالْقَوْم ذاهبون وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا صرّفت فِيهِ إِلاَّ أَن تلحقها أَلف الِاسْتِفْهَام فتجعلها مَدّة وَلَا تحذفها فيلتبس الْخَبَر بالاستفهام لأَنَّها مَفْتُوحَة فَلَو حذفتها لاستوى اللفظان وَذَلِكَ قَوْلك فِي الِاسْتِفْهَام آلرجل لقِيك وَقَوله {آللهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} وَكَذَلِكَ أَلف (آيْم) لأَنَّها لَزِمت اسْما لَا يسْتَعْمل إِلاَّ فِي الْقسم فَهُوَ مضارع لأَلف اللَّام تَقول آيم الله لقد كَانَ / ذَاك آيمن الله لقد كَانَ ذَاك وَلذَلِك قَالُوا يَا الله اغْفِر لنا لمّا كَانَت فِي اسْم لَا تُفَارِقهُ وَثبتت فِي الِاسْتِفْهَام فعلوا بهَا ذَلِك وَكَذَلِكَ أَفأَللهِ لتفعلنّ لما وصفت لَك فإِذا كَانَت مستأْنفة وتحرّكت اللَّام بعْدهَا بحركة الْهمزَة فإِنَّ النحويّين يَخْتَلِفُونَ فِيهَا فَيَقُول قوم أَلحَمر جاءَني فيثبتوها وإِن تحركت اللَّام وَلَا يجعلونها مثل قَوْلك {سل بني إِسْرَائِيل} لأَنَّها كَانَت اسأَل فلمّا تحرّكت السِّين سَقَطت أَلف الْوَصْل فهؤلاءِ يحتجّون بثباتها فِي الِاسْتِفْهَام وأَنَّ بعْدهَا سَاكن الأَصل لَا يكون إِلا على ذَلِك وهؤلاءِ لَا يدغمون مَا قبل اللَّام فِي اللَّام ممّا قرب جِواره مِنْهَا لأَنَّ حكم اللَّام عِنْدهم حكم السّكُون فَلذَلِك ثبتَتْ أَلف الْوَصْل وَمِنْهُم من يَقُول لَحمر جاءَني فيحذف الأَلف / لتحرّك اللَّام وعَلى هَذَا قرأَ أَبو عَمْرو {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادَ لُّوليَ} وَكَانَ الأَخفش يُجِيز اِسَلْ زيدا لأَنَّ السِّين عِنْده سَاكِنة لأَنَّ الْحَرَكَة للهمزة وَهَذَا غلَط شَدِيد لأَنَّ السِّين متصرّفة كَسَائِر الْحُرُوف وأَلف الْوَصْل لَا أَصل لَهَا فَمَتَى وُجد السَّبِيل إِلى إِسقاطها سَقَطت وَاللَّام مبنيَّة على السّكُون لَا موضعَ لَهَا غيرُه فأَمرها مُخْتَلف وَلذَلِك لحقتها أَلف الْوَصْل مَفْتُوحَة مُخَالفَة لسَائِر الأَلفات


تمّ الإِدغام[عدل]

قَالَ أَبو الْعَبَّاس كنَّا قدّمنا فِي أَوّل كتَابنا وَبعد ذَلِك أَشياءَ جرى ذكرهَا لما يشاكلها فِي موَاضعهَا وَلم يكن موضعَ تَفْسِيرهَا فوعدنا أَن نفسّرها إِذا قضينا القَوْل فِيمَا قصدنا لَهُ عِنْد ذكرهَا فَمن ذَلِك لَام الْخَفْض الَّتِي يسمّيها النحويّون لَام المِلْك / فَقُلْنَا هِيَ مَكْسُورَة مَعَ الأَسماءِ الظَّاهِرَة ومفتوحة مَعَ الأَسماءِ المضمرة لعلَّة نذكرها وَهَذَا أَوان ذكرهَا أَصلها عندنَا الْفَتْح كَمَا يَقع مَعَ الْمُضمر نَحْو قَوْلك المَال لَك وَالْمَال لَنا وَالدَّرَاهِم لَكم وَلَهُم وَكَذَلِكَ كلّ مُضْمر فإِذا قلت المَال لِزيد كسرتها لئلاَّ تَلْتَبِس بلام الابتداءِ وَلم تكن الْحَرَكَة فِيهَا إِعرابا فيسلمها على مَا خيّلت وَمَوْضِع الالتباس أَنَّك لَو قلت إِنَّ زيدا لَهذا وإِن عمرا لَذاك وأَنت تُرِيدُ لَام الْملك لم يدر السَّامع أَيَّهما أَردت إِنَّ زيدا فِي مِلْك ذَاك أَو إِنَّ زيدا ذَاك فإِذا كسرت فَقلت إِن زيدا لِذاك علم أَنَّه فِي مِلْكِه وإِذا قلت إِنَّ زيدا لَذاك علم أَنَّ زيدا ذَاك وَكَذَلِكَ الأَسماءُ المعربة إِذا وقفت عَلَيْهَا فَقلت إِنَّ هَذ لَزيد لم يدر أَهو زيد أَم هُوَ لَهُ فإِن قَالَ قَائِل فَلم لَا يكون / ذَلِك فِي الباءِ قيل لأَنَّ الباءَ لَا يشرَكها مثلهَا فتخاف لبسا فبِنْيتُها أَبدا الكسرُ مَعَ الظَّاهِر والمضمر تَقول مَرَرْت بزيد وَبِك وَبِه وبِهم كَمَا أَنَّ بِنْية الْكَاف الفتحُ إِذا قلت أَنت كزيد وَلست كَه يَا فَتى فإِن قَالَ فَمَا بالك تكسرها إِذا قلت لست كِى فإِنَّما ذَاك لأَنَّ ياءَ الإِضافة تحوّل كلّ حَرَكَة إِلى كسرة تَقول هَذَا غلامِي وَضربت غلامِي وَالْمَال لِي فأَمّا أَمْنُك الالتباسَ فِي اللَّام مَعَ الْمُضمر فإِنَّما ذَاك لأَنَّ ضمير الرّفْع لَا يلتبس بضمير الجرّ تَقول إِنَّ هَذَا لَك وإِنَّ هَذَا لأَنت وإِنَّ هؤلاءِ لنَحْنُ فاختلاف اللَّفْظَيْنِ أُمِن الالتباس قَالَ وكنَّا ذكرنَا فِي صدر هَذَا الْكتاب أَمْر الأَفعال والأَسماءِ ووعدنا أَن نخبر لِمَ كَانَت الأَسماءُ على ثَلَاثَة أَنحاءٍ لَا زِيَادَة فِيهَا على ثَلَاثَة أَحرف وأَربعة وَخَمْسَة وَكَانَت الأَفعال على ضَرْبَيْنِ على ثَلَاثَة وأَربعة وَلم يكن فِي الأَفعال شيءٌ على خَمْسَة أَحرف كلُّها أَصليّ فَهَذَا وَقت تَفْسِيره وموضعه للنحويّين فِي هَذَا أَقاويل يُقَارب بعضُها بَعْضًا يَقُولُونَ الأَسماءُ أَمْكَن من الأَفعال فَلذَلِك كَانَ لَهَا على الأَفعال فَضِيلَة تمكُّنها وإِنَّ الأَفعال تَبَع لَهَا فَقُلْنَا فِي تَفْسِير قَول هؤلاءِ الدَّلِيل على صحّة مَا قَالُوا أَنَّ الأَسماءَ الثلاثيَّة تكون على ضروب من الأَبنية تلحقها أَبنية الأَفعال لأَنَّ أَبنية الأَفعال إِنَّما هِيَ فَعَل وفَعُل ومضارعاتها يَفْعُلُ ويَفْعِل ويَفْعَل والأَسماءُ تكون على (فَعَل) نَحْو جَمَلِ وجَبَل وعَلى (فَعِل) نَحْو فَخِذ وكتِف وعَلى (فَعُل) نَحْو رجُل وعضُد وَتَكون الأَسماءُ مُفْردَة (بفِعَل) نَحْو ضِلَعَ وعِوَض و (بفُعُل) نَحْو حُضُضَ وعُنُق وَتَكون سواكن الأَوساط نَحْو فهْد وكلْب وَنَحْو جِذْع وعِدْل وَنَحْو بُرْد وخُرْج وَيكون فِي المتحرّكة نَحْو إِبل وإِطلٍ فإِذا صرت إِلى الأَربعة لم تكن الأَفعال / بِغَيْر زَائِدَة إِلاَّ على (فَعْلَلَ) نَحْو دحرج وسَرْهَفَ وهَمْلَجَ فَهَذَا نَظِيره فِي الأَسماءِ جَعْفَر وصندل وفرقد وَتَكون فِي الأَسماءِ على (فِعْلَل) نَحْو دِرْهَم وهجرع وفُعْلُل نَحْو حُبْرُج وتُرْتُم و (فِعْلِل) نَحْو زِبْرِج وزِئْبِر فَلذَلِك كَانَ فِي الأَسماءِ مثل سفرجل وجَحْمَرِش وجِرْدَحِل وقُذَعْمِل فزادت هَذِه الأَبنية كَمَا زَاد مَا ذكرت لَك وإِنَّما ذكرت لَك رسما وَبقيت أَشياءُ لأَنِّي إِنَّما أَردت بِمَا بيّنت الإِيضاح لهَذَا الأَصل الَّذِي ذكرته وَقَالَ قوم الأَفعال تلزمها الزَّوَائِد وتتصرّف بهَا فيلزمها حُرُوف المضارعة وَغير ذَلِك من الزَّوَائِد كَمَا لحق الأَربعة التاءُ فِي تدحرج وأَلف الْوَصْل وَالنُّون فِي احرنجم وَنَحْوه وتضعيف اللَّام فِي قَوْلك اقشعرّ واطمأَنَّ فكرهوا أَن يبلغُوا بهَا الْخَمْسَة فتلزمها الزَّوَائِد فَتخرج عَن الْمِقْدَار وَتصير إِلى مَا يستثقل والأَسماءُ لَا يكره ذَلِك فِيهَا لأَنَّ / الزَّوَائِد غير لَازِمَة لَهَا وإِن كَانَت قد تدخل فِي بَعْضهَا وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة اللَّازِم للمعاني أَلا ترى أَنَّ قَوْلك اقتدر واستخرج وَقَاتل واغدودن واعْلَوَّط قد خرجت هَذِه الأَفعال إِلى مَعانٍ بالزوائد لَوْلَا هَذِه الزَّوَائِد لم تعلم إِذا قلت استخرج فَمَعْنَاه أَنَّه طلب أَن يخرج إِليه وَإِذا قلت: (فَاعل) وَجب أَن يكون الْفِعْل من اثْنَيْنِ وإِذا قلت (فاعَلَ) فقد كثَّرت الْفِعْل والأَسماءُ لَا يكون فِيهَا شيءٌ من هَذَا إِلاَّ الَّتِي تُبنى على أَفعالها نَحْو مستخرج ومنطلق فإِنَّها بَعْدُ رَاجِعَة إِلى الأَفعال وَقَالَ قوم لمّا كَانَت الأَسماءُ هِيَ الَّتِي يخبر عَنْهَا وإِنَّما الأَفعال آلَة لَهَا جعلت لَهَا على الأَفعال فَضِيلَة تبيّن بهَا حَال تَمَكُّنها وكلّ الأَقاويل حسن / جميل وَهَذَا الأَخير قَول المازنيِّ

بَاب مصطفين[عدل]

قَالَ أَبو العبّاس وَهَذَا أَيضا ممّا لم يفسّر إِذا كَانَ الِاسْم مَقْصُورا فإِنَّما تأْويل قَصْره أَن يكون آخِره أَلفا والأَلف لَا تدْخلهَا الحركات وَلَا تكون أَصلا إِنَّما هِيَ منقلبة من ياءٍ أَو وَاو أَو تكون زَائِدَة فأَمّا المنقلبة فنحو أَلف قفا وإِنَّما هِيَ وَاو قَفَوْت وحصى إِنَّما هِيَ منقلبة عَن ياءٍ تَقول إِذا جمعت حَصَيات كَمَا أَنَّها فِي الفِعْل كَذَلِك تَقول رميت وغزوت وَتقول لغيرك رمى وغزا والزائدة مثل أَلف حُبْلى لأَنَّه من الحبَل وَكَذَلِكَ مِغْزى وحَبَنْطي من قَوْلك مَغْز وحَبِط بطنُه فَهَذِهِ الأَلف لَا يدخلهَا إِعراب ولكنَّها تنوّن إِذا كَانَ الِاسْم منصرفا وَيتْرك / تنوينها إِذا كَانَ ممّا لَا ينْصَرف فإِذا ثَنَّيْت اسْما هِيَ فِيهِ وَالِاسْم على ثَلَاثَة أَحرف أَبدلت مِنْهَا مَا كَانَ أَصلَها فتظهر الْوَاو أَو الياءُ لأَنَّها فِي مَوضِع حَرَكَة والأَلف لَا تتحرّك تَقول فِي تَثْنِيَة قفا قَفَوان وَفِي تَثْنِيَة رَحَى رَحَيَان كَمَا كنت قَائِلا فِي الْفِعْل غَزَوَا إِذا ثنَّيت لأَنَّه من غزوت ورَمَيَا لأَنَّه من رمَيْت وإِذا كَانَت الأَلف رَابِعَة فَصَاعِدا رجعت إِلى الياءِ على كلّ حَال تَقول غَزَوت ثمَّ تَقول أَغْزَيت واستغزيت وَكَذَلِكَ الِاسْم تَقول فِي تَثْنِيَة مَلْهى ومُستغزّى ملهَيَان ومُستغزَيان فأَمّا الياءَات فَلَا تحْتَاج إِلى تَفْسِيرهَا لأَنَّ الْوَاو إِليها تصير فَيصير اللَّفْظ بهما وَاحِدًا فإِذا أَردت الْجمع على جِهَة التَّثْنِيَة - وَذَلِكَ لَا يكون إِلاَّ لما يعقل - تَقول مسلمان ومسلمون وصالحان / وصالحون فعلى هَذَا تَقول فِي جمع مصطفى مُصْطَفَوْن وَكَانَ الأَصل على مَا أَعطيتك مصطفَيُون وَقبل أَن تنْقَلب مصطفَوُون ولكنَّها لمّا صَارَت أَلفا لم يجز أَن تردّ إِلى ضمّة وَلَا إِلى كسرة لعلَّتين إِحداهما استثقال الضمّة والكسرة فِي الْموضع الَّذِي تنْقَلب الْوَاو والياءُ فِيهِ أَلفين للفتحة قبلهمَا وَالثَّانيَِة أَنَّه لَا نَظِير لَهُ فَيخرج عَن حدّ الأَسماءِ والأَفعال فإِن كَانَ فِي مَوضِع فتح ثَبت لأَنَّ الفتحة أَخفُّ ولأَنَّ لَهُ نظيرا فِي الأَسماءِ والأَفعال فأَمَّا فِي الأَفعال فإِنَّك تَقول للْوَاحِد غَزا وللاثنين غَزَوَا لئلاَّ يلتبس الْوَاحِد بالاثنين وَكَذَلِكَ رمى ورميَا وأَمّا فِي الأَسماءِ فقولك النزَوان والغثَيان لأَنَّك لَو حذفت لالتبس بفَعال من غير المعتلّ وَقَوْلنَا الفتحة أَخفُّ قد بَان لَك أَمرها تَقول هَذَا زيد / ومررت بزيد فَلَا تعوّض عَن التَّنْوِين لأَنَّ قبله كسرة أَو ضمّة وَتقول رأَيت زيدا فتبدل مِنْهُ أَلفا من أَجل الفتحة وَتقول رأَيت قَاضِيا وتسكِّن الياءَ فِي الْخَفْض وَالرَّفْع فِي الْوَقْف والوصل ثمّ تذْهب لالتقاءِ الساكنين وَهُوَ التَّنْوِين الَّذِي يلْحقهَا وَهِي سَاكِنة وَتقول فِي فَخِذ - إِن شِئْت - فَخْذ وَفِي عَلِمَ عَلْمَ وَكَذَلِكَ فِي عَضُد ورَجُل عَضْد ورَجْل وَلَا يجوز الإِسكان فِي جَمَل وَمَا كَانَ مثله فعلى هَذَا تَقول هما مصطَفيان وهما الأَشقَيان وأَعجبني قفَواهما ورأَيت قَفَوَيْهما والمصطفَيَيْن فإِذا كَانَ الْجمع لحقت الْوَاو هَذِه الأَلف الَّتِي كَانَت فِي مِغْزى ومصطفى وَالْوَاو سَاكِنة وَكَذَلِكَ هَذِه الأَلف فحذفت الأَلف لالتقاءِ الساكنين فَبَقيت وَاو الْجمع أَو ياءُ الْجمع وَمَا قبل كلّ وَاحِد مَفْتُوح لأَنَّه كَانَ مَفْتُوحًا قبل الأَلف فحذفت الأَلف وَبَقِي الشيءُ على حَاله

هَذَا بَاب الْمُضمر الْمُتَّصِل[عدل]

اعْلَم أَنَّ كلّ مَوضِع تقدر فِيهِ على الْمُضمر متَّصلا فالمنفصل لَا يَقع فِيهِ تَقول قُمْت وَلَا يصلح قَامَ أَنا وَكَذَلِكَ ضربتك لَا يصلح ضربت إِيّاك وَكَذَلِكَ ظننتك قَائِما ورأَيتني وَلَا يصلح رأَيت إِيَّاي فإِن كَانَ مَوضِع لَا يَقع فِيهِ المتَّصل وَقع فِيهِ الْمُنْفَصِل هَذَا جملَة هَذَا تَقول أَنت قُمْت فتظهر أَنت لأَنَّ التاءَ الَّتِي تكون فِي فَعَلْت لَا تقع هَاهُنَا وَتقول مَا جاءَك إِلاَّ أَنا وَمَا جاءَني إِلاَّ أَنت وَمَا ضربت إِلاَّ إِياك وإِيَّاك ضربت لأَنَّ الْكَاف الَّتِي فِي ضربتك لَا تقع هَاهُنَا لَا تَقول كضربت وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا وَاعْلَم أَنَّ ضمير الْمَرْفُوع التاءُ يَقُول المتكلِّم إِذا عَنى نَفسه ذكرا كَانَ أَو أُنثى قمتُ وذهبتُ وإِن عَنى غَيره / كَانَت التاءُ على حَالهَا إِلاَّ أَنَّها مَفْتُوحَة للمذكَّر ومكسورة للمؤنَّث تَقول فعلتَ يَا رجل وفعلتِ يَا امرأَة فإِن ثنَّى المتكلِّم نَفسه أَو جمعهَا بأَن يكون مَعَه وَاحِد أَو أَكثر قَالَ فعلنَا وَلم يجز فعل نَحن لما ذكرت لَك وإِن ثنَّى الْمُخَاطب قَالَ فعلتما ذكرين كَانَا أَو أُنثيين وَقد تقدّم تَفْسِير هَذَا وَلَا يجوز فَعَلَ أَنتما فإِن جمع فَكَانَ المخاطبون ذُكُورا قَالَ فَعلْتُمْ وَلَا يَقُول فعل أَنتم وإِذا كنَّ إِناثا قَالَ فعلتنّ وَلَا يجوز فعل أَنتنّ فإِن خبّر عَن ذكر كَانَت علامته فِي النيّة ودلّ عَلَيْهَا مَا تقدّم من ذكره فَقَالَ زيد قَامَ وَزيد ذهب فإِن ثنَّى أَلحق الأَلف فَقَالَ أَخواك قاما وإِن جمع أَلحق واوا مكانَ الأَلف وَقَالَ إِخوتك قَامُوا فإِذا كَانَ للْغَائِب مؤنَّثا فَكَذَلِك نقُول فِي الْوَاحِد هِنْد قَامَت التاءُ عَلامَة الأْنيث وَالضَّمِير فِي النيَّة كَمَا كَانَ فِي المذكَّر وإِن ثنَّى أَلحق الأَلف (بِكَ) للمخاطب وتكسر الْكَاف للمؤنَّث وَتقول فِي الْغَائِب رأَيته ومررت بِهِ ورأَيتها ومررت بهَا للمؤنَّث ورأَيتهما ومررت بهما للمذكَّر والمؤنَّث ورأَيتهم ومررت بهم للمذكَّر ورأَيتهنّ ومررت بهنَّ للمؤنَّث ورأَيتكنَّ ومررت بكنّ للمخاطبات وللمذكَّر رأَيتكم ومررت بكم وَكَذَلِكَ تَقول هَذَا الضاربي والياءُ فِي مَوضِع نصب وَهَذَا المارّ بِي والياءُ فِي مَوضِع خفض فأَما قَوْلك ضَرَبَنِي وأَكرمني فإِنَّما الِاسْم الياءُ وَهَذِه النُّون زَائِدَة زادوها عمادا للْفِعْل لأَنَّ الأَفعال لَا يدخلهَا كسر وَلَا جر وَهَذِه الياءُ تكسر مَا قبلهَا تَقول هَذَا غلامِي ورأَيت غلامِي فتكسر الْمِيم الَّتِي موضعهَا مَرْفُوع ومنصوب فزيدت هَذِه النُّون لتسلم فَتْحة الْفِعْل فِي الْمَاضِي وإِعرابه فِي إِعرابه وَذَاكَ ضَرَبَنِي ويضربني كَمَا تفعل فِي الْخَفْض إِذا أَردت سَلامَة مَا قبل الياءِ تَقول مِيِّي وعنِّي لأَنَّ (مِنْ) و (عنْ) لَا تحرّك نونهما لأَنَّهما حُرُوف مبنيّة وَكَذَلِكَ قَطْني / وقَدْنِي وَمَا كَانَ مثل ذَلِك وإِنَّما زيدت النُّون لأَنَّها تزاد فِي الأَواخر كالتنوين الَّذِي يلْحق الأَسماءِ والنونِ الْخَفِيفَة والثقيلة الَّتِي تلْحق الأَفعال وَالنُّون الَّتِي تزاد مَعَ الأَلف فِي فَعْلان وَالنُّون حرف أَعنّ مضارع حُرُوف المدّ واللين

هَذَا بَاب الإِضمار الَّذِي يلْحق الْوَاحِد الْغَائِب وَتَفْسِير أَصله وأَين يجوز أَن يُبدل من الْوَاو الَّتِي تلحقها الياءُ والعلَّة فِي ذَلِك[عدل]

فالأَصل فِي هَذَا الضَّمِير أَن تتبع هاءَه وَاو فالاسم الهاءُ وحدَها وَالْوَاو تلحقها لخفاءِ الهاءِ فإِذا وقفت وقفت بالهاءِ وَحدهَا لئلاَّ يكون الْوَاو بِمَنْزِلَة الْحُرُوف الأَصليّة وَذَلِكَ قَوْلك رأَيتهْ وأَعطيتهْ إِذا وقفت فإِذا وصلت قلت أَعطيتهو يَا رجل وجاءَني غلامهو فَاعْلَم رأَيت غلامهو يَا فَتى ومررت بغلامهو ومررت بهو و {فَخَسَفْنَا بهُو وَبِدَارِهُو الأَرْضَ} وعليهو مَال وَهَذِه عصاهو يَا فَتى وَهَذَا أَخوهو فَاعْلَم هَذَا الأَصل فِي هَذَا كلِّه فإِن كَانَ قبل هَذِه الهاءِ ياءٌ / أَو كسرة كَانَ الأَحسن أَن تبدل من ضمّتها كسرة - لاستثقالهم الضمّة بعد الياءِ والكسرة - وَمن الْوَاو يَاء وإِن جِئْت بهَا على الأَصل كَمَا بدأْنا بِهِ فعربيّ جيّد فأَمّا مَا كَانَت قبلهَا كسرة فنحو مَرَرْت بهى يَا فَتى وَنزلت فِي دارهى ياهذا وَنَحْو ذَلِك وأَمَّا مَا كَانَ بالياءِ فإِنَّما يصلُح إِذا كَانَت الياءُ سَاكِنة نَحْو نزلت عليهى يَا فَتى وَذَهَبت إِليهى يَا رجل وإِن شِئْت حذفت الَّتِي بعد الهاءِ لسكونها وَسُكُون الياءِ لأَنَّ الهاءَ الَّتِي بَينهمَا حاجز لَيْسَ بحصين فَتَقول نزلت عَلَيْهِ يَا فَتى وَذَهَبت إِليه فَاعْلَم وَكَذَلِكَ تفعل بِمَا كَانَ مثله نَحْو قَوْله عزَّ وجلّ {فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ} لأَنَّ هَذَا يشبّه بالتقاءِ الساكنين لخفاءِ الهاءِ فإِن كَانَت الياءُ متحرّكة لم يكن ذَلِك لأَنَّ الْحَرَكَة حاجزة بَينهمَا تَقول رأَيت قاضيَهو يَا فَتى وكلَّمت غازيهو فَاعْلَم فإِن كَانَت هَذِه الهاءُ لمؤنث لزمتها الأَلف والفتحة للفصل بَين المؤنّث والمذكَّر وجري ذَلِك فِي الْوَقْف مجْرَاه فِي الْوَصْل لخفَّة الفتحة والأَلف كَمَا أَنَّك تَقول رأَيت زيدا فِي النصب وتقف فِي الرّفْع والخفض بِغَيْر وَاو وَلَا ياءٍ وَذَلِكَ قَوْلك رأَيتها وضربتها وَهَذَا غازيْها ورأَيت قاضيَها

هَذَا بَاب مَا يخْتَار فِيهِ حذف الْوَاو والياءِ من هَذِه الهاءَات[عدل]

اعْلَم أَنَّه إِذا كَانَ قبل هاءِ المذكَّر ياءٌ سَاكِنة أَو وَاو سَاكِنة أَو أَلف كَانَ الَّذِي يخْتَار حذف الْوَاو والياءِ بعْدهَا وَذَلِكَ لأَنَّ قبلهَا حرف لين وَهِي خفيّة وَبعدهَا حرف لين فكرهوا اجْتِمَاع حرفين ساكنين كِلَاهُمَا حرف لين لَيْسَ بَينهمَا إِلاَّ حرف خفيّ مخرجه مخرج الأَلف وَهِي إِحْدَى / هَذِه الثَّلَاث وَذَلِكَ قَوْله {فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ} {وَعَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} وفِيْهِ بَصَائِرُ ورأَيت قَفاهُ يَا فَتى وإِن أَتممت فعربيّ حسن وَهُوَ الأَصل وَهُوَ الِاخْتِيَار لما ذكرت لَك فإِن كَانَ قبل الهاءِ حرف سَاكن لَيْسَ من هَذِه الْحُرُوف فإِنَّ سِيبَوَيْهٍ والخليل يختاران الإِتمام والحذف عِنْدِي أَحسن وَذَلِكَ قَوْله {مِنْهُ آيَات محكمات} وَمن لدْنهُ يَا فَتى فِي إِلا وسيبويه والخليل يختاران {إِتمام} الْوَاو لما ذكرت لَك فالإِتمام {عِنْدهمَا أَجود} لأَنَّها قد خرجت من حُرُوف اللين تَقول رأَيت يَا فَتى وَاعْلَم أَنَّ الشعراءَ يضطرون {فيحذفون} هَذِه الياءَ وَالْوَاو ويبقون الْحَرَكَة لأَنَّها لَيست بأَصل {كَمَا يحذفون} سَائِر الزَّوَائِد فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر

(فإِنْ يكُ غَثَّا أَو سَمينا فإِنَّني ... سأَجعَلُ عَيْنيْهِىْ لنفسهِ مَقْنَعا)

وَقَالَ الآخر

(وَمَا لهُ من مَجْدٍ قديمٍ وَلَا لهُ ... منَ الرّيح حَظٌ لَا الجَنُوبِ وَلَا الصَّبا) أَو أَكثر قَالَ فعلنَا وَلم يجز فعل نَحن وَلما ذكرت لَك

(لهُ زَجَلٌ كأَنَّهُ صَوْتُ حادٍ ... إِذا طلب الوسِيْقَةَ أَو زَمِيرُ)

وَهَذَا كثير فِي الشّعْر جدّا وَقد اضطرّ الشَّاعِر أَشدَّ من هَذِه الضَّرُورَة فَحذف الْحَرَكَة مَعَ الْحَرْف وَكَانَ ذَلِك جَائِزا لأَنَّها زِيَادَة وَهُوَ قَوْله

(فَظلتُ لَدَى البيتِ الْعَتِيق أُريغْهُ ... ومِطْوايَ مُشْتاقان لَهُ أَرِقانِ)

هَذَا بَاب إِضمار جمع المذكَّر[عدل]

اعْلَم أَنَّ حدّ الإِضمار أَن يكون كافا وميما وواوا إِذا كَانَ المخاطبون مذكَّرِين فَتَقول ضربتكمو يَا قوم ورأَيتكمو المنطلقين وإِنَّما كَانَت الْوَاو لهَذَا لَازِمَة لأَنَّ التَّثْنِيَة رأَيتكما وإِذا لَزِمت التثنيةَ الأَلف لَزِمت الْجمع الْوَاو كَقَوْلِك مسلمان ومسلمون ولكنَّك تحذف إِن شِئْت هَذِه الْوَاو اسْتِخْفَافًا / فَتَقول رأَيتكمْ وضربتكمْ وإِنَّما كَانَ ذَلِك لأَنَّ التَّثْنِيَة تلزمها الأَلفُ فَلَا يكون هَا هُنَا التباس فإِن قَالَ قَائِل فَلم لم تحذف الأَلف من الِاثْنَيْنِ وَتبقى الْوَاو فِي الْجمع قيل لما تقدّم ذكره مِنْ خفَّة الفتحة والأَلف أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي الْمُؤَنَّث مَرَرْت بهَا فَلَا تقف إِلاَّ بالأَلف وَفِي وقف المذكَّر مَرَرْت بهْ ورأَيتهْ بِغَيْر ياءٍ وَلَا وَاو كَمَا وصفت لَك فِي قَوْلك مَرَرْت بزيْد ورأَيت زيدا فإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالكم إِذا قُلْتُمْ رأَيتكم حذفتم الْوَاو وَلم تثبتوا الْحَرَكَة قيل لأَنَّ الضمّة فِي الاستثقال مَعَ هَذَا كالواو وإِنَّما بقيت الْحَرَكَة فِي الْوَاحِد فِي قَوْله {مِنْهُ آيَات محكمات} و {عَلَيْهِ مَا حمل} لأَنَّ مَا قبل الهاءِ سَاكن فَلم يجز إِسكانها فيلتقي ساكنان وإِن خبّرت عَن جمَاعَة مخاطبين أَنَّهم فعلوا فحقُّه أَن يُقَال فعلتمو وذهبتمو كَمَا يُقَال للاثنين فعلتما وأَمَّا الْكَاف فِي ضربتكم فإِنَّما جاءَت لأَنَّها ضمير / الْمَنْصُوب والمخفوض ثمّ لحقها زِيَادَة للْجمع أَلا ترى أَنَّك تَقول ضربتك وضربتكما وضربتكمو وَتقول إِذا كَانُوا فاعلين ضربت ضربتما وضربتمو وَتقول ضَرَبْتُمْ بِغَيْر وَاو لما أَخبرتك فِي أَوّل الْبَاب فَهَذَا ذَاك بِعَيْنِه فإِن كَانَ المذكَّرون غُيَّابا وضعت الهاءَ مَكَان الْكَاف إِذا كَانُوا منصوبين أَو مخفوضين تَقول رأَيتهمو يَا فَتى ومررت بهمو فَاعْلَم وَيجوز الْحَذف وَيكون حسنا يختاره أَكثر النَّاس كَمَا كَانَ فِي المخاطبين إِلاَّ أَنَّه يجوز فِي الهاءِ أَن تكسر إِذا كَانَ قبلهَا كسرة أَو ياءٌ فَتَقول مَرَرْت بهِمى وَنزلت عليهِمى وَمن حذف قَالَ مَرَرْت بهِمْ وَنزلت عليْهِمْ وإِنَّما جَازَ هَذَا فِي الهاءِ لخفائها كَمَا ذكرت لَك فِي الْوَاحِد وَمِنْهُم من يكسر الهاءَ لخفائها ويدع مَا بعْدهَا مضموما لأَنَّه لَيْسَ من الْحُرُوف الخفيّة فَيَقُول مَرَرْت بهِمو والإِتباع أَحسن وَهُوَ أَن يَقُول مَرَرْت بهِمِى وَنزلت عليهِمى وناس من بكر بن وَائِل يُجْرون الْكَاف مُجْرَى الهاءِ إِذ كَانَت مهموسة مثلهَا / وَكَانَت عَلامَة إِضمار كالهاءِ وَذَلِكَ غلط مِنْهُم فَاحش لأَنَّها لم تشبهها فِي الخفاءِ الَّذِي من أَجله جَازَ ذَلِك فِي الهاءِ وإِنَّما يَنْبَغِي أَن يجْرِي الْحَرْف مجْرى غَيره إِذا أَشبههه فِي علَّته فَيَقُولُونَ مَرَرْت بكِم وينشدون هَذَا الْبَيْت

(وإِن قَالَ مَوْلَاهُم على جُلِّ حادثٍ ... منَ الدَّهْر رُدُّوا فَضْلَ أَحلامِكِمْ رَدّوا)

وَهَذَا خطأْ عِنْد أَهل النّظر مَرْدُود وَاعْلَم أَنَّ المذكَّر الْوَاحِد لَا تظهر لَهُ عَلامَة فِي الْفِعْل وَذَلِكَ قَوْلك زيد قَامَ وإِنَّما ضَمِيره فِي النيّة وإِنَّما كَانَ للمخاطب عَلامَة الْجِهَة حرف المخاطبة فإِن ثنَّيت الْغَائِب أَلحقته أَلفا فَقلت فَعَلا وإِن جمعته أَلحقت واوا فَقلت فَعَلُوا لأَنَّ الأَلف إِذا لحقت فِي التَّثْنِيَة لحقت الْوَاو فِي الْجمع فأَمّا (يَفْعَلُونَ) وَمَا كَانَ مثله فإِنَّا أَخَّرنا ذكره حتَّى نذكرهُ فِي إِعراب الأَفعال وَاعْلَم أَنَّ الْمُؤَنَّث يجْرِي فِيمَا ذكرنَا مجْرى المذكَّر إِلاَّ أَنَّ عَلامَة المؤنَّث الْمُخَاطب أَن يلْحقهُ الكسرة لأَنَّ الكسرة / ممّا تونِّث وَجمع المؤنَّث بالنُّون مكانَ الْمِيم فكلّ مَوضِع {لَا تكون عَلامَة المذكَّر} فِيهِ واوا فِي الأَصل فالنون للمؤنَّث فِيهِ مضاعفة ليَكُون الحرفان بإِزاءِ الحرفين وكلّ مَوضِع {عَلامَة} المذكَّر {فِيهِ} الْوَاو وَحدهَا فنون الْمُؤَنَّث فِيهِ مُفْردَة وَتقول فِيمَا كَانَ لمؤنث ضربتنّ وقلتن وَقلت للمذكَّرين ضربتمو وقلتمو وَفِي الْمَفْعُول (ضربتكنّ) كَمَا تَقول ضربتكمو وأَكرمتكمو والموضع الَّذِي تكون فِيهِ مُفْردَة ضربْنَ كَمَا تَقول للمذكَّرين ضربُوا وأَكرمُوا فَلَا تلْحق إِلاَّ واوا وَاحِدَة فإِن قلت فَمَا بَال الْوَاو سَاكِنة وَنون جمع المؤنَّث متحرّكة قيل نون التأْنيث أَصلها السّكُون ولكنَّها حرَّكت لالتقاءِ الساكنين لأَنَّ مَا قبلهَا لَا يكون إِلاَّ سَاكِنا فإِ، قيل فَلم فتحت فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّها نون جمع فَحملت على نظيرها وَمن قَالَ قمتمْ وضربتمْ لم يحذف إِحدى النونين لأَنَّها إِنّما تحذف هَاهُنَا استثقالا للضمّة وَالْوَاو وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ / الأَصل إِثباتها وإِنَّما هِيَ فِي المؤنَّث نون مدغمة - فإِذا أَدغمت الْحَرْف فِي الْحَرْف رفعت لسَانك رَفْعةً وَاحِدَة تمّ بِحَمْد الله

هَذَا بَاب إِعْرَاب الْأَفْعَال المضارعة وَكَيف صَار الْإِعْرَاب فِيهَا دون سَائِر الْأَفْعَال؟[عدل]

علم أَن الْأَفْعَال إِنَّمَا دَخلهَا الْإِعْرَاب لمضارعتها الْأَسْمَاء وَلَوْلَا ذَلِك لم يجب أَن يعرب مِنْهَا شَيْء وَذَلِكَ أَن الْأَسْمَاء هِيَ المعربة وَمَا كَانَ غير الْأَسْمَاء فمآله لَهَا وَهِي الْأَفْعَال والحروف وَإِنَّمَا ضارع الْأَسْمَاء من الْأَفْعَال مَا دخلت عَلَيْهِ زَائِدَة من الزَّوَائِد الْأَرْبَع الَّتِي توجب الْفِعْل غير ماضي وَلكنه يصلح لوقتين لما أَنْت فِيهِ وَلما لم يَقع والزوائد الْألف وَهِي عَلامَة الْمُتَكَلّم وحقها أَن يُقَال همزَة وَالْيَاء وَهِي عَلامَة الْغَائِب وَالتَّاء وَهِي عَلامَة الْمُخَاطب وعلامة الْأُنْثَى الغائبة وَالنُّون وَهِي للمتكلم إِذا كَانَ مَعَه غَيره وَذَلِكَ قَوْلك أفعل أَنا وَتفعل أَنْت أَو هِيَ ونفعل نَحن وَيفْعل هُوَ وَإِنَّمَا قيل لَهَا مضارعة لِأَنَّهَا تقع مواقع الْأَسْمَاء فِي الْمَعْنى تَقول زيد يقوم وَزيد قَائِم فَيكون الْمَعْنى فيهمَا واحداَ كَمَا قَالَ عز وَجل {وَإِن رَبك ليحكم بَينهم} أَي الْحَاكِم وَتقول زيد يَأْكُل فيصلح أَن يكون فِي حَال أكل وَأَن يَأْكُل فِيمَا يسْتَقْبل كَمَا تَقول زيد آكل أَي فِي حَال أكل وَزيد آكل غَدا وتلحقها الزَّوَائِد لِمَعْنى كَمَا تلْحق الْأَسْمَاء الْألف وَاللَّام للتعريف وَذَلِكَ قَوْلك سيفعل وسوف يفعل وتلحقها اللَّام فِي (إِن زيدا ليفعل) ُ فِي مَعْنَاهُ لفاعل فالأفعال ثَلَاثَة أَصْنَاف مِنْهَا هَذَا الْمُضَارع الَّذِي ذَكرْنَاهُ و (َفعَلَ) وَمَا كَانَ لمعناه لما مضى وقولك (أفعلْ) فِي الْأَمر وَهَذَانِ الصنفان لَا يقعان فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَلَا تلحقهما الزَّوَائِد كَمَا تلْحق الْأَسْمَاء فَأَما مَا كَانَ من ذَلِك على (فعَلَ) قلت حُرُوفه أَو كثرت إِذا أحَاط بِهِ معنى (فَعَلَ) نَحْو ضرب وَعلم وكرم وَحمد ودحرج وَانْطَلق واقتدر وكلم واستخرج واغدودن واعلوط وَقَاتل وتقاتل وكل مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنى وَكَذَلِكَ أَن بنيته بِنَاء مَا لم يسم فَاعله نَحْو ضرب ودحرج واستخرج فَهَذَا كُله مَبْنِيّ على الْفَتْح وَكَانَ حق كل مبْنى أَن يسكن آخِره فحرك آخر هَذَا لمضارعته المعربة وَذَلِكَ أَنه ينعَت بِهِ كَمَا ينعَت بهَا تَقول جَاءَنِي رجل ضربنا كَمَا تَقول هَذَا رجل يضربنا وضاربنا وَتَقَع موقع المضارعة فِي الْجَزَاء فِي قَوْلك إِن فعلت فعلتُ فَالْمَعْنى إِن تفعل أفعل فَلم يسكنوها كَمَا لم يسكنوا من الْأَسْمَاء مَا ضارع المتمكن وَلَا مَا جعل من المتمكن فِي مَوضِع بِمَنْزِلَة غير المتمكن فالمضارع من الْأَسْمَاء من عل يَا فَتى لم يسكنوا اللَّام لِأَنَّهُ فِي النكرَة من عل يَا فَتى والمتمكن الَّذِي جعل فِي مَوضِع بِمَنْزِلَة غير المتمكن قَوْلهم إبدأ بِهَذَا أَولا وَيَا حكم وَأما الْأَفْعَال الَّتِي تقع لِلْأَمْرِ فَلَا تضارع المتمكن لِأَنَّهَا لَا تقع موقع الْمُضَارع وَلَا ينعَت بهَا فَلذَلِك سكن آخرهَا فَإِن قَالَ قَائِل هِيَ معربة مجزومة لِأَن مَعْنَاهَا الْأَمر أَلا ترى أَن قَوْلك أضْرب بِمَنْزِلَة قَوْلك ليضْرب زيد فِي الْأَمر فَقَوله ذَلِك يبطل من وُجُوه مِنْهَا قَوْلك صه ومه وقدك فِي مَوضِع الْأَمر وَكَذَلِكَ حذار ونزال وَنَحْوهمَا فقد يَقع الشَّيْء فِي معنى الشَّيْء وَلَيْسَ من جنسه وَمن الدَّلِيل على فَسَاد قَوْله أَن هَذِه الْأَفْعَال المضارعة فِي الْأَعْرَاب كالأسماء المتمكنة والأسماء إِذا دخلت عَلَيْهَا العوامل لم تغير أبنيتها إِنَّمَا تحدث فِيهَا الْأَعْرَاب وَكَذَلِكَ هَذِه الْأَفْعَال تلحقها العوامل فَتحدث لَهَا الْإِعْرَاب بالزوائد الَّتِي لحقتها وَهِي التَّاء والهمزة وَالنُّون وَالْيَاء اللواتي فِي يفعل وَتفعل ونفعل وأفعل فَإِذا قلت (افعلْ) فِي الْأَمر لم تلحقها عَاملا وَلم تقررها على لَفظهَا أَلا ترى أَن الجوازم إِذا لحقتها لم تغير اللَّفْظ نَحْو قَوْلك لم يضْرب زيد وَإِن تذْهب أذهب وَكَذَلِكَ ليذْهب زيد وَلَا يذهب عبد الله فَإِنَّمَا يلْحقهَا الْعَامِل وحروف المضارعة فِيهَا وَأَنت إِذا قلت اذهبْ فَلَيْسَ فِيهَا عَامل وَلَا فِيهَا شَيْء من حُرُوف المضارعة فَإِن قَالَ قَائِل الْإِضْمَار يعْمل فِيهَا قيل هَذَا فَاسد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْفِعْل لَا يعْمل فِيهِ الْإِضْمَار إِلَّا أَن يعوض من الْعَامِل وَالثَّانِي أَنه لَو كَانَ ينجزم بجازم مُضْمر لَكَانَ حرف المضارعة فِيهِ الَّذِي بِهِ يجب الْإِعْرَاب لِأَن الْمُضمر كَالظَّاهِرِ أَلا ترى لَو أَنَّك أردْت إِضْمَار لم وَكَانَ هَذَا مِمَّا يجوز من قَوْلك لم يضْرب فحذفت لم لبقيت يضْرب على لَفظهَا وَمَعَهَا لم فَإِن قَالَ قَائِل فَلم بناه على مِقْدَار المضارعة نَحْو اضْرِب وَانْطَلق فقد كسرت كَمَا تَقول بِضَرْب وينطلق وَكَذَلِكَ أقتل كَمَا تَقول يقتل قيل إِنَّمَا لحقت هَذِه البنية لِأَنَّهُ لما لم يَقع وَكَذَلِكَ صُورَة مَا لم يَقع فَهَذَا احتجاج مغن وَفِيه مَا هُوَ أَكثر من هَذَا

هَذَا بَاب تَجْرِيد إِعْرَاب الْأَفْعَال[عدل]

اعْلَم أَن هَذِه الْأَفْعَال المضارعة ترْتَفع بوقوعها مواقع الْأَسْمَاء مَرْفُوعَة كَانَت الْأَسْمَاء أَو مَنْصُوبَة أَو مخفوضة فوقوعها مواقع الْأَسْمَاء هُوَ الَّذِي يرفعها وَلَا تنتصب إِذا كَانَت الْأَسْمَاء فِي مَوضِع نصب وَلَا تنخفض على كل حَال وَإِن كَانَت الْأَسْمَاء فِي مَوضِع خفض فلهَا الرّفْع لِأَن مَا يعْمل فِي الِاسْم لَا يعْمل فِي الْفِعْل فَهِيَ مَرْفُوعَة لما ذكرت لَك حَتَّى يدْخل عَلَيْهَا مَا ينصبها أَو يجزمها وَتلك عوامل لَهَا خَاصَّة لَا تدخل على الْأَسْمَاء كَمَا لَا تدخل عوامل الْأَسْمَاء عَلَيْهَا فَكل على حياله فَأَما مَا كَانَ مِنْهَا فِي مَوضِع رفع فقولك يقوم زيد يقوم فِي مَوضِع الْمُبْتَدَأ وَكَذَلِكَ زيد يقوم وَيقوم فِي مَوضِع الْخَبَر وَإِن زيدا يقوم يقوم فِي مَوضِع خير إِن وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي مَوضِع الْمَنْصُوب فنحو كَانَ زيد يقوم يَا فَتى وظننت زيدا يقوم وَمَا كَانَ فِي مَوضِع الْمَجْرُور فنحو مَرَرْت بِرَجُل يقوم ومررت بِرَجُل يقوم أَبوهُ فَإِذا أدخلت على هَذِه الْأَفْعَال السِّين أَو سَوف فقد منعتها بهَا من كل عَامل وسيأتيك هَذَا مُبينًا فِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب الْحُرُوف الَّتِي تنصب الْأَفْعَال[عدل]

