المغني - كتاب النكاح

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء الثاني الثلاثون – كتاب النكاح) • كتاب النكاح فصل: ثبوت النكاح بالكتاب والسنة والإجماع فصل: المذاهب في استحباب النكاح وتركه o مسألة: لا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين الفصل الأول: النكاح لا يصح إلا بولي ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها فصل: إن حكم بصحة هذا العقد حاكم لم يجز نقضه الفصل الثاني: النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين الفصل الثالث: لا ينعقد النكاح إلا بشهادة مسلمين عدلين فصل: هل ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين؟ فصل: لا ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين فصل: ولا ينعقد بشهادة صبيين فصل: يصح انعقاد النكاح بشهادة عبدين فصل: تزوج المرأة تزويجا فاسدا فصل: الواجب للمرأة مهر مثلها إذا نكحت نكاحا فاسدا فصل: لا يجب للمرأة بالخلوة شيء في قول أكثر أهل العلم فصل: لا حد في وطء النكاح الفاسد فصل: حكم بعض الأنكحة الباطلة فصل: ويساوي الفاسد الصحيح في اللعان إذا كان بينهما ولد يريد نفيه عنه o مسألة: أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها o مسألة: ثم أبوه وإن علا o مسألة: ثم ابنها وابنه وإن سفل o مسألة: ثم أخوها لأبيها وأمها o مسألة: والأخ للأب مثله o مسألة: ثم أولادهم وإن سفلوا, ثم العمومة ثم أولادهم وإن سفلوا ثم عمومة الأب فصل: ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب o مسألة: ثم المولى المنعم, ثم أقرب عصبته به o مسألة: ثم السلطان فصل: السلطان هو الإمام أو الحاكم فصل: إذا استولى أهل البغي على بلد جرى حكم سلطانهم وقاضيهم في ذلك مجرى الإمام وقاضيه فصل: إن لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان فمن يزوجها o مسألة: قيام الوكيل مقام الولي في التزويج فصل: يجوز التوكيل مطلقا ومقيدا فصل: ولا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل فصل: يثبت للوكيل ما يثبت للموكل فصل: هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟ فصل: الإجبار في الوصية بالنكاح o مسألة: إذا كان الأقرب من عصبتها طفلا أو كافرا أو عبدا, زوجها الأبعد من عصبتها فصل: ولا يشترط في الولي أن يكون بصيرا فصل: ومن لم تثبت له الولاية, لا يصح توكيله o مسألة: ويزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها o مسألة: ويزوج مولاة المرأة من يزوج أمتها يعني عتيقتها فصل: وإذا كان للأمة مولى, فهو وليها وإن كان لها موليان فالولاية لهما o مسألة: من أراد أن يتزوج امرأة هو وليها جعل أمرها إلى رجل يزوجها منه بإذنها فصل: إذن المرأة لوليها في تزويجها من غير تعيين o مسألة: لا يزوج كافر مسلمة ولا مسلم كافرة إلا أن يكون المسلم سلطانا أو سيد أمة فصل: إذا تزوج المسلم ذمية فوليها الكافر يزوجها إياه o مسألة: إذا زوج المرأة مَنْ غيره أولى منه وهو حاضر ولم يعضلها, فالنكاح فاسد إذا زوجها الولي الأبعد مع حضور الولي الأقرب الحكم الثاني: فصل: إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها أو الأمة بغير إذن سيدها فصل: إذا زوجت التي يعتبر إذنها بغير إذنها الحكم الثالث: إذا عضلها وليها الأقرب, انتقلت الولاية إلى الأبعد فصل: معنى العضل o مسألة: غياب ولي المرأة الفصل الأول: إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة فللأبعد من عصبتها تزويجها الفصل الثاني: في الغيبة المنقطعة, التي يجوز للأبعد التزويج في مثلها فصل: إن كان القريب محبوسا أو أسيرا في مسافة قريبة, لا تمكن مراجعته فهو كالبعيد o مسألة: إذا زوجت من غير كفء, فالنكاح باطل o مسألة: شروط الكفاءة فصل: غير قريش من العرب لا يكافئها فصل: الحرية فصل: اليسار فصل: الصناعة فصل: الحرية فصل: ولد الزنا هل يعد كفؤا لذات النسب؟ فصل: الموالي بعضهم لبعض أكفاء فصل: أهل البدع فصل: الكفاءة معتبرة في الرجل دون المرأة o مسألة: ليس لغير الأب إجبار كبيرة, ولا تزويج صغيرة فصل: إذا بلغت الجارية تسع سنين هل لها الخيار؟ o مسألة: لو استأذن البكر البالغة والدها, كان حسنا فصل: يستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها o مسألة: إذا زوج ابنته الثيب بغير إذنها فالنكاح باطل, وإن رضيت بعد o مسألة: إذن الثيب الكلام, وإذن البكر الصمات فصل: نطق البكر بالإذن أبلغ وأتم من صمتها فصل: من هي الثيب المعتبر نطقها فصل: وإن ذهبت عذرتها بغير جماع فحكمها حكم الأبكار فصل: اختلاف الزوج والمرأة في إذنها لوليها في تزويجها قبل الدخول فصل: في المجنونة إن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة إن كانت ممن لا تجبر o مسألة: وإذا زوج ابنته بدون صداق مثلها, ثبت النكاح بالمسمى فصل: تمام المهر على الزوج o مسألة: تزويج الغلام غير البالغ والمعتوه الفصل الأول: هل لغير الأب أو وصيه تزويج الصبي قبل بلوغه؟ الفصل الثاني: هل لغير الأب أو وصيه تزويج المعتوه قبل بلوغه؟ الفصل الثالث: للأب أو وصيه تزويج الصبي والمعتوه فصل: تزويج من يفيق أحيانا، ومن أمكنه تزويج نفسه الفصل الرابع: وصي الأب في النكاح بمنزلته فصل: وإن تزوج لصغير أو مجنون فإنه يقبل لهما النكاح فصل: ولا يجوز أن يتزوج لهما بزيادة على مهر المثل فصل: إذا زوج ابنه تعلق الصداق بذمة الابن موسرا كان أو معسرا فصل: نكاح المحجور عليه للسفه فصل: ليس لغير الأب تطليق امرأة المولى عليه o مسألة: إذا زوج أمته بغير إذنها فقد لزمها النكاح كبيرة كانت أو صغيرة فصل: إجبار المدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد على النكاح فصل: طلب الأمة من سيدها تزويجها فصل: إذا اشترى عبده المأذون أمة وركبته ديون ملك سيده تزويجها وبيعها وإعتاقها فصل: إكراه السيد أمته على التزويج بمعيب عيبا يرد به في النكاح o قال: تزوج السيد عبده وهو كاره الفصل الأول: إجبار العبد البالغ العاقل على النكاح الفصل الثاني: إجبار العبد الصغير الذي لم يبلغ على النكاح فصل: المهر والنفقة على السيد فصل: جواز تزوج السيد لعبده بإذنه فصل: للسيد أن يعين له المهر وله أن يطلق فصل: إن تزوج أمة ثم اشتراها بإذن سيده لسيده فصل: إن اشترت الحرة زوجها أو ملكته بهبة أو غيرها, انفسخ النكاح فصل: فإن ابتاعته بصداقها, صح o إذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما فصل: استواء الأولياء في الدرجة o إن جهل الأول منهما, فسخ النكاحان فصل: إن ادعى كل واحد منهما أنه السابق بالعقد فصل: إن علم أن العقدين وقعا معا فصل: إن ادعى كل واحد منهما أنه السابق فأقرت لأحدهما فصل: إن ادعى زوجية امرأة ابتداء فأقرت له بذلك o تزوج العبد بغير إذن سيده o إن دخل بها فعلى سيده خمسا المهر الفصل الأول: في وجوب المهر الفصل الثاني: تعلق المهر برقبته الفصل الثالث: الواجب من المهر خمساه الفصل الرابع: وجوب خمسا المسمى الفصل الخامس: وإن كان زائدا على قيمة العبد, لم تلزم السيد الزيادة o إذا تزوج الأمة على أنها حرة, فأصابها وولدت منه الفصل الأول: النكاح لا يفسد بالغرور الفصل الثاني: أولاده منها أحرار الفصل الثالث: على الزوج فداء أولاده المسألة الأولى: وقت الفداء المسألة الثانية: يضمنهم بمثلهم عبيدا الذكر بذكر, والأنثى بأنثى المسألة الثالثة: في من يضمن منهم الفصل الرابع: في المهر الفصل الخامس: يرجع بما غرمه على من غره في المهر وقيمة الأولاد الفصل السادس: حكم الزوج إن كان ممن يحرم عليه نكاح الإماء, وهو من يجد الطول أو لا يخشى العنت فصل: حكم المدبرة وأم الولد والمعتقة بصفة فصل: لا يثبت أنها أمة بمجرد الدعوى فصل: حكم المغرور بها إذا حملت فضرب بطنها ضارب فصل: تزوج المرأة عبدا على أنه حر فصل: الحكم إن غرها بنسب فبان دونه, وكان ذلك مخلا بالكفاءة o إن كان المغرور عبدا فولده أحرار ويفديهم إذا عتق ويرجع به على من غره فصل: إن شرط أنها مسلمة, فبانت كافرة فصل: إن شرطها بكرا, فبانت ثيبا فصل: إذا تزوج امرأة يظنها حرة فبانت أمة أو يظنها مسلمة, فبانت كافرة أو تزوجت عبدا تظنه حرا فصل: إن شرطها أمة فبانت حرة، أو ذات نسب فبانت أشرف منه، أو على صفة دنيئة فبانت خيرا من شرطه, أو كافرة فبانت مسلمة فصل: كل موضع ثبت له الخيار ففسخ قبل الدخول, فلا مهر عليه o إذا جعل السيد عتق أمته صداقها الفصل الأول: الرجل إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها فهو نكاح صحيح الفصل الثاني: ألفاظ ينعقد بها النكاح الفصل الثالث: أن لا يكون بين العتق والنكاح فصل الفصل الرابع: اشتراط شاهدين في النكاح الفصل الخامس: إذا طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمتها فصل: عتق الأمة وجعل عتقها صداقها فصل: اتفاق السيد وأمته على أن يعتقها وتزوجه نفسها فصل: إن أعتقت امرأة عبدها بشرط أن يتزوجها فصل: لا بأس أن يعتق الرجل الأمة ثم يتزوجها فصل: وإذا أراد أن يتزوجها بعد عتقها لم يحتج إلى استبراء فصل: إن قال: أعتق عبدك على أن أزوجك ابنتي فصل: لو قال: زوجتك ابنتي فقال: قبلت انعقد النكاح فصل: ينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج والجواب عنهما فصل: من قدر على لفظ النكاح بالعربية, لم يصح بغيرها فصل: الأخرس إن فهمت إشارته صح نكاحه بها فصل: تقدم القبول على الإيجاب فصل: إذا عقد النكاح هازلا أو تلجئة صح فصل: إذا تراخى القبول عن الإيجاب فصل: إن أوجب النكاح, ثم زال عقله بجنون أو إغماء فصل: لا يثبت في النكاح خيار فصل: يستحب أن يخطب العاقد أو غيره قبل التواجب ثم يكون العقد بعده فصل: الخطبة غير واجبة فصل: إعلان النكاح والضرب فيه بالدف فصل: إن عقد النكاح بولي وشاهدين, فأسروه أو تواصوا بكتمانه فصل: استحباب عقد النكاح يوم الجمعة فصل: يستحب أن يقال للمتزوج: بارك الله لك, وبارك عليك وجمع بينكما في خير وعافية فصل: ما يقوله الرجل إذا بنى بامرأته o ليس للعبد أن يجمع إلا اثنتين فصل: للعبد التسري بما شاء إذا أذن له السيد في ذلك فصل: والمكاتب كالعبد القن, لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن سيده فصل: رجوع السيد في إذنه o إذا أذن السيد لعبده أن يتسرى فليس له أن يرجع فصل: لو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية, أو انفسخ النكاح بين الزوجين لم يكن له أن يتزوج أحدا ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته حتى تنقضي عدتها فصل: إذا أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها فليس له أن يتزوج أختها حتى ينقضي استبراؤها فصل: حكم نكاح أمة في عدة حرة بائن فصل: إن زنى بامرأة فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها فصل: إذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها وكذبته o مسألة: من خطب امرأة فزوج بغيرها لم ينعقد النكاح فصل: من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين فصل: إن كان له ابنتان, كبرى وصغرى، فزوجه الكبرى وهما ينويان الصغرى فصل: إن كان له ابنة واحدة فقال لرجل: زوجتك ابنتي وسماها بغير اسمها فصل: لو قال: زوجتك حمل هذه المرأة فصل: إن شرطت عليه أن يطلق ضرتها الشروط الباطلة التي يصح العقد معها الشروط التي تبطل النكاح من أصله فصل: اشتراط الخيار في الصداق o أحكام نظر المرأة إلى الرجل والعكس النظر إلى المخطوبة فصل: النظر إلى وجهها فصل: ما ينظره الرجل من ذوات محارمه فصل: من هن ذوات محارم الرجل فصل: النظر إلى أم المزنيّ بها وابنتها فصل: حكم نظر عبد المرأة إليها فصل: حكم الاستتار من الغلام فصل: حكم نظر الزوجين كل منهما للآخر فصل: حكم نظر السيد إلى بدن أمته فصل: حكم النظر إلى الأجانب بسبب فصل: حكم النظر إلى الأجانب من غير بسبب فصل: حكم النظر إلى العجوز فصل: فصل: حكم النظر إلى الامة فصل: حكم النظر إلى الطفلة التي لا تصلح للنكاح فصل: حكم من ذهبت شهوته من الرجال والخصي والشيخ والمخنث فصل: حكم نظر الرجل إلى الرجل فصل: حكم نظر المرأة إلى المرأة فصل: حكم نظر المرأة إلى الرجل o مسألة: الشروط التي تصح في عقد النكاح فصل: تزوج الأمة من غير شرط فصل: حكم سفر زوج الأمة بها فصل: استحباب اختيار ذات الدين لمن أراد التزوج o باب ما يحرم نكاحه النوع الأول: المحرمات تحريم نسب النوع الثاني: المحرمات تحريم السبب أولا: تحريم الرضاع القسم الثاني: تحريم المصاهرة o مسألة: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب o مسألة: لبن الفحل محرم o مسألة: الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها فصل: الجمع بين ابنتي العم, وابنتي الخال o مسألة: ما ينتشر به التحريم بالعقد على المرأة o مسألة: بناتهن المحرمات من النسب والرضاع في التحريم كهن o مسألة: وطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة فصل: الوطء على ثلاثة أضرب أولا: الوطء المباح ثانيا: الوطء بالشبهة ثالثا: الحرام المحض فصل: لا فرق بين الزنى في القبل والدبر فصل: يحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى وأخته, وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه, وأخته من الزنى فصل: وطء الميتة يحتمل وجهين أحدهما ينشر الحرمة والثاني لا ينشرها فصل: المباشرة فيما دون الفرج فصل: حكم من نظر إلى فرج امرأة بشهوة فصل: حكم نظر المرأة إلى فرج رجل فصل: حكم الخلوة بالمرأة o مسألة: إن تزوج أختين من نسب أو رضاع في عقد واحد فصل: حكم تزوجهما في عقدين فصل: حكم المهر فصل: الحكم إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها o مسألة: إن تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد واحد ثبت نكاح الأجنبية فصل: حكم تزوج يهودية ومجوسية, أو محللة ومحرمة في عقد واحد o مسألة: إذا اشترى أختين فأصاب إحداهما لم يصب الأخرى حتى تحرم الأولى ببيع أو نكاح أو هبة الفصل الأول: جواز الجمع بين الأختين في الملك الفصل الثاني: عدم جواز الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء الفصل الثالث: إذا كان في ملكه أختان, فله وطء إحداهما الفصل الرابع: إذا وطئ إحداهما, فليس له وطء الأخرى قبل تحريم الموطوءة على نفسه الفصل الخامس: إذا أخرجها من ملكه لم تحل له أختها, حتى يستبرئ المخرجة فصل: حكم وطء أمتيه الأختين معا الفصل السادس: متى زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له أختها, فوطئها ثم عادت الأولى إلى ملكه فليس له وطء إحداهما حتى تحرم الأخرى فصل: حكم المباشرة من الإماء فيما دون الفرج والنظر إلى الفرج بشهوة, فيما يرجع إلى تحريم الأخت كحكمه في تحريم الربيبة فصل: إن زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه فله نكاح أختها o مسألة: عمة الأمة وخالتها في ذلك كأختها o مسألة: الجمع بين من كانت زوجة رجل وابنته من غيرها فصل: لو ن لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من غيره, أو كان له بنت ولها ابن، جاز تزويج أحدهما من الآخر فصل: إن تزوج امرأة لم تحرم أمها ولا ابنتها على أبيه ولا ابنه فصل: الحكم إذا تزوج رجل بامرأة, وزوج ابنه بنتها أو أمها فزفت امرأة كل واحد منهما إلى صاحبه فوطئها o مسألة: حرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين فصل: أهل الكتاب الذين هذا حكمهم, هم أهل التوراة والإنجيل فصل: ليس للمجوس كتاب, ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم فصل: حكم نساء وذبائح سائر الكفار من غير أهل الكتاب o مسألة: إذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا والآخر وثنيا, لم ينكحها مسلم o مسألة: الحكم إذا تزوج كتابية, فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب الفصل الأول: الكتابي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه الفصل الثاني: المنتقل إلى غير دين أهل الكتاب, لا يقبل منه إلا الإسلام الفصل الثالث: صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه الفصل الرابع: امرأة المسلم الذمية, إذا انتقلت إلى دين غير دين أهل الكتاب فهي كالمرتدة o مسألة: وأمته الكتابية حلال له, دون أمته المجوسية الفصل الأول: أمته الكتابية حلال له الفصل الثاني: من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات وسائر الكوافر سوى أهل الكتاب, لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين o مسألة: ليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية o مسألة: ليس لحر مسلم أن يتزوج أمة مسلمة, إلا أن لا يجد حرة مسلمة ويخاف العنت فصل: إن قدر على تزويج كتابية تعفه, لم يحل له نكاح الأمة فصل: من كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها, لم يجز له نكاح أمة فصل: إن لم يجد طولا لكن وجد من يقرضه ذلك, لم يلزمه فصل: إن كان في يده مال, فذكر أنه معسر وأن المال لغيره فالقول قوله o مسألة: متى عقد عليها وفيه الشرطان عدم الطول وخوف العنت ثم أيسر, لم ينفسخ النكاح فصل: إن تزوج على الأمة حرة, صح o مسألة: وله أن ينكح من الإماء أربعا, إذا كان الشرطان فيه قائمين فصل: إذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين فصل: إذا وجد الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره فصل: إن زنت امرأة رجل, أو زنى زوجها لم ينفسخ النكاح فصل: حكم وطء الرجل جاريته إذا علم منها الفجور o مسألة: من خطب امرأة, فلم تسكن إليه فلغيره خطبتها القسم الأول: أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه, أو تأذن لوليها في إجابته أو تزويجه القسم الثاني: أن ترده أو لا تركن إليه القسم الثالث: أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضى والسكون تعريضا لا تصريحا فصل: التعويل في الرد والإجابة على الولي إن كانت مجبرة وعليها إن لم تكن مجبرة فصل: خطبة الرجل على خطبة أخيه في موضع النهى محرمة فصل: لا يكره للولي الرجوع عن الإجابة, إذا رأى المصلحة لها في ذلك فصل: إن كان الخاطب الأول ذميا, لم تحرم الخطبة على خطبته o مسألة: التعريض بخطبة المعتدة أولا: المعتدة من عدة لا تحل بعدها لزوجها ثانيا: الرجعية ثالثا: البائن التي يحل لزوجها نكاحها فصل: حكم التصريح بالخطبة, أو التعريض في موضع يحرم التعريض فصل: يحرم على العبد نكاح سيدته فصل: ليس للسيد أن يتزوج أمته فصل: لا يجوز للحر أن يتزوج أمة ابنه فصل: للابن نكاح أمة أبيه فصل: إذا ملكت المرأة زوجها أو بعضه فانفسخ نكاحها، فهل يعد ذلك طلاقا؟ فصل: لا يجوز للرجل وطء جارية ابنه فصل: حكم وطء الابن جارية أبيه, عالما بتحريم ذلك فصل: إن وطئ الأب وابنه جارية الابن في طهر واحد, فأتت بولد، فبمن يلحق؟ o باب نكاح أهل الشرك مسألة: إذا أسلم الوثني, وقد تزوج بأربع وثنيات ولم يدخل بهن الفصل الأول: إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو كتابي متزوج بوثنية الفصل الثاني: الفرقة إذا حصلت قبل الدخول بإسلام الزوج فللمرأة نصف المسمى الفصل الثالث: إذا أسلم الزوجان معا فهما على النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده الفصل الرابع: إذا أسلم أحدهما بعد الدخول الفصل الخامس: إذا أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتى انقضت عدة المرأة، انفسخ النكاح فصل: إذا وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد الدخول فلها المهر كاملا فصل: اختلاف الزوجين أولا: أن يكون قبل الدخول ثانيا: إن اختلفا بعد الدخول فصل: أحكام الزوجين في دار الحرب ودار الإسلام مسألة: إسلام الكافر ومعه أربع نسوة فصل: يجب عليه أن يختار أربعا فما دون, ويفارق سائرهن أو يفارق الجميع فصل: إن مات قبل أن يختار لم يقم وارثه مقامه فصل: صفة الاختيار بين زوجاته فصل: إذا اختار منهن أربعا وفارق البواقي, فعدتهن من حين اختار فصل: حكم الزوج إذا أسلم قبلهن فصل: إذا أسلم وتحته ثمان نسوة, فأسلم أربع منهن فصل: إن قال: كلما أسلمت واحدة اخترتها لم يصح فصل: إذا أسلم ثم أحرم بحج أو عمرة, ثم أسلمن فله الاختيار فصل: إذا أسلمن معه ثم متن قبل اختياره فله أن يختار منهن أربعا, فيكون له ميراثهن ولا يرث الباقيات مسألة: لو أسلم وتحته أختان اختار منهما واحدة فصل: لو تزوج وثنية, فأسلمت قبله ثم تزوج في شركه أختها ثم أسلما في عدة الأولى فصل: إن تزوج أختين ودخل بهما, ثم أسلم وأسلمتا معه فاختار إحداهما فصل: إذا تزوج أختين في حال كفره, فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول فاختار أحداهما فلا مهر للأخرى مسألة: إن كانتا أما وبنتا, فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول فسد نكاح الأم وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما الفصل الأول: إذا كان إسلامهم جميعا قبل الدخول الفصل الثاني: إذا دخل بهما, حرمتا على التأبيد الأم مسألة: لو أسلم عبد وتحته زوجتان, قد دخل بهما فأسلمتا في العدة فهما زوجتاه, ولو كن أكثر اختار منهن اثنتين فصل: إن أسلم وتحته أربع حرائر فأعتق ثم أسلمن في عدتهن, أو أسلمن قبله ثم أعتق ثم أسلم, لزمه نكاح الأربع فصل: إن تزوج أربعا فأسلمن, وأعتقن قبل إسلامه فلهن فسخ النكاح فصل: إذا أسلم الحر وتحته إماء فأعتقت إحداهن, ثم أسلمت ثم أسلم البواقى لم يكن له أن يختار من الإماء فصل: لو أسلم وتحته أربع إماء وهو عادم للطول خائف للعنت, فأسلمن معه فله أن يختار منهن واحدة فصل: لو أسلم وهو واجد للطول فلم يسلمن حتى أعسر ثم أسلمن, فله أن يختار منهن فصل: إن أسلم وأسلمت معه واحدة منهن, وهو ممن يجوز له نكاح الإماء فله أن يختار من أسلمت معه فصل: لو أسلم وتحته خمس حرائر, فأسلم معه منهن اثنتان احتمل أن يجبر على اختيار إحداهما مسألة: إذا تزوجها وهما كتابيان فأسلم قبل الدخول, أو بعده فهي زوجته وإن كانت هي المسلمة قبله وقبل الدخول, انفسخ النكاح ولا مهر لها فصل: إذا تزوج المجوسي كتابية ثم ترافعا قبل الإسلام, فرق بينهما مسألة: ما سمى لها وهما كافران, فقبضته ثم أسلما فليس لها غيره, وإن كان حراما فصل: إن قبضت بعض الحرام دون بعض سقط من المهر بقدر ما قبض فصل: إن نكحها نكاحا فاسدا وهو ما لا يقرون عليه إذا أسلموا, فرق بينهما ولا مهر لها فصل: إذا تزوج ذمى ذمية على أن لا صداق لها, أو سكت عن ذكره فلها المطالبة بفرضه إن كان قبل الدخول, وإن كان بعده فلها مهر المثل فصل: إذا ارتفعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد لم يزوجهم إلا بشروط نكاح المسلمين فصل: أنكحة الكفار تتعلق بها أحكام النكاح الصحيح فصل: يحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين مسألة: لو تزوجها, وهما مسلمان فارتدت قبل الدخول انفسخ النكاح, ولا مهر لها وإن كان هو المرتد قبلها وقبل الدخول فكذلك إلا أن عليه نصف المهر مسألة: إن كانت ردتها بعد الدخول فلا نفقة لها وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها, انفسخ نكاحها ولو كان هو المرتد بعد الدخول فلم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدتها, انفسخ النكاح منذ اختلف الدينان فصل: إن ارتد الزوجان معا فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما فصل: إذا ارتد أحد الزوجين أو ارتدا معا منع وطؤها فصل: إذا أسلم أحد الزوجين ثم ارتد فصل: إذا تزوج الكافر بمن لا يقر على نكاحه في الإسلام مسألة: نكاح الشغار وأحكامه وبطلانه فصل: حكم ما إذا سميا صداقا فصل: إن سمى لإحداهما مهرا دون الأخرى فصل: إن قال: زوجتك جاريتي هذه على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبتها صداقا لابنتك لم يصح تزويج الجارية مسألة: لا يجوز نكاح المتعة فصل:إن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد, فالنكاح صحيح مسألة: لو تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه, لم ينعقد النكاح مسألة: إن شرط عليه أن يحلها لزوج كان قبله لم ينعقد النكاح فصل: إن شرط عليه التحليل قبل العقد ولم يذكره في العقد ونواه في العقد أو نوى التحليل من غير شرط فالنكاح باطل فصل: إن شرط عليه أن يحلها قبل العقد فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه وقصد نكاح رغبة, صح العقد فصل: إن اشترى عبدا, فزوجها إياه ثم وهبها إياه لينفسخ النكاح بملكها له لم يصح مسألة: إذا عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره, أو عقد أحد نكاحا لمحرم أو على محرمة فالنكاح فاسد مسألة: حكم ما لو وجد أي الزوجين وجد بصاحبه جنونا, أو جذاما أو برصا ...إلخ الفصل الأول: خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه الفصل الثاني: في عدد العيوب المجوزة للفسخ الفصل الثالث: لا يثبت الخيار لغير ما ذكر من العيوب الفصل الرابع: حكم ما لو كان بأحد الزوجين عيب فصل: إن حدث العيب بأحدهما بعد العقد فصل: من شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب أن لا يكون عالما بها وقت العقد, ولا يرضى بها بعده فصل: خيار العيب ثابت على التراخي لا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى به فصل: يحتاج الفسخ إلى حكم حاكم مسألة: إذا فسخ قبل المسيس فلا مهر له الفصل الأول: إذا وجد الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها عليه الفصل الثاني: إذا كان الفسخ بعد الدخول فلها المهر الفصل الثالث: إذا علم بالعيب وقت العقد أو بعده ثم وجد منه رضا أو دلالة عليه لم يثبت له الفسخ الفصل الرابع: يرجع بالمهر على من غره فصل: إذا طلقها قبل الدخول ثم علم أنه كان بها عيب, فعليه نصف الصداق ولا يرجع به مسألة: ولا سكنى لها ولا نفقة لأن السكنى والنفقة إنما تجب لمرأة لزوجها عليها الرجعة فصل: ليس لولي الصغيرة والصغير وسيد الأمة تزويجهم ممن به أحد هذه العيوب فصل: ليس له تزويج كبيرة بمعيب بغير رضاها مسألة: إذا عتقت الأمة وزوجها عبد فلها الخيار في فسخ النكاح فصل: إن عتقت تحت حر, فلا خيار لها فصل: فرقة الخيار فسخ, لا ينقص بها عدد الطلاق فصل: إن أعتق العبد والأمة دفعة واحدة, فلا خيار لها والنكاح بحاله فصل: يستحب لمن له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما, البداية بالرجل فصل: إذا عتقت المجنونة والصغيرة فلا خيار لهما في الحال مسألة: إن كانت لنفسين, فأعتق أحدهما فلا خيار لها إذا كان المعتق معسرا مسألة: حكم ما لو اختارت المقام معه قبل الدخول أو بعده فصل: لو كانت مفوضة ففرض لها مهر المثل فهو للسيد أيضا فصل: إن طلقها طلاقا بائنا, ثم أعتقت فلا خيار لها فصل: إن طلقها بعد عتقها, وقبل اختيارها أو طلق الصغيرة والمجنونة بعد العتق وقع طلاقه, وبطل خيارها فصل: للمعتقة الفسخ من غير حكم حاكم فصل: إذا اختارت المعتقة الفراق, كان فسخا ليس بطلاق فصل: إن عتق زوج الأمة لم يثبت له خيار o باب أجل العنين والخصيّ غير المجبوب: مسألة: إذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها, أجل سنة منذ ترافعه فصل: إن اتفقا بعد الفرقة على الرجعة, لم يجز إلا بنكاح جديد فصل: حكم الخصي مسألة: إن علمت أنه عنين بعد الدخول فسكتت عن المطالبة ثم طالبت بعد, فلها ذلك ويؤجل سنة من يوم ترافعه مسألة: إن اعترفت أنه قد وصل إليها مرة بطل أن يكون عنينا فصل: الوطء الذي يخرج به عن العنة هو تغييب الحشفة في الفرج فصل: لا يخرج عن العنة بالوطء في الدبر فصل: إن وطئ امرأة, لم يخرج به عن العنة في حق غيرها مسألة: إن جب قبل الحول فلها الخيار في وقتها مسألة: إن زعم أنه قد وصل إليها وادعت أنها عذراء أريت النساء الثقات مسألة: إن كانت ثيبا وادعى أنه يصل إليها أخلى معها في بيت مسألة: إذا قال الخنثى المشكل: أنا رجل لم يمنع من نكاح النساء مسألة: إذا أصاب الرجل أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ بنكاح صحيح وليس واحد منهما بزائل العقل رجما إذا زنيا

