المغني - كتاب الولاء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء التاسع والعشرون – كتاب الولاء) • كتاب الولاء o مسألة: الولاء لمن أعتق فصل: يقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام فصل: إن اختلف دين السيد وعتيقه فالولاء ثابت فصل: إن أعتق حربي حربيا فله عليه الولاء فصل: لا يصح بيع الولاء ولا هبته فصل: لا ينتقل الولاء عن المعتق بموته ولا يرثه ورثته o مسألة: من أعتق سائبة, لم يكن له الولاء فصل: إن أعتق عبدا عن كفارته أو نذره أو من زكاته o مسألة: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه وكان ولاؤه له فصل: المحارم من غير ذوي الأرحام لا يعتقون على سيدهم فصل: إن ملك ولده من الزنى, لم يعتق عليه o مسألة: ولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا فصل: إن اشترى العبد نفسه من سيده بعوض حال عتق والولاء لسيده o مسألة: ولاء أم الولد لسيدها إذا ماتت o مسألة: من أعتق عبده عن رجل حى بلا أمره أو عن ميت, فالولاء للمعتق o مسألة: إن أعتقه عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه بأمره o مسألة: من قال: أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه، فالثمن عليه والولاء للمعتق عنه o مسألة: لو قال: أعتقه, والثمن عليَّ، كان الثمن عليه والولاء للمعتق فصل: من أوصى أن يعتق عنه بعد موته, فأعتق فالولاء له o مسألة: من أعتق عبدا له أولاد من مولاة لقوم, جر معتق العبد ولاء أولاده فصل: حكم المكاتب يتزوج في كتابته فيأتى له أولاد ثم يعتق, حكم العبد القن في جر الولاء فصل: إذا انجر الولاء إلى موالي الأب ثم انقرضوا, عاد الولاء إلى بيت المال فصل: ولا ينجر الولاء إلا بشروط ثلاثة الشرط الأول: أن يكون الأب عبدا حين الولادة الشرط الثاني: أن تكون الأم مولاة الشرط الثالث: أن يعتق العبد سيده فصل: إن لم يعتق الأب ولكن عتق الجد فصل: إذا كان أحد الزوجين الحرين حر الأصل فلا ولاء على ولدهما فصل: إذا تزوج معتق بمعتقة فأولدها ولدين فولاؤهما لمولى أبيهما فصل: إذا تزوج عبد معتقة فاستولدها أولادا, فهم أحرار وولاؤهم لموالي أمهم فصل: إذا تزوج عبد بمعتقة فأولدها ولدا فتزوج الولد بمعتقة رجل, فأولدها ولدا فصل: إن تزوج معتق بمعتقة فأولدها بنتا وتزوج عبد بمعتقة, فأولدها ابنا فتزوج هذا الابن بنت المعتقين فأولدها ولدا فصل: في دور الولاء o باب ميراث الولاء مسألة: لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن فصل: إذا خلف الميت بنت مولاه ومولى أبيه فصل: امرأة حرة لا ولاء عليها وأبواها رقيقان فصل: لا يرث من أقارب المعتق ذو فرض منفرد مسألة: الولاء لأقرب عصبة المعتق مسألة: إذا مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن معتقه مسألة: إن خلف أخا معتقه وجدّ معتقه فصل: إن اجتمع إخوة وجد فصل: إن ترك جد مولاه وعم مولاه مسألة: إذا هلك رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى مسألة: من أعتق عبدا, فولاؤه لابنه وعقله على عصبته فصل: إن كان المولى حيا وهو رجل عاقل موسر فصل: لا يرث المولى من أسفل معتقه فصل: إن أسلم الرجل على يدي الرجل لم يرثه بذلك فصل: إن عاقد رجل رجلا فقال: عاقدتك على أن ترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك فصل: اللقيط حر لا ولاء عليه

كتاب الولاء قال الله تعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} يعني الأدعياء وقال النبي -ﷺ-: (( الولاء لمن أعتق )) وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر, قال: (( نهى رسول الله -ﷺ- عن بيع الولاء وعن هبته )) متفق عليهما وقال النبي -ﷺ-: (( لعن الله من تولى غير مواليه )) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقال -ﷺ- (( مولى القوم منهم )) حديث صحيح وروى الخلال بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال لي النبي -ﷺ-: (( الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب )).

 مسألة: 

قال: [والولاء لمن أعتق وإن اختلف ديناهما] أجمع أهل العلم على أن من أعتق عبدا, أو عتق عليه ولم يعتقه سائبة أن له عليه الولاء والأصل في هذا قول النبي -ﷺ-: (( الولاء لمن أعتق )) وأجمعوا أيضا على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميع ماله, إذا اتفق ديناهما ولم يخلف وارثا سواه وذلك لقول النبي -ﷺ-: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) والنسب يورث به ولا يورث, كذلك الولاء وروى سعيد عن عبد الرحمن بن زياد حدثنا شعبة, عن الحكم عن عبد الله بن شداد قال: (( كان لبنت حمزة مولى أعتقه, فمات وترك ابنته ومولاته فأعطى النبي -ﷺ- ابنته النصف, وأعطى مولاته بنت حمزة النصف )) قال: وحدثنا خالد بن عبد الله عن يونس عن الحسن, قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( الميراث للعصبة فإن لم يكن عصبة فللمولى )) وعنه (( أن رجلا أعتق عبدا, فقال للنبي -ﷺ-: ما ترى في ماله؟ قال: إن مات ولم يدع وارثا فهو لك )).

 فصل: 

ويقدم المولى في الميراث على الرد وذوى الأرحام في قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم, فإذا مات رجل وخلف بنته ومولاه فلبنته النصف, والباقي لمولاه وإن خلف ذا رحم ومولاه فالمال لمولاه دون ذى رحمه وعن عمر وعلى يقدم الرد على المولى وعنهما وعن ابن مسعود تقديم ذى الأرحام على المولى ولعلهم يحتجون بقول الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} ولنا حديث عبد الله بن شداد, وحديث الحسن ولأنه عصبة يعقل عن مولاه فيقدم على الرد وذوى الرحم, كابن العم.

 فصل: 

وإن اختلف دين السيد وعتيقه فالولاء ثابت لا نعلم فيه خلافا لعموم قول النبي -ﷺ-: (( الولاء لمن أعتق )) ولقوله: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين وكذلك الولاء, ولأن الولاء إنما يثبت له عليه لإنعامه بإعتاقه وهذا المعنى ثابت مع اختلاف دينهما ويثبت الولاء للذكر على الأنثى, والأنثى على الذكر ولكل معتق لعموم الخبر والمعنى, ولحديث عبد الله بن شداد وهل يرث السيد مولاه مع اختلاف الدين؟ فيه روايتان إحداهما يرثه روى ذلك عن على وعمر بن عبد العزيز وبه قال أهل الظاهر واحتج أحمد بقول على: الولاء شعبة من الرق وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصراني لأنه يصلح له تملكه, ولا يرث النصراني مولاه المسلم لأنه لا يصلح له تملكه وجمهور العلماء على أنه لا يرثه مع اختلاف دينهما لقول النبي -ﷺ-: (( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم )) ولأنه ميراث فيمنعه اختلاف الدين كميراث النسب ولأن اختلاف الدين مانع من الميراث, فمنع الميراث بالولاء كالقتل والرق يحققه أن الميراث بالنسب أقوى, فإذا منع الأقوى فالأضعف أولى ولأن النبي -ﷺ- ألحق الولاء بالنسب بقوله: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) وكما يمنع اختلاف الدين التوارث مع صحة النسب وثبوته, كذلك يمنعه مع صحة الولاء وثبوته فإذا اجتمعا على الإسلام, توارثا كالمتناسبين وهذا أصح في الأثر والنظر -إن شاء الله تعالى-, فإن كان للسيد عصبة على دين العبد ورثه دون سيده وقال داود: لا يرث عصبته مع حياته ولنا أنه بمنزلة ما لو كان الأقرب من العصبة مخالفا لدين الميت والأبعد على, دينه ورث دون القريب.

 فصل: 

وإن أعتق حربي حربيا فله عليه الولاء لأن الولاء مشبه بالنسب والنسب ثابت بين أهل الحرب, فكذلك الولاء وهذا قول عامة أهل العلم إلا أهل العراق فإنهم قالوا: العتق في دار الحرب والكتابة والتدبير لا يصح, ولو استولد أمته لم تصر أم ولد مسلما كان السيد أو ذميا أو حربيا ولنا, أن ملكهم ثابت بدليل قول الله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} فنسبها إليهم فصح عتقهم كأهل الإسلام, وإذا صح عتقهم ثبت الولاء لهم لقول النبي -ﷺ-: (( الولاء لمن أعتق )) فإن جاءنا المعتق مسلما فالولاء بحاله فإن سبي مولى النعمة لم يرث مادام عبدا, فإن أعتق فعليه الولاء لمعتقه وله الولاء على معتقه, وهل يثبت لمعتق السيد ولاء على معتقه؟ يحتمل أن يثبت لأنه مولى مولاه ويحتمل أن لا يثبت لأنه ما حصل منه إنعام عليه ولا سبب لذلك فإن كان الذي اشتراه مولاه فأعتقه فكل واحد منهما مولى صاحبه يرثه بالولاء وإن أسره مولاه فأعتقه فكذلك وإن أسره مولاه وأجنبي فأعتقاه, فولاؤه بينهما نصفين فإن مات بعده المعتق الأول فلشريكه نصف ماله لأنه مولى نصف مولاه على أحد الاحتمالين والآخر لا شيء له لأنه لم ينعم عليه وإن سبي المعتق فاشتراه رجل فأعتقه بطل ولاء الأول وصار الولاء للثاني وبهذا قال مالك, والشافعي وقيل: الولاء بينهما واختاره ابن المنذر لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر وقيل: الولاء للأول لأنه أسبق ولنا أن السبي يبطل ملك الأول الحربي فالولاء التابع له أولى, ولأن الولاء بطل باسترقاقه فلم يعد بإعتاقه وإن أعتق ذمى عبدا كافرا فهرب إلى دار الحرب فاسترق, فالحكم فيه كالحكم فيما إذا أعتقه الحربي سواء وإن أعتق مسلم كافرا فهرب إلى دار الحرب ثم سباه المسلمون, فذكر أبو بكر والقاضي أنه لا يجوز استرقاقه وهو قول الشافعي لأن في استرقاقه إبطال ولاء المسلم المعصوم قال ابن اللبان: ولأن له أمانا بعتق المسلم إياه والصحيح إن شاء الله, جواز استرقاقه لأنه كافر أصلى كتابي فجاز استرقاقه كمعتق الحربي وكغير المعتق وقولهم: في استرقاقه إبطال ولاء المسلم قلنا: لا نسلم, بل متى أعتق عاد الولاء للأول وإنما امتنع عمله في حال رقه لمانع وإن سلمنا أن فيه إبطال ولائه, فكذلك في قتله وقد جاز إبطال ولائه بالقتل فكذلك بالاسترقاق, ولأن القرابة يبطل عملها بالاسترقاق فكذلك الولاء وقول ابن اللبان: له أمان لا يصح فإنه لو كان له أمان لم يجز قتله ولا سبيه فعلى هذا إن استرق ثم أعتق, احتمل أن يكون الولاء للثاني لأن الحكمين إذا تنافيا كان الثابت هو الآخر منهما كالناسخ والمنسوخ واحتمل أنه للأول لأن ولاءه ثبت وهو معصوم فلا يزول بالاستيلاء, كحقيقة الملك ويحتمل أنه بينهما وأيهما مات كان للثاني وإن أعتق مسلم مسلما أو أعتقه ذمي, فارتد ولحق بدار الحرب فسبي لم يجز استرقاقه وإن اشترى فالشراء باطل, ولا يقبل منه إلا التوبة أو القتل.