فَمن هَذِه الْحُرُوف أَن وَهِي وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة مصدره إِلَّا أَنه مصدر لَا يَقع فِي الْحَال - إِنَّمَا يكون لما لم يَقع أَن وَقعت على الْمُضَارع وَلما مضى أَن وَقعت على ماضي فَأَما وُقُوعهَا على الْمُضَارع فنحو يسرني أَن تقوم الْمَعْنى يسرني قيامك لِأَن الْقيام لم يَقع والماضي يسرني أَن قُمْت فَأن هِيَ أمكن الْحُرُوف فِي نصب الْأَفْعَال وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول لَا ينْتَصب فعل الْبَتَّةَ إِلَّا بِأَن مضمرة أَو مظهرة وَلَيْسَ القَوْل كَمَا قَالَ لما نذكرهُ إِن شَاءَ الله وَمن هَذِه الْحُرُوف لن وَهِي نفي قَوْلك سيفعل تَقول لن يقوم زيد وَلنْ يذهب عبد الله وَلَا تتصل بالقسم كَمَا لم يتَّصل بِهِ سيفعل وَمن هَذِه الْحُرُوف كي تَقول جِئْت كي تكرمني وكي يَسُرك زيد وَمِنْهَا إِذن تَقول إِذن يَضْرِبك زيد فَهَذِهِ تعْمل فِي الْأَفْعَال عمل عوامل الْأَسْمَاء فِي الْأَسْمَاء إِذا قلت ضربت زيدا وأشتم عمرا - وَأعلم أَن هَا هُنَا حروفا تنتصب بعْدهَا الْأَفْعَال وَلَيْسَت الناصبة وَإِنَّمَا أَن بعْدهَا مضمرة فالفعل منتصب ب أَن وَهَذِه الْحُرُوف عوض مِنْهَا ودالة عَلَيْهَا فَمن هَذِه الْحُرُوف الْفَاء وَالْوَاو وأو وَحَتَّى وَاللَّام الْمَكْسُورَة _ فَأَما اللَّام فلهَا موضعان أَحدهمَا نفي وَالْآخر إِيجَاب وَذَلِكَ قَوْله جئْتُك لأكرمك وَقَوله عز وَجل {ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر} فَهَذَا مَوضِع الْإِيجَاب وَمَوْضِع النَّفْي مَا كَانَ زيد ليقوم وَكَذَلِكَ قَوْله تبَارك وَتَعَالَى {مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ} (وَمَا كانَ اللهُ لِيُعَذِبّهُمْ وأنتَ فِيهِم} فَأن بعد هَذِه اللَّام مضمرة وَذَلِكَ لِأَن اللَّام من عوامل الْأَسْمَاء وعوامل الْأَسْمَاء لَا تعْمل فِي الْأَفْعَال فَأن بعْدهَا مضمرة فَإِذا أضمرت أَن نصبت بهَا الْفِعْل وَدخلت عَلَيْهَا اللَّام لِأَن أَن وَالْفِعْل أسم وَاحِد كَمَا أَنَّهَا وَالْفِعْل مصدر فَالْمَعْنى جِئْت لِأَن أكرمك أَي جِئْت لإكرامك كَقَوْلِك جِئْت لزيد فَإِن قلت مَا كنت لأضربك فَمَعْنَاه مَا كنت لهَذَا الْفِعْل _ وَأما الْفَاء وأو ففيهما معَان تفسر على حيالها بعد فراغنا من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله وَكَذَا حَتَّى وَإِذن وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول إنَّ أنْ بعد إِذن مضمرة وَكَذَلِكَ لن وَإِنَّمَا هِيَ لَا أَن وَلَكِنَّك حذفت الْألف من لَا والهمزة من أَن وجعلتهما حرفا وَاحِدًا وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ وَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيل لفسد هَذَا الْكَلَام لِأَن زيدا كَانَ ينْتَصب بِمَا فِي صلَة أَن وَلَكِن لن حرف بِمَنْزِلَة أَن وَأما كي فَفِيهَا قَولَانِ أما من أَدخل اللَّام فَقَالَ لكَي تقوم يَا فَتى فَهِيَ عِنْده وَالْفِعْل مصدر كَمَا كَانَ ذَلِك فِي أَن وَأما من لم يدْخل عَلَيْهَا اللَّام فَقَالَ كيمه كَمَا تَقول لمه وَأَن عِنْده بعْدهَا مضمرة لِأَنَّهَا من عوامل الْأَسْمَاء كاللام

هَذَا بَاب إِذن[عدل]

أعلم أَن إِذن فِي عوامل الْأَفْعَال كظننت فِي عوامل الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا تعْمل وتلغى كظننت أَلا ترى أَنَّك تَقول ظَنَنْت زيدا قَائِما وَزيد ظَنَنْت قَائِم إِذا أردْت زيد قَائِم فِي ظَنِّي وَكَذَلِكَ إِذن إِذا أعْتَمد الْكَلَام عَلَيْهَا نصب بهَا وَإِذا كَانَت بَين كلامين أَحدهمَا فِي الآخر عَامل أُلغيت وَلَا يجوز أَن تعْمل فِي هَذَا الْموضع كَمَا تعْمل ظَنَنْت إِذا قلت زيدا ظَنَنْت قَائِما لِأَن عوامل الْأَفْعَال لَا يجوز فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّهَا لَا تتصرف فَأَما الْموضع الَّذِي تكون فِيهِ مبتدأه وَذَلِكَ قَوْلك إِذا قَالَ لَك قَائِل أَنا أكرمك قلت إِذن أجزيك وَكَذَلِكَ إِن قَالَ انْطلق زيد قلت إِذن ينْطَلق عَمْرو وَمثله قَول الضبيّ

(اُردُدْ حِماركَ لَا تُنْزَعْ سَوِيَّتُهُ ... إِذن يُرَدَّ وقَيدُ العيْرِ مكروبُ) والموضع الَّذِي لَا تكون فِيهِ عاملة الْبَتَّةَ قَوْلك إِن تأتنى إِذن آتِك لِأَنَّهَا دَاخِلَة بَين عَامل ومعمول فِيهِ وَكَذَلِكَ أَنا إِذن أكرمك وَكَذَلِكَ أَن كَانَت فِي الْقسم بَين الْمقسم بِهِ والمقسم عَلَيْهِ نَحْو قَوْلك وَالله إِذن لَا أكرمك لِأَن الْكَلَام مُعْتَمد على الْقسم فَإِن قدمتها كَانَ الْكَلَام مُعْتَمد عَلَيْهَا فَكَانَ الْقسم لَغوا نَحْو إِذن وَالله أضربك لِأَنَّك تُرِيدُ إِذن أضربك وَالله فَالَّذِي تلغيه لَا يكون مقدما إِنَّمَا يكون فِي أَضْعَاف الْكَلَام أَلا ترى إِنَّك لَا تَقول ظَنَنْت زيد منطلق لِأَنَّك إِذا قدمت الظَّن فَإِنَّمَا تبني كلامك على الشَّك وَإِنَّمَا جَازَ أَن تفصل بالقسم بَين إِذن وَمَا عملت فِيهِ من بَين سَائِر حُرُوف الْأَفْعَال لتصرفها وَأَنَّهَا تسْتَعْمل وتلغى وَتدْخل للابتداء وَلذَلِك شبهت بظننت من عوامل الْأَسْمَاء _ وَأعلم أَنَّهَا إِذا وَقعت بعد وَاو أَو فَاء صلح الإعمال فِيهَا والإلغاء لما أذكرهُ لَك وَذَلِكَ قَوْلك إِن تأتني آتِك وَإِذن أكرمك أَن شِئْت رفعت وَإِن شِئْت نصيب وَإِن شِئْت جزمت أما الْجَزْم فعلى الْعَطف على آتِك وإلغاء إِذن وَالنّصب على إِعْمَال إِذن وَالرَّفْع على قَوْلك وَأَنا أكرمك ثمَّ أدخلت إِذن بَين الِابْتِدَاء وَالْفِعْل فَلم تعْمل شَيْئا وَهَذِه الْآيَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود {وَإذَنْ لاَ يَلبَثوا خَلفَكَ} الْفِعْل فِيهَا مَنْصُوب بِإِذن وَالتَّقْدِير وَالله أعلم الِاتِّصَال بِإِذن وَإِن رفع فعلى أَن الثَّانِي مَحْمُول على الأول كَمَا قَالَ الله عز وَجل {فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا} أَي فهم إِذن كَذَلِك فالفاء وَالْوَاو يصلح بعدهمَا هَذَا الْإِضْمَار على مَا وصفت لَك من التَّقْدِير وان تَنْقَطِع إِذن بعْدهَا مِمَّا قبلهمَا ثمَّ يدخلَانِ للْعَطْف بعد أَن عملت إِذن وَنَظِير ذَلِك قَوْلك إِن تعطني أشكرك وَإِذن أَدْعُو الله لَك كَأَنَّهُ قَالَ إِذن أَدْعُو الله لَك ثمَّ عطف هَذِه الْجُمْلَة على مَا قبلهَا لِأَن الَّذِي قبلهَا كَلَام مستغن وَقد يجوز أَن تَقول إِذن أكرمك إِذا أخْبرت أَنَّك فِي حَال إكرام لِأَنَّهَا إِذا كَانَت للْحَال خرجت من حُرُوف النصب لإن حُرُوف النصب إِنَّمَا معناهنَّ مَا لم يَقع فَهَذِهِ حَال إِذن إِلَى أَن نفرد بَابا لمسائلها إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب الْفَاء وَمَا يتنصب بعْدهَا وَمَا يكون مَعْطُوفًا بهَا على مَا قبله[عدل]

أعلم أَن الْفَاء عاطفة فِي الْفِعْل كَمَا تعطف فِي الْأَسْمَاء تَقول أَنْت تَأتِينِي فتكرمني وَأَنا أزورك فَأحْسن إِلَيْك كَمَا تَقول أَنا آتِيك ثمَّ أكرمك وَأَنا أزورك وَأحسن إِلَيْك هَذَا إِذا كَانَ الثَّانِي دَاخِلا فِيمَا يدْخل فِيهِ الأول كَمَا تكون الْأَسْمَاء فِي قَوْلك رَأَيْت زيدا فعمرا وأتيت الْكُوفَة فالبصرة فَإِن خَالف الأول الثَّانِي لم يجز أَن يحمل عَلَيْهِ فَحمل الأول على مَعْنَاهُ فانتصب الثَّانِي بإضمار إِن وَذَلِكَ قَوْلك مَا تَأتِينِي فتكرمني وَمَا أزورك فتحدثني إِن أَرَادَ مَا أزورك وَمَا تُحَدِّثنِي كَانَ الرّفْع لاغير لِأَن الثَّانِي مَعْطُوف على الأول وَإِن أَرَادَ مَا أزورك فَكيف تُحَدِّثنِي وَمَا أزورك إِلَّا لم تُحَدِّثنِي على معنى كلما زرتك لم تُحَدِّثنِي كَانَ النصب لِأَن الثَّانِي على خلاف الأول وتمثيل نَصبه أَن يكون الْمَعْنى مَا تكون مني زِيَارَة فَيكون حَدِيث مِنْك فَلَمَّا ذهبت بِالْأولِ إِلَى الِاسْم أضمرت أَن إِذْ كنت قد عطفت اسْما على اسْم لِأَن أَن وَمَا عملت فِيهِ اسْم فَالْمَعْنى لم تكن زِيَارَة فإكرام وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ غير وَاجِب وَهُوَ الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام فَالْأَمْر ائْتِنِي فأكرمك وزرني فأعطيك كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(يَا ناقُ سيري عَنَقاً فَسيحاَ ... إِلَى سُليْمانَ فَتَسْتَريحا) وَالنَّهْي مثل لَا تَأتِينِي فأكرمك كَقَوْلِه عز وَجل {لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بِعَذَاب} وَكَقَوْلِه عز وَجل {وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي} والاستفهام أتأتيني فأعطيك لِأَنَّهُ أستفهم عَن الْإِتْيَان وَلم يستفهم عَن الْإِعْطَاء وَإِنَّمَا يكون إِضْمَار أَن إِذا خَالف الأول الثَّانِي لَو قلت لَا تقم فَتضْرب زيدا لجزمت إِذا أردْت لَا تقم وَلَا تضرب زيدا فَإِذا أردْت لَا تقم فَتضْرب زيدا إِي فَإنَّك إِن قُمْت ضَربته لم يكن إِلَّا النصب لِأَنَّك لم ترد ب تضرب النَّهْي فَصَارَ الْمَعْنى لَا يكن مِنْك قيام فَيكون مِنْك ضرب لزيد وَذَلِكَ أتأتيني فأكرمك الْمَعْنى أَيكُون هَذَا مِنْك فَإِنَّهُ مَتى كَانَ مِنْك كَانَ مني إكرام

هَذَا بَاب مسَائِل هَذَا الْبَاب وَمَا يكون فِيهِ مَعْطُوفًا أَو مُبْتَدأ مَرْفُوعا وَمَا لَا يجوز فِيهِ إِلَّا النصب إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر[عدل]

تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني فالنصب يشْتَمل على مَعْنيين يجمعهما أَن الثَّانِي مُخَالف للْأولِ فأحد الْمَعْنيين مَا تَأتِينِي إِلَّا لم تُحَدِّثنِي أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَكِن لست تُحَدِّثنِي وَالْمعْنَى الثَّانِي لَا يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث فاعتباره مَا تَأتِينِي مُحدثا وَكلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي وَالْوَجْه الآخر مَا تَأتِينِي فَكيف تُحَدِّثنِي أَي لَو أتيتني لحدثتني وَأما الرّفْع فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا تَأتِينِي وَمَا تُحَدِّثنِي وَالْآخر شريك للْأولِ دَاخل مَعَه فِي النَّفْي وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي مَا تَأتِينِي وَأَنت تُحَدِّثنِي وتكرمني وَكَذَلِكَ مَا تُعْطِينِي فأشكرك أَي مَا تُعْطِينِي وَأَنا أشكرك على حَال وَمثل ذَلِك فِي الْجَزْم ألم أعطك فتشكرني جزم تشكرني بلم ودخلا مَعًا فِي الِاسْتِفْهَام وَالرَّفْع على قَوْلك فَأَنت تشكرني وَلَو قلت مَا أَنْت بصاحبي فأكرمك لَكَانَ النصب على قَوْلك فَكيف أكرمك وَلم يجز الرّفْع على الشّركَة لِأَن الأول اسْم فَلَا يُشْرك الْفِعْل مَعَه وَلَكِن لَو حَملته على فَأَنا أكرمك على حَال ثمَّ تعطف جملَة على جملَة لجَاز وعَلى هَذَا قَوْله

(فَمَا أنتَ مِنْ قَيْسٍ فَتَنْبَحَ دُونها ... وَلَا مِنْ تَميمِ فِي الرءُوسِ الأعاظِمِ)

وَلَو رفع على أَنْت تنبَحُ على حَال جَازَ وَأما قَول الله عز وَجل {لَا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُتوا} فَهُوَ على قَوْلك لَا تَأتِينِي فأعطيك أَي لَو أتيتني لأعطيتك وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أحد الْوَجْهَيْنِ من قَوْلك مَا تَأتِينِي فتحدثني إِذا أردْت لَو أتيتني لحدثتني وَتقول كَأَنَّك لم تأتنا فتحدثنا إِذا أردْت الْوَجْه فِي قَوْلك مُحدثا وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي كلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي فَهُوَ مَا تَأتِينِي مُحدثا أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث كَمَا قَالَ

(كأنَّكَ لَمْ تذْبَحَ لأهلِكَ نَعْجَةً ... فيُصْبِحَ مُلْقى بالفِناءِ إهابُها)

وَأما قَوْله عز وَجل {فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون} النصب هَا هُنَا محَال لِأَنَّهُ لم يَجْعَل فَيكون جَوَابا هَذَا خلاف الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا شَرط إِنَّمَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ يَقُول لَهُ كن فيكونُ وكُنْ حِكَايَة وَأما قَوْله عز وَجل {أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} فالنصب وَالرَّفْع فَأَما النصب فعلى أَن تَقول فيكونَ يَا فَتى وَالرَّفْع على هُوَ يَقُول فَيكون وَأما قَول الشَّاعِر

(وَمَا أَنا للشيءِ الَّذِي ليسَ نافِعي ... ويَغضَبُ صَاحِبي بِقَؤولِ} فَإِن الرّفْع الْوَجْه لِأَن يغْضب فِي صلَة الَّذِي لِأَن مَعْنَاهُ الَّذِي يغْضب مِنْهُ صَاحِبي وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يقدم النصب ويثنى بِالرَّفْع وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يَصح عَلَيْهِ الْكَلَام إِنَّمَا يكون بِأَن يَقع يغْضب فِي الصِّلَة كَمَا ذكرت لَك وَمن أجَاز النصب فَإِنَّمَا يَجْعَل يغْضب مَعْطُوفًا على الشَّيْء وَذَلِكَ جَائِز وَلكنه بعيد وَإِنَّمَا جَازَ لِأَن الشَّيْء منعوت فَكَانَ تَقْدِيره وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي هَذِه حَاله وَلِأَن يغْضب صَاحِبي وَهُوَ كَلَام مَحْمُول على مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقُول الْغَضَب إِنَّمَا يَقُول مَا يُوجب الْغَضَب وَمثل هَذَا يجوز تَقول إِنَّمَا جَاءَ بِهِ طَعَام زيد وَالْمعْنَى إِنَّمَا جِئْت من أَجله وَكَذَلِكَ قَوْلك إِنَّمَا شِفَاء زيد السَّيْف وَإِنَّمَا تحيته الشتم أَي هَذَا الَّذِي أَقَامَهُ مقَام التَّحِيَّة ومقام الشِّفَاء كَمَا قَالَ

(وخيْلٍ قَدَ دُلَفْتُ لَهَا بخيلٍ ... تحيّةُ بَينهُم ضرْبٌ وَجيعُ)

فَهَذَا كَلَام مَفْهُوم وَتَحْقِيق لَفظه مَا ذكرت لَك وَأما قَول الله عز وَجل {ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة} فَهَذَا هُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب لِأَن الْمَعْنى فِي قَوْله {ألم تَرَ} إِنَّمَا هُوَ انتبه وَانْظُر أنزل الله من السَّمَاء مَاء فَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ كَقَوْلِك ألم تأتِ زيدا فيكرمك لِأَن الْإِكْرَام يَقع بالإتيان وَلَيْسَ اخضرار الأَرْض وَاقعا من أجل رؤيتك وَكَذَلِكَ قَوْله عز وَجل {وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر فيتعلمون} لِأَنَّهُ لم يَجْعَل سَبَب تعليمهم قَوْله {لَا تكفر} كَمَا تَقول لَا تَأتِينِي فأضربك لِأَنَّهُ يَقُول إِنَّك إِن أتيتني ضربتك وَقَوله {فَلَا تكفر} حِكَايَة عَنْهُم وَقَوله {فيتعلمون} لَيْسَ مُتَّصِلا بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ لَا تكفر فَتَتَعَلَّمُ يَا فَتى وَلَكِن هُوَ مَحْمُول على قَوْله {يعلمُونَ النَّاس السحر} فيتعلمون مِنْهُم لَا يَصح الْمَعْنى إِلَّا على هَذَا أَو على الْقطع أَي مِنْهُم يتعلمون وَأما قَول النَّابِغَة

(فَلَا زالَ قَبْرٌ بَيْنَ بُصرى وجاسِمٍ ... عليهِ منَ الوَسْمِيِّ سُحٌ ووابِلٌ)


(فَيُنْبِتُ حَوذانا وعَوفا مُنَوِّرا ... سأُتبِعُهُ مِنْ خَيْرِ مَا قالَ قائلُ)

فَإِن الرّفْع الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب إِنَّمَا هُوَ فَذَاك يُنبت حوذانا وَلَو جعله جَوَابا لقَوْله

(فَلَا زالَ)

كَانَ وَجها جيدا وَتقول لَا تمددها فتشققها على الْعَطف فَإِن أردْت الْجَواب قلت فتشُّقها على مَا فسرت لَك وَتقول أَيْن بَيْتك فأزورك فَإِن أردْت أَن تَجْعَلهُ جَوَابا نصبت وَإِن أردْت أَن تجْعَل الزِّيَارَة وَاقعَة على حَال قلت أَيْن بَيْتك فَأَنا أزورك على حَال وَتقول فِي الْجَزَاء من يأتني فيكرمني أعْطه لَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن الْكَلَام مَعْطُوف على مَا قبله فَإِن قلت من يأتني آته فَأكْرمه كَانَ الْجَزْم الْوَجْه وَالرَّفْع جَائِز على الْقطع على قَوْلك فَأَنا أكْرمه وَيجوز النصب وَإِن كَانَ قبيحا لِأَن الأول لَيْسَ بِوَاجِب إِلَّا بِوُقُوع غَيره وَقد قرئَ هَذَا الْحَرْف على ثَلَاثَة اضْرِب {يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء} بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع وَالنّصب وينشد هَذَا الْبَيْت رفعا ونصبا لِأَن الْجَزْم يكسر الشّعْر وَإِن كَانَ الْوَجْه وَهُوَ قَوْله

(ومنْ يَغْتَرِبْ عَنْ قومهِ لَا يَزَلْ يَرى ... مصارِعَ مَظلومٍ مَجَرَّا ومَسحَبا)


(وتُدْفَنْ مِنهُ الصالحاتُ وَإِن يُسِيءُ ... يكَنْ مَا أساءَ النارِ فِي رأسِ كَبْكَبَا) وَالْوَاو الْفَاء فِي هَذَا سَوَاء فَأَما قَوْله

(فقلتُ لهُ قرّبْ وَلَا تَجْهدَنَّهُ ... فَيَذِرُكَ مِنْ أُخْرَى القطاةِ فَتَزْلَقَ)

فَإِنَّمَا هُوَ على الْعَطف فَدخل كُله فِي النَّفْي أَرَادَ وَلَا يدنك وَلَا تزلقّن وَتقول أَلا تأتني فتكرمني أقعد عَنْك فالجزم الْوَجْه فِي فتكرمني وَالنّصب يجوز من أجل النَّفْي لِأَن مَعْنَاهُ إِلَّا تأتني مكرما كَمَا قَالَ مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي مَا تَأتِينِي مُحدثا وعَلى هَذَا ينشد هَذَا الْبَيْت

(ومنْ لَا يُقدِّم رِجْلَهُ مُطْمئنَّةً ... فَيُثبِتَها فِي مُستَوى الأرضِ يَزَلِقِ)

وَأعلم أَن الشَّاعِر إِذا اضْطر جَازَ لَهُ أَن ينصب فِي الْوَاجِب وَالنّصب فِي إِضْمَار أَن يذهب بِالْأولِ إِلَى الِاسْم على الْمَعْنى فَيَقُول أَنْت تَأتِينِي فتكرمني تُرِيدُ أَنْت يكون مِنْك إتْيَان فإكرام فَهَذَا لَا يجوز فِي الْكَلَام وَإِنَّمَا يجوز فِي الشّعْر للضَّرُورَة كَمَا يجوز صرف مَا لَا ينْصَرف وتضعيف مَا لَا يضعف فِي الْكَلَام قَالَ (سأتركُ مَنزلي لبني تَميمٍ ... وألحقُ بالعراقٍ فأستَريحا)

وَقَالَ الشَّاعِر

(لنا هَضبَةٌ لَا يَنزِلُ الذلَّ وسطَها ... ويأوى إِلَيْهَا المُستَجيرُ فيُعصما)

هَذَا إنشاد بَعضهم وَهُوَ فِي الرداءة على مَا ذكرت لَك وَأَكْثَرهم ينشد

(لِيُعصَما)

وَهُوَ الْوَجْه الْجيد

هَذَا بَاب الْوَاو[عدل]

أعلم أَن الْوَاو فِي الْخَبَر بِمَنْزِلَة الْفَاء وَكَذَلِكَ كل مَوضِع يعْطف فِيهِ مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا فَيدْخل فِيمَا دخل فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلك أَنْت تَأتِينِي وتكرمني وَأَنا أزورك وَأُعْطِيك وَلم آتِك وأكرمك وَهل يذهب زيد وَيَجِيء عَمْرو إِذا استفهمت عَنْهُمَا جَمِيعًا وَكَذَلِكَ إين يذهب عَمْرو وينطلق عبد الله وَلَا تضربن زيدا وتشتم عمرا لِأَن النَّهْي عَنْهُمَا جَمِيعًا فَإِن جعلت الثَّانِي جَوَابا فَلَيْسَ لَهُ فِي جَمِيع الْكَلَام إِلَّا معنى وَاحِد وَهُوَ الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ وَذَلِكَ قَوْلك لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن أَي لَا يكون مِنْك جمع بَين هذَيْن فَإِن نَهَاهُ عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على حَال قَالَ لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن لِأَنَّهُ أَرَادَ لَا تَأْكُل السّمك على حَال وَلَا تشرب اللَّبن على حَال فتمثيله فِي الْوَجْه الأول لَا يكن مِنْك أكل للسمك وَأَن تشرب اللَّبن وعَلى هَذَا القَوْل لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك لَا معنى للرفع فِي يعجز لِأَنَّهُ لَيْسَ يخبر أَن الْأَشْيَاء كلهَا لَا تسعه وان الْأَشْيَاء كلهَا لَا تعجز عَنهُ كَمَا قَالَ

(لَا تَنهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَليكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ)

أَي لَا يجْتَمع أَن تنْهى وَتَأْتِي مثله وَلَو جزم كَانَ الْمَعْنى فَاسِدا وَلَو قلت بِالْفَاءِ لَا يسعني شَيْء فيعجز عَنْك كَانَ جيدا لِأَن مَعْنَاهُ لَا يسعني شَيْء إِلَّا لم يعجز عَنْك وَلَا يسعني عَاجِزا عَنْك هَذَا تَمْثِيل هَذَا كَمَا قلت لَك فِي مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي إِلَّا لم تُحَدِّثنِي وَمَا تَأتِينِي مُحدثا فَمَعْنَى الْوَاو الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ ونصبها على إِضْمَار أَن كَمَا كَانَ فِي الْفَاء وتنصب فِي كل مَوضِع تنصب فِيهِ الْفَاء أَلا ترى أَن قَوْلك زُرني وأزورك إِنَّمَا هُوَ لتكن مِنْك زِيَارَة وزيارة مني وَلَو أَرَادَ الْأَمر فِي الثَّانِي لقَالَ زرني ولأزرك حَتَّى يكون الْأَمر جَارِيا عَلَيْهِمَا والنحويون ينشدون هَذَا الْبَيْت على ضَرْبَيْنِ وَهُوَ قَول الشَّاعِر

(لقد كانَ فِي حَولٍ ثَواءٍ ثَويْتُه ... تُقضَّى لُباناتٌ ويُسْأمُ سائمُ)

فيرفع يسأم لِأَنَّهُ عطفه على فعل وَهُوَ تُقضى فَلَا يكون إِلَّا رفعا وَمن قَالَ تَقضِّي لُبانات قَالَ ويسأمَ سائمُ لِأَن تَقَضِّى اسْم فَلم يجز أَن تعطف عَلَيْهِ فعلا فاضمر أَن ليجري الْمصدر على الْمصدر فَصَارَ تقضِّى لبانات وان يسأمَ سائم أَي وسآمة سائم وعَلى هَذَا ينشد هَذَا الْبَيْت

(لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقرَّ عَيني ... أحبُ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُفُوفِ)

أَي وَإِن تقر عَيْني فَأَما قَوْله

(ألمْ أكُ جارَكَم ويكونَ بيني ... وبينَكُمْ المَودّةُ والإخاءُ)

فَإِنَّهُ أَرَادَ ألم يجْتَمع كَون هَذَا مِنْكُم وَكَون هَذَا مني وَلَو أَرَادَ الْإِفْرَاد فيهمَا لم يكن إِلَّا مَجْزُومًا كَأَنَّهُ قَالَ ألم يكن بيني وَبَيْنكُم وَالْآيَة تقْرَأ على وَجْهَيْن {وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين} على مَا ذكرت لَك

هَذَا بَاب أَو[عدل]

وَهِي تكون للْعَطْف فتجري مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الِاسْم إِذا قلت ضربت زيدا أَو عمرا وَيكون مضمرا بعْدهَا أَن إِذا كَانَ الْمَعْنى إِلَّا أَن يكون وَحَتَّى يكون وَذَلِكَ قَوْلك أَنْت تضرب زيدا أَو تكرم عمرا على الْعَطف وَقَالَ الله عز وَجل {ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ} أَي يكون هَذَا أَو يكون هَذَا فَأَما الْموضع الَّذِي تنصب فِيهِ بإضمار أَن فقولك لألزَمَنّكَ أَو تُقضيني أَي إِلَّا أَن تقضيني وَحَتَّى تقضيني وَفِي مصحف أبيّ {تُقاتِلونَهُمْ أَو يُسْلِموا} على معنى إِلَّا أَن يسلمُوا وَحَتَّى يسلمُوا وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس

(فَقلت لَهُ لاتَبكِ عَينُكَ إِنَّمَا ... نُحاوِلُ مُلْكاً أَو نَموتَ فَنُعذرا) أَي إِلَّا أَن نموت وَقَالَ زيدا الْأَعْجَم

(وكُنتُ إِذا غَمزتُ فتاةَ قومٍ ... كسرتُ كعوبَها أَو تستَقيما)

وَيُقَال أتجلس أَو تقوم يَا فَتى فَالْمَعْنى أَيكُون مِنْك وَاحِد من الْأَمريْنِ وَتقول هَل تكلمُنا أَو تنبسطُ إِلَيْنَا لَا معنى للنصب هَا هُنَا قَالَ الله عز وَجل {هَل يسمعونكم إِذْ تدعون أَو ينفعونكم أَو يضرون} فجملة هَذَا أَن كل مَوضِع تصلح فِيهِ حَتَّى وَإِلَّا أَن فالنصب فِيهِ جَائِز جيد إِذا أردْت هَذَا الْمَعْنى والعطف على مَا قبله مُسْتَعْمل فِي كل مَوضِع

هَذَا بَاب أنْ[عدل]

اعْلَم أَن أنْ وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر وَهِي تقع على الْأَفْعَال المضارعة فتنصبها وَهِي صلَاتهَا وَلَا تقع مَعَ الْفِعْل حَالا لِأَنَّهَا لما لَا يَقع فِي الْحَال وَلَكِن لما يسْتَقْبل فَإِن وَقعت على الْمَاضِي نَحْو سرني أَن قُمْت وساءني أَن خرجت كَانَ جيدا قَالَ الله عز وَجل {وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي} أَي لِأَن كَانَ هَذَا فِيمَا مضى فَهَذَا كُله لَا يلْحق الْحَال لِأَن الْحَال لما أَنْت فِيهِ وَاعْلَم أَن هَذِه لَا تلْحق بعد كل فعل إِنَّمَا تلْحق إِذا كَانَت لما لم يَقع بعد مَا يكون توقعاً لَا يَقِينا لِأَن الْيَقِين ثَابت وَذَلِكَ قَوْلك ارجوا أَن تقوم يَا فَتى وأخاف أَن تذهبَ يَا فَتى كَمَا قَالَ عز وَجل {نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة} وَلَو قلت أعلم أَن تقوم يَا فَتى لم يجز لِأَن هَذَا شَيْء ثَابت فِي علمك فَهَذَا من مَوَاضِع أَن الثَّقِيلَة نَحْو اعْلَم أَنَّك تقوم يَا فَتى وَتقول أَظُنك أَنَّك ستقوم لِأَنَّهُ شَيْء قد اسْتَقر فِي ظَنك كَمَا اسْتَقر الآخر فِي علمك كَمَا قَالَ الله تبَارك اسْمه {الَّذين يظنون أَنهم ملاقو رَبهم} فَإِن قيل إنَّ يظنُّونَ هَا هُنَا يوقنون فَهَكَذَا هُوَ وَلكنهَا فِي الثَّبَات فِي الظَّن وَفِي أَعمالهَا على الْوَجْه الآخر إِلَّا أَنَّهَا إِذا أُرِيد بهَا الْعلم لم تكن إِلَّا مثقلة فَإِن أُرِيد بهَا الشَّك جَازَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا والتثقيل فِي الشَّك أَكثر اسْتِعْمَالا لثباته فِي الظَّن كثبات الْأُخْرَى فِي الْعلم فَأَما الْوَجْه الَّذِي يجوز فِيهِ الْخَفِيفَة فَإِنَّهُ متوقع غير ثَابت الْمعرفَة قَالَ الله عز وَجل {تظن أَن يفعل بهَا فاقرة} وَأما {إِن ظنا أَن يُقِيمَا حُدُود الله} وَقَوْلهمْ مَعْنَاهُ أيقنا فَإِنَّمَا هُوَ شَيْء متوقع الْأَغْلَب فِيهِ ذَا إِلَّا أَنه علم ثَابت أَلا ترَاهُ قَالَ {فظنوا أَنهم مواقعوها} لما كَانَ أيقنوا - وَاعْلَم أَن لَا إِذا دخلت على أنْ جَازَ أَن تُرِيدُ بأنْ الثَّقِيلَة وَأَن تُرِيدُ الْخَفِيفَة فَإِن أردْت الثَّقِيلَة رفعت مَا بعْدهَا لِأَنَّهُ لَا يحذف مِنْهَا التثقيل إِلَّا مَعَ الْإِضْمَار وَهَذَا يبين لَك فِي بَاب إنَّ وأنَّ وَإِنَّمَا تقع الْخَفِيفَة والثقيلة على مَا قبلهَا من الْأَفْعَال وَلَا يجوز الْإِضْمَار إِلَّا أَن تأتى بعوض والعوض لَا أَو السِّين أَو سَوف أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يلْحق الْأَفْعَال فَأَما لَا وَحدهَا فَإِنَّهُ يجوز أَن تُرِيدُ ب أَن الَّتِي قبلهَا الْخَفِيفَة وتنصب مَا بعْدهَا لِأَن لَا لَا تفصل بَين الْعَامِل الْمَعْمُول فِيهِ تَقول مَرَرْت بِرَجُل لَا قَائِم وَلَا قَاعد كَمَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل قَائِم وقاعد وَذَلِكَ قَوْلك أَخَاف أَلا تذْهب يَا فَتى وأظن أَلا تقوم يَا فَتى كَمَا قَالَ {إِلَّا أنْ يَخافا أنْ لَا يُقيما حُدودَ اللهِ} وَفِي ظَنَنْت وبابها تكون الْخَفِيفَة والثقيلة كَمَا وصف لَك قَالَ الله عز وَجل {وَحَسِبوا أنْ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} {وانْ لَا يكونُ} فالرفع على أَنَّهَا لَا تكون فتْنَة وَكَذَلِكَ {أفَلا يَرَون أنْ لَا يَرجِعُ إليهِمْ قَولاً} أَي إِنَّه لَا يرجع إِلَيْهِم قولا {لَا يرَوْنَ} فِي الْمَعْنى يعلمُونَ فَهُوَ وَاقع ثَابت فَأَما السِّين وسوف فَلَا يكون قبلهَا إِلَّا المثقلة تَقول علمت أَن سيقومون وظننت أَن سيذهبون وان سَوف تقومون كَمَا قَالَ {عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرضى} وَلَا يجوز أَن تلغى من الْعَمَل كَمَا وصفت لَك وَلَا يجوز ذَلِك فِي السِّين وسوف لِأَنَّهُمَا لَا يلحقان على معنى لَا فَإِنَّمَا الْكَلَام بعد لَا على قدر الْفَصْل قَالَ {لِئلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتَابِ أنْ لَا يَقدِرونَ} فَيعلم مَنْصُوبَة وَلَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن لَا زَائِدَة وَإِنَّمَا هُوَ لِأَن يعلم وَقَوله {أنْ لَا يَقْدِرونَ} إِنَّمَا هُوَ أَنهم لَا يقدرُونَ وَهِي فِي بعض الْمَصَاحِف {أنَّهم لَا يقدرونَ}

هَذَا بَاب الْفِعْل بعد أَن وَانْقِطَاع الآخر من الأول[عدل]

أعلم أَنَّك إِذا أرت بِالثَّانِي مَا أردْت بِالْأولِ من الإجراء على الْحَرْف لم يكن إِلَّا منسوقا عَلَيْهِ تَقول أُرِيد أَن تقوم فَتضْرب زيد وَأُرِيد أَن تَأتِينِي وتكرمني وَأُرِيد أَن تجْلِس ثمَّ تَتَحَدَّث يَا فَتى فَإِن كَانَ الثَّانِي خَارِجا عَن معنى الأول كَانَ مَقْطُوعًا مستأنفاً وَذَلِكَ قَوْلك أُرِيد أَن تَأتِينِي فتقعد عني وَأُرِيد أَن تكرم زيدا فتهينه فَالْمَعْنى أَنه لم يرد الإهانة إِنَّمَا أَرَادَ الْإِكْرَام فَكَأَنَّهُ فِي التَّمْثِيل أُرِيد أَن تكرم زيدا فَإِذا أَنْت تُهينه وَأُرِيد أَن تَأتِينِي فَإِذا أَنْت تقعد عني كَمَا قَالَ

(والشِعْرُ لَا يَضْبِطُهُ مِنْ يظلِمهُ ... )


(إِذا أرتقى فيهِ الَّذِي لَا يعْلَمُهُ ... )


(زَلّتْ بِهِ إِلَى الحَضيضِ قَدَمَهُ ... )


(يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمَهُ ... ) أَي فَإِذا هُوَ يعجمه أَي فَإِذا هُوَ هَذِه حَاله فعلى هَذَا يجْرِي فِي هَذَا الْبَاب وَلَو قَالَ قَائِل أُرِيد أَن تَأتِينِي وَأَنت تكرمني أَي أُرِيد أَن تَأتِينِي وَهَذِه حالك لجَاز وَتقول أُرِيد أَن تَتَكَلَّم بِخَير أَو تسكت يَا فَتى فالنصب على وَجْهَيْن أَحدهمَا أُرِيد ذَا أَو ذَا وَالْوَجْه الآخر أَن يكون حَتَّى تسكت كَمَا تَقول لَأَجْلِسَن مَعَك أَو تَنْصَرِف يَا فَتى على قَوْلك حَتَّى تَنْصَرِف فَأَما قَوْله عز وَجل {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا} فَإِن النَّحْوِيين يَزْعمُونَ أَن الْكَلَام لَيْسَ مَحْمُولا على أَن يكلمهُ الله وَلَو كَانَ يُرْسل مَحْمُولا على ذَلِك لبطل الْمَعْنى لِأَنَّهُ كَانَ يكون مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله أَو يُرْسل أَي مَا كَانَ لبشر أَن يُرْسل الله إِلَيْهِ رَسُولا فَهَذَا لَا يكون وَلَكِن الْمَعْنى وَالله أعلم مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَي إِلَّا أَن يُوحى أَو يُرْسل فَهُوَ مَحْمُول على قَوْله وَحيا أَي إِلَّا وَحيا أَو إرْسَالًا وَأهل الْمَدِينَة يقرؤن أَو يُرْسل رَسُولا يُرِيدُونَ أَو هُوَ يُرْسل رَسُولا أَي فَهَذَا كَلَامه إيَّاهُم على مَا يُؤَدِّيه الْوَحْي وَالرَّسُول وَأم قَوْله {لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام} على مَا قبله وتمثيله وَنحن نقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء وَأما قَوْله {وَلَا يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة} فَيقْرَأ رفعا ونصبا فَأَما النصب فعلى قَوْله {مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس} أَي مَا كَانَ لَهُ أَن يَقُول للنَّاس وَلَا أَن يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة وَمن قَرَأَ {يَأْمُركُمْ} فَإِنَّمَا أَرَادَ وَلَا يَأْمُركُمْ الله وقطعه من الأول فالمعنيان جَمِيعًا جيدان يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد إِذا حصلا وَلَو قَالَ قَائِل أُرِيد أَن تَأتِينِي ثمَّ تحسن إِلَيّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أُرِيد إتيانك ثمَّ قد اسْتَقر عِنْدِي أَنَّك تحسن إِلَيّ أَي فَهَذَا مِنْك مَعْلُوم عِنْدِي وَالتَّقْدِير فِي الْعَرَبيَّة أُرِيد أَن تَأتِينِي ثمَّ أَنْت تحسن إِلَيّ - _ وَتقول أَمرته أَن يقوم يَا فَتى فَالْمَعْنى أَمرته بِأَن يقوم إِلَّا أَنَّك حذفت حرف الْخَفْض وحذفه مَعَ أَن جيد وَإِن كَانَ الْمصدر على وَجهه جَازَ الْحَذف وَلم يكن كحسنه مَعَ أَن لِأَنَّهَا وصلتها اسْم فقد صَار الْحَرْف وَالْفِعْل وَالْفَاعِل اسْما وَإِن اتَّصل بِهِ شَيْء صَار مَعَه فِي الصِّلَة فَإِذا طَال الْكَلَام احْتمل الْحَذف فَأم الْمصدر غير أَن فنحو أَمرتك الْخَيْر يَا فَتى كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(أَمرتك الخيرَ فافعَلْ مَا أُمِرْتَ بهِ ... فقدْ تركتُكَ وَذَا مالٍ وَذَا ونَشَبِ)

فَهَذَا يصلح على الْمجَاز فَأَما أَن فَالْأَحْسَن مِنْهَا الْحَذف كَمَا قَالَ الله عز وَجل {وقّضى رَبُكَ أنْ لَا تَعبُدوا إِلَّا إيّاه} وَمعنى قضى هَا هُنَا أَمر وَأما قَوْله {وَأمرت لِأَن أكون} فَإِنَّمَا حمل الْفِعْل على الْمصدر فَالْمَعْنى وَالله اعْلَم أوقع إِلَى هَذَا الْأَمر لذا وَهَذِه اللَّام تدخل على الْمَفْعُول فَلَا تغير مَعْنَاهُ لِأَنَّهَا لَام إِضَافَة وَالْفِعْل مَعهَا يجْرِي مجْرى مصدره كَمَا يجْرِي الْمصدر مجْرَاه فِي الرّفْع وَالنّصب لما بعده لِأَن الْمصدر اسْم الْفِعْل قَالَ الله عز وَجل {إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون} وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله {قل عَسى أَن يكون ردف لكم} مَعْنَاهُ رِدفَكُمْ وَتقول لزيد ضربت ولعمرو أكرمت إِذا قدمت الْمَفْعُول لتشغل اللَّام مَا وَقعت عَلَيْهِ فَإِن أَخَّرته فَالْأَحْسَن أَلا تدْخلهَا إِلَّا أَن يكون الْمَعْنى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فَيكون حسنا وحذفه أحسن لِأَن جَمِيع الْقُرْآن عَلَيْهِ

هَذَا بَاب حَتَّى[عدل]

اعْلَم أَن الْفِعْل ينصب بعْدهَا بإضمار أَن وَذَلِكَ لِأَن حَتَّى من عوامل الْأَسْمَاء الخافضة لَهَا تَقول ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدٍ وَدخلت الْبِلَاد حَتَّى الكوفةِ وأكلتُ السمكةَ حَتَّى رأسِها أَي لم ابق مِنْهَا شَيْئا فعملها الْخَفْض وَتدْخل الثَّانِي فِيمَا دخل فِيهِ الأول من الْمَعْنى لِأَن مَعْنَاهَا إِذا خفضت كمعناها إِذا نسق بهَا فَلذَلِك خَالَفت إِلَى قَالَ الله عز وَجل {يسلامٌ هِيَ حتّى مَطلَعِ الفَجْرِ} فَإِذا وَقعت عوامل الْأَسْمَاء على الْأَفْعَال لم يستقم وَصلهَا بهَا إِلَّا على إِضْمَار أَن لِأَن أَن وَالْفِعْل اسْم مصدر فَتكون وَاقعَة على الْأَسْمَاء وَذَلِكَ قَوْلك أَنا أَسِير حَتَّى تمنعني وَأَنا اقف حَتَّى تطلع الشمسُ فَإِذا نصبت بهَا على مَا وصفت لَك كَانَ ذَلِك على أحد مَعْنيين على كي وعَلى إِلَى أَن لِأَن حَتَّى بِمَنْزِلَة إِلَى فإمَّا الَّتِي بِمَعْنى إِلَى أَن فقولك أَنا أَسِير حَتَّى تطلع الشَّمْس وَأَنا أَنَام حَتَّى يسمعَ الْأَذَان وَأما الْوَجْه الَّذِي تكون فِيهِ بِمَنْزِلَة كي فقولك أطع الله حَتَّى يُدخلك الْجنَّة وَأَنا أكلم زيدا حَتَّى يأمرَ لي بِشَيْء فَكل مَا اعتوره وَاحِد من هذَيْن الْمَعْنيين فالنصب لَهُ لَازم على مَا ذكرت لَك وَاعْلَم أَن حَتَّى يرْتَفع الْفِعْل بعْدهَا وَهِي حَتَّى الَّتِي تقع فِي الِاسْم ناسقة نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدا ضَربته ومررت بالقوم حَتَّى زيد مَرَرْت بِهِ وَجَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيدٌ جَاءَنِي وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي بَاب الْأَسْمَاء فالتي تنسق ثمَّ هَا هُنَا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْوَاو وَالْفَاء وَثمّ وَجَمِيع حُرُوف الْعَطف فالرفع يَقع بعْدهَا على وَجْهَيْن يرجعان إِلَى وَجه وَاحِد وَإِن اخْتلف موضعاهما وَذَلِكَ قَوْلك سرت حَتَّى أدخلها أَي كَانَ مني سير فدخول فَأَنت تخبر أَنَّك فِي حَال دُخُول اتَّصل بِهِ سيرك كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(فإنَّ المُندَّى رٍ حلةٌ فَرُكوبُ ... ) فَلَيْسَ فِي هَذَا معنى كي وَلَا إِلَى أَن إِنَّمَا خبرت بِأَن هَذَا كَذَا وَقع مِنْك وَالْوَجْه الْأُخَر أَن يكون السَّبَب مُتَقَدما غير مُتَّصِل بِمَا تخبر عَنهُ ثمَّ يكون مُؤديا إِلَى هَذَا كَقَوْلِك مرض حَتَّى لَا يرجونه أَي هُوَ الْآن كَذَاك فَهُوَ مُنْقَطع من الأول ووجوده إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَال كَمَا ذكرت لَك فِيمَا قبله فَذَلِك قولي يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد وَمثل ذَلِك مرض حَتَّى يمر بِهِ الطَّائِر فيرحمه أَي هُوَ الْآن كَذَاك فَمثل النصب قَوْله

(سَريْتُ بِهِمْ حتّى تكِلَّ مطِيّهُم ... وحتّى الجيادُ مَا يُقدْنَ بأرسانِ)

أَي إِلَى أَن وَمثل الرّفْع تَمام الْبَيْت وَهُوَ

(حَتَّى الجيادُ)

وَنَظِير الرّفْع فِي الْأَسْمَاء قَوْله (فيا عجبا حتّى كُلِيبٌ تَسُبُني ... كأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَو مُجاشِعُ)

أَي وَحَتَّى كُلَيْب هَذِه حَالهَا كَمَا أَن نَظِير النصب ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدٍ فِي الْأَسْمَاء لِأَن الْمَعْنى ضربت الْقَوْم حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْموضع

هَذَا بَاب مسَائِل حتّى فِي الْبَابَيْنِ النصب وَالرَّفْع[عدل]

تَقول سرت حَتَّى ادخلَها وتطلعَ الشمسُ إِذا أردْت معنى إِلَى أَن ادخلها فَإِن أردْت وَجه الرّفْع لم يجز فِي قَوْلك حَتَّى تطلع الشَّمْس لِأَن طُلُوع الشَّمْس لم يُؤده فعلك وَالصَّوَاب أَن تَقول إِذا أردْت الرّفْع سرت حَتَّى ادخلها وَحَتَّى تطلع الشَّمْس لِأَن الدُّخُول كَانَ بعلمك وطلوع الشَّمْس لَا يكون بعملك فَالْمَعْنى سرت حَتَّى أَنا فِي حَال دُخُول وَكَانَ ذَلِك السّير إِلَى أَن تطلع الشَّمْس وَتقول سرت حَتَّى تطلَع الشَّمْس وَحَتَّى أدخلُها وَإِن شِئْت ادخلَها وَلَو قلت مَا سرت حَتَّى ادخلها لم يجز لِأَنَّك لم تخبر بِشَيْء يكون مَعَه الدُّخُول فَإِن قلت أَقُول مَا سرت حَتَّى أدخلها أَي مَا سرت وَأَنا السَّاعَة أدخلها قيل لَيْسَ هَذَا معنى حَتَّى إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَن يتَّصل مَا بعْدهَا بِمَا قبلهَا كَمَا تَقول أكلتُ السَّمَكَة حَتَّى رأسَها فالرأس قد دخل فِي الْأكل لِأَن مَعْنَاهَا عاملة وَمَعْنَاهَا عاطفة وَاحِد وَإِن اخْتلف اللفظان وَأما قَوْله عز وَجل {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} فَإِنَّهَا تقْرَأ بِالنّصب وَالرَّفْع فالرفع على قَوْله فَإِذا الرَّسُول فِي حَال قَول وَالنّصب على معنى إِلَى أَن يَقُول الرَّسُول وَلَو قلت كَانَ سيري حَتَّى أدخلَها لم يجز إِلَّا النصب لِأَن حَتَّى فِي مَوضِع خبر كَأَنَّك قلت كَانَ سيري إِلَى هَذَا الْفِعْل وَلَو قلت كَانَ سيري سيرا متعبا حَتَّى أدخلُها جَازَ الرّفْع وَالنّصب لِأَن الْخَبَر قَوْلك سيرا متعبا وَكَذَلِكَ كَانَ سيري أمس حَتَّى ادخلَها إِن جعلت الْخَبَر حَتَّى وَمَا بعْدهَا لم يكن إِلَّا النصب وَإِن جعلت الْخَبَر فِي قَوْلك أمس كَانَ النصب وَالرَّفْع على مَا وصفت