كتاب النكاح النكاح في الشرع: هو عقد التزويج فعند إطلاق لفظه ينصرف إليه, ما لم يصرفه عنه دليل وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعا لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج لدخوله في قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وقيل: بل هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد, تقول العرب: أنكحنا الفرا فسنرى أي أضربنا فحل حمر الوحش أمه فسنرى ما يتولد منهما يضرب مثلا للأمر يجتمعون عليه, ثم يتفرقون عنه وقال الشاعر: ومن أيم قد أنكحتنا رماحنا ** وأخرى على خال وعم تلهف والصحيح ما قلنا لأن الأشهر استعمال لفظة النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ولسان أهل العرف وقد قيل: ليس في الكتاب لفظ نكاح بمعنى الوطء إلا قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} ولأنه يصح نفيه عن الوطء فيقال: هذا سفاح وليس بنكاح ويروى عن النبي -ﷺ-, أنه قال: (( ولدت من نكاح لا من سفاح )) ويقال عن السرية: ليست بزوجة ولا منكوحة ولأن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح, فكان حقيقة فيه كاللفظ الآخر وما ذكره القاضي يفضي إلى كون اللفظ مشتركا وهو على خلاف الأصل وما ذكره الآخرون يدل على الاستعمال في الجملة, والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر ثم لو قدر كونه مجازا في العقد لكان اسما عرفيا يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه لشهرته, كسائر الأسماء العرفية. فصل: والأصل في مشروعية النكاح الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } الآية. وقوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } وأما السنة فقول النبي -ﷺ-: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر, وأحصن للفرج ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء )) متفق عليه في أي وأخبار سوى ذلك كثيرة وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع واختلف أصحابنا في وجوبه فالمشهور في المذهب أنه ليس بواجب, إلا أن يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه فيلزمه إعفاف نفسه وهذا قول عامة الفقهاء وقال أبو بكر عبد العزيز: هو واجب وحكاه عن أحمد وحكي عن داود أنه يجب في العمر مرة واحدة للآية والخبر ولنا أن الله تعالى حين أمر به علقه على الاستطابة, بقوله سبحانه: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } والواجب لا يقف على الاستطابة وقال: { مثنى وثلاث ورباع } ولا يجب ذلك بالاتفاق فدل على أن المراد بالأمر الندب, وكذلك الخبر يحمل على الندب أو على من يخشى على نفسه الوقوع في المحظور بترك النكاح قال القاضي: وعلى هذا يحمل كلام أحمد وأبي بكر في إيجاب النكاح. فصل: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح, فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام وطريقه النكاح الثاني, من يستحب له وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور فهذا الاشتغال له به أولى من التخلى لنوافل العبادة وهو قول أصحاب الرأي وهو ظاهر قول الصحابة رضي الله عنهم, وفعلهم قال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلى إلا عشرة أيام وأعلم إني أموت في آخرها يوما ولي طول النكاح فيهن, لتزوجت مخافة الفتنة وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء وقال إبراهيم بن ميسرة: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: ما يمنعك عن النكاح إلا عجز أو فجور قال أحمد -رحمه الله- في رواية المروذي: ليست العزبة من أمر الإسلام, في شيء وقال: من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير الإسلام ولو تزوج بشر كان قد تم أمره وقال الشافعي: التخلى لعبادة الله تعالى أفضل لأن الله تعالى مدح يحيى عليه السلام بقوله: { وسيدا وحصورا } والحصور: الذي لا يأتى النساء فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه وقال الله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين } وهذا في معرض الذم, ولأنه عقد معاوضة فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع ولنا, ما تقدم من أمر الله تعالى ورسوله به وحثهما عليه (( وقال -ﷺ-: ولكني أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتى فليس مني )) وقال سعد: لقد (( رد النبي -ﷺ- على عثمان بن مظعون التبتل )) ولو أحله له لاختصينا متفق عليهما وعن أنس قال: (( كان النبي -ﷺ- يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول: تزوجوا الودود الولود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة )) رواه سعيد وهذا حث على النكاح شديد ووعيد على تركه يقربه إلى الوجوب والتخلى منه إلى التحريم, ولو كان التخلى أفضل لانعكس الأمر ولأن النبي -ﷺ- تزوج وبالغ في العدد, وفعل ذلك أصحابه ولا يشتغل النبي -ﷺ- وأصحابه إلا بالأفضل ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل, والاشتغال بالأدنى ومن العجب أن من يفضل التخلى لم يفعله فكيف أجمعوا على النكاح في فعله وخالفوه في فضله, أفما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده ويعمل بالأولى؟ ولأن مصالح النكاح أكثر فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه, وتحصين المرأة وحفظها والقيام بها وإيجاد النسل, وتكثير الأمة وتحقيق مباهاة النبي -ﷺ- وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة فمجموعها أولى وقد روينا في أخبار المتقدمين, أن قوما ذكروا لنبي لهم فضل عابد لهم فقال: أما إنه لتارك لشيء من السنة فبلغ العابد, فأتى النبي فسأله عن ذلك فقال: إنك تركت التزويج فقال: يا نبي الله, وما هو إلا هذا فلما رأى النبي احتقاره لذلك قال: أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج من كان يقوم بالجهاد, وينفى العدو ويقوم بفرائض الله تعالى وحدوده؟ وأما ما ذكر عن يحيى فهو شرعه, وشرعنا وارد بخلافه فهو أولى والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاربها القسم الثالث, من لا شهوة له إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعنين أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه, ففيه وجهان أحدهما يستحب له النكاح لعموم ما ذكرنا والثاني التخلى له أفضل لأنه لا يحصل مصالح النكاح, ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويضر بها ويحبسها على نفسه, ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه والأخبار تحمل على من له شهوة لما فيها من القرائن الدالة عليها وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه قال: ينبغي للرجل أن يتزوج, فإن كان عنده ما ينفق أنفق وإن لم يكن عنده, صبر ولو تزوج بشر كان قد تم أمره واحتج (( بأن النبي -ﷺ- كان يصبح وما عندهم شيء ويمسى وما عندهم شيء )) (( وأن النبي -ﷺ- زوج رجلا لم يقدر على خاتم حديد, ولا وجد إلا إزاره ولم يكن له رداء )) أخرجه البخاري قال أحمد في رجل قليل الكسب, يضعف قلبه عن العيال: الله يرزقهم التزويج أحصن له ربما أتى عليه وقت لا يملك قلبه وهذا في حق من يمكنه التزويج, فأما من لا يمكنه فقد قال الله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله }. مسألة: [قال: ولا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين] في هذه المسألة أربعة فصول: أحدها: أن النكاح لا يصح إلا بولي ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها, ولا توكيل غير وليها في تزويجها فإن فعلت لم يصح النكاح روى هذا عن عمر وعلي, وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة, وعائشة رضي الله عنهم وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز, وجابر بن زيد والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة, وابن المبارك وعبيد الله العنبري والشافعي, وإسحاق وأبو عبيد وروي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد, والحسن بن صالح وأبي يوسف: لا يجوز لها ذلك بغير إذن الولي فإن فعلت كان موقوفا على إجازته وقال أبو حنيفة: لها أن تزوج نفسها وغيرها, وتوكل في النكاح لأن الله تعالى قال: { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } أضاف النكاح إليهن ونهى عن منعهن منه ولأنه خالص حقها, وهي من أهل المباشرة فصح منها كبيع أمتها, ولأنها إذا ملكت بيع أمتها وهو تصرف في رقبتها وسائر منافعها ففي النكاح الذي هو عقد على بعض منافعها أولى ولنا أن النبي -ﷺ- قال: (( لا نكاح إلا بولي )) روته عائشة, وأبو موسى وابن عباس قال المروذي: سألت أحمد ويحيى عن حديث: (( لا نكاح إلا بولي )) فقالا: صحيح وروي عن عائشة عن النبي -ﷺ-, أنه قال: (( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن أصابها, فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له )) رواه الإمام أحمد, وأبو داود وغيرهما فإن قيل: فإن الزهري رواه وقد أنكره قال ابن جريج: سألت الزهري عنه فلم يعرفه قلنا له: لم يقل هذا عن ابن جريج غير ابن علية كذلك قال الإمام أحمد ويحيى ولو ثبت هذا لم يكن حجة لأنه قد نقله ثقات عنه, فلو نسيه الزهري لم يضره لأن النسيان لم يعصم منه إنسان قال النبي -ﷺ-: (( نسي آدم فنسيت ذريته )) ولأنها مولى عليها في النكاح فلا تليه, كالصغيرة وأما الآية فإن عضلها الامتناع من تزويجها, وهذا يدل على أن نكاحها إلى الولي ويدل عليه أنها نزلت في شأن معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته فدعاه النبي -ﷺ- فزوجها وأضافه إليها لأنها محل له إذا ثبت هذا, فإنه لا يجوز لها تزويج أحد وعن أحمد لها تزويج أمتها وهذا يدل على صحة عبارتها في النكاح فيخرج منه أن لها تزويج نفسها بإذن وليها, وتزويج غيرها بالوكالة وهو مذهب محمد بن الحسن وينبغي أن يكون قولا لابن سيرين ومن معه لقول النبي -ﷺ-: (( أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل )) فمفهومه صحته بإذنه ولأن المرأة إنما منعت الاستقلال بالنكاح لقصور عقلها, فلا يؤمن انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة وهذا مأمون فيما إذا أذن فيه وليها والصحيح الأول لعموم قوله: (( لا نكاح إلا بولي )) وهذا يقدم على دليل الخطاب والتخصيص ها هنا خرج مخرج الغالب, فإن الغالب أنها لا تزوج نفسها إلا بغير إذن وليها والعلة في منعها صيانتها عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال, وذلك ينافى حال أهل الصيانة والمروءة والله أعلم. فصل: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم أو كان المتولي لعقده حاكما, لم يجز نقضه وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة وخرج القاضي في هذا وجها خاصة أنه ينقض وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي لأنه خالف نصا والأول أولى لأنها مسألة مختلف فيها ويسوغ فيها الاجتهاد فلم يجز نقض الحكم له, كما لو حكم بالشفعة للجار وهذا النص متأول وفي صحته كلام وقد عارضه ظواهر. الفصل الثاني: أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين هذا المشهور عن أحمد وروى ذلك عن عمر, وعلى وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب, وجابر بن زيد والحسن والنخعي, وقتادة والثوري والأوزاعي, والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه يصح بغير شهود وفعله ابن عمر والحسن بن علي, وابن الزبير وسالم وحمزة ابنا ابن عمر وبه قال عبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي, ويزيد بن هارون والعنبري وأبو ثور, وابن المنذر وهو قول الزهري ومالك إذا أعلنوه قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر وقال ابن عبد البر: وقد روي عن النبي -ﷺ-: (( لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين )) من حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر, إلا أن في نقله ذلك ضعيفا فلم أذكره قال ابن المنذر: وقد أعتق النبي -ﷺ- صفية بنت حيى فتزوجها بغير شهود قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (( اشترى رسول الله -ﷺ- جارية بسبعة قروش فقال الناس: ما ندرى أتزوجها رسول الله أم جعلها أم ولد؟ فلما أن أراد أن يركب حجبها, فعلموا أنه تزوجها )) متفق عليه قال: فاستدلوا على تزويجها بالحجاب وقال يزيد بن هارون: أمر الله تعالى بالإشهاد في البيع دون النكاح فاشترط أصحاب الرأي الشهادة للنكاح ولم يشترطوها للبيع, ووجه الأولى أنه قد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل )) رواه الخلال بإسناده وروى الدارقطني عن عائشة, عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( لا بد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدان )) ولأنه يتعلق به حق غير المتعاقدين, وهو الولد فاشترطت الشهادة فيه لئلا يجحده أبوه, فيضيع نسبه بخلاف البيع فأما نكاح النبي -ﷺ- بغير ولي وغير شهود فمن خصائصه في النكاح, فلا يلحق به غيره الفصل الثالث: أنه لا ينعقد إلا بشهادة مسلمين سواء كان الزوجان مسلمين أو الزوج وحده نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا كانت المرأة ذمية, صح بشهادة ذميين قال أبو الخطاب: ويتخرج لنا مثل ذلك مبنيا على الرواية التي تقول بقبول شهادة بعض أهل الذمة على بعض ولنا قوله عليه السلام: (( لا نكاح إلا بولي, وشاهدي عدل )) ولأنه نكاح مسلم فلم ينعقد بشهادة ذميين كنكاح المسلمين.

فصل: 

فأما الفاسقان, ففي انعقاد النكاح بشهادتهما روايتان إحداهما لا ينعقد وهو مذهب الشافعي للخبر ولأن النكاح لا يثبت بشهادتهما فلم ينعقد بحضورهما, كالمجنونين والثانية ينعقد بشهادتهما وهو قول أبي حنيفة لأنها تحمل فصحت من الفاسق, كسائر التحملات وعلى كلتا الروايتين لا يعتبر حقيقة العدالة بل ينعقد بشهادة مستورى الحال لأن النكاح يكون في القرى والبادية وبين عامة الناس, ممن لا يعرف حقيقة العدالة فاعتبار ذلك يشق فاكتفى بظاهر الحال وكون الشاهد مستورا لم يظهر فسقه, فإن تبين بعد العقد أنه كان فاسقا لم يؤثر ذلك في العقد لأن الشرط العدالة ظاهرا وهو أن لا يكون ظاهر الفسق, وقد تحقق ذلك وقيل: نتبين أن النكاح كان فاسدا لعدم الشرط وليس بصحيح لأنه لو كانت العدالة في الباطن شرطا لوجب الكشف عنها لأنه مع الشك فيها يكون مشكوكا في شرط النكاح فلا ينعقد, ولا تحل المرأة مع الشك في صحة نكاحها وإن حدث الفسق فيهما لم يؤثر في صحة النكاح لأن الشرط إنما يعتبر حالة العقد ولو أقر رجل وامرأة أنهما نكحا بولي وشاهدي عدل قبل قولهما, وثبت النكاح بإقرارهما.

فصل: ولا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين وهذا قول النخعي والأوزاعي والشافعي وعن أحمد, أنه قال: إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز فإن كان معهن رجل, فهو أهون فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك وهو قول أصحاب الرأي ويروى عن الشعبي لأنه عقد معاوضة فانعقد بشهادتهن مع الرجال كالبيع ولنا, أن الزهري قال: مضت السنة عن رسول الله -ﷺ- أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق رواه أبو عبيد, في " الأموال " وهذا ينصرف إلى سنة النبي -ﷺ- ولأنه عقد ليس بمال ولا المقصود منه المال ويحضره الرجال في غالب الأحوال, فلم يثبت بشهادتهن كالحدود وبهذا فارق البيع ويحتمل أن أحمد إنما قال: هو أهون لوقوع الخلاف فيه فلا يكون رواية.

فصل: ولا ينعقد بشهادة صبيين لأنهما ليسا من أهل الشهادة ويحتمل أن ينعقد بشهادة مراهقين عاقلين ولا ينعقد بشهادة مجنونين, ولا سائر من لا شهادة له لأن وجوده كالعدم ولا ينعقد بشهادة أصمين لأنهما لا يسمعان ولا أخرسين لعدم إمكان الأداء منهما وفي انعقاده بحضور أهل الصنائع الزرية كالحجام ونحوه وجهان بناء على قبول شهادتهم وفي انعقاده بشهادة عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما وجهان أحدهما, ينعقد اختاره أبو عبد الله ابن بطة لعموم قوله (( إلا بولي وشاهدي عدل )) ولأنه ينعقد بهما نكاح غير هذا الزواج فانعقد بهما نكاحه كسائر العدول والثاني, لا ينعقد بشهادتهما لأن العدو لا تقبل شهادته على عدوه والابن لا تقبل شهادته لوالده.

فصل: وينعقد بشهادة عبدين وقال أبو حنيفة والشافعي: لا ينعقد ومبنى الخلاف على قبول شهادتهما في سائر الحقوق ونذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى- وينعقد بشهادة ضريرين وللشافعية وجهان في ذلك ولنا, أنها شهادة على قول فصحت من الأعمى كالشهادة بالاستفاضة, وإنما ينعقد بشهادتهما إذا تيقن الصوت وعلم صوت المتعاقدين على وجه لا يشك فيهما كما يعلم ذلك من يراهما وإلا فلا.

فصل: وإذا تزوجت المرأة تزويجا فاسدا, لم يجز تزويجها لغير من تزوجها حتى يطلقها أو يفسخ نكاحها وإذا امتنع من طلاقها فسخ الحاكم نكاحه نص عليه أحمد وقال الشافعي: لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق لأنه نكاح غير منعقد أشبه النكاح في العدة ولنا, أنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتيج في التفريق فيه إلى إيقاع فرقة كالصحيح المختلف فيه, ولأن تزويجها من غير تفريق يفضي إلى تسليط زوجين عليها كل واحد منهما يعتقد أن نكاحه الصحيح ونكاح الآخر الفاسد, ويفارق النكاح الباطل من هذين الوجهين وإذا زوجت بآخر قبل التفريق لم يصح الثاني أيضا ولم يجز تزويجها الثالث حتى يطلق الأولان أو يفسخ نكاحهما, ومتى فرق بينهما قبل الدخول فلا مهر لها لأنه عقد فاسد لم يتصل به قبض فلم يجب به عوض كالبيع الفاسد, وإن كان التفريق بعد الدخول فلها المهر بدليل قوله عليه السلام: (( فلها المهر بما استحل من فرجها )) وإن تكرر الوطء فالمهر واحد للحديث ولأنه إصابة في عقد فاسد, أشبه الإصابة في عقد صحيح.

فصل: والواجب لها مهر مثلها أومأ إليه أحمد فإنه قال في العبد يتزوج بغير إذن سيده: يعطى شيئا قال القاضي: يعني مهر المثل وهو ظاهر قول الخرقي لقوله: (( وإذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما فإن دخل بها الثاني فلها مهر مثلها )) وهذا مذهب الشافعي والمنصوص عن أحمد أن لها المسمى لأن في بعض ألفاظ حديث عائشة: (( ولها الذي أعطاها بما أصاب منها )) قال القاضي: حدثناه أبو بكر البرقاني, وأبو محمد الخلال بإسناديهما وقال أبو حنيفة: الواجب الأقل من المسمى أو مهر المثل لأنها إن رضيت بدون مهر مثلها فليس لها أكثر منه كالعقد الصحيح, وإن كان المسمى أكثر لم يجب الزائد لأنه بغير عقد صحيح ولنا قول النبي -ﷺ-: (( فلها المهر بما استحل من فرجها )) فجعل لها المهر المميز بالإصابة والإصابة إنما توجب مهر المثل, ولأن العقد ليس بموجب بدليل الخبر وأنه لو طلقها قبل مسها لم يكن لها شيء, وإذا لم يكن موجبا كان وجوده كعدمه وبقي الوطء موجبا بمفرده فأوجب مهر المثل, كوطء الشبهة ولأن التسمية لو فسدت لوجب مهر المثل فإذا فسد العقد من أصله كان أولى وقول أبي حنيفة إنها رضيت بدون صداقها إنما يصح إذا كان العقد هو الموجب, وقد بينا أنه إنما يجب بالإصابة فيجب مهر المثل كاملا كوطء الشبهة.

فصل: ولا يجب لها بالخلوة شيء في قول أكثر أهل العلم لأن النبي -ﷺ- جعل لها المهر بما استحل من فرجها يعني أصاب ولم يصبها والمنصوص عن أحمد أن المهر يستقر بالخلوة, قياسا على العقد الصحيح وبناء على أن الواجب المسمى بالعقد وقد ذكرنا ذلك.

فصل: ولا حد في وطء النكاح الفاسد, سواء اعتقدا حله أو حرمته وعن أحمد ما يدل على أنه يجب الحد بالوطء في النكاح بلا ولي إذا اعتقدا حرمته وهو اختيار الصيرفى من أصحاب الشافعي لما روى الدارقطني, بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها, إن الزانية هي التي تزوج نفسها )) وبإسناده عن الشعبي قال: ما كان أحد من أصحاب النبي -ﷺ- أشد في النكاح بغير ولي من علي رضي الله عنه كان يضرب فيه وروى الشالنجى بإسناده عن عكرمة بن خالد أن الطريق جمعت ركبا فيه امرأة ثيب, فخطبها رجل فأنكحها رجل وهو غير ولي بصداق وشهود فلما قدموا على عمر, رضي الله عنه رفع إليه أمرهما ففرق بينهما وجلد الناكح والمنكح ولنا, أن هذا مختلف في إباحته فلم يجب به الحد كالنكاح بغير شهود, ولأن الحد يدرأ بالشبهات والاختلاف فيه أقوى الشبهات وتسميتها زانية يجوز, بدليل أنه سماها بذلك بمجرد العقد وعمر جلدهما أدبا وتعزيرا ولذلك جلد المنكح ولم يجلد المرأة, وجلدهما بمجرد العقد مع اعتقادهما حله وكذلك حديث عليٍّ، على أن حديث عليٍّ حجة على من أوجب الحد فيه فإن عليا أشد الناس فيه وقد انتهى الأمر إلى الجلد, فدل على أن سائر الناس والصحابة لم يروا فيه جلدا فإن قيل: فقد أوجبتم الحد على شارب النبيذ مع الاختلاف فيه؟ قلنا: هو مفارق لمسألتنا بدليل أنا نحد من اعتقد حله, ولأن يسير النبيذ يدعو إلى كثيره المتفق على تحريمه وهذا المختلف فيه يغني عن الزنى المجمع على تحريمه, فافترقا إذا ثبت هذا فإن من اعتقد حله ليس عليه إثم ولا أدب لأنه من مسائل الفروع المختلف فيها ومن اعتقد حرمته أثم وأدب وإن أتت بولد منه, لحقه نسبه في الحالين.

فصل: فأما الأنكحة الباطلة كنكاح المرأة المزوجة أو المعتدة أو شبهه, فإذا علما الحل والتحريم فهما زانيان وعليهما الحد, ولا يلحق النسب فيه.

فصل: ويساوي الفاسد الصحيح في اللعان إذا كان بينهما ولد يريد نفيه عنه لكون النسب لاحقا به, فإن لم يكن ولد فلا لعان بينهما لعدم الحاجة إليه وتجب العدة بالخلوة فيه, وعدة الوفاة بالموت فيه والإحداد وكل ذلك احتياطا لها ويفارق الصحيح في أنه لا يثبت التوارث, ولا تحصل به الإباحة للمتزوج ولا الحل للزوج المطلق ثلاثا بالوطء فيه ولا يحصل الإحصان بالوطء فيه, ولا يثبت حكم الإيلاء باليمين فيه ولا يحرم الطلاق فيه في زمن الحيض.

مسألة: قال: [وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها] إنما قيد المرأة بالحرة ها هنا لأن الأمة لا ولاية لأبيها عليها وإنما وليها سيدها بغير خلاف علمناه وأما المرأة الحرة, فأولى الناس بتزويجها أبوها ولا ولاية لأحد معه وبهذا قال الشافعي وهو المشهور عن أبي حنيفة وقال مالك والعنبري وأبو يوسف, وإسحاق وابن المنذر: الابن أولى وهو رواية عن أبي حنيفة لأنه أولى منه بالميراث وأقوى تعصيبا, ولهذا يرث بولاء أبيه دون جده ولنا أن الولد موهوب لأبيه قال الله تعالى: { ووهبنا له يحيى } وقال زكريا: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } وقال: { فهب لي من لدنك وليا } وقال إبراهيم: { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } وقال -ﷺ-: (( أنت ومالك لأبيك )) وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس, ولأن الأب أكمل نظرا وأشد شفقة فوجب تقديمه في الولاية, كتقديمه على الجد ولأن الأب يلي ولده في صغره وسفهه وجنونه فيليه في سائر ما ثبتت الولاية عليه فيه, بخلاف ولاية الابن ولذلك اختص بولاية المال وجاز له أن يشترى لها من ماله وله من مالها, إذا كانت صغيرة بخلاف غيره ولأن الولاية احتكام, واحتكام الأصل على فرعه أولى من العكس وفارق الميراث فإنه لا يعتبر له النظر, ولهذا يرث الصبى والمجنون وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث بخلاف ما نحن فيه.