 فصل: 

ولا يصح بيع الولاء ولا هبته ولا أن يأذن لمولاه فيوالى من شاء روى ذلك عن عمر وعلي, وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب, وطاوس وإياس بن معاوية والزهري, ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وكره جابر بن عبد الله بيع الولاء قال سعيد: حدثنا جرير, عن مغيرة عن إبراهيم قال: قال عبد الله: إنما الولاء كالنسب فيبيع الرجل نسبه وقال: حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وكان مكاتبا وروى أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولاؤهم اليوم لهم وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير وقال ابن جريج: قلت لعطاء أذنت لمولاى أن يوالى من شاء فيجوز؟ قال: نعم ولنا أن النبي -ﷺ- نهى عن بيع الولاء وعن هبته وقال: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) وقال: (( لعن الله من تولى غير مواليه )) ولأنه معني يورث به فلا ينتقل كالقرابة وفعل هؤلاء شاذ يخالف قول الجمهور, وترده السنة فلا يعول عليه.

 فصل: 

ولا ينتقل الولاء عن المعتق بموته ولا يرثه ورثته, وإنما يرثون المال به مع بقائه للمعتق هذا قول الجمهور وروى نحو ذلك عن عمر وعلى وزيد, وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر, وأبي مسعود البدرى وأسامة بن زيد وبه قال عطاء وطاوس, وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين, والشعبي والزهري والنخعي, وقتادة وأبو الزناد وابن قسيط ومالك والثوري, والشافعي وإسحاق وأبو ثور, وأصحاب الرأي وداود وشذ شريح وقال: الولاء كالمال, يورث عن المعتق فمن ملك شيئا حياته فهو لورثته ورواه حنبل ومحمد بن الحكم, عن أحمد وغلطهما أبو بكر وهو كما قال فإن رواية الجماعة عن أحمد مثل قول الجماعة وذلك لقوله عليه السلام: (( الولاء للمعتق )) وقوله: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) والنسب لا يورث وإنما يورث به, ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كسائر الأسباب والله تعالى أعلم.

 مسألة: 

قال: [ومن أعتق سائبة, لم يكن له الولاء فإن أخذ من ميراثه شيئا رده في مثله] قال أحمد, في رواية عبد الله: الرجل يعتق عبده سائبة هو الرجل يقول لعبده: قد أعتقتك سائبة كأنه يجعله لله لا يكون ولاؤه لمولاه, قد جعله لله وسلمه عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود: السائبة يضع ماله حيث شاء وقال أحمد قال عمر: السائبة والصدقة ليومها ومتى قال الرجل لعبده: أعتقتك سائبة, أو أعتقتك ولا ولاء لي عليك لم يكن له عليه ولاء فإن مات وخلف مالا ولم يدع وارثا, اشترى بماله رقاب فأعتقوا في المنصوص عن أحمد وأعتق ابن عمر عبدا سائبة فمات, فاشترى ابن عمر بماله رقابا فأعتقهم وقال عمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول, وأبو العالية ومالك: يجعل ولاؤه لجماعة المسلمين وعن عطاء أنه قال: كنا نعلم أنه إذا قال: أنت حر سائبة فهو يوالى من شاء ولعل أحمد -رحمه الله- ذهب إلى شراء الرقاب استحبابا لفعل ابن عمر والولاء للمعتق وهذا قول النخعي, والشعبي وابن سيرين وراشد بن سعد, وضمرة بن حبيب والشافعي وأهل العراق لقوله عليه السلام: (( الولاء لمن أعتق وجعله لحمة كلحمة النسب )) فكما لا يزول نسب إنسان ولا ولد عن فراش بشرط, لا يزول ولاء عن معتق ولذلك لما أراد أهل بريرة اشتراط ولائها على عائشة قال لها النبي -ﷺ-: (( اشتريها واشترطى لهم الولاء, فإنما الولاء لمن أعتق )) يعني أن اشتراطهم تحويل الولاء عن المعتق لا يفيد شيئا ولا يزيل الولاء عن المعتق وروى مسلم بإسناده عن هزيل بن شرحبيل, قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني أعتقت عبدا لي وجعلته سائبة, فمات وترك مالا ولم يدع وارثا, فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون وأنت ولى نعمته, فإن تأثمت وتحرجت من شيء فنحن نقبله ونجعله في بيت المال وقال سعيد: ثنا هشيم ثنا بشر, عن عطاء أن طارق بن المرقع أعتق سوائب فماتوا, فكتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب عمر أن ادفع مال الرجل إلى مولاه فإن قبله وإلا فاشتر به رقابا فأعتقهم عنه وقال: حدثنا هشيم عن منصور, أن عمر وابن مسعود قالا في ميراث السائبة: هو للذى أعتقه وهذا القول أصح في الأثر والنظر وفي المواضع التي جعل الصحابة ميراثه لبيت المال أو في مثله كان لتبرع المعتق وتورعه عن ميراثه, كفعل ابن عمر في ميراث معتقه وفعل عمر وابن مسعود في ميراث الذي تورع سيده عن أخذ ماله وقد روى أن سالما مولى أبي حذيفة أعتقته لبني بنت يعار سائبة فقتل وترك ابنة, فأعطاها عمر نصف ماله وجعل النصف في بيت المال وعلى القول المنصوص عن أحمد إن خلف السائبة مالا, اشترى به رقاب فأعتقوا فإن رجع من ميراثهم شيء اشترى به أيضا رقاب فأعتقوا وإن خلف السائبة ذا فرض لا يستغرق ماله, أخذ فرضه واشترى بباقيه رقاب فأعتقوا ولا يرد على ذى الفرض.

 فصل: 

وإن أعتق عبدا عن كفارته أو نذره أو من زكاته, فقال أحمد في الذي يعتق من زكاته: إن ورث منه شيئا جعله في مثله قال: وهذا قول الحسن وبه قال إسحاق وعلى قياس ذلك العتق من الكفارة والنذر لأنه واجب عليه وقد روى عن أحمد أنه قال في الذي يعتق في الزكاة: ولاؤه للذى جرى عتقه على يديه وقال مالك والعنبرى: ولاؤه لسائر المسلمين, ويجعل في بيت المال وقال أبو عبيد: ولاؤه لصاحب الصدقة وهو قول الجمهور في العتق في النذر والكفارة لقول النبي -ﷺ-: (( الولاء لمن أعتق )) ولأن عائشة اشترت بريرة بشرط العتق فأعتقتها, فكان ولاؤها لها وشرط العتق يوجبه ولأنه معتق عن نفسه فكان الولاء له كما اشترط عليه العتق فأعتق ولنا أن الذي أعتق من الزكاة معتق من غير ماله, فلم يكن له الولاء كما لو دفعها إلى الساعى فاشترى بها وأعتق وكما لو دفع إلى المكاتب مالا, فأداه في كتابته وفارق من اشترط عليه العتق فإنه إنما أعتق ماله والعتق في الكفارة والنذر واجب عليه, فأشبه العتق من الزكاة وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يعتق من الزكاة وعلل بعضهم المنع من ذلك بأنه يجر الولاء إلى نفسه فينتفع بزكاته وهذا قول لأحمد رواه عنه جماعة وهو قول النخعي, والشافعي.

 مسألة: 

قال: [ومن ملك ذا رحم محرم عتق عليه وكان ولاؤه له] ذو الرحم المحرم: القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلا والآخر امرأة وهم الوالدان وإن علوا من قبل الأب والأم جميعا والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات, والإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا والأعمام والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم فمتى ملك أحدا منهم عتق عليه روى ذلك عن عمر, وابن مسعود رضي الله عنهما وبه قال الحسن وجابر بن زيد وعطاء, والحكم وحماد وابن أبي ليلى, والثوري والليث وأبو حنيفة, والحسن بن صالح وشريك ويحيى بن آدم وأعتق مالك الوالدين والمولودين وإن بعدوا, والإخوة والأخوات دون أولادهم ولم يعتق الشافعي إلا عمودى النسب وعن أحمد رواية كذلك ذكرها أبو الخطاب ولم يعتق داود وأهل الظاهر أحدا حتى يعتقه لقول النبي -ﷺ-: (( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه, فيعتقه )) رواه مسلم ولنا: ما روى الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( من ملك ذا رحم محرم فهو حر )) رواه أبو داود, والترمذي وقال حديث حسن ولأنه ذو رحم محرم فيعتق عليه بالملك, كعمودى النسب وكالإخوة والأخوات عند مالك فأما قوله: " حتى يشتريه فيعتقه " فيحتمل أنه أراد يشتريه فيعتقه بشرائه له كما يقال: ضربه فقتله, والضرب هو القتل وذلك لأن الشراء لما كان يحصل به العتق تارة دون أخرى جاز عطف صفته عليه كما يقال: ضربه فأطار رأسه ومتى عتق عليه, فولاؤه له لأنه يعتق من ماله بسبب فعله فكان ولاؤه له, كما لو باشر عتقه وسواء ملكه بشراء أو هبة, أو غنيمة أو إرث أو غيره لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا.