هَذَا بَاب الْحُرُوف الَّتِي تجزم الْأَفْعَال[عدل]

وَهِي لم ولمّا وَلَا فِي النَّهْي وَاللَّام فِي الْأَمر وحروف المجازاة وَمَا اتَّصل بهَا على مَعْنَاهَا وَذَلِكَ قَوْلك لم يقمْ عبد الله وَلم يذهبْ أَخُوك وَلَا تذْهب يَا زيد ولمّا يقمْ عبد الله وليقمْ زيد وَالدُّعَاء يجْرِي مجْرى الْأَمر وَالنَّهْي وَإِنَّمَا سمي هَذَا أمرا ونهيا وَقيل للْآخر طلب للمعنى فَأَما اللَّفْظ فواحد وَذَلِكَ قَوْلك فِي الطّلب اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلَا يقطعِ الله يَد زيد وليَغفرْ لخَالِد فَإِنَّمَا تَقول سَأَلت الله وَلَا تقل أمرت الله وَكَذَلِكَ لَو قلت للخليفة انظرْ فِي أَمْرِي أنصفني لَقلت سَأَلته وَلم تقل أَمرته فإمَّا قَوْلك اضْرِب واقتل فمبني غير مجزوم لما قد تقدم من شرحنا لَهُ وَمن أَنه لَيْسَ فِيهِ حرف من حُرُوف المضارعة الَّتِي يجب بهَا الْأَعْرَاب فَاللَّام فِي الْأَمر للْغَائِب وَلكُل من كَانَ غير مُخَاطب نَحْو قَول الْقَائِل قُم ولأقمْ مَعَك فَاللَّام جازمة لفعل الْمُتَكَلّم وَلَو كَانَت للمخاطب لَكَانَ جيدا على الأَصْل وَإِن كَانَ فِي ذَلِك أَكثر لاستغنائهم بقَوْلهمْ افعلْ عَن لتفعلْ وَرُوِيَ أَن رَسُول الله قَرَأَ {فَبِذلكَ فَلِتَفْرَحوا} بِالتَّاءِ

هَذَا بَاب المجازاة وحروفها[عدل]

وَهِي تدخل للشّرط وَمعنى الشَّرْط وُقُوع الشَّيْء لوُقُوع غَيره فَمن عواملها من الظروف أَيْن وَمَتى وأنَّى وحيثما وَمن الْأَسْمَاء منْ وَمَا وَأي وَمهما وَمن الْحُرُوف الَّتِي جَاءَت لِمَعْنى إنْ وإذما وَإِنَّمَا اشتركت فِيهَا الْحُرُوف والظروف والأسماء لاشتمال هَذَا الْمَعْنى على جَمِيعهَا فحرفها فِي الأَصْل إِن وَهَذِه كلهَا دواخل عَلَيْهَا لاجتماعها وكل بَاب فاصله شَيْء وَاحِد ثمَّ تدخل عَلَيْهِ دواخل لاجتماعها فِي الْمَعْنى وَسَنذكر إِن كَيفَ صَارَت أَحَق بالجزاء كَمَا أَن الْألف أحقُ بالاستفهام وَإِلَّا أَحَق بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْوَاو أَحَق بالْعَطْف مُفَسرًا إِن شَاءَ الله فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ فَأَما إِن فقولك إِن تَأتِينِي آتِك وَجب الْإِتْيَان الثَّانِي بِالْأولِ وَإِن تكرمني أكرمك وَإِن تُطِع الله يغْفر لَك كَقَوْلِه عز وَجل {إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف} {وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ} (وإنْ تَطيعوا اللهَ ورَسَولَهُ لَا يَلِتْكُمْ} والمجازاة ب إذما قَوْلك إذما تأتني آتِك كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(إِذْ مَا أتيتَ على الرَسولِ فقلْ لهَ ... حَقًا عليكَ إِذا اطمأنَّ المجلِسُ)

وَلَا يكون الْجَزَاء فِي إِذْ وَلَا فِي حَيْثُ بِغَيْر مَا لِأَنَّهُمَا ظرفان يضافان إِلَى الْأَفْعَال وَإِذا زِدْت على كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا منعتا الْإِضَافَة فعملتا وَهَذَا فِي آخر الْبَاب يشْرَح بِأَكْثَرَ من هَذَا الشَّرْح إِن شَاءَ الله وَأما المجازاة بمنْ فَقَوله عز وَجل {ومَنْ يَتقِ اللهَ يَجعَلْ لهُ مَخرجا} {وَقَوله} (فَمَنْ يَؤمِنْ بَرَبهِ فَلَا يَخافُ بَخسا وَلَا رهقاً} وَبِمَا قَوْله {مَا يَفْتَحِ اللهُ للِناسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَها} وبأين قَوْله عز وَجل {أيْنَما تَكونوا يُدرِكُكُمْ الموتُ} وَقَالَ الشَّاعِر (أينَ تضربْ بِنَا العُداةَ تَجدنا ... نَصرِفُ العِيسَ نَحوها للتلاقي)

وي أَنى قَوْله

(فأصبحتَ أنّى تأتِها تلْتَبِس بهَا ... كلا مَرْكبيها تحتَ رِجليكَ شاجِرٌ)

وَمن حُرُوف المجازة مهما وَإِنَّمَا أخرنا ذكرهَا لِأَن الْخَلِيل زعم أَنَّهَا مَا مكررة وأبدلت من الْألف الْهَاء وَمَا الثَّانِيَة زَائِدَة على مَا الأولى كَمَا تَقول أَيْن وأينما وَمَتى وَمَتى مَا وَإِن وَإِمَّا وَكَذَلِكَ حُرُوف المجازاة إِلَّا مَا كَانَ من حَيْثُمَا وإذما فَإِن مَا فيهمَا لَازِمَة لَا يكونَانِ للمجازاة إِلَّا بهَا كَمَا لَا تقع رُبَ على الْأَفْعَال إِلَّا بِمَا فِي قَوْله {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا} وَلَو حذفت مِنْهَا مَا لم تقع إِلَّا على الْأَسْمَاء النكرات نَحْو رُبَ رجل يَا فَتى والمجازاة ب أَي قَوْله {أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى} وب مَتى قَول طرفَة

(مَتى تأتني أصبَحكَ كأساً روِيةً ... وإنْ كنتَ عَنْهَا غانياً فأغنَ وازْدُدِ)

وَهَذِه الْحُرُوف كلهَا هَذَا مجازها فَأصل الْجَزَاء أَن تكون أَفعاله مضارعة لِأَنَّهُ يعربها وَلَا يعرب إِلَّا الْمُضَارع فَإِذا قلت إِن تأتني آتِك فتأتني مجزومة بِأَن وآتك مجزومة بإن وتأتني وَنَظِير ذَلِك من الْأَسْمَاء قَوْلك زيد منطلق فزيد مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر رفع بِالِابْتِدَاءِ والمبتدأ وَلَا تكون المجازاة إِلَّا بِفعل لِأَن الْجَزَاء إِنَّمَا يَقع بِالْفِعْلِ أَو بِالْفَاءِ لِأَن معنى الْفِعْل فِيهَا فَأَما الْفِعْل فقولك إِن تأتني أكرمْك وَإِن تزرني أزورك وَأما الْفَاء فقولك إِن تأتني فَأَنا لَك شَاكر وَإِن تقمْ فَهُوَ خير لَك وَقد يجوز أَن تقع الْأَفْعَال الْمَاضِيَة فِي الْجَزَاء على معنى المستقبلية لِأَن الشَّرْط لَا يَقع إِلَّا على فعل لم يَقع فَتكون موَاضعهَا مجزومة وَإِن لم يتَبَيَّن فِيهَا الْأَعْرَاب كَمَا أَنَّك إِذا قلت جَاءَنِي خمسةَ عشرَ رجلا كَانَ مَوْضِعه مَوضِع رفع وَإِن لم يتَبَيَّن فِيهِ للْبِنَاء وَكَذَلِكَ جَاءَنِي مَنْ عنْدك ومررت بِالَّذِي فِي الدَّار كل ذَلِك غير مُعرب فِي اللَّفْظ ومواضعها وَإِنَّمَا هِيَ لما مضى فِي الأَصْل قيل لَهُ الْحُرُوف تفعل ذَلِك لما تدخل لَهُ من الْمعَانِي أَلا ترى إِنَّك تَقول زيد يذهب يَا فَتى فَيكون لغير الْمَاضِي فَإِن قلت لم يذهب زيد كَانَ ب لم نفيا لما مضى وَصَارَ مَعْنَاهُ لم يذهب زيد أمس واستحال لم يذهب زيد غَدا - _ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ إنْ أصل الْجَزَاء لِأَنَّك تجازي بهَا فِي كل ضرب مِنْهُ تَقول إِن تأتني آتِك وَإِن تركب حمارا أركبه ثمَّ تصرفها مِنْهُ فِي كل شَيْء وَلَيْسَ هَكَذَا سائرها وَسَنذكر ذَلِك اجْمَعْ تَقول فِي منْ من يأتني آتهِ فَلَا يكون ذَلِك إِلَّا لما يعقل فَإِن أردْت بهَا غير ذَلِك لم يكن فَإِن قَالَ قَائِل فقد قَالَ الله عز وَجل {وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه} فَهَذَا لغير اللآدميين وَكَذَلِكَ {وَمِنْهُم من يمشي على أَربع} قيل إِنَّمَا جَازَ هَذَا لِأَنَّهُ قد خلط مَعَ الْآدَمِيّين غَيرهم بقوله (واللهُ خَلَقَ كلَّ دابةٍ مِنْ ماءٍ} وَإِذا اخْتَلَط الْمَذْكُورَان جرى على أَحدهمَا مَا هُوَ على للْآخر إِذا كَانَ فِي مثل مَعْنَاهُ لِأَن الْمُتَكَلّم يبين بِهِ مَا فِي الآخر وَإِن كَانَ لَفظه مُخَالفا فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر

(شَرابُ ألبانِ وتَمرٍ وإقطْ)

فالتمر والإقط لَا يُقَال فيهمَا شربا وَلَكِن أدخلهما مَعَ مَا يشرب فَجرى اللَّفْظ وَاحِد وَالْمعْنَى أَن ذَلِك يصير إِلَى بطونهم وَمثله

(يَا لَيتَ زوجَكِ قّد غَدا ... مُتَقَلِداً سَيفاً ورُمحا)

لِأَن معنى المتقلد حَامِل فَلَمَّا خلط بَينهمَا جرى عَلَيْهِمَا لفظ وَاحِد وعَلى هَذَا انشدوا بَيت الحُطيئة

(سَقوا جاركَ العيمانَ لما جَفَوْته ... وقَلَصَ عنْ بردِ الشرابِ مشافرهْ)


(سناما ومحضا أنبتا اللحمَ فاكتست ... عظامُ امرئٍ مَا كَانَ يشبَعُ طائرُه) وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء إِنَّمَا الرِّوَايَة قروا وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه بَدَأَ بالسنام فَلَا يَقع إِلَى جَانب سقوا وَقَالَ قوم بلَى كَانَ السنام يذاب فِي الْمَحْض فيشرب فَإِن كَانَ كَذَاك فَلَا حجَّة فِي الْبَيْت - _ وَمَا تكون لغير الْآدَمِيّين نَحْو مَا تركب أركبْ وَمَا تصنعْ اصنعْ فَإِن قلت مَا يأتني آته تُرِيدُ النَّاس لم يصلح فَإِن قيل فقد قَالَ الله عز وَجل {وَالسَّمَاء وَمَا بناها} وَمَعْنَاهُ وَمن بناها وَكَذَلِكَ {إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم} قيل قد قيل ذَلِك وَالْوَجْه الَّذِي عَلَيْهِ النحويون غَيره إِنَّمَا هُوَ وَالسَّمَاء وبنائها وَإِلَّا على أَزوَاجهم أَو ملك أَيْمَانهم فَهِيَ مصَادر وَإِن دلّت على غَيرهَا مِمَّن يملك كَقَوْلِك هَذَا ملك يَمِينك وَهَذَا الثَّوْب نسج الْيمن وَهَذَا الدِّرْهَم ضرب الْأَمِير وَلَو كَانَ على مَا قَالُوا لَكَانَ على وضع النَّعْت فِي مَوضِع المنعوت لِأَن مَا إِنَّمَا تكون لذوات غير الْآدَمِيّين ولصفات الْآدَمِيّين تَقول من عنْدك فَيَقُول زيدٌ فَتَقول مَا زيدٌ فَيَقُول جواد أَو بخيل أَو نَحْو ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ لسؤال عَن نعت الْآدَمِيّين وَالسُّؤَال عَن كل مَا يعقل بمنْ كَمَا قَالَ عز وَجل {أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض} فمَنْ لله عز وَجل كَمَا قَالَ {أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَ إِذا دعاهُ} وَهَذَا فِي الْقُرْآن أَكثر وَقَالَ تبَارك اسْمه (ومِنْ عِندهِ لَا يَسْتَكِبرونَ عنْ عِبادتهِ} يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَكَذَلِكَ فِي الْجِنّ فِي قَوْله {فمَنْ يُؤمِنْ بِرَبِهِ فَلاَ يَخافُ بَخساً وَلَا رَهقاُ} فَهَذَا قولي لَك إِنَّهَا لما يُخَاطب وَيعْقل - _ وَمن هَذِه الْحُرُوف مَتى وَلَا تقع إِلَّا للزمان نَحْو مَتى تأتني آتِك وَمَتى خرجْ زيد فِي الِاسْتِفْهَام فجواب هَذَا يَوْم الْجُمُعَة وَمَا أشبهه وَكَذَلِكَ أَيْن لَا تكون إِلَّا للمكان وَذَلِكَ لكه مخطور مَعْرُوف فِي الْجَزَاء والاستفهام وَحَيْثُ وَقع حرف من هَذِه الْحُرُوف فَأَما إِن فَإِنَّهَا لَيست باسم وَلَا فعل إِنَّمَا هِيَ حرف تقع على كل مَا وصلته بِهِ زَمَانا كَانَ أَو مَكَانا أَو آدَمِيًّا أَو غير ذَلِك تَقول إِن يأتني زيد آته وَإِن يقم فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا أقمْ فِيهِ وَإِن تأتني يَوْم الْجُمُعَة آتِك فِيهِ وَكَذَلِكَ الْألف فِي الِاسْتِفْهَام تدخل على كل ضرب مِنْهُ وتتخطى ذَلِك إِلَى التَّقْرِير والتسوية فالتقرير قَوْلك أما جئتني فأكرمتك وَقَوله عز وَجل {أليسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوى لِلمُتَكَبِّرينَ} والتسوية لَيْت شعري أَقَامَ زيد أم قعد وَقد علمت أَزِيد فِي الدَّار أم عَمْرو فَأَما قَوْلنَا فِي إِذْ وحيثُ أَن الْجَزَاء لَا يكون فيهمَا إِلَّا بِمَا وَمَا ذكرنَا من أَنا سنفسره فَهَذَا مَوضِع تَفْسِيره أما إِذْ فتبنى عَن زمَان مَاض وَأَسْمَاء الْأَزْمَان تُضَاف إِلَى الْأَفْعَال فَإِذا أضيفت إِلَيْهَا كَانَت مَعهَا كالشيء الْوَاحِد وَمَتى جزمتها فصلت مِنْهَا أَلا ترى أَنَّك تَقول جئْتُك يَوْم خرج زيدٌ وَهَذَا يَوْم يخرج زيد و {هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم} فَلَمَّا وصلتها بِمَا جعلتهما شَيْئا وَاحِدًا فانفصلت من الْإِضَافَة فَعمِلت وَحَيْثُ اسْم من أَسمَاء الْمَكَان مُبْهَم يفسره مَا يُضَاف إِلَيْهِ فَحَيْثُ فِي الْمَكَان كحين فِي الزَّمَان فَلَمَّا ضارعتها أضيفت إِلَى الْجمل وَهِي الِابْتِدَاء وَالْخَبَر أَو الْفِعْل وَالْفَاعِل فَلَمَّا وصلتها ب مَا امْتنعت من الْإِضَافَة فَصَارَت ك إِذْ إِذا وصلتها بِمَا فَأَما سَائِر الْحُرُوف الَّتِي ذكرنَا سواهُمَا فَأَنت فِي زِيَادَة مَا وَتركهَا مُخَيّر تَقول إِن تأتني آتِك وَإِمَّا تأتني آتِك وَأَيْنَ تكنْ أكنْ وأينما تكنْ أكنْ وأيا تُكرمْ يكرمك و {وأيَّاً مَا تَدعُوا فَلهُ الأسماءُ الْحسنى} فَمَا تدخل على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن تكون زَائِدَة للتوكيد فَلَا يتَغَيَّر الْكَلَام بهَا عَن عمل وَلَا معنى فالتوكيد مَا ذكرته فِي هَذِه الْحُرُوف سوى حَيْثُمَا وإذما وَاللَّازِم مَا وَقع فيهمَا ونظيرهما قَوْلك إِنَّمَا زيد أَخُوك منعت مَا أَن عَملهَا وَكَذَلِكَ جئْتُك بعد مَا عبد الله قَائِم فَهَذَا خلاف قَوْلك بعد عبد الله وَكَذَلِكَ

(أعلاقةً أمَّ الوليدِ بَعدَما ... أفْنان رأسِكِ كالثَّغامِ المُخْلِسِ) وَكَذَلِكَ ربّ تَقول رب رجلٍ وَلَا تَقول رب يقوم زيد فَإِذا ألحقت مَا هيأتها للأفعال فَقلت رُبمَا يقوم زيد و {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين} وَكَذَلِكَ قل تَقول قل رجل يَقُول ذَلِك فَإِن أدخلت مَا امْتنعت من الْأَسْمَاء وَصَارَت للأفعال فَقلت فلمّا يقوم زيد وَمثل هَذَا كثير - فَأَما إِذا فتحتاج إِلَى الِابْتِدَاء وَالْجَوَاب تَقول إِذا جَاءَنِي زيد أكرمته وَإِذا يَجِيء زيد أَعْطيته وَإِنَّمَا منع إِذا من أَن يجازي بهَا لِأَنَّهَا موقتة وحروف الْجَزَاء مُبْهمَة أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت أَن تأتني آتِك فَأَنت لَا تَدْرِي أيقع مِنْهُ إتْيَان أم لَا وَكَذَلِكَ من أَتَانِي أَتَيْته إِنَّمَا مَعْنَاهُ إِن يأتني وَاحِد من النَّاس آته فَإِذا قلت إِذا أتيتني وَجب أَن يكون الْإِتْيَان مَعْلُوما أَلا ترى إِلَى قَول الله عز وَجل {إِذا السَّمَاء انفطرت} و {إِذا الشَّمْس كورت} و {إِذا السَّمَاء انشقت} أَن هَذَا وَاقع لَا محَالة وَلَا يجوز أَن يكون فِي مَوضِع هَذَا إنْ لِأَن الله عز وَجل يعلم وإنْ إِنَّمَا مخرجها الظَّن والتوقع فِيمَا يخبر بِهِ الْمخبر وَلَيْسَ هَذَا مثل قَوْله {إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف} لِأَن هَذَا رَاجع إِلَيْهِم وَتقول آتِيك إِذا احمر الْبُسْر وَلَو قلت آتِيك إِن احمر الْبُسْر كَانَ محالا لِأَنَّهُ وَاقع لَا محَالة فَإِن اضْطر الشَّاعِر جَازَ أَن يجازي بهَا لمضارعتها حُرُوف الْجَزَاء لِأَنَّهَا دَاخِلَة على الْفِعْل وَجَوَابه وَلَا بُد للْفِعْل الَّذِي يدْخل عَلَيْهِ من جَوَاب فمما جَاءَ ضَرُورَة قَوْله

(تَرْفعُ لي خِندِفٌ واللهُ يرفعُ لي ... نَارا إِذا مَا خَبتْ نيرانُهُمْ تَقِدِ) وَقَالَ الآخر

(إِذا فَصُرتْ أسيافُنا كَانَ وصلُها ... خُطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فنُضاربِ)

الْجيد مَا قَالَ كَعْب بن زُهَيْر

(وَإِذا مَا تشاءُ تَبعثُ مِنْهَا ... مَغرِبِ الشَمسِ ناشطا مَذعورا)

وَهَذِه إِذا الَّتِي تحْتَاج إِلَى الْجَواب - _ ول إِذا مَوضِع آخر وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا حرف المفاجأة وَذَلِكَ قَوْلك خرجت فَإِذا زيدٌ وَبينا أَسِير فَإِذا الْأسد فَهَذِهِ لَا تكون ابْتِدَاء وَتَكون جَوَابا للجزاء كالفاء قَالَ الله عز وَجل {وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون} لِأَن مَعْنَاهَا قَنطُوا كَمَا أَن قَوْلك إِن تأتني فلك دِرْهَم إِنَّمَا مَعْنَاهُ أعطك درهما

هَذَا بَاب مسَائِل المجازاة وَمَا يجوز فِيهَا وَمَا يمْتَنع مِنْهَا[عدل]

تَقول إِن تأتني آتِك وَإِن تأتني فلك دِرْهَم هَذَا وَجه الْجَزَاء وموضعه كَمَا قَالَ عز وَجل {إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف وَإِن يعودوا فقد مَضَت سنة الْأَوَّلين} فَالْأَصْل الْفِعْل وَالْفَاء دَاخِلَة عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تُؤدِّي مَعْنَاهُ لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا وَمعنى الْجَزَاء فِيهَا مَوْجُود يَقُول الرجل قد أَعطيتك درهما فَتَقول فقد أُعْطِيك دِينَارا أَي من اجل ذَلِك وَيَقُول لم أُغثَ أمس فَتَقول فقد أَتَاك الْغَوْث الْيَوْم وَتقول إِن أتيتني فلك درهمٌ لِأَن مَعْنَاهُ إِن تأتني وَلَو قلت إِن أتيتني آتِك لصلح كَمَا قَالَ الله عز وَجل {من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم} لِأَن مَعْنَاهُ من يكن وَكَذَلِكَ لَو قَالَ من يأتني أَتَيْته لجَاز وَالْأول أحسن لتباعد هَذَا عَن حرف الْجَزَاء وَهُوَ جَائِز كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(مَنْ يَكِدني بِسيئٍ كنتُ منهُ ... كالشجا بينَ حلقهِ والوريدِ) واعدل الْكَلَام من أَتَانِي أَتَيْته كَمَا أَن وَجه الْكَلَام من يأتني آته وَتقول من أَتَانِي وتبسط إِلَى أكْرمه لِأَن من أَتَانِي فِي مَوضِع من يأتني لَا تقع بعد الْجَزَاء إِلَّا وَمَعْنَاهَا الِاسْتِقْبَال وَالْأَحْسَن من أَتَانِي وأكرمني أَتَيْته كَمَا أَن الْأَحْسَن من يأتيني ويكرمني آته فَهَذِهِ أصُول ثمَّ نذْكر بعْدهَا الْعَطف منسقا ونكثر فِي ذَلِك من الْمسَائِل لنوضح أمره إِن شَاءَ الله فَإِذا قلت من يأتني آته فَمن هِيَ لهَذَا الْفِعْل لِأَنَّهَا اسْم فَلم يدْخل مَعهَا اسْم آخر وَلَو قلت إِن يأتني آته على غير مَذْكُور قبل كَانَ محالا لِأَن الْفِعْل لَا فَاعل فِيهِ لِأَن إِن إِنَّمَا هِيَ حرف جَزَاء وَلَيْسَت باسم وَكَذَلِكَ جَمِيع الْحُرُوف وَتقول فِي الِاسْتِفْهَام من جَاءَك وأيهم ضربك وَمَا حَبسك لِأَنَّهَا أَسمَاء فَإِن قلت أحبسك أَو هَل حَبسك لم يكن بُد من ذكر الْفَاعِل لِأَن هَذِه حُرُوف فَلَيْسَ فِي الْأَفْعَال فاعلون وَكَذَلِكَ الظروف الَّتِي لَا تكون فاعلة إِذا ذكرتها لم يكن بُد من ذكر الْفَاعِل مَعهَا وَلَو قلت أَيْن يكن أكنْ لم يكن كلَاما حَتَّى تَقول أَيْن يكن زيدٌ أكنْ وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِفْهَام إِذا قلت أَيْن يكون زيد وَمَتى يخرج زيد تَعْنِي الْمَذْكُور فعلى هَذَا يجْرِي مَا ذكرت لَك وَلَو قلت من مَنْ يأتني آته إِذا جعلت مَنْ الأولى استفهاما وَجعلت الثَّانِيَة جَزَاء كَانَ جيدا فَتكون الْهَاء فِي آته ترجع إِلَى من الَّتِي هِيَ اسْتِفْهَام وتقديرها أيُّهم من أَتَانِي من النَّاس أَتَيْته أَي من أَتَانِي آتٍ هَذَا الَّذِي اسْأَل عَنهُ وَنَظِيره هِنْد من ضَرَبَنِي ضربتها أَي إِن ضَرَبَنِي أحد ضربت هندا وَتقول مَا من يأتني آته لِأَن مَا حرف نفي والحروف لَا يرجع إِلَيْهَا شَيْء وَلَا إِلَى الْأَفْعَال إِنَّمَا نفيت بِهَذَا هَذِه الْجُمْلَة فَإِن جعلت مَا اسْما وجعلتها استفهاما أَو جَزَاء أَو فِي معنى الَّذِي لم يكن بُد من رَاجع إِلَيْهَا فإمَّا الْجَزَاء فقولك مَا تركبْ أركبْ وَالْأَحْسَن مَا تركبْ أركبهُ نصبت مَا بتركب وأضمرت هَاء فِي تركب وَلَو قلت مَا تركب أركبْ لجَاز وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا على إِرَادَة الْهَاء لِأَنَّهُ مُعَلّق بِمَا قبله وَذَلِكَ فِي الْمَعْنى مَوْجُود وَفِي الِاسْتِفْهَام مَا حَبسك وَالْمعْنَى أَي شَيْء حَبسك وَكَذَلِكَ مَا أَكلته أَي أَي شَيْء أَكلته فَإِن حذفت الْهَاء نصبت مَا لِأَنَّهَا مفعول بهَا كَقَوْلِك أَيهمْ ضربت كَمَا تَقول زيدا ضربت وَفِي مَوضِع الَّذِي قَوْله مَا يسرني يَسُرك وَتقول من يأتنا نأته مكرمين لَهُ نصب مكرمين على الْحَال وَالْعَامِل فِيهَا نأته وَلَو أردْت أَن يكون الْفِعْل الأول عَاملا فِي الْحَال لَقلت من يأتنا مكرمين لَهُ نأته تُرِيدُ من من يأتنا فِي حَال إكرامنا إِيَّاه نأته وَلَو أردْت أَن يكون مكرمين عَاملا فِيهَا نأته وَقد قدمتها جَازَ كَمَا تَقول مسرعا جَاءَ زيد

ونقول فِي مسَائِل طوال يمْتَحن بهَا المتعلمون[عدل]

من يَأْته من إِن يأتنا نأته عَامِدين تأت يكرمك أَن رفعت يكرمك فَالْمَسْأَلَة جَيِّدَة لِأَن تقديرها من يَأْته زيد يَأْتِ فِي حَال إكرامه لَك والأجود أَن تَقول تأته يكرمك لتشغل الْفِعْل بالمفعول إِذْ كَانَ خَبرا والحذف جَائِز وَلَيْسَ بجيد وقولك من إِن يأتنا نأته اسْم وَاحِد بِمَنْزِلَة زيد وَلَو جزمت يكرمك على الْبَدَل لم يصلح إِن أبدلته من تأت لِأَن يكرمك لغيرك فَإِن جعلته بَدَلا من شَيْء فِي الصِّلَة لم يصلح لِخُرُوجِهِ عَنْهَا وَلَكِن لَو قلت إِن تأتني أعطك أحسن إِلَيْك جَازَ وَكَانَ حسنا لِأَن الْعَطِيَّة إِحْسَان فَلذَلِك أبدلته مِنْهُ وَمثل ذَلِك قَوْله عز وَجل {وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب} لِأَن لَقِي الأثام هُوَ تَضْعِيف الْعَذَاب وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر (مَتى تأتنا تُلَمِمْ بِنا فِي دِيَارنَا ... تجدْ حَطَباً جزلا وَنَارًا تأجَّجا)

لِأَن الْإِتْيَان إِلْمَام كَمَا قَالَ

(إنَّ علىَّ اللهَ أنْ تُبايعا ... تُؤخّذْ كُرهاً أوْ تَجيء طَائِعا ... ) لِأَن قَوْله تُؤْخَذ أَو تَجِيء بِتَأْوِيل الْمُبَايعَة وَلَو قلت من يأتنا يسألنا نعطه على الْبَدَل لم يجز إِلَّا أَن يكون بدل الْغَلَط كَأَنَّك أردْت من يسألنا نعطه فَقلت من يأتنا غالطا أَو نَاسِيا ثمَّ ذكرت فاستدركت فَوضعت هَذَا الْفِعْل فِي مَوضِع ذَلِك وَنَظِيره من الْأَسْمَاء مَرَرْت بِرَجُل حمَار وَتقول من يأتني من أنْ يأتهِ الَّذِي هندٌ أُخْته يَأْته أعْطه فَالْمَعْنى إِن يأتني زيد أعْطه لِأَن هَذَا الْكَلَام كُله فِي صلَة منْ وَتقول أَي الْقَوْم المنطلق آباؤهم إِن يأتك الكاسيه ثوبا تكرمه فتقدير الْمَسْأَلَة أَي الْقَوْم إِن يأتك أَبوهُ تكرمه وَأي هُنَا اسْتِفْهَام وَتقول أَيهمْ يَأْته الشاتم أَخَاهُ المعطيه درهما ينْطَلق إِلَيْهِ فَمَعْنَاه أَيهمْ يَأْته زيد ينْطَلق إِلَيْهِ فَمَا ورد عَلَيْك من الْمسَائِل فقسه على هَذَا إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب مَا يرْتَفع بَين المجزوميْن وَمَا يمْتَنع من ذَلِك[عدل]

تَقول إِن تأتنا تسألنا نعطك تُرِيدُ إِن تَأْتِينَا سَائِلًا كَمَا قَالَ

(متَى تأتهِ تَعشُو إِلَى ضوءِ نارهِ ... تَجدْ خيرَ نارٍ عندَها خَيرُ موقدِ)

أَرَادَ مَتى تأنه عاشياً إِلَى ضوء ناره تجدْ وَقَالَ الآخر

(ومَنْ لَا يزلْ يستَحمِلُ الناسَ نفسهُ ... وَلَا يغنها يَوْمًا منْ الدَهرِ يُسأمُ)

فَقَوله يستحمل النَّاس نَفسه إِنَّمَا هُوَ خبر يزَال كَأَنَّهُ قَالَ من لَا يزَال مستحملا وَلَو قلت من يأتنا ويسألنا نعطه على هَذَا كَانَ محالا لِأَنَّك لَا تَقول مَتى تأته وعاشيا وَلَا جَاءَنِي زيد وراكبا وَلَكِن إِن أضمرت جَازَ فَقلت إِن تَأْتِينَا وتسألنا نُعطك تُرِيدُ إِن تأتنا وَهَذِه حالك نعطك وَالْوَجْه الْجيد إِن تأتنا وتسألنا نعطيك وَتقول أَن تأتنا ثمَّ تسألنا نعطك لم يجز إِلَّا جزم تسألْنا لِأَن ثمَّ أَنْت تسألنا تُرِيدُ الْحَال لم يصلح لِأَن ثمَّ لما بعد أَلا ترى أَنَّك تَقول لقِيت زيدا وَعَمْرو يتَكَلَّم أَي لقِيت زيدا وَعَمْرو هَذِه حَاله كَمَا قَالَ الله عز وَجل {يَغشَى طَائفَةً مِنكُمْ قدْ أهمَّتْهُمْ أنفُسَهُمْ} أَي إِذا طَائِفَة فِي هَذِه الْحَالة وَلَو وضعت ثمَّ هَا هُنَا لم يستقم وَتقول من أَن يَأْته زيد يُكرمهُ يعطك الدَّار فَمن فِي مَوضِع الَّذِي وَإِن للجزاء ويكرمه حَال مَعْنَاهَا مكرما لَهُ ويعطه جَوَاب الْجَزَاء وَفِي الدَّار خبر منْ وَلَو قلت منْ يأتني آته أحسن إِلَيْهِ كَانَ جيدا يكون أحسن إِلَيْهِ حَالا وَيكون مُنْقَطِعًا من الأول كَأَنَّك لما تمّ الْكَلَام قلت أَنا أحسن إِلَيْهِ وَتقول من يأتني آته وأكرمه وَمن يأتني آته فَأكْرمه وَمن يأتني آته وأكرمه وَكَذَلِكَ جَمِيع حُرُوف الْعَطف الَّتِي تقع هَا هُنَا وَإِن شِئْت قلت من يأتني آته وأكرمه أَي وَأَنا أكْرمه وَإِن شِئْت على الْحَال وَإِن شِئْت فصلته مِمَّا قبله وجعلتها جملَة معطوفة معلقَة بجملة وَتقول فِي الْفَاء من يأتني آته فَأكْرمه على الْقطع من الأول وَعطف جملَة على جملَة وَكَذَلِكَ ثمَّ وَإِنَّمَا جَازَ الْإِضْمَار هَا هُنَا وَلم يجز حَيْثُ كَانَا متوسطين بَين الْجَزَاء وَجَوَابه لِأَن الْكَلَام قد تمّ فَاحْتمل الِاسْتِئْنَاف وَلَا تكون الْحَال فِي ثمَّ وَلَا الْفَاء لِأَنَّهُمَا لَا تَكُونَانِ إِلَّا بعد إِلَّا إِن الْفَاء وَالْوَاو يجوز بعدهمَا النصب على إِضْمَار أَن لِأَن الْجَزَاء غير وَاجِب آخِره إِلَّا بِوُجُوب أَوله وَقد تقدم ذكرنَا لهَذَا فِي بَاب الْفَاء وَالْوَاو وَقد قرئَ هَذَا الْحَرْف على ثَلَاثَة أوجه {يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء} بِالْجَزْمِ وَهُوَ أَجودهَا ويليه الرّفْع ثمَّ النصب وَالْأَمر فِيهِ على مَا ذكرت لَك وَلَو قلت من لَا يأتني فيكرمني آته كَانَ النصب جيدا من أجل النَّفْي وَصَارَ كَقَوْلِك مَا تَأتِينِي فتكرمني أَي كلما أتيتني لم تكرمني فموضعه لم تأتني مكرما وَهَا هُنَا أَعنِي فِي الْجَزَاء إِلَى ذَا يرجع إِذا قلت من لَا يأتني فيكرمني آته لِأَن مَعْنَاهُ من لَا يأتني مكرما وَقَالَ

(ومَنْ لَا يُقَدِمُ رِجلَهُ مُطمئِنَةً ... فَيُثْبِتَها فِي مستَوى الأرضِ يَزْلَقِ)

كَأَنَّهُ قَالَ من لَا يقدم رجله مثبتا

هَذَا الْبَاب مَا يجوز من تَقْدِيم جَوَاب الْجَزَاء عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر اضطرارا[عدل]

أما مَا يجوز فِي الْكَلَام فنحو آتِيك إِن أتيتني وأزورك إِن زرتني وَيَقُول الْقَائِل أتعطيني درهما فَأَقُول إِن جَاءَ زيد وَتقول أَنْت ظالمٌ إِن فعلت فَإِن قلت آتِي من أَتَانِي وأصنع مَا تصنع لم يكن هَا هُنَا جَزَاء وَذَلِكَ أَن حُرُوف الْجَزَاء لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا وَلَو قلت آتِي من أَتَانِي للزمك أَن يكون مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الَّذِي قبلهَا وَهَذَا لَا يكون لِأَن الْجَزَاء مُنْفَصِل كالاستفهام وَلَو قلت آتِيك مَتى أتيتني أَو أقوم أَيْن قُمْت على أَن تجْعَل مَتى وَأَيْنَ طرفين لما بعدهمَا كَانَ جيدا وكأننا منقطعتين من الْفِعْل الأول إِلَّا أَنَّك لما ذكرته سد مسد جَوَاب الْجَزَاء فَإِن أردْت أَن يَكُونَا ظرفين لما قبلهمَا اسْتَحَالَ لِأَن الْجَزَاء لَا يعْمل فِي مَا قبله كَمَا لَا يعْمل هُوَ فِيمَا قبله أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول زيدا إِن تأت يكرمك وَلَا زيدا مَتى تأتِ تُحببه فَإِذا كَانَ الْفِعْل مَاضِيا بعد حرف الْجَزَاء جَازَ أَن يتَقَدَّم الْجَواب لِأَن إنْ لَا تعْمل فِي لَفظه شَيْئا وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع الْجَزَاء فَكَذَلِك جَوَابه يسد مسد جَوَاب الْجَزَاء وَيحسن فِي الْكَلَام إِن أتيتني لأقومنَّ وَإِن لم تأتني لأغضبنَّ فسيبويه يذهب إِلَى إِنَّه على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كَأَنَّهُ قَالَ لأغضبن إِن لم تأتني ولأقومن إِن أتيتني وَالَّذِي قَالَ لَا يصلح عِنْدِي لِأَن الْجَواب فِي مَوْضِعه فَلَا يجب أَن يقدر لغيره أَلا ترى أَنَّك تَقول يضْرب غُلَامه زيد لِأَن زيد فِي الْمَعْنى مقدم لِأَن حق الْفَاعِل أَن يكون قبل الْمَفْعُول وَلَو قلت ضرب غُلَامه زيدا لم يجز لِأَن الْفَاعِل فِي مَوْضِعه فَلَا يجوز أَن يقدر لغيره وَلَكِن القَوْل عِنْدِي أَن يكون الْكَلَام إِذا لم يجز فِي مَوضِع الْجَواب مُبْتَدأ على معنى مَا يَقع بعد الْفَاء فكأنك قدرته وَأَنت تُرِيدُ الْفَاء كَمَا أَنَّك تَقول أعجبني الَّذِي ضرب زيدا فَإِن جعلت الْألف وَاللَّام فِي مَوضِع الَّذِي كَانَ صلتها على معنى صلَة الَّذِي لَا على لَفظهَا تَقول أعجبني الضَّارِب زيدا لِأَن الْألف وَاللَّام للأسماء فَلَا يليان ضرب لِامْتِنَاع مَا يكون للأسماء من الْأَفْعَال فَمن ذَلِك قَول زُهَيْر

(وإنْ أتاهُ خَليلٌ يومَ مسألةٍ ... يَقُول لَا غائبٌ مَا لي وَلَا حَرِمُ)

فَقَوله يَقُول على إِرَادَة الْفَاء على مَا ذكرت لَك وَمن ذَلِك قَوْله عز وَجل {وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين} الْفَاء لَا بُد مِنْهَا فِي جَوَاب أما فقد صَارَت هَا هُنَا جَوَابا لَهَا وَالْفَاء وَمَا بعْدهَا يسدان مسد جَوَاب إنْ وَلَو كَانَ هَذَا فِي الْكَلَام أما إِن كَانَ زيد عنْدك فَلهُ دِرْهَم لَكَانَ تَقْدِيره مهما يكن من شَيْء فلزيد دِرْهَم إِن كَانَ عنْدك لِأَن أما فِيهَا معنى الْجَزَاء وَاقع وَلَا بُد من الْفَاء وتقديرها مَا ذكرت لَك أَلا ترى أَنَّك تَقول أما زيد فمنطلق {فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر} فَالْمَعْنى مهما يكن من شَيْء فَلَا تقهر الْيَتِيم وَلَو اضْطر شَاعِر فَحذف الْفَاء وَهُوَ يريدها لجَاز كَمَا قَالَ

(أمّا القِتالُ لَا قِتالَ لَدَيْكُمو ... ولكنَّ سيْراً فِي عِراضِ المَواكِبِ)

وَأما مَا لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر فَهُوَ إِن تأتني آتِيك وَأَنت ظَالِم إِن تأتني لِأَنَّهَا قد جزمت وَلِأَن الْجَزَاء فِي مَوْضِعه فَلَا يجوز فِي قَول الْبَصرِيين فِي الْكَلَام إِلَّا أَن توقع الْجَواب فعلا مضارعا مَجْزُومًا أَو فَاء إِلَّا فِي الشّعْر فَأَما إِن تأتني أَتَيْتُك فَإِن بَعضهم قد يُجِيزهُ فِي غير الشّعْر كَمَا أَجَازُوا إِن أتيتني آتِك وَقد مضى قَوْلنَا فِي الْفَصْل بَينهمَا قَالَ الشاعرعلى إِرَادَة القاء

(وإنّي مَتّى أُشرِفْ على الجانِبِ الَّذِي ... بهِ أنتِ مِنْ بَيْنِ الجَوانبِ ناظِرُ) وَهُوَ عِنْدِي على إِرَادَة الْفَاء والبصريون يَقُولُونَ هُوَ على إِرَادَة الْفَاء وَيصْلح أَن يكون على التَّقْدِيم أَي وَإِنِّي نَاظر مَتى أشرفْ وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر

(يَا أقْرَعُ بنَ حابِسٍ يَا أقرِعُ ... إنكَ إنْ يُصرَعُ أخوكَ تُصْرَعُ)

وَقَالَ آخر

(فقلتُ تَحَّملْ فَوْقَ طَوقِك إنّها ... مُطَبَعَةٌ مَنْ يأتها لَا يَضيرُها)

يُرِيد لَا يضيرها من يأتها وَأما قَول عبد الرَّحْمَن بن حسان

(مَنْ يَفْعَلِ الحَسناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... والشَّرُ بالشَّرِ عندَ اللهِ مِثلانِ) فَلَا اخْتِلَاف بَين النَّحْوِيين فِي أَنه على إِرَادَة الْفَاء لِأَن التَّقْدِيم فِيهِ لَا يصلح

هَذَا بَاب مَا تحْتَمل حُرُوف الْجَزَاء من الْفَصْل بَينهَا وَبَين مَا عملت فِيهِ[عدل]

أما إنْ إِذا لم تجزم فالفصل بَينهَا وَبَين مَا عملت فِيهِ فِي الظَّاهِر جَائِز بِالِاسْمِ وَذَلِكَ قَوْله إنِ اللهُ أمكنني من فلَان فعلت وإنْ زيدٌ أَتَانِي أكرمته كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(عَاوِدْ هَرَاةَ وإنْ مَعْمورها خَرَبا ... )

وَإِنَّمَا تَفْسِير هَذَا أَنَّك أضمرت الْفِعْل بَينهَا وَبَين الِاسْم فتقديره إِن أمكنني الله من زيد وَإِن خرب معمورها وَلكنه أضمر هَذَا وَجَاء بِالْفِعْلِ الظَّاهِر تَفْسِير مَا أضمر وَلَو لم يضمر لم يجز لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا احتملت إِن هَذَا فِي الْكَلَام لِأَنَّهَا أصل الْجَزَاء كَمَا تحْتَمل الْألف فِي الِاسْتِفْهَام تَقْدِيم الِاسْم فِي نَحْو قَوْلك أزيدٌ قامَ لِأَنَّهَا أصل الِاسْتِفْهَام وَلَو قلت هَل زيد قَامَ لَا يصلح إِلَّا فِي الشّعْر لِأَن السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ عَن الْفِعْل وَكَذَلِكَ مَتى زيد خرج وَأَيْنَ زيد قَامَ وَجَمِيع حُرُوف الِاسْتِفْهَام غير ألف الِاسْتِفْهَام لَا يصلح فِيهِنَّ إِذا اجْتمع اسْم وَفعل إِلَّا تَقْدِيم الْفِعْل إِلَّا أَن يضْطَر الشَّاعِر وَالْفِعْل فِي الْجَزَاء أوجب لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ والاستفهام قد يكون عَن الْأَسْمَاء بِلَا فعل تَقول أَزِيد أَخُوك أَزِيد فِي الدَّار وَلَا يكون مثل هَذَا فِي الْجَزَاء وَسَائِر حُرُوف الْجَزَاء سوى إِن لَا يجوز فِيهَا هَذَا فِي الْكَلَام وَلَا فِي إِن إِذا جزمت لَا تَقول من زيدٌ يَأْته يُكرمه وَلَا إِن زيد يأتني آته وَلَا أَيْن زيد أَتَانِي أَتَيْته وَلَا من زيد أَتَاهُ أكْرمه فَإِن اضْطر شَاعِر جَازَ فِيهِنَّ الْفَصْل جزمن أَو لم يجزمن وَجَاز ذَلِك فِي حُرُوف الْجَزَاء دون سَائِر عوامل الْأَفْعَال لِأَنَّهُ يَقع بعدهن الْمُسْتَقْبل والماضي وَلَا يكون ذَلِك فِي غَيْرهنَّ من العوامل فَلَمَّا تمكن هَذَا التَّمَكُّن احتملن الْإِضْمَار والفصل فمما جَاءَ فِي الشّعْر قَوْله

(صَعْدةٌ نابِتَةٌ فِي حائِرٍ ... أَيْنَمَا الريحُ تُميِّلْها تَمِلْ)

وَقَالَ آخر

(فَمَنْ نَحْنُ نُؤمِنْهُ يَبِتْ وهوَ آمِنُ ... ومَنْ لَا نُجِرهُ يُمْسِ مِنا مُفزعا) وَقَالَ آخر

(فَمَتَى واغِلٌ يَنُبهمْ يُحيُّوهُ ... وتَعَطَفْ عَلَيْهِ كأسُ الساقي)

وَأعلم أَن الْمَفْعُول إِذا وَقع فِي هَذَا الْموضع وَقد شغل الْفِعْل عَنهُ انتصب بِالْفِعْلِ الْمُضمر لِأَن الَّذِي بعده تَفْسِير لَهُ كَمَا كَانَ فِي الِاسْتِفْهَام فِي قَوْلك أزيدا ضَربته {أبَشَراً مَنّا وَحداً نَتَّبِعُهُ} وَذَلِكَ قَوْلك إِن زيدا ترهُ تكرمه وَمن زيدا يَأْته يُعطهِ وَإِن زيدا لَقيته أكرمته وَكَذَلِكَ إِذا لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا على فعل تَقول إِذا زيدا لَقيته فَأكْرمه قَالَ

(لَا تَجزَعي إنْ مُنْفِساً أهْلَكْتُهُ ... وَإِذا هَلَكتُ فعندَ ذلكِ فاجزَعي) وَقَالَ الآخر

(إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلالاً بَلَغْتِهِ ... فَقَامَ بفأسٍ بَيْنَ وَصلَيكِ جازِرُ)