مسألة: قال: ثم أبوه وإن علا يعني أن الجد أبا الأب وإن علت درجته فهو أحق بالولاية من الابن وسائر الأولياء وهو قول الشافعي وعن أحمد رواية أخرى, أن الابن مقدم على الجد وهو قول مالك ومن وافقه لما تقدم وعن أحمد رواية ثالثة أن الأخ يقدم على الجد وهو قول مالك لأن الجد يدلى بأبوة الأب, والأخ يدلى ببنوة والبنوة مقدمة وعن أحمد أن الجد والأخ سواء لاستوائهما في الميراث بالتعصيب واستوائهما في القرابة, فوجب أن يستويا في الولاية كالأخوين ولأنهما عصبتان لا يسقط أحدهما بالآخر فاستويا في الولاية كالأخوين ولنا, أن الجد له إيلاد وتعصيب فيقدم عليهما كالأب, ولأن الابن والأخ يقادان بها ويقطعان بسرقة مالها والجد بخلافه, والجد لا يسقط في الميراث إلا بالأب والأخ يسقط به وبالابن وابنه وإذا ضاق المال, وفي المسألة جد وأخ سقط الأخ وحده فوجب تقديمه عليهما كالأب, ولتقدمه على العم وسائر العصبات إذا ثبت هذا فالجد وإن علا أولى من جميع العصبات غير الأب وأولى الأجداد أقربهم وأحقهم في الميراث.

مسألة: قال: ثم ابنها وابنه وإن سفل وجملته أنه متى عدم الأب وآباؤه, فأولى الناس بتزويج المرأة ابنها ثم ابنه بعده وإن نزلت درجته الأقرب فالأقرب منهم وبه قال أصحاب الرأي وقال الشافعي: لا ولاية للابن إلا أن يكون ابن عم, أو مولى أو حاكما فيلى بذلك, لا بالبنوة لأنه ليس بمناسب لها فلا يلي نكاحها كخالها ولأن طبعه ينفر من تزويجها, فلا ينظر لها ولنا ما روت أم سلمة رضي الله عنها (( أنها لما انقضت عدتها أرسل إليها رسول الله -ﷺ- يخطبها, فقالت: يا رسول الله: ليس أحد من أوليائى شاهدا قال: ليس من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله -ﷺ- فزوجه )) رواه النسائي قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله فحديث عمر بن أبي سلمة, حين تزوج النبي -ﷺ- أمه أم سلمة أليس كان صغيرا؟ قال: ومن يقول كان صغيرا ليس فيه بيان ولأنه عدل من عصبتها, فثبت له ولاية تزويجها كأخيها وقولهم: ليس بمناسب لها يبطل بالحاكم والمولى وقولهم: إن طبعه ينفر من تزويجها قلنا: هذا معارض في الفرع ليس له أصل ثم يبطل بما إذا كان ابن عم أو مولى أو حاكما إذا ثبت هذا فإنه يقدم على الأخ ومن بعده بغير خلاف نعلمه عند من يقول بولايته لأنه أقوى منه تعصيبا, وقد استويا في عدم الإيلاد.

مسألة: قال: ثم أخوها لأبيها وأمها لا خلاف بين أهل العلم في تقديم الأخ بعد عمودى النسب لكونه أقرب العصبات بعدهم فإنه ابن الأب وأقواهم تعصيبا, وأحقهم بالميراث.

مسألة: قال: والأخ للأب مثله اختلفت الرواية عن أحمد في الأخ للأبوين والأخ للأب إذا اجتمعا فالمشهور عنه أنهما سواء في الولاية وبه قال أبو ثور والشافعي في القديم لأنهما استويا في الإدلاء بالجهة التي تستفاد منها العصوبة وهي جهة الأب, فاستويا في الولاية كما لو كانا من أب وإنما يرجح الآخر في الميراث بجهة الأم, ولا مدخل لها في الولاية فلم يرجح بها كالعمين أحدهما خال, وابني عم أحدهما أخ من أم والرواية الثانية الأخ من الأبوين أولى واختارها أبو بكر وهذا قول أبي حنيفة ومالك, والشافعي في الجديد وهو الصحيح -إن شاء الله تعالى- لأنه حق يستفاد بالتعصيب فقدم فيه الأخ من الأبوين, كالميراث وكاستحقاق الميراث بالولاء فإنه لا مدخل للنساء فيه وقد قدم الأخ للأبوين فيه وبهذا يبطل ما ذكرناه للرواية الأولى وهكذا الخلاف في بني الإخوة والأعمام وبنيهم فأما إذا كان ابنا عم لأب, أحدهما أخ لأم فهما سواء لأنهما استويا في التعصيب والإرث به وقال القاضي: فيهما من الخلاف مثل ما في ابن عم من أبوين وابن عم من أب لأنه يرجح بجهة أمه وليس كذلك لأن جهة أمه يرث بها منفردة وما ورث به منفردا لم يرجح به, ولذلك لم يرجح به في الميراث بالولاء ولا في غيره فعلى هذا إذا اجتمع ابن عم لأبوين وابن عم لأب هو أخ من أم فالولاية لابن العم من الأبوين عند من يرى تقديم ولد الأبوين. مسألة: قال: ثم أولادهم وإن سفلوا, ثم العمومة ثم أولادهم وإن سفلوا ثم عمومة الأب وجملته أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب, فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية فأولاهم بعد الآباء بنو المرأة ثم بنوهم وإن سفلوا, ثم بنوا أبيها وهم الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جدها وهم الأعمام, ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جد الأب وهم أعمام الأب ثم بنوهم وإن سفلوا, ثم بنو جد الجد ثم بنوهم وعلى هذا لا يلي بنو أب أعلى مع بني أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم, وأولى ولد كل أب أقربهم إليه لأن مبنى الولاية على النظر والشفقة وذلك معتبر بمظنته وهي القرابة, فأقربهم أشفقهم ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم.

 فصل: 

ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب كالأخ من الأم والخال, وعم الأم والجد أبي الأم ونحوهم نص عليه أحمد في مواضع وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة والثانية, أن كل من يرث بفرض أو تعصيب يلي لأنه من أهل ميراثها فوليها كعصباتها ولنا ما روي عن علي, أنه قال: إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعصبة أولى إذا أدركن رواه أبو عبيد في " الغريب " ولأنه ليس من عصباتها فأشبه الأجنبي.

 مسألة: 

قال: ثم المولى المنعم, ثم أقرب عصبته به لا خلاف نعلمه في أن المرأة إذا لم يكن لها عصبة من نسبها أن مولاها يزوجها ولا في أن العصبة المناسب أولى منه, وذلك لأنه عصبة مولاته يرثها ويعقل عنها عند عدم عصباتها فلذلك يزوجها, وقدم عليه المناسبون كما قدموا عليه في الإرث والعقل فإن عدم المولى أو لم يكن من أهل الولاية كالمرأة والطفل والكافر, فعصباته الأقرب منهم فالأقرب على ترتيب الميراث ثم مولى المولى, ثم عصباته من بعده كالميراث سواء فإن اجتمع ابن المعتق وأبوه فالابن أولى لأنه أحق بالميراث وأقوى في التعصيب, وإنما قدم الأب المناسب على الابن المناسب لزيادة شفقته وفضيلة ولادته وهذا معدوم في أبي المعتق فرجع به إلى الأصل.

 مسألة: 

قال: ثم السلطان لا نعلم خلافا بين أهل العلم, في أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم وبه يقول مالك والشافعي وإسحاق, وأبو عبيد وأصحاب الرأي والأصل فيه قول النبي -ﷺ-: (( فالسلطان ولي من لا ولي له )) وروى أبو داود بإسناده عن أم حبيبة (( أن النجاشى زوجها رسول الله -ﷺ- وكانت عنده ولأن )) للسلطان ولاية عامة بدليل أنه يلي المال, ويحفظ الضوال فكانت له الولاية في النكاح كالأب.

 فصل: 

والسلطان ها هنا هو الإمام أو الحاكم, أو من فوضا إليه ذلك واختلفت الرواية عن أحمد في والى البلد فقال في موضع: يزوج والى البلد وقال في الرستاق يكون فيه الوالى وليس فيه قاض: يزوج إذا احتاط لها في المهر والكفء أرجو أن لا يكون به بأس لأنه ذو سلطان, فيدخل في عموم الحديث وقال في موضع آخر في المرأة إذا لم يكن لها ولى: فالسلطان المسلط على الشيء القاضي يقضي في الفروج والحدود والرجم وصاحب الشرطة إنما هو مسلط في الأدب والجناية وقال: ما للوالى ولاية إنما هو القاضي وتأول القاضي الرواية الأولى على أن الوالى أذن له في التزويج ويحتمل أنه جعل له ذلك إذا لم يكن في موضع ولايته قاض, فكأنه قد فوض إليه النظر فيما يحتاج إليه في ولايته وهذا منها.

 فصل: 

وإذا استولى أهل البغي على بلد جرى حكم سلطانهم وقاضيهم في ذلك مجرى الإمام وقاضيه لأنه أجرى مجراه في قبض الصدقات والجزية والخراج والأحكام, فكذلك في هذا.

 فصل: 

فإن لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان فعن أحمد ما يدل على أنه يزوجها رجل عدل بإذنها فإنه قال في دهقان قرية: يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر, إذا لم يكن في الرستاق قاض قال ابن عقيل: أخذ قوم من أصحابنا من هذه الرواية أن النكاح لا يقف على ولي قال: وقال القاضي: نصوص أحمد تمنع من ذلك والصحيح أن هذا القول مختص بحال عدم الولي والسلطان لأنه شرط أن لا يكون في الرستاق قاض ووجه ذلك أن اشتراط الولي ها هنا يمنع النكاح بالكلية فلم يجز, كاشتراط المناسب في حق من لا مناسب لها وروى أنه لا يجوز النكاح إلا بولي لعموم الأخبار فيه.

 مسألة: 

قال: ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضرا وجملة ذلك أنه يجوز التوكيل في النكاح سواء كان الولي حاضرا أو غائبا مجبرا أو غير مجبر لأنه روى أن النبي -ﷺ- (( وكل أبا رافع في تزويجه ميمونة, ووكل عمرو بن أمية في تزويجه أم حبيبة )) ولأنه عقد معاوضة فجاز التوكيل فيه كالبيع ولأصحاب الشافعي في توكيل غير الأب والجد وجهان أحدهما لا يجوز لأنه يلي بالإذن, فلم يجز التوكيل له كالوكيل ولنا أنه يلي شرعا, فكان له التوكيل كالأب ولا يصح قولهم: إنه يلي بالإذن فإن ولايته ثابتة قبل إذنها وإنما إذنها شرط لصحة تصرفه, فأشبه ولاية الحاكم عليها ولا خلاف في أن للحاكم أن يستنيب في التزويج من غير إذن المرأة ولأن المرأة لا ولاية لها على نفسها, فكيف تنيب لنائبها من قبلها

 فصل: 

ويجوز التوكيل مطلقا ومقيدا فالمقيد التوكيل في تزويج رجل بعينه والمطلق التوكيل في تزويج من يرضاه أو من يشاء قال أحمد -رحمه الله- في رواية عبد الله, في الرجل يولى على أخته أو ابنته يقول: إذا وجدت من ترضاه فزوجه فتزويجه جائز ومنع بعض الشافعية التوكيل المطلق ولا يصح فإنه روى أن رجلا من العرب ترك ابنته عند عمر وقال: إذا وجدت لها كفؤا فزوجه إياها ولو بشراك نعله فزوجها عمر عثمان بن عفان رضي الله عنه فهي أم عمر بن عثمان واشتهر ذلك فلم ينكر, ولأنه إذن في النكاح فجاز مطلقا كإذن المرأة, أو عقد فجاز التوكيل فيه مطلقا والله أعلم.

 فصل: 

ولا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل سواء كان الموكل أبا أو غيره ولا يفتقر إلى حضور شاهدين وقال بعض الشافعية: لا يجوز لغير المجبر التوكيل إلا بإذن المرأة وخرجه القاضي على الروايتين في توكيل الوكيل من غير إذن الموكل وحكي عن الحسن بن صالح أنه لا يصح إلا بحضرة شاهدين لأنه يراد لحل الوطء, فافتقر إلى الشهادة كالنكاح ولنا أنه إذن من الولي في التزويج, فلم يفتقر إلى إذن المرأة ولا إلى إشهاد كإذن الحاكم وقد بينا أن الولي ليس بوكيل للمرأة, وهذا التوكيل لا يملك به البضع فلم يفتقر إلى إشهاد بخلاف النكاح ويبطل ما ذكره الحسن بن صالح بالتسري.

 فصل: 

ويثبت للوكيل ما يثبت للموكل وإن كان للولd الإجبار ثبت ذلك لوكيله وإن كانت ولايته ولاية مراجعة, احتاج الوكيل إلى إذنها ومراجعتها لأنه نائب فيثبت له مثل ما ثبت لمن ينوب عنه وكذلك الحكم في السلطان والحاكم يأذن لغيره في التزويج فيكون المأذون له قائما مقامه.

 فصل: 

واختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟ فروى أنها تستفاد بها وهو اختيار الخرقي لقوله: أو وصى ناظرا له في التزويج وهو قول الحسن وحماد بن أبي سليمان, ومالك وعنه لا تستفاد بالوصية وبه قال الثوري والشعبي والنخعي, والحارث العكلي وأبو حنيفة والشافعي, وابن المنذر لأنها ولاية تنتقل إلى غيره شرعا فلم يجز أن يوصى بها كالحضانة ولأنه لا ضرر على الوصى في تضييعها ووضعها عند من لا يكافئها, فلم تثبت له الولاية كالأجنبي ولأنها ولاية نكاح فلم تجز الوصية بها, كولاية الحاكم وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان لها عصبة لم تجز الوصية بنكاحها لأنه يسقط حقهم بوصيته وإن لم يكن عصبة, جاز لعدم ذلك ولنا أنها ولاية ثابتة للأب فجازت وصيته بها, كولاية المال ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في حياته فيكون نائبه قائما مقامه بعد موته, فجاز أن يستنيب فيها كولاية المال وما ذكروه يبطل بولاية المال فعلى هذا لا يصير وصيا في النكاح بالوصية إليه في المال لأنها إحدى الولايتين فلم يملكها بالوصية إليه في المال, كالوصية الأخرى قياسا على وصية المال لا تملك بالوصية في النكاح.

 فصل: 

فعلى هذا تجوز الوصية بالنكاح من كل ذى ولاية سواء كان مجبرا كالأب, أو غير مجبر كغيره ووصى كل ولي يقوم مقامه فإن كان الولي له الإجبار فكذلك لوصيه وإن كان يحتاج إلى إذنها فوصيه كذلك لأنه قائم مقامه, فهو كالوكيل وقال مالك: إن عين الأب الزوج ملك الوصى إجبارها صغيرة كانت أو كبيرة, وإن لم يعين الزوج وكانت ابنته كبيرة صحت الوصية, واعتبر إذنها وإن كانت صغيرة انتظرنا بلوغها, فإذا أذنت جاز أن يزوجها بإذنها ولنا أن من ملك التزويج إذا عين له الزوج, ملك مع الإطلاق كالوكيل ومتى زوج وصى الأب الصغيرة فبلغت, فلا خيار لها لأن الوصى قائم مقام الموصى فلم يثبت في تزويجه خيار كالوكيل.

 مسألة: 

قال: وإذا كان الأقرب من عصبتها طفلا أو كافرا أو عبدا, زوجها الأبعد من عصبتها وجملة ذلك أن الولاية لا تثبت لطفل ولا عبد ولا كافر على مسلمة بحال فعند ذلك يكون وجودهم كالعدم فتثبت الولاية لمن هو أبعد منهم كما لو ماتوا وتعتبر لثبوت الولاية لمن سمينا ستة شروط العقل, والحرية والإسلام والذكورية, والبلوغ والعدالة على اختلاف نذكره فأما العقل, فلا خلاف في اعتباره لأن الولاية إنما تثبت نظرا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه ومن لا عقل له لا يمكنه النظر ولا يلي نفسه, فغيره أولى وسواء في هذا من لا عقل له لصغره كطفل أو من ذهب عقله بجنون أو كبر, كالشيخ إذا أفند قال القاضي: والشيخ الذي قد ضعف لكبره فلا يعرف موضع الحظ لها لا ولاية له فأما الإغماء فلا يزيل الولاية لأنه يزول عن قرب, فهو كالنوم ولذلك لا تثبت الولاية عليه ويجوز على الأنبياء عليهم السلام ومن كان يجن في الأحيان لم تزل ولايته لأنه لا يستديم زوال عقله, فهو كالإغماء الشرط الثاني الحرية فلا ولاية لعبد في قول جماعة أهل العلم, فإن العبد لا ولاية له على نفسه فعلى غيره أولى وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يزوجها العبد بإذنها بناء منهم على أن المرأة تزوج نفسها, وقد مضى الكلام في هذه المسألة الشرط الثالث الإسلام فلا يثبت لكافر ولاية على مسلمة وهو قول عامة أهل العلم أيضا قال ابن المنذر: أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا قال أحمد: بلغنا أن عليا أجاز نكاح أخ, ورد نكاح الأب وكان نصرانيا الشرط الرابع الذكورية شرط للولاية في قول الجميع لأنه يعتبر فيها الكمال والمرأة ناقصة قاصرة, تثبت الولاية عليها لقصورها عن النظر لنفسها فلأن لا تثبت لها ولاية على غيرها أولى الشرط الخامس البلوغ شرط في ظاهر المذهب قال أحمد: لا يزوج الغلام حتى يحتلم, ليس له أمر وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والشافعي وإسحاق, وابن المنذر وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى, أنه إذا بلغ عشرا زوج وتزوج وطلق, وأجيزت وكالته في الطلاق وهذا يحتمله كلام الخرقي لتخصيصه المسلوب الولاية بكونه طفلا ووجه ذلك أنه يصح بيعه ووصيته وطلاقه فثبتت له الولاية كالبالغ والأول اختيار أبي بكر, وهو الصحيح لأن الولاية يعتبر لها كمال الحال لأنها تنفيذ التصرف في حق غيره اعتبرت نظرا له والصبى مولى عليه لقصوره, فلا تثبت له الولاية كالمرأة الشرط السادس العدالة في كونها شرطا روايتان إحداهما, هي شرط قال أحمد: إذا كان القاضي مثل ابن الحلبى وابن الجعدى استقبل النكاح فظاهر هذا أنه أفسد النكاح لانتفاء عدالة المتولى له وهذا قول الشافعي وذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولى مرشد قال أحمد: أصح شيء في هذا قول ابن عباس وقد روى - يعني عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل )) وروي عن أبي بكر البرقاني بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( لا نكاح إلا بولي مرشد, وشاهدي عدل )) ولأنها ولاية نظرية فلا يستبد بها الفاسق كولاية المال والرواية الأخرى, ليست بشرط نقل مثنى بن جامع أنه سأل أحمد: إذا تزوج بولي فاسق وشهود غير عدول؟ فلم ير أنه يفسد من النكاح شيء, وهذا ظاهر كلام الخرقي لأنه ذكر الطفل والعبد والكافر ولم يذكر الفاسق وهو قول مالك وأبي حنيفة, وأحد قولي الشافعي لأنه يلي نكاح نفسه فتثبت له الولاية على غيره كالعدل, ولأن سبب الولاية القرابة وشرطها النظر وهذا قريب ناظر, فيلى كالعدل

 فصل: 

ولا يشترط أن يكون بصيرا لأن شعيبا عليه السلام زوج ابنته وهو أعمى ولأن المقصود في النكاح يعرف بالسماع والاستفاضة, فلا يفتقر إلى النظر ولا يشترط كونه ناطقا بل يجوز أن يلي الأخرس إذا كان مفهوم الإشارة لأن إشارته تقوم مقام نطقه في سائر العقود والأحكام فكذلك في النكاح.

 فصل: 

ومن لم تثبت له الولاية, لا يصح توكيله لأن وكيله نائب عنه وقائم مقامه وإن وكله الولي في تزويج موليته لم يجز لأنها ولاية وليس هو من أهلها, ولأنه لما لم يملك تزويج مناسبته بولاية النسب فلأن لا يملك تزويج مناسبة غيره بالتوكيل أولى ويحتمل أن يصح توكيل العبد والفاسق والصبى المميز في العقد لأنهم من أهل اللفظ بالعقد وعبارتهم فيه صحيحة, ولذلك صح قبولهم النكاح لأنفسهم وإنما سلبوا الولاية نفسها لأنه يعتبر لها الكمال ولا حاجة إليه في اللفظ به فأما إن وكله الزوج في قبول النكاح له, أو وكله الأب في قبول النكاح لابنه الصغير فقال أصحابنا: لا يصح لأنه أحد طرفي العقد فلم يجز توكيله فيه كالإيجاب ويحتمل جواز توكيل من ذكرنا فيه لأنهم من أهله, ويصح قبولهم النكاح لأنفسهم فجاز أن ينوبوا فيه عن غيرهم كالبيع وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي في العبد.

 مسألة: 

قال: [ويزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها] اختلفت الرواية عن أحمد في من يزوج أمة المرأة, فروي عنه أنه يلي نكاحها ولي سيدتها قال القاضي: هذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي لأن مقتضى الدليل كون الولاية لها فامتنعت في حقها لقصورها, فتثبت لأوليائها كولاية نفسها ولأنهم يلونها لو عتقت, ففي حال رقها أولى ثم إن كانت سيدتها رشيدة لم يجز تزويج أمتها إلا بإذنها لأنها مالها ولا يجوز التصرف في مال رشيد بغير إذنه, ويعتبر نطقها بذلك وإن كانت بكرا لأن صماتها إنما اكتفى به في تزويج نفسها لحيائها ولا تستحيى من تزويج أمتها وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو سفيهة ولوليها ولاية على مالها, فله تزويج أمتها إن كان الحظ في تزويجها وإلا فلا يملك تزويجها وكذلك الحكم في أمة ابنه الصغير وقال بعض الشافعية: ليس له تزويجها بحال لأن فيه تغريرا بمال الصغيرة لأنها ربما حملت فتلفت ولنا, أن له التصرف بما فيه الحظ والتزويج ها هنا فيه الحظ لأن الكلام فيه فجاز, كسائر التصرفات الجائزة واحتمال الخطر مرجوح لما فيه من تحصيل مهرها وولدها وكفاية مؤنتها, وصيانتها عن الزنى الموجب للحد في حقها ونقص قيمتها والمرجوح كالمعدوم وإن كان وليها في مالها غير ولي تزويجها, فولاية تزويجها للولي في المال دون ولي التزويج لأنه هو المتصرف في المال وهي مال والرواية الثانية أن للمرأة أن تولى أمر أمتها رجلا يزوجها نقلها عن أحمد جماعة لأن سبب الولاية الملك, وقد تحقق في المرأة وامتنعت المناشزة لنقص الأنوثة فملكت التوكيل, كالرجل المريض والغائب ونقل عن أحمد كلام يحتمل رواية ثالثة وهو أن سيدتها تزوجها فإنه قيل له: تزوج أمتها؟ قال: قد قيل ذلك, هي مالها وهذا يحتمل أنه ذهب إليه وهو قول أبي حنيفة لأنها مالكة لها وولايتها تامة عليها فملكت تزويجها, كالسيد ولأنها تملك بيعها وإجارتها فملكت تزويجها, كسيدها ولأن الولاية إنما تثبت على المرأة لتحصيل الكفاية وصيانة لحظ الأولياء في تحصيلها, فلا تثبت عليها الولاية في أمتها لعدم اعتبار الكفاية وعدم الحق للأولياء فيها ويحتمل أن أحمد قال هذا حكاية لمذهب غيره فإنه قد قال في سياقها: أحب إلى أن تأمر من يزوجها لأن النساء لا يعقدن وقد ذكرنا في خبر أبي هريرة, عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( لا تنكح المرأة المرأة )) وقالت عائشة رضي الله عنها: زوجوا فإن النساء لا يزوجن واعقدوا, فإن النساء لا يعقدن ولأن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها فغيرها أولى.

 مسألة: 

قال: ويزوج مولاتها من يزوج أمتها يعني عتيقتها وهذه فيها روايتان إحداهما أن لمولاتها التوكيل في تزويجها رجلا لأنها عصبتها, وترثها بالتعصيب فأشبهت المعتق والثانية ولي سيدتها وليها وهي الأصح لأن هذه ولاية لنكاح حرة, والمرأة ليست من أهل ذلك فيكون إلى عصباتها لأنهم الذين يعقلون عنها, ويرثونها بالتعصيب عند عدم سيدتها فكانوا أولياءها كما لو تعذر على المعتق تزويج معتقته لموت أو جنون وقد ذكرنا أنه إذا انقرض العصبة من النسب, ولي المولى المعتق ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب كذا ها هنا, إلا أن ظاهر كلام الخرقي ها هنا تقديم أبي المعتقة على ابنها لأنه الذي يزوجها وذكرنا ثم خلاف هذا ويعتبر في ولايته شرطان أحدهما عدم العصبة من النسب لأن المناسب أقرب من المعتق, وأولى منه الثاني إذن المزوجة لأنها حرة وليست له ولاية إجبار, فإنه أبعد العصبات ولا يفتقر إلى إذن مولاتها لأنها لا ولاية لها ولا ملك فأشبهت قريب الطفل إذا زوج البعيد.

 فصل: 

وإذا كان للأمة مولى, فهو وليها وإن كان لها موليان فالولاية لهما, وليس لواحد منهما الاستقلال بالولاية بغير إذن صاحبه لأنه لا يملك إلا نصفها وإن اشتجرا لم يكن للسلطان أن ينوب عنهما لأن تزويجها تصرف في المال بخلاف الحرة فإن نكاحها حق لها, ونفعه عائد إليها ونكاح الأمة حق لسيدها ونفعه عائد إليه, فلم يثبت للسلطان عنه فيه فإن أعتقاها ولها عصبة مناسب فهو أولى منهما وإن لم يكن لها عصبة, فهما ولياها ولا يستقل أحدهما بالتزويج لأن ولايته على نصفها فإن اشتجرا أمام الحاكم أقام الحاكم مقام الممتنع منهما لأنها صارت حرة وصار نكاحها حقا لها وإن كان المعتق أو المعتقة واحدا, وله عصبتان في درجة واحدة كالابنين أو الأخوين فلأحدهما الاستقلال بتزويجها, كما يملك تزويج سيدتها.

 مسألة: 

قال: [ومن أراد أن يتزوج امرأة هو وليها جعل أمرها إلى رجل يزوجها منه بإذنها] وجملته أن ولي المرأة التي يحل له نكاحها وهو ابن العم, أو المولى أو الحاكم أو السلطان إذا أذنت له أن يتزوجها, فله ذلك وهل له أن يلي طرفي العقد بنفسه؟ فيه روايتان: إحداهما له ذلك وهو قول الحسن, وابن سيرين وربيعة ومالك, والثوري وأبي حنيفة وإسحاق, وأبي ثور وابن المنذر لما روى البخاري قال: قال عبد الرحمن بن عوف, لأم حكيم ابنة قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم قال: قد تزوجتك ولأنه يملك الإيجاب والقبول فجاز أن يتولاهما كما لو زوج أمته عبده الصغير, ولأنه عقد وجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية والقبول من زوج هو أهل للقبول فصح, كما لو وجدا من رجلين وقد روى أن النبي -ﷺ-: (( أعتق صفية وجعل عتقها صداقها )) فإن قيل: فقد روي أن النبي -ﷺ- قال: (( كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: زوج وولي, وشاهدان )) قلنا: هذا لا نعرف صحته وإن صح فهو مخصوص بمن زوج أمته عبده الصغير فيخص منه محل النزاع أيضا وهل يفتقر إلى ذكر الإيجاب والقبول, أم يكتفى بمجرد الإيجاب؟ فيه وجهان أحدهما يحتاج أن يقول: زوجت نفسى فلانة وقبلت هذا النكاح لأن ما افتقر إلى الإيجاب افتقر إلى القبول, كسائر العقود والثاني يكفيه أن يقول: زوجت نفسى فلانة أو تزوجت فلانة وهو قول مالك, وأبي حنيفة لحديث عبد الرحمن بن عوف ولأن إيجابه يتضمن القبول فأشبه إذا تقدم الاستدعاء, ولهذا قلنا: إذا قال لأمته: قد أعتقتك وجعلت عتقك صداقك انعقد النكاح بمجرد هذا القول والرواية الثانية لا يجوز أن يتولى طرفي العقد, ولكن يوكل رجلا يزوجه إياها بإذنها قال أحمد -رحمه الله- في رواية ابن منصور: لا يزوج نفسه حتى يولى رجلا على حديث المغيرة بن شعبة وهو ما روى أبو داود, بإسناده عن عبد الملك بن عمير أن المغيرة بن شعبة أمر رجلا زوجه امرأة المغيرة أولى به منه ولأنه عقد ملكه بالإذن فلم يجز أن يتولى طرفيه, كالبيع وبهذا فارق ما إذا زوج أمته عبده الصغير وعلى هذه الرواية إن وكل من يقبل له النكاح وتولى هو الإيجاب, جاز وقال الشافعي في ابن العم والمولى: لا يزوجها إلا الحاكم ولا يجوز أن يتولى طرفي العقد ولا أن يوكل من يزوجه لأن وكيله بمنزلته, وهذا عقد ملكه بالإذن فلا يتولى طرفيه كالبيع ولا يجوز أن يزوجه من هو أبعد منه من الأولياء لأنه لا ولاية لهم مع وجوده ولنا, ما ذكرناه من فعل الصحابة ولم يظهر خلافه ولأن وكيله يجوز أن يلي العقد عليها لغيره, فصح أن يليه عليها له إذا كانت تحل له كالإمام إذا أراد أن يزوج موليته ولأن هذه امرأة ولها ولي حاضر غير عاضل, فلم يلها الحاكم كما لو أراد أن يزوجها غيره ومفهوم قوله عليه السلام: (( السلطان ولي من لا ولي له )) أنه لا ولاية له على هذه.