 فصل: 

ولا خلاف في أن المحارم من غير ذوى الأرحام لا يعتقون على سيدهم, كالأم والأخ من الرضاعة والربيبة وأم الزوجة, وابنتها إلا أنه حكى عن الحسن وابن سيرين وشريك, أنه لا يجوز بيع الأخ من الرضاعة وروى عن ابن مسعود أنه كرهه والأول أصح قال الزهري: جرت السنة بأن يباع الأخ والأخت من الرضاع ولأنه لا نص في عتقهم ولا هم في معنى المنصوص عليه فيبقون على الأصل, ولأنهما لا رحم بينهما ولا توارث ولا تلزمه نفقته فأشبه الربيبة وأم الزوجة.

 فصل: 

وإن ملك ولده من الزنى, لم يعتق عليه على ظاهر كلام أحمد لأن أحكام الولد غير ثابتة فيه وهي الميراث والحجب والمحرمية, ووجوب الإنفاق وثبوت الولاية له عليه ويحتمل أن يعتق لأنه جزؤه حقيقة وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين, عتق عليه مع انتفاء هذه الأحكام.

 مسألة: 

قال: [وولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا] هذا قول عامة الفقهاء وبه يقول الشافعي وأهل العراق وحكى ابن سراقة عن عمرو بن دينار, وأبي ثور أنه لا ولاء على المكاتب لأنه اشترى نفسه من سيده فلم يكن له عليه ولاء, كما لو اشتراه أجنبي فأعتقه وكان قتادة يقول من لم يشترط ولاء المكاتب فلمكاتبه أن يوالى من شاء وقال مكحول: أما المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته فجائز ولنا, أن السيد هو المعتق للمكاتب لأنه يتبعه بماله وماله وكسبه لسيده فجعل ذلك له, ثم باعه به حتى عتق فكان هو المعتق وهو المعتق للمدبر بلا إشكال, وقد قال النبي -ﷺ-: (( الولاء لمن أعتق )) ويدل على ذلك أن المكاتبين يدعون موالى مكاتبيهم فيقال: أبو سعيد مولى أبي أسيد وسيرين مولى أنس, وسليمان بن يسار مولى ميمونة وقد وهبت ولاءه لابن عباس وكانوا مكاتبين, وكذلك أشباههم ويدل على ذلك أن في حديث بريرة (( أنها جاءت عائشة فقالت: يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلى على تسع أواق فأعينيني فقالت عائشة: إن شاءوا عددت لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت فأبوا أن يبيعوها إلا أن يكون الولاء لهم فقال النبي -ﷺ-: اشتريها واشترطى لهم الولاء )) وهذا يدل على أن الولاء كان لهم لو لم تشترها منهم عائشة.

 فصل: 

وإن اشترى العبد نفسه من سيده بعوض حال عتق والولاء لسيده لأنه يبيع ماله بماله, فهو مثل المكاتب سواء والسيد هو المعتق لهما فالولاء له عليهما.

 مسألة: 

قال: [وولاء أم الولد لسيدها إذا ماتت] يعني إذا عتقت بموت سيدها فولاؤها له يرثها أقرب عصبته وهذا قول عمر, وعثمان وبه قال عامة الفقهاء وقال ابن مسعود تعتق من نصيب ابنها فيكون ولاؤها له وعن ابن عباس نحوه وعن على لا تعتق ما لم يعتقها وله بيعها وبه قال جابر بن زيد وأهل الظاهر وعن ابن عباس نحوه ولذكر الدليل على عتقها موضع غير هذا, ولا خلاف بين القائلين بعتقها أن ولاءها لمن عتق عليه ومذهب الجمهور أنها تعتق بموت سيدها من رأس المال فيكون ولاؤها له لأنها عتقت بفعله من ماله فكان ولاؤها له, كما لو عتقت بقوله ويختص ميراثها بالولاء بالذكور من عصبة السيد كالمدبر والمكاتب.

 مسألة: 

قال: [ومن أعتق عبده عن رجل حى بلا أمره أو عن ميت, فالولاء للمعتق] هذا قول الثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة, وأبي يوسف وداود وروى عن ابن عباس أن ولاءه للمعتق عنه وبه قال الحسن ومالك, وأبو عبيد لأنه أعتقه عن غيره فكان الولاء للمعتق عنه كما لو أذن له ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( الولاء للمعتق )) ولأنه أعتق عبده من غير إذن غيره فكان الولاء له كما لو لم يقصد شيئا.

 مسألة: 

قال: [وإن أعتقه عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه بأمره] وبهذا قال جميع من حكينا قوله في المسألة الأولى إلا أبا حنيفة, ووافقه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وداود, فقالوا: الولاء للمعتق إلا أن يعتقه عنه على عوض فيكون له الولاء ويلزمه العوض, ويصير كأنه اشتراه ثم وكله في إعتاقه أما إذا كان عن غير عوض فلا يصح تقدير البيع فيكون الولاء للمعتق لعموم قوله عليه السلام: (( الولاء للمعتق )) وعن أحمد مثل ذلك ولنا, أنه وكيل في الإعتاق فكان الولاء للمعتق عنه كما لو أخذ عوضا, فإنه كما يجوز تقدير البيع فيما إذا أخذ عوضا يجوز تقدير الهبة إذا لم يأخذ عوضا فإن الهبة جائزة في العبد, كما يجوز البيع والخبر مخصوص بما إذا أخذ عوضا وكسائر الوكلاء, فنقيس عليه محل النزاع.

 مسألة: 

قال: [ومن قال: أعتق عبدك عني وعلى ثمنه فالثمن عليه والولاء للمعتق عنه] لا نعلم في هذه المسألة خلافا وأن الولاء للمعتق عنه, لكونه أعتقه عنه بعوض ويلزمه الثمن لأنه أعتقه عنه بشرط العوض فيقدر ابتياعه منه ثم توكيله في عتقه, ليصح عنه فيكون الثمن عليه والولاء له كما لو ابتاعه منه ثم وكله في عتقه. مسألة: قال: [ولو قال: أعتقه, والثمن على كان الثمن عليه والولاء للمعتق] إنما كان الثمن عليه لأنه جعل له جعلا على إعتاق عبده فلزمه ذلك بالعمل, كما لو قال: من بنى لي هذا الحائط فله دينار فبناه إنسان استحق الدينار والولاء للمعتق لأنه لم يأمره بإعتاقه عنه ولا قصد به المعتق ذلك, فلم يوجد ما يقتضي صرفه إليه فيبقى للمعتق عملا بقوله عليه السلام: (( الولاء للمعتق )).

 فصل: 

ومن أوصى أن يعتق عنه بعد موته, فأعتق فالولاء له وكذلك لو وصى بعتق عبده ولم يقل: عني فأعتق, كان الولاء له لأن الإعتاق من ماله وإن أعتق عنه ما يجب إعتاقه ككفارة ونحوها فقد مضى ذكرها فيما تقدم.

 مسألة: 

قال: [ومن أعتق عبدا له أولاد من مولاة لقوم, جر معتق العبد ولاء أولاده] وجملة ذلك أن الرجل إذا أعتق أمته فتزوجت عبدا فأولدها, فولدها منه أحرار وعليهم الولاء لمولى أمهم يعقل عنهم ويرثهم إذا ماتوا لكونه سبب الإنعام عليهم بعتق أمهم, فصاروا لذلك أحرارا فإن أعتق العبد سيده ثبت له عليه الولاء وجر إليه ولاء أولاده عن مولى أمهم لأن الأب لما كان مملوكا لم يكن يصلح وارثا ولا وليا في نكاح فكان ابنه كولد الملاعنة ينقطع نسبه عن ابنه, فثبت الولاء لمولى أمه وانتسب إليها فإذا عتق العبد صلح الانتساب إليه وعاد وارثا عاقلا وليا, فعادت النسبة إليه وإلى مواليه بمنزلة ما لو استلحق الملاعن ولده هذا قول جمهور الصحابة والفقهاء يروى هذا عن عمر, وعثمان وعلى والزبير, وعبد الله وزيد بن ثابت ومروان, وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين, وعمر بن عبد العزيز والنخعي وبه قال مالك والثوري, والأوزاعي والليث وأبو حنيفة وأصحابه, والشافعي وإسحاق وأبو ثور ويروى عن رافع بن خديج أن الولاء لا ينجر عن موالى الأم وبه قال مالك بن أوس بن الحدثان, والزهري وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن وداود لأن الولاء لحمة كلحمة النسب, والنسب لا يزول عمن ثبت له فكذلك الولاء وقد روى عن عثمان نحو هذا وعن زيد وأنكرهما ابن اللبان, وقال: مشهور عن عثمان أنه قضى بجر الولاء للزبير على رافع بن خديج ولنا أن الانتساب إلى الأب فكذلك الولاء, ولذلك لو كانا حرين كان ولاء ولدهما لمولى أبيه فلما كان مملوكا كان الولاء لمولى الأم ضرورة, فإذا عتق الأب زالت الضرورة فعادت النسبة إليه والولاء إلى مواليه وروى عبد الرحمن عن الزبير, أنه لما قدم خيبر رأى فتية لعسا فأعجبه ظرفهم وجمالهم فسأل عنهم, فقيل له: موالى رافع بن خديج وأبوهم مملوك لآل الحرقة فاشترى الزبير أباهم فأعتقه, وقال لأولاده: انتسبوا إلى فإن ولاءكم لي فقال رافع بن خديج: الولاء لي فإنهم, عتقوا بعتقى أمهم فاحتكموا إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير فاجتمعت الصحابة عليه اللعس سواد الشفتين تستحسنه العرب, ومثله اللمى قال ذو الرمة: لمياء في شفتيها حوة لعس ** وفي اللثات وفي أنيابها شنب

فصل: وحكم المكاتب يتزوج في كتابته فيأتى له أولاد ثم يعتق, حكم العبد القن في جر الولاء وكذلك المدبر والمعلق عتقه بصفة لأنهم عبيد فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

فصل: إذا انجر الولاء إلى موالى الأب ثم انقرضوا, عاد الولاء إلى بيت المال ولم يرجع إلى موالى الأم بحال في قول أكثر أهل العلم وحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يعود إلى موالى الأم والأول أصح لأن الولاء جرى مجرى الانتساب, ولو انقرض الأب وآباؤه لم تعد النسبة إلى الأم كذلك الولاء فإذا ثبت هذا فولدت بعد عتق الأب كان ولاء ولدها لموالى أبيه بلا خلاف فإن نفاه باللعان, عاد ولاؤه إلى موالى الأم لأنا نتبين أنه لم يكن له أب ينتسب إليه فإن عاد فاستلحقه عاد الولاء إلى موالى الأب.