وَلَو رفع هَذَا رَافع على غير الْفِعْل لَكَانَ خطأ لِأَن هَذِه الْحُرُوف لَا تقع إِلَّا على الْأَفْعَال وَلَكِن رَفعه يجوز على مَا لَا ينْقض الْمَعْنى وَهُوَ أَن يضمر بلغ فَيكون إِذا بُلِغَ ابنُ أبي مُوسَى وَقَوله بَلَغْتِهِ إِظْهَار للْفِعْل وَتَفْسِير الْفَاعِل وَكَذَلِكَ لَا تجزعي إِن منفِسٌ أهلكته على أَن يكون الْمُضمر هلك وَكَذَلِكَ هَذِه الْآيَات كلهَا وَهِي {إِذا السَّمَاء انشقت} (وَإِذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وَإِنَّمَا وَالْمعْنَى وَالله أعلم إِذا كورتْ الشّمس وَإِذا انشقَتْ السماءُ وَالْجَوَاب فِي جَمِيع هَذَا مَوْجُود لِأَن هَذِه لَا تكون إِلَّا بأجوبة فَالْجَوَاب فِي قَوْله {إِذا الَشَّمْسُ كُوِرُتْ} {علمت نفس مَا أحضرت} وَالْجَوَاب فِي قَوْله {إِذا السَّمَاء انفطرت} (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَمَتْ وأخَرَتْ} فَأَما قَوْله {إِذا السَّماءُ انشَّقَتْ وأَذِنَتْ لِرَبِها وحُقَتْ} فقد قيل فِيهِ أقاويل فقوم يَقُولُونَ {فَأَما منْ أوتيَ كِتابَهُ بِيَميِنِهِ} هُوَ الْجَواب لِأَن الْفَاء وَمَا بعْدهَا جَوَاب كَمَا تكون جَوَابا فِي الْجَزَاء لِأَن إِذا فِي معنى الْجَزَاء وَهُوَ كَقَوْلِك إِذا جَاءَ زيد فَإِن كلمك فَكَلمهُ فَهَذَا قَول حسن جميل وَقَالَ قوم الْخَبَر مَحْذُوف لعلم الْمُخَاطب كَقَوْل الْقَائِل عِنْد تَشْدِيد الْأَمر إِذا جَاءَ زيد أَي إِذا جَاءَ زيد علمت وَكَقَوْلِه إِن عشتَ ويكل مَا بعد هَذَا إِلَى مَا يُعلمهُ الْمُخَاطب كَقَوْل الْقَائِل لَو رَأَيْت فلَانا وَفِي يَده سيف وَقَالَ قوم آخَرُونَ الْوَاو فِي مثل هَذَا تكون زَائِدَة فَقَوله {إِذا السَّمَاء انشقت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت} يجوز أَن يكون {إِذا الأَرْض مدت} وَالْوَاو زَائِدَة كَقَوْلِك حِين يقوم زيد حِين يَأْتِي عَمْرو وَقَالُوا أَيْضا إِذا السَّمَاء انشقتْ أذنتْ لِرَبِها وحٌ قتْ وَهُوَ أبعد الْأَقَاوِيل أَعنِي زِيَادَة الْوَاو وَمن قَول هَؤُلَاءِ إِن هَذِه الْآيَة على ذَلِك {فَلَمَّا أسلما وتله للجبين وناديناه} قَالُوا الْمَعْنى ناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قَالُوا وَمثل ذَلِك فِي قَوْله {حَتّى إِذا جاءوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُها} الْمَعْنى عِنْدهم حَتَّى إِذا جاءوها فتحت أَبْوَابهَا كَمَا كَانَ فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن كَثِيرَة من هَذَا الضَّرْب قَوْلهم وَاحِد وينشدون فِي ذَلِك (حتّى إِذا امتلأتْ بُطُونُكُمُ ... ورأيتُمُ أبناءَكُمْ شَبّوا)


(وقَلَبْتُمْ ظَهْرَ المِجَنْ لنا ... إنَّ الغَدورَ الفاحِشَ الخِبُّ)

قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ قلبتم ظهر الْمِجَن وَزِيَادَة الْوَاو غير جَائِزَة عِنْد الْبَصرِيين وَالله أعلم بالتأويل فَأَما حذف الْخَبَر فمعروف جيد من ذَلِك قَوْله {وَلو أنَّ قُرآناً سُيِّرتْ بِهِ الجِبالُ أَو قُطِّعَتْ بِهِ الأرضُ أَو كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأمرُ جَميعاً} قَالَ الراجز

(لوْ قّدْ حَداهُنّ أَبُو الجُوديِّ ... )


(برجَزٍ مُسْحَنْفرِ الرَّويِّ ... )


(مُسْتَوياتٍ كَنَوى البَرنِيِّ ... )

لم يَأْتِ بِخَبَر لعلم الْمُخَاطب وَمثل هَذَا الْكَلَام كثير وَلَا يجوز الْحَذف حَتَّى يكون الْمَحْذُوف مَعْلُوما بِمَا يدل عَلَيْهِ من تقدم خبر أَو مُشَاهدَة حَال

هَذَا بَاب الْأَفْعَال الَّتِي تنجزم لدُخُول معنى الْجَزَاء فِيهَا[عدل]

وَتلك الْأَفْعَال جَوَاب مَا كَانَ أمرا أَو نهيا أَو استخبارا وَذَلِكَ قَوْلك ائْتِ زيد يكرمك وَلَا تأت زيدا يكن خيرا لَك وَأَيْنَ بَيْتك أزورك وَإِنَّمَا أنْجز مت بِمَعْنى الْجَزَاء لِأَنَّك إِذا قلت ائْتِنِي أكرمك فَإِنَّمَا الْمَعْنى ائْتِنِي فَإِن تأتني أكرمك لِأَن الْإِكْرَام إِنَّمَا يجب بالإتيان وَكَذَلِكَ لَا تقم يكن خيرا لَك لِأَن الْمَعْنى فَإِن لم تقم يكن خيرا لَك وَأَيْنَ بَيْتك أزرك إِنَّمَا مَعْنَاهُ إِن تعلمني أزرك وَقَالَ الله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم} ثمَّ ذكرهَا فَقَالَ {تؤمنون بِاللَّه} فَلَمَّا انْقَضى ذكرهَا قَالَ {يغْفر لكم} لِأَنَّهُ جَوَاب لهل وَكَذَلِكَ أَعْطِنِي أكرمك وَتقول اِئتني أشكرك وَالتَّفْسِير وَاحِد وَلَو قلت لَا تَعْصِي الله يدْخلك الْجنَّة كَانَ جيدا لِأَنَّك إِنَّمَا أضمرت مثل مَا أظهرت فكأنك قلت فَإنَّك إِن لَا تعصه يدْخلك الْجنَّة واعتبره بِالْفِعْلِ الَّذِي يظْهر فِي مَعْنَاهُ أَلا ترى إِنَّك لَو وضعت فعلا بِغَيْر نهي فِي مَوضِع لَا تعصى الله لَكَانَ أطع الله وَلَو قلت لَا تَعْصِي الله يدْخلك النَّار كَانَ محالا لِأَن مَعْنَاهُ أطع الله وقولك أطع الله يدْخلك النَّار محَال وَكَذَلِكَ لَا تدنُ من الْأسد يَأْكُلك لَا يجوز لِأَنَّك إِذا قلت لَا تدن فَإِنَّمَا تُرِيدُ تبَاعد وَلَو قلت تبَاعد من الْأسد يَأْكُلك كَانَ محالا لِأَن تباعده مِنْهُ لَا يُوجب أكله إِيَّاه وَلَكِن لَو رفعت كَانَ جيدا تُرِيدُ فَإِنَّهُ مِمَّا يَأْكُلك وَأما قَوْله {قل لعبادي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن} وَمَا أشبهه فَلَيْسَ يَقُولُوا جَوَابا لقل وَلَكِن الْمَعْنى وَالله أعلم قل لعبادي قُولُوا يَقُولُوا وَكَذَلِكَ {قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة} وَإِنَّمَا هُوَ قل لَهُم يَفْعَلُوا يَفْعَلُوا وَتقول مُرهُ يحفرُها ومرهُ يحفُرْها فالرفع على ثَلَاثَة أوجه والجزم على وَجه وَاحِد وَهُوَ أَجود من الرّفْع لِأَنَّهُ على الْجَواب كَأَنَّهُ إِن أَمرته حفرهَا وَأما الرّفْع فأحد وجوهه أَن يكون يحفرها على قَوْلك فَإِنَّهُ مِمَّن يحفرها كَمَا كَانَ لَا تدنُ من الْأسد يَأْكُلك وَيكون على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ مره فِي حَال حفره فَلَو كَانَ اسْما لَكَانَ مرهُ حافرا لَهَا وَيكون على شَيْء هُوَ قَلِيل فِي الْكَلَام وَذَلِكَ أَن تُرِيدُ مره أَن يحفرها فتحذف أَن وترفع الْفِعْل لِأَن عَامله لَا يضمر وَبَعض النَّحْوِيين من غير الْبَصرِيين يُجِيز النصب على إِضْمَار أَن والبصريون يأبون ذَلِك إِلَّا أَن يكون مِنْهَا عوض نَحْو الْفَاء وَالْوَاو وَمَا ذَكرْنَاهُ مَعَهُمَا وَنَظِير هَذَا الْوَجْه قَول طرفَة

(أَلا أيُّهذا الزَّاجِري أحضُرُ الوَغى ... وأنْ أشْهَدَ اللّذاتِ هَلْ أنتَ مُخَلَدي)

وَمن رأى النصب هُنَاكَ رأى نصب أحضر فَأَما قَول الله عز وَجل {قل أفغير الله تأمروني أعبد أَيهَا الجاهلون} فتقديره وَالله أعلم قل افغير الله أعبد فِيمَا تأمروني فَغير مَنْصُوب بأعبد وَقد يجوز وَهُوَ بعيد على قَوْلك أَلا أيهذا الزاجري أحضرَ الوغى فَكَأَن التَّقْدِير قل أفغير الله تأمروني أعبد فتنصب غير ب تأمروني وَقد أجَازه سِيبَوَيْهٍ على هَذَا وَهَذَا قَول آخر وَهُوَ حذف الْبَاء كَمَا قَالَ

(أمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مالٍ وذَا نَشَبِ)

وَأَنا أكره هَذَا الْوَجْه الثَّانِي لبعده وَلَا يجوز على هَذَا القَوْل أَن ينصب غيرا بأعبد لِأَن أعبد على هَذَا فِي صلَة أَن وَأما قَوْله عز وَجل {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا} فعلى الْجَواب فَإِن قَالَ قَائِل أفأمر الله بذلك ليخوضوا ويلعبوا قيل مخرجه من الله عز وَجل على الْوَعيد كَمَا قَالَ عز وَجل {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} (وَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} أما قَوْله {ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبونَ} فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب وَلَكِن الْمَعْنى ذرهم لاعبين أَي ذرهم فِي حَال لعبهم

هَذَا بَاب ألفات الْوَصْل وَالْقطع[عدل]

وَهن همزات على الْحَقِيقَة فَأَما ألف الْقطع فَهِيَ الَّتِي تكون فِي أول الِاسْم أصلا أَو زَائِدَة كالأصل يبْنى عَلَيْهَا الِاسْم بِنَاء كَمَا يبْنى على الْمِيم الزَّائِدَة وَغَيرهَا من حُرُوف الزَّوَائِد فاستئنافها وَوَصلهَا بِمَا قبلهَا سَوَاء وَذَلِكَ نَحْو هَذَا أَب فَاعْلَم وَهَذَا أَخ يَا فَتى فَهَذِهِ الْأَصْلِيَّة وَكَذَلِكَ الْهمزَة فِي إبل وَفِي وَأمر فَأَما الزَّائِدَة فنحو أَحْمَر وأصفر وَهَذَا أفضل من ذَا لِأَنَّهُ من الْفضل والحمرة والصفرة وَأما ألف الْوَصْل فَإِنَّمَا هِيَ همزَة كَانَ الْكَلَام بعْدهَا لَا يصلح ابتداؤه لِأَن أَوله سَاكن وَلَا يقدر على ابْتِدَاء السَّاكِن فزيدت هَذِه الْهمزَة ليوصل بهَا إِلَى الْكَلَام بِمَا بعْدهَا فَإِن كَانَ قبلهَا كَلَام سَقَطت لِأَن الَّذِي قبلهَا مُعْتَمد للساكن مغن فَلَا وَجه لدخولها وَكَذَلِكَ إِن تحرّك الْحَرْف الَّذِي بعْدهَا لعِلَّة توجب ذَلِك سَقَطت الْألف للاستغناء عَنْهَا بتحرك مَا بعْدهَا لِأَن ابتداءه مُمكن فَإِنَّمَا تدخل فِي الْكَلَام للضَّرُورَة إِلَيْهَا وَسَنذكر موضعهَا من الْأَفْعَال وَمَا تدخله من الْأَسْمَاء إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب الْأَفْعَال الَّتِي تدْخلهَا ألف الْوَصْل وَالْأَفْعَال الممتنعة من ذَلِك[عدل]

أما مَا تدخله ألف الْوَصْل فَهُوَ كل فعل كَانَت الْيَاء وَسَائِر حُرُوف المضارعة تنفتح فِيهِ إِذا قلت يفعل قلت حُرُوفه أَو كثرت إِلَّا أَن يَتَحَرَّك مَا بعد الْفَاء فيستغني عَن الْألف كَمَا ذكرت لَك فَمن تِلْكَ الْأَفْعَال ضرب وَعلم وكرم وَتقول إِذا أمرت اِضرب زيدا اعْلَم ذَاك أكْرم يَا زيد لِأَنَّك تَقول يضْرب وَيعلم وَيكرم فالياء من جَمِيع هَذَا مَفْتُوحَة وَتقول يَا زيد اضْرِب عمرا فَتسقط الْألف كَمَا قَالَ عز وَجل {قل ادعوا الله} وكما قَالَ {واعلَموا إنّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ} لِأَن الْوَاو لحقت فَسَقَطت الْألف وَكَذَلِكَ تَقول انْطلق يَا زيد وَقد انْطَلَقت يازيد لِأَن الْألف مَوْصُولَة لِأَنَّك تَقول فِي الْمُضَارع ينْطَلق فتنفتح الْيَاء وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ استخرجت مَالا واستخرج إِذا أمرت لِأَنَّك تَقول يسْتَخْرج وكل فعل لم نذكرهُ تلْحقهُ هَذِه الْعلَّة فَهَذَا مجْرَاه فَأَما تفَاعل يتفاعل وَتفعل يتفعل نَحْو تقاعس الرجل وَتقدم الرجل فَإِن ألف الْوَصْل لَا تلْحقهُ وَإِن كَانَت الْيَاء مَفْتُوحَة فِي يتَقَدَّم وَفِي يتقاعس لِأَن الْحَرْف الَّذِي بعْدهَا متحرك وَإِنَّمَا تلْحق الْألف لسكون مَا بعْدهَا فَإِن كَانَ يفعل مضموم الْيَاء لم تكن الْألف إِلَّا مَقْطُوعَة لِأَنَّهَا تثبت كثبات الأَصْل إِذْ كَانَ ضم الْيَاء من يفعل إِنَّمَا يكون لما وليه حرف من الأَصْل وَذَلِكَ مَا كَانَ على افْعَل نَحْو أكْرم وَأحسن وَأعْطى لِأَنَّك تَقول يُكرم ويُحسن ويُعطي فتنضم الْيَاء كَمَا تنضم فِي يُدحرج ويُهملج فَإِنَّمَا تثبت الْألف من أكْرم كَمَا تثبت الدَّال فِي دحرج تَقول يَا زيد أكْرم عمرا كَمَا تَقول دحرج قَالَ الله عز وَجل {فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا} وَقَالَ {وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك} بِالْقطعِ وَكَانَ حق هَذَا أَن يُقَال فِي الْمُضَارع يؤكرم مثل يُدحرج ويؤحسن وَلَكِن أطرحت الْهمزَة لما أذكرهُ لَك فِي مَوْضِعه عَن شَاءَ الله وكل فعل كَانَت أَلفه مَوْصُولَة فلحقت الْألف مصدره فَهِيَ ألف وصل وَإِن كَانَ الْفِعْل فِيهِ ألف مَقْطُوعَة فَهِيَ فِي مصدره كَذَلِك فَأَما الموصولات فنحو الانطلاق والاستخراج والاقتداء وَأما المقطوعة فنحو الْإِكْرَام وَالْإِحْسَان والإعطاء وَاعْلَم أَن ألف الْوَصْل تسْتَأْنف مَكْسُورَة إِلَّا أَن يكون ثَالِث الْحُرُوف مضموما فِي جَمِيع الْأَفْعَال والأسماء فَأَما الْفِعْل فقولك اذْهَبْ استخرج اقتدر وَمَا لم نذكرهُ فَهَذِهِ حَاله وَأما الْأَسْمَاء فقولك ابْن اسْم انطلاق اسْتِخْرَاج اقتدار امْرُؤ فَاعْلَم فَأَما مَا ثالثه مضموم فَإِن ألف الْوَصْل تبتدأ فِيهِ مَضْمُومَة وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنه لَا يُوجد ضم بعد كسر إِلَّا أَن يكون ضم إِعْرَاب نَحْو فَخذ فَاعْلَم وَلَا يكون اسْم على فعل وَلَا غير اسْم فَلَمَّا كَانَ الثَّالِث مضموما وَلم يكن بَينه وَبَين الْألف إِلَّا حرف سَاكن لم يكن حاجزا واستؤنفت مَضْمُومَة تَقول استُضعف زيد وانطُلق بِعَبْد الله وَكَذَلِكَ فِي الْأَمر تَقول ادخل اُقعد و {اركض برجلك} وللمرأة مثل ذَلِك اُركضي ادخلي وَتقول اعزي يَا امْرَأَة لِأَن أصل الزَّاي الضَّم وَأَن يكون بعْدهَا وَاو وَلَكِن الْوَاو ذهبت لالتقاء الساكنين وأبدلت الضمة كسرة من أجل الْيَاء الَّتِي للتأنيث أَلا ترى أَنَّك تَقول للرجل أَنْت تضرب زيدا وللمرأة أَنْت تضربين فَإِنَّمَا تزيد الْيَاء وَالنُّون بعد انْفِصَال الْفِعْل لتمامه وَتقول للرجل أَنْت تغزو وللمرأة أَنْت تغزين فتذهب الْوَاو لالتقاء الساكنين على مَا ذكرت لَك فَأَما الْألف الَّتِي تلْحق مَعَ اللَّام للتعريف فمفتوحة نَحْو الرجل والغلام لِأَنَّهَا لَيست باسم وَلَا فعل وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة قد وَإِنَّمَا ألحقت لَام التَّعْرِيف لسكون اللَّام فخولف بحركتها لذَلِك وَكَذَلِكَ ألف ايمن الَّتِي تدخل للقسم مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ اسْم غير مُتَمَكن وَلَيْسَ بواقع إِلَّا فِي الْقسم فخولف بِهِ فَتَقول ايمن اللهِ لَأَفْعَلَنَّ ايمن الْكَعْبَة لَأَفْعَلَنَّ ويدلك على أَنَّهَا ألف وصل سُقُوطهَا فِي الإدراج تَقول وايمن الله لَأَفْعَلَنَّ كَمَا قَالَ فِي أُخْرَى

(فَقَالَ فَريقُ القومِ لمّا نشَدتُهُمْ ... نَعَمْ وفريقٌ لَيْمُنِ اللهِ مَا نَدري)

وَاعْلَم أَن ألف الْوَصْل إِذا لحقتها ألف الِاسْتِفْهَام سَقَطت لِأَنَّهُ قد صَار فِي الْكَلَام مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْهَا كَمَا ذكرت لَك أَنه إِذا كَانَ مَا بعْدهَا مَوْصُولا بِمَا قبلهَا سَقَطت لِأَنَّهُ قد اسْتغنى عَنْهَا إِذْ لم يكن لَهَا معنى إِلَّا التَّوَصُّل إِلَى الْكَلَام بِمَا بعْدهَا وَذَلِكَ قَوْلك أنطلقت يَا رجل بِالْفَتْح لِأَنَّهَا ألف الِاسْتِفْهَام وَكَذَلِكَ استخرجت شَيْئا فَهِيَ الْألف الَّتِي فِي قَوْلك أضربت زيدا وَمثل ذَلِك {أتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار} إِلَّا ألف ايمن وَألف الرجل فَإنَّك إِذا استفهمت مددت لِئَلَّا يلتبس الِاسْتِفْهَام بالْخبر لِأَنَّهُمَا مفتوحتان وَألف الِاسْتِفْهَام مَفْتُوحَة تَقول آلرجل قَالَ ذَلِك آلغلام جَاءَك آيمنُ الله لَأَفْعَلَنَّ

هَذَا بَاب دُخُول ألف الْوَصْل فِي الْأَسْمَاء غير المصادر[عدل]

اعْلَم أَنَّهَا تدخل فِي أَسمَاء مَعْلُومَة وَتلك الْأَسْمَاء اختلت وأزيلت عَن وَجههَا فسكنت أوائلها فدخلتها ألف الْوَصْل لذَلِك فَإِن اتَّصل بهَا شَيْء قبلهَا سَقَطت الألفات لِأَن ألفات الْوَصْل لَا حَظّ لَهَا فِي الْكَلَام أَكثر من التَّوَصُّل إِلَى التَّكَلُّم بِمَا بعْدهَا فَإِذا وصل إِلَى ذَلِك بغَيْرهَا فَلَا وَجه لذكرها وَلم يكن حق الْألف أَن تدخل على الْأَسْمَاء كَمَا لم يكن حق الْأَفْعَال أَن تعرب وَلَكِن أعرب مِنْهَا مَا ضارع الْأَسْمَاء وأدخلت هَذِه الْألف على الْأَسْمَاء الَّتِي اختلت فنقصت عَن تمكن غَيرهَا من الْأَسْمَاء فَمن ذَلِك ابْن وَابْنَة لِأَنَّهُ اسْم مَنْقُوص قد سقط مِنْهُ حرف وَذَلِكَ الْحَرْف يَاء أَو وَاو فَتَقول هَذَا ابْن زيد وَهَذِه ابْنة زيد فَتسقط ألف الْوَصْل وَكَذَلِكَ إِن صغرت سَقَطت لِأَن الْفَاء الْفِعْل تتحرك وتبتدأ وتستغنى عَن ألف الْوَصْل تَقول بنيّ وبُنية وَكَذَلِكَ بنُون لما حركت الْبَاء سَقَطت الْألف وَبَنَات بمنزلتها - وَمن هَذِه الْأَسْمَاء اسْم تَقول بدأت باسم الله وَإِذا صغرت قلت سمى وَاثْنَانِ كَذَلِك وَلَو كَانَ يفرد لَكَانَ يجب أَن يكون فِي الْوَاحِد اثن وَلكنه لَا يفرد فِي الْعدَد فَيبْطل مَعْنَاهُ وَمن الْعَرَب من يَجعله اسْما لليوم على غير معنى الْعدَد فَيَقُول الْيَوْم الاثن كَمَا يَقُول الابْن وَالْيَوْم الثني وَلَيْسَ ذَلِك بالجيد لِأَن معنى التَّثْنِيَة أَن الْوَاحِد كَانَ عِنْدهم الأول ثمَّ بنوا الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس على ذَلِك كَمَا تَقول الْيَوْم يَوْمَانِ من الشَّهْر أَي تَمام يَوْمَيْنِ وَمن ذَلِك اِستٌ إِنَّمَا هِيَ على ثَلَاثَة أحرف فالسين مَوضِع الْفَاء وَالتَّاء مَوضِع الْعين وَالْهَاء فِي مَوضِع اللَّام وَهِي الساقطة يدلك على ذَلِك قَوْلك فِي التصغير سُتيهة وَفِي الْجمع أستاه فَاعْلَم وَمِنْهَا امْرُؤ فَاعْلَم واعتلاله إتباع عينه للامه وَهَذَا لَا يُوجد فِي غير مَا يعتل من الْأَسْمَاء وَمن ذَلِك ابنم وَإِنَّمَا هُوَ ابْن وَالْمِيم زَائِدَة فزادت فِي هَذَا الِاسْم المعتل كَمَا ذكرت لَك فاتبعت النُّون مَا وَقع فِي مَوضِع اللَّام كَمَا أتبعت الْعين اللَّام فِيمَا ذكرت لَك وَمَعْنَاهَا بِزِيَادَة الْمِيم وطرحها وَاحِد قَالَ المتلمس

(وَهَلْ لَي أمٌّ غيرُها إنْ تركتُها ... أَبى اللهُ إلّا أنْ أكونَ لَهَا ابْنَمَا)

وَقَالَ الْكُمَيْت بن زيد الْأَسدي

(وَمِنَّا لَقِيطٌ وابْنَماهُ وحَاجِبٌ ... مُؤَرَّثُ نِيرانِ المكارِمِ لَا المُخبي)

أَي وابناه فألف الْوَصْل فِي هَذِه الْأَسْمَاء على مَا ذكرت وَمن ألفات الْوَصْل الْألف الَّتِي تلْحق مَعَ اللَّام للتعريف وَإِنَّمَا زيدت على اللَّام لِأَن اللَّام مُنْفَصِلَة مِمَّا بعْدهَا فَجعلت مَعهَا اسْما وَاحِدًا بِمَنْزِلَة قد أَلا ترى أَن المتذكر يَقُول قدْ فيقف عَلَيْهَا إِلَى أَن يذكر مَا بعْدهَا فَإِن توهم شَيْئا فِيهِ ألف الْوَصْل قَالَ قدى يقدر قد انْطَلَقت قد استخرجت وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ فِي الْألف وَاللَّام تَقول جَاءَنِي ال وَرُبمَا قَالَ الى يُرِيد الابْن الْإِنْسَان على تَخْفيف الْهمزَة فيفصلها كَمَا يفصل الْبَائِن من الْحُرُوف قَالَ الراجز

(دَعْ ذَا وَقدم ذَا وألحِقْنَا بذلْ ... )

فَوقف عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ متذكرا لَهَا ولحرف الْخَفْض الَّذِي مَعهَا

(بالشَّحْمِ إِنَّا قد مَلَلناهُ بَجَلْ ... )

هَذَا بَاب مصَادر الْأَفْعَال إِذا جَاوَزت الثَّلَاثَة صحيحها ومعتلها والاحتجاج لذَلِك وَذكر أبنيتها[عدل]

أما مَا كَانَ من ذَوَات الْأَرْبَعَة فَإِن فعل مِنْهُ يكون على فَعْلّل مَاضِيا وَيكون مستقبله على يُفعلِل ومصدره على فَعللة وفعلان نَحْو دحرجته دحرجة وهملج الدَّابَّة هملجة وسرهفته سرهفة وسرعفته سرعفة وزلزل الله بهم زَلْزَلَة والمضارع يُدحرج ويسرهف ويهملج والفعلان نَحْو السرهاف والسرعاف والزلزال والمصدر اللَّازِم هُوَ الفعللة وَالْهَاء لَازِمَة لَهُ لِأَنَّهَا بدل من الْألف الَّتِي تلْحق هَذَا الضَّرْب من المصادر قبل أواخرها نَحْو مَا ذكرنَا من السرهاف والزلزال قَالَ العجاج

(سَرهَفْتُه مَا شِئتَ مِنْ سِرْهافِ) وَمَا كَانَ من ذَوَات الثَّلَاثَة المزيدة الْوَاقِعَة على هَذَا الْوَزْن من الْأَرْبَعَة فَحكمه حكم هَذِه الَّتِي وصفناها إِذا كَانَت زِيَادَته للإلحاق وَذَلِكَ نَحْو حوقلت حوقلة وبيطرت بيطرة وجهور بِكَلَامِهِ جهورة وَكَذَلِكَ شمللت شمللة وصعررت صعررة وسلقيته سلقاة يَا فَتى وجعبيته جعباة يَا فَتى والمضارع على مِثَال يدحرج نَحْو يجعبي ويحوقل ويشملل وَكَذَلِكَ جَمِيعهَا فَأَما مثل الزلزال والسرهاف فالحيقال والسلقاء كَمَا قَالَ

(يَا قومُ قدْ حَوْقَلْتُ أَو دَنَوتُ ... )


(وبَعْضُ سيِقال الرجالِ المَوتُ ... )

فَإِن كَانَ الشَّيْء من ذَوَات الثَّلَاثَة على وزن ذَوَات الْأَرْبَعَة الَّتِي وَصفنَا من زَوَائِد غير حُرُوف الْإِلْحَاق فَإِن الْمُضَارع كمضارع ذَوَات الْأَرْبَعَة لِأَن الْوَزْن وَاحِد وَلَا يكون الْمصدر كمصادرها لِأَنَّهُ غير مُلْحق بهَا وَذَلِكَ مَا كَانَ على فعلت وفاعلت أفعلت فالوزن على وزن دحرجت تَقول قطّعَ يُقَطّع وَكسر يُكَسّر على مِثَال يدحرج فَهَذَا فعلت وَأما فاعلت فنحو قَاتل يُقَاتل وضارب يضارب وَأما أفعلت فنحو أكْرم يكرم وَأحسن يحسن وَكَانَ الأَصْل يؤكرم ويؤحسن حَتَّى يكون على مِثَال دحرج لِأَن همزَة أكْرم مزيدة بحذاء دَال دحرج وَحقّ الْمُضَارع أَن يَنْتَظِم مَا فِي الْمَاضِي من الْحُرُوف وَلَكِن حذفت هَذِه الْهمزَة لِأَنَّهَا زَائِدَة وتلحقها الْهمزَة الَّتِي يَعْنِي بهَا الْمُتَكَلّم نَفسه فتجتمع همزتان فكرهوا ذَلِك وحذفوها إِذْ كَانَت زَائِدَة وَصَارَت حُرُوف المضارعة تَابِعَة للهمزة الَّتِي يَعْنِي بهَا الْمُتَكَلّم نَفسه كَمَا حذفت الْوَاو الَّتِي فِي يعد لوقوعها بَين يَاء وكسرة وَصَارَت حُرُوف المضارعة تَابِعَة للياء وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُم قد حذفوا الْهمزَة الاصلية للاتقاء الهمزتين فِي قَوْلك كل وَخذ فِرَارًا من أؤكل وَمن أؤخذ وأمنوا الالتباس فَإِن اضْطر شَاعِر فَقَالَ يؤكرم يؤحسن جَازَ ذَلِك كَمَا قَالَ

(وَصَالِياتٍ كَكَمَا يُؤَثَفَيْنَ ... ) وكما قَالَ

(كُراتُ غُلامٍ فِي كساءِ مؤرْنَبَ ... )

وكما قَالَ

(فإنَّهَ أهلٌ لأنْ يَؤكَرَمَا ... )

وَقد يَجِيء فِي الْبَاب الْحَرْف والحرفان على اصولهما وَإِن كَانَ الِاسْتِعْمَال على غير ذَلِك ليدل على اصل الْبَاب فَمن ذَلِك {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمَ الشَّيْطانُ}

وأغيلت الْمَرْأَة الْمُسْتَعْمل فِي هَذَا الإغيال على مَا يجده فِي كتاب التصريف نَحْو استجاز وَأقَام واستقام وَكَذَلِكَ لححت عينه وَنَحْو ذَلِك

(قَدْ عَلمتْ ذاكَ بناتُ ألبُبِهِ ... )

فمما جَاءَ على أَصله فِيمَا الْهمزَة فِيهِ قَوْلهم اومرُ فَهَذَا كنحو مَا وصفت لَك فِي الْكَلَام وَلم يجز فِي الزَّائِدَة مثل هَذَا فِي غير الشّعْر لِأَن الْأَصْلِيَّة أمكن فَإِذا كَانَ اثباتها مُمْتَنعا فَهُوَ من الزِّيَادَة أبعد فالمصدر فِي افعلت على مِثَال الزلزال وَلم يكن فِيهِ مصدر جَاءَ لزلزلة لِأَنَّهُ نقص فِي الْمُضَارع فَجعل هَذَا عوضا وَذَلِكَ نَحْو أكرمت إِكْرَاما وأعطيته إِعْطَاء وَأسْلمت إسلاما فَهَذَا غير منكسر وَلَا مُمْتَنع فِي افعلت من الصَّحِيح وَأما فاعلت فمصدره اللَّازِم مفاعلة مَا كَانَ فِيهِ لأثنين أَو لوَاحِد وَذَلِكَ نَحْو قَاتَلت مقاتلة وشاتمت مشاتمة وضاربت مُضَارَبَة فَهَذَا على مِثَال دحرجت مدحرجة يَا فَتى وَلم يكن فِيهِ شَيْء على مِثَال الدحرجة لِأَنَّهُ لَيْسَ بملحق بفعللت وَيَجِيء فِيهِ الفعال نَحْو قَاتلته قتالا وراميته رماء وَكَانَ الأَصْل فيعالا لِأَن فاعلت على وزن افعلت وفعللت فَكَانَ الْمصدر كالزلزال وَالْإِكْرَام وَلَكِن الْيَاء محذوفة فِي فيعال اسْتِخْفَافًا وَإِن جَاءَ بهَا جاءٍ فمصيب وَأما قَوْلنَا مَا يكون لاثْنَيْنِ نَحْو شاتمت وضاربت لَا يكون هَذَا من وَاحِد وَلَكِن من اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَأما مَا يكون لوَاحِد من هَذَا الْبَاب فنحو عَاقَبت اللص وطارقت النَّعْل وَعَافَاهُ الله وَلِهَذَا مَوضِع مُمَيّز فِيهِ إِن شَاءَ الله وَمن هَذَا الْوَزْن فعلت ومصدره التفعيل لِأَنَّهُ لَيْسَ بملحق فالتاء الزَّائِدَة عوض من تثقيل الْعين وَالْيَاء بدل من الْألف الَّتِي تلْحق قبل أَوَاخِر المصادر وَذَلِكَ قَوْلك قطعته تقطيعا وكسرته تكسيرا وشمرت تشميرا وَكَانَ اصل هَذَا الْمصدر أَن يكون فعالا كَمَا قلت أفعلت إفعالا وزلزلت زلزالا وَلكنه غير لبَيَان أَنه لَيْسَ بملحق وَلَو جَاءَ بِهِ جاءٍ على الأَصْل لَكَانَ مصيبا كَمَا قَالَ الله عز وَجل {وَكَذَّبوا بآياتِنَا كِذَّباً} فَهَذَا على وزن وَاحِد اعني فعللت وفاعلت وافعلت وَفعلت والمحلقات بفعللت ويسكن أول الْفِعْل من قبيل غير هَذَا فتلحقها ألف الْوَصْل وَتَكون على مِثَال انفعل وَذَلِكَ نَحْو انْطلق والمصدر على الانفعال تَقول انْطلق انطلاقا وانكسر انكسارا وَانْفَتح انفتاحا وَلَا تلْحق النُّون زَائِدَة ثَانِي لِأَلف الْوَصْل إِلَّا هَذَا الْمِثَال وَفِي وَزنه ماكان على افتعل وَالْفَاء تسكن فتحلقها ألف الْوَصْل فَيكون الْمصدر الافتعال وَذَلِكَ نَحْو اقتدر اقتدارا واقتحم اقتحاما واكتسب اكتسابا وَلَا تلْحق التَّاء شَيْئا من الْأَفْعَال زَائِدَة بعد حرف أُصَلِّي إِلَّا هَذَا الْمِثَال ويضاعف آخر الْفِعْل ويسكن أَوله فتلحقه ألف الْوَصْل وَيكون على هَذَا الْوَزْن إِلَّا إِن الْإِدْغَام يُدْرِكهُ لالتقاء الحرفين من جنس وَاحِد وَذَلِكَ نَحْو احمررت واسوددت واخضررت فَإِذا قلت احمر يَا فَتى وَمَا أشبهه لحقه الْإِدْغَام فَهَذَا قبيل آخر وَمن الْأَفْعَال مَا يَقع على مِثَال استفعلت وَذَلِكَ أَن السِّين وَالتَّاء زائدتان إِلَّا إِن السِّين سَاكِنة تلحقها ألف الْوَصْل وَذَلِكَ نَحْو استخرجت واستكرمت واستطعمت فالمصدر من ذَا استفعالا تَقول استخرجت استخراجا واستنطقت استنطاقا وَيكون على هَذَا الْوَزْن إِلَّا أَن آخِره مضاعف فيدركه الْإِدْغَام وَذَلِكَ الْمِثَال نَحْو احماررت وابياضضت على معنى احمررت وابيضضت إِلَّا أَن الأَصْل افعاللت وافعللت مَحْذُوف مِنْهُ والمصدر على وزن مصدر استفعلت وَتَقْدِيره افعيلال وَذَلِكَ اشهاب الْفرس اشهيبابا وادهام ادهيماما وابياض ابيضاضا وَيكون هَذَا على الْوَزْن ويسكن أَوله فتلحقه ألف الْوَصْل إِلَّا أَن الْوَاو فِيهِ مضاعفة وَذَلِكَ افعولت ومصدره افعوالا وَذَلِكَ اجلوذ اجلواذا واعلوط اعلواط وَمن هَذَا الْوَزْن مَا زيدت فِيهِ الْوَاو بَين الْعَينَيْنِ فَكَانَ على مِثَال افعوعل وَذَلِكَ نَحْو اغدودن واعشوشبت الارض واخلولق للخير والمصدر افعيعالا على وزن استخراجا فِي السّكُون وَالْحَرَكَة وَكَذَلِكَ كل شَيْء وازن شَيْئا فَهُوَ يجْرِي مجْرَاه فِي سكونه وحركته فِي الْمُضَارع والمصدر إِلَّا مَا ذكرت لَك من مُخَالفَة فعّل وأفعل فِي الْمصدر للأربعة لتفصل بَين الملحق وَغَيره وَيَقَع فِي الْوَزْن افعنلل من الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة مُلْحقَة بالأربعة فَذَلِك نذكرهُ بعد هَذَا الْبَاب وَقَوْلنَا أَن الْأَفْعَال إِذا وَقعت على وزن وَاحِد بِغَيْر إِلْحَاق فِي الثَّلَاثَة الَّتِي تلحقها الزَّوَائِد اسْتَوَت مصادرها فِيهِ بَيَان كل مَا يرد فِي هَذَا الْبَاب وَاعْلَم أَن التَّاء تلْحق فَاعل وَفعل فَيكون الْفِعْل على تفَاعل وَتفعل كَمَا تلْحق فعلل الَّذِي أَصله الْأَرْبَعَة وَذَلِكَ نَحْو دحرج إِذا ذكرت المطاوعة قلت تدحرج فَيكون الْمصدر تدحرجا فَكَذَلِك تَقول تقطع تقطعا وتكسر تكسرا وَفِي فَاعل تَقول تغافل تغافلا وَتَنَاول تناولا لِأَنَّك تَقول ناولته فَتَنَاول كَمَا تَقول دحرجته فتدحرج وَكَذَلِكَ كَسرته فتكسر

هَذَا بَاب أَفعَال المطاوعة[عدل]

من الْأَفْعَال الَّتِي فِيهَا الزَّوَائِد من الثَّلَاثَة وَالْأَفْعَال الَّتِي لَا زَوَائِد فِيهَا مِنْهَا وأفعال المطاوعة أَفعَال لَا تتعدى إِلَى مفعول لِأَنَّهَا إِخْبَار عَمَّا تريده من فاعلها فَإِذا كَانَ الْفِعْل بِغَيْر زِيَادَة فمطاوعة يَقع على انفعل وَقد يدْخل عَلَيْهِ افتعل إِلَّا أَن الْبَاب انفعل وَذَلِكَ قَوْلك كَسرته فانكسر فَإِن الْمَعْنى أَنِّي أردْت كَسره فبلغت مِنْهُ إرادتي وَكَذَلِكَ قطعته فَانْقَطع وشويت اللَّحْم فانشوى ودفعته فَانْدفع وَقد يَقع اشتوى فِي معنى انشوى لِأَن افتعل وانفعل على وزن فَأَما الأجود فِي قَوْلك اشتوى فَأن يكون مُتَعَدِّيا على غير معنى الانفعال وَتقول اشتوى الْقَوْم أَي اتَّخذُوا شواءً فَتَقول على هَذَا اشتوى الْقَوْم لَحْمًا وَلَا يكون انفعل من هَذَا وَلَا من غَيره إِلَّا غير مُتَعَدٍّ إِلَى مفعول وَإِن كَانَ الْفِعْل على افْعَل فبابه افعلته فَفعل وَيكون فعل مُتَعَدِّيا وَغير مُتَعَدٍّ وَذَلِكَ أخرجته فَخرج لِأَنَّك كنت تَقول خرج زيد فَإِذا فعل بِهِ ذَلِك غَيره قلت أخرجه عبد الله أَي جعله يخرج وَكَذَلِكَ ادخلته الدَّار فَدَخلَهَا أَي جعلته يدخلهَا فَإِنَّمَا افعلته دَاخِلَة على فعل تَقول عطا يعطو إِذا تنَاول وأعطيته أَنا ناولته فَالْأَصْل ذَا وَمَا كَانَ من سَوَاء فداخل عيه تَقول ألبسته فَلبس وَأَطْعَمته فَطَعِمَ فَأَما طرحت الْبِئْر وطرحتها وغاض المَاء وغضته وَكسب زيد درهما وَكَسبه فَهُوَ على هَذَا بِحَذْف الزَّوَائِد وَكَذَلِكَ إِن كَانَ من غير هَذَا الْفظ نَحْو أَعْطيته فَأَخذه إِنَّمَا أَخذ فِي معنى عطا أَي تنَاول فَإِن كَانَ الْفِعْل على فَاعل مِمَّا يَقع لوَاحِد فالمفعول الَّذِي يَقع فِيهِ على إِنَّه كَانَ فَاعِلا يكون على متفاعل وَفعله على تفَاعل تَقول ناولته فَتَنَاول وقاعسته فتقاعس هَذَا إِنَّمَا يصلح إِذا كَانَ فَاعل للْفَاعِل وَحده نَحْو عافاه الله وناولت زيد فَأَما إِذا كَانَ من اثْنَيْنِ فَهُوَ خَارج من هَذَا وَذَلِكَ نَحْو شاتمت زيدا أَي كَانَ مِنْهُ إِلَيّ مثل مَا كَانَ مني إِلَيْهِ وقاتلت زيدا وضاربت عمرا فالغالب من ذَا يَقع على فعل يفعل من الصَّحِيح تَقول شاتمني فشتمته وَحقّ لي أَن اشتمه وضاربني فضربته فَأَنا أضربه لَا يكون الْفِعْل من هَذَا إِلَّا على مِثَال قتل يقتل وَلَيْسَ من بَاب ضرب يضْرب وَلَا علم يعلم فَإِذا كَانَ الْفِعْل على مِثَال فعلت أَو فاعلت فقد قُلْنَا إِنَّه يكون على تفَاعل وَتفعل واستفعل يكون المطاوع فِيهِ على مِثَاله قبل أَن تلْحقهُ الزِّيَادَة إِذا كَانَ الْمَطْلُوب من فعله وَذَلِكَ استنطقته فَنَطَقَ واستكتمته فكتم واستخرجته فَخرج فَإِن كَانَ من غير فعله جَاءَ على لفظ آخر نَحْو استخبرته فَأخْبر لِأَنَّك تُرِيدُ سَأَلته أَن يُخْبِرنِي وَكَانَ فعله أخبر بِالْألف الثَّانِيَة فجَاء على مِقْدَار مَا كَانَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ استعلمته فَأَعْلمنِي فعلى هَذَا يجْرِي مَا ذَكرْنَاهُ من هَذِه الْأَفْعَال

هَذَا بَاب مَا كَانَ من بَنَات الْأَرْبَعَة وَألْحق بِهِ من الثَّلَاثَة[عدل]

فمثال بَنَات الْأَرْبَعَة الَّتِي لَا زِيَادَة فِيهَا فعلل وَذَلِكَ نَحْو دحرج وهملج وسرهف وَقد مضى قَوْلنَا فِي مصدره وتلحق بِهِ الثَّلَاثَة بِالْوَاو ثَانِيَة فَيكون على فوعل وَذَلِكَ نَحْو حوقل كَمَا تلْحق اسْما نَحْو كوثر وجورب والمصدر كالمصدر وتلحق الْوَاو ثَالِثَة فَيكون على فعول نَحْو جهورة كَلَامه جهور كَمَا يلْحقهُ اسْما وَذَلِكَ قَوْلك جدول والمصدر كالمصدر وتلحقه الْيَاء ثَانِيَة فَيكون الْفِعْل على فيعل وَذَلِكَ نَحْو بيطر كَمَا يلْحقهُ اسْما إِذا قلت رجل جيدر وصيرف والمصدر كالمصدر تَقول بيطر بيطرة وتلحقه الْيَاء رَابِعَة نَحْو سلقى وجعبى والمصدر كالمصدر وَنَظِيره من الْأَسْمَاء أرطى وعلقى ويدلك على أَن الْألف لَيست للتأنيث أَنَّك تَقول فِي الْوَاحِدَة أَرْطَاة وعلقاة وَهَذَا مُبين فِي بَاب التصريف وَإِنَّمَا نذْكر هَا هُنَا شَيْئا للباب الَّذِي ذَكرْنَاهُ وكل مَا كَانَ مُلْحقًا بِشَيْء من الْفِعْل فمصدره كمصدره وَلَيْسَ فِي الْأَفْعَال شَيْء على فعيل وَلَكِن فعيل مُلْحق بهجرع وَذَلِكَ هريع وحيثل فالفعل من بَنَات الْأَرْبَعَة بِغَيْر زِيَادَة لَا يكون إِلَّا على فعلل فالأسماء تكون على فعلل نَحْو جَعْفَر وفعلل نَحْو الترتم والجلجل وَيكون على فعلل نَحْو زهلق وخمخم وَيكون على فعلل نَحْو هجرع وَدِرْهَم لتمكن الْأَسْمَاء وتقدمها الْأَفْعَال وَيكون الْأَسْمَاء على فعل نَحْو قمطر سبطر فَأَما الْأَفْعَال فتلحقها الزِّيَادَة فَيكون الْفِعْل على تفعلل وَهُوَ الْفِعْل الَّذِي يَقع على فعلل وَذَلِكَ نَحْو تدحرج وتسرهف لِأَن التَّقْدِير دحرجته فتدحرج والمصدر التفعلل ومصدر تفعل التفعل كَقَوْلِك تكسر تكسرا ومصدر تفَاعل إِنَّمَا هُوَ التفاعل نَحْو تغافل تغافلا فاستوت مصارد هَذِه فِي السّكُون وَالْحَرَكَة كَمَا اسْتَوَت أفعالها وتلحق النُّون الْأَفْعَال ثَالِثَة وتسكن أَولهَا وتلحقها ألف الْوَصْل فَيكون على افنعلل وَذَلِكَ نَحْو احرنجم واخرنطم والملحق بِهِ من بَنَات الثَّلَاثَة يكون على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن تضَاعف اللَّام فَيكون الْوَزْن افعنلل وَإِحْدَى اللامين زَائِدَة وَذَلِكَ نَحْو اقعنسس وَالْوَجْه الآخر أَن تزاد يَاء بعد اللَّام فَيكون افعنلى وَذَلِكَ نَحْو اسنلقى وَلَا يكون الْإِلْحَاق بِهِ من بَنَات الثَّلَاثَة غير احرنجم لِأَن النُّون إِنَّمَا تقع بَين حرفين من الأَصْل فَلَا يكون فِيمَا ألحق بِهِ إِلَّا كَذَلِك وتلحق بَنَات الْأَرْبَعَة الزِّيَادَة آخرا ويسكن أَولهَا فتلحقها ألف الْوَصْل فَيكون بِنَاء الْفِعْل على افعللت وافعلل إِلَّا أَن الْإِدْغَام يُدْرِكهُ وَذَلِكَ نَحْو اقشعررت واقشعرّ وَكَانَ أَصله اقشعرر فنظيره من الثَّلَاثَة احماررت واشهاببت واشهاب الْفرس ومصدره كمصدره لِأَن الْوَزْن وَاحِد وَكَذَلِكَ استفعلت الَّذِي لَا يكون إِلَّا من الثَّلَاثَة وَذَلِكَ قَوْلك اشهاب الْفرس اشهيبابا كَمَا تَقول استخرج استخراجا وأغدودن اغديدانا واعلوط اعلواطا وَقد مضى قَوْلنَا فِي اسْتِوَاء المصادر فِي السّكُون وَالْحَرَكَة إِذا اسْتَوَت أفعالها وَلَا يكون الْفِعْل من بَنَات الْخَمْسَة الْبَتَّةَ إِنَّمَا يكون من الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَمِثَال الْخَمْسَة للأسماء خَاصَّة لقُوَّة الْأَسْمَاء وتمكنها وَأكْثر مَا يبلغ الْعدَد فِي الْأَسْمَاء بِالزِّيَادَةِ سَبْعَة أحرف وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِي المصادر من الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وهما اشهيباب واحرنجام وَمَا وَقع على هَذَا الْوَزْن من الثَّلَاثَة فَأَما الْخَمْسَة فَلَا تبلغ بِالزِّيَادَةِ إِلَّا سِتَّة أحرف لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا فعل فَيكون لَهَا مصدر كهذه المصادر وَلَكِن تلحقها الزَّوَائِد كَمَا تلْحق سَائِر الْأَسْمَاء وَذَلِكَ نَحْو عضرفوط وعندليب وقبعثري وَهَذَا مُبين فِي بَاب التصريف