 فصل: 

وإذا أذنت له في تزويجها ولم تعين الزوج, لم يجز أن يزوجها نفسه لأن إطلاق الإذن يقتضي تزويجها غيره ويجوز تزويجها لولده لأنه غيره فإن زوجها لابنه الكبير قبل لنفسه, وإن زوجها لابنه الصغير ففيه الروايتان في تولى طرفي العقد فإن قلنا: لا يتولاه فوكل رجلا يزوجها لولده وقبل هو النكاح له, افتقر إلى إذنها للوكيل على ما قدمنا من أن الوكيل لا يزوجها إلا بإذنها وإن وكل رجلا يقبل لولده النكاح وأوجب هو النكاح, لم يحتج إلى إذنها لأنها قد أذنت له.

 مسألة: 

قال: [لا يزوج كافر مسلمة بحال ولا مسلم كافرة إلا أن يكون المسلم سلطانا أو سيد أمة] أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال, بإجماع أهل العلم منهم مالك والشافعي, وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وقال أبو الخطاب في الذمى: إذا أسلمت أم ولده هل يلي نكاحها؟ على وجهين أحدهما, يليه لأنها مملوكته فيلى نكاحها كالمسلم ولأنه عقد عليها فيليه كإجارتها والثاني, لا يليه لقول الله تعالى { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ولأنها مسلمة فلا يلي نكاحها كابنته فعلى هذا يزوجها الحاكم وهذا أولى لما ذكرنا من الإجماع وأما المسلم فلا ولاية له على الكافرة غير السيد والسلطان وولى سيد الأمة الكافرة وذلك لقول الله تعالى { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ولأن مختلفى الدين لا يرث أحدهما الآخر ولا يعقل عنه, فلم يل عليه كما لو كان أحدهما رقيقا وأما سيد الأمة الكافرة فله تزويجها لكافر لكونها لا تحل للمسلمين, وكذلك ولي سيد الأمة الكافرة يلي تزويجها لكافر لأنها ولاية بالملك فلم يمنعها كون سيد الأمة الكافرة مسلما كسائر الولايات, ولأن هذه تحتاج إلى التزويج ولا ولي لها غير سيدها فأما السلطان فله الولاية على من لا ولي لها من أهل الذمة لأن ولايته عامة على أهل دار الإسلام وهذه من أهل الدار, فتثبت له الولاية عليها كالمسلمة وأما الكافر فتثبت له الولاية على أهل دينه, على حسب ما ذكرناه في المسلمين ويعتبر فيهم الشروط المعتبرة في المسلمين ويخرج في اعتبار عدالته في دينه وجهان, بناء على الروايتين في اعتبارها في المسلمين.

 فصل: 

إذا تزوج المسلم ذمية فوليها الكافر يزوجها إياه ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه وليها, فصح تزويجه لها كما لو زوجها كافرا ولأن هذه امرأة لها ولي مناسب, فلم يجز أن يليها غيره كما لو تزوجها ذمى وقال القاضي: لا يزوجها إلا الحاكم لأن أحمد قال: لا يعقد يهودي ولا نصراني عقدة نكاح لمسلم ولا مسلمة ووجهه أنه عقد يفتقر إلى شهادة مسلمين فلم يصح بولاية كافر, كنكاح المسلمين والأول أصح والشهود يرادون لإثبات النكاح عند الحاكم, بخلاف الولاية.

 مسألة: 

قال: [وإذا زوجها من غيره أولى منه وهو حاضر ولم يعضلها, فالنكاح فاسد] هذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة:

 أحدها: 

أنه إذا زوجها الولي الأبعد مع حضور الولي الأقرب, فأجابته إلى تزويجها من غير إذنه لم يصح وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يصح لأن هذا ولي فصح له أن يزوجها بإذنها كالأقرب ولنا, أن هذا مستحق بالتعصيب فلم يثبت للأبعد مع وجود الأقرب كالميراث, وبهذا فارق القريب البعيد.

 الحكم الثاني: 

أن هذا العقد يقع فاسدا لا يقف على الإجازة ولا يصير بالإجازة صحيحا, وكذلك الحكم إذا زوج الأجنبي أو زوجت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها أو تزوج العبد بغير إذن سيده فالنكاح في هذا كله باطل, في أصح الروايتين نص عليه أحمد في مواضع وهو قول الشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وعن أحمد رواية أخرى أنه يقف على الإجازة فإن أجازه جاز, وإن لم يجزه فسد قال أحمد في صغير زوجه عمه: فإن رضي به في وقت من الأوقات جاز, وإن لم يرض فسخ وإذا زوجت اليتيمة فلها الخيار إذا بلغت وقال: إذا زوج العبد بغير إذن سيده, ثم علم السيد فإن شاء أن يطلق عليه فالطلاق بيد السيد فإن أذن في التزويج فالطلاق بيد العبد وهذا قول أصحاب الرأي, في كل مسألة يعتبر فيها الإذن وروى ذلك في النكاح بغير ولي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه وعن ابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح, وإسحاق وأبي يوسف ومحمد لما روى (( أن جارية بكرا أتت النبي -ﷺ- فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة, فخيرها النبي -ﷺ- )) رواه أبو داود وابن ماجه وروى (( أن فتاة جاءت إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته قال: فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي, ولكني أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيئا )) رواه ابن ماجه والنسائي وفي رواية ابن ماجه: (( أردت أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء )) ولأنه عقد يقف على الفسخ فوقف على الإجازة كالوصية ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل )) وقال: (( إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل )) رواه أبو داود, وابن ماجه إلا أن أبا داود قال: هو موقوف على ابن عمر ولأنه عقد لا تثبت فيه أحكامه من الطلاق والخلع واللعان, والتوارث وغيرها فلم ينعقد, كنكاح المعتدة فأما حديث المرأة التي خيرها النبي -ﷺ- فهو مرسل عن عكرمة رواه الناس كذلك ولم يذكروا ابن عباس قاله أبو داود ثم يحتمل أن هذه المرأة هي التي قالت: زوجني من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته فخيرها لتزويجها من غير كفئها, وهذا يثبت الخيار ولا يبطل النكاح والوصية يتراخى فيها القبول وتجوز بعد الموت, فهي معدول بها عن سائر التصرفات ولا تفريع على هذه الرواية لوضوحها فأما على الرواية الأخرى فإن الشهادة تعتبر في العقد لأنها شرط له, فيعتبر وجودها معه كالقبول ولا تعتبر في الإجازة لأنها ليست بعقد, ولأنها إذا وجدت استند الملك إلى حالة العقد حتى لو كان في العقد نماء ملك من حين العقد, لا من حين الإجازة وإن مات أحدهما قبل الإجازة لم يرثه الآخر لأنه مات قبل تمام العقد وصحته وفيه وجه آخر, إن كان مما لو رفع إلى الحاكم أجازه ورثه الآخر لأنه عقد يلزمه إجازته فهو كالصحيح, وإن كان مما يفسخه لم يرثه.

 فصل: 

ومتى تزوجت المرأة بغير إذن وليها أو الأمة بغير إذن سيدها, فقد ذكره أصحابنا من جملة الصور التي فيها الروايتان والصحيح عندي أنه لا يدخل فيها لتصريح النبي -ﷺ- فيه بالبطلان ولأن الإجازة إنما تكون لعقد صدر من أهله في محله فأما ما لم يصدر من الأهل كالذي عقده المجنون أو الطفل فلا يقف على الإجازة, وهذا عقد لم يصدر من أهله فإن المرأة ليست أهلا له بدليل أنه لو أذن لها فيه لم يصح منها, وإذا لم يصح مع الإذن المقارن فلأن لا يصح بالإجازة المتأخرة أولى ولا تفريع على هذا فأما على القول الآخر, فمتى تزوجت المرأة بغير إذن الولي فرفع إلى الحاكم لم يملك إجازته, والأمر فيه إلى الولي فمتى رده بطل لأن من وقف الحكم على إجازته بطل برده, كالمرأة إذا زوجت بغير إذنها وفيه وجه آخر أنه إذا كان الزوج كفؤا أمر الحاكم الولي بإجازته, فإن لم يفعل أجازه الحاكم لأنه لما امتنع من الإجازة صار عاضلا فانتقلت الولاية عنه إلى الحاكم, كما في ابتداء العقد ومتى حصلت الإصابة قبل الإجازة ثم أجيز فالمهر واحد إما المسمى, وإما مهر المثل إن لم يكن مسمى لأن الإجازة مستندة إلى حالة العقد فيثبت الحل والملك من حين العقد كما ذكرنا في البيع, ولذلك لم يجب الحد ومتى تزوجت الأمة بغير إذن سيدها ثم خرجت من ملكه قبل الإجازة إلى من تحل له انفسخ النكاح لأنه قد طرأت استباحة صحيحة على موقوفة فأبطلتها, ولأنها أقوى فأزالت الأضعف كما لو طرأ ملك يمينه على ملك نكاحه وإن خرجت إلى من لا تحل له كالمرأة أو اثنين, فكذلك أيضا لأن العقد إذا وقف على إجازة شخص لم يجز بإجازة غيره كما لو باع أمة غيره ثم باعها المالك, فأجاز المشترى الثاني بيع الأجنبي وفيه وجه آخر أنه يجوز بإجازة المالك الثاني لأنه يملك ابتداء العقد فملك إجازته كالأول, ولا فرق بين أن يخرج ببيع أو إرث أو هبة أو غيره فأما إن أعتقها السيد احتمل أن يجوز النكاح لأنه إنما وقف لحق المولى فإذا أعتق سقط حقه, فصح العقد واحتمل أن لا يجوز لأن إبطال حق المولى ليس بإجازة ولأن حق المولى إن بطل من الملك, فلم يبطل من ولاية التزويج فإنه يليها بالولاء.

 فصل: 

إذا زوجت التي يعتبر إذنها بغير إذنها وقلنا: يقف على إجازتها فإجازتها بالنطق, أو ما يدل على الرضى من التمكين من الوطء أو المطالبة بالمهر والنفقة ولا فرق في ذلك بين البكر والثيب لأن أدلة الرضى تقوم مقام النطق به ولذلك قال النبي -ﷺ- لبريرة: (( إن وطئك زوجك, فلا خيار لك )) جعل تمكينها دليلا على إسقاط حقها والمطالبة بالمهر والنفقة والتمكين من الوطء دليل على الرضى لأن ذلك من خصائص العقد الصحيح فوجوده من المرأة دليل رضاها به.

 الحكم الثالث: 

إذا عضلها وليها الأقرب, انتقلت الولاية إلى الأبعد نص عليه أحمد وعنه رواية أخرى تنتقل إلى السلطان وهو اختيار أبي بكر وذكر ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وشريح وبه قال الشافعي لقول النبي -ﷺ-: (( فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له )) ولأن ذلك حق عليه امتنع من أدائه, فقام الحاكم مقامه كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه ولنا أنه تعذر التزويج من جهة الأقرب, فملكه الأبعد كما لو جن ولأنه يفسق بالعضل فتنتقل الولاية عنه, كما لو شرب الخمر فإن عضل الأولياء كلهم زوج الحاكم والحديث حجة لنا لقوله: (( السلطان ولي من لا ولي له )) وهذه لها ولي ويمكن حمله على ما إذا عضل الكل لأن قوله: (( فإن اشتجروا )) ضمير جمع يتناول الكل والولاية تخالف الدين من وجوه ثلاثة أحدها أنها حق للولي, والدين حق عليه الثاني أن الدين لا ينتقل عنه والولاية تنتقل لعارض من جنون الولي أو فسقه أو موته الثالث, أن الدين لا يعتبر في بقائه العدالة والولاية يعتبر لها ذلك وقد زالت العدالة بما ذكرنا فإن قيل: فلو زالت ولايته لما صح منه التزويج إذا أجاب إليه قلنا: فسقه بامتناعه, فإذا أجاب فقد نزع عن المعصية وراجع الحق فزال فسقه, فلذلك صح تزويجه والله أعلم.

 فصل: 

ومعنى العضل منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك ورغب كل واحد منهما في صاحبه قال معقل بن يسار: (( زوجت أختا لي من رجل فطلقها, حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وأفرشتك, وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها, لا والله لا تعود إليك أبدا وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية: {فلا تعضلوهن} فقلت: الآن أفعل يا رسول الله قال: فزوجها إياه )) رواه البخاري وسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أو دونه وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لهم منعها من التزويج بدون مهر مثلها لأن عليهم في ذلك عارا, وفيه ضرر على نسائها لنقص مهر مثلهن ولنا أن المهر خالص حقها, وعوض يختص بها فلم يكن لهم الاعتراض عليها فيه كثمن عبدها, وأجرة دارها ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كله, فبعضه أولى ولأن النبي -ﷺ- (( قال لرجل أراد أن يزوجه: التمس ولو خاتما من حديد )) (( وقال لامرأة زوجت بنعلين: أرضيت بنعلين من نفسك؟ )) قالت: نعم فأجازه النبي -ﷺ- وقولهم: فيه عار عليهم ليس كذلك فإن عمر قال: لو كان مكرمة في الدنيا, أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله -ﷺ- يعني غلو الصداق فإن رغبت في كفء بعينه وأراد تزويجها لغيره من أكفائها, وامتنع من تزويجها من الذي أرادته كان عاضلا لها فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها فله منعها من ذلك, ولا يكون عاضلا لها بهذا لأنه لو زوجت من غير كفئها كان له فسخ النكاح فلأن تمنع منه ابتداء أولى. مسألة: قال: وإذا كان وليها غائبا في موضع لا يصل إليه الكتاب, أو يصل فلا يجيب عنه زوجها من هو أبعد منه من عصباتها فإن لم يكن, فالسلطان الكلام في هذه المسألة في فصلين:

 الفصل الأول: 

أن الأقرب إذا غاب غيبة منقطعة فللأبعد من عصبتها تزويجها دون الحاكم وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: يزوجها الحاكم لأنه تعذر الوصول إلى النكاح من الأقرب مع بقاء ولايته, فيقوم الحاكم مقامه كما لو عضلها ولأن الأبعد محجوب بولاية الأقرب, فلا يجوز له التزويج كما لو كان حاضرا ودليل بقاء ولايته أنه لو زوج من حيث هو, أو وكل صح ولنا قوله عليه السلام (( السلطان ولي من لا ولي له )) وهذه لها ولي, فلا يكون السلطان وليا لها ولأن الأقرب تعذر حصول التزويج منه فتثبت الولاية لمن يليه من العصبات, كما لو جن أو مات ولأنها حالة يجوز فيها التزويج لغير الأقرب فكان ذلك للأبعد, كالأصل وإذا عضلها الأقرب فهو كمسألتنا.

 والفصل الثاني: 

في الغيبة المنقطعة, التي يجوز للأبعد التزويج في مثلها ففي قول الخرقي: هي من لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه لأن مثل هذا تتعذر مراجعته بالكلية فتكون منقطعة, أي ينقطع عن إمكان تزويجها وقال القاضي: يجب أن يكون حد المسافة أن لا تردد القوافل فيه في السنة إلا مرة لأن الكفء ينتظر سنة ولا ينتظر أكثر منها فيلحق الضرر بترك تزويجها وقد قال أحمد في موضع: إذا كان الأب بعيد السفر, يزوج الأخ قال أبو الخطاب: فيحتمل أنه أراد بالسفر البعيد ما تقصر فيه الصلاة لأن ذلك هو السفر الذي علقت عليه الأحكام وذهب أبو بكر إلى أن حدها ما لا يقطع إلا بكلفة ومشقة لأن أحمد قال: إذا لم يكن ولي حاضر من عصبتها كتب إليهم حتى يأذنوا إلا أن تكون غيبة منقطعة, لا تدرك إلا بكلفة ومشقة فالسلطان ولي من لا ولي له وهذا القول -إن شاء الله تعالى- أقربها إلى الصواب, فإن التحديدات بابها التوقيف ولا توقيف في هذه المسألة فترد إلى ما يتعارفه الناس بينهم, مما لم تجر العادة بالانتظار فيه ويلحق المرأة الضرر بمنعها من التزويج في مثله فإنه يتعذر في ذلك الوصول إلى المصلحة من نظر الأقرب, فيكون كالمعدوم والتحديد بالعام كبير فإن الضرر يلحق بالانتظار في مثل ذلك ويذهب الخاطب, ومن لا يصل الكتاب منه أبعد ومن هو على مسافة القصر لا تلحق المشقة في مكاتبته والتوسط أولى والله أعلم واختلف أصحاب أبي حنيفة في الغيبة المنقطعة فقال بعضهم كقول القاضي, وبعضهم قال: من الرى إلى بغداد وبعضهم قال: من البصرة إلى الرقة وهذان القولان يشبهان قول أبي بكر واختلف أصحاب الشافعي في الغيبة التي يزوج فيها الحاكم فقال بعضهم: مسافة القصر وقال بعضهم: يزوجها الحاكم وإن كان الولي قريبا وهو ظاهر نص الشافعي وظاهر كلام أحمد, أنه إذا كانت الغيبة غير منقطعة أنه ينتظر ويراسل حتى يقدم أو يوكل.

 فصل: وإن كان القريب محبوسا أو أسيرا في مسافة قريبة, لا تمكن مراجعته فهو كالبعيد فإن البعد لم يعتبر لعينه, بل لتعذر الوصول إلى التزويج بنظره وهذا موجود ها هنا وكذلك إن كان غائبا لا يعلم أقريب أم بعيد, أو علم أنه قريب ولم يعلم مكانه فهو كالبعيد. 
  

مسألة: قال: وإذا زوجت من غير كفء, فالنكاح باطل اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة النكاح فروي عنه أنها شرط له قال: إذا تزوج المولى العربية فرق بينهما وهذا قول سفيان وقال أحمد في الرجل يشرب الشراب: ما هو بكفء لها يفرق بينهما وقال: لو كان المتزوج حائكا فرقت بينهما لقول عمر رضي الله عنه: لأمنعن فروج ذوات الأحساب, إلا من الأكفاء رواه الخلال بإسناده وعن أبي إسحاق الهمداني قال: خرج سلمان وجرير في سفر فأقيمت الصلاة فقال جرير لسلمان: تقدم أنت قال سلمان: بل أنت تقدم, فإنكم معشر العرب لا يتقدم عليكم في صلاتكم ولا تنكح نساؤكم إن الله فضلكم علينا بمحمد -ﷺ- وجعله فيكم ولأن التزويج, مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه فلم يصح, كما لو زوجها بغير إذنها وقد روى أن النبي -ﷺ- قال (( لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء )) رواه الدارقطني إلا أن ابن عبد البر قال: هذا ضعيف, لا أصل له ولا يحتج بمثله والرواية الثانية عن أحمد أنها ليست شرطا في النكاح وهذا قول أكثر أهل العلم روى نحو هذا عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وعبيد بن عمير وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لقوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وقالت عائشة رضي الله عنها إن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالما, وأنكحه ابنة أخيه هند ابنة الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار: أخرجه البخاري (( وأمر النبي -ﷺ- فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه فنكحها بأمره )) متفق عليه (( وزوج أباه زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية )) وقال ابن مسعود لأخته: أنشدك الله أن تتزوجى مسلما, وإن كان أحمر روميا أو أسود حبشيا ولأن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقا للمرأة أو الأولياء, أو لهما فلم يشترط وجودها كالسلامة من العيوب وقد روى (( أن أبا هند حجم النبي -ﷺ- في اليافوخ, فقال النبي -ﷺ-: يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه )) رواه أبو داود, إلا أن أحمد ضعفه وأنكره إنكارا شديدا والصحيح أنها غير مشترطة وما روى فيها يدل على اعتبارها في الجملة, ولا يلزم منه اشتراطها وذلك لأن للزوجة ولكل واحد من الأولياء فيها حقا ومن لم يرض منهم فله الفسخ ولذلك لما زوج رجل ابنته من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته, جعل لها النبي -ﷺ- الخيار فأجازت ما صنع أبوها ولو فقد الشرط لم يكن لها خيار فإذا قلنا باشتراطها فإنما يعتبر وجودها حال العقد, فإن عدمت بعده لم يبطل النكاح لأن شروط النكاح إنما تعتبر لدى العقد وإن كانت معدومة حال العقد فالنكاح فاسد, حكمه حكم العقود الفاسدة على ما مضى فإن قلنا: ليست شرطا فرضيت المرأة والأولياء كلهم صح النكاح, وإن لم يرض بعضهم فهل يقع العقد باطلا من أصله أو صحيحا؟ فيه روايتان عن أحمد وقولان للشافعي أحدهما هو باطل لأن الكفاءة حق لجميعهم, والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم فلم يصح كتصرف الفضولي. والثانية, هو صحيح بدليل أن المرأة التي رفعت إلى النبي -ﷺ- أن أباها زوجها من غير كفئها خيرها ولم يبطل النكاح من أصله ولأن العقد وقع بالإذن والنقص الموجود فيه لا يمنع صحته, وإنما يثبت الخيار كالعيب من العنة وغيرها فعلى هذه الرواية لمن لم يرض الفسخ وبهذا قال الشافعي ومالك وقال أبو حنيفة إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء لم يكن لباقى الأولياء فسخ لأن هذا الحق لا يتجزأ, وقد أسقط بعض الشركاء حقه فسقط جميعه كالقصاص ولنا, أن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه فلم يسقط برضا غيره كالمرأة مع الولي فأما القصاص فلا يثبت لكل واحد كاملا, فإذا سقط بعضه تعذر استيفاؤه وهاهنا بخلافه, ولأنه لو زوجها بدون مهر مثلها ملك الباقون عندهم الاعتراض مع أنه خالص حقها, فهاهنا مع أنه حق لهم أولى وسواء كانوا متساوين في الدرجة أو متفاوتين فزوج الأقرب, مثل أن يزوج الأب بغير كفء فإن للإخوة الفسخ وقال مالك والشافعي ليس لهم فسخ إذا زوج الأقرب لأنه لا حق للأبعد معه فرضاؤه لا يعتبر ولنا, أنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة فملك الفسخ كالمتساويين.

مسألة: قال: والكفء ذو الدين والمنصب يعني بالمنصب الحسب وهو النسب واختلفت الرواية عن أحمد في شروط الكفاءة, فعنه هما شرطان الدين والمنصب لا غير وعنه أنها خمسة هذان, والحرية والصناعة واليسار وذكر القاضي, في (( المجرد )) أن فقد هذه الثلاثة لا يبطل النكاح رواية واحدة وإنما الروايتان في الشرطين الأولين قال: ويتوجه أن المبطل عدم الكفاءة في النسب لا غير لأنه نقص لازم, وما عداه غير لازم ولا يتعدى نقصه إلى الولد وذكر في (( الجامع )) الروايتين في جميع الشروط وذكره أبو الخطاب أيضا وقال مالك: الكفاءة في الدين لا غير قال ابن عبد البر: هذا جملة مذهب مالك وأصحابه وعن الشافعي كقول مالك وقول آخر أنها الخمسة التي ذكرناها, والسلامة من العيوب الأربعة فتكون ستة وكذلك قول أبي حنيفة والثوري, والحسن بن حي إلا في الصنعة والسلامة من العيوب الأربعة ولم يعتبر محمد بن الحسن الدين إلا أن يكون ممن يسكر ويخرج ويسخر منه الصبيان فلا يكون كفؤا لأن الغالب على الجند الفسق, ولا يعد ذلك نقصا والدليل على اعتبار الدين قوله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ولأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية غير مأمون على النفس والمال, مسلوب الولايات ناقص عند الله تعالى وعند خلقه قليل الحظ في الدنيا والآخرة, فلا يجوز أن يكون كفؤا لعفيفة ولا مساويا لها لكن يكون كفؤا لمثله فأما الفاسق من الجند, فهو ناقص عند أهل الدين والمروآت والدليل على اعتبار النسب في الكفاءة قول عمر رضي الله عنه: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء قال: قلت: وما الأكفاء؟ قال في الحسب رواه أبو بكر عبد العزيز بإسناده ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب, ويأنفون من نكاح الموالى ويرون ذلك نقصا وعارا فإذا أطلقت الكفاءة, وجب حملها على المتعارف ولأن في فقد ذلك عارا ونقصا فوجب أن يعتبر في الكفاءة كالدين.

فصل: واختلفت الرواية عن أحمد, فروي عنه أن غير قريش من العرب لا يكافئها وغير بني هاشم لا يكافئهم وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشا, واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم )) ولأن العرب فضلت على الأمم برسول الله -ﷺ- وقريش أخص به من سائر العرب وبنو هاشم أخص به من قريش وكذلك قال عثمان وجبير بن مطعم إن إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم علينا, لمكانك الذي وضعك الله به منهم وقال أبو حنيفة لا تكافئ العجم العرب ولا العرب قريشا وقريش كلهم أكفاء لأن ابن عباس قال: قريش بعضهم أكفاء بعض والرواية الثانية عن أحمد أن العرب بعضهم لبعض أكفاء والعجم بعضهم لبعض أكفاء لأن النبي -ﷺ- زوج ابنتيه عثمان, وزوج أبا العاص بن الربيع زينب وهما من بني عبد شمس وزوج على عمر ابنته أم كلثوم, وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن على وتزوج المصعب بن الزبير أختها سكينة وتزوجها أيضا عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام, وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب ابنة عم رسول الله -ﷺ- وزوج أبو بكر أخته أم فروة الأشعث بن قيس وهما كنديان وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس, وهي من قريش ولأن العجم والموالى بعضهم لبعض أكفاء وإن تفاضلوا, وشرف بعضهم على بعض فكذلك العرب.

فصل: فأما الحرية فالصحيح أنها من شروط الكفاءة, فلا يكون العبد كفؤا لحرة لأن النبي -ﷺ- خير بريرة حين عتقت تحت عبد فإذا ثبت الخيار بالحرية الطارئة فبالحرية المقارنة أولى ولأن نقص الرق كبير وضرره بين, فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده ولا ينفق نفقة الموسرين ولا ينفق على ولده, وهو كالمعدوم بالنسبة إلى نفسه ولا يمنع صحة النكاح فإن النبي -ﷺ- (( قال لبريرة: لو راجعتيه قالت: يا رسول الله أتأمرني؟ قال: إنما أنا شفيع قالت: فلا حاجة لي فيه )) رواه البخاري ومراجعتها له ابتداء النكاح فإنه قد انفسخ نكاحها باختيارها, ولا يشفع إليها النبي -ﷺ- في أن تنكح عبدا إلا والنكاح صحيح.