فصل: ولا ينجر الولاء إلا بشروط ثلاثة:

 أحدها: أن يكون الأب عبدا حين الولادة, فإن كان حرا وزوجته مولاة لم يخل إما أن يكون حر الأصل, فلا ولاء عليه ولا على ولده بحال وإن كان مولى ثبت الولاء على ولده لمواليه ابتداء ولا جر فيه: 
 الثاني: أن تكون الأم مولاة فإن لم تكن كذلك لم تخل إما أن تكون حرة الأصل, فلا ولاء على ولدها بحال وهم أحرار بحريتها أو تكون أمة, فولدها رقيق لسيدها فإن أعتقهم فولاؤهم له لا ينجر عنه بحال سواء أعتقهم بعد ولادتهم, أو أعتق أمهم حاملا بهم فعتقوا بعتقها لأن الولاء يثبت بالعتق مباشرة فلا ينجر عن العتق لقوله عليه السلام: (( الولاء لمن أعتق )) وإن أعتقها المولى فأتت بولد لدون ستة أشهر فقد مسه الرق وعتق بالمباشرة, فلا ينجر ولاؤه وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر مع بقاء الزوجية لم يحكم بمس الرق له, وانجر ولاؤه لأنه يحتمل أن يكون حادثا بعد العتق فلم يمسه الرق ولم يحكم برقه بالشك وإن كانت المرأة بائنا, وأتت بولد لأربع سنين من حين الفرقة لم يلحق بالأب وكان ولاؤه لمولى أمه, وإن أتت به لأقل من ذلك لحقه الولد وانجر ولاؤه, وولد الأمة مملوك سواء كان من نكاح أو من سفاح عربيا كان الزوج أو أعجميا وهذا قول عامة الفقهاء وعن عمر: إن كان زوجها عربيا فولده حر, وعليه قيمته ولا ولاء عليه وعن أحمد مثله وبه قال ابن المسيب والثوري, والأوزاعي وأبو ثور وقاله الشافعي في القديم ثم رجع عنه والأول أولى لأن أمهم أمة, فكانوا عبيدا كما لو كان أبوهم أعجميا. 
 الثالث: أن يعتق العبد سيده, فإن مات على الرق لم ينجر الولاء بحال وهذا لا خلاف فيه فإن اختلف سيد العبد ومولى الأم في الأب بعد موته فقال سيده: مات حرا بعد جر الولاء وأنكر ذلك مولى الأم, فالقول قول مولى الأم ذكره أبو بكر لأن الأصل بقاء الرق وهذا مذهب الشافعي. 
 فصل: 

فإن لم يعتق الأب ولكن عتق الجد فقال أحمد: لا يجر الولاء, ليس هو كالأب وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وعن أحمد أنه يجره وبه قال شريح والشعبي, والنخعي وأهل المدينة وابن أبي ليلى, والحسن بن صالح وابن المبارك وأبو ثور, وضرار بن صرد والشافعي في أحد قوليه فإن أعتق الأب بعد ذلك جره عن موالى الجد إليه لأن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب وأحكام النسب فكذلك في جر الولاء وقال زفر: إن كان الأب حيا, لم يجر الجد الولاء وإن كان ميتا جره وهو القول الثاني للشافعي ولنا, أن الأصل بقاء الولاء لمستحقه وإنما خولف هذا الأصل للاتفاق على أنه ينجر بعتق الأب والجد لا يساويه, بدليل أنه لو عتق الأب بعد الجد جره عن موالى الجد إليه ولو أسلم الجد, لم يتبعه ولد ولده ولأن الجد يدلى بغيره ولا يستقر الولاء عليه, فلم يجر الولاء كالأخ وكونه يقوم مقام الأب لا يلزم أن ينجر الولاء إليه, كالأخ وعلى القول الآخر لا فرق بين الجد القريب والبعيد لأن البعيد يقوم مقام الأب كقيام القريب ويقتضي هذا أنه متى عتق البعيد فجر الولاء, ثم عتق من هو أقرب منه جر الولاء إليه ثم إن عتق الأب جر الولاء لأن كل واحد يحجب من فوقه ويسقط تعصيبه وإرثه وولايته, ولو لم يعتق الجد لكن كان حرا وولده مملوك فتزوج مولاة قوم, فأولدها أولادا فولاؤهم لمولى أمهم وعند من يقول يجر الجد الولاء يكون لمولى الجد وإن لم يكن الجد مولى بل كان حر الأصل, فلا ولاء على ولد أبيه فإن أعتق أبوه بعد ذلك لم يعد على ولده ولاء لأن الحرية ثبتت له من غير ولاء, فلم يتجدد عليه ولاء كالحر الأصلى.

 فصل: 

وإذا كان أحد الزوجين الحرين حر الأصل فلا ولاء على ولدهما, سواء كان الآخر عربيا أو مولى لأن الأم إن كانت حرة الأصل فالولد يتبعها فيما إذا كان الأب رقيقا في انتفاء الرق والولاء فلأن يتبعها في نفي الولاء, وحده أولى وإن كان الأب حر الأصل فالولد يتبعه فيما إذا كان عليه ولاء بحيث يصير الولاء عليه لمولى أبيه فلأن يتبعه في سقوط الولاء عنه أولى وهذا قول أكثر أهل العلم وسواء كان الأب عربيا أو أعجميا, وقال أبو حنيفة إن كان أعجميا والأم مولاة ثبت الولاء على ولده وليس بصحيح لأنه حر الأصل فلم يثبت الولاء على ولده كما لو كان عربيا وسواء كان مسلما أو ذميا, أو حربيا أو مجهول النسب أو معلومه وهذا قول أبي يوسف ومالك وابن شريح وقال القاضي: إن كان مجهول النسب, ثبت الولاء على ولده لمولى الأم إن كانت مولاة قال ابن اللبان: وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال الخبرى: هذا قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد لأن مقتضى ثبوته لمولى الأم موجود, وإنما امتنع في محل الوفاق بحرية الأب فإذا لم تكن معلومة فقد وقع الشك في المانع فيبقى على الأصل ولا يزول عن اليقين بالشك, ولا يترك العمل بالمقتضى مع الشك في المانع ولنا أن الأب حر محكوم بحريته فأشبه معروف النسب, ولأن الأصل في الآدميين الحرية وعدم الولاء فلا يترك هذا الأصل بالوهم في حق الولد كما لم يترك في حق الأب وقولهم: مقتضى ثبوته لمولى الأم موجود ممنوع فإنه إنما ثبت لمولى الأم بشرط رق الأب, وهذا الشرط منتف حكما وظاهرا وإن سلمنا وجود المقتضى فقد ثبت المانع حكما فإن الأب حريته ثابتة حكما, فلا تعويل على ما قالوه وإن كان الأب مولى والأم مجهولة النسب فلا ولاء عليه في قولنا وقياس قول القاضي والشافعي أن يثبت الولاء عليه لمولى ابنه لأنا شككنا في المانع من ثبوته ولنا, ما ذكرنا في التي قبلها ولأن الأم لا تخلو من أن تكون حرة الأصل فلا ولاء على ولدها أو أمة فيكون ولدها عبدا, أو مولاة فيكون على ولدها الولاء لمولى أبيه والاحتمال الأول راجح لوجهين أحدهما أنه محكوم به في الأم فيجب الحكم به في ولدها الثاني, أنه معتضد بالأصل فإن الأصل الحرية ثم لو لم يترجح هذا الاحتمال, لكان الاحتمال الذي صاروا إليه معارضا باحتمالين كل واحد منهما مساو له فترجيحه عليهما تحكم لا يجوز المصير إليه بغير دليل, وهذا وارد عليهم في المسألة الأولى أيضا.

 فصل: 

إذا تزوج معتق بمعتقة فأولدها ولدين فولاؤهما لمولى أبيهما فإن نفاهما باللعان عاد ولاؤهما إلى مولى أمهما فإن مات أحدهما, فميراثه لأمه ومواليهما فإن أكذب أبوهما نفسه لحقه نسبهما واسترجع الميراث من موالى الأم ولو كان أبوهما عبدا, ولم ينفهما وورث موالى الأم الميت منهما ثم أعتق الأب انجر الولاء إلى موالى الأب, ولم يكن لهم ولا للأب استرجاع الميراث لأن الولاء إنما ثبت لهم عند إعتاق الأب ويفارق الأب إذا أكذب نفسه لأن النسب ثبت من حين خلق الولد.