هَذَا بَاب ذَوَات الثَّلَاثَة من الْأَفْعَال بِغَيْر زِيَادَة[عدل]

فالأفعال مِنْهَا تكون على فعل يفعل لما كَانَ مُتَعَدِّيا وَغير مُتَعَدٍّ فَأَما الْمُتَعَدِّي فنحو ضرب يضْرب وَحبس يحبس وَشتم يشْتم وَأما غير الْمُتَعَدِّي فنحو جلس يجلس وحرص يحرص وشهق يشهق فَتكون على فعل يفعل فَيكون للمتعدي وَغَيره فَأَما الْمُتَعَدِّي فنحو قتل يقتل وسجن يسجن وعتل يعتل وَأما غير المعتدي فنحو قعد يقْعد وَنظر ينظر من الْعين وعطس يعطس وَتَكون على فعل يفعل لما يتَعَدَّى وَلما لَا يتَعَدَّى فالمتعدي شرب يشرب ولقم يلقم وحذر يحذر وَأما غير الْمُتَعَدِّي فنحو بطر يبطر وَفقه يفقه ولحح يلحح وشتر يشتر وَيكون على فعل يفعل وَلَا يكون إِلَّا لما لَا يتَعَدَّى وَذَلِكَ نَحْو كرم يكرم وَشرف وظرف فَهَذِهِ أبنية الثَّلَاثَة وَاعْلَم أَن حُرُوف الْحلق إِذا وَقعت من فعل المفتوح فِي مَوضِع الْعين أَو اللَّام جَاءَ فِيهِ يفعل بِالْفَتْح وَذَلِكَ لِأَن حُرُوف الْحلق من حيّز الْألف والفتحة مِنْهَا وَإِن كَانَ حرف الْحلق فِي مَوضِع الْعين من الْفِعْل انفتحت الْعين ليَكُون الْعَامِل من وَجه وَاحِد فَأَما مَا كَانَت مِنْهُ فِي مَوضِع اللَّام فسنذكره بعد ذكرنَا حُرُوف الْحلق إِن شَاءَ الله وَهَذِه الْحُرُوف السِّتَّة فأقصدها الْهمزَة وَالْهَاء والمخرج الثَّانِي الْعين والحاء وادنى مخارج الْحلق إِلَى الْفَم الْغَيْن وَالْخَاء فَمَا كَانَ من ذَلِك فِي مَوضِع اللَّام فنحو قَرَأَ يقْرَأ وبسأ بِهِ يبسأ وجبه يجبهُ وصنع يصنع ونطح يَنْطَح وسنح يسنح ومنح يمنح وسلخ يسلخ ونبغ يَنْبغ وَرقا يرقأ وَمَا كَانَ فِي مَوضِع الْعين فنحو ذهب يذهب وَفعل يفعل وَنحل ينْحل ونهش ينهش وجأر يجأر وَإِن كَانَ حرف الْحلق فِي مَوضِع الْفَاء لم يفتح لَهُ شَيْء وَذَلِكَ أَن الْفَاء لَا تكون إِلَّا سَاكِنة فِي يفعل وَإِنَّمَا تتحرك فِي المعتل بحركة غَيرهَا نَحْو يَقُول يَبِيع وَاعْلَم إِن الأَصْل مُسْتَعْمل فِيمَا كَانَت حُرُوف الْحلق فِي مَوضِع عينه أَو لامه نَحْو زأر الْأسد يزئر ونأم ينئم لِأَن هَذَا هُوَ الأَصْل وَالْفَتْح عَارض لما ذكرت لَك هَا هُنَا من أجل مصادره ليجري الْفِعْل عَلَيْهَا وَنحن ذاكروها بعد ذكر أَسمَاء الفاعلين فِي هَذِه الْأَفْعَال إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب معرفَة أَسمَاء الفاعلين فِي هَذِه الْأَفْعَال وَمَا يلْحقهَا من الزِّيَادَة للْمُبَالَغَة[عدل]

اعْلَم أَن الِاسْم على فعل فَاعل نَحْو قَوْلك ضرب فَهُوَ ضَارب وَشتم فَهُوَ شاتم وَكَذَلِكَ فعل نَحْو علم فَهُوَ عَالم وَشرب فَهُوَ شَارِب فَإِن أردْت أَن تكْثر الْفِعْل كَانَ للتكثير أبنية فَمن ذَلِك فعال تَقول رجل قتّال إِذا كَانَ يكثر الْقَتْل فَأَما قَاتل فَيكون للقليل وَالْكثير لِأَنَّهُ الأَصْل وعَلى هَذَا تَقول رجل ضرّاب وشتّام كَمَا قَالَ

(أَخا الحَربِ لَبّاساً إِلَيْهَا جِلالها ... ولَيسَ بِوَلاّجِ الخَوالِفِ أعقلا)

فَهَذَا ينصب الْمَفْعُول كَمَا ينصبه فَاعل لِأَنَّك إِنَّمَا تُرِيدُ بِهِ مَا تُرِيدُ بفاعل إِلَّا أَن هَذَا أَكثر مُبَالغَة أَلا ترَاهُ يَقُول

(لبّاسا إِلَيْهَا جلالها ... )

وَمن كَلَام الْعَرَب أما الْعَسَل فَأَنت شرّاب وَمن هَذِه الْأَبْنِيَة فعول نَحْو ضروب وقتول وركوب تَقول هُوَ ضروب زيدا إِذا كَانَ يضْربهُ مرّة بعد مرّة كَمَا قَالَ

(ضَرُوبٌ بَنَصلِ السيفِ سُوقَ سِمانها ... إِذا عَدِموا زاداُ فأنكَ عاقِرُ)

وَمن كَلَام الْعَرَب إِنَّه ضروب رُؤْس الدارعين وَمن هَذِه الْأَبْنِيَة مفعال نَحْو رجل مِضراب وَرجل مقتال وَمن كَلَام الْعَرَب إِنَّه لمِنحار بَوائكها فَأَما مَا كَانَ على فعيل نَحْو رَحِيم عليم فقد أجَاز سِيبَوَيْهٍ النصب فِيهِ وَلَا أرَاهُ جَائِزا وَذَلِكَ أَن فعيلا إِنَّمَا هُوَ اسْم الْفَاعِل من الْفِعْل الَّذِي لَا يتَعَدَّى \ فَمَا خرج إِلَيْهِ من غير ذَلِك الْفِعْل فمضارع لَهُ مُلْحق بِهِ وَالْفِعْل الَّذِي هُوَ لفعيل فِي الأَصْل إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ على فَعُلَ نَحْو كرم فَهُوَ كريم وَشرف فَهُوَ شرِيف وظرف فَهُوَ ظريف فَمَا خرج إِلَيْهِ من بَاب علم وَشهد ورحم فَهُوَ مُلْحق بِهِ فَإِن قلت رَاحِم وعالم وَشَاهد فَهَذَا اسْم الْفَاعِل الَّذِي يُرَاد بِهِ الْفِعْل وَاحْتج سِيبَوَيْهٍ بقول الشَّاعِر

(حتَى شآها كليِلٌ مَوهِنَّا عَمِلٌ ... باتَتْ طِرَباً وباتَ الليلَ لمْ يَنِمِ)

فَجعل الْبَيْت مَوْضُوعا من فعيل وفَعل بقوله عمِل وكَليل وَلَيْسَ هَذَا بِحجَّة فِي وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن مَوهِنا ظرف وَلَيْسَ بمفعول والظرف إِنَّمَا يعْمل فِيهِ معنى الْفِعْل كعمل الْفِعْل كَانَ الْفِعْل مُتَعَدِّيا أَو غير مُتَعَدٍّ وَكَذَلِكَ مَا ذكر فِي فعل أَكثر النَّحْوِيين على رده وفعيل فِي قَول النَّحْوِيين بِمَنْزِلَتِهِ فَمَا كَانَ على فعل فنحو فرق وبطر حذر الْحجَّة فِي أَن هَذَا لَا يعْمل أَنه لما تنْتَقل إِلَيْهِ الْهَيْئَة تَقول فلَان حذر أَي ذُو حذر وَفُلَان بطر كَقَوْلِك مَا كَانَ ذَا بطر وَلَقَد بطر وَمَا كَانَ ذَا حذر وَلَقَد حذر فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك مَا كَانَ ذَا شرف وَلَقَد شرف وَمَا كَانَ ذَا كرم وَلَقَد كرُم ففعلٌ مضارعة لفَعيل وَكَذَلِكَ يَقع فعل وفعيل فِي معنى كَقَوْلِك رجل طبَّ وطبيب ومذل ومذيل وَهَذَا كثير جدا وَاحْتج سِيبَوَيْهٍ بِهَذَا الْبَيْت

(حَذِرٌ أُمُوراً لَا تَضِيرُ وآمِنٌ ... مَا ليسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقدَرِ) وَهَذَا بَيت مَوضِع مُحدث وَإِنَّمَا الْقيَاس الْحَاكِم على مَا يَجِيء من هَذَا الضَّرْب وَغَيره فَإِن ذكرت فعولًا من غير فعل لم يجر مجْرى الْفِعْل وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك هَذَا رَسُول وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة ضروب لِأَنَّك تَقول رجل ضَارب وضروب لمن يكثر الضَّرْب مِنْهُ فَإِذا قلت رَسُول لم ترد بِهِ معنى فِعل إِنَّمَا تُرِيدُ أَن غَيره أرْسلهُ وَالْفِعْل مِنْهُ أرسل يُرْسل وَالْمَفْعُول مُرْسل وَلَيْسَ رَسُول مكثرا من مُرْسل لِأَن رَسُولا قد يَسْتَقِيم أَن يكون أرسل مرّة وَاحِدَة فَلَيْسَ للْمُبَالَغَة وَأما ضروب فَمَعْنَاه كَثْرَة الضَّرْب فَإِن كَانَت الْأَسْمَاء جَارِيَة على أفعالها فِي الفاعلين والمفعولين عملت عمل أفعالها لَا اخْتِلَاف فِي ذَلِك بَين أحدٍ وَنحن ذاكروها مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ عَن شَاءَ الله وَذَلِكَ أَنَّك إِذا أردْت التكثير من ذَا قلت مُضّرِبٌ أَعْنَاق الْقَوْم لِأَن الِاسْم على ضرب مُضَرب وَإِنَّمَا ذكرنَا النصب فِي ضراب لِأَنَّهُ فِي معنى مُضرب أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول لمن ضرب ضَرْبَة وَاحِدَة ضرّاب وَلَا لمن خاط خيطة وَاحِدَة خيّاط وَلَا ضروب وَلَا خيوط فَإِنَّمَا مضرب من ضربت ومستخرج من استخرجت ومنطلق من انْطَلَقت فاسم الْفَاعِل قلت حُرُوفه أَو كثرت بِمَنْزِلَة الْفِعْل الْمُضَارع الَّذِي مَعْنَاهُ يفعل وَاسم الْمَفْعُول جَار على الْفِعْل الْمُضَارع الَّذِي مَعْنَاهُ يُفعَلُ تَقول زيد ضَارب عمرا كَمَا تَقول زيد يضْرب عمرا وَزيد مَضْرُوب سَوْطًا كَمَا تَقول زيد يُضرب سَوْطًا فَهَذِهِ جملَة هَذِه الْبَاب وَاعْلَم أَن المصادر تنصب الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ مِنْهَا وَقد مضى قَوْلنَا فِي هَذَا وَفِي مصَادر مَا جَاوز عدده الثَّلَاثَة وَنحن ذاكرو المصادر الَّتِي تجْرِي على الْأَفْعَال من ذَوَات الثَّلَاثَة على كثرتها واختلافها بعد فراغنا من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله اعْلَم إِن المصادر تلحقها الْمِيم فِي أَولهَا زَائِدَة لِأَن الْمصدر مفعول فَإِذا كَانَ كَذَلِك جرى مجْرى الْمصدر الَّذِي لَا مِيم فِيهِ فِي الإعمال وَغَيره وَذَلِكَ قَوْلك ضَربته مضربا أَي ضربا وغزوته غزواً ومغزى وشتمته شتما ومشتماُ وَتقول يَا عَمْرو مشتما زيد فَإِن كَانَ الْمصدر لفعل على أَكثر من ثَلَاثَة كَانَ على مِثَال الْمَفْعُول لِأَن الْمصدر مفعول وَكَذَلِكَ إِن بنيت من الْفِعْل اسْما لمَكَان أَو زمَان كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا على مِثَال الْمَفْعُول لِأَن الزَّمَان وَالْمَكَان مفعول فيهمَا وَذَلِكَ قَوْلك فِي المصادر أدخلته مدخلًا كَمَا قَالَ عز وَجل {أنزلني منزلا مُبَارَكًا} و {باسمِ اللهِ مُجْريهَا ومُرْسَاها} وَكَذَلِكَ سرحته مسرحا وَهَذَا مسرحنا أَي فِي مَوضِع تسريحنا وَهَذَا مقامنا لِأَنَّك تُرِيدُ بِهِ الْمصدر وَالْمَكَان من أَقمت وعَلى ذَلِك قَالَ الله عز وَجل {إِنَّهَا ساءت مُسْتَقرًّا ومقاما} لِأَنَّهَا من أَقمت وَقَالَ {يَا أهْلَ يَثْرِبَ لَا مَقَام لنَا} لِأَنَّهَا من قُمْت مَوضِع قيام وَمن قَرَأَ {لَا مقَام} إِنَّمَا يُرِيد لَا إِقَامَة قَالَ الشَّاعِر

(ألَمْ تَعلَمْ مُسَرِّحي القَوَافي ... فّلا عيَّا بَهِنَّ وَلَا اجتلابا)

أَي تسريحي وَقَالَ آخر

(وَمَا هيَ إِلَّا فِي إزارٍ وعِلْقَةٍ ... مُغارَ ابْن هُمامٍ على حَيِّ خَثْعَما) أَي وَقت إغارة ابْن همام وَهَذَا أوضح من أَن يكثر فِيهِ الِاحْتِجَاج لِأَن الْمصدر هُوَ الْمَفْعُول الصَّحِيح إِلَّا ترى أَنَّك إِذا قلت ضربت زيدا أَنَّك لم تقعل زيدا وَإِنَّمَا فعلت الضَّرْب فأوصلته إِلَى زيد وأوقته بِهِ لِأَنَّك إِنَّمَا أوقعت بِهِ فعلك فَأَما قَول الله عز وَجل {وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعَاشَّا}

فَمَعْنَاه عَيْشًا ثمَّ قَالَ {ويسألونك عَن الْمَحِيض} أَي الْحيض فَكَانَ أحد المصدرين على مفعل وَالْآخر على مَفْعِل وَقَوله عز وَجل {سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر} ومطلع الْفجْر وَمَا أشبه هَذَا فَلهُ بَاب يذكر فِيهِ إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب مصَادر ذَوَات الثَّلَاثَة على اختلافها وتبيين الأَصْل فِيهَا[عدل]

اعْلَم أَن هَذَا الضَّرْب من المصادر يَجِيء على أَمْثِلَة كَثِيرَة بزوائد وَغير زَوَائِد وَذَلِكَ أَن مجازها مجَاز الْأَسْمَاء والأسماء لَا تقع بِقِيَاس وَإِنَّمَا اسْتَوَت المصادر الَّتِي تجاوزت افعالها ثَلَاثَة أحرف فجرت على قِيَاس وَاحِد لِأَن الْفِعْل مِنْهَا لَا يخْتَلف وَالثَّلَاثَة مُخْتَلفَة أفعالها الْمَاضِيَة والمضارعة فَلذَلِك اخْتلفت مصادرها وَجَرت مجْرى سَائِر الْأَسْمَاء فَمِنْهَا مَا يَجِيء على فعل مَفْتُوح الأول سَاكن الثَّانِي وَهُوَ الأَصْل وسنبين الأَصْل إِن شَاءَ الله فَمَا جَاءَ مِنْهَا على فَعْل فقولك ضربت ضربا وَقتلت قتلا وشربت شربا وَمَكَثت مكثا فَهَذَا قد جَاءَ فِيمَا كَانَ على فعل يفعل نَحْو ضرب يضْرب وعَلى فعل يفعل نَحْو قتل يقتل وعَلى فعل يفعل نَحْو شرب يشرب ولقم يلقم وعَلى فعل يفعُل نَحْو مكث يمكُث وَيَقَع على فِعل وفُعل بِإِسْكَان الثَّانِي وَكسر الأول أَو ضمه فَأَما الْكسر فنحو علم علما وحلم حلماً وَفقه فقهاً وَكَذَلِكَ فَقُه وَأما مَا كَانَ مضموم الأول فنحو الشّغل تَقول شغلته شُغلا وشربته شربا وسقم الرجل سُقما وَيكون على فَعَل نَحْو جلبته جلبا وطربت طَربا وحلب الرجل الشَّاة حَلبًا وَيكون على فعل نَحْو سمن سمنا وَعظم عظما وَكبر كبرا وَصغر صغرا وَيكون على فعل نَحْو ضحك ضحكا وَحلف حلفا وخنقه خنِقا هَذِه المصادر بِغَيْر زِيَادَة وَتَكون الزِّيَادَة فَيكون على فعول وفعال نَحْو جلس جُلوسا وَقعد قعُودا ووقدت النَّار وقودا وشكرته شكُورًا وكفرته كفورا والفعال نَحْو قُمْت قيَاما وَصمت صياما ولقيته لِقَاء وَيكون على فعال نَحْو ذهب ذَهَابًا وخفيت خَفَاء وشربت شرابًا يَقُول بَعضهم هُوَ مصدر وَأما أَكثر النَّحْوِيين فالشراب عِنْده المشروب وَهَذَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ وَإِنَّمَا تزْعم طَائِفَة أَنه يكون للمصدر وَتقول جمل جمالا وخُبل خَبالا وكمل كمالا وَيكون على هَذَا الْوَزْن بِالْهَاءِ نَحْو سفه سفاهة وضل ضَلَالَة وَجَهل جَهَالَة وسقم سقامة وَيكون فِي المعتل مِنْهُ بِنَاء لَا يُوجد مثله فِي الصَّحِيح وَذَلِكَ أَنَّك لَا تَجِد مصدرا على فيعولة إِلَّا فِي المعتل وَذَلِكَ شاخ شيخوخة وَصَارَ صيرورة وَكَانَ كينونة إِنَّمَا كَانَ الأَصْل كَيَّنونة وصيّرورة وشيّخوخة وَكَانَ قبل الْإِدْغَام كيونونة وَلَكِن لما كثر الْعدَد الزموه التَّخْفِيف كَرَاهِيَة للتضعيف وَمثل ذَلِك قَوْلهم فِي هَين هيْن وَفِي سيد سَيد وَكَذَلِكَ ميت مَيت وليّن لَيْن وَجَمِيع مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن فَلَمَّا كَانَ التَّخْفِيف فِي الْعدَد الْأَقَل جَائِزا كَانَ فِي الْعدَد الْأَكْثَر لَازِما وَلَا يُوجد مصدر على فيعلولة فِي غير المعتل لِأَن من كَلَامهم اخْتِصَاص المعتل بأبنية لَا تكون فِي غَيره وَالدَّلِيل على أَنه فيعلول أَنه لَا يكون اسْم على فعلول بِفَتْح أَوله وَلم يُوجد ذَلِك إِلَّا فِي قَوْلهم صعفوقٌ وَيُقَال إِنَّه اسْم أعجمي أُعرب وَمن الدَّلِيل على ذَلِك أَن كينونه لَو كَانَ فعلولة لَكَانَ كونونة لِأَنَّهُ من الْوَاو فَهَذَا وَاضح جدا وَالدَّلِيل على أَن أصل المصادر فِي الثَّلَاثَة فعل مسكن الْأَوْسَط مَفْتُوح الأول أَنَّك إِذا أردْت رد جَمِيع هَذِه المصادر إِلَى الْمرة الْوَاحِدَة فَإِنَّمَا ترجع إِلَى فعلة على أَي بِنَاء كَانَ بِزِيَادَة أَو غير زِيَادَة وَذَلِكَ قَوْلهم ذهبت ذَهَابًا ثمَّ تَقول ذهبت ذهبة وَاحِدَة وَتقول فِي الْقعُود قعدت قعدة وَاحِدَة وَحلفت حلفة وَاحِدَة وحلبته حلبة وَاحِدَة لَا يكون فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا هَكَذَا وَالْفِعْل أقل الْأُصُول والفتحة أخق الحركات وَلَا يثبت فِي الْكَلَام بعد هَذَا حرف زَائِد وَلَا حَرَكَة إِلَّا بثبت وَتَصْحِيح وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن الْأَكْثَر فِي الْفِعْل الَّذِي لَا يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول أَن يَأْتِي على فعول وَإِن كَانَ الْفِعْل هُوَ الأَصْل فَكَأَن الْوَاو إِنَّمَا زيدت وَغير للفصل بَين الْمُتَعَدِّي وَغَيره وَذَلِكَ نَحْو جَلَست جُلُوسًا ووقدت النَّار وقودا وَإِن كَانَ الأَصْل مَا ذكرنَا وَقد يَجِيء هَذَا فِيمَا لَا يتَعَدَّى أَكثر وَجَاءَت مصَادر على فعول مَفْتُوحَة الْأَوَائِل وَذَلِكَ قَوْلك تَوَضَّأت وضُوءًا حسنا وتطهرت طهُورا واولعت بِهِ ولوعا ووقدت النَّار وقودا وَأَن عَلَيْهِ لقبولا على أَن الضَّم فِي الْوقُود أَكثر إِذا كَانَ مصدرا وَأحسن

هَذَا بَاب مَا كَانَ من المعتل فِيمَا جَاوز فعله الثَّلَاثَة فَلَزِمَهُ الْحَذف لاعتلاله والإتمام لسلامته[عدل]

اعْلَم أَن المعتل يَقع على ضَرْبَيْنِ محذوفا ومتمما فَمَا لزمَه الْحَذف لعِلَّة تكون تِلْكَ الْعلَّة رَاجِعَة فِي مصدره فمصدره معتل كاعتلاله وَمَا سلم من الْحَذف فعله كَانَ مصدره تَاما فَمن ذَلِك مَا يكون من الثَّلَاثَة مِمَّا فاؤه وَاو وَذَلِكَ نَحْو وعد وَوجد فَإِذا قلت يعد ويجد وَقعت الْوَاو بَين يَاء وكسرة فحذفت لذَلِك فَكَانَ يعد ويجد وَكَانَ الأَصْل يوعد وَيُوجد وَلَو لم تكن الكسرة بعد الْيَاء لصحت كَمَا تصح فِي يوجل أَو أبدلت وَلم تحذف كَمَا تَقول ييجل ييحل وياجل وياحل فَإِذا قلت وَعدا ووزنا صَحَّ الْمصدر لِأَنَّهُ لم تلحقة عِلّة فَإِن قلت عدَّة وزنة أعللت فحذفت لِأَن الكسرة فِي الْوَاو فالعلة فِي الْمصدر من وَجْهَيْن إِحْدَاهمَا عِلّة فعلة وَالثَّانيَِة وُقُوعهَا فِيهِ أَلا ترى أَنَّهَا لَو كَانَت عِلّة الْفِعْل وَحدهَا لصَحَّ الْمصدر كَمَا ذكرت لَك فِي الْوَعْد وَالْوَزْن وَلَو بنيت اسْما على فعلة لَا تُرِيدُ بِهِ مصدرا لصحت الْوَاو وَذَلِكَ مثل الْوَجْه فَكَذَلِك كل مصدر من المعتل وَهَذَا الَّذِي قدمت مَا أعلت فاؤه وَالَّذِي تعتل عينه من بَاب قَالَ وَبَاعَ هَذَا مجْرَاه تَقول قُمْت قيَاما فَإِنَّمَا حذفت مَوضِع الْعين من قُمْت لِاجْتِمَاع الساكنين وَلم يلتق فِي الْمصدر ساكنان وَلَكِن يلزمك لاعتلال الْفِعْل أَن تقلب الْوَاو يَاء لِأَن قبلهَا كسرة فقد اجْتمع فِيهَا شَيْئَانِ الكسرة قبلهَا واعتلال الْفِعْل فَلذَلِك قُلْنَ لذت لياذا ونمت نياما وَقمت قيَاما وَلَو كلن الْمصدر لقاومت لصَحَّ فَقلت قاومته قواما ولاوذته لِوَاذًا وَكَانَ اسْما غير مصدر نَحْو خوان فَإِن كَانَ الْمصدر لَا عِلّة فِيهِ صَحَّ على مَا ذكرت لَك وَذَلِكَ قَوْلك قلت قولا وجلت جولا وَكَذَلِكَ بِعْت بيعا وكلت كَيْلا لَا نقص فِي شَيْء من ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن اعتلت اللَّام فلحقت الْمصدر تِلْكَ الْعلَّة وَالْفِعْل بِزِيَادَة أَو غير زِيَادَة

هَذَا بَاب الْأَمر وَالنَّهْي[عدل]

فَمَا كَانَ مِنْهُمَا مَجْزُومًا فَإِنَّمَا جزمه بعامل مدْخل عَلَيْهِ فاللازم لَهُ اللَّام وَذَلِكَ قَوْلك ليقمْ زيد ليذْهب عبد الله تَقول زرني ولأزرك فَتدخل اللَّام لِأَن الْأَمر لَك فَأَما إِذا كَانَ الْمَأْمُور مُخَاطبا فَفعله مَبْنِيّ غير مجزوم وَذَلِكَ قَوْلك اذْهَبْ انْطلق وَقد كَانَ قوم من النَّحْوِيين يَزْعمُونَ أَن هَذَا مجزوم وَذَلِكَ خطا فَاحش وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاب لَا يدْخل من الْأَفْعَال إِلَّا فِيمَا كَانَ مضارعا للأسماء وَالْأَفْعَال المضارعة هِيَ الَّتِي فِي أوائلها الزَّوَائِد الْأَرْبَع الْيَاء وَالتَّاء والهمزة وَالنُّون وَذَلِكَ قَوْلك أفعل أَنا وَتفعل أَنْت وَيفْعل هُوَ ونفعل نَحن فَإِنَّمَا تدخل عَلَيْهَا العوامل وَهِي على هَذَا اللَّفْظ وقولك اضْرِب وقم لَيْسَ فِيهِ شَيْء من حُرُوف المضارعة وَلَو كَانَت فِيهِ لم يجز جزمه إِلَّا بِحرف يدْخل عَلَيْهِ فيجزمه فَهَذَا بَين جدا ويروي عَن رَسُول الله

أَنه قَرَأَ {فَبِذَلِكّ فَلْتَفْرَحوا} فَهَذَا مجزوم جزمته اللَّام وَجَاءَت هَذِه الْقِرَاءَة على أصل الْأَمر فَإِذا لم يكن الْأَمر للحاضر الْمُخَاطب فَلَا بُد من إِدْخَال اللَّام تَقول ليقمْ زيد وَتقول زرْ زيد وليزرْك إِذا كَانَ الْأَمر لَهما لِأَن زيدا غَائِب وَلَا يكون الْأَمر لَهُ إِلَّا بِإِدْخَال اللَّام وَكَذَلِكَ إِن قلت ضُرب زيد فَأَرَدْت الْأَمر من هَذَا ليُضرب زيد لِأَن الْمَأْمُور لَيْسَ بمواجه وَاعْلَم أَن الدُّعَاء بِمَنْزِلَة الْأَمر وَالنَّهْي فِي الْجَزْم والحذف عِنْد المخاطبة وَإِنَّمَا وَإِنَّمَا قيل دُعَاء وَطلب للمعنى لِأَنَّك تَأمر من هُوَ دُونك وتطلب إِلَى من أَنْت دونه وَذَلِكَ قَوْلك ليغفر اللهُ لزيد وَتقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي كَمَا تَقول اضْرِب عمرا فَأَما قَوْلك غفر الله لزيد ورحم الله زيدا وَنَحْو ذَلِك فَإِن لَفظه لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الطّلب وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لعلم السَّامع أَنَّك لَا تخبر عَن الله عز وَجل وَإِنَّمَا تسأله كَمَا أَن قَوْلك علم الله لأقومنّ إِنَّمَا لَفظه لفظ رزق الله وَمَعْنَاهُ الْقسم لِأَنَّك فِي قَوْلك علم مستشهد وَتقول يَا زيد ليقمْ إِلَيْك عَمْرو وَيَا زيد لتدعْ بني عَمْرو النحويون يجيزون إِضْمَار هَذِه اللَّام للشاعر إِذا اضْطر ويستشهدون على ذَلِك بقول متمم بن نُوَيْرَة

(على مِثلِ أصحابِ البعُوضةِ فاخمُشي ... لكِ الوَيلُ حُرَّ الوجهِ أَو يَبْكِ مَنْ بَكى)

يُرِيد أَو ليبك من بَكَى وَقَول آخر

(مُحَمْدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نَفْسٍ ... إِذا مَا خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا) فَلَا أرى ذَلِك على مَا قَالُوا لِأَن عوامل الْأَفْعَال لَا تضمر وأضعفها الجازمة لِأَن الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نَظِير الْخَفْض فِي الْأَسْمَاء وَلَكِن بَيت متمم حمل على الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا قَالَ فاخمشي فَهُوَ فِي مَوضِع فلتخمشي فعطف الثَّانِي على الْمَعْنى وَأما هَذَا الْبَيْت الْأَخير فَلَيْسَ بِمَعْرُوف على إِنَّه فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ على مَا ذكرت لَك وَتقول ليقمْ زيد وَيقْعد خَالِد وينطلق عبد الله لِأَنَّك عطفت على اللَّام وَلَو قلت قُم ويقد زيد لم يجز الْجَزْم فِي الْكَلَام وَلَكِن لَو اضْطر شَاعِر فَحَمله على مَوضِع الأول لِأَنَّهُ مِمَّا كَانَ حَقه اللَّام كَانَ على مَا وصفت لَك وَاعْلَم أَن هَذِه اللَّام مَكْسُورَة إِذا ابتدئت فَإِذا كَانَ قبلهَا فَاء أَو وَاو فَهِيَ على حَالهَا فِي الْكسر وَقد يجوز إسكانها وَهُوَ أَكثر على الألسن تَقول قمْ ولْيقمْ زيد {فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك} (ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ} وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْوَاو وَالْفَاء لَا ينفصلان لِأَنَّهُ لَا بِحرف وَاحِد فصارتا بِمَنْزِلَة مَا هُوَ فِي الْكَلِمَة فأسكنت اللَّام هربا من الكسرة كَقَوْلِك فِي علم علْم وَفِي فَخذ فخْذ وَأما قِرَاءَة من قَرَأَ {ثمَّ ليقطع فَلْينْظر} فَإِن الإسكان فِي لَام {فَلْيَنْظُرْ} جيد وَفِي لَام {لْيَقْطَعْ} لحن لِأَن ثمَّ مُنْفَصِلَة من الْكَلِمَة وَقد قَرَأَ بذلك يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ فَأَما حرف النَّهْي فَهُوَ لَا وَهُوَ يَقع على فعل الشَّاهِد وَالْغَائِب وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقم زيد وَلَا تقم يَا رجل وَلَا تقومي يَا امْرَأَة فالفعل بعده مجزوم بِهِ وَتقول لَا يقمْ زيد وَلَا يقعدْ عبد الله إِن عطفت نهيا على نهي وَإِن شِئْت قلت لَا يقمْ زيد ويقعدْ عبد الله وَهُوَ بإعادتك لَا أوضح وَذَلِكَ لِأَنَّك إِذا قلت لَا يقم زيد وَلَا يقعدْ عبد الله تبين لَك أَنَّك قد نهيت كل وَاحِد مِنْهُمَا على حياله وَإِذا قلت وَيقْعد عبد الله بِغَيْر لَا فَهَذَا وَجه وَقد يجوز أَن يَقع عِنْد السَّامع أَنَّك أردْت لَا يجْتَمع هَذَانِ فَإِن قعد عبد الله وَلم يقم زيد لم يكن الْمَأْمُور مُخَالفا وَكَذَلِكَ إِن لم يقم زيد وَقعد عبد الله وَوجه الِاجْتِمَاع إِذا قصدته أَن تَقول لَا يقم زيد وَيقْعد عبد الله أَي لَا يجْتَمع قيام زيد وَأَن يقْعد عبد الله وَلَا الْمُؤَكّدَة تدخل فِي النَّفْي لِمَعْنى تَقول مَا جَاءَنِي زيد وَلَا عَمْرو إِذا أردْت أَنه لم يأتك وَاحِد مِنْهُمَا على انْفِرَاد وَلَا مَعَ صَاحبه لِأَنَّك لَو قلت لم يأتني زيد وَعَمْرو وَقد أَتَاك أَحدهمَا لم تكن كَاذِبًا ف لَا فِي قَوْلك لَا يقمْ زيد وَلَا يقمْ عَمْرو يجوز أَن تكون الَّتِي للنَّهْي وَتَكون الْمُؤَكّدَة الَّتِي تقع لما ذكرت لَك فِي كل نفي وَاعْلَم أَن الطّلب من النَّهْي بِمَنْزِلَة من الْأَمر يجْرِي على لَفظه كَمَا جري على لفظ الْأَمر أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول نهيت من فَوقِي وَلَكِن طلبت إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقطع الله يَد فلَان وَلَا يصنع الله لعَمْرو فالمخرج وَاحِد وَالْمعْنَى مُخْتَلف وَاعْلَم أَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي ينجزم بِالْأَمر وَالنَّهْي كَمَا ينجزم جَوَاب الْجَزَاء بالجزاء وَذَلِكَ لِأَن جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي يرجع إِلَى أَن يكون جَزَاء صَحِيحا وَذَلِكَ قَوْلك ائْتِنِي أكرمك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِن تأتني أكرمك أَلا ترى إِن الْإِكْرَام إِنَّمَا يسْتَحق الْإِتْيَان وَكَذَلِكَ لاتأت زيدا يكن خيرا لَك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِلَّا تأته يكن خيرا لَك وَلَو قَالَ على هَذَا لَا تدنُ من الْأسد يَأْكُلك كَانَ محَال لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا تدنْ فَإِنَّمَا هُوَ تبَاعد فتباعده مِنْهُ لَا يكون سَببا لأكله إِيَّاه وَلَكِن إِن رفع جَازَ فَيكون الْمَعْنى لَا تدنُ من الْأسد ثمَّ قَالَ إِنَّه مِمَّا يَأْكُلك وَإِنَّمَا انجزم جَوَاب الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ يرجع من الْجَزَاء إِلَى مَا يرجع إِلَيْهِ جَوَاب الْأَمر وَالنَّهْي وَذَلِكَ قَوْلك أَيْن بَيْتك أزرك لِأَن الْمَعْنى بإن أعرفهُ أزرْكَ وَكَذَلِكَ هَل تَأتِينِي أعطك وَأحسن إِلَيْك لِأَن الْمَعْنى فَإنَّك إِن تفعل أفعل فَأَما قَول الله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم} ثمَّ قَالَ {تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله} فَإِن هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب وَلكنه شرح مَا دعوا إِلَيْهِ وَالْجَوَاب {يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم} فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا كَانَ الشَّرْح أَن تؤمنوا لِأَنَّهُ بدل من تِجَارَة فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن الْفِعْل يكون دَلِيلا على مصدره فَإِذا ذكرت مَا يدل على الشَّيْء فَهُوَ كذكرك إِيَّاه أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ من كذب كَانَ شرا يُرِيدُونَ كَانَ الْكَذِب وَقَالَ الله عز وَجل {ولاَ يَحْسَبٍ نَّ الذِين يَبْخَلونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلهِ هَوَ خَيراً لَهُمْ} لِأَن الْمَعْنى الْبُخْل هُوَ خير لَهُم فَدلَّ عَلَيْهِ بقوله يَبْخلُونَ وَقَالَ الشَّاعِر

(أَلا أيُهذا الزاجِري أخْضُرَ الوَغى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هلْ انتَ مُخَلَدِي)

فَالْمَعْنى عَن أَن أحضر الوغى كَقَوْلِك عَن حُضُور الوغى فَلَمَّا ذكر أحضر الوغى دلّ على الْحُضُور وَقد نَصبه قوم على إِضْمَار أَن وَقدمُوا الرّفْع وَسَنذكر ذَلِك باستقصاء الْعلَّة فِيهِ إِن شَاءَ الله فَأَما الرّفْع فَلِأَن الْأَفْعَال لَا تضمر عواملها فَإِذا حذفت رفع الْفِعْل وَكَانَ دَالا على مصدره بِمَنْزِلَة الْآيَة وَهِي {هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم} ثمَّ قَالَ {تُؤمِنونِ} وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قَائِل مَاذَا يصنع زيد فَقلت يَأْكُل أَو يُصَلِّي لأغناك عَن أَن تَقول الْأكل أَو الصَّلَاة الا ترى أَن الْفِعْل إِنَّمَا مَفْعُوله اللَّازِم لَهُ إِنَّمَا هُوَ الْمصدر لِأَن قَوْلك قد قَامَ زيد بِمَنْزِلَة قَوْلك قد كَانَ مِنْهُ قيام وَالْقِيَام هُوَ النَّوْع الَّذِي تعرفه وتفهمه وَلَو قلت ضرب زيد لعَلِمت أَنه قد فعل ضربا واصلا إِلَى مَضْرُوب إِلَّا أَنَّك لَا نَعْرِف الْمَضْرُوب بقوله ضرب وتعرف الْمصدر فَأَما الَّذين نصبوا فَلم يأبوا الرّفْع وَلَكنهُمْ أَجَازُوا مَعَه النصب لِأَن الْمَعْنى إِنَّمَا حَقه بِأَن وَقد ابان ذَلِك فِيمَا بعده بقوله وَأَن أشهد اللَّذَّات هِيَ أَنْت مخلدي فَجعله بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء الَّتِي يَجِيء بَعْضهَا محذوفا للدلالة عَلَيْهِ وَفِي كتاب الله عز وَجل {يسْأَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض} فَالْقَوْل عندنَا أَن من مُشْتَمِلَة على الْجَمِيع لِأَنَّهَا تقع للْجَمِيع على لفظ الْوَاحِد وَقد ذهب هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى أَن الْمَعْنى وَمن فِي الأَرْض وَلَيْسَ الْمَعْنى عِنْدِي كَمَا قَالُوا وَقَالُوا فِي بَيت حسان

(فَمَنْ يَهْجوا رسولَ اللهِ مِنْكُمْ ... ويَمْدحُه وَيَنْصُرُه سَواءُ)

إِنَّمَا الْمَعْنى وَمن يمدحه وينصره وَلَيْسَ الْأَمر عِنْد أهل النّظر كَذَلِك وَلكنه جعل من نكرَة وَجعل الْفِعْل وَصفا لَهَا ثمَّ أَقَامَ فِي الثَّانِيَة الْوَصْف مقَام الْمَوْصُوف فَكَأَنَّهُ قَالَ وَوَاحِد يمدحه وينصره لِأَن الْوَصْف يَقع فِي مَوضِع الْمَوْصُوف إِذْ كَانَ دَالا عَلَيْهِ وعَلى هَذَا قَول الله عز وَجل {وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ} وَقَالَ الشَّاعِر

(هَلْ الدَهْرُ إِلَّا تَرتَان فَتارةٌ ... أَمُوتُ وأُخْرَى أَبْتَغِي العيّشَ أَكْدحُ)

يُرِيد وَتارَة أُخْرَى وَقَالَ

(كَأَنَّكَ مِنْ جِمالِ بَني أُقَيشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيِهِ بِشَنِّ) يُرِيد كَأَنَّك جمل وَكَذَلِكَ قَالَ يقعقع خلف رجلَيْهِ وَقَالَ آخر

(وَمَا مِنْهُمَا إلاّ يُسْرُّ بِنسَةٍ ... تُقَرِبُهُ مِنِّي وَإِن كَانَ ذَا نّفّرْ)

يُرِيد وَمَا مِنْهُمَا أحد وَقَالُوا فِي أَشد من ذَا

(مَالك عِنْدِي غَيرُ سَهْمٍ وحَجَرْ ... وغَيرُ كَبْداءَ شَدِيدةِ الوَتَرْ)


(جادتْ بِكَفّى كانَ مِنْ أرمى البشرْ ... )

فَهَذَا مَا ذكرت لَك من اخْتلَافهمْ وَاخْتِيَار أحد الْقَوْلَيْنِ

هَذَا الْبَاب مَا وَقع من الْأَفْعَال للْجِنْس على مَعْنَاهُ وَتلك الْأَفْعَال نعم وَبئسَ وَمَا وَقع فِي مَعْنَاهُمَا[عدل]

اعْلَم أَن نعم وَبئسَ كَانَ أَصلهمَا نعمَ وَبئِسَ إِلَّا أَنه مَا كَانَ ثَانِيه حرفا من حُرُوف الْحلق مِمَّا هُوَ على فعل جَازَت فِيهِ أَرْبَعَة أوجه اسْما كَانَ أَو فعلا وَذَلِكَ قَوْلك نَعِمَ وبَئِسَ على التَّمام وفخذ وَيجوز أَن تكسر الأول لكسرة الثَّانِي فَتَقول نعم وبئِس وفخذ وَيجوز الإسكان كَمَا تسكن المضمومات المكسورات إِذا كن غير أول وَقد تقدم قَوْلنَا فِي ذَلِك فَيَقُول من قَوْلك فَخذ فَخْذ وعلِم وعلْم وَمن نعم نَعْم وَمن قَوْلك فَخذ فَخِذ وَنعم وَبئسَ وحروف الْحلق سِتَّة الْهمزَة وَالْهَاء وهما أقصاه وَالْعين والحاء وهما من اسوطه والغين وَالْخَاء وهما من أَوله مِمَّا يَلِي اللِّسَان فَكَانَ أصل نعمَ وبئِس مَا ذكرت لَك إِلَّا أَنَّهُمَا الأَصْل فِي الْمَدْح والذم فَلَمَّا كثر استعمالهما ألزما التَّخْفِيف وجريا فِيهِ وَفِي الكسرة كالمثل الَّذِي يلْزم طَريقَة وَاحِدَة وَقد يَقُول بَعضهم نعْم وكل ذَلِك جَائِز حسن إِذا أثرت اسْتِعْمَاله أَعنِي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة قَالَ الشَّاعِر

(فَفِداءٌ لبَنى قَيْسٍ على ... مَا أصابَ الناسَ مِنْ سوءٍ وضُرِ)


(مَا أقَلَّتْ قَدّمي أنَّهُمْ ... نَعِمَ الساعون فِي الْأَمر المُبِرّ) وَأما مَا ذكرت لَك أَنه يَقع فِي مَعْنَاهُمَا مقاربا لَهما فنحو فعل نَحْو لكرم زيد ولظرف زيد وَكَذَلِكَ حبذا وَنحن ذاكرو كل بَاب من هَذَا على حياله إِن شَاءَ الله أما نعم وَبئسَ فَلَا يقعان إِلَّا على مُضْمر يفسره مَا بعده وَالتَّفْسِير لَازم أَو على معرفَة بِالْألف وَاللَّام على معنى الْجِنْس ثمَّ يذكر بعْدهَا الْمَحْمُود والمذموم فَأَما مَا كَانَ معرفَة بِالْألف وَاللَّام فنحو قَوْلك نعم الرجل زيد وَبئسَ الرجل عبد الله وَنعم الدَّار دَارك وَإِن شِئْت قلت نعمت الدَّار لما أذكرهُ لَك إِن شَاءَ الله وبئست الدَّابَّة دابتك وَأما قَوْلك الرجل وَالدَّابَّة وَالدَّار فمرتفعات بنعم وَبئسَ لِأَنَّهُمَا فعلان يرْتَفع بهما فاعلاهما وَأما قَوْلك زيد وَمَا أشبهه فَإِن رَفعه على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَنَّك لما قلت نعم الرجل فَكَأَن مَعْنَاهُ مَحْمُود فِي الرِّجَال قلت زيد على التَّفْسِير كَأَنَّهُ قيل من هَذَا الْمَحْمُود فَقلت هُوَ زيد وَالْوَجْه الآخر أَن تكون أردْت بزيد التَّقْدِيم فأخرته وَكَانَ مَوْضِعه أَن تَقول زيد نعم الرجل فَإِن زعم زاعم أَن قَوْلك نعم الرجل زيدٌ إِنَّمَا زيد بدل من الرجل مُرْتَفع بِمَا ارْتَفع بِهِ كَقَوْلِك مَرَرْت بأخيك زيد وَجَاءَنِي الرجل عبد الله قيل لَهُ إِن قَوْلك جَاءَنِي الرجل عبد الله إِنَّمَا تَقْدِيره إِذا طرحت الرجل جَاءَنِي عبد الله فَقل نعم زيدٌ لِأَنَّك تزْعم أَنه بنعم مُرْتَفع وَهَذَا محَال لِأَن الرجل لَيْسَ يقْصد بِهِ إِلَى وَاحِد بِعَيْنِه كَمَا تَقول جَاءَنِي الرجل أَي جَاءَنِي الرجل الَّذِي تعرف وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِد من الرِّجَال على غير مَعْهُود تُرِيدُ بِهِ هَذَا الْجِنْس ويؤول نعم الرجل فِي التَّقْدِير إِلَى أَنَّك تُرِيدُ معنى مَحْمُود فِي الرِّجَال ثمَّ تعرف الْمُخَاطب من هَذَا الْمَحْمُود وَإِذا قلت بئس الرجل فَمَعْنَاه مَذْمُوم فِي الرِّجَال ثمَّ تفسر من هَذَا المذموم بِقَوْلِك زيد فالرجل وَمَا ذكرت لَك مِمَّا فِيهِ الْألف وَاللَّام دَال على الْجِنْس وَالْمَذْكُور بعد هُوَ الْمُخْتَص بِالْحَمْد والذم وَهَذَا هَا هُنَا بِمَنْزِلَة قَوْلك فلَان يفرق الْأسد إِنَّمَا تُرِيدُ هَذَا الْجِنْس وَلست تَعْنِي أسدا معهودا وَكَذَلِكَ فلَان يحب الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَأهْلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَأهْلك النَّاس الشَّاة الْبَعِير وَقَالَ الله عز وَجل {وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر} فَهُوَ وَاقع على الْجِنْس أَلا ترَاهُ يَقُول {إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} وَقَالَ {إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا} وَقَالَ {إِلَّا الْمُصَلِّين} وَاعْلَم إِن مَا أضيف إِلَى الْألف اللَّام بِمَنْزِلَة الْألف وَاللَّام وَذَلِكَ قَوْلك نعم أَخُو الْقَوْم أَنْت وَبئسَ صَاحب الرجل عبد الله وَلَو قلت نعم الَّذِي فِي الدَّار أَنْت لم يجز لِأَن الَّذِي بصلته مَقْصُود إِلَيْهِ بِعَيْنِه فقد خرج من مَوضِع الِاسْم الَّذِي لَا يكون للْجِنْس وَتقول نعم الْقَائِم أَنْت وَنعم الدَّاخِل الدَّار أَنْت وَالدَّار بِالنّصب والخفض وَالنّصب أَجود على مَا ذكرت لَك لِأَن تعريفك يَقع كتعريف الْغُلَام وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الَّذِي فَإِن قلت قد جَاءَ {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ} فَمَعْنَاه الْجِنْس فَإِن الَّذِي إِذا كَانَت على هَذَا الْمَذْهَب صلحت بعد نعم وَبئسَ وَإِنَّمَا يكره بعد هَذَا تِلْكَ الْمَخْصُوصَة وَكَذَلِكَ لَو قلت نعم الْقَائِم فِي الدَّار أَنْت وَأَنت تُرِيدُ بِهِ وَاحِدًا على معنى الَّذِي الْمَخْصُوصَة لم يجز لما ذكرت لَك من تَعْرِيف الْجِنْس فَهَذَا تَفْسِير مَا يَقع عَلَيْهِ من المعارف الَّتِي بِالْألف وَاللَّام وَأما وُقُوعهَا على الْمُضمر الَّذِي يفسره مَا بعده فَهُوَ قَوْله نعم رجل أَنْت وَبئسَ فِي الدَّار رجلا أَنْت وَنعم دَابَّة دابتك فَالْمَعْنى فِي ذَلِك أَن فِي نعم مضمرا يفسره مَا بعده وَهُوَ هَذَا الْمَذْكُور الْمَنْصُوب لِأَن المبهمة من الْأَعْدَاد وَغَيرهَا إِنَّمَا يُفَسِّرهَا التَّبْيِين كَقَوْلِك عِنْدِي عشرُون رجلا وَهُوَ خير مِنْك عبدا لِأَنَّك لما قلت عشرُون أبهمت فَلم يدر على أَي شَيْء هَذَا الْعدَد وَاقع فَقلت رجلا وَنَحْوه لتبين نوع هَذَا الْعدَد وَهُوَ خير مِنْك عبدا لِأَنَّك إِذا قلت هُوَ خير مِنْك لم يدر فيمَ فضلته عَلَيْهِ فَإِذا قلت أَبَا أَو عبدا أَو نَحوه فَإِنَّمَا تفضله فِي ذَلِك النَّوْع فَكَذَلِك نعم وَالْإِضَافَة نَحْو قَوْلك هُوَ أفضلهم عبدا وعَلى التمرة مثلهَا زبدا فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يكون الْمُضمر مقدما قيل يكون ذَاك إِذا كَانَ التَّفْسِير لَهُ لَازِما فَمن ذَلِك قَوْلك إِنَّه عبد الله منطلق وَكَانَ زيد خير مِنْك لِأَن الْمَعْنى إِن الحَدِيث أَو إِن الْأَمر عبد الله منطلق وَكَانَ الحَدِيث زيد خير مِنْك وَلِهَذَا بَاب يفرد بتفسيره قَالَ الله عز وَجل (إنَّهُ مَنْ يأتِ رَبَّهُ مُجرِماً} أَي إنَّ الْخَبَر وَمِنْهَا قَوْلك فِي إِعْمَال الأول وَالثَّانِي ضربوني وَضربت أَخُوك لِأَن الَّذِي بعده من ذكره الْأُخوة يفسره فَكَذَلِك هَذَا قَالَ الله جلّ وَعز {بِئسَ للظَّالِمينَ بَدَلاً} وَقَالَ {نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ} لِأَنَّهُ ذكر قبله فَكَذَلِك جَمِيع هَذَا وَأما حبّذا فَإِنَّمَا كَانَت فِي الأَصْل حبذا الشَّيْء لِأَن ذَا اسْم مُبْهَم يَقع على كل شَيْء فَإِنَّمَا هُوَ حب هَذَا مثل قَوْلك كرم هَذَا ثمَّ جعلت حب وَذَا اسْما وَاحِدًا فَصَارَ مُبْتَدأ وَلزِمَ طَريقَة وَاحِدَة على مَا وصفت لَك فِي نعم فَتَقول حبذا عبد الله وحبذا أمة الله وَلَا يجوز حبذه لِأَنَّهَا جعلا اسْما وَاحِدًا فِي معنى الْمَدْح فانتقلا عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ قبل التَّسْمِيَة كَمَا يكون ذَلِك فِي الْأَمْثَال نَحْو إطري فَإنَّك ناعلة وَنَحْو الصَّيف ضيعت اللَّبن لِأَن أصل الْمثل إِنَّمَا كَانَ لامْرَأَة فَإِنَّمَا يضْرب لكل وَاحِد على مَا جرى فِي الأَصْل فَإِذا قلته للرجل فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْت عِنْدِي بِمَنْزِلَة الَّتِي قيل لَهَا هَذَا فَأَما قَوْلك نعمتْ وبئستْ إِذا عنيت الْمُؤَنَّث فلأنهما فعلان لم يخرجَا من بَاب الْأَفْعَال إِلَى التَّسْمِيَة كَمَا فعل بحبَّ وَذَا وكأنهما على منهاج الْأَفْعَال وَمن قَالَ نعم الْمَرْأَة وَمَا أشبهه فلأنهما فعلان قد كثرا وصارا فِي الْمَدْح الذَّم أصلا والحذف مَوْجُود فِي كل مَا كثر استعمالهم إِيَّاه فَأَما ضرب جاريتك زيدا وَجَاء أمتك وَقَامَ هِنْد فَغير جَائِز لِأَن تَأْنِيث هَذَا تَأْنِيث حَقِيقِيّ وَلَو كَانَ من غير الْحَيَوَان لصلح وَكَانَ جيدا نَحْو هدم دَارك وَعمر بلدتك لِأَنَّهُ تَأْنِيث لفظ لَا حَقِيقَة تَحْتَهُ كَمَا قَالَ عز وَجل (وَأَخَذَ الّذينَ ظَلَموا الصَّيْحَةَ وَقَالَ (فَمَنْ جاءَ هُ مَوُعِظَةٌ مِنْ رَبِهِ وَقَالَ الشَّاعِر (لئيمٍ يَحُكَّ قَفا مُقْرِفٍ ... لئيمٍ مآثِرُهُ قُعْدُدِ)