فصل: فأما اليسار ففيه روايتان إحداهما هو شرط في الكفاءة لقول النبي -ﷺ-: (( الحسب المال وقال: إن أحساب الناس بينهم في هذه الدنيا هذا المال وقال لفاطمة بنت قيس, حين أخبرته أن معاوية خطبها: أما معاوية فصعلوك لا مال له )) ولأن على الموسرة ضررا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولادها ولهذا ملكت الفسخ بإخلاله بالنفقة, فكذلك إذا كان مقارنا ولأن ذلك معدود نقصا في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ, قال نبيه بن الحجاج السهمى: سألتاني الطلاق أن رأتاني ** قل مالى قد جئتماني بنكر ويكأن من له نشب محبب ** ومن يفتقر يعش عيش ضر فكان من شروط الكفاءة كالنسب والرواية الثانية ليس بشرط لأن الفقر شرف في الدين, وقد قال النبي -ﷺ-: (( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا )) وليس هو أمرا لازما فأشبه العافية من المرض, واليسار المعتبر ما يقدر به على الإنفاق عليها حسب ما يجب لها ويمكنه أداء مهرها.

 فصل: 

فأما الصناعة, ففيها روايتان أيضا إحداهما أنها شرط فمن كان من أهل الصنائع الدنيئة, كالحائك والحجام والحارس, والكساح والدباغ والقيم, والحمامى والزبال فليس بكفء لبنات ذوى المروءات, أو أصحاب الصنائع الجليلة كالتجارة والبناية لأن ذلك نقص في عرف الناس, فأشبه نقص النسب وقد جاء في الحديث: (( العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكا, أو حجاما )) قيل لأحمد -رحمه الله-: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه يعني أنه ورد موافقا لأهل العرف وروى أن ذلك ليس بنقص ويروى نحو ذلك عن أبي حنيفة لأن ذلك ليس بنقص في الدين ولا هو لازم, فأشبه الضعف والمرض قال بعضهم: ألا إنما التقوى هي العز والكرم ** وليس على عبد تقى نقيصة وحبك للدنيا هو الذل والسقم ** إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم وأما السلامة من العيوب فليس من شروط الكفاءة, فإنه لا خلاف في أنه لا يبطل النكاح بعدمها ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون الأولياء لأن ضرره مختص بها ولوليها منعها من نكاح المجذوم والأبرص والمجنون وما عدا هذا فليس بمعتبر في الكفاءة.

فصل: من أسلم أو عتق من العبيد, فهو كفء لمن له أبوان في الإسلام والحرية وقال أبو حنيفة: ليس بكفء وليس بصحيح فإن الصحابة رضي الله عنهم أكثرهم أسلموا وكانوا أفضل الأمة, فلا يجوز أن يقال: إنهم غير أكفاء للتابعين.

فصل: فأما ولد الزنا فيحتمل أن لا يكون كفؤا لذات نسب فإن أحمد -رحمه الله- ذكر له أنه ينكح وينكح إليه؟ فكأنه لم يجب وذلك لأن المرأة تعير به هي وأولياؤها ويتعدى ذلك إلى ولدها وأما كونه ليس بكفء لعربية, فلا إشكال فيه لأنه أدنى حالا من المولى.

فصل: والموالى بعضهم لبعض أكفاء وكذلك العجم قال أحمد -رحمه الله- في رجل من بني هاشم له مولاة: يزوجها الخراساني, وقول النبي -ﷺ-: (( موالى القوم من أنفسهم )) هو في الصدقة فأما في النكاح فلينكح وذكر القاضي رواية عن أحمد أن مولى القوم يكافئهم لهذا الخبر (( ولأن النبي -ﷺ- زوج زيدا وأسامة عربيتين, )) ولأن موالى بني هاشم ساووهم في حرمان الصدقة فيساوونهم في الكفاءة وليس هذا بصحيح فإنه يوجب أن يكون الموالى أكفاء للعرب فإن المولى إذا كان كفء سيده كان كفؤا لمن يكافئه سيده, فيبطل اعتبار المنصب وقد قال أحمد هذا الحديث في الصدقة لا في النكاح ولهذا لا يساوونهم في استحقاق الخمس, ولا في الإمامة ولا في الشرف وأما زيد وأسامة فقد استدل بنكاحهما عربيتين على أن فقد الكفاءة لا يبطل النكاح, واعتذر أحمد عن تزويجهما بأنهما عربيان فإنهما من كلب, وإنما طرأ عليهما رق فعلى هذا يكون هذا حكم كل عربى الأصل.

فصل: فأما أهل البدع فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمى: يفرق بينهما وكذلك إذا زوج الواقفى إذا كان يخاصم ويدعو, وإذا زوج أخته من هؤلاء اللفظية وقد كتب الحديث فهذا شر من جهمي, يفرق بينهما وقال: لا يزوج بنته من حرورى مرق من الدين ولا من الرافضي ولا من القدري, فإذا كان لا يدعو فلا بأس وقال: من لم يربع بعلى في الخلافة فلا تناكحوه ولا تكلموه قال القاضي: المقلد منهم يصح تزويجه, ومن كان داعية منهم فلا يصح تزويجه.

فصل: والكفاءة معتبرة في الرجل دون المرأة فإن النبي -ﷺ- لا مكافئ له وقد تزوج من أحياء العرب وتزوج صفية بنت حيي, وتسرى بالإماء وقال: (( من كانت عنده جارية فعلمها, وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها, فله أجران )) متفق عليه ولأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه فلم يعتبر ذلك في الأم.

مسألة: قال: وليس هذا لغير الأب يعني ليس لغير الأب إجبار كبيرة, ولا تزويج صغيرة جدا كان أو غيره وبهذا قال مالك وأبو عبيد والثوري, وابن أبي ليلى وبه قال الشافعي إلا في الجد فإنه جعله كالأب لأن ولايته ولاية إيلاد فملك إجبارها كالأب وقال الحسن, وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس, وقتادة وابن شبرمة والأوزاعي, وأبو حنيفة: لغير الأب تزويج الصغيرة ولها الخيار إذا بلغت وقال هؤلاء غير أبي حنيفة: إذا زوج الصغيرين غير الأب فلهما الخيار إذا بلغا قال أبو الخطاب: وقد نقل عبد الله, عن أبيه كقول أبي حنيفة لأن الله تعالى قال: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } فمفهومه أنه إذا لم يخف فله تزويج اليتيمة, واليتيم من لم يبلغ لقول النبي -ﷺ-: (( لا يتم بعد احتلام )) قال عروة: سألت عائشة عن قول الله تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } فقالت: يا ابن أختى هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيشركها في مالها, ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره, فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا فيهن ويبلغوا أعلى سنتهن في الصداق متفق عليه ولأنه ولي في النكاح فملك التزويج كالأب ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت, فلا جواز عليها )) رواه أبو داود والنسائي وروى ابن عمر (( أن قدامة بن مظعون زوج ابن عمر ابنة أخيه عثمان فرفع ذلك إلى النبي -ﷺ- فقال: إنها يتيمة, ولا تنكح إلا بإذنها )) واليتيمة: الصغيرة التي مات أبوها ولأن غير الأب قاصر الشفقة فلا يلي نكاح الصغيرة كالأجنبي, وغير الجد لا يلي مالها فلا يستبد بنكاحها كالأجنبي ولأن الجد يدلى بولاية غيره, فأشبه سائر العصبات وفارق الأب فإنه يدلى بغير واسطة, ويسقط الإخوة والجد ويحجب الأم عن ثلث المال إلى ثلث الباقي في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين والآية محمولة على البالغة بدليل قول الله تعالى: { تؤتونهن ما كتب لهن } وإنما يدفع إلى الكبيرة أو نحملها على بنت تسع.

فصل: وإذا بلغت الجارية تسع سنين, ففيها روايتان إحداهما أنها كمن لم تبلغ تسعا نص عليه في رواية الأثرم وهو قول مالك, والشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء قالوا: حكم بنت تسع سنين حكم بنت ثمان لأنها غير بالغة, ولأن إذنها لا يعتبر في سائر التصرفات فكذلك في النكاح والرواية الثانية حكمها حكم البالغة نص عليه في رواية ابن منصور لمفهوم الآية, ودلالة الخبر بعمومها على أن اليتيمة تنكح بإذنها وإن أبت فلا جواز عليها, وقد انتفى به الإذن في من دونها فيجب حمله على من بلغت تسعا وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة ورواه القاضي بإسناده عن ابن عمر, عن النبي -ﷺ- بمعناه: في حكم المرأة ولأنها بلغت سنا يمكن فيه حيضها ويحدث لها حاجة إلى النكاح فيباح تزويجها كالبالغة فعلى هذا إذا زوجت ثم بلغت, لم يكن لها خيار كالبالغة إذا زوجت وقد خطب عمر رضي الله عنه أم كلثوم ابنة أبي بكر بعد موته إلى عائشة رضي الله عنها فأجابته وهي لدون عشر, لأنها إنما ولدت بعد موت أبيها وإنما كانت ولاية عمر عشرا فكرهته الجارية, فتزوجها طلحة بن عبيد الله ولم ينكره منكر فدل على اتفاقهم على صحة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها والله أعلم.

مسألة: قال: ولو استأذن البكر البالغة والدها, كان حسنا لا نعلم خلافا في استحباب استئذانها فإن النبي -ﷺ- قد أمر به ونهى عن النكاح بدونه, وأقل أحوال ذلك الاستحباب ولأن فيه تطييب قلبها وخروجا من الخلاف وقالت عائشة: سألت رسول الله -ﷺ- عن الجارية ينكحها أهلها, أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله -ﷺ-: ((نعم تستأمر)) وقال: (( استأمروا النساء في أبضاعهن فإن البكر تستحيى فتسكت, فهو إذنها )) متفق عليهما وروي عن عطاء قال: (( كان النبي -ﷺ- يستأمر بناته إذا أنكحهن قال: كان يجلس عند خدر المخطوبة فيقول: إن فلانا يذكر فلانة فإن حركت الخدر لم يزوجها, وإن سكتت زوجها )).

فصل: ويستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها لقول النبي -ﷺ-: (( آمروا النساء في بناتهن )) ولأنها تشاركه في النظر لابنتها وتحصيل المصلحة لها لشفقتها عليها, وفي استئذانها تطييب قلبها وإرضاء لها فتكون أولى.

مسألة: قال: [وإذا زوج ابنته الثيب بغير إذنها فالنكاح باطل, وإن رضيت بعد] وجملة ذلك أن الثيب تنقسم قسمين: كبيرة وصغيرة. فأما الكبيرة, فلا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها إلا بإذنها في قول عامة أهل العلم إلا الحسن قال: له تزويجها وإن كرهت والنخعي قال: يزوج بنته إذا كانت في عياله, فإن كانت بائنة في بيتها مع عيالها استأمرها قال إسماعيل بن إسحاق: لا أعلم أحدا قال في البنت بقول الحسن وهو قول شاذ خالف فيه أهل العلم والسنة الثابتة, فإن الخنساء ابنة خذام الأنصارية روت أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك, فأتت رسول الله -ﷺ- فرد نكاحه رواه البخاري والأئمة كلهم وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته والقول به, لا نعلم مخالفا له إلا الحسن وكانت الخنساء من أهل قباء وكانت تحت أنيس بن قتادة, فقتل عنها يوم أحد فزوجها أبوها رجلا من بني عمرو بن عوف فكرهته, وشكت ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فرد نكاحها ونكحت أبا لبابة بن عبد المنذر وروى أبو هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر )) متفق عليه وقال: (( الأيم أحق بنفسها من وليها )) وروى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي -ﷺ- قال: (( ليس للولي مع الثيب أمر )) رواهما النسائي وأبو داود ولأنها رشيدة عالمة بالمقصود من النكاح مختبرة, فلم يجز إجبارها عليه كالرجل القسم الثاني الثيب الصغيرة, وفي تزويجها وجهان أحدهما لا يجوز تزويجها وهو ظاهر قول الخرقي واختاره ابن حامد, وابن بطة والقاضي ومذهب الشافعي لعموم الأخبار, ولأن الإجبار يختلف بالبكارة والثيوبة لا بالصغر والكبر وهذه ثيب, ولأن في تأخيرها فائدة وهو أن تبلغ فتختار لنفسها ويعتبر إذنها فوجب التأخير, بخلاف البكر الوجه الثاني أن لأبيها تزويجها ولا يستأمرها اختاره أبو بكر وعبد العزيز وهو قول مالك, وأبي حنيفة لأنها صغيرة فجاز إجبارها كالبكر والغلام يحقق ذلك أنها لا تزيد بالثيوبة على ما حصل للغلام بالذكورية ثم الغلام يجبر إن كان صغيرا فكذا هذه, والأخبار محمولة على الكبيرة فإنه جعلها أحق بنفسها من وليها والصغيرة لا حق لها ويتخرج وجه ثالث, وهو أن ابنة تسع سنين يزوجها وليها بإذنها ومن دون ذلك على ما ذكرنا من الخلاف لما ذكرنا في البكر والله أعلم.

مسألة: قال: [وإذن الثيب الكلام, وإذن البكر الصمات ] أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن إذنها الكلام للخبر ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب, وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض وأما البكر فإذنها صماتها في قول عامة أهل العلم, منهم شريح والشعبي وإسحاق, والنخعي والثوري والأوزاعي, وابن شبرمة وأبو حنيفة ولا فرق بين كون الولي أبا أو غيره وقال أصحاب الشافعي: في صمتها في حق غير الأب وجهان أحدهما لا يكون إذنا لأن الصمات عدم الإذن, فلا يكون إذنا ولأنه محتمل الرضا والحياء وغيرهما فلا يكون إذنا, كما في حق الثيب وإنما اكتفى به في حق الأب لأن رضاءها غير معتبر وهذا شذوذ عن أهل العلم, وترك للسنة الصحيحة الصريحة يصان الشافعي عن إضافته إليه وجعله مذهبا له, مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول الله -ﷺ- ولا يعرج منصف على هذا القول وقد تقدمت روايتنا عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن فقالوا: يا رسول الله, فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت )) وفي رواية عن عائشة أنها قالت: (( يا رسول الله إن البكر تستحيى قال: رضاها صماتها )) متفق عليه وفي رواية: (( واليتيمة تستأمر, فصمتها إقرارها )) رواه النسائي وفي رواية: (( تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها )) وهذا صريح في غير ذات الأب وروى الأثرم عن عدى الكندي, عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (( الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها )) والأخبار في هذا كثيرة ولأن الحياء عقلة على لسانها يمنعها النطق بالإذن, ولا تستحيى من إبائها وامتناعها فإذا سكتت غلب على الظن أنه لرضاها فاكتفى به وما ذكروه يفضي إلى أن لا يكون صماتها إذنا في حق الأب أيضا لأنهم جعلوا وجوده كعدمه, فيكون إذا ردا على النبي -ﷺ- بالكلية واطراحا للأخبار الصريحة الجلية وخرقا لإجماع الأمة المرضية.

فصل: فإن نطقت بالإذن, فهو أبلغ وأتم في الإذن من صمتها وإن بكت أو ضحكت فهو بمنزلة سكوتها وقال أبو يوسف ومحمد: إن بكت فليس بإذن لأنه يدل على الكراهية, وليس بصمت فيدخل في عموم الحديث ولنا ما روى أبو بكر بإسناده, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( تستأمر اليتيمة فإن بكت أو سكتت فهو رضاها, وإن أبت فلا جواز عليها )) ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان فكان إذنا منها كالصمات أو الضحك والبكاء يدل على فرط الحياء لا على الكراهة, ولو كرهت لامتنعت فإنها لا تستحى من الامتناع والحديث يدل بصريحه على أن الصمت إذن, وبمعناه على ما في معناه من الضحك والبكاء وكذلك أقمنا الضحك مقامه.

فصل: والثيب المعتبر نطقها, هي الموطوءة في القبل سواء كان الوطء حلالا أو حراما وهذا مذهب الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة في المصابة بالفجور: حكمها حكم البكر في إذنها وتزويجها لأن علة الاكتفاء بصمات البكر الحياء, والحياء من الشيء لا يزول إلا بمباشرته وهذه لم تباشر بالإذن في النكاح فيبقى حياؤها منه بحاله ولنا, قوله -ﷺ-: (( الثيب تعرب عن نفسها )) ولأن قوله -ﷺ-: (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها أن تسكت )) يدل على أنه لا بد من نطق الثيب لأنه قسم النساء قسمين, فجعل السكوت إذنا لأحدهما فوجب أن يكون الآخر بخلافه وهذه ثيب فإن الثيب هي الموطوءة في القبل, وهذه كذلك ولأنه لو أوصى لثيب النساء دخلت في الوصية ولو أوصى للأبكار لم تدخل ولو اشترطها في التزويج أو الشراء بكرا فوجدها مصابة بالزنا, ملك الفسخ ولأنها موطوءة في القبل فأشبهت الموطوءة بشبهة, والتعليل بالحياء غير صحيح فإنه أمر خفي لا يمكن اعتباره بنفسه وإنما يعتبر بمظنته, وهي البكارة ثم هذا التعليل يفضي إلى إبطال منطوق الحديث فيكون باطلا في نفسه, ولا فرق بين المكرهة والمطاوعة وعلى هذا ليس لأبيها إجبارها إذا كانت بالغة وفي تزويجها إن كانت صغيرة وجهان وقولهم: إنها لم تباشر الإذن قلنا: يبطل بالموطوءة بشبهة, أو في ملك يمين والمزوجة وهي صغيرة.

فصل: وإن ذهبت عذرتها بغير جماع كالوثبة, أو شدة حيضة أو بإصبع أو عود ونحوه فحكمها حكم الأبكار ذكره ابن حامد لأنها لم تختبر المقصود, ولا وجد وطؤها في القبل فأشبهت من لم تزل عذرتها ولو وطئت في الدبر لم تصر ثيبا ولا حكمها حكمهن لأنها غير موطوءة في القبل.

فصل: إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها لوليها في تزويجها قبل الدخول, فالقول قولها في قول أكثر الفقهاء وقال زفر في الثيب كقول أهل العلم وفي البكر: القول قول الزوج لأن الأصل السكوت, والكلام حادث والزوج يدعى الأصل فالقول قوله ولنا أنها منكرة الإذن, والقول قول المنكر ولأنه يدعى أنها استؤذنت وسمعت فصمتت والأصل عدم ذلك, وهذا جواب على قوله إن الأصل معه وإن اختلفا بعد الدخول فقال القاضي: القول قول الزوج ولأن التمكين من الوطء دليل على الإذن وصحة النكاح فكان الظاهر معه وهل تستحلف المرأة إذا قلنا: القول قولها؟ قال القاضي: قياس المذهب أنه لا يمين عليها كما لو ادعى زوجيتها فأنكرته وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي, وأبو يوسف ومحمد: تستحلف فإن نكلت فقال أبو يوسف, ومحمد: يثبت النكاح وقال الشافعي: يستحلف الزوج ويثبت النكاح ولنا أنه اختلاف في زوجية, فلا يثبت بالنكول ولا يحلف المدعى معه كما لو ادعى الزوج أصل التزويج فأنكرته, فإن كانت المرأة ادعت أنها أذنت فأنكر ورثة الزوج فالقول قولها لأنه اختلاف في أمر يختص بها صادر من جهتها, فالقول قولها فيه كما لو اختلفوا في نيتها فيما تعتبر فيه نيتها ولأنها تدعى صحة العقد, وهم يدعون فساده فالظاهر معها.

فصل: في المجنونة إن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة, جاز تزويجها لمن يملك إجبارها لأنه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها فمع عدمه أولى وإن كانت ممن لا تجبر انقسمت ثلاثة أقسام أحدها, أن يكون وليها الأب أو وصيه كالثيب الكبيرة فهذه يجوز لوليها تزويجها ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه جعل للأب تزويج المعتوه, فالمرأة أولى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومنع منه أبو بكر لأنها ولاية إجبار وليس على الثيب ولاية إجبار والأول أصح فإن ولاية الإجبار إنما انتفت عن العاقلة لرأيها, لحصول المباشرة منها والخبرة وهذه بخلاف ذلك وكذلك الحكم في الثيب الصغيرة إذا قلنا بعدم الإجبار في حقها, إذا كانت عاقلة القسم الثاني أن يكون وليها الحاكم ففيها وجهان أحدهما, ليس له تزويجها بحال لأن هذه ولاية إجبار فلا تثبت لغير الأب كحال عقلها والثاني, له تزويجها إذا ظهر منها شهوة الرجال كبيرة كانت أو صغيرة وهو اختيار ابن حامد وأبي الخطاب, وقول أبي حنيفة لأن بها حاجة إليه لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل المهر والنفقة, والعفاف وصيانة العرض ولا سبيل إلى إذنها, فأبيح تزويجها كالثيب مع أبيها وكذلك ينبغي أن يملك تزويجها إن قال أهل الطب: إن علتها تزول بتزويجها لأن ذلك من أعظم مصالحها وقال الشافعي: لا يملك تزويج صغيرة بحال ويملك تزويج الكبيرة إذا قال أهل الطب إن علتها تزول بتزويجها ولنا أن المعنى المبيح للتزويج وجد في حق الصغيرة, فأبيح تزويجها كالكبيرة إذا ظهرت منها شهوة الرجال ففي تزويجها مصلحتها ودفع حاجتها, فأشبه ما لو قال أهل الطب إنه يزيل علتها وتعرف شهوتها من كلامها وقرائن أحوالها كتتبعها للرجال, وميلها إليهم وأشباه ذلك القسم الثالث من وليها غير الأب والحاكم فقال القاضي: لا يزوجها إلا الحاكم, فيكون حكمها حكم القسم الثاني على ما بيناه وقال أبو الخطاب: لهم تزويجها في الحال التي يملك الحاكم تزويج موليته فيها وهذا قول أبي حنيفة لأن ولايتهم مقدمة على ولاية الحاكم فقدموا عليه في التزويج, كما لو كانت عاقلة ووجه قول القاضي أن الحاكم هو الناظر لها في مالها دونهم فيكون وليا دونهم, كتزويج أمتها ولأن هذا دفع حاجة ظاهرة فكانت إلى الحاكم, كدفع حاجة الجوع والعرى فإن كان لها وصى في مالها لم يملك تزويجها لأنه لا ولاية له في نكاحها والحكم في تزويجها حكم من وليها غير الأب والحاكم على ما ذكرنا.

مسألة: قال: [ وإذا زوج ابنته بدون صداق مثلها, ثبت النكاح بالمسمى وإن فعل ذلك غير الأب ثبت النكاح وكان لها مهر مثلها ] وجملة ذلك أن للأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها بكرا كانت أو ثيبا, صغيرة كانت أو كبيرة وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي: ليس له ذلك فإن فعل فلها مهر مثلها لأنه عقد معاوضة فلم يجز أن ينقص فيه عن قيمة المعوض كالبيع, ولأنه تفريط في مالها وليس له ذلك ولنا أن عمر, رضي الله عنه خطب الناس فقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء فما أصدق رسول الله -ﷺ- أحدا من نسائه ولا أحدا من بناته, أكثر من اثنتي عشرة أوقية وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فكان اتفاقا منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان دون صداق المثل وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين, وهو من سادات قريش شرفا وعلما ودينا ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها, ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض وإنما المقصود السكن والازدواج ووضع المرأة في منصب عند من يكفيها, ويصونها ويحسن عشرتها والظاهر من الأب, مع تمام شفقته وبلوغ نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا لتحصيل المعاني المقصودة بالنكاح, فلا ينبغي أن يمنع من تحصيل المقصود بتفويت غيره ويفارق سائر عقود المعاوضات فإن المقصود فيها العوض فلم يجز تفويته فأما غير الأب, فليس له أن ينقصها من مهر مثلها فإن زوج بدون ذلك صح النكاح لأن فساد التسمية وعدمها لا يؤثر في النكاح, ويكون لها مهر مثلها لأنه قيمة بضعها وليس للولي نقصها منه فرجعت إلى مهر المثل والله أعلم.

فصل: وتمام المهر على الزوج لأن التسمية ها هنا فاسدة لكونها غير مأذون فيها شرعا, فوجب على الزوج مهر المثل كما لو زوجها بمحرم وعلى الولي ضمانه لأنه المفرط فكان عليه الضمان, كما لو باع مالها بدون ثمن مثله قال أحمد: أخاف أن يكون ضامنا وليس الأب مثل الولي ولا تملك المرأة الفسخ لأنه قد حصل لها وجوب مهر مثلها والله أعلم. مسألة: قال: [ ومن زوج غلاما غير بالغ أو معتوها, لم يجز إلا أن يزوجه والده أو وصى ناظر له في التزويج] الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة:

 الفصل الأول: 

أنه ليس لغير الأب أو وصيه تزويج الغلام قبل بلوغه وقال القاضي في " المجرد ": للحاكم تزويجه لأنه يلي ماله وقال الشافعي: يملك ولي الصبى تزويجه, ليألف حفظ فرجه عند بلوغه وليس بسديد فإن غير الأب لم يملك تزويج الجارية الصغيرة فالغلام أولى وفارق الأب ووصيه فإن لهما تزويج الصغيرة وولاية الإجبار وسواء أذن الغلام في تزويجه أو لم يأذن, فإنه لا إذن له

 الفصل الثاني: 

أن المعتوه وهو الزائل العقل بجنون مطبق ليس لغير الأب ووصيه تزويجه وهذا قول مالك وقال أبو عبد الله بن حامد: للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة النساء بأن يتبعهن ويريدهن وهذا مذهب الشافعي لأن ذلك من مصالحه, وليس له حال ينتظر فيها إذنه وقد ذكرنا توجيه الوجهين في تزويج المجنونة وينبغي على هذا القول أن يجوز تزويجه إذا قال أهل الطب: إن في تزويجه ذهاب علته لأنه من أعظم مصالحه والله أعلم

 الفصل الثالث: 

أن للأب أو وصيه تزويجهما سواء كان الغلام عاقلا أو مجنونا وسواء كان الجنون, مستداما أو طارقا فأما الغلام السليم من الجنون فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن لأبيه تزويجه, كذلك قال ابن المنذر وممن هذا مذهبه الحسن والزهري وقتادة, ومالك والثوري والأوزاعي, وإسحاق والشافعي وأصحاب الرأي لما روى أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير, فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعا رواه الأثرم بإسناده وأما الغلام المعتوه فلأبيه تزويجه وقال الشافعي: لا يجوز لأنه يلزمه بالتزويج حقوقا من المهر والنفقة, مع عدم حاجته فلم يجز له ذلك كغيره من الأولياء ولنا, أنه غير بالغ فملك أبوه تزويجه كالعاقل, ولأنه إذا ملك تزويج العاقل مع أن له عند احتياجه إلى التزويج رأيا ونظرا لنفسه فلأن يجوز تزويج من لا يتوقع فيه ذلك أولى وفارق غير الأب فإنه لا يملك تزويج العاقل وأما البالغ المعتوه فظاهر كلام أحمد, والخرقي أن للأب تزويجه مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها وقال القاضي: إنما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة باتباع النساء ونحوه وهو مذهب الشافعي لأن في تزويجه مع عدم حاجته إضرارا به بإلزامه حقوقا لا مصلحة له في التزامها وقال أبو بكر: ليس للأب تزويجه بحال لأنه رجل, فلم يجز إجباره على النكاح كالعاقل وقال زفر: إن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ لم يجز تزويجه وإن كان مستداما, جاز ولنا أنه غير مكلف فجاز لأبيه تزويجه كالصغير, فإنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته في الحال وتوقع نظره عند الحاجة, فهاهنا أولى ولنا على التسوية بين الطارئ والمستدام أنه معنى يثبت الولاية, فاستوى طارئه ومستدامه كالرق ولأنه جنون يثبت الولاية على ماله, فأثبتها عليه في نكاحه كالمستدام فأما اعتبار الحاجة فلا بد منها, فإنه لا يجوز لوليه تزويجه إلا إذا رأى المصلحة فيه غير أن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة, فقد تكون حاجته إلى الإيواء والحفظ وربما كان دواء له ويترجى به شفاؤه, فجاز التزويج له كقضاء الشهوة والله أعلم.