 فصل: 

وإذا تزوج عبد معتقة فاستولدها أولادا, فهم أحرار وولاؤهم لموالى أمهم فإن اشترى أحدهم أباه عتق عليه, وله ولاؤه ويجر إليه ولاء أولاده كلهم ويبقى ولاء المشترى لمولى أمه لأنه لا يكون مولى نفسه وهذا قول جمهور الفقهاء مالك في أهل المدينة, وأبو حنيفة في أهل العراق والشافعي وشذ عمرو بن دينار المدني فقال: يجر ولاء نفسه, فيصير حرا لا ولاء عليه قال ابن سريج: ويحتمله قول الشافعي ولا يعول على هذا القول لشذوذه ولأنه يؤدى إلى أن يكون الولاء ثابتا على أبويه دونه مع كونه مولودا لهما في حال رقهما, أو في حال ثبوت الولاء عليهما وليس لنا مثل هذا في الأصول ولا يمكن أن يكون مولى نفسه, يعقل عنها ويرثها ويزوجها, لكن لو اشترى هذا الولد عبدا فأعتقه ثم اشترى العبد أبا معتقه فأعتقه فإنه ينجر إليه ولاء سيده, فيكون لهذا الولد على معتقه الولاء بإعتاقه أباه وللعتيق ولاء معتقه بولائه على أبيه وجره ولاءه بإعتاقه أباه ولا يمتنع مثل هذا كما لو أعتق الحربي عبدا فأسلم, ثم أسر سيده وأعتقه صار كل واحد منهما مولى الآخر من فوق ومن أسفل ويرث كل واحد منهما الآخر بالولاء, وكما جاز أن يشتركا في النسب فيرث كل واحد منهما صاحبه به كذلك الولاء وإن تزوج ولد المعتقة معتقة, فأولدها ولدا فاشترى جده عتق عليه, وله ولاؤه ويجر إليه ولاء أبيه وسائر أولاد جده وهم عمومته وعماته, وولاء جميع معتقيهم ويبقى ولاء المشترى لمولى أم أبيه وعلى قول عمرو بن دينار يبقى حرا, لا ولاء عليه.

 فصل: 

إذا تزوج عبد بمعتقة فأولدها ولدا فتزوج الولد بمعتقة رجل, فأولدها ولدا فولاء هذا الولد الآخر لمولى أم أبيه في أحد الوجهين لأن له الولاء على أبيه, فكان الولاء له عليه كما لو كان مولى جده ولأن الولاء الثابت على الأب يمنع ثبوت الولاء لمولى الأم والوجه الثاني, ولاؤه لمولى أمه لأن الولاء الثابت على ابنه من جهة أمه ومثل ذلك ثابت في حق نفسه وما ثبت في حقه أولى مما ثبت في حق أبيه, ألا ترى أنه لو كان له مولى ولأبيه مولى كان مولاه أحق به من مولى أبيه فإن كان له مولى أم ومولى أم أب, ومولى أم جد وجده مملوك فعلى الوجه الأول يكون لمولى أم الجد, وعلى الثاني يكون لمولى الأم.

 فصل: 

وإن تزوج معتق بمعتقة فأولدها بنتا وتزوج عبد بمعتقة, فأولدها ابنا فتزوج هذا الابن بنت المعتقين فأولدها ولدا, فولاء هذا الولد لمولى أم أبيه لأن له الولاء على أبيه وإن تزوجت بنت المعتقين بمملوك فولاء ولدها لمولى أبيها لأن ولاءها له فإن كان أبوها ابن مملوك ومعتقة, فالولاء لمولى أم أبي الأم على الوجه الأول لأن مولى أم أبي الأم يثبت له الولاء على أبي الأم فكان مقدما على المعتقين أمها, ويثبت له الولاء عليها.

 فصل: 

في دور الولاء إذا تزوج عبد معتقة فأولدها بنتين, فاشترتا أباهما عتق عليهما ولهما عليه الولاء, وتجر كل واحدة منهما نصف ولاء أختها إليها لأنها أعتقت نصف الأب ولا ينجر الولاء الذي عليها ويبقى نصف ولاء كل واحدة منهما لمولى أمها فإن مات الأب, فماله لهما ثلثاه بالبنوة وباقيه بالولاء فإن ماتت إحداهما بعد ذلك فلأختها النصف بالنسب ونصف الباقي بأنها مولاة نصفها, فصار لها ثلاثة أرباع مالها والربع الباقي لمولى أمها فإن كانت إحداهما ماتت قبل أبيها فمالها لأبيها ثم إذا مات الأب فللباقية نصف ميراث أبيها لكونها بنته, ونصف الباقي وهو الربع لكونها مولاة نصفه يبقى الربع لموالى البنت التي ماتت قبله فنصفه لهذه البنت لأنها مولاة نصف أختها, صار لها سبعة أثمان ميراثه ولمولى أم الميتة الثمن فإن ماتت البنت الباقية بعدهما, فمالها لمواليها نصفه لمولى أمها ونصفه لمولى أختها الميتة, وهم أختها وموالى أمها فنصفه لمولى أمها وهو الربع, والربع الباقي يرجع إلى هذه الميتة فهذا الجزء دائر لأنه خرج من هذه الميتة ثم دار إليها, فقال القاضي: يجعل في بيت المال لأنه لا مستحق له نعلمه وهذا قول محمد بن الحسن وقياس قول مالك والشافعي وقال بعض الشافعية وبعض المدنيين: هو لمولى أم الميتة وهذا قول الجمهور وهاتان المسألتان أصل في دور الولاء, وفيها أقوال شاذة سوى ما ذكرناه وهذا أصح ما قيل فيها إن شاء الله, فإن ماتت الابنتان قبل الأب ورث مالهما بالنسب فإن مات بعدهما فماله يقسم على ثمانية أسهم, لكل واحدة من ابنتيه أربعة أسهم سهمان لمولى أمها وسهمان لمولى أختها يقسمان أيضا لمولى أمها سهم, وسهم دائر يرجع إلى بيت المال فيحصل لبيت المال الربع ولمولى أمها ثلاثة أرباع فإن كن ثلاثا ماتت إحداهن قبل الأب, والأخرى بعده فمال الأب على سبعة وعشرين لابنتيه ثلثاها بالنسب, وثلثا الباقي بولائهما عليه وثلث الباقي بولائهما على أختهما ويبقى لمولى الأم سهم, ومال الثانية على ثمانية عشر للحية تسعة بالنسب وثلاثة بولائها عليها, ولمولى أمها ثلاثة ويبقى ثلاثة لموالى الميتة الأولى للحية سهم ولمولى أمها سهم, ويبقى سهم دائر فمن جعله لبيت المال دفعه إليه, ومن جعله لمولى الأم فهو له ومن لم يدفعه, قسمه بين الحية ومولى الأم نصفين وترجع بالاختصار إلى أربعة فإن كانت أمهاتهن شتى فمن اثني عشر فإن اشترى الابنتان أباهما, ثم اشترى أبوهما هو والكبرى جدهما ثم مات الأب فماله بينهم أثلاثا, ثم إذا مات الجد وخلف ابنتى ابنه فلهما الثلثان وللكبرى نصف الباقي, لكونها مولاة نصفه يبقى السدس لموالى الأب لأنه مولى نصف الجد وهم ابنتاه, فيحصل للكبرى ثلث المال وربعه وللصغرى ربعه وسدسه فإن كانت بحالها, فاشترت الكبرى وأبوها أخاهما لأبيهما فالجواب فيها كالتى قبلها.

 باب ميراث الولاء 

يعني - والله أعلم - الميراث بالولاء وأضاف الميراث إليه لأنه سببه فإن الشيء يضاف إلى سببه, كما يقال: دية الخطأ ودية العمد وإنما قلنا ذلك لأن الولاء لا يورث وإنما يورث به وهذا قول الجمهور روى نحو ذلك عن عمر, وعثمان وعلى وزيد, وابن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد, وأبي مسعود البدرى وأبي بن كعب وبه قال عطاء وطاوس وسالم, الزهري والحسن وابن سيرين, وقتادة والشعبي وإبراهيم, ومالك والشافعي وأهل العراق وداود وجعل شريح الولاء موروثا كالمال ولنا قول النبي -ﷺ-: (( إنما الولاء لمن أعتق )) وقوله: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) والنسب يورث به ولا يورث, فكذلك الولاء ولأن الولاء إنما يحصل بإنعام السيد على عبده بالعتق وهذا المعنى لا ينتقل عن المعتق فكذلك الولاء.

 مسألة: 