وَقَالَ الآخر

(بَعيدُ الغَزاةِ فَمَا إِن يزالُ ... مُضْمِراً طُرتاهُ طَليِحا) وَأما

(لَقَدْ وُلِدَ الأخْطَلَ أُمُّ سَوءٍ ... )

فَإِنَّمَا جَازَ للضَّرُورَة فِي الشّعْر جَوَازًا حسنا وَلَو كَانَ مثله فِي الْكَلَام لَكَانَ عِنْد النَّحْوِيين جَائِزا على بعدٍ وجوازه للتفرقة بَين الِاسْم وَالْفِعْل بِكَلَام فتقديره أَن ذَلِك الْكَلَام صَار عوضا من عَلامَة التَّأْنِيث نَحْو حضر القَاضِي الْيَوْم امْرَأَة وَنزل دَارك وَدَار زيد جَارِيَة وَالْوَجْه مَا ذكرت لَك وَمن أول الْفِعْل مؤنثا حَقِيقِيًّا لم يجز عِنْدِي حذف عَلامَة التَّأْنِيث فَأَما قَوْله

(فَكَانَ مِجنّى دُونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقي ... ثلاثَ شُخَوصٍ كاعِبانِ ومُعْصَرُ)

فَإِنَّمَا أنث الشخوص على الْمَعْنى لِأَنَّهُ قصد إِلَى النِّسَاء وَأَبَان ذَلِك بقوله كاعبان ومعصر وَمثل ذَلِك

(فإنَّ كِلاباً هَذِه عَشْرُ أبطُنٍ ... وأنتَ بَريءٌ مِنْ قبائلها العَشرِ) وَقَالَ الله عز وَجل {مَنْ جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالهَا}

وَالتَّقْدِير وَالله أعلم فَلهُ عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا فَيَقُول على هَذَا هَذِه الدَّار نعمت الْبَلَد لِأَنَّك إِنَّمَا عنيت بِالْبَلَدِ دَارا وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَلَد نعم الدَّار لِأَنَّك إِنَّمَا قصدت إِلَى الْبَلَد وَأعلم أَنه لَا يجوز أَن تَقول قَوْمك نعموا رجَالًا كَمَا تَقول قَوْمك قَامُوا وَلَا قَوْمك بئسوا رجَالًا وَلَا أَخُوك بئسا رجلَيْنِ كَمَا تَقول أَخَوَاك قاما لِأَن نعم وَبئسَ إِنَّمَا تقعان مضمرا فيهمَا فاعلاهما قبل الذّكر يفسرهما مَا بعدهمَا من التَّمْيِيز وَلَو كَانَا مِمَّا يضمر فِيهِ لخرجا إِلَى منهاج سَائِر الْأَفْعَال وَلم يكن فيهمَا من الْمعَانِي وَمَا شرحناه فِي صدر الْبَاب فَإِنَّمَا موضعهما أَن يقعا على مُضْمر يفسره مَا بعده أَو على مَرْفُوع بِالْألف وَاللَّام تَعْرِيف الْجِنْس لما ذكرت لَك وَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن تَقول زيد نعم الرجل وَالرجل غير زيد لِأَن نعم الرجل خبر عَن زيد وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة قَوْلك زيد قَامَ الرجل لِأَن نعم الرجل مَحْمُود فِي الرِّجَال كَمَا أَنَّك إِذا قلت زيد فاره العَبْد لم يكن الفاره من العبيد إِلَّا مَا كَانَ لَهُ لَوْلَا ذَلِك لَك لم يكن فاره خَبرا لَهُ وَاعْلَم أَنه مَا كَانَ مثل كرم زيد وَشرف عَمْرو فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي الْمَدْح مَعْنَاهُ مَا تعجبت مِنْهُ نَحْو مَا أشرفه وَنَحْو ذَلِك أشرف بِهِ وَكَذَلِكَ معنى نعم إِذا أردْت الْمَدْح وَمعنى بئس إِذا أردْت الذَّم وَمن ذَلِك قَوْله عز وَجل {سَاءَ مثلا الْقَوْم} كَمَا تَقول نعم رجلا أَخُوك وكرم رجلا عبد الله وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت نعم الرجل رجلا زيد فقولك رجلا توكيد لِأَنَّهُ مُسْتَغْنى عَنهُ بِذكر الرجل أَولا وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك عِنْدِي من الدَّرَاهِم عشرُون درهما إِنَّمَا ذكرت الدِّرْهَم توكيدا وَلَو لم تذكره لم تحتج إِلَيْهِ وعَلى هَذَا قَول الشَّاعِر

(تَزَوّدْ مِثْلَ زادِ أبيكَ فِينَا ... فنِعمَ الزَّاد زادُ أبيكَ زادا) فَأَما قَوْلك حَسبك بِهِ رجلا وويحه رجلا وَمَا أشبهه فَإِن هَذَا لَا يكون إِلَّا على مَذْكُور قد تقدم وَكَذَلِكَ كفى بِهِ فَارِسًا وأبرحت فَارِسًا قَالَ الشَّاعِر

(وَمُرَّةَ بِرَمْيهِمْ إِذا مَا تَبَدَّدُوا ... وَيَطْعَنُهم شَزَراً فأَبْرَحتْ فارِسا)

على معنى التَّعَجُّب فَأَما قَوْلهم مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا فَالْمَعْنى مَا رَأَيْت مثل رجل أرَاهُ الْيَوْم رجلا أَي مَا رَأَيْت مثله فِي الرِّجَال وَلكنه حذف لِكَثْرَة استعمالهم لَهُ وَأَن فِيهِ دَلِيلا كَمَا قَالُوا لَا عَلَيْك أَي لَا باس عَلَيْك وكما قَالُوا افْعَل هَذَا إِمَّا لَا أَي إِن كنت لَا تفعل غَيره فَمَا زَائِدَة وَالتَّقْدِير أَن لَا تفعل غير هَذَا فافعل هَذَا وَكَذَلِكَ قَوْلهم عِنْدِي دِرْهَم لَيْسَ غير وَلَيْسَ إِلَّا وَأما قَوْله

(يَا صاحبيَّ دَنا المَسِيرُ فَسِيرا ... لَا كالعَشِيةِ زَائِرًا ومَزوا)

فعلى إِضْمَار فعل كَأَنَّهُ قَالَ لَا أرى كالعشية أَي كواحد أرَاهُ العشية لِأَن الزائر والمزور ليسَا بالعشية فَيكون بِمَنْزِلَة لَا كزيد رجلا

هَذَا بَاب الْعدَد وَتَفْسِيره وجوهه وَالْعلَّة فِيمَا وَقع مِنْهُ مُخْتَلفا[عدل]

اعْلَم أَنَّك إِذا ثنيت الْوَاحِد لحقته زائدتان الأولى مِنْهُمَا حرف اللين وَالْمدّ وَهِي الْألف فِي الرّفْع وَالْيَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب والزائدة الثَّانِيَة النُّون وحركتها الْكسر وَكَانَ حَقّهَا أَن تكون سَاكِنة وَلكنهَا حركت لالتقاء الساكنين وَكسرت على حَقِيقَة مَا يَقع فِي الساكنين إِذا التقيا وَذَلِكَ قَوْلك هما المسلمان وَرَأَيْت الْمُسلمين فَأَما سِيبَوَيْهٍ فيزعم أَن الْألف حرف الْإِعْرَاب وَكَذَلِكَ الْيَاء فِي الْخَفْض وَالنّصب وَكَانَ الْجرْمِي يزْعم أَن الْألف حرف الْإِعْرَاب كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَكَانَ يزْعم أَن انقلابها هُوَ الْإِعْرَاب وَكَانَ غَيرهمَا يزْعم أَن الْألف وَالْيَاء هما الْإِعْرَاب فَإِذا قيل لَهُ فَأَيْنَ حرف الْإِعْرَاب قَالَ إِنَّمَا يكون الْإِعْرَاب فِي الْحَرْف إِذا كَانَ حَرَكَة فَأَما إِذا كَانَ حرفا قَامَ بِنَفسِهِ وَالْقَوْل الَّذِي نختاره ونزعم أَنه لَا يجوز غَيره قَول أبي الْحسن الْأَخْفَش وَذَلِكَ أَنه يزْعم أَن الْألف إِن كَانَت حرف إِعْرَاب فَيَنْبَغِي أَن يكون فِيهَا إِعْرَاب هُوَ غَيرهَا كَمَا كَانَ فِي الدَّال من زيد وَنَحْوهَا وَلكنهَا دَلِيل على الْإِعْرَاب لِأَنَّهُ لَا يكون حرف إِعْرَاب وَلَا إِعْرَاب فِيهِ وَلَا يكون إِعْرَاب إِلَّا فِي حرف وَيُقَال لأبي عمر إِذا زعمت أَن الْألف حرف إِعْرَاب وَأَن انقلابها هُوَ الْإِعْرَاب فقد لزمك فِي ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَنَّك تزْعم أَن الْإِعْرَاب معنى وَلَيْسَ بِلَفْظ فَهَذَا خلاف مَا أَعْطيته فِي الْوَاحِد وَالشَّيْء الآخر أَنَّك تعلم أَن أول أَحْوَال الِاسْم الرّفْع فَأول مَا وَقعت التَّثْنِيَة وَقعت وَالْألف فِيهَا فقد وَجب أَلا يكون فِيهَا فِي مَوضِع الرّفْع إِعْرَاب لِأَنَّهُ لَا انقلاب مَعهَا وَقَوْلنَا دَلِيل على الْإِعْرَاب إِنَّمَا هُوَ أَنَّك تعلم أَن الْموضع مَوضِع رفع إِذا رَأَيْت الْألف وَمَوْضِع خفض وَنصب إِذا رَأَيْت الْيَاء وَكَذَلِكَ الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون إِذا قلت مُسلمُونَ ومسلمين وَكَذَلِكَ مَا كَانَ الْفَهم لموضعه حرفا نَحْو قَوْلك أَخُوك وأخال وأخيك وَأَبُوك وأباك وَأَبِيك وَذُو مَال وَذَا مَال وَذي مَال وَجَمِيع هَذِه الَّتِي يسميها الْكُوفِيُّونَ معربة من مكانين لَا يصلح فِي الْقيَاس إِلَّا مَا ذكرنَا والزائدة الثَّانِيَة النُّون إِنَّمَا هِيَ بدل مِمَّا كَانَ فِي الْوَاحِد من الْحَرَكَة والتنوين وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا - _ وَاعْلَم أَنَّك إِذا ذكرت الْوَاحِد فَقلت رجل أَو فرس أَو نَحْو ذَلِك فقد اجْتمع لَك فِيهِ معرفَة الْعدَد وَمَعْرِفَة النَّوْع إِذا ثنيت فَقلت رجلَانِ أَو فرسَان فقد جمعت الْعدَد النَّوْع وَإِذا قلت ثَلَاثَة أَفْرَاس لم يجْتَمع لَك فِي ثَلَاثَة الْعدَد وَالنَّوْع وَلَكِنَّك ذكرت الْعدة ثمَّ أضفتها إِلَى مَا تُرِيدُ من الْأَنْوَاع وَكَانَ قِيَاس هَذَا أَن تَقول وَاحِد رجل وَاثنا رجال وَلَكِنَّك أمكنك أَن تذكر الرجل باسمه فيجتمع لَك فِيهِ الْأَمْرَانِ وَلما كَانَت التَّثْنِيَة الَّتِي هِيَ لضرب وَاحِد من الْعدَد أمكنك ذَلِك من لفظ الْوَاحِد فَقلت رجلَانِ وغلامان وَلم يحسن ذَلِك فِي الْجمع لِأَنَّهُ غير مَحْظُور وَلَا مَوْقُوف على عدَّة وَلَا يفصل بعضه من بعض وَلَو أَرَادَ مُرِيد فِي التَّثْنِيَة مَا يُريدهُ فِي الْجمع لجَاز ذَلِك فِي الشّعْر لِأَنَّهُ كَانَ الأَصْل لِأَن التَّثْنِيَة جمع وَإِنَّمَا معنى قَوْلك جمع أَنه ضم شَيْء إِلَى شَيْء فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر

(كأَنَّ خُصْيَبْهِ مِنَ التَّدّلْدُلِ ... ظَرْفُ جِرَابٍ فِيهِ ثِنتْا حَنْظَلِ)

فَإِذا جمعت الْوَاحِد وَكَانَ مذكرا ذكرت الْعدة ثمَّ أضفتها إِلَى الْجمع لِتُخْبِرَ أَن هَذَا الْعدة مقتطعة لما أردْت من الْجِنْس الَّذِي ذكرت فَإِن كَانَ الْمُذكر من ذَوَات الثَّلَاثَة كَانَت لَهُ أبنية تدل على أقل الْعدَد فَمن ذَلِك مَا كَانَ على أفعل نَحْو أكلب وأفرخ وأكبش وَمَا كَانَ على أَفعَال نَحْو أجمال وأقتاب أَمْثَال وَمَا كَانَ على أفعلة نَحْو أحمرة واقفزة وأجربة وَمَا كَانَ على فعلة نَحْو صبية وغلمة وفتية وَمَا كَانَ من الْمُذكر مجموعا بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو مُسلمُونَ وصالحون فَهُوَ أدنى الْعدَد لِأَنَّهُ على منهاج التَّثْنِيَة وَنَظِير ذَلِك من الْمُؤَنَّث مَا كَانَ بِالْألف وَالتَّاء نَحْو مسلمات وصالحات وكريمات وَمَا كَانَ بعد مَا وَصفنَا فَهُوَ لأكْثر الْعدَد وسنفسر هَذَا أجمع حَتَّى يعلم على حَقِيقَته إِن شَاءَ الله أعلم إِنَّك إِذا صغرت بِنَاء من الْعدَد يَقع فِي ذَلِك الْبناء أدنى الْعدَد فَإنَّك ترده إِلَى أدنى الْعدَد فتصغره وَذَلِكَ انك إِذا صغرت كلابا قلت أكليب لِأَنَّك إِنَّمَا تخبر أَن الْعدَد قَلِيل فَإِنَّمَا ترده إِلَى مَا هُوَ للقليل فَلَو صغرت مَا هُوَ للعدد الْأَكْثَر كنت قد أخْبرت أَنه قَلِيل كثير فِي حَال وَهَذَا هُوَ الْمحَال وَنَذْكُر هَذَا فِي بَاب التصغير وَلَكنَّا ذكرنَا مِنْهُ هَا هُنَا شَيْئا لما يجْرِي فِي الْبَاب فَإِذا أردْت أَن تجمع الْمُذكر ألحقته اسْما من الْعدة فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَذَلِكَ نَحْو ثَلَاثَة أَثوَاب وَأَرْبَعَة رجال فَدخلت هَذِه الْهَاء على غير مَا دخلت عَلَيْهِ فِي ضاربة وقائمة وَلَكِن كدخولها فِي عَلامَة ونسابة وَرجل ربعَة وَغُلَام يفعة فَإِذا أوقعت الْعدة على مؤنث أوقعته بِغَيْر هَاء فَقلت ثَلَاث نسْوَة أَربع جوَار وَخمْس بغلات وَكَانَت هَذِه الْأَسْمَاء مُؤَنّثَة بالبنية كتأنيث عقرب وعناق وشمس وَقدر وَإِن سميت رجل بِثَلَاث الَّتِي تقع على عدَّة الْمُؤَنَّث لم تصرفه لِأَنَّهُ اسْم مؤنث بِمَنْزِلَة عنَاق وَإِن سميته ب ثَلَاث من قَوْلك ثَلَاثَة الَّتِي تقع على الْمُذكر صرفته فَكَذَلِك يجْرِي الْعدَد فِي الْمُؤَنَّث والمذكر بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فِي الْمُذكر وَفِيمَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة فِي الْمُؤَنَّث قَالَ الله عز وَجل {سَخَرَها عَلْيهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمَانِيةَ أيامٍ}

وَقَالَ {فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين} وَقَالَ على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك لِأَن الْوَاحِدَة حجَّة وَقَالَ {فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة} فَإِذا كَانَ فِي الشَّيْء مَا يَقع لأدنى الْعدَد اضفت هَذِه الْأَسْمَاء إِلَيْهِ فَقلت ثَلَاثَة أغلمة وَأَرْبَعَة أحمرة وَثَلَاثَة أفلس وَخَمْسَة أعداد فَإِن قلت ثَلَاثَة حمير وَخَمْسَة كلاب جَازَ ذَلِك على أَنَّك أردْت ثَلَاثَة من الْكلاب خَمْسَة من الْحمير كَمَا قَالَ الله عز وَجل {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء} وَقَالَ الشَّاعِر

(قدْ جعلتْ ميَّ على الظِّرارِ ... خَمْسَ ثنان قانيء الأظفَارِ} يُرِيد خمْسا من الْبَنَات وَاعْلَم أَنه مَا لم يكن فِيهِ ادنى الْعدَد فالعدد الَّذِي يكون للكثير جَار عَلَيْهِ مَا يكون للقليل كَمَا أَنه إِذا كَانَ مجموعا على بعض أبنية الْعدَد وَلم يكن لَهُ جمع غَيره دخل مَعَه الْكثير وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك يَد وأيد وَرجل وأرجل فَهَذَا من أبنية أدنى الْعدَد وَلم يكن لَهُ جمع غَيره فالكثير من الْعدَد يلقب أَيْضا بِهَذَا وَكَذَلِكَ ثَلَاثَة أرسان وَتقول ذَلِك للكثير لِأَنَّهُ لَا جمع لَهُ إِلَّا ذَلِك وَأما مَا يَقع للكثير وَلَا يجمع على أدنى الْعدَد فنحو قَوْلك شسوع فَتَقول ثَلَاثَة شسوع فيشترك فِيهِ الْأَقَل وَالْأَكْثَر فَإِذا جَاوَزت ذَوَات الثَّلَاثَة اسْتَوَى البناءان وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي ثَلَاثَة دَرَاهِم وَرَأَيْت ثَلَاثَة مَسَاجِد فَإِن حقرت الدَّرَاهِم قلت دريهمات ترده فِي التحقير إِلَى بِنَاء يكون لأدنى الْعدَد وجمعت بِالْألف وَالتَّاء لِأَن كل جمَاعَة من غير الْآدَمِيّين ترجع إِلَى التَّأْنِيث وَهَذَا يبين لَك فِي بَاب الْجمع إِن شَاءَ الله وَتقول عِنْدِي ثَلَاثَة محمدين وَخَمْسَة جعفرين لِأَن هَذَا مِمَّا يجمع بِالْوَاو وَالنُّون فَإِن قلت محامد وجعافر على أَنَّك أردْت ثَلَاثَة من الجعافر وَثَلَاثَة من المحامد كَانَ جيدا على مَا فسرت لَك فَإِذا خرجت عَن العقد الأول ضممت إِلَيْهِ اسْما مِمَّا كَانَ فِي أصل الْعدَد إِلَى أَن تتسعه وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي أحد عشر رجلا وَخَمْسَة عشر رجلا بنيت أحد مَعَ عشر وغيرت اللَّفْظ للْبِنَاء وَذَلِكَ أَنَّك جعلتهما اسْما وَاحِدًا وَكَانَ الأَصْل أحدا وَعشرَة وَخَمْسَة وَعشرَة فَلَمَّا كَانَ أصل الْعدَد أَن يكون اسْما وَاحِد يدل على جَمِيع نَحْو ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة بنوا هذَيْن الاسمين فجعلوهما اسْما وَاحِد ألزموهما الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات كَمَا قَالُوا هُوَ جاري بَيت بَيت ولقيته كفة كفة يَا فَتى الْقَوْم فِيهَا شغر بغر فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا أعربوه كَمَا قَالُوا حَضرمَوْت وبعلبك وَمَا أشبههَا قيل أَن حَضرمَوْت بَنو الاسمين فَجعلَا اسْما وَاحِدًا كَمَا فعلوا بِمَا فِيهِ هَاء التَّأْنِيث وَجعلُوا ذَلِك علما وَلم يكن لَهُ حد صرف عَنهُ وَالْعدَد الَّذِي ذكرت كَانَ لَهُ حد صرف عَنهُ كَمَا ذكرت لَك فَلَمَّا عدل عَن وَجهه عدل عَن الْإِعْرَاب وَأما اثْنَا عشر فَلَيْسَتْ هَذِه سَبيله لِأَنَّهُ مِمَّا فِيهِ دَلِيل الْإِعْرَاب تَقول جَاءَنِي اثْنَا عشر وَرَأَيْت اثْنَي عشر فَلَمَّا كَانَ إعرابه كإعراب رجلَيْنِ ومسلمين لم يجز أَن يَجْعَل مَعَ غَيره اسْما وَاحِدًا وَلَا تَجِد ذَلِك فِي بِنَاء حَضرمَوْت وَلَا فِي شَيْء مِمَّا ذكرت لَك من لَقيته كفة كفة وَنَحْوه وَلَكنهُمْ جعلُوا عشرَة بِمَنْزِلَة النُّون من اثْنَيْنِ إِلَّا أَن لَهَا الْمَعْنى الَّذِي أبانت عَنهُ من الْعدَد وَلَو سميت رجلا اثْنَي عشر ثمَّ رخمته لَقلت يَا اثن أقبل تحذف الْألف مَعَ عشر كَمَا كنت فَاعِلا بالنُّون لَو كَانَت مَكَان عشر فَأَما تغييرهم عشر عَن قَوْلك عشرَة فَإِنَّمَا ذَلِك لصرفها عَن وَجههَا وَلَكِنَّك أثبت الهاءات للمذكر كَمَا كنت مثبتها فِي ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة فَتَقول ثَلَاثَة عشر رجلا وَأَرْبَعَة عشر رجلا وَخَمْسَة عشر إنْسَانا وَلم تثبت فِي عشر هَاء وَهِي للمذكر لِأَنَّك قد أثبت الْهَاء فِي الِاسْم الأول وهما اسْم وَاحِد فَلَا تدخل تأنيثا على تَأْنِيث كَمَا لَا تَقول حمراءة وَلَا صفراءة فَأَما الِاسْم الْمَنْصُوب الَّذِي يبين بِهِ الْعدَد فَنحْن ذاكروه فِي مَوْضِعه مشروحا إِن شَاءَ الله فَإِذا أردْت الْمُؤَنَّث أثبت الْهَاء فِي آخر الِاسْم لِأَن عشرا مُذَكّر فِي هَذَا الْموضع فأثنته لما قصدت إِلَى مؤنث فَقلت ثَلَاث عشرَة امْرَأَة وَخمْس عشرَة جَارِيَة لِأَنَّك بنيته بِنَاء على حِدة كَمَا فَقلت ذَلِك بالمذكر فَسلمت الْأَسْمَاء الأولى كَمَا سلمت أَسمَاء الْمُذكر واثبت الْهَاء فِي آخِره وبنيت الْعشْرَة على غير بنائها فِي قَوْلك عشر نسْوَة فَقلت إِحْدَى عشرَة واثنتا عشرَة وَإِن شِئْت قلت عشرَة على غير منهاج عشرَة وَلَكِنَّك أسكنت الشين كَمَا تسكن فخذا فَتَقول فخْذ وَعلم فَتَقول علْم وتنصب الِاسْم الَّذِي تبين بِهِ الْعدَد كَمَا فعلت ذَلِك مَعَ الْمُذكر فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالك قلت إِحْدَى عشرَة وَإِحْدَى مُؤَنّثَة وَعشرَة فِيهَا هَاء التَّأْنِيث وَكَذَلِكَ اثْنَتَا عشرَة فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن تَأْنِيث إِحْدَى بِالْألف وَلَيْسَ بالتأنيث الَّذِي على وَجه التَّذْكِير نَحْو قَائِم وقائمة وَجَمِيل وجميلة فهما اسمان كَانَا بائنين فوصلا وَلكُل وَاحِد مِنْهَا لفظ من التَّأْنِيث سوى لفظ الآخر وَلَو كَانَ على لَفظه لم يجز فَأَما اثْنَان وَاثْنَتَانِ فَإِنَّمَا أنث اثْنَان على اثْنَتَيْنِ وَلكنه تَأْنِيث لَا يفرد لَهُ وَاحِد فالتاء فِيهِ ثَابِتَة وَإِن كَانَ أَصْلهَا أَن تكون مِمَّا وَقفه بِالْهَاءِ أَلا ترى أَنهم قَالُوا مذروان لِأَنَّهُ لَا يفرد لَهُ وَاحِد وَلَو كَانَ مِمَّا ينْفَرد لَهُ وَاحِد لم يكن إِلَّا مذريان وَكَقَوْلِه عقلته بثنايين وَلَو كَانَ ينْفَرد مِنْهُ الْوَاحِد لم يكن إِلَّا بثنائين فَأَما نصب الِاسْم الَّذِي بعد خَمْسَة عشرَ وَأحد عشر وَبعد إِحْدَى عشرَة إِلَى تسع عشرَة فَلِأَنَّهُ عدد فِيهِ نِيَّة التَّنْوِين وَلكنه لَا ينْصَرف كَمَا تَقول هَؤُلَاءِ ضوارب زيدا غَدا إِذا أردْت التَّنْوِين وَلم يحز أَن يكون هَذَا مُضَافا لِأَن الْإِضَافَة إِنَّمَا تكون لما وَقع فِيهِ اقل الْعدَد وَذَلِكَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فَإِذا خرجت عَن ذَلِك خرجت إِلَى مَا تحْتَاج إِلَى تبين نَوعه فَإِن كَانَ منونا انتصب مَا بعده عَن ذكر النَّوْع وَإِن كَانَ غير منون أضيف إِلَى الْوَاحِد الْمُفْرد الَّذِي يدل على النَّوْع فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا كَانَ هَذَا مِمَّا تجْرِي عَلَيْهِ الْإِضَافَة كَمَا تَقول مائَة دِرْهَم وَألف دِرْهَم قيل لَهُ لما كَانَ هَذَا اسْمَيْنِ ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر وَلم يكن فِي الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ من اسْمَيْنِ ضم أَحدهمَا إِلَى الآخر إِضَافَة كَانَ هَذَا لاحتياجه إِلَى النَّوْع بِمَنْزِلَة مَا قد لفظ بتنوينه فَإِن قَالَ قَائِل فَأَنت قد تَقول هَذَا حَضرمَوْت زيد إِذا سميت رجلا حَضرمَوْت ثمَّ أضفته كَمَا تَقول هَذَا زيد عَمْرو قيل إِن إِضَافَته لَيست لَهُ لَازِمَة وَإِنَّمَا يكون إِذا نكرته ثمَّ عَرفته بِمَا تضيف إِلَيْهِ وَخَمْسَة عشر عدد مُبْهَم لَازم لَهُ التَّفْسِير فَكَانَت تكون الْإِضَافَة لَازِمَة فَيكون كَأَن أَصله ثَلَاثَة أَسمَاء قد جعلت اسْما وَاحِدًا وَمثل هَذَا لَا يُوجد فَإِن قَالَ فَهَلا جعل مَا تبين بِهِ النَّوْع جمعا فَتَقول خَمْسَة عشر رجلا كَمَا تَقول زيدا أفره النَّاس عبدا وأفره النَّاس عبيدا قيل الْفَصْل بَينهمَا أَنَّك إِذا قلت زيد أفره النَّاس عبدا جَازَ أَن تكون تَعْنِي عبدا وَاحِدًا وَأَن تكون تَعْنِي جمَاعَة فَإِذا قلت عبيدا بنيت الْجَمَاعَة وَأَنت إِذا قلت خَمْسَة عشرَة وَنَحْوه فقد بيّنت الْعدَد فَلم تحتج إِلَى النَّوْع فَجئْت بِوَاحِد منكور يدل على جنسه لِأَنَّك قد اسْتَغْنَيْت عَن ذكر الْجَمَاعَة فَإِذا ثنيت أدنى الْعُقُود اشتققت لَهُ من اسْمه مَا فِيهِ دَلِيل على أَنَّك قد خرجت عَنهُ إِلَى تَضْعِيفه وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا يلْحقهُ من الزِّيَادَة وَهِي الْوَاو وَالنُّون فِي الرّفْع وَالْيَاء وَالنُّون فِي الْخَفْض وَالنّصب وَيجْرِي مجْرى مُسلمين وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي عشرُون رجلا وَعِشْرُونَ جَارِيَة فيستوي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مُبْهَم وَلَيْسَ من الْعدَد الَّذِي هُوَ أصل وَالْأَصْل مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة فَكل عدد فَمن هَذَا مُشْتَقّ فِي لفظ أَو معنى فَأَما قَوْلهم عشرُون وَلم يفتحوا لعشر الْعين فقد قيل فِيهِ أقاويل قَالَ قوم إِنَّمَا كسرت ليدلوا على الكسرة الَّتِي فِي أول اثْنَيْنِ لِأَنَّهَا تَثْنِيَة عشرَة وَلَيْسَت بِجمع وَلَيْسَ هَذَا القَوْل بِشَيْء وَلَكِن نقُول فِي هَذَا إِنَّه اسْم قد صرف على وُجُوه فَمِنْهَا أَنَّك تَقول فِي الْمُذكر عشرَة وللمؤنث عشر بالإسكان وَلَيْسَ على منهاج التَّذْكِير وَلَو كَانَ على منهاجه لَكَانَ حذف الْهَاء لَازِما للمذكر وإثباتها لَازِما للمؤنث كَسَائِر الْأَسْمَاء نَحْو ظريف وظريفة ومتكلم ومتكلمة وعَلى هَذَا قَالُوا خَمْسَة عشر فغيروه وَقَالُوا خمس عشرَة فبنوه على خلاف بِنَاء التَّذْكِير فَلَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْم مغيرا فِي جَمِيع حالاته وَلم يكن فِي الْعشْرين على منهاج سَائِر الْعُقُود وَغَيره كَانَ دَلِيلا على مَجِيئه على غير وَجهه الا ترى أَنهم لما جمعُوا مَنْقُوص الْمُؤَنَّث بِالْوَاو وَالنُّون غيروا أَوَائِله ليَكُون التَّغْيِير دَلِيلا على خُرُوجه من بَابه وَذَلِكَ قَوْلك سنة ثمَّ تَقول سنُون فتكسر السِّين وَكَذَلِكَ قلَّة وقلون وَأما قَوْلنَا أَنه على خلاف الْعُقُود فَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّك اشتققت للثلاثين من الثَّلَاثَة لِأَنَّهَا ثَلَاثَة عُقُود وَكَذَلِكَ فعلت بالأربعين وَالْخمسين وَمَا بعده إِلَى التسعين فَكَانَ الْوَاجِب إِذْ اشتققت للثلاثين من الثَّلَاثَة أَن تشتق للعشرين من الِاثْنَيْنِ فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا فعلوا ذَلِك فَالْجَوَاب إِن الِاثْنَيْنِ مِمَّا إعرابه فِي وَسطه فَلَو فعل بِهِ مَا فعل بِالثَّلَاثَةِ حَيْثُ صيرت إِلَى الثَّلَاثِينَ لبطل مَعْنَاهُ وصير إِلَى الْإِفْرَاد وَلم يَقع مُفردا قطّ فالامتناع مِنْهُ كالضرورة فَإِذا زِدْت على الْعشْرين وَاحِد فَمَا فَوق إِلَى العقد الثَّانِي أَو وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا قلت فِي الْمُذكر أحد وَعِشْرُونَ رجلا وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ رجلا وَوَاحِد وَعِشْرُونَ كَمَا كنت قَائِلا قبل أَن تصله بالعشرين فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا بني الْأَحَد مَعَ الْعشْرين وَمَا بعد الْأَحَد من الْأَعْدَاد كَمَا فعل ذَلِك بِخَمْسَة عشر وَنَحْوه فيجعلان اسْما وَاحِدًا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي كل عدد قبله قيل لَهُ لم يكن لهَذَا نَظِير فِيمَا فرط من الْأَسْمَاء كحضرموت وبعلبك لَا تَجِد اسْمَيْنِ جعلا اسْما وَاحِدًا مِمَّا أَحدهمَا إعرابه كإعراب مُسلمين وَقد تقدم قَوْلنَا فِي هَذَا حَيْثُ ذكرنَا اثْنَي عشر فَإِذا صرت إِلَى العقد الَّذِي بعد الْعشْرين كَانَ حَاله فِيمَا يجمع مَعَه من الْعدَد كَحال عشْرين وَكَذَلِكَ إعرابه إِلَّا أَن اشتقاقه من الثَّلَاثَة لِأَن التَّثْلِيث أدنى الْعُقُود وَكَذَلِكَ لما بعده إِلَى التسعين إِذا صرت إِلَى العقد الَّذِي بعْدهَا كَانَ لَهُ اسْم خَارج من هَذِه الْأَسْمَاء لِأَن مَحَله مَحل الثَّلَاثِينَ مِمَّا قبلهَا وَالْأَرْبَعِينَ مِمَّا قبلهَا وَنَحْو ذَلِك وَلم يشتق لَهُ من الْعشْرَة اسْم لِئَلَّا يلتبس بالعشرين وَلِأَن العقد حَقه أَن يكون فِيمَا فرط من الْأَعْدَاد خَارِجا من اسْم قبله واضفته لما بعده معرفَة كَانَ أَو نكرَة كَمَا كنت فَاعِلا ذَلِك بِالْعقدِ الأول وَذَلِكَ قَوْلك مائَة دِرْهَم وَمِائَة الدِّرْهَم الَّتِي قد عرفت وَلم يجز أَن تَقول عشرُون الدِّرْهَم لِأَن درهما بعد عشْرين تَمْيِيز مُنْفَصِل من الْعشْرين وَالْمِائَة مُضَافَة والمضاف يكون معرفَة بِمَا يُضَاف إِلَيْهِ فَإِذا أردْت تَعْرِيف عشْرين وَمَا كَانَ مثلهَا قلت الْعشْرُونَ رجلا وَالثَّلَاثُونَ جَارِيَة كَمَا تَقول الضاربون زيدا لِأَن مَا بعد التَّنْوِين مُنْفَصِل مِمَّا قبله وَالْمِائَة اسْم لَيْسَ التَّنْوِين لَهُ لَازِما لِأَن حَال التَّنْوِين لَيست حَال النُّون لِأَنَّك تقف على النُّون وَلَا تقف على التَّنْوِين وَلِأَن النُّون تثبت مَعَ الْألف وَاللَّام وَلَا يثبت التَّنْوِين مَعَهُمَا تَقول الْمُسلمُونَ والصالحون وَلَا تَقول المسلمٌ والصالحٌ فتقف على التَّنْوِين فَكَانَت مائَة فِي بَابهَا كثلاثة فِي بَابهَا إِلَّا أَن الَّذِي تُضَاف إِلَيْهِ مائَة وَاحِدَة فِي معنى جمع وَالَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ ثَلَاثَة وَمَا أشبههَا جمع تَقول ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمِائَة دِرْهَم والفصل بَينهمَا مَا يَقع فِي الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة من أدنى الْعدَد وَأَن الْمِائَة كالعشرين وَنَحْوهَا وَإِن كَانَت مُضَافَة وَكَذَلِكَ صَار لَفظهَا للمذكر والمؤنث على هَيْئَة وَاحِدَة تَقول مائَة دِرْهَم وَمِائَة جَارِيَة كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْعشْرين وَنَحْوهَا وَلم يكن هَذَا فِي خَمْسَة عشر وَخمْس عشرَة لِأَنَّهُمَا مجموعان مِمَّا كَانَ وَاقعا لأدنى الْعدَد فَإِن اضْطر شَاعِر فنون وَنصب مَا بعده لم يجز أَن يَقع إِلَّا نكرَة لِأَنَّهُ تَمْيِيز كَمَا أَنه إِذا اضْطر قَالَ ثَلَاثَة أثوابا فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر (إِذا عاشَ الْفَتى مائتينِ عَاما ... فقدْ ذَهبَ اللذاذةُ والفَتاءُ)

فَإِنَّمَا حسن هَذَا فِي الْمِائَتَيْنِ وَإِن كَانَ تَثْنِيَة الْمِائَة لِأَنَّهُ مِمَّا يلْزمهَا النُّون فقد رَجَعَ فِي اللَّفْظ إِلَى حَال الْعشْرين وَمَا أشبههَا وَلَكِن الْمَعْنى يُوجب فِيهِ الْإِضَافَة فَأَما قَوْلهم ثلثمِائة وَأَرْبَعمِائَة واختيارهم إِيَّاه على مِائَتَيْنِ ومئات فَإِنَّمَا ذَلِك قِيَاس على مَا مضى لِأَن الْمَاضِي من الْعدَد هُوَ الأَصْل وَمَا بعده فرع فَقِيَاس هَذَا قِيَاس قَوْلك عشرُون درهما وَأحد وَعِشْرُونَ درهما إِلَى قَوْلك تِسْعَة وَعِشْرُونَ درهما فالدرهم مُفْرد لِأَنَّك إِذا قلت ثَلَاثُونَ وَمَا بعْدهَا إِلَى تسعين ثمَّ جاوزته صرت إِلَى عقد لَيْسَ لَفظه من لفظ مَا قبله فَكَذَلِك تَقول ثلثمِائة وَأَرْبَعمِائَة لِأَنَّك إِذا جَاوَزت تِسْعمائَة صرت إِلَى عقد يُخَالف لَفظه لفظ مَا قبله وَهُوَ قَوْلك ألف ثمَّ تَقول ثَلَاثَة آلَاف لِأَن الْعدَد الَّذِي بعده غير خَارج مِنْهُ تَقول عشرَة آلَاف كَمَا تَقول عشرَة أَثوَاب وَأحد عشر ألفا كَمَا تَقول أحد عشر ثوبا إِلَى العقد الآخر فَلَو كنت تَقول عشر مئين وَإِحْدَى عشرَة مائَة لوَجَبَ جمعهَا فِي التَّثْلِيث وَمَا بعده وَإِنَّمَا جَازَ أَن تَقول ثَلَاث مئين وَثَلَاث مئات من أجل أَنه مُضَاف فشبهته من جِهَة الْإِضَافَة لَا غير بقَوْلهمْ ثَلَاثَة أَثوَاب وَثَلَاث جوَار قَالَ الشَّاعِر

(ثلاثُ مِئينٍ للمُلوكِ وَفِي بِها ... رِدائي وجَلّتْ عنْ وُجوهِ الأهاتِمِ)

وَقَالَ الآخر

(ثلاثُ مِئينٍ قدْ مَرَرْنَ كَواملاً ... وَهَا أنذا أرتجي مَرَّ ارْبَعِ)

فَأَما قَوْلك مائَة دِرْهَم وَمِائَة جاريةٍ وألفُ غلامٍ وَألف جاريةٍ فَلَا يكون فِيهِ إِلَّا هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَة ثَلَاثَة وَمَا بعْدهَا إِلَى عشرَة وَلَا ثَلَاث إِلَى عشر لِأَن الثَّلَاث وَالثَّلَاثَة على مئين وَقع أَو على أُلُوف أَو غير ذَلِك ففيهن أقل الْعدَد مِمَّا وقعن عَلَيْهِ ومجاز مائَة وَألف فِي أَنه لَا يكون لأدنى الْعدَد مجَاز أحد عشر درهما فَمَا فَوق فَأَما قَوْله عز وَجل {وَلَبِثوا فِي كَهْفِهِمْ ثلثَمائَةٍ سِنِينَ} فَإِنَّهُ على الْبَدَل لِأَنَّهُ لما قَالَ ثلثمِائة ثمَّ ذكر السنين ليعلم مَا ذَلِك الْعدَد وَلَو قَالَ قَائِل أَقَامُوا سِنِين يَا فَتى ثمَّ قَالَ مئين أَو ثلثمِائة لَكَانَ على الْبَدَل ليبين كم مِقْدَار تِلْكَ السنين وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء بِالْإِضَافَة فَقَالَ {ثَلثَمِائِةِ سِنِيْنِ} وَهَذَا خطأ فِي الْكَلَام غير جَائِز وَإِنَّمَا يجوز مثله فِي الشّعْر للضَّرُورَة وجوازه فِي الشّعْر أَبَا نحمله على الْمَعْنى لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى جمَاعَة وَقد جَازَ فِي الشّعْر أَن تفرد وَأَنت تُرِيدُ الْجَمَاعَة إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل على الْجمع فَمن وَذَلِكَ قَوْله (كُلوا فِي نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعيشوا ... فإنَّ زّمّانكّمْ زمنٌ خَميصُ)

وَقَالَ آخر

(إنْ تُقتَلوا اليومَ فقدْ سُبينا ... فِي حَلْقِكُمْ عظمٌ وقّدْ شُجينا) وينشد شربنا وَقَالَ عَلْقَمَة بن عَبدة

(بهَا جِيِفُ الحَسْرى فأمّا عِظامُها ... فَبيضٌ وأمّا جِلدُها فَصَلِيبُ)

وَأما قَوْله عز وَجل {خَتَمَ اللهُ على قلوبِهِمْ وَعَلى سَمعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ} فَلَيْسَ من هَذَا لِأَن السّمع مصدر والمصدر يَقع للْوَاحِد وَالْجمع وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر وَهُوَ جرير

(إنَّ العُيونَ الَّتِي فِي طَرَفها مرضٌ ... قَتَلْنَنا ثُمَّ لَم يُحْيِيْنَ قَتْلانا)

لِأَن الطّرف مصدر وَأما قَوْله الله عز وَجل {ثُم يُخْرِجُكُمْ طِفلا} {وَقَوله} (فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شيءٍ منَّة نَفْسَاً} فَإِنَّهُ أفرد هَذَا لِأَن مخرجهما مخرج التَّمْيِيز كَمَا تَقول زيد أحسن النَّاس ثوبا وأفره النَّاس مركبا وَأَنه ليحسن ثوبا وَيكثر أمة وعبدا وَقد قَالُوا فِي قَول الْعَبَّاس بن مرداس قَوْلَيْنِ وَهُوَ

(فَقُلْنَا أسْلِمُوا إنّا أخوكُمْ ... فّقّدْ بَرِئّتْ مِنَ الإحَنِ الصُدورُ)

فَقَالَ بَعضهم أَرَادَ إِنَّا إخوتكم فَوضع الْوَاحِد مَوضِع الْجَمِيع كَمَا قَالَ فِي حلقكم أَي فِي حلوقكم وَقَالَ آخَرُونَ لَفظه لفظ الْجمع من قَوْلك أَخ وأخون ثمَّ حذف النُّون وأضاف كَمَا تَقول مسلموكم وصالحوكم وَتقول على ذَلِك أَب وأبون وَأَخ أخون كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(فَلَمَا تَبَيَنَّ أصواتَنا ... بَكَيْنَ وّفَدَّيْنَنا بالأبينا)

وَقَالَ آخر

(وَكَانَ لنا فَزارةُ عَمَّ سَوءٍ ... وكنتُ لَهُ كشرِّ بني الأخينا)

هَذَا بَاب إِضَافَة الْعدَد وَاخْتِلَاف النَّحْوِيين فِيهِ[عدل]