 فصل: 

ومن يفيق في الأحيان لا يجوز تزويجه إلا بإذنه لأن ذلك ممكن, ومن أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت الولاية عليه كالعاقل ولو زال عقله ببرسام أو مرض مرجو الزوال فهو كالعاقل, فإن ذلك لا يثبت الولاية على ماله فعلى نفسه أولى وإن لم يرج زواله فهو داخل فيما ذكرناه.

 الفصل الرابع: 

أن وصى الأب في النكاح بمنزلته, على ما ذكرنا في ثبوت الولاية للوصى على المرأة وفي هذا من الخلاف مثل ما فيه وإنما يثبت ذلك لوصى الأب في التزويج خاصة فإن كان وصيا في المال, لم تكن له ولاية في التزويج لأنه إنما يستفيد التصرف بالوصية فلا يملك ما لم يوص به إليه ووصى غير الأب, لا ولاية له على صبي ولا مجنون لأن الموصى لا يملك ذلك فوصيه أولى.

 فصل: 

وإن تزوج لصغير أو مجنون فإنه يقبل لهما النكاح, ولا يجوز أن يأذن لهما في قبوله لأنهما ليسا من أهل التصرف وإن كان الغلام ابن عشر وهو مميز فقياس المذهب جواز تفويض القبول إليه, حتى يتولاه لنفسه كما يفوض أمر البيع إليه ولأنه يملك إيقاع الطلاق بنفسه وإن تزوج له الولي جاز, كما يجوز أن يبتاع له وهذا على الرواية التي تقول بصحة بيعه ووقوع طلاقه وإن قلنا: لا يصح ذلك منه فهذا أولى

 فصل: 

وذكر القاضي أنه لا يجوز أن يتزوج لهما بزيادة على مهر المثل لأنه معاوضة في حق الغير, فلم تجز الزيادة فيها على عوض المثل كبيع ماله وهذا مذهب الشافعي وقد ذكرنا أن للأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها فهذا مثله, فإنه قد يرى المصلحة في ذلك فجاز له بذل المال فيه كما يجوز في مداواته, بل الجواز ها هنا أولى فإن الغالب أن المرأة لا ترضى بتزويج مجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها فيتعذر الوصول إليه بدون ذلك بخلاف المرأة وذكر القاضي, في " المجرد " أن قياس المذهب أنه لا يزوجه بأكثر من امرأة واحدة لعدم حاجته إلى زيادة عليها فيكون بذلا لماله فيما لا حاجة به إليه وذكر في " الجامع ", أن له تزويج ابنه الصغير بأربع لأنه قد يرى المصلحة فيه وليس له تزويجه بمعيبة عيبا يرد به في النكاح لأن فيه ضررا به وتفويتا لماله فيما لا مصلحة له فيه فإن فعل, خرج في صحة النكاح وجهان فإن قلنا: يصح فهل للولي الفسخ في الحال؟ على وجهين مضى توجيهها في تزويج الصغيرة بمعيب ومتى لم يفسخ حتى بلغ الصبى أو عقل المجنون, فلهما الفسخ وليس له تزويجه بأمة لأن إباحتها مشروطة بخوف العنت وهو معدوم في حق الصبي, غير معدوم في المجنون.

 فصل: 

وإذا زوج ابنه تعلق الصداق بذمة الابن موسرا كان أو معسرا لأنه عقد للابن, فكان عليه بذله كثمن المبيع وهل يضمنه الأب؟ فيه روايتان إحداهما يضمنه نص عليه, فقال: تزويج الأب لابنه الطفل جائز ويضمن الأب المهر لأنه التزم العوض عنه فضمنه, كما لو نطق بالضمان والأخرى لا يضمنه لأنه عقد معاوضة ناب فيه عن غيره, فلم يضمن عوضه كثمن مبيعه أو كالوكيل قال القاضي: هذا أصح وقال: إنما الروايتان فيما إذا كان الابن معسرا, أما الموسر فلا يضمن الأب عنه رواية واحدة فإن طلق قبل الدخول, سقط نصف الصداق فإن كان ذلك بعد دفع الأب الصداق عنه رجع نصفه إلى الابن وليس للأب الرجوع فيه, بمعنى الرجوع في الهبة لأن الابن ملكه بالطلاق عن غير أبيه فأشبه ما لو وهبه الأب أجنبيا ثم وهبه الأجنبي للابن ويحتمل أن يرجع فيه لأنه تبرع عن ابنه فلم يستقر الملك حتى استرجعه الابن وكذلك الحكم فيما لو قضى الصداق عن ابنه الكبير, ثم طلق قبل الدخول وإن ارتدت قبل الدخول فالحكم في الرجوع في جميعه كالحكم في الرجوع في النصف بالطلاق.

 فصل: 

في المحجور عليه للسفه والكلام في نكاحه في ثلاثة أحوال أحدها, أن لوليه تزويجه إذا علم حاجته إلى النكاح لأنه نصب لمصالحه وهذا من مصالحه, لأنه يصون به دينه وعرضه ونفسه فإنه ربما تعرض بترك التزويج للإثم بالزنا والحد, وهتك العرض وسواء علم بحاجته بقوله أو بغير قوله وسواء كانت حاجته إلى الاستمتاع أو إلى الخدمة, فيزوجه امرأة لتحل له لأنه يحتاج إلى الخلوة بها وإن لم يكن به حاجة إليه لم يجز تزويجه لأنه يلزمه بالنكاح حقوقا من المهر والنفقة, والعشرة والمبيت والسكنى, فيكون تضييعا لماله ونفسه في غير فائدة فلم يجز كتبذير ماله وإذا أراد تزويجه, استأذنه في تزويجه فإن زوجه بغير إذنه فقال أصحابنا: يصح لأنه عقد معاوضة, فملكه الولي في حق المولى عليه كالبيع ولأنه محجور عليه, أشبه الصغير والمجنون ويحتمل أن لا يملك تزويجه بغير إذنه لأنه يملك الطلاق فلم يجبر على النكاح كالرشيد والعبد الكبير وذلك لأن إجباره على النكاح مع ملك الطلاق, مجرد إضرار فإنه يطلق فيلزمه الصداق مع فوات النكاح ولأنه قد يكون له غرض في امرأة, ولا يكون له في أخرى فإذا أجبر على من يكرهها لم تحصل له المصلحة منها, وفات عليه غرضه من الأخرى فيحصل مجرد ضرر مستغنى عنه وإنما جاز ذلك في حق المجنون والطفل لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما, ولم يتعذر ذلك ها هنا فوجب أن لا يفوت ذلك عليه كالرشيد الحال الثاني, أن للولي أن يأذن له في التزويج في الحالة التي للولي تزويجه فيها وهي حالة الحاجة لأنه من أهل النكاح فإنه عاقل مكلف, ولذلك يملك الطلاق والخلع فجاز أن يفوض إليه ذلك ثم هو مخير بين أن يعين له المرأة, أو يأذن له مطلقا وقال بعض الشافعية: يحتاج إلى التعيين له لئلا يتزوج شريفة يكثر مهرها ونفقتها فيتضرر بذلك ولنا أنه أذن في النكاح, فجاز من غير تعيين كالإذن للعبد وبهذا يبطل ما ذكروه ولا يتزوج إلا بمهر المثل, فإن زاد على مهر المثل بطلت الزيادة لأنها محاباة بماله وهو لا يملكها وإن نقص عن مهر المثل, جاز لأنه ربح من غير خسران الحال الثالث إذا تزوج بغير إذن فقال أبو بكر: يصح النكاح أومأ إليه أحمد, قال القاضي: يعني إذا كان محتاجا فإن عدمت الحاجة لم يجز لأنه إتلاف لماله في غير فائدة وقال أصحاب الشافعي: إن أمكنه استئذان وليه لم يصح إلا بإذنه لأنه محجور عليه, فلم يصح منه التصرف بغير إذنه كالعبد وإن طلب منه النكاح, فأبى أن يزوجه ففيه وجهان ولنا أنه إذا احتاج إلى النكاح, فحقه متعين فيه فصح استيفاؤه بنفسه كما لو استوفى دينه الحال عند امتناع وليه من استيفائه, فأما إن تزوج من غير حاجة لم يصح فإن وطئ الزوجة, فعليه مهر المثل لأنه أتلف بضعها بشبهة فلزمه عوض ما أتلف كما لو أتلف مالها.

 فصل: 

وليس لغير الأب تطليق امرأة المولى عليه, سواء كان ممن يملك التزويج كوصى الأب والحاكم على قول ابن حامد أو لا يملكه لا نعلم في هذا خلافا فأما الأب إذا زوج ابنه الصغير أو المجنون, فقد قال أحمد في رجلين زوج أحدهما ابنه بابنة الآخر وهما صغيران, ثم إن الأبوين كرها هل لهما أن يفسخا؟ فقال: قد اختلف في ذلك وكأنه رآه قال أبو بكر: لم يبلغني عن أبي عبد الله في هذه المسألة إلا هذه الرواية فتخرج على قولين أحدهما, يملك ذلك وهو قول عطاء وقتادة لأنها ولاية يستفيد بها تمليك البضع فجاز أن يملك بها إزالته إذا لم يكن متهما, كالحاكم يملك الطلاق على الصغير والمجنون بالإعسار والقول الثاني: لا يملك ذلك وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لقول النبي -ﷺ-: (( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق )) ولأنه لا يملك البضع, فلا يملك الطلاق بنفسه كوصى الأب والحاكم وكالسيد يزوج عبده الصغير, وبهذه الأصول يبطل دليل القول الأول. مسألة: قال: [وإذا زوج أمته بغير إذنها فقد لزمها النكاح كبيرة كانت أو صغيرة] لا نعلم في هذا خلافا وذلك لأن منافعها مملوكة له, والنكاح عقد على منفعتها فأشبه عقد الإجارة ولذلك ملك الاستمتاع بها, وبهذا فارقت العبد ولأنه ينتفع بتزويجها لما حصل له من مهرها وولدها ويسقط عنه من نفقتها وكسوتها, بخلاف العبد.

 فصل: 

والمدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد, كالأمة القن في إجبارها على النكاح وقال مالك آخر أمره: ليس له تزويج أم ولده بغير إذنها وكرهه ربيعة وللشافعي فيه قولان لأنه لا يملك التصرف في رقبتها فكذلك لا يملك تزويجها بغير إذنها, كأخته ولنا أنها مملوكته يملك الاستمتاع بها وإجارتها, فملك تزويجها كالقن ولأنها إحدى منفعتيها, فملك أخذ عوضها كسائر منافعها وما ذكروه يبطل بابنته الصغيرة لا يملك رقبتها, ويملك تزويجها وإذا ملك أخته من الرضاع أو مجوسية فله تزويجهما, وإن كانتا محرمتين عليه لأن منافعهما ملكه وإنما حرمتا عليه لعارض فأما التي بعضها حر فلا يملك سيدها إجبارها لأنه لا يملك جميعها ولا يملك إجبار المكاتبة لأنها بمنزلة الخارجة عن ملكه, ولذلك لا يملك وطأها ولا إجارتها ولا تلزمه نفقتها ولا يصل إليه مهرها, فهي كالعبد.

 فصل: 

فإن طلبت الأمة من سيدها تزويجها فإن كان يطؤها لم يجبر على تزويجها لأن عليه ضررا في تزويجها, ووطؤه لها يدفع حاجتها فإن كان لا يطؤها لكونها محرمة عليه كالمجوسية وأخته من الرضاع أو محللة له لكن لا يرغب في وطئها, أجبر على تزويجها أو وطئها إن كانت محللة له وإزالة ملكه عنها لأنه وليها فأجبر على تزويجها, كالحرة ولأن حاجتها قد تشتد إلى ذلك فأجبر على دفعها, كالإطعام والكسوة وإذا امتنع أجبره الحاكم وإن طلبت منه من نصفها حر أو المكاتبة أو أم الولد, التزويج أجبر عليه لأنه وليهن فأجبر على تزويجهن, كالحرائر.

 فصل: 

وإذا اشترى عبده المأذون أمة وركبته ديون ملك سيده تزويجها وبيعها وإعتاقها نص عليه أحمد, وذكره أبو بكر وقال: وللسيد وطؤها وقال الشافعي: ليس له شيء من ذلك لما فيه من الإضرار بالغرماء وأصل الخلاف ينبني على دين المأذون له في التجارة فعندنا يلزم السيد, فلا يلحق الغرماء ضرر بتصرف السيد في الأمة فإن الدين ما تعلق بها وعنده أن الدين يتعلق بالعبد وبما في يده, فيلحقهم الضرر والكلام على هذا يذكر في موضعه.

 فصل: 

وليس للسيد إكراه أمته على التزويج بمعيب عيبا يرد به في النكاح لأنه يؤثر في الاستمتاع وذلك حق لها ولذلك ملكت الفسخ بالجب والعنة والامتناع من العبد دون السيد وفارق بيعها من معيب لأنه لا يراد للاستمتاع, ولهذا ملك شراء الأمة المحرمة ولم تملك الأمة الفسخ لعيبه ولا عنته ولا إيلائه وإن زوجها من معيب فهل يصح؟ على وجهين فإن قلنا يصح فلها الفسخ وإن كانت صغيرة فهل له الفسخ في الحال أو ينتظر بلوغها؟ على وجهين ومذهب الشافعي هكذا في هذا الفصل كله.

 قال: ومن زوج عبده وهو كاره لم يجز إلا أن يكون صغيرا 

الكلام في هذه المسألة في فصلين:

الفصل الأول: أن السيد لا يملك إجبار عبده البالغ العاقل على النكاح وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة: له ذلك لقول الله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم } ولأنه يملك رقبته فملك إجباره على النكاح كالأمة ولأنه يملك إجارته فأشبه الأمة ولنا أنه مكلف يملك الطلاق, فلا يجبر على النكاح كالحر ولأن النكاح خالص حقه ونفعه له فأشبه الحر والأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه بدليل عطفه على الأيامى وإنما يزوجن عند الطلب ومقتضى الأمر الوجوب وإنما يجب تزويجه عند طلبه وأما الأمة فإنه يملك منافع بضعها والاستمتاع بها بخلاف العبد ويفارق النكاح الإجارة لأنها عقد على منافع بدنه, وهو يملك استيفاءها .

الفصل الثاني: في العبد الصغير الذي لم يبلغ فللسيد تزويجه في قول أكثر أهل العلم, إلا أن بعض الشافعية قال: فيه قولان وقال أبو الخطاب يحتمل ألا يملك تزويجه ولنا أنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده مع ملكه له وتمام ولايته عليه أولى وكذلك الحكم في عبده المجنون .

فصل: والمهر والنفقة على السيد, سواء ضمنهما أو لم يضمنهما وسواء باشر العقد أو أذن لعبده فعقده وسواء كان مأذونا له في التجارة أو محجورا عليه نص عليه أحمد وعنه ما يدل على أن ذلك يتعلق بكسبه, فإنه قال: نفقته من ضريبته وقال: إن كان بقيمة ضريبته أنفق عليها ولا يعطى المولى وإن لم يكن عنده ما ينفق, يفرق بينهما وهذا قول للشافعي وفائدة الخلاف أن من ألزم السيد المهر والنفقة أوجبهما عليه وإن لم يكن للعبد كسب وليس للمرأة الفسخ لعدم كسب العبد وللسيد استخدامه ومنعه من الاكتساب, ومن علقه بكسبه فلم يكن له كسب فللمرأة الفسخ وليس للسيد منعه من الكسب ولنا أنه حق تعلق بالعبد برضا سيده, فتعلق بسيده وجاز بيعه فيه كما لو رهنه بدين فعلى هذا, لو باعه سيده أو أعتقه لم يسقط المهر عن السيد نص عليه لأنه حق تعلق بذمته, فلم يسقط ببيعه وعتقه كأرش جنايته فأما النفقة: فإنها تتجدد فتكون في الزمن المستقبل على المشترى أو على العبد إذا أعتق.

فصل: ويجوز أن يتزوج السيد لعبده بإذنه ويجوز أن يأذن للعبد فيتزوج لنفسه لأنه مكلف يصح طلاقه, فكان من أهل مباشرة النكاح كالحر ويجوز أن يأذن له مطلقا ومقيدا فإن عين له امرأة أو نساء بلد أو قبيلة أو حرة أو أمة, فتزوج غيرها لم يصح لأنه متصرف بالإذن فتقيد تصرفه بما أذن له فيه كالوكيل وإن أذن له مطلقا فله أن يتزوج من شاء لكن إن تزوج امرأة من بلدة أخرى فلسيده منعه من الخروج إليها, وإن كانت في البلد فعلى سيده إرساله ليلا للاستمتاع وإن أحب سيده أن يسكنها في مسكن من داره فله ذلك إذا كان مسكن مثلها, ولا يلزمه إرساله نهارا لأنه يحتاج إلى استخدامه وليس النهار محلا للاستمتاع ولسيده المسافرة به فإن حق امرأة العبد عليه لا يزيد على حق امرأة الحر, والحر يملك المسافرة وإن كرهت امرأته كذا ها هنا.

فصل: وللسيد أن يعين له المهر وله أن يطلق, فإن تزوج بما عينه أو دونه أو بمهر المثل عند الإطلاق أو دونه لزم المسمى, وإن تزوج بأكثر من ذلك لم يلزم السيد الزيادة وهل تتعلق برقبة العبد أو بذمته يتبع بها بعد العتق؟ على روايتين بناء على استدانة العبد المحجور عليه وقد ذكر في باب المصراة.

فصل: وإن تزوج أمة ثم اشتراها بإذن سيده لسيده, لم يؤثر ذلك في نكاحه وإن اشتراها لنفسه وقلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك فكذلك, وإن قلنا: يملك بالتمليك انفسخ نكاحه كما لو اشترى الحر امرأته وله وطؤها بملك اليمين إذا أذن له السيد, فإن كان نصفه حرا فاشتراها في ذمته أو بما يختص بملكه, انفسخ نكاحه لأنه ملكها وحلت له بملك يمينه وإن ملك بعضها انفسخ نكاحه, ولم تحل له لأنه لا يملك جميعها وإن اشتراها بعين مال مشترك بينه وبين سيده بغير إذنه وقلنا: لا تفرق الصفقة لم يصح البيع والنكاح بحاله وإن قلنا بتفريقها, صح في قدر ماله وانفسخ النكاح لملكه بعضها.

فصل: وإن اشترت الحرة زوجها أو ملكته بهبة أو غيرها, انفسخ النكاح لأن ملك النكاح واليمين يتنافيان لاستحالة كون الشخص مالكا لمالكه ولأن المرأة تقول: أنفق على لأنني امرأتك وأنا أسافر بك لأنك عبدى ويقول هو: أنفقى على لأنني عبدك, وأنا أسافر بك لأنك امرأتى فيتنافى ذلك فيثبت أقواهما وهو ملك اليمين, وينفسخ النكاح لأنه أضعف ولها على سيده المهر إن كان بعد الدخول وله عليها الثمن, فإن كانا دينين من جنس تقاصا وتساقطا إن كانا متساويين وإن تفاضلا سقط الأقل منهما بمثله وبقي الفاضل, وإن اختلف جنسهما لم يتساقطا وعلى كل واحد منهما تسليم ما عليه إلى صاحبه وقال الشافعي في أحد قوليه: يسقط مهرها لأنه دين في ذمة العبد فإذا ملكته لم يجز أن يثبت لها دين في ذمة عبدها, كما لو أتلف لها مالا وهذا بناء منه على أن المهر يتعلق بذمة العبد وقد بينا أنه يتعلق بذمة سيده فلا يؤثر ملك العبد في إسقاطه وذكر القاضي فيه وجها: أنه يسقط لأن ثبوت الدين في ذمة السيد تبع لثبوته في ذمة العبد, فإذا سقط من ذمة العبد سقط من ذمة السيد تبعا كالدين الذي على الضامن إذا سقط من ذمة المضمون عنه ولا يعرف هذا في المذهب ولا أنه يثبت في الذمتين جميعا, إحداهما تبع للأخرى بل المذهب على أنه لا يسقط بعد الدخول بحال فأما إن كان الشراء قبل الدخول سقط نصفه, كما لو طلقها قبل دخوله بها وفي سقوط باقيه وجهان أحدهما: لا يسقط لأن زوال الملك إنما هو بفعل البائع فالفسخ إذا من جهته فلم يسقط جميع المهر كالخلع والثاني يسقط لأن الفسخ إنما تم بشراء المرأة, فأشبه الفسخ بالعيب في أحدهما وفسخها لإعساره وشراء الرجل امرأته.

فصل: فإن ابتاعته بصداقها, صح نص عليه أحمد وذكره أبو بكر والقاضي ويرجع عليها بنصفه إن قلنا: يسقط نصفه أو بجميعه, إن قلنا: يسقط جميعه ويحتمل أن لا يصح البيع وهو قول أصحاب الشافعي لأن ثبوته يقتضي نفيه فإن صحة البيع تقتضي فسخ النكاح وسقوط المهر, وسقوط المهر يقتضي بطلان البيع لأنه عوضه ولا يصح بغير عوض ولنا أنه يجوز أن يكون ثمنا لغير هذا العبد فجاز أن يكون ثمنا له كغيره من الديون, وما سقط منه رجع عليها به.

قال: فإذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما وجملة ذلك أنه إذا كان للمرأة وليان فأذنت لكل واحد منهما في تزويجها جاز سواء أذنت في رجل معين أو مطلقا, فقالت: قد أذنت لكل واحد من أوليائى في تزويجى من أراد فإذا زوجها الوليان لرجلين وعلم السابق منهما فالنكاح له, دخل بها الثاني أو لم يدخل وهذا قول الحسن والزهري وقتادة, وابن سيرين والأوزاعي والثوري, والشافعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي وبه قال عطاء, ومالك ما لم يدخل بها الثاني فإن دخل بها الثاني صار أولى لقول عمر إذا أنكح الوليان فالأول أحق, ما لم يدخل بها الثاني ولأن الثاني اتصل بعقده القبض فكان أحق ولنا ما روى سمرة, وعقبة عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول )) أخرج حديث سمرة أبو داود, والترمذي وأخرجه النسائي عنه وعن عقبة وروى نحو ذلك عن على وشريح ولأن الثاني تزوج امرأة في عصمة زوج, فكان باطلا كما لو علم أن لها زوجا ولأنه نكاح باطل لو عرى عن الدخول فكان باطلا وإن دخل, كنكاح المعتدة والمرتدة وكما لو علم فأما حديث عمر رضي الله عنه فلم يصححه أصحاب الحديث وقد خالفه قول على رضي الله عنه وجاء على خلاف حديث النبي -ﷺ- وما ذكروه من القبض لا معنى له, فإن النكاح يصح بغير قبض على أنه لا أصل له فيقاس عليه ثم يبطل بسائر الأنكحة الفاسدة .

فصل: إذا استوى الأولياء في الدرجة, كالإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم فالأولى تقديم أكبرهم وأفضلهم لأن النبي -ﷺ- لما تقدم إليه محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل, فتكلم عبد الرحمن بن سهل وكان أصغرهم فقال النبي: -ﷺ- كبر كبر أي قدم الأكبر, قدم الأكبر فتكلم حويصة وإن تشاحوا ولم يقدموا الأكبر أقرع بينهم لأن حقهم استوى في القرابة, وقد (( كان النبي -ﷺ- إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه )) لتساوى حقوقهن كذا ها هنا فإن بدر واحد منهم فزوج كفؤا بإذن المرأة صح, وإن كان هو الأصغر المفضول الذي وقعت القرعة لغيره لأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية بإذن موليته فصح, كما لو انفرد وإنما القرعة لإزالة المشاحة. قال: فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج فرق بينهما وكان لها عليه مهر مثلها, ولم يصبها زوجها حتى تحيض ثلاث حيض بعد آخر وقت وطئها الثاني أما إذا علم الحال قبل وطء الثاني لها فإنها تدفع إلى الأول ولا شيء على الثاني لأن عقده عقد فاسد لا يوجب شيئا وإن وطئها الثاني, وهو لا يعلم فهو وطء بشبهة يجب لها به مهر المثل وترد إلى الأول, ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها بثلاث حيض إن كانت من ذوات الأقراء ولم تحمل نص عليه أحمد وهو قول قتادة والشافعي, وابن المنذر وقال أحمد - -رحمه الله- -: لها صداق بالمسيس وصداق من هذا ولا يرد الصداق الذي يؤخذ من الداخل بها على الذي دفعت إليه وذلك لأن الصداق في مقابلة الاستمتاع بها فكان لها دون زوجها, كما لو وطئت بشبهة أو مكرهة ولا يحتاج هذا النكاح الثاني إلى فسخ لأنه باطل ولا يجب لها المهر إلا بالوطء دون مجرد الدخول والوطء دون الفرج لأنه نكاح باطل لا حكم له ويجب مهر المثل لأنه يجب بالإصابة لا بالتسمية وذكر أبو بكر أن الواجب المسمى قال القاضي: هو قياس المذهب والأول هو الصحيح لما قلناه والله أعلم.

قال: فإن جهل الأول منهما, فسخ النكاحان وجملة ذلك أنه إذا جهل الأول منهما فلا فرق بين أن لا يعلم كيفية وقوعهما أو يعلم أن أحدهما قبل الآخر لا بعينه, أو يعلم بعينه ثم يشك فالحكم في جميعها واحد وهو أن يفسخ الحاكم النكاحين جميعا نص عليه أحمد في رواية الجماعة, ثم تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما وهذا قول أبي حنيفة ومالك وعن أحمد رواية أخرى أنه يقرع بينهما, فمن تقع له القرعة أمر صاحبه بالطلاق ثم يجدد القارع نكاحه فإن كانت زوجته لم يضره تجديد النكاح شيئا, وإن كانت زوجة الآخر بانت منه بطلاقه وصارت زوجة هذا بعقده الثاني لأن القرعة تدخل بتميز الحقوق عند التساوي, كالسفر بإحدى نسائه والبداءة بالمبيت عند إحداهن وتعيين الأنصباء في القسمة وقال الثوري وأبو ثور: يجبرهما السلطان على أن يطلق كل واحد منهما طلقة, فإن أبيا فرق بينهما وهذا قريب من قولنا الأول لأنه تعذر إمضاء العقد الصحيح فوجب إزالة الضرر بالتفريق وقال الشافعي وابن المنذر: النكاح مفسوخ لأنه تعذر إمضاؤه وهذا لا يصح, فإن العقد الصحيح لا يبطل بمجرد إشكاله كما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن فإن العقد لا يزول إلا بفسخه, كذا ها هنا وقد روي عن شريح وعمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سليمان: أنها تخير, فأيهما اختارته فهو زوجها وهذا غير صحيح فإن أحدهما ليس بزوج لها فلم تخير بينهما, كما لو لم يعقد إلا أحدهما أو كما لو أشكل على الرجل امرأته في النساء أو على المرأة زوجها, إلا أن يريدوا بقولهم أنها إذا اختارت أحدهما فرق بينها وبين الآخر ثم عقد المختار نكاحها فهذا حسن, فإنه يستغني بالتفريق بينها وبين أحدهما عن التفريق بينها وبينهما جميعا وبفسخ أحد النكاحين عن فسخهما فإن أبت أن تختار, لم تجبر وكذلك ينبغي أنه إذا أقرع بينهما فوقعت القرعة لأحدهما لم تجبر على نكاحه لأنه لا يعلم أنه زوجها, فيتعين إذا فسخ النكاحين ولها أن تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما في الحال إن كان قبل الدخول, وإن كان أحدهما دخل بها لم تنكح حتى تنقضي عدتها من وطئه.