قال: [ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن, أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن] وقد روى عن أبي عبد الله -رحمه الله- في بنت المعتق خاصة أنها ترث لما روى عن النبي -ﷺ- (( أنه ورث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة )) قوله: " ولا يرث النساء من الولاء " لما قدمنا من أن الولاء لا يورث ولهذا قال: " إلا ما أعتقن " ومعتقهن ولاؤه لهن, فكيف يرثنه والظاهر من المذهب أن النساء لا يرثن بالولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن, وجر الولاء إليهن من أعتقن والكتابة كذلك فإنها إعتاق قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد والرواية التي ذكرها الخرقي في ابنة المعتق ما وجدتها منصوصة عنه وقد قال في رواية ابن القاسم وقد سأله: هل كان المولى لحمزة أو لابنته؟ فقال: لابنته فقد نص على أن ابنة حمزة ورثت بولاء نفسها لأنها هي المعتقة وهذا قول الجمهور, وهو قول من سمينا في أول الباب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم غير شريح والصحيح الأول لإجماع الصحابة ومن بعدهم عليه ولأن الولاء لحمة كلحمة النسب والمولى كالنسيب من الأخ والعم ونحوهما, فولده من العتيق بمنزلة ولد أخيه وعمه ولا يرث منهم إلا الذكور خاصة فأما رواية الخرقي في بنت المعتق فوجهها ما روى إبراهيم النخعي, أن مولى لحمزة مات وخلف بنتا فورث النبي -ﷺ- بنته النصف, وجعل لبنت حمزة النصف والصحيح أن المولى كان لبنت حمزة قال عبد الله بن شداد: (( كان لبنت حمزة مولى أعتقته فمات وترك ابنته ومولاته بنت حمزة, فرفع ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فأعطى ابنته النصف وأعطى مولاته بنت حمزة النصف )) قال عبد الله بن شداد: أنا أعلم بها لأنها أختى من أمى أمنا سلمى رواه ابن اللبان بإسناده وقال: هذا أصح مما روى إبراهيم ولأن البنت من النساء, فلا ترث بالولاء كسائر النساء فأما توريث المرأة من معتقها ومعتق معتقها ومن جر ولاء معتقها, فليس فيه اختلاف بين أهل العلم وقد نص النبي -ﷺ- على ذلك فإن عائشة (( أرادت شراء بريرة لتعتقها ويكون ولاؤها لها, فأراد أهلها اشتراط ولائها فقال النبي -ﷺ-: اشتريها واشترطى لهم الولاء, فإنما الولاء لمن أعتق )) متفق عليه وقال عليه السلام: (( تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه )) قال الترمذي: هذا حديث حسن ولأن المعتقة منعمة بالإعتاق, كالرجل فوجب أن تساويه في الميراث وفي حديث مولى بنت حمزة الذي ذكرناه, تنصيص على توريث المعتقة وأما معتق أبيها فهو بمنزلة عمها أو عم أبيها فلا ترثه, ويرثه أخوها كالنسب ومن مسائل ذلك: رجل مات وخلف ابن معتقه وبنت معتقه, فالميراث لابن معتقه خاصة وعلى الرواية الأخرى يكون الميراث بينهما أثلاثا فإن لم يخلف إلا بنت معتقه فلا شيء لها, وماله لبيت المال إلا على الرواية الأخرى فإن الميراث لها وإن خلف أخت معتقه, فلا شيء لها رواية واحدة وكذلك إن خلف أم معتقه أو جدة معتقه أو غيرهما وإن خلف أخا معتقه وأخت معتقه فالميراث للأخ ولو خلف بنت معتقه وابن عم معتقه أو معتق معتقه, أو ابن معتق معتقه فالمال له دون البنت إلا على الرواية الأخرى, فإن لها النصف والباقي للعصبة وإن خلف بنته ومعتقه فلبنته النصف والباقي لمعتقه, كما في قصة مولى بنت حمزة فإنه مات وخلف بنته وبنت حمزة التي أعتقته فأعطى النبي -ﷺ- بنته النصف والباقي لمولاته وإن خلف ذا فرض سوى البنت, كالأم أو الجدة أو الأخت أو الأخ من الأم, أو الزوج أو الزوجة أو من لا يستغرق فرضه المال أومولاه أو مولاته, فإن لذى الفرض فرضه والباقي لمولاه أو مولاته في قول جمهور العلماء وقد سبق ذكر ذلك رجل وابنته أعتقا عبدا, ثم مات الأب وخلف ابنه وبنته فماله بينهما أثلاثا, ثم مات العبد فللبنت النصف لأنها مولاة نصفه والباقي لابن المعتق خاصة, إلا على الرواية الضعيفة فإن الباقي يكون بينهما على ثلاثة فيكون للبنت الثلثان, ولأخيها الثلث وإن ماتت البنت قبل العبد وخلفت ابنا ثم مات العبد فلابنها النصف, والباقي لأخيها ولو لم تخلف البنت إلا بنتا كان الولاء كله لأخيها دون بنتها إلا على الرواية الأخرى, فإن لبنتها النصف والباقي لأخيها وإن مات الابن قبل العبد وخلف بنتا, ثم مات العبد وخلف معتقة نصفه وبنت أخيها فللمعتقة نصف ماله, وباقيه لبيت المال وعلى الرواية الأخرى لها النصف بإعتاقها ونصف الباقي لأنها بنت معتق النصف, والباقي لعصبة أبيها ولو كانت البنت ماتت أيضا قبل العبد وخلفت ابنها ثم مات العبد, فلابنها النصف ولا شيء لبنت أخيها امرأة أعتقت أباها ثم أعتق أبوها عبدا, ثم مات الأب ثم العبد فمالهما لها فإن كان أبوها خلف بنتا أخرى معها, فلهما ثلثا مال الأب بالنسب والباقي للمعتقة بالولاء ومال العبد جميعه للمعتقة دون أختها ويتخرج على الرواية الأخرى, أن يكون لهما ثلثا مال العبد أيضا وباقيه للمعتقة ولو كان الأب خلف مع المعتقة ابنا فمال الأب بينهما أثلاثا بالبنوة, ومال العبد كله للابن دون أخته المعتقة لأنه يرث بالنسب والنسب مقدم على الولاء ولو خلف الأب أخا أو عما, أو ابن عم مع البنت فللبنت نصف ميراث أبيها وباقيه لعصبته, ومال العبد لعصبته ولا شيء لبنته فيه لأن العصبة من النسب مقدم على المعتق في الميراث إلا على رواية الخرقي, فإن للبنت نصف ميراث العبد لكونها بنت المعتق وباقيه لعصبته امرأة وأخوها, أعتقا أباهما ثم أعتق أبوهما عبدا ثم مات الأب, فماله بينهما أثلاثا ثم إذا مات العبد فميراثه للابن دون أخته لأنه ابن المعتق يرثه بالنسب وهي مولاة المعتق, وابن المعتق مقدم على مولاه فإن مات أخوها قبل أبيه وخلف بنتا, فماله بين ابنته وأبيه نصفين ثم إذا مات الأب فقد خلف بنته وبنت ابنه وبنته مولاة نصفه, فلبنته النصف ولبنت ابنه السدس ويبقى الثلث لبنته نصفه وهو السدس لأنها مولاة نصفه, يبقى السدس لموالى الأخ إن كان ابن معتقه وهم أخته وموالى أمه فلأخته نصف السدس, والنصف الباقي لمولى أمه فحصل لأخيه النصف والربع والسدس وإن لم يكن ابن معتقه بل كانت أمه حرة الأصل, فلا ولاء عليه وتأخذ أخته الباقي كله بالرد إن لم يخلف الأب عصبة فإن خلف الأب عصبة من نسبه, كأخ أو عم أو ابن عم أو عم أب فلبنته النصف ولبنت ابنه السدس, والباقي لعصبته ولو اشترى رجل وأخته أخاهما ثم اشترى أخوهما عبدا فأعتقه ثم مات أخوهما, فماله بينهما أثلاثا ثم إذا مات عتيقه فميراثه لأخيه دون أخته ولو مات الأخ المعتق قبل موت العبد وخلف ابنة ثم مات العبد, فميراثه لابن أخيها دونها لأنه ابن أخي المعتق وإن لم يخلف الأخ إلا بنته فنصف مال العبد للأخت لأنها معتقة نصف معتقه ولا شيء لبنت الأخ, رواية واحدة والباقي لبيت المال.

 فصل: 

إذا خلف الميت بنت مولاه ومولى أبيه فماله لبيت المال لأنه إذا ثبت عليه الولاء من جهة مباشرته بالعتق, لم يثبت عليه بإعتاق أبيه وإذا لم يكن لمولاه إلا بنت لم ترث لأنها ليست عصبة وإنما يرث عصبات المولى, فإذا لم يكن له عصبة لم يرجع إلى معتق أبيه وكذلك إن كان له معتق أب أو معتق جد ولم يكن هو معتقا, فميراثه لمعتق أبيه إن كان ابن معتقه ثم لعصبة معتق أبيه ثم لمعتق معتق أبيه فإن لم يكن له أحد منهم, فلبيت المال ولا يرجع إلى معتق جده وإن كانت أمه حرة الأصل, فلا ولاء عليه وليس لمعتق أبيه شيء.

 فصل: 

امرأة حرة لا ولاء عليها وأبواها رقيقان, أعتق إنسان أباها ويتصور هذا في موضعين أحدهما أن يكون جميعهم كفارا, فتسلم هي ويسبى أبواها فيسترقان الثاني أن يكون أبوها عبدا تزوج أمة على أنها حرة فولدتها, ثم ماتت وخلفت معتق أبيها لم يرثها لأنه إنما يرث بالولاء وهذه لا ولاء عليها وهكذا الحكم فيما إذا تزوج عبد حرة الأصل, فأولدها ولدا ثم أعتق العبد ومات, ثم مات الولد فلا ميراث لمعتق أبيه لأنه لا ولاء عليه ولو كان ابنتان على هذه الصفة, اشترت إحداهما أباها فعتق عليها فلها ولاؤه, وليس لها ولاء على أختها فإذا مات أبوهما فلهما الثلثان بالنسب, ولها الباقي بالولاء فإذا ماتت أختها فلها نصف ميراثها بالنسب, وباقيه لعصبتها فإن لم يكن لها عصبة فالباقي لأختها بالرد, ولا ميراث لها منها بالولاء لأنها لا ولاء عليها.

 فصل: 