اعْلَم أَن قوما يَقُولُونَ أخذت الثَّلَاثَة الدَّرَاهِم يَا فَتى وَأخذت الْخَمْسَة عشر الدِّرْهَم وَبَعْضهمْ يَقُول أخذت الْخَمْسَة الْعشْر الدِّرْهَم وَأخذت الْعشْرين الدِّرْهَم الَّتِي تعرف وَهَذَا كُله خطأ فَاحش وَعلة من يَقُول هَذَا الاعتلال بالرواية لَا أَنه يُصيب لَهُ فِي قِيَاس الْعَرَبيَّة نظيرا وَمِمَّا يبطل هَذَا القَوْل أَن الرِّوَايَة عَن الْعَرَب الفصحاء خِلَافه فرواية بِرِوَايَة وَالْقِيَاس حَاكم بعد أَنه لَا يُضَاف مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام من غير الْأَسْمَاء المشتقة من الْأَفْعَال لَا يجوز أَن تَقول جَاءَنِي الْغُلَام زيد لِأَن الْغُلَام معرف بِالْإِضَافَة وَكَذَلِكَ لَا تَقول هَذَا الدَّار عبد الله وَلَا أخذت الثَّوْب زيد وَقد اجْتمع النحويون على أَن هَذَا لَا يجوز واجماعهم حجَّة على من خَالفه مِنْهُم فعلى هَذَا تَقول هَذِه ثَلَاثَة أَثوَاب كَمَا تَقول هَذَا صَاحب ثوبٍ فَإِن أردْت التَّعْرِيف قلت هَذِه ثَلَاثَة الأثواب كَمَا تَقول هَذَا صَاحب الأثواب لِأَن الْمُضَاف إِنَّمَا يعرفهُ مَا يُضَاف إِلَيْهِ فيستحيل هَذِه الثَّلَاثَة الأثواب كَمَا يَسْتَحِيل هَذَا الصاحب الأثواب وَهَذَا محَال فِي كل وَجه أَلا ترى أَن ذَا الرمة لما أَرَادَ التَّعْرِيف قَالَ (أمَنْزِلتي ميِّ سَلاَمٌ عَلَيكُما ... هَلِ الأزْمُنُ اللائي مَضَيْنَ رواجعُ)


(وَهَلْ يُرْجعُ التسليمَ أَو يَدفعُ البُكا ... ثلاثُ الأثافي والرسومُ البَلاقِعِ)

وَقَالَ الفرزدق

(مَا زالَ مُذْ عَقَدتْ يداهُ إزارهُ ... ودّنا فأدْرَكَ خَمسَةَ الأشبارِ)

فَهَذَا لَا يجوز غَيره وَأما قَوْلهم الْخَمْسَة الْعشْر فيستحيل من غير هَذَا الْوَجْه لِأَن خَمْسَة عشر بِمَنْزِلَة حَضرمَوْت وبعلبك وقالى قلا وأيدي سبا وَمَا أشبه ذَلِك من الاسمين اللَّذين يجعلان اسْما وَاحِدًا فَإِذا كَانَ شَيْء من ذَلِك نكرَة فَإِن تَعْرِيفه أَن تجْعَل الْألف وَاللَّام فِي أَوله لِأَن الثَّانِي قد صَار فِي درج الْكَلَام الأول فَهَذَا أقبح واشنع وَأما قَوْلهم الْعشْرُونَ الدِّرْهَم فيستحيل من وَجه ثَالِث وَهُوَ أَن الْعدَد قد احكم وَبَين بِقَوْلِك عشرُون فَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى أَن يعلم النَّوْع فَإِنَّمَا دِرْهَم وَمَا أشبعه للنوع فَإِن كَانَت الْعشْرُونَ مَعْلُومَة قلت أخذت الْعشْرين درهما أَي الَّتِي قد عرفت وَلَيْسَ الدِّرْهَم بِوَاحِد مَعْلُوم مَقْصُود إِلَيْهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ لَا معنى لَهُ بعد الْعشْرين وَكَذَلِكَ كل رجل جَاءَنِي فَلهُ دِرْهَم وَإِنَّمَا الْمَعْنى كل من جَاءَنِي من الرِّجَال إِذا كَانُوا وَاحِدًا وَاحِدًا فَلهُ دِرْهَم أَلا تراك تَقول كل اثْنَيْنِ جاءاني أكرمهما لِأَنَّك تُرِيدُ الَّذين يجيؤنك اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فَلَو قلت كل الِاثْنَيْنِ أَو كل الرجل على هَذَا لاستحال ففساد هَذَا بَين جدا وبنبغي لمن تبين فَسَاد مَا قَالَه أَن يرجع من قبل إِلَى حَقِيقَة الْقيَاس وَلَا يمض على التَّقْلِيد

هَذَا بَاب مَا يُضَاف من الْأَعْدَاد المنونة[عدل]

اعْلَم أَنَّك إِذا اضفت عددا حذفت مِنْهُ النُّون والتنوين أَي ذَلِك كَانَ فِيهِ فَتَقول هَذِه عشروك وثلاثوك وأربعوك وَرَأَيْت ثلاثيك وأربعيك وَهَذِه مائتك وألفك وَتقول هَذِه ثَلَاثَة وثلاثوك إِذا سميت بهَا رجلا وَإِن كَانَ عددا فِي مَوْضِعه قلت هَذِه ثلاثتك وثلاثوك كَمَا تَقول هَذَا غلامك وجاريتك وَكَذَا سَبِيل كل مَعْطُوف وَتقول هَذِه ثَلَاثَة أثوابك وَهَذِه ثَلَاثَة أَثوَاب الْقَوْم لَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن الْمُضَاف يُنكر حَتَّى يعرفهُ مَا بعده أَو يُنكره وَكَذَلِكَ تَقول هَذِه مائَة درهمك وَألف دينارك وَهَذِه خَمْسَة عشرك تقدر حذف مَا فِيهِ من التَّنْوِين فِي النِّيَّة كَمَا تَقول هنّ حواج بَيت الله إِذا نَوَيْت التَّنْوِين وهنّ حواج بَيت الله إِذا نَوَيْت طَرحه لِأَن فواعل لَا ينْصَرف فَإِنَّمَا يَقع التَّنْوِين فِي النِّيَّة وَيخرج مخرج هَذَا ضاربٌ زيد وضاربُ زيد كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(إِذا أمُّ سِرياحٍ غَدَتْ فِي ظعائن ... طَوالعَ نَجدا فاضتِ العَينُ تَدمَعُ) وَقَالَ آخر

(ونأخذ بَعْدَه بِذِنْابِ عّيشٍ ... أجَبَّ الظَهرِ ليسَ لم سَنامُ)

وَمن لم يرد التَّنْوِين خفض فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَمَا أشبههما وَاعْلَم أَن الْقيَاس وَأكْثر كَلَام الْعَرَب أَن تَقول هَذِه أَرْبَعَة عشرك وَخَمْسَة عشرك فتدعه مَفْتُوحًا على قَوْلك هَذِه أَرْبَعَة عشر وَخَمْسَة عشرَة وَقوم من الْعَرَب يَقُولُونَ هَذِه أَرْبَعَة عشرُك ومررت بأَرْبعَة عشرِك وهم قَلِيل وَله وجيه من الْقيَاس وَهُوَ أَن ترده بِالْإِضَافَة إِلَى الْإِعْرَاب كَمَا أَنَّك تَقول ذهب أمس بِمَا فِيهِ وَذهب أمسك بِمَا فِيهِ وَتقول جِئْت من قبل يَا فَتى فَإِذا أضفت قلت من قبلِكَ فَهَذَا مَذْهَبهم وَإِنَّمَا كَانَ الْقيَاس الْمَذْهَب الأول لِأَن خَمْسَة عشر نكرَة وَمَا لم ترده النكرَة إِلَى أَصله لم ترده الْإِضَافَة أما أمس وَقبل وَنَحْوهمَا فمعارف وَلَو جعلتهن نكرات لرجعن إِلَى الْإِعْرَاب كَمَا رجعن إِلَيْهِ فِي الْإِضَافَة وَالْألف وَاللَّام وعَلى هَذَا قرئَ {لله الْأَمر من قبل وَمن بعد} على النكرَة على مثل قَوْلك أَولا وآخرا أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي النداء يَا زيد أقبل فَإِذا جعلته نكرَة قلت يَا رجلا اقبل كَمَا تَقول يَا عبد الله فَتَردهُ النكرَة إِلَى الْإِعْرَاب كَمَا ترده الْإِضَافَة أَلا تراك تَقول جَاءَنِي الْخَمْسَة عشر رجلا وَالْخمس عشرةَ امْرَأَة فَلَو كَانَت الْإِضَافَة ترده إِلَى الْإِعْرَاب لرددته الْألف وَاللَّام وَإِنَّمَا أجَاز سِيبَوَيْهٍ الضَّم على بعد فَأَما قَوْلك مَرَرْت بالقوم خَمْسَة عشرهم كَمَا تَقول مَرَرْت بالقوم خمستهم فَغير جَائِز عندنَا الْبَتَّةَ لِأَن مَا بعد خَمْسَة عشر إِذا كَانَ عددا لم يكن إِلَّا مُفردا نَحْو خَمْسَة عشر رجلا وَلم يكن إِلَّا نكرَة وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة خَمْسَة وَسِتَّة وبابهما إِلَى الْعشْر وَذَلِكَ أَن الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة مُضَاف إِلَى الْمعرفَة والنكرة وعَلى هَذَا لَا نقُول أخذت عشْرين درهما وثلاثيه لِأَن الَّذِي تبين بِهِ النَّوْع لَا يكون معرفَة مضمرة وَلَا مظهرة

هَذَا بَاب اشتقاقك للعدد اسْم الْفَاعِل كَقَوْلِك هَذَا ثَانِي اثْنَيْنِ وثالث ثَلَاثَة ورابع أَرْبَعَة[عدل]

اعْلَم أَنَّك إِذا قلت هَذَا ثَانِي اثْنَيْنِ فَمَعْنَى هَذَا أحد اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ الله عز وَجل {إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ} وَقَالَ عز وَجل {لَقَدْ كَفَر الذينَ قالُوا إنَّ اللهَ ثَلِثُ ثَلاثةِ} على هَذَا فَإِن قلت هَذَا ثَالِث اثْنَيْنِ فعلى غير هَذَا الْوَجْه إِنَّمَا مَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي جَاءَ إِلَى اثْنَيْنِ فثلثهما فَمَعْنَاه الْفِعْل وَكَذَلِكَ هَذَا رَابِع ثَلَاثَة ورابع ثَلَاثَة يَا فَتى لِأَن مَعْنَاهُ أَنه ربعهم وثلثهم وعَلى هَذَا قَوْله عز وَجل {مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم} وَمثله قَوْله عز وَجل {سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم} وَتلك الأولى لَا يجوز أَن تنصب بهَا لآن الْمَعْنى أحد ثَلَاثَة وَأحد أَرْبَعَة فَتَقول على هَذَا القَوْل هَذَا رَابِع أَرْبَعَة إِذا كَانَ هُوَ وَثَلَاث نسْوَة لِأَنَّهُ قد دخل مَعَهُنَّ فَقلت أَرْبَعَة بالتذكير لِأَنَّهُ إِذا اجْتمع مُذَكّر ومؤنت جعل الْكَلَام على التَّذْكِير لِأَنَّهُ الأَصْل وَتقول على القَوْل الآخر هَذَا رَابِع ثَلَاث يَا فَتى لِأَنَّهُ لم يدْخل مَعَهُنَّ وَإِنَّمَا مِثَاله هَذَا ضَارب ثَلَاث فعلى هَذَا فأجر هَذَا الْبَاب فَإِذا جَاوز العقد الأول فَإِن الْقيَاس على الْمَذْهَب الأول وَهُوَ هَذَا ثَالِث ثَلَاثَة ورابع أَرْبَعَة أَي أحد ثَلَاثَة وَأحد أَرْبَعَة أَن تَقول هَذَا حادي عشر أحد عشر وخامس عشر وَخَمْسَة عشر لَكِن الْعَرَب تستثقل اضافته على التَّمام لطوله فَيَقُولُونَ هَذَا حادي أحد عشر وخامس خَمْسَة عشر فيرفعون الأول بِمَا يرفعهُ وينصبونه بِمَا ينصبه ويخفضونه بِمَا يخفضه لِأَنَّهُ مُعرب وَإِنَّمَا مَنعهم من بنائِهِ أَن ثَلَاثَة أَسمَاء لاتجعل اسْما وَاحِدًا فِي غير الْإِضَافَة وَإِنَّمَا شبه خَمْسَة عشر بحضرموت وَبني لما ذكرنَا من إِزَالَته عَن مَوْضِعه فَإِن قلت هَذَا حادي عشر وخامس عشر كَمَا تَقول هَذَا خَامِس وسادس بنيته على الْفَتْح لِأَنَّهُمَا اسمان فحالهما كَحال خَمْسَة عشر وَنَحْوه فعلى هَذَا الْقيَاس يجْرِي هَذَا الْعدَد فَإِن قلت على قِيَاس قَول من قَالَ هَذَا رابعٌ ثَلَاثَة وخامسٌ أَرْبَعَة فَإِن النَّحْوِيين كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا خَامِس أَرْبَعَة عشر وَهَذِه خَامِسَة أَربع عشرَة ويقيسون هَذَا أجمع وَيَقُولُونَ هَذَا رَابِع ثَلَاث عشرَة إِذا كن نسَاء فصرن بِهِ أَرْبَعَة عشر كَمَا تَقول هَذَا رَابِع ثَلَاث وخامس أَربع فَهَذَا قَول النَّحْوِيين الْمُتَقَدِّمين وَكَانَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش لَا يرَاهُ صَوَابا وَذَلِكَ لِأَنَّك إِذا قلت رابعُ ثَلَاثَة فَإِنَّمَا تجريه مجْرى ضَارب وَنَحْوه لِأَنَّك كنت تَقول كَانُوا ثَلَاثَة فربعهم وَكَانُوا خَمْسَة فسدسهم وَلَا يجوز أَن تبني فَاعِلا من خَمْسَة وَعشرَة جَمِيعًا لِأَن الأَصْل خَامِس عشر أَرْبَعَة عشر وَالْقِيَاس عِنْدِي مَا قَالَ وَهُوَ قَول الْمَازِني فَإِذا بلغت الْعشْرين فَمَا بعْدهَا لم تبن مِنْهُ فَاعِلا لِأَنَّهُ يلتبس بِمَا قبله لِأَنَّهُ يَجِيء على لفظ الْعشْرين وَالثَّلَاثُونَ على لفظ الثَّلَاثَة وَهَكَذَا إِلَى التسعين فَإِذا بلغت الْمِائَة قلت كَانُوا تِسْعَة وَتِسْعين فأمأيتهم إِذا جعلتهم مائَة وَكَانَ تِسْعمائَة فألفتهم إِذا أردْت فعلتهم وآلفتهم إِذا أردْت أفعلتهم كل ذَلِك يُقَال وَجَاء فِي الحَدِيث

أول حَيّ آلف مَعَ رَسُول الله

جُهَيْنَة وَقد آلفت مَعَه بَنو سليم بعد قَالَ بجير بن زُهَيْر

(صَبَحناهُم بِأَلف منْ سُلَيمٍ ... وَسَبْعٍ مِنْ بني عُثْمانَ وافي)

وَبَنُو عُثْمَان بن عَمْرو بن أد بن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر هم مزينة

هَذَا بَاب مَا يُضَاف إِلَيْهِ من الْعدة من الْأَجْنَاس وَمَا يمْتَنع من الْإِضَافَة[عدل]

اعْلَم أَنه كل مَا كَانَ اسْما غير نعت فإضافة الْعدَد إِلَيْهِ جَيِّدَة وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي ثَلَاثَة أجمالٍ وَأَرْبَعَة أينق وَخَمْسَة دراهمَ وَثَلَاثَة أنفس فَإِن كَانَ نعتا قبح ذَلِك فِيهِ إِلَّا أَن يكون مضارعا للاسم وَاقعا موقعه وَذَلِكَ قَوْلك عِنْدِي ثَلَاثَة قريشيين وَأَرْبَعَة كرام وَخَمْسَة ظرفاء هَذَا قَبِيح حَتَّى تَقول ثَلَاثَة رجال قريشيين وَثَلَاثَة رجال كرام وَنَحْو ذَلِك فَأَما الْمُضَارع للأسماء فنحو جَاءَنِي ثَلَاثَة أمثالك وَأَرْبَعَة أشباه زيد كَمَا قَالَ الله عز وَجل {من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} وَقد قرئَ {فَلهُ عشر أَمْثَالهَا} فَهَذِهِ الْقِرَاءَة المختارة عِنْد أهل اللُّغَة وَالَّتِي بدأنا بهَا حَسَنَة جميلَة فَإِن كَانَ الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْعدَد اسْما لجنس من غير الْآدَمِيّين لم يلاقه الْعدَد إِلَّا بِحرف الْإِضَافَة وَكَانَ مجازه التَّأْنِيث لِأَن فعلة وَجمعه على ذَلِك إِذا كَانَ مَعْنَاهُ الْجَمَاعَة أَلا ترى أَنَّك تَقول الْجمال تسير وَالْجمال يسرن كَمَا قَالَ الله عز وَجل عِنْد ذكر الْأَصْنَام {رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس} وعَلى هَذَا يجمع كَمَا تَقول حمام وحمامات وسرداق وسرادقات فَأَما الآدميون فَإِن الْمُذكر مِنْهُم يجْرِي على جمعه التَّذْكِير لِأَن فعله على ذَلِك تَقول هم يضْربُونَ زيدا وينطلقون فَلذَلِك تَقول مُسلمُونَ ومنطلقون وَنَحْوه وعَلى هَذَا تَقول هم الرِّجَال وَلَا يَقع مثل هَذَا إِلَّا لما يعقل فَإِن قلت هِيَ الرِّجَال صلح على إرادتك هِيَ جمَاعَة الرِّجَال كَمَا تَقول هِيَ الْجمال فَأَما هم فَلَا يكون إِلَّا لما يعقل فَإِذا أضفت إِلَى اسْم جنس من غير الْآدَمِيّين قلت عِنْدِي ثَلَاث من الْإِبِل وَثَلَاث من الْغنم وَتقول عِنْدِي ثَلَاث من الْغنم ذُكُور وَثَلَاث من الشَّاء ذُكُور وَكَذَلِكَ مَا أشبه هَذَا لِأَنَّك إِنَّمَا قلت ذُكُور بعد أَن أجريت فِي اسْمه التَّأْنِيث أَلا ترى أَنَّك إِذا حقرت الْإِبِل وَالْغنم قلت أبلية وغُنيمة وَتقول عِنْدِي ثَلَاثَة ذُكُور من الشَّاء وَثَلَاثَة ذُكُور من الْإِبِل لِأَنَّك إِنَّمَا قلت من الْإِبِل وَمن الشَّاء بعد أَن جرى فِيهِ التَّذْكِير كَمَا تَقول عِنْدِي ثَلَاثَة أشخص ثمَّ تَقول من النِّسَاء لِأَنَّك أَجْرَيْنِ عَلَيْهِ التَّذْكِير أَولا على لَفظه ثمَّ بنيت بعد مَا تَعْنِي وَتقول عِنْدِي ثَلَاثَة أنفس وَإِن شِئْت قلت ثَلَاث أنفس أما التَّذْكِير فَإِذا عنيت بِالنَّفسِ الْمُذكر وعَلى هَذَا تَقول عِنْدِي نفس وَاحِد وَإِن أردْت لَفظهَا قلت عِنْدِي ثَلَاث أنفس لِأَنَّهَا على اللَّفْظ تصغر نفيسة وعَلى هَذَا قَوْله عز وَجل {يَا أيتها النَّفس المطمئنة} وَقَالَ عز وَجل {أنْ تَقولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا على مَا فَرَطتُ} وقرا رَسُول الله

{بلَى قد جاءتك آياتي فَكَذبت بهَا واستكبرت وَكنت} على مُخَاطبَة النَّفس وَقَالَ {كل نفس ذائقة الْمَوْت} وَتقول ثَلَاثَة أَفْرَاس وَثَلَاث أَفْرَاس لِأَن الْفرس يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى فَأَما قَوْلك هَذِه عين الْقَوْم وَأَنت تَعْنِي الرجل بِعَيْنِه فلأنك وَضعته مَوضِع الْعين بِعَينهَا فأقمته ذَلِك الْمقَام وَلَو سميت رجلا عينا لقت فِي تصغيره عُيين فَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك للْمَرْأَة مَا أَنْت إِلَّا رُجيل وللرجل مَا أَنْت إِلَّا مريئة لِأَنَّك تقصد قصد الشَّيْء بِعَيْنِه فقس مَا رَود عَلَيْك من هَذَا تصب إِن شَاءَ الله فَأَما تسميتهم الرجل عُيينة وأذينة فَإِنَّمَا سموا بهما بعد أَن صغرتا فِي موضعهما وَلَو سميت الرجل أذنا ثمَّ صغرته لقت أذين فَاعْلَم

هَذَا بَاب الْجمع لما يكون من الْأَجْنَاس على فعلة[عدل]

اعْلَم أَنه مَا كَانَ من ذَلِك اسْما فَإنَّك إِذا جمعته بِالْألف وَالتَّاء حركت أوسطه لتَكون الْحَرَكَة عوضا من الْهَاء المحذوفة وَتَكون فرقا بَين الِاسْم والنعت وَذَلِكَ قَوْلك فِي طَلْحَة طلحات وَفِي جَفْنَة جفنات وَفِي صفحة صفحات وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا الْبَاب قَالَ الشَّاعِر

(لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يلمعن فِي الضُحى ... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمًا)

وَقَالَ الآخر

(نَضَّرَ اللهُ أعظُماً دَفَنُها ... بِسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَلَحاتِ) فَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي المفتوح على هَذِه الْهَيْئَة الْوَاحِدَة لِأَن الْفَتْح أخف الحركات - فَإِن كَانَ الِاسْم على فعلة فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه إِن شِئْت قلت فعلات وأتبعت الضمة الضمةَ كَمَا أتبعت الفتحة الفتحةَ وَإِن شِئْت جمعته على فعلات فأبدلت من الضمة إِلَى الفتحة لخفتها وَإِن شِئْت أسكنت فَقلت فعْلات كَمَا تَقول فِي عضُد عضْد وَفِي رسل رُسْل قَالَ الله عز وَجل {وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان} وواحدها خطْوَة وَقَالَ الشَّاعِر

(وَلَما رأوْنا بادياً رُكُباتُنا ... على مَوطنِ لَا تَخْلُطُ الجِدِّ بالهَزَلِ)

ينشدون ركباتنا وركباتنا وَهَذِه الْآيَة تقْرَأ على الْأَوْجه الثَّلَاثَة وَذَلِكَ قَوْله {فِي الظلُمات والظلَمات والظلْمات} وَمَا كَانَ على فعلة فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا فعلات تتبع الكسرة الكسرةَ وَإِن شِئْت قلت فعلات فتبدل الفتحة من الكسرة كَمَا أبدلتها من الضمة وَإِن شِئْت قلت فعلان وأسكنت كَمَا قلت فِي إبل إبْل وَفِي فخِذ فخْذ لاستثقال الكسرة وَذَلِكَ قَوْلك سِدْرَة وسدرات وقربة وقربات فَإِن استثلقت قلت سدَرات وقِرَبات وَفِي الإسكان سدْرات وقرْبات وَأما النعوت فَإِنَّهَا لَا تكون أَلا سَاكِنة للفصل بَين الِاسْم والنعت وَذَلِكَ قَوْلك ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات وخدلة وخدلات وَأما قَوْلهم فِي بني أُميَّة الْأَصْغَر العبلات فَإِنَّمَا قصدُوا إِلَى عبلة وَهُوَ اسْم وَأما قَوْلهم فِي جمع ربعَة ربعات فِي قَوْلهم امْرَأَة ربعَة وَرجل ربعَة فَلِأَنَّهُ يجْرِي عِنْدهم مجْرى الِاسْم إِذا صَار يَقع للمؤنث والمذكر على لفظ وَاحِد بِمَنْزِلَة قَوْلك فرس للذّكر وَالْأُنْثَى كَذَلِك إِنْسَان ويعبر يَقع على الْمُذكر والمؤنث وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ مذكرا كَمَا أَن ربعَة فِي اللَّفْظ مؤنث وَهُوَ يَقع على الْمُذكر الْمُؤَنَّث فبعير يَقع عَلَيْهِمَا ومجازه فِي الْإِبِل مجَاز قَوْلك إِنْسَان وجمل يجْرِي مجْرى رجل وناقة يجْرِي مجري امْرَأَة وأنشدني الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي لأعرابي

(لَا تَشْتَري لَبنِ البعيرِ وعِنْدَنا ... عَرَقُ الزجاجَةِ واكفُ المِعْصارِ)

وَأما قَوْلهم شَاة لجبة وَشاء لجباب فَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنهم يَقُولُونَ لجبة ولجَبة وَإِنَّمَا قَالُوا لجَبات على قَوْلهم لجَبة وَقَالَ قوم بل حرك لِأَنَّهُ لَا يلتبس بالمذكر لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا فِي الْإِنَاث وَلَو أسْكنهُ مسكن على أَنه صفة كَانَ مصيبا وَقد جَاءَ فِي الْأَسْمَاء بالإسكان فِي فعلة أنشدوا لذِي الرمة

(ورَفْضاتُ الْهوى فِي المفاصلِ ... )

وَهُوَ جمع رفضة

هَذَا بَاب مَا جَاءَ من هَذَا فِي ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو الَّتِي يائتهن وواواتهن لامات[عدل]

وَذَلِكَ قَوْلك فِي رمية رميات وَفِي غَزْوَة غروات وَفِي قشوة قشوات كَمَا تَقول فِي فعلة نَحْو حَصَاة وقناة حَصَيَات وقنوات لِأَنَّك لَو حذفت لالتقاء الساكنين لالتبس بفعال من غير المعتل فَجرى هَا هُنَا مجْرى غزوا ورميا لِأَنَّك لَو ألحقت ألف غزا وَألف رمى ألف التَّثْنِيَة للزمك الْحَذف لالتقاء الساكنين فَالْتبسَ الِاثْنَان بِالْوَاحِدِ فَكنت تَقول للاثنين غزا وَرمى فَلَمَّا كَانَ هَذَا على مَا ذكرت لَك لم يحذف فَأَما مَا كَانَت الْيَاء وَالْوَاو مِنْهُ فِي مَوضِع الْعين فَإِن فِيهِ اخْتِلَافا أما الأقيس وَالْأَكْثَر فِي لُغَات جَمِيع الْعَرَب فَأن تَقول فِي بَيْضَة بيضات وَفِي جوزة جوزات وَفِي لوزة لوزات وَأما هُذَيْل بن مدركة خَاصَّة فَيَقُولُونَ جوَزات وبيَضات ولوَزات على منهاج غير المعتل وَلَا يقلبون وَاحِدَة مِنْهُمَا ألفا فَيُقَال أَلَيْسَ حق الْوَاو وَالْيَاء إِذا كَانَت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي مَوضِع حَرَكَة أَن تقلب ألفا إِذا كَانَ مَا قبلهَا مَفْتُوحًا فَيَقُول من يحْتَج عَنْهُم إِنَّمَا حركت هَذِه الْيَاء وَهَذِه الْوَاو لِأَن الْبَاب وَقع اسْما متحركا وَألْحق المعتل بِالصَّحِيحِ لِئَلَّا يلتبس النَّعْت بالمنعوت أجْرى هَذَا الْبَاب فِي ترك الْقلب مجْرى خونة وحوكة لِئَلَّا يلتبس بِمَا أَصله فعلة نَحْو دارة وقارة إِذا قلت دارات وقارات فصح هَذَا لِأَن أَصله السّكُون كَمَا صَحَّ العور وَالصَّيْد وعور وصيد لِأَن أصل الْفِعْل افْعَل وَاعْلَم أَنه مَا كَانَ من هَذَا مضموم الأول مِمَّا واوه أَو ياؤه لَام أَو مكسور الأول فَلهُ أَحْكَام نذكرها مفسرة إِن شَاءَ الله أما مَا كَانَ من الْوَاو مضموم الأول نَحْو غدْوَة ورشوة فَإنَّك تَقول فِيهِ رشوات وغدوات وَمن قَالَ ظُلمات قَالَ رشوات وغدوات وَمن قَالَ ظلمات قَالَ رشوات وغدوات وَمن كَانَ يَقُول رشوة فيكسر أَوله وَيَقُول غدْوَة فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ أَن يَقُول فِيهِ مَا قَالَ فِي سدرات وكسرات لِأَنَّهُ يلْزمه قلب الْوَاو يَاء فتلتبس بَنَات الْوَاو ببنات الْيَاء وَلكنه يسكن إِن شَاءَ وَيفتح إِن شَاءَ فَيَقُول رشوات ورشَوات وَكَذَلِكَ عدوة وَمَا أشبههَا وَمن قَالَ مدية فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ جمعهَا على منهاج قَوْله ظُلمات لِأَنَّهُ يلْزمه قلب الْيَاء واوا وَلَكِن يسكن إِن شَاءَ فَيَقُول مُديات وَإِن شَاءَ فتح فَهَذَا الْعَارِض الَّذِي يدْخل فِي بَنَات الْوَاو وَالْيَاء ومجرى الْبَاب وَأَصله مَا ذكرت لَك

هَذَا بَاب الْجمع لما كَانَ على ثَلَاثَة أحرف[عدل]

أما مَا كَانَ من غير المعتل على فعل فَإِن بَابه فِي أدنى الْعدَد أَن يجمع على أفعل وَذَلِكَ قَوْلك كلب وأكلب وفلس وأفلس فَإِن جَاوَزت إِلَى الْكثير خرج إِلَى فعال أَو فعول وَذَلِكَ قَوْلك كلاب وكعاب وفراخ وفروخ وفلوس فَهَذَا هُوَ الْبَاب فَأَما مَا جَاءَ على أَفعَال فنحو فَرد وأفراد وفرخ وأفراخ كَمَا قَالَ الشَّاعِر (مَاذَا تقولُ لأفراخٍ بِذِي طَلَحٍ ... حُمْرِ الحواصِلِ لَا ماءٌ وَلَا شجرٌ)

وزنذ وأزناد كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(وُجدْتَ - إِذا اصطَلَحوا - خَيْرَهُمْ ... وَزِنْدُكَ اثْقَبُ ازنادها)

فمشبه بِغَيْرِهِ خَارج عَن بَابه وَكَذَلِكَ مَا كَانَ على فعلة نَحْو فقع وفقعة وجبءٍ وجباةٍ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ على فعلان نَحْو حجل وحجلان ورأل ورئلان وَمَا كَانَ على فعلان نَحْو ظهر وظهران وبطن وبطنان وَسَنذكر لم جَازَ أَن يَجِيء على هَذِه الْأَبْنِيَة الْخَارِجَة عَن الأَصْل عِنْد ذكرنَا النعوت إِن شَاءَ الله وَمَا كَانَ على فعل فَإِن أدنى الْعدَد فِيهِ أَفعَال نَحْو جذع وأجذاع وَعدل وأعدال وبئر وأبار فَإِذا جَاوَزت أدنى الْعدَد فبابه فعول نَحْو لص لصوص وجذع وجذوع وَحمل وحمول وَقد تَجِيء على فعال لِأَنَّهَا أُخْت فعول نَحْو بئار وذئاب وَأما مَا يَجِيء على أفعل نَحْو ذِئْب وأذوب فداخل على بَاب فعل وَهُوَ نَظِير مَا جَاءَ من فعل على أَفعَال وَكَذَلِكَ ذؤبان إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة ظهران وَقَول حسل وحسلة إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة فقعة كل ذَلِك خَارج عَن بَابه وَمَا كَانَ من هَذَا على فعل فأدنى الْعدَد فِيهِ أَفعَال وَذَلِكَ نَحْو قفل وأقفال وجند وأجناد وَحجر وأحجار كم قَالَ

(كِرامٌ حينَ تُنْكفِتُ الأفَاعِي ... إِلَى أحْجارهنَّ منَ الصَّقِعِ) فَإِذا جَاوَزت أدنى الْعدَد فبابه فعول نَحْو جنود وَخُرُوج والمضعف يَجِيء على فعال لأَنهم يكْرهُونَ التَّضْعِيف وَالضَّم وَذَلِكَ قَوْلك خف وخفاف وقف وقفاف وَأما مَا جَاءَ مِنْهُ مثل جُحر وجحرة وَحب وحببة فبمنزلة فقعة فِي بَابه وحسلة فِي بَابه وَسَنذكر كل مَا خرج من شَيْء من هَذِه الْأَبْوَاب عَن أَصله إِن شَاءَ الله أما مَا كَانَ من فعل من بَنَات الْيَاء وَالْوَاو فَإِنَّهُ إِذا أُرِيد بِهِ ادنى الْعدَد جمع على أَفعَال كَرَاهِيَة للضم فِي الْوَاو وَالْيَاء لَو قلت أفعل وَذَلِكَ قَوْلك ثوب وأثواب وسوط وأسواط وَالْيَاء نَحْو بَيت وأبيات وَشَيخ وأشياخ وَقيد وأقياد فَإِذا جَاوَزت أدنى الْعدَد كَانَت بَنَات الْوَاو على فعال كَرَاهِيَة لفعول من أجل الضمة وَالْوَاو وَذَلِكَ قَوْلك سَوط سياط وحوض وحياض وثوب وَثيَاب وَكَانَت بَنَات الْيَاء على فعول لِئَلَّا تَلْتَبِس إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى وَكَانَت الضمة مَعَ الْيَاء أخف وَذَلِكَ قَوْلك بَيت وبيوت وَشَيخ وشيوخ وَقيد وقيود فَأَما قَوْلهم فِي عين أعين فَإِنَّهُ جَاءَ على الأَصْل مثل كلب وأكلب وأعيان على الْبَاب كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(ولكنِّما أغدُو عليَّ مُفاضَةٌ ... دلاصٌ كأعيانِ الجَرادِ المُنَظَمِ)

وَقَالَ آخر

(فَقَدْ أرُوعُ قُلوبَ الغَانياتِ بِهِ ... حتَّى يَملْنَ بأجيادٍ وأعْيَانِ)

وَإِذا أضطر شَاعِر جَازَ أَن يَقُول فِي جَمِيع هَذَا افْعَل لِأَنَّهُ الأَصْل كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(لِكُلِّ عَيْشٍ قّدْ لَبِستُ أثْوباً)

وَمَا كَانَ من الصَّحِيح على فعل فَإِن بَاب جمعه أَفعَال نَحْو جمل وأجمال وقتب وأقتاب وصنم وأصنام وَأسد وآساد قَالَ الشَّاعِر (آسادُ غِيلٍ حينَ لَا مناصِ ... )

فَهَذَا بَاب جمعه وَقد يَجِيء على فعول نَحْو أسود وَكَذَلِكَ فعال نَحْو جمال وَيَجِيء على فعلان نَحْو خرب وخربان وعَلى أفعل نَحْو أجبل وأزمن قَالَ الشَّاعِر

(إنّي لأكْني بأجبالٍ عَنَ اجبُلِها ... وباسمِ أودِيَةٍ عَن ذِكْرِ واديها)

وَقَالَ آخر

(أمَنْزِلَتيّ ميِّ سَلاّمٌ عَلَيْكُمَا ... هَلِ الأزْمُنِ اللائى مَضَيْنَ رواجعُ)

فَيخرج إِلَى ضروب من الْجمع مِنْهَا فعلان كَقَوْلِك حمل وحملان وَكَذَلِكَ فعلان كَقَوْلِك ورل وورلان فَأَما الْبَاب وَالْأَصْل فَمَا صدرنا بِهِ وَكَذَلِكَ فعل بَابه أَفعَال لِأَنَّهُ كَفعل فِي الْوَزْن وَإِن خَالفه فِي حَرَكَة الثَّانِي نَحْو كتف وأكتاف وفخذ وأفخاذ وكبد وأكباد وَتخرج إِلَى فعول نَحْو كبود وكروش وَهُوَ أقل من فعل فَالْأَصْل ألزم وَيكون كَذَلِك فعل نَحْو عضد وأعضاد وَعجز وأعجاز وَيخرج إِلَى فعال نَحْو رجل وَرِجَال وَسبع وسباع كَمَا قَالُوا جمال وَنَحْوه وَلم يَقُولُوا أرجال لقَولهم فِي أدنى الْعدَد رجلة وَمن كَلَامهم الِاسْتِغْنَاء عَن الشَّيْء بالشَّيْء حَتَّى يكون المستغنى عَنهُ مسْقطًا وَلَو احْتَاجَ شَاعِر لجَاز أَن يَقُول فِي رجل أرجال وَفِي سبع أَسْبَاع لِأَنَّهُ الأَصْل وَقد يكون الْبناء فِي الأَصْل للأقل فيشركه فِيهِ الْأَكْثَر كَمَا تَقول أرسان وأقتاب فَلَا يكون جمع غَيره وَقد يكون الْبناء للْأَكْثَر فيشركه الْأَقَل كَمَا تَقول شسوع وسباع فَيكون لكل الْأَعْدَاد وَإِنَّمَا اخْتلف الْجمع لِأَنَّهَا أَسمَاء فَيَقَع الِاخْتِلَاف فِي جمعهَا كالاختلاف فِي أفرادها أَلا أَنا ذكرنَا الْبَاب لندل على مَا يلْزم طَريقَة وَاحِدَة وَالسَّبَب فِي اخْتِلَاف مَا فَارقهَا وَيكون على فعل فَيلْزمهُ أَفعَال لِأَنَّهُ فِي الْوَزْن بِمَنْزِلَة مَا قبله وَإِن اخْتلفت الحركات وَذَلِكَ قَوْله ضلع وأضلاع وعنب وأعناب وَهَذَا قَلِيل جدا وَقد خرج إِلَى فعول كَمَا قَالُوا أسود ونمور وَذَلِكَ قَوْلك صلع وضلوع وَيكون على أفعل كَمَا جَاءَ أزمن وأجبل وَذَلِكَ قَوْلك أضلع فَأَما مَا كَانَ على فعل فَإِنَّهُ مِمَّا يلْزمه أَفعَال وَلَا يكَاد يجاوزها وَذَلِكَ قَوْلك عنق وأعناق وطنب وأطناب وَأذن وآذان وَقد يَجِيء من الْأَبْنِيَة المتحركة والساكنة من الثَّلَاثَة جمع على فعل وَذَلِكَ قَوْلك فرس ورد وخيل ورد وَرجل ثط وَقوم ثط وَتقول سقف وسُقُف وَإِن شِئْت حركت كَمَا قَالَ الله عز وَجل {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا} وَقَالُوا رَهن ورٌ هُن وَكَانَ أَبُو عَمْرو يقْرؤهَا {فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ} وَيَقُول لَا أعرف الرِّهَان إِلَّا فِي الْخَيل وَقد قرا غَيره {فَرِهَانٌ مَقبوضَةُ}

وَمن كَلَام الْعَرَب الْمَأْثُور غلقت الرِّهَان بِمَا فِيهَا وَقَالُوا أَسد ونمر قَالَ الشَّاعِر

(فِيهَا عيا ئيلُ أسودٍ ونُمُرْ ... )

فَأَما فعل فَلم يَأْتِ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل قَالُوا إبل وآبال وإطل وآطال فَهَذَا حكم المتحركة من الثَّلَاثَة إِلَّا فعلا فَإِن لَهُ نَحوا آخر لِخُرُوجِهِ عَن جَمِيع المتحركات وَأَنه مَا عدل عَن فَاعل فإليه يعدل فَلهُ نَحْو آخر فَأَما غير هَذَا من الْأَبْنِيَة نَحْو فِعُلٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء من الْكَلَام وَكَذَلِكَ فعِل لَا يكون فِي الْأَسْمَاء إِنَّمَا هُوَ بِنَاء مُخْتَصّ بِهِ الْفِعْل الَّذِي لم يسم فَاعله نَحْو ضرب وَقتل إِلَّا أَن تكون سَاكن الْوسط نَحْو ردَّ وَقيل فَهُوَ بِمَنْزِلَة كرٍّ وفيلٍ وَمَا أشبه ذَلِك فَأَما فعل فَإِن جمعه اللَّازِم لَهُ فعلان وَذَلِكَ قَوْلك صرد وصردان ونغر ونغران وَجعل وجعلان هَذَا بَابه وَقد جَاءَ مِنْهُ شَيْء على أَفعَال شبه بِسَائِر المتحركات من الثَّلَاثَة وَذَلِكَ ربع وأرباع وهبع وأهباع فَهَذَا الَّذِي ذكرت لَك من اخْتِلَاف الْجمع بعد لُزُوم الشَّيْء لبابه إِذْ كَانَ مجَاز الْأَسْمَاء وَكَانَت الْأَسْمَاء على ضروب من الْأَبْنِيَة وَأما مَا كَانَ من المعتل متحركا نَحْو بَاب وَدَار وقاع وتاج فَإِن أدنى الْعدَد فِي ذَلِك أَن تَقول فِيهِ أَفعَال نَحْو بَاب وأبواب وتاج وأتواج وجار وأجوار وقاع وأقواع فَأَما دَار فَإِنَّهُم استغنوا بقَوْلهمْ أدور عَن أَن يَقُولُوا افعال لِأَنَّهُمَا لأدنى الْعدَد والمؤنث يَقع على هَذَا الْوَزْن فِي الْجمع أَلا تراهم قَالُوا ذِرَاع وأذرع وكراع وأكرع وشمال وأشمل ولسان وألسن وَمن ذكر اللِّسَان قَالَ أَلْسِنَة وَمن أنثها قَالَ السُن وَكَذَلِكَ نَار وأنور قَالَ الشَّاعِر (فَلَما فَقْدتُ الصوتَ منهُمْ وأُطفِئتُ ... مَصابيحُ شُبتْ بالعشاءِ وأنْورُ)

فَإِذا جَاوَزت أدنى الْعدَد فَإِن بَابه فعلان وَذَلِكَ قَوْلك نَار ونيران وقاع وقيعان وتاج وتيجان فَهَذَا الأَصْل وَمَا دخل بعد فعلى جِهَة التَّشْبِيه الَّذِي وصفت لَك وَأما قَوْلهم الْفلك للْوَاحِد والفلك للْجَمِيع فَإِنَّهُ لَيْسَ من قَوْلهم شكاعي وَاحِدَة وشكاعي كثير وبهمى وَاحِدَة وبهمى كثير وَلَكنهُمْ يجمعُونَ مَا كَانَ على فعل كَمَا يجمعُونَ مَا كَانَ على فعل لِكَثْرَة اشتراكهما أَلا تراهم يَقُولُونَ قلفة وقلْفة وصُلعة وصلعة ويلتقيان فِي أُمُور كَثِيرَة فَمن قَالَ فِي أَسد آساد قَالَ فِي فلك أفلاك كَمَا تَقول فِي قفل أقفال وَمن قَالَ فِي أَسد أسْد لزمَه أَن يَقُول فِي جمع فلك فُلك وَنَظِير هَذَا مِمَّا عدده أَرْبَعَة أحرف قَوْلك دلاص للْوَاحِد ودلاص للْجمع وهجان للْوَاحِد وهجان للْجمع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ فِي جمع فعيل أفعلة قَالَ فِي جمع فعال أفعلة نَحْو رغيف أرغفة وجريب وأجربة فَيَقُول على هَذَا مداد وأمدة وزمام وأزمة وعقال وأعقلة فَإِذا قَالَ فِي فعيل فعال نَحْو كريم وكرام وظريف وظراف لزمَه أَن يَقُول فِي دلاص دِلاص وَفِي هجان هجان إِذا أَرَادَ الْجمع ويدلك على أَنه لَيْسَ كَمثل شكاعي وَاحِد وشكاعي جمع قَوْلهم دلاصان وهجانان قَالَ الشَّاعِر

(ألمْ تَعْلَما أنَّ المَلامَةَ نَفْعُها ... قليلٌ وَمَا لَومْي أخي مِنْ شِماليا)

يُرِيد من شمائلي فَجمع فعالا على فعال وَقَالَ الآخر (أَبى الشَّتمُ أنَّي قَدْ أَصَابُوا كَرِيمَتي ... وأنْ ليسَ إهداءُ الْخَنَا من شماليا)

فَهَذَا مَا ذكرت لَك من لواحق الْجمع وَإِنَّمَا الْبَاب مَا صدرنا بِهِ فِي جَمِيع ذَلِك وَاعْلَم أَن هَذِه الْمَخْلُوقَات أَجنَاس وبابها أَلا يكون بَين وَاحِدهَا وَجَمعهَا إِلَّا الْهَاء وَذَلِكَ قَوْلك برة وبر وشعيرة وشعير وحصاة وحصى وَكَذَلِكَ سَمَكَة وسمك وبقرة وبقر وَطَلْحَة وطلح وشجرة وَشَجر ونخلة ونخل فَإِن كَانَ مِمَّا يعمله النَّاس لم يجر هَذَا المجرى لَا يَقع مثل هَذَا فِي جَفْنَة وصحفة وقصعة وَقد يَقُولُونَ فِي مثل سِدْرَة وَسدر ودرة ودر سدر ودرر فالباب مَا ذكرت لَك وَلَكِن شبه للوزن بظلمة وظلم وكسرة وَكسر قَالَ الشَّاعِر (كأنَّها دُرَةٌ مُنَعَّمَةٌ ... فِي نسوةٍ كُنًّ قَبْلَها دُررا)

وَكَذَلِكَ تومة وتوم وَإِن لم يكن مرئيا محدودا بالبصر قَالَ الشَّاعِر

(وكُنّا كَالحَريقِ أصَاب غابا ... فَيخْبو سَاعَة ويَهبُ ساعا)

وَالْأَرْبَعَة فِي هَذَا بِمَنْزِلَة الثَّلَاثَة زَوَائِد كَانَت أَو بِغَيْر زَوَائِد تَقول فِيمَا كَانَ بِغَيْر زَوَائِد جعثنة وجعثن وخمخمة وخمخم وقلقلة وقلقل وَفِي الزَّوَائِد نَحْو شعيرَة وشعير وقبيلة وقبيل وَمَا ذكرت لَك من قَلِيل هَذَا يدل على كثير

هَذَا بَاب مَا يجمع مِمَّا عدَّة حُرُوفه أَرْبَعَة[عدل]

أما مَا كَانَ من ذَلِك على فعيل فَإِن أدنى الْعدَد أَفعلهُ وَذَلِكَ قَوْلك قفيز وأقفزة وجريب واجربة ورغيف وأرغفة فَإِذا جَاوَزت أدنى الْعدَد فَإِنَّهُ يَجِيء على فعل وعَلى فعلان نَحْو قضيب وقضب ورغيف ورغف وكثيب وكثب وَيُقَال أَيْضا رغفان وكثبان وقضبان فَهَذَا بَابه وَقد تكون الْأَسْمَاء من هَذَا على فعلاء نَحْو نصيب وأنصباء وصديق وأصدقاء لِأَنَّهُ يجْرِي مجْرى الْأَسْمَاء وخميس وأخمساء فَإِن كَانَ مضاعفا أَو مُعْتَلًّا فَهُوَ يجْرِي على افعلاء أَيْضا كَرَاهِيَة أَن تعتور الحركات حُرُوف اللين أَو يذهب التَّشْدِيد فِيهَا فيضاعف الْحَرْف وَإِنَّمَا وَقع الْإِدْغَام تَخْفِيفًا فالمضاعف نَحْو شَدِيد وأشداء وعزيز وأعزاء وحديد وأحداء من قَوْلك هَذَا رجل حَدِيد وَيكون الْوَصْف فِي ذَلِك كالاسم وَأما ذَوَات الْوَاو وَالْيَاء فنحو نَبِي أَنْبيَاء شقي أشقياء غَنِي أَغْنِيَاء وتقي أتقياء وَمن قَالَ نبيءٌ فَاعْلَم قَالَ نبئاء لِأَن فعيلا إِذا كَانَ نعتا فَمن أَبْوَاب جمعه فعلاء نَحْو كريم وكرماء وظريف وظرفاء وجليس وجلساء قَالَ لشاعر