فصل: فإن ادعى كل واحد منهما أنني السابق بالعقد ولا بينة لهما, لم يقبل قولهما وإن أقرت المرأة لأحدهما لم يقبل إقرارها نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي: يقبل: كما لو أقرت ابتداء ولنا أن الخصم في ذلك هو الزوج الآخر فلم يقبل إقرارها في إبطال حقه, كما لو أقرت عليه بطلاق وإن ادعى الزوجان على المرأة أنها تعلم السابق منهما فأنكرت لم تستحلف لذلك وقال أصحاب الشافعي: تستحلف, بناء منهم على أن إقرارها مقبول فإن فرق بينها وبين أحدهما لاختيارها لصاحبه أو لوقوع القرعة له, وأقرت له أن عقده سابق فينبغي أن يقبل إقرارها لأنهما اتفقا على ذلك من غير خصم منازع فأشبه ما لو لم يكن صاحب عقد آخر.

فصل: وإن علم أن العقدين وقعا معا, لم يسبق أحدهما الآخر فهما باطلان لا حاجة إلى فسخهما لأنهما باطلان من أصلهما ولا مهر لها على واحد منهما, ولا ميراث لها منهما ولا يرثها واحد منهما لذلك وإن لم يعلم ذلك فسخ نكاحهما, فروي عن أحمد أنه يجب لها نصف المهر ويقترعان عليه لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ نكاحه قبل الدخول, فوجب عليه نصف مهرها كما لو خالعها وقال أبو بكر: لا مهر لها لأنهما مجبران على الطلاق فلم يلزمهما مهر, كما لو فسخ الحاكم نكاح رجل لعسره أو عنته وإن ماتت قبل الفسخ والطلاق فلأحدهما نصف ميراثها فيوقف الأمر حتى يصطلحا عليه ويحتمل أن يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة, حلف أنه المستحق وورث وإن مات الزوجان فلها ربع ميراث أحدهما فإن كانت قد أقرت أن أحدهما سابق بالعقد فلا ميراث لها من الآخر, وهي تدعى ربع ميراث من أقرت له فإن كان قد ادعى ذلك أيضا دفع إليها ربع ميراثه وإن لم يكن ادعى ذلك وأنكر الورثة فالقول قولهم مع أيمانهم, فإن نكلوا قضى عليهم وإن لم تكن المرأة أقرت بسبق أحدهما احتمل أن يحلف ورثة كل واحد منهما ويبرأ واحتمل أن يقرع بينهما, فمن خرجت قرعته فلها ربع ميراثه وقد روى حنبل عن أحمد في رجل له ثلاث بنات زوج إحداهن من رجل, ثم مات الأب ولم يعلم أيتهن زوج؟ يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي زوجته, وإن مات الزوج فهي التي ترثه والله أعلم.

فصل: وإن ادعى كل واحد منهما أنه السابق فأقرت لأحدهما ثم فرق بينهما وقلنا بوجوب المهر, وجب على المقر له دون صاحبه لإقراره لها به وإقرارها ببراءة صاحبه وإن ماتا ورثت المقر له دون صاحبه لذلك وإن ماتت هي قبلهما, احتمل أن يرثها المقر له كما ترثه واحتمل أن لا يقبل إقرارها له كما لم تقبله في نفسها وإن لم تقر لأحدهما إلا بعد موته, فهو كما لو أقرت في حياته وليس لورثة واحد منهما الإنكار لاستحقاقها لأن موروثه قد أقر لها بدعواه صحة نكاحها وسبقه بالعقد عليها وإن لم تقر لواحد منهما أقرع بينهما وكان لها ميراث من تقع عليه القرعة وإن كان أحدهما قد أصابها, فإن كان هو المقر له أو كانت لم تقر لواحد منهما فلها المسمى لأنه مقر لها به, وهي لا تدعى سواه وإن كانت مقرة للآخر فهي تدعى مهر المثل, وهو يقر لها بالمسمى فإن استويا أو اصطلحا فلا كلام وإن كان مهر المثل أكثر, حلف على الزائد وسقط وإن كان المسمى أكثر فهو مقر لها بالزيادة, وهي تنكرها فلا تستحقها والله أعلم.

فصل: وإن ادعى زوجية امرأة ابتداء فأقرت له بذلك, ثبت النكاح وتوارثا وقال أبو الخطاب في ذلك روايتان والصحيح أنه مقبول لأنها رشيدة أقرت بعقد يلزمها حكمه, فقبل إقرارها كما لو أقرت أن وليها باع أمتها قبل بلوغها فأنكر أبوها تزويجها, لم يقبل إنكاره لأن الحق على غيره وقد أقر به وكذلك لو ادعى أنه تزوج امرأة بولي وشاهدين عينهما فأقرت المرأة بذلك وأنكر الشاهدان, لم يلتفت إلى إنكارهما لأن الشهادة إنما يحتاج إليها مع الإنكار ويحتمل أن لا يقبل إقرارها مع إنكار أبيها لأن تزويجها إليه دونها فإن ادعى نكاحها فلم تصدقه حتى ماتت لم يرثها وإن مات قبلها, فاعترفت بما قال ورثته لكمال الإقرار منهما بتصديقها وكذلك لو أقرت المرأة دونه فمات قبل أن يصدقها, لم ترثه وإن ماتت فصدقها ورثها لما ذكرنا.

قال: وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل أجمع أهل العلم على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن سيده, فإن نكح لم ينعقد نكاحه في قولهم جميعا وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن نكاحه باطل والصواب ما قلنا - إن شاء الله - فإنهم اختلفوا في صحته, فعن أحمد في ذلك روايتان أظهرهما: أنه باطل وهو قول عثمان وابن عمر وبه قال شريح وهو مذهب الشافعي وعن أحمد أنه موقوف على إجازة السيد, فإن أجازه جاز وإن رده بطل وهو قول أصحاب الرأي لأنه عقد يقف على الفسخ فوقف على الإجازة, كالوصية ولنا ما روى جابر قال: قال رسول الله: -ﷺ- (( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه, فهو عاهر )) رواه الأثرم وأبو داود وابن ماجه وروى الخلال, بإسناده عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر, قال: قال رسول الله: -ﷺ- (( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زان )) قال حنبل: ذكرت هذا الحديث لأبي عبد الله فقال: هذا حديث منكر ورواه أيضا عن ابن عمر موقوفا عليه من قوله: ولأنه نكاح فقد شرطه, فلم يصح كما لو تزوجها بغير شهود.

قال: فإن دخل بها فعلى سيده خمسا المهر كما قال عثمان رضي الله عنه إلا أن يجاوز الخمسان قيمته فلا يلزم سيده أكثر من قيمته, أو يسلمه في هذه المسألة خمسة فصول:

الفصل الأول: في وجوب المهر وله حالان أحدهما: أن لا يدخل بها فلا مهر لها لأنه عقد باطل, فلا نوجب بمجرده شيئا كالبيع الباطل وهكذا سائر الأنكحة الفاسدة لا نوجب بمجردها شيئا الحال الثاني: أن يصيبها, فالصحيح في المذهب أن المهر يجب رواه عنه جماعة وروى عنه حنبل أنه لا مهر لها إذا تزوج العبد بغير إذن سيده وهذا يمكن حمله على ما قبل الدخول فيكون موافقا لرواية الجماعة ويمكن حمله على عمومه في عدم الصداق وهو قول ابن عمر رواه الأثرم, عن نافع قال: كان إذا تزوج مملوك لابن عمر بغير إذنه جلده الحد وقال للمرأة: إنك أبحت فرجك وأبطل صداقها ووجهه أنه وطئ امرأة مطاوعة في غير نكاح صحيح, فلم يجب به مهر كالمطاوعة على الزنا قال القاضي: هذا إذا كانا عالمين بالتحريم فأما إن جهلت المرأة ذلك, فلها المهر لأنه لا ينقص عن وطء الشبهة ويمكن حمل هذه الرواية على أنه لا مهر لها في الحال بل يجب في ذمة العبد يتبع به بعد العتق وهو قول الشافعي الجديد لأن هذا حق لزمه برضا من له الحق, فكان محله الذمة كالدين والصحيح أن المهر واجب لقوله: عليه السلام (( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل, فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها )) وهذا قد استحل فرجها فيكون مهرها عليه ولأنه استوفى منافع البضع باسم النكاح فكان المهر واجبا, كسائر الأنكحة الفاسدة.

الفصل الثاني: أن المهر يتعلق برقبته يباع فيه إلا بفدية السيد وقد ذكرنا احتمالا آخر: أنه يتعلق بذمة العبد والأول أظهر إلا أن الوطء أجرى مجرى الجناية الموجبة للضمان بغير إذن المولى ولذلك وجب المهر ها هنا, وفي سائر الأنكحة الفاسدة ولو لم تجر مجراها ما وجب شيء لأنه برضا المستحق والله أعلم.

الفصل الثالث: أن الواجب من المهر خمساه وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه وعمل به أبو موسى وعن أحمد أنها إن علمت أنه عبد فلها خمسا المهر, وإذا لم تعلم فلها المهر في رقبة العبد وعنه أن الواجب مهر المثل وهو قول أكثر الفقهاء لأنه وطء يوجب المهر فأوجب مهر المثل بكماله كالوطء في النكاح بلا ولي, وفي سائر الأنكحة الفاسدة ووجه الأولى ما روى الإمام أحمد بإسناده عن خلاس أن غلاما لأبي موسى تزوج بمولاة تيجان التيمي, بغير إذن أبي موسى فكتب في ذلك إلى عثمان فكتب إليه عثمان, أن فرق بينهما وخذ لها الخمسين من صداقها وكان صداقها خمسة أبعرة ولأن المهر أحد موجبى الوطء فجاز أن ينقص العبد فيه عن الحر كالحد فيه أو أحد العوضين في النكاح, فينقص العبد كعدد المنكوحات

الفصل الرابع: أنه يجب خمسا المسمى لأنه صار فيه إلى قصة عثمان رضي الله عنه وظاهرها أنه أوجب خمسى المسمى ولهذا قال: وكان صداقها خمسة أبعرة ولأنه لو اعتبر مهر المثل أوجب جميعه, كسائر قيم المتلفات ولأوجب القيمة وهي الأثمان دون الأبعرة ويحتمل أنه يجب خمسا مهر المثل لأنه عوض عن جناية, فكان المرجع فيه إلى قيمة المحل كسائر أروش الجنايات وقيمة المحل مهر المثل.

الفصل الخامس: أن الواجب إن كان زائدا على قيمة العبد, لم تلزم السيد الزيادة لأن الواجب عليه ما يقابل قيمة العبد بدليل أنه لو سلم العبد لم يلزمه شيء فإذا أعطى القيمة فقد أعطى ما يقابل الرقبة فلم تلزمه زيادة عليه وإن كان الواجب أقل من قيمة العبد, لم يلزمه أكثر من ذلك لأنه أرش الجناية فلا يجب عليه أكثر منها والخيرة في تسليم العبد وفدائه إلى السيد وهذا قد ذكرناه في غير هذا الموضع بأبين من هذا.

قال: وإذا تزوج الأمة على أنها حرة, فأصابها وولدت منه فالولد حر, وعليه أن يفديهم والمهر المسمى ويرجع به على من غره, ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له أن ينكح الإماء وإن كان ممن يجوز له أن ينكح فرضي بالمقام, فما ولدت بعد الرضى فهو رقيق في هذه المسألة ستة فصول:

الفصل الأول: أن النكاح لا يفسد بالغرور وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه: يفسد لأنه عقد على حرة ولم يوجد, فأشبه ما لو قال: بعتك هذا الفرس فإذا هو حمار ولنا أن المعقود عليه في النكاح الشخص دون الصفات فلا يؤثر عدمها في صحته كما لو قال: زوجتك هذه البيضاء فإذا هي سوداء أو هذه الحسناء فإذا هي شوهاء وكذا يقول في الأصل الذي ذكره: إن العقد الذي ذكروه صحيح لأن المعقود عليه العين المشار إليها وإن سلمناه, فالفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ثم فاتت الذات فإن ذات الفرس غير ذات الحمار وهاهنا اختلفا في الصفات والثاني: أن البيع يؤثر فيه فوات الصفات, بدليل أنه يرد بفوات أي شيء كان فيه نفع منها والنكاح بخلافه.

الفصل الثاني: أن أولاده منها أحرار بغير خلاف نعلمه لأنه اعتقد حريتها فكان أولاده أحرارا لاعتقاده ما يقتضي حريتهم كما لو اشترى أمة يعتقدها ملكا لبائعها, فبانت مغصوبة بعد أن أولدها.

الفصل الثالث: أن على الزوج فداء أولاده كذلك قضى عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم وهو قول مالك والثوري والشافعي, وأبي ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى, ليس عليه فداؤهم لأن الولد ينعقد حر الأصل فلم يضمنه لسيد الأمة لأنه لم يملكه وعنه أنه يقال له: افد أولادك وإلا فهم يتبعون أمهم فظاهر هذا أنه خيره بين فدائهم وبين تركهم رقيقا لأنهم رقيق بحكم الأصل, فلم يلزمه فداؤهم كما لو وطئها وهو يعلم رقها وقال الخلال: اتفق عن أبي عبد الله أنه يفدى ولده وقال إسحاق عنه في موضع: إن الولد له وليس عليه أن يفديهم وأحسبه قولا أول لأبي عبد الله والصحيح أن عليه فداءهم لقضاء الصحابة صلوات الله عليهم أجمعين به, ولأنه نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكا لمالكها وقد فوت رقه باعتقاد الحرية فلزمه ضمانهم, كما لو فوت رقهم بفعله. وفي فدائهم ثلاث مسائل:

 المسألة الأولى: 

في وقته وذلك حين وضع الولد قضى بذلك عمر وعلي, وابن عباس رضي الله عنهم وهو قول الشافعي وقال أبو ثور والثوري وأصحاب الرأي: يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة لأنه إنما يضمنهم بالمنع, ولم يمنعهم إلا حال الخصومة ولنا أنه محكوم بحريته عند الوضع فوجب أن يضمنه لأنه فات رقه من حينئذ ولأن القيمة التي تزيد بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة, فلم يضمنها كما بعد الخصومة فإن قيل: فقد كان محكوما بحريته وهو جنين قلنا: إلا أنه لم يمكن تضمينه حينئذ, لعدم قيمته والاطلاع عليه فأوجبنا ضمانه في أول حال يمكن تضمينه وهو حال الوضع في صفة الفداء, وفيها ثلاث روايات إحداهن بقيمتهم وهو قول أكثر الفقهاء لقول النبي: -ﷺ- (( من أعتق شقصا من عبد قوم عليه نصيب شريكه )) ولأن الحيوان من المتقومات لا من ذوات الأمثال, فيجب ضمانه بقيمته كما لو أتلفه والثانية: يضمنهم بمثلهم عبيدا الذكر بذكر, والأنثى بأنثى لما روى سعيد بن المسيب قال: أبقت جارية لرجل من العرب وانتمت إلى بعض العرب, فتزوجها رجل من بني عذرة ثم إن سيدها دب فاستاقها واستاق ولدها, فاختصموا إلى عمر رضي الله عنه فقضى للعذرى بفداء ولده بغرة غرة مكان كل غلام ومكان كل جارية بجارية, وكان عمر يقوم الغرة على أهل القرى ومن لم يجد غرة ستين دينارا ولأن ولد المغرور حر فلا يضمن بقيمته كسائر الأحرار فعلى هذه الرواية ينبغي أن ينظر إلى مثلهم في الصفات تقريبا لأن الحيوان ليس من ذوات الأمثال ويحتمل أن يجب مثلهم في القيمة وهو قول أبي بكر والثالثة: هو مخير بين فدائهم بمثلهم أو قيمتهم قال أحمد في رواية الميموني: إما القيمة أو رأس برأس لأنهما جميعا يرويان عن عمر, ولكن لا أدرى أي الإسنادين أقوى وهذا اختيار أبي بكر وقال في المقنع: الفدية غرة بغرة بقدر القيمة أو القيمة وأيهما أعطى أجزأه ووجه ذلك أنه تردد بين الجنين الذي يضمن بغرة, وبين إلحاقه بغيره من المضمونات فاقتضى التخيير بينهما والصحيح أنه يضمن بالقيمة كسائر المضمونات المتقومات وقول عمر قد اختلف عنه فيه, قال أحمد في رواية أبي طالب: وعليه قيمتهم مثل قول عمر وإذا تعارضت الروايات عنه وجب الرجوع إلى القياس.

 المسألة الثالثة: في من يضمن منهم وهو من ولد حيا لوقت يعيش لمثله, سواء عاش أو مات بعد ذلك وقال مالك والثوري وأبو ثور, وأصحاب الرأي: لا ضمان على الأب لمن مات منهم قبل الخصومة وهذا مبنى على وقت الضمان وقد ذكرناه فأما السقط ومن ولد لوقت لا يعيش لمثله, وهو دون ستة أشهر فلا ضمان لأنه لا قيمة له. 
 الفصل الرابع: 

في المهر ولا يخلو أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء أو لا فإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء, وقد نكحها نكاحا صحيحا فلها المسمى وإن لم يدخل بها واختار الفسخ, فلا مهر لها لأن الفسخ تعذر من جهتها فهي كالمعيبة يفسخ نكاحها وإن كان ممن لا يجوز له نكاح الإماء فالعقد فاسد من أصله, ولا مهر فيه قبل الدخول فإن دخل بها فعليه مهرها وهل يجب المسمى أو مهر المثل؟ على روايتين ذكرناهما فيما مضى وكذلك إن كان ممن يجوز له نكاح الإماء, لكن تزوجها بغير إذن سيدها أو نحو ذلك مما يفسد به النكاح.

 الفصل الخامس: 

أنه يرجع بما غرمه على من غره في المهر وقيمة الأولاد وهذا اختاره الخرقي, ورواية عن أحمد قال ابن المنذر كذلك قضى عمر وعلي وابن عباس وبه قال الشافعي في القديم والرواية الأخرى: لا يرجع بالمهر وهو اختيار أبي بكر قال: وهو قول علي وبه قال الثوري, وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه وهو الوطء, فلم يرجع به كما لو اشترى مغصوبا فأكله بخلاف قيمة الولد, فإنها لم تحصل في مقابلة عوض لأنها وجبت بحرية الولد وحرية الولد للولد لا لأبيه قال القاضي: والمذهب أنه يرجع بالمهر لأن أحمد قال: كنت أذهب إلى حديث على ثم كأني هبته, وكأني أميل إلى حديث عمر يعني في الرجوع ولأن العاقد ضمن له سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع بالمهر قال: وعلى هذا الأصل يرجع بأجرة الخدمة إذا غرمها, كما يرجع بالمهر ولا أعرف عن أصحابنا بينهما فرقا إذا ثبت هذا فإن كان الغرور من السيد فقال: هي حرة عتقت وإن كان بلفظ غير هذا, لم تثبت به الحرية فلا شيء له لأنه لا فائدة في أن يجب له ما يرجع به عليه وإن كان الغرور من وكيله رجع عليه في الحال وإن كان من أجنبي, رجع عليه أيضا وإن كان منها فليس لها في الحال مال فيتخرج فيها وجهان بناء على دين العبد بغير إذن سيده, هل يتعلق برقبته أو بذمته يتبع به بعد العتق؟ قال القاضي: قياس قول الخرقي أنه يتعلق بذمتها لأنه قال في الأمة إذا خالعت زوجها بغير إذن سيدها: يتبعها به إذا عتقت كذا ها هنا ويتبعها بجميعه وظاهر كلام أحمد أن الغرور إذا كان من الأمة, لم يرجع على أحد فإنه قال: إذا جاءت الأمة فقالت: إني حرة فولت أمرها رجلا فزوجها من رجل, ثم ظهر عليها مولاها قال: فكاك ولده على الأب لأنه لم يغره أحد وأما إذا غره رجل فزوجها على أنها حرة, فالفداء على من غره يروى هذا عن على وإبراهيم وحماد وكذلك قال الشعبي وإن قلنا: يتعلق برقبتها فالسيد مخير بين فدائها بقيمتها إن كانت أقل مما يرجع به عليها أو يسلمها, فإن اختار فداءها بقيمتها سقط قدر ذلك عن الزوج فإنه لا فائدة في أن نوجبه عليه ثم نرده إليه وإن اختار تسليمها, سلمها وأخذ ما وجب له وذكر القاضي أن الغرور الموجب للرجوع أن يكون اشتراط الحرية مقارنا للعقد فيقول: زوجتكها على أنها حرة فإن لم تكن كذلك, لم تملك الفسخ وهذا مذهب الشافعي والصحيح خلاف هذا فإن الصحابة الذين قضوا بالرجوع لم يفرقوا بين أنواع الغرور ولم يستفصلوا, والظاهر أن العقد لم يقع هكذا ولم تجر العادة به في العقود فلا يجوز حمل قضائهم المطلق على صورة نادرة لم تنقل ولأن الغرور قد يكون من المرأة, ولا لفظ لها في العقد ولأنه متى أخبره بحريتها أو أوهمه ذلك بقرائن تغلب على ظنه حريتها فنكحها على ذلك, ورغب فيها بناء عليه وأصدقها صداق الحرائر ثم لزمه الغرم, فقد استضر بناء على قول المخبر له والغار فتجب إزالة الضرر عنه بإثبات الرجوع على من غره وأضر به فعلى هذا إن كان الغرور من اثنين أو أكثر, فالرجوع على جميعهم وإن كان الغرر منها ومن الوكيل فعلى كل واحد منهما نصفه والله أعلم.

 الفصل السادس: 

أن الزوج إن كان ممن يحرم عليه نكاح الإماء, وهو من يجد الطول أو لا يخشى العنت فإنه يفرق بينهما لأننا بينا أن النكاح فاسد من أصله لعدم شرطه وهكذا لو كان تزويجها بغير إذن سيدها, أو اختل شرط من شروط النكاح فهو فاسد يفرق بينهما والحكم في الرجوع على ما ذكرنا وإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء, وكانت شرائط النكاح مجتمعة فالعقد صحيح وللزوج الخيار بين الفسخ والمقام على النكاح وهذا معنى قول الخرقي " فرضي بالمقام " معها, وهذا الظاهر من مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة: لا خيار له لأن الكفاءة غير معتبرة في جانب المرأة لأنه يملك الطلاق ولنا أنه عقد غر فيه أحد الزوجين بحرية الآخر فثبت له الخيار كالآخر لأن الكفاءة وإن لم تعتبر فإن عليه ضررا في استرقاق ولده, ورق امرأته وذلك أعظم من فقد الكفاءة وأما الطلاق يندفع به الضرر فإنه يسقط نصف المسمى, والفسخ يسقط جميعه فإذا فسخ قبل الدخول فلا مهر لها وإن رضي بالمقام معها, فله ذلك لأنه يحل له نكاح الإماء وما ولدت بعد ذلك فهو رقيق لسيدها لأن المانع من رقهم في الغرور اعتقاد الزوج حريتها وقد زال ذلك بالعلم ولو وطئها قبل علمه, فعلقت منه ثم علم قبل الوضع فهو حر لأنه وطئها يعتقد حريتها. فصل: والحكم في المدبرة وأم الولد والمعتقة بصفة, كالأمة القن لأنها ناقصة بالرق إلا أن ولد أم الولد والمدبرة يقوم كأنه عبد له حكم أمه وكذلك من أعتق بعضها, إلا أنه إذا فدى الولد لم يلزمه إلا فداء ما فيه من الرق لأن بقيته حر بحرية أمه لا باعتقاد الوطء فإن كانت مكاتبة فكذلك, إلا أن مهرها لها لأنه من كسبها وكسبها لها وتجب قيمة ولدها على الرواية المشهورة قال أبو بكر: ويكون ذلك لها تستعين به في كتابتها فإن كان الغرور منها, فلا شيء لها إذ لا فائدة في إيجاب شيء لها يرجع به عليها وإن كان الغرور من غيرها, غرمه لها ويرجع به على من غره.

 فصل: 

ولا يثبت أنها أمة بمجرد الدعوى فإن أقام بذلك بينة, ثبت وإن أقرت أنها أمة فقال أحمد في رواية أبي الحارث: لا يستحقها بإقرارها وذلك لأن إقرارها يزيل النكاح عنها, ويثبت حقا على غيرها فلم يقبل كإقرارها بمال على غيرها وقال في رواية حنبل: لا شيء له حتى يثبت, أو تقر هي أنها أمته فظاهر هذا أنه يقبل إقرارها لأنها مقرة على نفسها بالرق أشبه غير الزوجة والأول أولى ولا نسلم أنه يقبل من غير ذات الزوج إقرارها بالرق بعد إقرارها بالحرية لأنها أقرت بما يتعلق به حق الله تعالى.

 فصل: 

إذا حملت المغرور بها فضرب بطنها ضارب, فألقت جنينا ميتا فعلى الضارب غرة لأن هذا الجنين محكوم بحريته ويرثها ورثته من كانوا, وعلى الضارب كفارة القتل وإن كان الضارب أباه لم يرثه وورثه أقاربه ولا يجب بذل هذا الولد للسيد لأنه إنما يستحق بذل حي, وهذا ميت ويحتمل أن يجب له عشر قيمة أمه لأن الواطئ فوت ذلك عليه باعتقاد الحرية ولولاه لوجب له ذلك.

 فصل: 

إذا تزوجت المرأة عبدا على أنه حر فالنكاح صحيح وهذا قول أبي حنيفة, وأحد قولي الشافعي لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد كما لو تزوج أمة على أنها حرة وهذا إذا كملت شروط النكاح وكان ذلك بإذن سيده وإن كانت المرأة حرة, وقلنا: الحرية ليست من شروط الكفاءة أو أن فقد الكفاءة لا يبطل النكاح فهو صحيح وللمرأة الخيار بين الفسخ والإمضاء فإن اختارت إمضاءه فلأوليائها الاعتراض عليها لعدم الكفاءة وإن كانت أمة فينبغي أن يكون لها الخيار أيضا لأنه لما ثبت الخيار للعبد إذا غر بأمة, ثبت للأمة إذا غرت بعبد وكل موضع حكمنا بفساد العقد ففرق بينهما قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فلها مهر المثل, أو المسمى على ما قدمنا من الاختلاف وكل موضع فسخ النكاح مع القول بصحته قبل الدخول فلا شيء لها, وإن كان بعده فلها المسمى لأنه فسخ طرأ على نكاح فأشبه الطلاق.

 فصل: 

فإن غرها بنسب فبان دونه, وكان ذلك مخلا بالكفاءة وقلنا بصحة النكاح فلها الخيار, فإن اختارت الإمضاء فلأوليائها الاعتراض عليها وإن لم يخل بالكفاءة, فلا خيار لها لأن ذلك ليس بمعتبر في النكاح فأشبه ما لو شرطه فقيها فبان بخلافه وكذلك إن شرطت غير النسب, فإن كان مما يعتبر في الكفاءة فهو كما لو تبين أنه غير مكافئ لها في النسب وإن لم يعتبر في الكفاءة, كالفقه والجمال وأشباه ذلك فلا خيار لها لأن ذلك مما لا يعتبر في النكاح فلا يؤثر اشتراطه وذكر فيما إذا بان نسبه دون ما ذكر وجه في ثبوت الخيار لها إن لم يخل بالكفاءة, والأولى ما ذكرناه والله أعلم.