ولا يرث من أقارب المعتق ذو فرض منفرد كالأخ من الأم والزوج لأن الولاء للعصبات وليس هؤلاء عصبات, فحكمهم حكم النساء وقد روى عن أحمد أنه قال: لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن إلا أن الملاعنة ترث من أعتق ابنها وهذا يخرج على الرواية التي تقول: إن الملاعنة عصبة ابنها, وهي أحق بالميراث من عصبتها فترث لكونها عصبة قائمة مقام أبيه فأما على الرواية الأخرى فإن الولاء يكون لعصبتها. مسألة: قال: [والولاء لأقرب عصبة المعتق] وجملة ذلك أن المولى العتيق إذا لم يخلف من نسبه من يرث ماله, كان ماله لمولاه على ما أسلفناه فإن كان مولاه ميتا فهو لأقرب عصبته سواء كان ولدا أو أبا, أو أخا أو عما أو ابن عم أو عم أب وسواء كان المعتق ذكرا أو أنثى فإن لم يكن له عصبة من نسبه, كان الميراث لمولاه ثم لعصباته الأقرب فالأقرب ثم لمولاه وكذلك أبدا روى هذا عن عمر رضي الله عنه وبه قال الشعبي, والزهري وقتادة ومالك, والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وقد روى عن على رضي الله عنه ما يدل على أن مذهبه في امرأة ماتت وخلفت ابنها وأخاها, أو ابن أخيها أن ميراث مواليها لأخيها وابن أخيها دون ابنها وروى عنه الرجوع إلى مثل قول الجماعة, فروى عن إبراهيم أنه قال: اختصم على والزبير في موالى صفية بنت عبد المطلب فقال على: أنا أحق بهم أنا أرثهم وأعقل عنهم وقال الزبير: هم موالى أمي, وأنا أرثهم فقضى عمر للزبير بالميراث والعقل على على رواه سعيد قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا عبيدة الضبي, عن إبراهيم وقال: ثنا هشيم ثنا الشيباني عن الشعبي قال: قضى بولاء موالى صفية للزبير دون العباس وقضى عمر في موالى أم هانئ بنت أبي طالب لأبيها جعدة بن هبيرة دون على وروى الإمام أحمد بإسناده عن زياد بن أبي مريم ((أن امرأة أعتقت عبدا لها ثم توفيت, وتركت ابنا لها وأخاها ثم توفي مولاها من بعدها فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله -ﷺ- في ميراثه فقال عليه السلام: ميراثه لابن المرأة فقال أخوها: يا رسول الله, لو جر جريرة كانت على ويكون ميراثه لهذا قال: نعم )) وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله -ﷺ- قال: (( المولى أخ في الدين, ومولى النعمة يرثه أولى الناس بالمعتق )) إذا ثبت هذا فإن المعتقة إذا ماتت وخلفت ابنها وأخاها أو ابن أخيها ثم مات مولاها فميراثه لابنها, وإن مات ابنها بعدها وقبل مولاها وتركت عصبة كأعمامه وبني أعمامه, ثم مات العبد وترك أخا مولاته وعصبة ابنها فميراثه لأخى مولاته لأنه أقرب عصبة المعتق, فإن المرأة لو كانت هي الميتة لورثها أخوها وعصبتها فإن انقرض عصبتها كان بيت المال أحق به من عصبة أبيها, ويروى نحو هذا عن على وبه قال أبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب وعطاء, وطاوس والزهري ومالك, والشافعي وأهل العراق وروى عن على رواية أخرى أنه لعصبة الابن وروى نحو ذلك عن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وبه قال شريح وهذا يرجع إلى أن الولاء لا يورث كما يورث المال وقد روى عن أحمد نحو هذا واحتجوا بأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده, أن رئاب بن حذيفة تزوج امرأة فولدت له ثلاثة غلمة, فماتت أمهم فورثوا عنها ولاء مواليها وكان عمرو بن العاص عصبة بنيها, فأخرجهم إلى الشام فماتوا فقدم عمرو بن العاص, ومات مولاها وترك مالا فخاصمه إخوتها إلى عمر, فقال: قال رسول الله -ﷺ-: (( ما أحرز الوالد والولد فهو لعصبته من كان )) قال: وكتب له كتابا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت ورجل آخر قال فنحن فيه إلى الساعة رواه أبو داود, وابن ماجه في " سننهما " والصحيح الأول فإن الولاء لا يورث على ما ذكرنا من قبل وإنما يورث به وهو باق للمعتق يرث به أقرب عصباته, ومن لم يكن من عصباته لم يرث شيئا وعصبات الابن غير عصبات أمه فلا يرث الأجانب منها بولائها دون عصباتها وحديث عمرو بن شعيب غلط, قال حميد: الناس يغلطون عمرو بن شعيب في هذا الحديث فعلى هذا لا يرث المولى العتيق من أقارب معتقه إلا عصباته الأقرب منهم فالأقرب على ما ذكرنا في ترتيب العصبات ولا يرث ذو فرض بفرضه ولا ذو رحم فإن اجتمع لرجل منهم فرض وتعصيب كالأب والجد والزوج والأخ من الأم إذا كانا ابني عم, ورث بما فيه من التعصيب ولم يرث بفرضه شيئا وإن كان عصبات في درجة واحدة كالبنين وبنيهم, والإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم اقتسموا الميراث بينهم بالسوية وهذا كله لا خلاف فيه سوى ما ذكرنا من الأقوال الشاذة والله أعلم.

 مسألة: 

قال: [وإذا مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن معتقه, فلأبي معتقه السدس وما بقي فللابن] نص أحمد على هذا في رواية جماعة من أصحابه وكذلك قال في جد المعتق وابنه وقال: ليس الجد والأخ والابن من الكبر في شيء يجزيهم على الميراث وهذا قول شريح, والنخعي والأوزاعي والعنبري, وإسحاق وأبي يوسف ويروى عن زيد أن المال للابن وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء, والشعبي والحسن والحكم, وقتادة وحماد والزهري, ومالك والثوري وأبو حنيفة, ومحمد والشافعي وأكثر الفقهاء لأن الابن أقرب العصبة والأب والجد يرثان معه بالفرض, ولا يرث بالولاء ذو فرض بحال ولنا أنه عصبة وارث فاستحق من الولاء كالأخوين, ولا نسلم أن الابن أقرب من الأب بل هما في القرب سواء وكلاهما عصبة لا يسقط أحدهما صاحبه وإنما هما يتفاضلان في الميراث فكذلك في الإرث بالولاء, ولذلك يقدم الأب على الابن في الولاية والصلاة على الميت وغيرهما وحكم الأب مع ابن الابن وإن سفل حكم الجد وإن علا مع الابن وابنه سواء.

 مسألة: 

قال: [وإن خلف أخا معتقه وجد معتقه فالولاء بينهما نصفين] وبهذا قال عطاء, والليث ويحيى الأنصاري ومال إليه الأوزاعي وهو قول الشافعي وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد والذين نزلوا الجد أبا جعلوا الجد أولى, وورثوه وحده وروى عن زيد أن المال للأخ وهو قول مالك وقول للشافعي لأن الأخ ابن الأب والجد أبوه, والابن أحق من الأب ولنا أنهما عصبتان يرثان المال نصفين فكان الولاء بينهما نصفين, كالأخوين وإن ترك جد مولاه وابني أخي مولاه فالمال لجده في قولهم جميعا إلا مالكا جعل الميراث لابن الأخ وإن سفل وقاله الشافعي أيضا لأن ابن الابن وإن سفل يقدم على الأب وليس هذا بصواب فإن ابن الأخ محجوب عن الميراث بالجد, فكيف يقدم عليه ولأن الجد أولى بالمعتق من ابن الأخ فيرث مولاه لقول النبي -ﷺ-: (( المولى أخ في الدين وولى نعمة يرثه أحق الناس بالمعتق )) والدليل على أن الجد أولى أنه يرث ابن ابنه دون ابن الأخ, فيكون أولى لقول النبي -ﷺ-: (( ألحقوا الفرائض بأهلها وما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر )) وفي لفظ: (( فلأولى عصبة ذكر )) ولأن الجد أب فيقدم على ابن الأخ, كالأب الحقيقى ولأنه يقدم في ميراث المال فقدم في الميراث بالولاء كسائر العصبات.

 فصل: 

فإن اجتمع إخوة وجد, فميراث المولى بينهم كمال سيده وإن اجتمع إخوة من أبوين وإخوة من أب عاد الإخوة من الأبوين الجد بالإخوة من الأب, ثم ما حصل لهم أخذه ولد الأبوين وقال ابن شريح: يحتمل أنه بينهم على عددهم ولا يعاد ولد الأبوين الجد بولد الأب ولنا أنه ميراث بين الجد والإخوة, فأشبه الميراث بالنسب فإن كان مع الإخوة أخوات لم يعتد بهن لأنهن لا يرثن منفردات, فلا يعتد بهن كالإخوة من الأم وإن انفرد الإخوة من الأب مع الجد, فحكمهم حكم الإخوة من الأبوين.

 فصل: 

وإن ترك جد مولاه وعم مولاه فهو للجد وكذلك إن ترك جد أبي مولاه وعم مولاه أو جد جد مولاه وعم مولاه, فهو للجد وبه يقول الثوري والأوزاعي وأهل العراق وقال الشافعي: هو للعم وبنيه وإن سفلوا, دون جد الأب وهو قياس قول مالك قال الشافعي: ومن جعل الجد والأخ سواء فجد الأب والعم سواء وهو أولى من ابن العم ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( يرثه أولى الناس بالمعتق )) والجد أولى بالمعتق بدليل أنه أولى الناس بماله وولايته ويقدم في تزويجه والصلاة عليه وغير ذلك والعجب أن الشافعي رحمة الله عليه, نزل الجد أبا في ولاية المال وولاية الإجبار على النكاح ووافق غيره في وجوب الإنفاق عليه وله وعتقه على ابن ابنه وعتق ابن ابنه عليه, وانتفاء القصاص عنه بقتل ابن ابنه والحد بقذفه وغير ذلك من أحكام الأب, ثم جعل أبعد العصبات أولى منه بالولاء.

 مسألة: 