(يَا خاتِمَ النُبئاءِ إنكَ مُرْسَلٌ ... بالحقِّ كلُّ هُدى السبيلِ هُداكا)

وَيكون من جمعه فعال نَحْو كريم كرام وظريف ظراف وطويل وطوال فَأَما مَا جمع فِي الْأَسْمَاء على فعلان فنحو ظليم وظالمان وقضيب وقضبان فَلَيْسَ من أصل الْبَاب وَلكنه على مَا ذكرت لَك وأخرجهم إِلَى ذَلِك أَنه فِي معنى فعال لِأَنَّهُمَا يقعان لشَيْء وَاحِد تَقول طَوِيل وطوال وخفيف وخفاف وسريع وسراع قَالَ الشَّاعِر (أينَ دُريدٌ وَهُوَ ذُو براعة ... تعدو بهِ سَلْهَبَةٌ سُراعة)

ثوب رَقِيق ورقاق وَهَذَا اكثر من أَن يُحْصى وَجمع فعال فِي أدنى الْعدَد كجمع فعيل وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ على أَرْبَعَة أحرف وثالثه حرف لين تَقول غراب وأغربة وذباب وأذبة فَإِذا أردْت الْكثير قلت غربان وعقبان فَأَما غُلَام فيستغني أَن يُقَال فِيهِ اغلمة بقَوْلهمْ غلمة لِأَنَّهُمَا لأدنى الْعدَد ومجازهما وَاحِد إِلَّا أَنَّك حذفت الزِّيَادَة فَإِذا حقرت غلمة فالأجود أَن ترده إِلَى بنائِهِ فَتَقول أغليمة وَكَذَلِكَ صبية وَلَو قلت صُبيّة وغليْمة على اللَّفْظ كَانَ جيدا حسنا كَمَا قَالَ الشَّاعِر (صُبَيَّةٌ على الدُخانِ رُمكا ... مَا إنْ عدا أكبَرُهُم أنْ زكَّا)

يُقَال زك زكيكا إِذا درج وَقد قيل زقاق زقّان وَلَكِن بَاب جمع فعال فِي الْعدَد الْكثير فعلان كَمَا أَن بَاب جمع فعيل فعلان نَحْو ظليم وظلمان وقضيب وقضبان فَأدْخل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه فباب فعيل فِي الْأَسْمَاء على مَا وصفت لَك وَقد يَجِيء على فعل كَمَا ذكرت لَك قضيب ورُغُف وكُثُب فَأَما قَوْلهم جدد وسرر فِي جمع جَدِيد وسرير فَإِن الأَصْل وَالْبَاب جدد وسرر وَإِنَّمَا فتح لكَرَاهَة التَّضْعِيف مَعَ الضمة وَاعْلَم أَن فعالا وفِعالا وفُعالا وفَعيلا وفَعولا ترجع فِي الْجمع فِي أدنى الْعدَد إِلَى شَيْء وَاحِد لِأَنَّهَا مستوية فِي أَنَّهَا من الثَّلَاثَة وَأَن ثَالِثهَا حرف لين أَلا ترى أَنَّك تَقول قذاك واقذلة وغزال واغزلة وَتقول غزلان كَمَا تَقول فِي غراب غربان وَتقول قذل كَمَا تَقول جرب وكثب وَتقول فِي عَمُود أعمدة وَعمد وَفِي رَسُول رسل فمجرى هَذَا كُله وَاحِد فَإِن ترك مِنْهُ شَيْء مَا فللاستغناء عَنهُ بِغَيْرِهِ فَإِن جَاءَ مِنْهُ شَيْء على غير الْمِنْهَاج الَّذِي وصفت لَك فعلى تَسْمِيَة الْجمع الَّذِي ذكرنَا فَمن ذَلِك قَوْلهم عَمُود وَعمد وأديم وأدم وأفيق وأفق وَاعْلَم أَنه مَا كَانَ من الْجمع على مِثَال فعل أَو كَانَ وَاحِدًا فَإِن الإسكان جَائِز كَمَا جَازَ إسكان الْحَرَكَة فِي عضد هربا من الضمة وَذَلِكَ قَوْلك رسل رغف وَمَا أشبه ذَلِك وَاعْلَم أَن قَوْلهم فصيل وفصال وقلوص وقلاص إِنَّمَا جَاءَ على وزن فعال وفعال إِنَّمَا يكون جمع مَا كَانَ وَصفا نَحْو كريم وكرام وظريف وظراف ونبيل ونبال لِأَن ذَلِك فِي الأَصْل كَانَ نعتا وَإِن جرى مجْرى الْأَسْمَاء لِأَن الفصيل هُوَ حدث المفصول من أمه والقلوص مَا حدث وَلم يسنن وَاعْلَم أَن قَوْلهم ظريف وظروف إِنَّمَا جمع على حذف الزَّائِدَة وَهِي الْيَاء فجَاء على مِثَال فلوس واسود وَكَذَلِكَ فَلَو وأفلاء وعدو أَعدَاء إِنَّمَا جَاءَ على حذف الزِّيَادَة كَقَوْلِهِم عضد وأعضاد فَهَذَا مَا ذكرت لَك من دُخُول الْجمع بعضه على بعض

هَذَا بَاب جمع مَا لحقته الْهمزَة فِي أَوله من الثَّلَاثَة[عدل]

وَذَلِكَ نَحْو افكل وأيدع وإصبع وإئمد وابلم فَهَذِهِ الْأَسْمَاء كلهَا تجمع على أفَاعِل نَحْو أفاكل وأصابع وابالم وَكَذَلِكَ افْعَل الَّذِي لَا يتم نعتا إِلَّا بِقَوْلِك من كَذَا يجْرِي مجْرى الْأَسْمَاء تَقول الأصاغر الأكابر وكل افْعَل مِمَّا يكون نعتا سميت بِهِ فَإلَى هَذَا يخرج تَقول الأحامر والأحامس وَمَا كَانَ من هَذَا للآدميين لم يمْتَنع من الْوَاو وَالنُّون كَمَا قَالَ الله عز وَجل {قَالُوا أنؤمن لَك واتبعك الأرذلون} و {قَلْ هلْ أُنَبِئكُمْ بالأخْسَرينَ أعمالاً} فَهَذَا كُله على هَذَا ومؤنث افْعَل الَّذِي يلْزمه من يكون على فعلى نَحْو الْأَصْغَر وَالصُّغْرَى والأكبر والكبرى والأمجد والمجدى وَجمعه بِالْألف وَالتَّاء تَقول الصغؤيات والكبريات وتكسره على فعل لِأَن الْألف فِي آخِره للتأنيث فتكسر على فعل فَتَقول الصُّغْرَى والصغر والكبرى وَالْكبر كَمَا تَقول ظلمَة وظلم وغرفة وغرف فَإِن كَانَ أفعل نعتا مكتفيا فَإِن جمعه على فعل سَاكن الْأَوْسَط وَذَلِكَ قَوْلك أَحْمَر وحمر واخضر خضر وأبيض وبيض فَانْكَسَرت الْبَاء لتصح الْيَاء وَلَو كَانَ من الْوَاو لثبت على لَفظه نَحْو أسود وسود وأحوى وحوٍ وَكَذَلِكَ مؤنثه تَقول حَمْرَاء وحمر وصفراء وصفر فَإِن جعلت احمر اسْما جمعته بِالْوَاو وَالنُّون فَقلت الأحمرون والأصفرون وَقلت فِي الْمُؤَنَّث حمراوان وصفراوات وَجَاء عَن النَّبِي

(لَيْسَ فِي الخضروات صَدَقةٌ) لِأَنَّهُ ذهب مَذْهَب الِاسْم والخضروات فِي هَذَا الْموضع مَا أكل رطبا وَلم يصلح أَن يدّخر فيؤكل يَابسا وَلَو سميت رجلا أَحْمَر لم يجز فِي جمعه حمر لِأَن هَذَا إِنَّمَا يكون جمعا لما كَانَ نعتا وَلَكِن أحامر فَهَذَا جملَة هَذَا الْبَاب وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء على فَاعل فَكَانَ نعتا فَإِن جمعه فاعلون لِأَن مؤنثه تلْحقهُ الْهَاء فَيكون جمعه فاعلات وَذَلِكَ قَوْلك ضَارب وضاربون وقائم وقائمون والمؤنث قَائِمَة وقائمات وصائمة وصائمات فَهَكَذَا أَمر هَذَا الْبَاب فَإِن أردْت أَن تكسر الْمُذكر فَإِن تكسيره يكون على فعل وعَلى فعال فَأَما فعل فنحو شَاهد وَشهد وصائم وَصَوْم وفعال نَحْو ضَارب وضراب وَكَاتب وَكتاب وَلَا يجوز أَن يجمع على فواعل وَإِن كَانَ ذَلِك هُوَ الأَصْل لِأَن فاعلة تجمع على فواعل فكرهوا التباس البناءين وَذَلِكَ نَحْو ضاربة وضوارب وجالسة وجوالس وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا الْبَاب وَقد قَالُوا فَارس وفوارس لِأَن هَذَا لَا يكون من نعوت النِّسَاء فَأمنُوا الالتباس فَجَاءُوا بِهِ على الأَصْل وَقد قَالُوا هَالك فِي الهوالك لِأَنَّهُ مثل مُسْتَعْمل والأمثال تجْرِي على لفظ وَاحِد فَلذَلِك وَقع هَذَا على أَصله وَإِذا اضْطر شَاعِر جَازَ أَن يجمع فَاعِلا على فواعل لِأَنَّهُ الأَصْل قَالَ الشَّاعِر

(وَإِذا الرجالُ رأوْا يَزيد رأيْتُهم ... خُضُعَ الرقابِ نَواكِسِ الأبصارِ)

فَأَما قَوْلهم عَائِذ وعوذ وَحَائِل وحول وهالك وهلكى وشاعر وشعراء فمجموع على غير بَابه فَأَما مَا كَانَ من هَذَا على فعل فَإِنَّهُ جَاءَ على حذف الزِّيَادَة كَمَا تَقول ورد وَورد وَأسد وأسْد وَأما هلكى فَإِنَّمَا جَاءَ على مِثَال فعيل الَّذِي مَعْنَاهُ معنى الْمَفْعُول لِأَن جمع ذَلِك يكون على فعلى نَحْو جريح وجرحى وصريع وصرعى وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا الْبَاب فَلَمَّا كَانَ هَالك إِنَّمَا هُوَ بلَاء أَصَابَهُ كَانَ فِي مثل هَذَا الْمَعْنى فَجمع على فعلى لِأَن مَعْنَاهُ معنى فعيل الَّذِي هُوَ مفعول وعَلى هَذَا قَالُوا مَرِيض ومرضى لِأَنَّهُ شَيْء أَصَابَهُ وَأَنت لَا تَقول مرض وَلَا ممروض فَأَما قَوْلهم شَاعِر وشعراء فَإِنَّمَا جَاءَ على الْمَعْنى لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة فعيل الَّذِي هُوَ فِي معنى الْفَاعِل نَحْو كريم وكرماء وظريف وظرفاء وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِك لمن قد اسْتكْمل الظّرْف وَعرف بِهِ فَكَذَلِك جَمِيع هَذَا الْبَاب فَلَمَّا كَانَ شَاعِر لَا يَقع إِلَّا لمن هَذِه صناعته وَكَانَ من ذَوَات الْأَرْبَعَة بِالزِّيَادَةِ وَأَصله الثَّلَاثَة كَانَ بِمَنْزِلَة فعيل الَّذِي ذكرنَا ففاعل وفعيل من الثَّلَاثَة وَفِي صنف من هَذَا زَائِدَة وَهِي حرف اللين كَمَا هِيَ فِي الْبَاب الَّذِي هُوَ مثله فَلذَلِك حمل أَحدهمَا على الآخر وَقد قَالُوا فِي فعيل شرِيف وأشراف ويتيم وأيتام على حذف الزِّيَادَة كَمَا قَالُوا أقمار وأصنام وَأما قَوْلهم خَادِم وخدم وغائب وغيب فَإِن هَذَا لَيْسَ بِجمع فَاعل على صِحَة إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء للْجمع وَلكنه فِي بَابه كَقَوْلِك عَمُود وَعمد أفِيق وأفق وإهاب وَأهب وَلَو قَالُوا فعل لَكَانَ من أَبْوَاب جمع فَاعل كَمَا أَنَّك لَو قلت فِي فعيل وفعول وَجَمِيع بابهما فعل لَكَانَ الْبَاب نَحْو كتاب وَكتب وإهاب وَأهب وعمود وَعمد وَكَذَلِكَ كَاتب وكتبة وعالم وعلمة وفاسق وفسقة فَإِن كَانَ فَاعل من ذَوَات الْوَاو وَالْيَاء الَّتِي هما فِيهِ لامان كَانَ جمعه على فعلة لِأَن فِيهِ معاقبة لفعلة فِي الصَّحِيح وَذَلِكَ قَوْلك قَاض وقضاة وغاز وغزاة ورام رُمَاة والمعتل قد يخْتَص بِالْبِنَاءِ الَّذِي لَا يكون فِي الصَّحِيح مثله من ذَلِك أَن المعتل يكون على مثل فيعل وَلَا يكون مثل ذَلِك فِي الصَّحِيح نَحْو سيد وميت وهين ولين وَنَحْو ذَلِك وَلَا يكون فِي الصَّحِيح إِلَّا فيعل نَحْو جيدر وصيرف وَيَجِيء الْمصدر فِي المعتل على فيعلولة \ وَلَا يكون مثل هَذَا فِي الصَّحِيح وَذَلِكَ نَحْو كينونة وقيدودة وصيرورة فَهَذَا مَا ذكرت لَك من أَن المعتل يخْتَص بِالْبِنَاءِ الَّذِي لَا يكون مثله فِي الصَّحِيح

هَذَا الْبَاب جمع الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ أَعْلَام من ثَلَاثَة[عدل]

اعْلَم أَنَّك لَو سميت رجلا عمرا أَو سَعْدا فَإِن أدنى الْعدَد فِي أعمر وأسعد وَتقول فِي الْكثير عمور وسعود كَمَا كنت قَائِلا فلس وافلس وفلوس وَكَعب وأكعب وكعوب قَالَ الشَّاعِر

(وشَيْدَ لي زُرارةُ باذِخات ... وعمْرُو الخَيْرِ إِذْ ذُكِرَ العُمورُ)

وَقَالَ آخر

(رأيتُ سُعُودا مِنْ شُعوبٍ كَثيرَةٍ ... فَلم أرَ سعْدا مِثْلَ سعد بنِ مالكِ)

فَأَما الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون فَهُوَ لكل اسْم مَعْرُوف لَيْسَ فِيهِ هَاء التَّأْنِيث قَالَ الشَّاعِر

(أنَا ابنُ سَعْدِ اكْرَمُ السُّعْدينا ... )

فَأَما مَا كَانَ مثل هِنْد فَإِن جمعه هندات وهِندات وهِنَدات كَمَا قلت لَك فِي مثل كسرة فِي هَذِه اللُّغَات لِأَن هِنْد اسْم مؤنث فجمعتها بِالتَّاءِ وَلم تكن فِيهَا هَاء وَكَذَلِكَ قدر وَلَو سميت بهَا مؤنثا فَأَرَدْت تكسيره قلت أهناد وهنود كَمَا تَقول جذع وأجذاع وجذوع وَفِي جمل أجمال وجمول قَالَ الشَّاعِر

(أخالدٌ قدْ عَلِقْتُكُ بَعْد هِنْدٍ ... فَشَيَبَني الخَوالدُ والهنودُ)

فَإِن سميتها حملا وحُسنا قلت جُملات وحسنات كَمَا تَقول ظلمات وغرفات وَتقول جملات وحسنات كَمَا تَقول ظلمات وغرفات وَتقول جملات وحسنات كَمَا تَقول ظلمات وغرفات فَإِن قيل فِي هِنْد هِنْد مثل الْكسر فَكَذَلِك جمل وَحسن مثل ظلم وغرف فجيد بَالغ وَلَو سميت امْرَأَة أَو رجلا قدما لقت أَقْدَام كَمَا تَقول أصنام وأجمال لِأَن التكسير يجْرِي فِي الْمُذكر والمؤنث مجْرى وَاحِدًا فَإِن أردْت الْجمع الْمُسلم وعنيت مُذَكّر قلت قدمون كَمَا تَقول فِي حسن اسْم رجل حسون وعَلى مَا بنيت لَك يجْرِي فِي الْجمع الْمُسلم الْمُؤَنَّث فَكل مَا كَانَ يَقع على شَيْء قبل التَّسْمِيَة فَإِن تكسيره بَاقٍ عَلَيْهِ إِذا سميت بِهِ فَأَما الْجمع الْمُسلم فمنتقل بالتأنيث والتذكير وَلَو سميت امْرَأَة عبلة أَو طَلْحَة لَقلت عبال وطلاح وَلم يجز أَن تَقول فِي طَلْحَة طلح لِأَن الْجمع الَّذِي لَيْسَ بَينه وَبَين واحده إِلَّا الْهَاء إِنَّمَا يكون للأنواع كَقَوْلِك تَمْرَة وتمر وسدرة وَسدر وشعيرة وشعير وَلَو سميت رجلا بفخذ لَقلت فِي التكسير أفخاذ كَمَا كنت قَائِلا قبل التَّسْمِيَة بِهِ فَأَما الْجمع الْمُسلم ففخذون فقس جَمِيع مَا يرد عَلَيْك بِهَذَا تصب إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب مَا كَانَ اسْما على فَاعل غير نعت معرفَة أَو نكرَة[عدل]

اعْلَم ان مَا كَانَ من ذَلِك لآدميين فَغير مُمْتَنع من الْوَاو وَالنُّون لَو سميت رجلا حاتما أَو عَاصِمًا لَقلت حاتمون وعاصمون وَإِن شِئْت قلت حواتم وعواصم لِأَنَّهُ لَيْسَ بنعت فتريد أَن تفصل بَينه وَبَين مؤنثه وَلكنه اسْم فَحكمه حكم الْأَسْمَاء الَّتِي على أَرْبَعَة أحرف وَإِن كَانَ لغير الْآدَمِيّين لم تحلقه الْوَاو وَالنُّون وَلَكِنَّك تَقول قوادم فِي قادم النَّاقة وَتقول سواعد فِي جمع ساعد وَهَكَذَا جَمِيع هَذَا الْبَاب فَإِن قَالَ قَائِل فقد قَالَ الله عز وَجل فِي غير الْآدَمِيّين {إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين} فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَنه لما أخبر عَنْهَا بِالسُّجُود وَلَيْسَ من أفعالها وَإِنَّمَا هُوَ من أَفعَال الْآدَمِيّين أجراها مجراهم لِأَن الْآدَمِيّين إِنَّمَا جمعُوا بِالْوَاو وَالنُّون لِأَن أفعالهم على ذَلِك فَإِذا ذكر غَيرهم بذلك الْفِعْل صَار فِي قياسهم الا ترى أَنَّك تَقول الْقَوْم ينطلقون وَلَا تَقول الْجمال يَسِيرُونَ وَكَذَلِكَ قَوْله عز وَجل {كٌ لٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحْونَ} لما أخبر عَنْهَا أَنَّهَا تفعل وَإِنَّمَا حَقِيقَتهَا أَن يفعل بهَا فتجري كَانَت كَمَا ذكرت لَك وَمن ذَلِك قَوْله {بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا فاسألوهم إِن كَانُوا ينطقون} وَمثله {قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ} لما جعلهَا مُخَاطبَة ومخاطِبة وكل مَا جَاءَ من هَذَا قِيَاسه قَالَ الشَّاعِر

(تَمَزَزَّتُها والديكُ يَدعُو صَباحَهُ ... إِذا مَا بنُوا نَعْشٍ دّنْوا فَتَصَوَّبُوا)

لما ذكرت من انه جعل الْفِعْل لهَذِهِ الْكَوَاكِب وعَلى هَذَا قَالَ الشَّاعِر (حتَّى يُقيدكَ مِنْ بنيهِ رَهيِنَةً ... نَعْشٌ ويَرهِنَكَ السَّماكُ الفّرْقّدا)

فَقَالَ من بنيه لما خبر عَنهُ بِهَذَا الْفِعْل

هَذَا بَاب مَا كَانَ على أَرْبَعَة أحرف أَصْلِيَّة أَو فِيهَا حرف زَائِد[عدل]

اعْلَم أَن جَمِيعهَا كلهَا يكون على مِثَال مفاعل فِي الْوَزْن وَإِن اخْتلفت موَاضعهَا وحركاتها تَقول فِي جَعْفَر جعافر وَفِي سهلب سلاهب وَفِي جدول جداول وَفِي عَجُوز عَجَائِز وَفِي أسود إِذا جعلته اسْما أساود كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(أُسُودٌ شَرى لَا قَتْ أُسودَ خَفِيَةٍ ... تَساقَتْ على لَوحٍ دِماءَ الأساوِدِ)

وَقَالُوا الأباطح والأبارق فِي جمع الأبطح والأبرق لِأَنَّهُمَا وَإِن كَانَا نعتين قد أجريا مجْرى الْأَسْمَاء فِي مَعْنَاهَا وَكَذَلِكَ الأدهم إِذا عنيت الْحَيَّة فَهُوَ عِنْد مَصْرُوف وَلكنه يجْرِي مجْرى الْأَسْمَاء فِي مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ الأدهم إِذا عنيت الْقَيْد قَالَ الشَّاعِر

(هوَ القَيْنُ وابنُ القَيْنِ لَا قيْنَ مِثْلَهُ ... لِفَطحِ المساحيِ أوْ لجَدلِ الأداهِمِ)

وَكَذَلِكَ مَا ذكرت لَك فِي التصغير جَاءَ على مِثَال وَاحِد أَصْلِيًّا كَانَ أَو زَائِدا اتّفقت حركاته أَو اخْتلفت إِلَّا فِي تَصْغِير التَّرْخِيم فَإِنَّهُ يحذف مِنْهُ الزَّوَائِد وَلَا تحذف الْأُصُول وسنذكره لَك فِي بَاب التصغير إِن شَاءَ الله

هَذَا بَاب مَا كَانَ على خَمْسَة أحرف كُلهنَّ أصل[عدل]

اعْلَم أَنَّك إِذا أردْت جمعه لم يكن لَك بُد من حذف حرف ليَكُون على مِثَال الْجمع والحرف الَّذِي تحذفه هُوَ الْحَرْف الْأَخير وَذَلِكَ لِأَن الْجمع يسلم حَتَّى يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَلَا يكون لَهُ مَوضِع وَذَلِكَ قَوْلك فِي سفرجل سفارج وَفِي فرزدق فرازد وَفِي شمردل شمارد وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا وَقد يُقَال فِي فرزدق فرازق وَلَيْسَ ذَلِك بالجيد وَذَلِكَ لِأَن الدَّال من مخرج التَّاء وَالتَّاء من حُرُوف الزِّيَادَة فَلَمَّا كَانَت كَذَلِك وَقربت من الطّرف حذفوها فَمن قَالَ ذَلِك لم يقل فِي جحمرش جحارش لتباعد الْمِيم من الطّرف فَهَذَا يجْرِي مجْرى الغلظ وَالْبَاب مَا ذكرت لَك أَولا وَاعْلَم انهم يتنكبون جمع بَنَات الْخَمْسَة لكراهيتهم أَن يحذفوا من الْأُصُول شَيْئا فَإِذا قَالُوهُ قَالُوهُ على مَا ذكرت لَك

هَذَا بَاب مَا عدته خَمْسَة أحرف أَو أَكثر بِزِيَادَة تلْحقهُ[عدل]

فَمن ذَلِك قَوْلهم صحراء يَا فَتى فَإِذا جمعت قلت صحارٍ وَكَانَ الأَصْل صحارى وَإِن شِئْت أَن تَقول قلته وَإِن شِئْت أَن تحذفه اسْتِخْفَافًا فعلت وَإِنَّمَا جَازَ الْإِثْبَات لِأَن الْألف إِذا وَقعت رَابِعَة فِيمَا عدته خَمْسَة أحرف ثبتَتْ فِي التصغير والتكسير وَإِنَّمَا تحذف إِذا لم يُوجد من الْحَذف بُد فَتَقول فِي مِفْتَاح مَفَاتِيح وَفِي سرداح سراديح وَفِي جرموق جراميق وَفِي قنديل قناديل فَلَا تحذف شَيْئا

هَذَا بَاب مَا كَانَت عدته أَرْبَعَة أحرف وَفِيه عَلامَة التَّأْنِيث[عدل]

أما مَا كَانَ من ذَلِك على فعلة فجماعه فعال إِذا كَانَ من غير الْأَنْوَاع الَّتِي ذكرنَا وَذَلِكَ قَوْلك صَحْفَة وصحاف وقصعة وقصاع وجفنة وجفان وَأما قَوْلهم جَفْنَة وجفن وضيعة وضيع فَلَيْسَ الْبَاب إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء للْجمع وَإِنَّمَا الْكَلَام جفنات وجفان وصحفات وصحاف وضيعات وضياع فَإِذا كَانَ على أَرْبَعَة أحرف والعلامة الَّتِي فِيهِ ألف التَّأْنِيث نَحْو حُبْلَى وذرفى وَدُنْيا فَإِن جمعه أَن تَقول فِي حُبْلَى حبليات وَفِي دنيا دنييات وَفِي ذفرى ذفريات وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب أجمع وَأما مَا كَانَ مِنْهُ مؤنثا من أفعل الَّذِي تصف بِهِ نَحْو هَذَا أفضل من زيد وَهَذَا أكبر من عَمْرو فَإِن تكسيره على فعل تَقول الدُّنْيَا والدنى والقصيا والقصى وَكَذَلِكَ إِن قلت القصوى والكبرى وَالْكبر وَالصُّغْرَى والصغر وَإِن لم يكن مؤنثا لأَفْعَل فَإِنَّهُ يجمع على فعالى فِي وزن فعالل كَمَا قلت فِي جَعْفَر جعافر وَفِي جُنْدُب جنادب وَذَلِكَ قَوْلك فِي حُبْلَى حبالى وَكَذَلِكَ فعلى تَقول فِي ذفري ذفارى وَكَذَلِكَ فعلى تَقول فِي أرطى أراطى

هَذَا بَاب مَا كَانَ على خَمْسَة أحرف وَفِيه زيادتان ملحقتان أَو غير ملحقتين[عدل]

اعْلَم أَنه مَا كَانَ كَذَلِك مِمَّا اسْتَوَت فِيهِ زيادتان فَإنَّك فِي حذف مَا تشَاء مِنْهُمَا مُخَيّر إِذا كَانَتَا متساويتين إِمَّا ملحقتان وَإِمَّا غير ملحقتين وَذَلِكَ قَوْلك حبنطلي ودلنطلي وسرندي فالنون زَائِدَة وَكَذَلِكَ الْألف وهما ملحقتان ببات سفرجل فَإِن شِئْت قلت حباط ودلاظ وسراد وَإِن شِئْت قلت حبانط ودلانظ وسراند لِأَن الْألف فِي الزِّيَادَة كالنون وَكَذَلِكَ يكون هَذَا فِي التصغير وَمن ذَلِك قلنسوة لِأَن الْوَاو وَالنُّون زائدتان وَهِي على مِثَال قمحودة فَإِن شِئْت قلت قلانس فحذفت الْوَاو وَإِن شِئْت قلت قلاس فحذفت النُّون وَكَذَلِكَ فعلهمَا يُقَال تقلنس وتقلسي والتصغير على هَذَا جرى فَأَما جحنفل فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا جحافل وَكَذَلِكَ قرنفل لَا يجوز فِيهِ إِلَّا قرافل لِأَنَّهُ لَيْسَ هَا هُنَا زِيَادَة إِلَّا النُّون وَاعْلَم أَن كل شَيْء حذف مِنْهُ فالعوض فِيهِ جَائِز وَهِي يَاء تلْحق قبل آخِره وَكَذَلِكَ قَوْلك فِي سفرجل سفاريج وَإِن شِئْت قلت فِي حبنطي حباطي إِن حذفت النُّون وعوضت وَإِن حذفت الْألف وعوضت قلت حبانيط والتصغير على هَذَا يجْرِي

هَذَا بَاب مَا تلْحقهُ زائدتان إِحْدَاهمَا مُلْحقَة وَالْأُخْرَى غير مُلْحقَة[عدل]

اعْلَم أَنَّك تجْرِي الملحق مجْرى الأَصْل فِي الْجمع والتصغير وَذَلِكَ أَن الملحق إِنَّمَا وضع بِإِزَاءِ الأَصْل لتلحق الثَّلَاثَة بالأربعة وَالْأَرْبَعَة بالخمسة وَذَلِكَ قَوْلك فِي مثل مسحنكك سحاكك وَفِي مقعنسس قعاسس لِأَن الْمِيم وَالنُّون لم تزادان فتلحقا بِنَاء بِبِنَاء وطكان سِيبَوَيْهٍ يَقُول فِي مقعنسس مقاعس وَهَذَا غلط شَدِيد لِأَنَّهُ يَقُول فِي محرنجم حراجم فالسين الثَّانِيَة فِي مقعنسس بحذاء الْمِيم فِي محرنجم فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّهَا زَائِدَة قيل لَهُ فالميم زَائِدَة أَيْضا إِلَّا أَن السِّين مُلْحقَة بالأصول وَلَيْسَت الْمِيم كَذَلِك إِنَّمَا هِيَ الْمِيم الَّتِي تلْحق الْأَسْمَاء من أفعالها أَلا ترى أَن من قَالَ فِي أسود أسيود قَالَ فِي جدول جديول فَأجرى الملحق مجْرى الْأَصْلِيّ

هَذَا بَاب التصغير وَشرح أبوابه ومذاهبه[عدل]

زعم الْمَازِني عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ قالَ الْخَلِيل بن أَحْمد وضعت التصغير على ثَلَاثَة أبنية على فلس وَدِرْهَم ودينار وَذَلِكَ أَن كل تَصْغِير لَا يخرج من مِثَال فَلَيْسَ ودريهم ودنينير فَإِن كَانَت فِي آخِره زَائِدَة لم يعْتد بهَا وَصغر على أحد هَذِه الْأَمْثِلَة ثمَّ جِيءَ بالزوائد مسلمة بعد الْفَرَاغ من هَذَا التصغير

هَذَا بَاب مَا كَانَ من الْمُذكر على ثَلَاثَة أحرف[عدل]

اعْلَم أَن تصغيره على مِثَال فعيل متحركا كَانَ حرفه الثَّانِي أَو سَاكِنا وَذَلِكَ قَوْلك فِي فلس وفليس وَفِي عَمْرو عُمَيْر وَكَذَلِكَ تَقول فِي عمر وَفِي خدر خدير وَفِي رطب رُطيب وَفِي جمل جميل لَا تبالي مَا كَانَت حركته لِأَن التصغير يُخرجهُ إِلَى بنائِهِ وَحكم التصغير أَن يضم أَوله وَيفتح الْحَرْف الثَّانِي وَيلْحق بعده يَاء التصغير ثَالِثَة فَإِن كَانَ الِاسْم على أَرْبَعَة أحرف انْكَسَرَ الْحَرْف الَّذِي بعد يَاء التصغير كَمَا ينكسر فِي التكسير لِأَن التكسير والتصغير من وَاد وَاحِد إِلَّا أَن أول التصغير مضموم وَأول الْجمع مَفْتُوح وعلامة التصغير يَاء ثَالِثَة سَاكِنة وعلامة الْجمع ألف ثَالِثَة وهما فِي تَغْيِير الِاسْم عَن بنائِهِ سَوَاء وَذَلِكَ قَوْلك فِي جَعْفَر وجعيفر وجعافر وَاعْلَم أَنه لَا يكون اسْم على حرفين إِلَّا وَأَصله الثَّلَاثَة فَإِذا صغر فَلَا بُد من رد مَا ذهب مِنْهُ لِأَن التصغير لَا يكون فِي أقل من ثَلَاثَة أحرف وَذَلِكَ قَوْلك فِي دم دُمي لِأَن الذَّاهِب مِنْهُ يَاء يدلك على ذَلِك أَنَّك إِذا أخرجته إِلَى الْفِعْل قلت دميت كَمَا تَقول خشيت وَتقول فِي الْجمع دِمَاء فَاعْلَم فتهمز الْيَاء لِأَنَّهَا طرف بعد ألف زَائِدَة كَمَا تَقول رِدَاء وسقاء فَإِذا فَارَقت الْألف رجعت إِلَى أَصْلهَا فَقلت أردية وأسقية وَلما اضْطر الشَّاعِر رده إِلَى أَصله فَقَالَ

(فَلْو أنّا على حَجَرٍ ذُبِحنْا ... جرَى الدَّمَيَانِ بالخَيرِ اليَقينِ)

وَتقول فِي تَصْغِير غَد غدى لِأَن اصله غدو فَكَانَ تصغيره غديو يَا فَتى وَلَكِن الْوَاو إِذا كَانَت قبلهَا يَاء سَاكِنة قلبت يَاء وأدغمت الْيَاء فِيهَا كَمَا تَقول أَيَّام وَأَصلهَا أيوام لِأَنَّهَا جمع يَوْم وَكَذَلِكَ سيد وميت إِنَّمَا هُوَ سيود وَيَمُوت لنه من يسود وَيَمُوت وَكَذَلِكَ قيام وقيوم إِنَّمَا هُوَ قيوام وقيووم بواوين وَهَذَا يحكم فِي بَاب التَّصَرُّف وَالدَّلِيل على أَن الذَّاهِب من غَد الْوَاو أَنهم يَقُولُونَ فِيهِ غدو كَمَا يَقُولُونَ غَد قَالَ الشَّاعِر

(لَا تَقْلُوها وادْلُوها دلوَا ... إنَّ معَ اليومِ أخاهُ غَدْوا) وَقَالَ لبيد بن ربيعَة

(وَمَا الناسُ إِلَّا كَالدِيارِ وأهلُها ... بهَا يومَ حَلُّوها وغَدْواً بلاقِعِ)

وكل مَا لم نذكرهُ من هَذَا الْبَاب فَهَذَا مجازه

هَذَا بَاب مَا كَانَ من الْمُؤَنَّث على ثَلَاثَة أحرف[عدل]

اعْلَم أَنه مَا كَانَ من ذَلِك لَا عَلامَة فِيهِ فَإنَّك إِذا صغرته ألحقته هَاء التَّأْنِيث الَّتِي هِيَ فِي الْوَصْل تَاء وَإِن كَانَ بهاء التَّأْنِيث ثَلَاثَة أحرف فقد ذهب مِنْهُ حرف لِأَن الْهَاء لَا يعْتد بهَا فيلزمك فِي التصغير رد ذَلِك الْحَرْف أما مَا كَانَ من ذَلِك لَا هَاء فِيهِ فنحو قَوْلك فِي دَار دويرة وَفِي نعل نعيلة وَفِي هِنْد هنيدة لَا يكون إِلَّا على ذَلِك فَأَما قَوْلهم فِي الناب من الْإِبِل نييب فَإِنَّمَا صغروه بِغَيْر هَاء لِأَنَّهَا بِهِ سميت كَمَا تَقول للْمَرْأَة مَا أَنْت إِلَّا رجيل لِأَنَّك لست تقصد إِلَى التصغير الرجل وَكَذَا قَوْلهم فِي تَصْغِير الْحَرْب حريب إِنَّمَا الْمَقْصُود الْمصدر من قَوْلك حربته حَربًا فَلَو سمينا امْرَأَة حَربًا أَو نابا لم يجز فِي تصغيرها إِلَّا حريبة ونييبة وَالْفرس يَقع للمذكر وَالْأُنْثَى فَإِن قصدت إِلَى الْمُذكر قلت فريس وَإِن قصدت إِلَى الْمُؤَنَّث قلت فريسة وَأما مَا جَاءَ على ثَلَاثَة أحرف أَحدهمَا هَاء التَّأْنِيث فنحو شاه تَقول فِي تصغيرها شويهة فَترد الْهَاء الساقطة وَالدَّلِيل على أَن الذَّاهِب مِنْهُ هَاء قَوْلك فِي الْجمع شِيَاه فَاعْلَم وَتقول فِي تحقير شفة شُفيهة لِأَن الذَّاهِب كَانَ هَاء يدلك على ذَلِك قَوْلك شافهت الرجل وشفه وشفاه فَاعْلَم وَمن ذَلِك سنة فَتَقول فِي تصغيرها سنية وسنيهة لِأَنَّهُ يجتذبها أصلان الْوَاو وَالْهَاء فَمن قَالَ سنوات واكتريته مساناة وَقَرَأَ {وأنظرْ إِلَى طَعَامكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّ وانظرْ} فوصل بِغَيْر هَاء فَهُوَ على قَول من أذهب الْوَاو فَهَذَا يَقُول سنية وَالْأَصْل سنوة لَا يجوز غَيره فِي قَوْله وَمن قَالَ {لم يتسنه وَانْظُر} وَقَالَ اكتريته مسانهة فَهَذَا يزْعم أَن الذَّاهِب الْهَاء وَلَا يجوز على قَوْله إِلَّا سُنيهة وَالْأَصْل عِنْده سنهة وَكَذَلِكَ لم يكن فِيهِ من ذَوَات الحرفين هَاء وَكَانَ مؤنثا فَأمره مثل مَا ذكرت لَك لِأَنَّك ترد الْحَرْف الذَّاهِب ثمَّ تجريه مجْرى هِنْد ودعد وَقدر وشمس لِأَنَّهُ مَا كَانَ على حرفين فَلَا بُد من رد الثَّالِث فِيهِ فَإِذا رد صَار بِمَنْزِلَة مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف مِمَّا لم ينقص مِنْهُ شَيْء وَذَلِكَ قَوْلك فِي يَد يدية لِأَن الذَّاهِب كَانَ يَاء يدلك على ذَلِك قَوْلهم يديت إِلَيْهِ يدا وَكَذَلِكَ أياد وكل مَا لم نذكرهُ مِمَّا كَانَ على هَذَا الْمِثَال فَهَذَا قِيَاسه وَاعْلَم أَنَّك إِذا سميت مذكرا بمؤنث لَا عَلامَة فِيهِ إِنَّك لَا تلْحقهُ هَاء التَّأْنِيث إِذا صغرته لِأَنَّك قد نقلته إِلَى الْمُذكر وَذَلِكَ قَوْلك فِي رجل سميته هندا أَو شمسا أَو عينا عيين وشميس وهنيد فَإِن قيل فقد جَاءَ فِي الْأَسْمَاء مثل عُيَيْنَة وأذينة قيل إِنَّمَا سمى بهما الرّجلَانِ بعد أَن صغرتا وهما مؤنثتان وَالدَّلِيل على ذَلِك إِنَّك لم تسم الرجل عينا وَلَا أذنا ثمَّ تأتى بِهَذَا إِذا صغرته إِنَّمَا أول مَا سميت بِهِ عُيَيْنَة وأذينة فَهَذَا بَين جدا وَكَذَلِكَ إِن سميت امْرَأَة أَو مؤنثا غَيرهَا باسم على ثَلَاثَة أحرف مِمَّا يكون للمذكر فَلَا بُد من إِلْحَاق الْهَاء إِذا صغرتها وَذَلِكَ أَنَّك لَو سميت امْرَأَة حجرا أَو عمرا أَو عمر لم تقل فِي تصغيرها إِلَّا عميرَة وحجيرة وَلَا يكون إِلَّا ذَلِك كَمَا لم يكن فِي الْمُذكر إِلَّا مَا وصفت لَك إِذا سميته بمؤنث

هَذَا بَاب تَصْغِير مَا كَانَ من الْمُذكر على أَرْبَعَة أحرف[عدل]

اعْلَم أَن تَصْغِير ذَلِك على وزن وَاحِد كَانَت فِيهِ زَوَائِد أَو كَانَت الْحُرُوف كلهَا أَصْلِيَّة اخْتلفت حركاته أَو اتّفقت كَانَت الزَّوَائِد مُلْحقَة أَو للمد واللين وَذَلِكَ قَوْلك فِي جَعْفَر جعيفر وَفِي قمطر قميطر وَفِي دِرْهَم دريهم وَفِي علبط عليبط وَفِي جلجل جليجل وَفِي زهلق زهيلق وَفِي عَجُوز عجيز وَفِي رغيف رُغيف وَفِي كتاب كتيب وَاعْلَم أَن مَا كَانَت فِيهِ الْوَاو متحركة فِي التَّكْبِير زَائِدَة مُلْحقَة أَو أَصْلِيَّة فَأَنت فِي تصغيره بِالْخِيَارِ إِن شِئْت أبدلت من الْوَاو فِي التصغير يَاء للياء الَّتِي قبلهَا وَهُوَ أَجود وأقيس وَإِن شِئْت أظهرت الْوَاو كَمَا كَانَت فِي التَّكْبِير متحركة وَذَلِكَ قَوْلك فِي أسود وَأسيد وَفِي أَحول أُحِيل فَهَذَا الْأَصْلِيّ والزائدة تَقول فِي قسور قسير وَفِي جدول جديل وَإِن شِئْت قلت فِيهِ كُله أسيود وقسيور وجديول وَإِنَّمَا استجازوا ذَلِك لما رَأَوْا التصغير وَالْجمع على منهاج وَاحِد وَكَانَ جمع هَذَا إِنَّمَا يكون قساور وجداول فَأَما الْأَولونَ فَعَلمُوا أَن الْوَاو إِنَّمَا تنْقَلب للياء الَّتِي قبلهَا وَأَن الْألف لَا يُوجد فِيهَا مثل ذَلِك وَالْوَزْن وَاحِد وَالْقلب لعِلَّة توجبه وكل قد ذهب مذهبا إِلَّا أَن الْقلب أَقيس لما ذكرت لَك فَإِن كَانَت الْوَاو سَاكِنة فِي التَّكْبِير لم يكن إِلَّا الْقلب وَذَلِكَ لِأَن مَا تحركت واوه الْوَجْه فِيهِ الْقلب وَيجوز الْإِظْهَار لتحرك الْوَاو فَلَمَّا كَانَت المتحركة الْوَجْه فِيهَا الْقلب لم يكن فِي الساكنة غَيره وَذَلِكَ قَوْلك فِي عَجُوز عجيز وَفِي عَمُود عميد وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَت من ذَوَات الْأَرْبَعَة زَائِدَة يبلغ بهَا الْخَمْسَة فِي الْعدَد بإلحاق أَو غير إِلْحَاق فَإِن تِلْكَ الزَّائِدَة تحذف فِي التصغير إِلَّا أَن تكون واوا رَابِعَة أَو بَاء أَو ألفا فِي ذَلِك الْموضع فَإِنَّهَا لَا تحذف لِأَنَّهَا تصير على مِثَال دنينير فَإِن لم يكن ذَلِك فالحذف لَازم لِأَنَّهُ يكون على مِثَال دريهم وَذَلِكَ قَوْلك فِي سرادق سريدق لِأَن الْألف زَائِدَة وَفِي جحنفل جحيفل لِأَن النُّون زَائِدَة وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مثل ذَلِك وَأما مُعَاوِيَة فَمن بَنَات الثَّلَاثَة وسنشرح لَك أَحْكَامهَا لتقف عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله اعْلَم أَن ذَوَات الثَّلَاثَة إِذا لحقتها زائدتان مستويتان فَأَنت فِي الْحَذف بِالْخِيَارِ أَيهمَا شِئْت حذفت فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا مُلْحقَة لم يجز حذفهَا وحذفت الْأُخْرَى لِأَن الملحق كالأصلي فَإِن كَانَتَا ملحقتين فَأَنت فِي حذف أَيهمَا شِئْت مُخَيّر وَإِن كَانَتَا غير ملحقتين وإحداهما للمعنى حذفت الَّتِي لَيست للمعنى وأبقيت الَّتِي الْمَعْنى من أجلهَا يعلم فَأَما مَا اسْتَوَت فِيهِ الزيادتان فقولك فِي حنبطي حبيط فَاعْلَم وَإِن شِئْت حبينط وَذَلِكَ لِأَنَّهُ من الثَّلَاثَة وَالنُّون وَالْألف فِيهِ زائدتان ملحقتان بسفرجل فَإِن حذفت النُّون قلت حبيط وَإِن حذفت الْألف قلت حبينط وَإِن عوضت فِيمَن حذف النُّون قلت حبيطي فَاعْلَم وفيمن حذف الْألف حبينيط وَكَذَلِكَ جمعه تَقول حبانط وَإِن عوضت قلت حبانيط فَإِن حذفت النُّون قلت حباط وَإِن / عوضت قلت حباطي فعلى هَذَا يجْرِي وَلَو حقرت مثل مغتسل لَقلت مغيسل وَإِن عوضت قلت مغيسيل لَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن الْمِيم وَالتَّاء زائدتان وَالْمِيم للمعنى أَلا ترى أَنَّك لَو قلت مغتسل كَانَ مُؤديا للمعنى فالميم لَا تحذف فَإِذا حقرت مُعَاوِيَة فِيمَن قَالَ اسيد قلت معية وَكَانَ الأَصْل معيية وَلَكنهُمْ إِذا اجْتمعت ثَلَاث ياءات فِي بِنَاء التصغير حذفت الْيَاء المعتلة لِاجْتِمَاع الياءات وَمن قَالَ فِي اسود أسيود قَالَ فِي تَصْغِير مُعَاوِيَة معيوية لِأَنَّهُ يحذف الْألف فَيصير معيوية وَلَا تَجْتَمِع الياءات فيلزمك الْحَذف فَأَما مَا ذكرت لَك مِمَّا يحذف لِاجْتِمَاع الياءات فقولك فِي تصغيرعطاء عطى فَاعْلَم لِأَنَّك حذفت يَاء وَالْأَصْل عطيي فَصَارَ تصغيره كتصغير مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف فعلى هَذَا تَقول فِي تَصْغِير أحوى أحيُّ فَاعْلَم على قَوْلك أسيد وَمن قَالَ أسيود قَالَ أحيو فَاعْلَم وَتقول فِي تَصْغِير عثول عثيل فَاعْلَم لِأَن فِيهِ زائدتين الْوَاو وَإِحْدَى اللامين وَالْوَاو أَحَق عندنَا بالطرح لِأَنَّهَا من الْحُرُوف الَّتِي تزاد وَاللَّام مضاعفة من الْأُصُول وهما جَمِيعًا للإلحاق بِمثل جردحل وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يخْتَار عثيل وعثيول فِيمَن قَالَ أسيود وَيَقُول هِيَ مُلْحقَة وَهِي أبعد من الطّرف وَقد يجوز مَا قَالَ وَلَكِن الْمُخْتَار مَا ذكرنَا لِلْعِلَّةِ الَّتِي شرحنا وَمن عوض قَول سِيبَوَيْهٍ قَالَ عثيل وعثيويل وعَلى قَوْلنَا عثيليل فَهَذَا وَجه هَذَا وَلَو حقرت مِثَال مِفْتَاح وقنديل وشملال لم تحذف شَيْئا وَكنت قَائِلا قنيديل ومفيتيح وشميليل وَذَلِكَ لِأَنَّك كنت قَائِلا لَو عوضت فِي مثل سفرجل سفيريج فَأَنت إِذا أتيت بهَا فِيمَا لم تكن فِيهِ أَحْرَى الا تحذفها فِيمَا هِيَ فِيهِ أَو مَا تكون بَدَلا مِنْهُ وَإِنَّمَا تثبت فِي هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ مَوضِع تلْزمهُ الكسرة وَالْيَاء إِنَّمَا هِيَ حرف لين فَدخلت بِدُخُول مَا هُوَ مِنْهَا وَهُوَ الكسرة وَكَذَلِكَ الْجمع لذوات الْأَرْبَعَة إِنَّمَا يجْرِي مجْرى تصغيره فِي كل شَيْء فيجريان فِيهِ على قِيَاس وَاحِد فِيمَا جَاوز الثَّلَاثَة

هَذَا بَاب تحقير بَنَات الْخَمْسَة[عدل]

اعْل