قال: [وإذا هلك رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى, فالولاء لابن معتقه لأن الولاء للكبر ولو هلك الابنان بعده وقبل المولى وخلف أحدهما ابنا والآخر تسعة, كان الولاء بينهم على عددهم لكل واحد منهم عشره] هذا قول أكثر أهل العلم قال الإمام أحمد: روى هذا عن عمر وعثمان, وعلى وزيد وابن مسعود وروى سعيد ثنا هشيم, ثنا أشعث بن سوار عن الشعبي أن عمر, وعليا وابن مسعود وزيدا, كانوا يجعلون الولاء للكبر وروى ذلك عن ابن عمر وأبي بن كعب وأبي مسعود البدري, وأسامة بن زيد وبه قال عطاء وطاوس وسالم بن عبد الله, والحسن وابن سيرين والشعبي, والنخعي والزهري وقتادة, وابن قسيط ومالك والثوري, والشافعي وإسحاق وأبو ثور, وأصحاب الرأي وداود كلهم قالوا: الولاء للكبر وتفسيره أنه يرث المولى المعتق من عصبات سيده أقربهم إليه وأولاهم بميراثه يوم موت العبد قال ابن سيرين: إذا مات المعتق نظر إلى أقرب الناس إلى الذي أعتقه, فيجعل ميراثه له وإذا مات السيد قبل مولاه لم ينتقل الولاء إلى عصبته لأن الولاء كالنسب, لا ينتقل ولا يورث وإنما يورث به, فهو باق للمعتق أبدا لا يزول عنه بدليل قوله عليه السلام: (( إنما الولاء لمن أعتق )) وقوله: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) إنما يرث عصبة السيد مال مولاه بولاء معتقه, لا نفس الولاء ويتضح معنى هذا القول بمسألتى الخرقي اللتين ذكرناهما ها هنا وهما: إذا مات رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن ابن ثم مات المولى, ورثه ابن معتقه دون ابن ابن معتقه لأن ابن معتقه أقرب عصبة سيده ولو مات السيد وخلف ابنه وابن ابنه لكان ميراثه لابنه, دون ابن ابنه فكذلك إذا مات المولى والمسألة الأخرى إذا هلك الابنان بعده, وقبل مولاه وخلف أحدهما ابنا والآخر تسعة, ثم مات المولى كان ميراثه بينهم على عددهم لكل واحد منهم عشره لأن السيد لو مات كان ميراثه بينهم كذلك فكذلك ميراث, مولاه ولو كان الولاء موروثا لانعكس الحكم في المسألتين فكان الميراث في المسألة الأولى بين الابن وابن الابن لأن الابنين ورثا الولاء عن أبيهما, ثم ما صار للابن الذي مات انتقل إلى ابنه فصار ميراث المولى بينه وبين عمه نصفين وفي المسألة الثانية يصير لابن الابن المنفرد نصف الولاء بميراثه ذلك عن ابنه ولبني الابن الآخر النصف بينهم على عددهم وشذ شريح فقال: الولاء بمنزلة المال, يورث عن المعتق فمن ملك شيئا حياته فهو لورثته وقد حكى عن عمر, وعلى وابن عباس وابن المسيب, نحو هذا وروى عن حنبل ومحمد بن الحكم عن أحمد نحوه وغلطهما أبو بكر في روايتهما, فإن الجماعة رووا عن أحمد مثل قول الجمهور قال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله عن الولاء للكبر فقال: كذا روى عن عمر وعثمان, وعلى وزيد وابن مسعود, أنهم قالوا: الولاء للكبر إلى هذا القول أذهب وتفسير ذلك أن يعتق الرجل عبدا ثم يموت ويخلف ابنين, فيموت أحد الابنين ويخلف ابنا فولاء هذا العبد المعتق لابن المعتق وليس لابن الابن شيء مع الابن وحجة شريح حديث عمرو بن شعيب الذي ذكرناه والقياس على المال ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( المولى أخ في الدين وولى نعمة وأولى الناس به أقربهم من المعتق )) وقوله عليه السلام: (( الولاء لمن أعتق )) وقوله: (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) ولأنه من أسباب التوارث, فلم يورث كالقرابة والنكاح ولأنه إجماع من الصحابة ولم يظهر عنهم خلافه فلا يجوز مخالفته وحديث عمرو بن شعيب قد غلطه العلماء فيه, ولم يصح عن أحد من الصحابة خلاف هذا القول وحكاه الشعبي والأئمة عن عمر ومن ذكرنا قولهم ولا يصح اعتبار الولاء بالمال لأن الولاء لا يورث بدليل أنه لا يرث منه ذوو الفروض وإنما يورث به فينظر أقرب الناس إلى سيده من عصباته يوم موت العبد والمعتق, فيكون هو الوارث للمولى دون غيره كما أن السيد لو مات في تلك الحال ورثه وحده فإذا خلف ابن مولاه, وابن ابن مولاه فماله لابن مولاه وإن خلف ابن ابن مولاه وتسعة بني ابن آخر لمولاه, فماله بينهم على عددهم لكل واحد عشره لأنهم يرثون جدهم كذلك ولو خلف السيد ابنه وابن ابنه فمات ابنه بعده عن ابن, ثم مات عتيقه فميراثه بين ابني الابن نصفين وفي قول شريح هو لابن الابن الذي كان حيا عند موت ابنه وإن مات السيد عن أخ من أب ابن أخ من أبوين, فمات الأخ من الأب عن ابن ثم مات العتيق فماله لابن الأخ من الأبوين وفي قول شريح, هو لابن الأخ من الأب وإن لم يخلف عصبة من نسب مولاه فماله لمولى مولاه ثم لأقرب عصباته, ثم لمولى مولاه فإذا انقرض عصباته وموالى الموالى وعصباتهم فماله لبيت المال.

 مسألة: 

قال: [ومن أعتق عبدا, فولاؤه لابنه وعقله على عصبته] هذه المسألة محمولة على أن المعتق لم يخلف عصبة من نسبه ولا وارثا منهم, إذ لو خلف وارثا من نسبه أو عصبته كانوا أحق بميراثه وعقله من عصبات مولاه وولده فليس في ذلك إشكال وإذا لم يخلف إلا ابن مولاه وعصبة مولاه, فماله لابن مولاه لأنه أقرب عصبات المعتق وعقله إن جنى جناية على عصبة مولاه إن كان المعتق امرأة لما روى إبراهيم قال: اختصم على والزبير في مولى صفية فقال على: مولى عمتى وأنا أعقل عنه وقال الزبير: مولى أمى وأنا أرثه فقضى عمر للزبير بالميراث, وقضى على على بالعقل ذكر هذا الإمام أحمد ورواه سعيد في " السنن " وغيره وهي قضية مشهورة, وعن الشعبي قال: قضى بولاء صفية للزبير دون العباس وقضى بولاء أم هانئ لجعدة بن هبيرة دون على ولا يمتنع كون العقل على العصبة والميراث لغيرهم كما قضى النبي -ﷺ- بميراث التي قتلت هي وجنينها لبنيها, وعقلها على العصبة وقد روى زياد بن أبي مريم (( أن امرأة أعتقت عبدا لها ثم توفيت وتركت ابنا لها وأخاها ثم توفي مولاها من بعدها, فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله -ﷺ- في ميراثه فقال عليه السلام: ميراثه لابن المرأة فقال أخوها: لو جر جريرة كانت على ويكون ميراثه لهذا, قال: نعم )) وإنما حملنا مسألة الخرقي على ما إذا كان المعتق امرأة لأن الأخبار التي رويناها إنما وردت فيها ولأن المرأة لا تعقل وابنها ليس من عشيرتها, فلا تعقل عن معتقها وعقل عنها عصباتها من عشيرتها أما الرجل المعتق فإنه يعقل عن معتقه لأنه عصبة من أهل العقل ويعقل ابنه وأبوه لأنهما من عصباته وعشيرته, فلا يلحق ابنه في نفي العقل عنه بابن المرأة والله أعلم.

 فصل: 

فإن كان المولى حيا وهو رجل عاقل موسر فعليه من العقل وله الميراث لأنه عصبة معتقه, وإن كان صبيا أو امرأة أو معتوها فالعقل على عصباته والميراث له لأنه ليس من أهل العقل فأشبه ما لو جنوا جناية خطأ, كان العقل على عصباتهم ولو جنى عليهم كان الأرش لهم.

 فصل: 

ولا يرث المولى من أسفل معتقه في قول عامة أهل العلم وحكى عن شريح وطاوس, أنهما ورثاه لما روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار, عن عوسجة عن ابن عباس (( أن رجلا توفي على عهد رسول الله -ﷺ- وليس له وارث إلا غلام له هو أعتقه فأعطاه رسول الله -ﷺ- ميراثه )) قال الترمذي: هذا حديث حسن وروى عن عمر نحو هذا ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( إنما الولاء لمن أعتق )) ولأنه لم ينعم عليه فلم يرثه كالأجنبي, وإعطاء النبي -ﷺ- له قضية في عين يحتمل أن يكون وارثا بجهة غير الإعتاق وتكون فائدة الحديث أن إعتاقه له لم يمنعه ميراثه ويحتمل أنه أعطاه صلة وتفضلا إذا ثبت أنه لا يرثه فلا يعقل عنه وقال الشافعي في القديم: يعقل عنه لأنه سيده أنعم عليه, فجاز أن يغرم عنه ولنا أن العقل على العصبات وليس هذا منهم وما ذكره لا أصل له, وينعكس كسائر العاقلة فإنه لم ينعم عليه ويعقلون عنه وينتقض بما إذا قضى إنسان دين آخر, فقد غرم عنه ولا يعقل.

 فصل: 

فإن أسلم الرجل على يدي الرجل لم يرثه بذلك في قول عامة أهل العلم, منهم الحسن والشعبي ومالك, والشافعي وأصحاب الرأي وقد روى عن أحمد -رحمه الله- رواية أخرى أنه يرثه وهو قول إسحاق وحكى عن إبراهيم أن له ولاءه ويعقل عنه وعن ابن المسيب: إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم يرثه وعن عمر بن الخطاب, وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما أنه يرثه وإن لم يواله لما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( من أسلم على يديه رجل فهو مولاه, يرثه ويدى عنه )) رواه سعيد وقال أيضا: حدثنا عيسى بن يونس ثنا معاوية بن يحيى الصدفي عن القاسم الشامى عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( من أسلم على يديه رجل فله ولاؤه )) وروى بإسناده عن تميم الداري, أنه (( قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته )) رواه أبو داود والترمذي وقال: لا أظنه متصلا ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( إنما الولاء لمن أعتق )) ولأن أسباب التوارث غير موجودة فيه وحديث راشد مرسل وحديث أبي أمامة فيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف, وحديث تميم تكلم الترمذي فيه.

 فصل: 

وإن عاقد رجل رجلا فقال: عاقدتك على أن ترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك فلا حكم لهذا العقد ولا يتعلق به إرث ولا عقل وبه قال الشافعي وقال الحكم, وحماد وأبو حنيفة: هو عقد صحيح ولكل واحد منهما أن يرجع عنه ما لم يعقل واحد عن الآخر, فإذا عقل عنه لزم ويرثه إذا لم يخلف ذا رحم لقوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ولأن هذا كالوصية, ووصية الذي لا وارث له بجميع ماله جائزة ولنا قول النبي -ﷺ-: (( إنما الولاء لمن أعتق )) ولأن أسباب التوارث محصورة في رحم ونكاح وولاء وليس هذا منها, والآية منسوخة بآية الميراث ولذلك لا يرث مع ذى رحم شيئا قال الحسن: نسختها: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} وقال مجاهد: فآتوهم نصيبهم من العقل والنصرة والرفادة وليس هذا بوصية لأن الوصى لا يعقل فله الرجوع, وهذا عندهم بخلافه.

 فصل: 

واللقيط حر لا ولاء عليه في قول الجمهور وفقهاء الأمصار وروى عن عمر أن ولاءه لملتقطه وبه قال الليث, وإسحاق وعن إبراهيم: إن نوى أن يرث منه فذلك وقد روى عن النبي -ﷺ-: (( المرأة تحوز ثلاثة مواريث لقيطها وعتيقها وولدها الذي لاعنت عليه )) ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( إنما الولاء لمن أعتق )) ولأنه ليس بقرابة ولا عتيق ولا ذى نكاح فلا يرث كالأجنبي والحديث فيه كلام.