 قال: وإن كان المغرور عبدا فولده أحرار ويفديهم إذا عتق ويرجع به على من غره 

وجملة ذلك أن المغرور إذا كان عبدا فولده أحرار وقال أبو حنيفة: يكون رقيقا لأن أبويه رقيق وليس ذلك بصحيح فإنه وطئها معتقدا حريتها, فكان ولده حرا كولد الحر فإن هذا هو العلة المقتضية للحرية في محل الوفاق, ولولا ذلك لكان رقيقا فإن علة رق الولد رق الأم خاصة ولا عبرة بحال الأب, بدليل ولد الحر من الأمة وولد الحرة من العبد وعلى العبد فداؤهم لأنه فوت رقهم باعتقاده وفعله ولا مال له في الحال, فيخرج في ذلك وجهان أحدهما: يتعلق برقبته بمنزلة جنايته والثاني بذمته يتبع به بعد العتق, بمنزلة عوض الخلع من الأمة إذا بذلته بغير إذن سيدها ويفارق الاستدانة والجناية لأنه إذا استدان أتلف مال الغريم فكان جناية منه وهاهنا لم يجن في الأولاد جناية, وإنما عتقوا من طريق الحكم وما حصل له منهم عوض فيكون ذلك في ذمته يتبع به بعد العتق, ويرجع به حين يغرمه فإنه لا ينبغي أن يجب له بذل ما لم يفت عليه وأما الحرية فتتعجل في الحال وإن قلنا: إن الفداء يتعلق برقبته وجب في الحال ويرجع به سيده في الحال, ويثبت للعبد الخيار إذا علم كما ثبت للحر لمن يحل له نكاح الإماء لأن عليه ضررا في رق ولده ونقصا في استمتاعه, فإنها لا تبيت معه ليلا ونهارا ولم يرض به ويحتمل أن لا يثبت له خيار لأنه فقد صفة لا ينقص بها عن رتبته فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبانت بخلافه لأنها مساوية لنسبه, بخلاف تغرير الحر وقال بعض الشافعية: لا خيار له قولا واحدا وقال بعضهم: فيه قولان والأولى ما ذكرناه وإذا اختار الإقامة فالمهر واجب, لا يرجع به على أحد وإن اختار الفسخ قبل الدخول فلا مهر وإن كان بعده والنكاح بإذن سيده, فالمهر واجب عليه وفي الرجوع به خلاف ذكرناه فيما مضى وإن كان بغير إذنه, فالنكاح فاسد فإن دخل بها ففي قدر ما يجب عليه وجهان أحدهما: مهر المثل والثاني: الخمسان وهل يرجع به؟ على وجهين.

 فصل: 

فإن شرط أنها مسلمة, فبانت كافرة فله الخيار لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد فأشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة.

 فصل: 

فإن شرطها بكرا, فبانت ثيبا فعن أحمد كلام يحتمل أمرين أحدهما: لا خيار له لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى ثمانية عيوب فلا يرد منه بمخالفة الشرط والثاني, له الخيار لأنه شرط صفة مقصودة فبان خلافها فيثبت له الخيار, كما لو شرط الحرية وعلى هذا لو شرطها ذات نسب فبانت دونه أو شرطها بيضاء, فبانت سوداء أو شرطها طويلة فبانت قصيرة, أو حسناء فبانت شوهاء خرج في ذلك كله وجهان ونحو هذا مذهب الشافعي وقال أبو ثور: القياس أن له الرد إن كان فيه اختلاف وإن كان إجماعا فالإجماع أولى من النظر قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أبا ثور على مقالته وممن ألزم الزوج من هذه صفتها الثوري والشافعي, وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وروى الزهري, أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء كانت الحيضة خرقت عذرتها, فأرسلت إليه عائشة إن الحيضة تذهب العذرة يقينا وعن الحسن والشعبي وإبراهيم في الرجل إذا لم يجد امرأته عذراء: ليس عليه شيء, العذرة تذهبها الوثبة وكثرة الحيض والتعنس, والحمل الثقيل والله أعلم.

 فصل: 

وإذا تزوج امرأة يظنها حرة فبانت أمة أو يظنها مسلمة, فبانت كافرة أو تزوجت عبدا تظنه حرا فلهم الخيار, كما لو شرطوا ذلك نص عليه أحمد في امرأة تزوجت عبدا تظنه حرا فلها الخيار وقال الشافعي في الأمة: لا خيار له وفي الكافرة: له الخيار وقال بعضهم فيهما جميعا قولان ولنا أن بعض الرق أعظم ضررا, فإنه يؤثر في رق ولده ويمنع كمال استمتاعه فكان له الخيار, كما لو كانت كافرة.

 فصل: 

وإن شرطها أمة فبانت حرة أو ذات نسب, فبانت أشرف منه أو على صفة دنيئة فبانت خيرا من شرطه, أو كافرة فبانت مسلمة فلا خيار له في ذلك لأنه زيادة وقال أبو بكر له الخيار إذا بانت مسلمة لأنه قد يكون له غرض في عدم وجوب العبادات والأول أولى.

 فصل: 

وكل موضع ثبت له الخيار ففسخ قبل الدخول, فلا مهر عليه وإن فسخ بعده وكان التغرير ممن له المهر فلا شيء عليه أيضا, وإن كان من غيره فعليه المهر يدفعه ثم يرجع به على الغار, فإن كان التغرير من أوليائها رجع عليهم وإن علم بعضهم احتمل أن يرجع عليه وحده لأنه الغار, واحتمل أن يرجع على جميعهم لأن حقوق الآدميين في العمد والسهو سواء.

 قال: وإذا قال: قد جعلت عتق أمتى صداقها بحضرة شاهدين فقد ثبت العتق والنكاح وإذا قال: أشهد إني قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها كان العتق والنكاح أيضا ثابتين, سواء تقدم العتق أو تأخر إذا لم يكن بينهما فصل فإن طلقها قبل الدخول, رجع عليها بنصف قيمتها 

في هذه المسألة خمسة فصول:

 الفصل الأول: 

أن ظاهر المذهب أن الرجل إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها فهو نكاح صحيح نص عليه أحمد في رواية الجماعة وروى ذلك عن على رضي الله عنه وفعله أنس بن مالك وبه قال سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن, والحسن والزهري وإسحاق وقال الأوزاعي: يلزمها أن تتزوجه وروى المروذي عن أحمد: إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها, يوكل رجلا يزوجه وظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة النكاح قال أبو الخطاب هي الصحيحة واختارها القاضي وابن عقيل وهو قول أبي حنيفة ومالك, والشافعي لأنه لم يوجد إيجاب وقبول فلم يصح لعدم أركانه كما لو قال: أعتقتك وسكت ولأنها بالعتق تملك نفسها, فيجب أن يعتبر رضاها كما لو فصل بينهما ولأن العتق يزيل ملكه عن الاستمتاع بحق الملك فلا يجوز أن يستبيح الوطء بالمسمى, فإنه لو قال: بعتك هذه الأمة على أن تزوجنيها بالثمن لم يصح ولنا ما روى أنس أن رسول الله -ﷺ- (( أعتق صفية, وجعل عتقها صداقها )) متفق عليه وفي لفظ: أعتقها وتزوجها فقلت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها وروى الأثرم بإسناده عن صفية قالت: (( أعتقني رسول الله -ﷺ- وجعل عتقى صداقي )) وبإسناده عن على رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا أعتق الرجل أم ولده, فجعل عتقها صداقها فلا بأس بذلك ومتى ثبت العتق صداقا ثبت النكاح لأن الصداق لا يتقدم النكاح, ولو تأخر العتق عن النكاح لم يجز فدل على أنه انعقد بهذا اللفظ ولأنه لم ينقل عن النبي -ﷺ- أنه استأنف عقدا ولو استأنفه لظهر, ونقل كما نقل غيره ولأن من جاز له تزويج امرأة لغيره من غير قرابة جاز له أن يتزوجها كالإمام وقولهم: لم يوجد إيجاب ولا قبول عديم الأثر فإنه لو وجد لم يحكموا بصحته, وعلى أنه إن لم يوجد فقد وجد ما يدل عليه وهو جعل العتق صداقا فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها, وكما لو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم وقال للزوج: أقبلت؟ فقال: نعم عند أصحابنا وكما لو أتى بالكنايات عند أبي حنيفة ومن وافقه

 الفصل الثاني: 

أن النكاح ينعقد بقوله: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك وتزوجتك وبذلك خاليا عن قوله: وتزوجتك وهذا لفظ الخرقي, وهو الذي جاء في حديث أنس وبقوله: جعلت عتقك صداقك أو جعلت صداقك عتقك وهذا معنى قول الخرقي: " سواء تقدم العتق أو تأخر " ونص أحمد على هذا في رواية صالح: إذا قال: جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك كل ذلك جائز

 الفصل الثالث: 

أن لا يكون بينهما فصل ولو قال: أعتقتك وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه, أو تكلم بكلام أجنبي ثم قال: جعلت عتقك صداقك لم يصح النكاح لأنها صارت بالعتق حرة فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق جديد

 الفصل الرابع: 

أنه لا بد من شاهدين إذا قلنا باشتراط الشهادة في النكاح نص عليه أحمد, في رواية الجماعة وذلك لقوله: (( لا نكاح إلا بولي وشاهدين )).

 الفصل الخامس: 

أنه إذا طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمتها لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها, وقد فرض لها نفسها ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله فرجع بنصف قيمة نفسها وبهذا قال الحسن, والحكم وقال الأوزاعي يرجع بربع قيمتها ولنا أنه طلاق قبل الدخول فأوجب الرجوع في النصف كسائر الطلاق وتعتبر القيمة حالة الإعتاق لأنها حالة الإتلاف فإن لم تكن قادرة على نصف القيمة, فهل تستسعى فيها أو تكون دينا تنظر به إلى حال القدرة؟ على روايتين وإن قلنا: إن النكاح لا ينعقد بهذا القول فعليها قيمة نفسها لأنه أزال ملكه بعوض لم يسلم له فرجع إلى قيمة المفوت, كالبيع الفاسد وكذلك إن قلنا: إن النكاح انعقد به فارتدت قبل الدخول أو فعلت ما ينفسخ به نكاحها مثل أن أرضعت زوجة له صغيرة, ونحو ذلك انفسخ نكاحها وعليها قيمة نفسها.

 فصل: 

وإن قال لأمته: أعتقتك على أن تزوجيني نفسك, ويكون عتقك صداقك أو لم يقل: ويكون عتقك صداقك فقبلت عتقت ولم يلزمها أن تزوجه نفسها لأنه سلف في نكاح, فلم يلزمها كما لو كان أسلف حرة ألفا على أن يتزوجها ولأنها أسقطت حقها من الخيار قبل وجود سببه, فلم يسقط كالشفيع يسقط شفعته قبل البيع ويلزمها قيمة نفسها أومأ إليه أحمد, في رواية عبد الله وهو مذهب الشافعي لأنه أزال ملكه منها بشرط عوض لم يسلم له فاستحق الرجوع بقيمته كالبيع الفاسد إذا تلفت السلعة في يد المشتري, والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول ويحتمل أن لا يلزمها شيء بناء على ما إذا قال لعبده: أعتقتك على أن تعطيني ألفا وهذا قول مالك وزفر لأن هذا ليس بلفظ شرط, فأشبه ما لو قال: أعتقتك وزوجيني نفسك وتعتبر القيمة حالة العتق ويطالبها بها في الحال إن كانت قادرة عليها, وإن كانت معسرة فهل تنظر إلى الميسرة أو تجبر على الكسب؟ على وجهين, أصلهما في المفلس هل يجبر على الكسب؟ على روايتين.

 فصل: 

وإن اتفق السيد وأمته على أن يعتقها وتزوجه نفسها فتزوجها على ذلك, صح ولا مهر لها غير ما شرط من العتق وبه قال أبو يوسف وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون العتق صداقا, لكن إن تزوجها على القيمة التي له في ذمتها وهما يعلمان القيمة صح الصداق ولنا أن العتق صلح صداقا في حق النبي -ﷺ- فيجوز في حق أمته كالدراهم ولأنه يصلح عوضا في البيع, فإنه لو قال: أعتق عبدك على ألف جاز فلأن يكون عوضا في النكاح أولى فإن النكاح لا يقصد فيه العوض وعلى هذا لو تزوجها على أن يعتق أباها, صح نص عليه أحمد في رواية عبد الله إذا ثبت هذا فإن العتق يصير صداقا, كما لو دفع إليها مالا ثم تزوجها عليه فإن بذلت له نفسها ليتزوجها فامتنع لم يجبر وكانت له القيمة لأنها إذا لم تجبر على تزويجه نفسها, لم يجبر هو على قبولها وحكم المدبرة والمعتقة بصفة وأم الولد, حكم الأمة القن في جميع ما ذكرناه.

 فصل: 

وإن أعتقت امرأة عبدها بشرط أن يتزوجها عتق, ولا شيء عليه لأن النكاح يحصل به الملك للزوج وليس بمملوك به فإذا اشترطت عليه إثبات الملك له, لم يلزمه ذلك كما لو اشترطت عليه أن تملكه دارا ولو أراد العبد تزوجها لم تجبر لأن الشرط لها فلا يوجب عليها, كما لو شرط السيد على أمته أن تزوجه نفسها لم يلزمه ذلك.

 فصل: 

ولا بأس أن يعتق الرجل الأمة ثم يتزوجها سواء أعتقها لوجه الله تعالى, أو أعتقها ليتزوجها وكره أنس تزويج من أعتقها لله تعالى قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله روى شعبة عن قتادة عن أنس, أنه كره أن يعتق الأمة ثم يتزوجها؟ فقال: نعم إذا أعتقها لله, كره أن يرجع في شيء منها ولنا ما روى أبو موسى قال: قال رسول الله: -ﷺ- (( من كانت عنده جارية, فعلمها وأحسن إليها ثم أعتقها, وتزوجها فذلك له أجران )) متفق عليه ولأنه إذا تزوجها فقد أحسن إليها بإعفافها وصيانتها, فلم يكره كما لو زوجها غيره وليس في هذا رجوع فيما جعل لله تعالى, فإنه إنما يتزوجها بصداقها فهو بمنزلة من اشترى منها شيئا.

 فصل: 

وإذا أراد أن يتزوجها بعد عتقها لم يحتج إلى استبراء, سواء كان يطؤها أو لم يكن لأن الاستبراء لصيانة الماء ولا يصان ذلك عنه فإن اشترى أمة فأعتقها قبل أن يستبرئها لم يحل له أن يتزوجها ولا يزوجها حتى يستبرئها لأنه كان واجبا, فلا يسقط بإعتاقه لها قال أحمد في الرجل تكون له الأمة لا يطؤها فيعتقها: لا يتزوجها من يومها حتى يستبرئها فإن كان يطؤها فأعتقها, تزوجها من يومه ومتى شاء لأنها في مائه قال القاضي: معنى قوله: إن كان يطؤها أي يحل له وطؤها وهي التي قد استبرأها وقوله: إن كان لا يطؤها أي: لا يحل له وطؤها وهي التي لم يمض عليها زمان الاستبراء فلا يحل له تزوجها حتى يستبرئها وإذا مضى لها بعض الاستبراء قبل عتقها, أتمته بعده ولا يلزمها استئناف الاستبراء لأن الاستبراء وجب بالشراء لا بالعتق, فيحسب ابتداؤه من حين وجد سببه.

 فصل: 

وإن قال: أعتق عبدك على أن أزوجك ابنتى فأعتقه لم يلزمه أن يزوجه ابنته لأنه سلف في النكاح, وعليه قيمة العبد وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه شيء لأنه لا فائدة له في العتق ولنا أنه أزال ملكه عن عبده بعوض شرطه فلزمه عوضه, كما لو قال: أعتق عبدك عني وعلى ثمنه وكما لو قال: طلق زوجتك وعلى ألف فطلقها, أو قال: ألق متاعك في البحر وعلى ثمنه وبهذه الأصول يبطل قولهم: إنه لا فائدة له في العتق.

 فصل: 

ولو قال: زوجتك ابنتى فقال: قبلت انعقد النكاح وقال الشافعي في أحد قوليه: لا ينعقد حتى يقول: قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج لأنه كناية في النكاح يفتقر إلى النية والإضمار, فلم ينعقد به كلفظ الهبة والبيع ولنا أن القبول صريح في الجواب فانعقد به, كما ينعقد به البيع وسائر العقود وقولهم: يفتقر إلى النية ممنوع فإنه جواب فلا ينصرف إلا إلى المذكور.

 فصل: 

وينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج والجواب عنهما إجماعا وهما اللذان ورد بهما نص الكتاب في قوله سبحانه: (( زوجناكها )) وقوله سبحانه: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } وسواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا, مثل أن يقول: زوجتك بنتى هذه فيقول: قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج ولا ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء, والزهري وربيعة والشافعي وقال الثوري, والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه, وأبو ثور وأبو عبيد وداود: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك وفي لفظ الإجارة عن أبي حنيفة روايتان وقال مالك ينعقد بذلك إذا ذكر المهر واحتجوا بأن النبي -ﷺ- زوج رجلا امرأة, فقال: (( قد ملكتكها بما معك من القرآن )) رواه البخاري ولأنه لفظ ينعقد به تزويج النبي -ﷺ- فانعقد به نكاح أمته كلفظ الإنكاح والتزويج ولأنه أمكن تصحيحه بمجازه فوجب تصحيحه, كإيقاع الطلاق بالكنايات ولنا قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} فذكر ذلك خالصا لرسول الله -ﷺ- ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح فلم ينعقد به النكاح كلفظ الإجارة والإباحة والإحلال ولأنه ليس بصريح في النكاح فلا ينعقد به, كالذي ذكرنا وهذا لأن الشهادة شرط في النكاح والكناية إنما تعلم بالنية ولا يمكن الشهادة على النية, لعدم اطلاعهم عليها فيجب أن لا ينعقد وبهذا فارق بقية العقود والطلاق وأما الخبر, فقد روى: " زوجتكها " و " أنكحتكها " و " زوجناكها " من طرق صحيحة والقصة واحدة والظاهر أن الراوى روى بالمعنى ظنا منه أن معناها واحد فلا تكون حجة, وإن كان النبي -ﷺ- جمع بين الألفاظ فلا حجة لهم فيه لأن النكاح انعقد بأحدها والباقي فضلة.

 فصل: 

ومن قدر على لفظ النكاح بالعربية, لم يصح بغيرها وهذا أحد قولي الشافعي وعند أبي حنيفة ينعقد لأنه أتى بلفظه الخاص فانعقد به كما ينعقد بلفظ العربية ولنا, أنه عدل عن لفظ الإنكاح والتزويج مع القدرة فلم يصح كلفظ الإحلال فأما من لا يحسن العربية, فيصح منه عقد النكاح بلسانه لأنه عاجز عما سواه فسقط عنه كالأخرس ويحتاج أن يأتى بمعناهما الخاص, بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربى وليس على من لا يحسن العربية تعلم ألفاظ النكاح بها وقال أبو الخطاب: عليه أن يتعلم لأن ما كانت العربية شرطا فيه لزمه أن يتعلمها مع القدرة كالتكبير ووجه الأول أن النكاح غير واجب, فلم يجب تعلم أركانه بالعربية كالبيع بخلاف التكبير فإن كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الآخر أتى الذي يحسن العربية بها, والآخر يأتى بلسانه فإن كان أحدهما لا يحسن لسان الآخر احتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتى بها صاحبه لفظة الإنكاح بأن يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعا.

 فصل: 

فأما الأخرس فإن فهمت إشارته صح نكاحه بها لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهة واحدة, فصح بإشارته كبيعه وطلاقه ولعانه وإن لم تفهم إشارته, لم يصح منه كما لم يصح غيره من التصرفات القولية ولأن النكاح عقد بين شخصين فلا بد من فهم كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه ولو فهم ذلك صاحبه العاقد معه لم يصح حتى يفهم الشهود أيضا لأن الشهادة شرط, ولا يصح على ما لا يفهم قال أحمد: لا يزوجه وليه يعني إذا كان بالغا لأن الخرس لا يوجب الحجر فهو كالصمم.

 فصل: 

إذا تقدم القبول على الإيجاب لم يصح رواية واحدة سواء كان بلفظ الماضي, مثل أن يقول: تزوجت ابنتك فيقول: زوجتك أو بلفظ الطلب كقوله: زوجني ابنتك فيقول: زوجتكها وقال أبو حنيفة ومالك, والشافعي: يصح فيهما جميعا لأنه قد وجد الإيجاب والقبول فيصح كما لو تقدم الإيجاب ولنا أن القبول إنما يكون للإيجاب, فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه فلم يصح كما لو تقدم بلفظ الاستفهام, ولأنه لو تأخر عن الإيجاب بلفظ الطلب لم يصح فإذا تقدم كان أولى, كصيغة الاستفهام ولأنه لو أتى بالصيغة المشروعة متقدمة فقال: قبلت هذا النكاح فقال الولي: زوجتك ابنتى لم يصح فلأن لا يصح إذا أتى بغيرها أولى وأما البيع فلا يشترط فيه صيغة الإيجاب والقبول بل يصح بالمعاطاة ولأنه لا يتعين فيه لفظ, بل يصح بأى لفظ كان مما يؤدى المعنى ولا يلزم الخلع لأنه يصح تعليقه على الشروط.

 فصل: 

وإذا عقد النكاح هازلا أو تلجئة صح لأن النبي -ﷺ- قال: (( ثلاث هزلهن جد, وجدهن جد الطلاق والنكاح والرجعة )) رواه الترمذي وعن الحسن قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( من نكح لاعبا, أو طلق لاعبا أو أعتق لاعبا جاز )) وقال عمر أربع جائزات إذا تكلم بهن الطلاق, والنكاح والعتاق والنذر وقال على أربع لا لعب فيهن: الطلاق, والعتاق والنكاح والنذر.

 فصل: 

إذا تراخى القبول عن الإيجاب, صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا عنه بغيره لأن حكم المجلس حكم حالة العقد, بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه وثبوت الخيار في عقود المعاوضات فإن تفرقا قبل القبول بطل الإيجاب فإنه لا يوجد معناه, فإن الإعراض قد وجد من جهته بالتفرق فلا يكون قبولا وكذلك إن تشاغلا عنه بما يقطعه لأنه معرض عن العقد أيضا بالاشتغال عن قبوله وقد نقل أبو طالب عن أحمد, في رجل مشى إليه قوم فقالوا له: زوج فلانا قال: قد زوجته على ألف فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقال: قد قبلت هل يكون هذا نكاحا؟ قال: نعم قال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس وقال أبو بكر: مسألة أبي طالب تتوجه على قولين واختار أنه لا بد من القبول في المجلس وهو الصحيح -إن شاء الله تعالى-.

 فصل: 

فإن أوجب النكاح, ثم زال عقله بجنون أو إغماء بطل حكم الإيجاب ولم ينعقد بالقبول بعده لأنه ما لم يضامه القبول لم يكن عقدا, فبطل بزوال العقل كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون وهذا مذهب الشافعي وإن زال عقله بنوم, لم يبطل حكم الإيجاب لأنه لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هذا. فصل: ولا يثبت في النكاح خيار وسواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط ولا نعلم أحدا خالف في هذا, وذلك لأن الحاجة غير داعية إليه فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد ترو وفكر, ومسألة كل واحد من الزوجين عن صاحبه والمعرفة بحاله بخلاف البيع الواقع في الأسواق من غير فكر ولا روية ولأن النكاح ليس بمعاوضة محضة, ولهذا لا يعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية ولا صفة ويصح من غير تسمية العوض ومع فساده ولأن ثبوت الخيار فيه يفضي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة, فإن في فسخه بعد العقد ضررا بالمرأة ولذلك أوجب الطلاق قبل الدخول نصف الصداق.

 فصل: 

ويستحب أن يخطب العاقد أو غيره قبل التواجب ثم يكون العقد بعده لقول النبي: -ﷺ- (( كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله, فهو أقطع )) وقال: (( كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء )) رواهما ابن المنذر ويجزئ من ذلك أن يحمد الله تعالى ويتشهد, ويصلى على رسول الله -ﷺ- والمستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود التي قال: (( علمنا رسول الله -ﷺ- التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة قال: التشهد في الحاجة: إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له, وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات: { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } و: { اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } و: { اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم} الآية )) رواه أبو داود, والترمذي وقال: حديث حسن قال الخلال: حدثنا أبو سليمان إمام طرسوس قال: كان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد نكاح لم يخطب فيه بخطبة عبد الله بن مسعود قام وتركهم وهذا كان من أبي عبد الله على طريق المبالغة في استحبابها, لا على الإيجاب فإن حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد: فيجب أن تكون خطبة النكاح مثل قول ابن مسعود؟ فوسع في ذلك وقد روي عن ابن عمر أنه كان إذا دعى ليزوج قال: لا تفضضوا علينا الناس, الحمد لله وصلى الله على محمد إن فلانا يخطب إليكم, فإن أنكحتموه فالحمد لله وإن رددتموه فسبحان الله والمستحب خطبة واحدة يخطبها الولي أو الزوج, أو غيرهما وقال الشافعي: المسنون خطبتان هذه التي ذكرناها في أوله, وخطبة من الزوج قبل قبوله والمنقول عن النبي -ﷺ- وعن السلف خطبة واحدة وهو أولى ما اتبع.

 فصل: 

والخطبة غير واجبة عند أحد من أهل العلم علمناه, إلا داود فإنه أوجبها لما ذكرناه ولنا (( أن رجلا قال للنبي: -ﷺ- يا رسول الله زوجنيها فقال رسول الله: -ﷺ- زوجتكها بما معك من القرآن )) متفق عليه ولم يذكر خطبة وخطب إلى عمر مولاة له, فما زاد على أن قال: قد أنكحناك على ما أمر الله على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقال جعفر بن محمد, عن أبيه: إن كان الحسين ليزوج بعض بنات الحسن وهو يتعرق العرق رواهما ابن المنذر وروى أبو داود بإسناده عن رجل من بني سليم, قال: (( خطبت إلى رسول الله -ﷺ- أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يتشهد )) ولأنه عقد معاوضة فلم تجب فيه الخطبة كالبيع, وما استدلوا به يدل على عدم الكمال بدون الخطبة لا على الوجوب.

 فصل: 

ويستحب إعلان النكاح والضرب فيه بالدف قال أحمد: يستحب أن يظهر النكاح, ويضرب فيه بالدف حتى يشتهر ويعرف وقيل له: ما الدف؟ قال: هذا الدف قال: لا بأس بالغزل في العرس بمثل قول النبي -ﷺ- للأنصار: (( أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم, لولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السوداء ما سرت عذاريكم )) لا على ما يصنع الناس اليوم ومن غير هذا الوجه: (( ولولا الحنطة الحمراء ما سمنت عذاريكم )) وقال أحمد أيضا: يستحب ضرب الدف, والصوت في الإملاك فقيل له: ما الصوت؟ قال: يتكلم ويتحدث ويظهر والأصل في هذا ما روى محمد بن حاطب قال: قال رسول الله: -ﷺ- (( فصل ما بين الحلال والحرام والصوت والدف في النكاح )) رواه النسائي وقال عليه السلام: (( أعلنوا النكاح )) وفي لفظ: (( أظهروا النكاح )) وكان يحب أن يضرب عليه بالدف وفي لفظ: (( واضربوا عليه بالغربال )) وعن عائشة, أنها زوجت يتيمة رجلا من الأنصار وكانت عائشة في من أهداها إلى زوجها قالت: فلما رجعنا قال لنا رسول الله: -ﷺ- " ما قلتم يا عائشة؟ " قالت: سلمنا, ودعونا بالبركة ثم انصرفنا فقال: " إن الأنصار قوم فيهم غزل ألا قلتم يا عائشة: (( أتيناكم أتيناكم, فحيانا وحياكم )) روى هذا كله أبو عبد الله بن ماجه في " سننه " وقال أحمد -رحمه الله-: لا بأس بالدف في العرس والختان وأكره الطبل, وهو المنكر وهو الكوبة التي نهى عنها النبي -ﷺ-.

 فصل: 

فإن عقده بولي وشاهدين, فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك, وصح النكاح وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وممن كره نكاح السر عمر رضي الله عنه وعروة, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والشعبي ونافع مولى ابن عمر وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل لأن أحمد قال: إذا تزوج بولي وشاهدين: لا, حتى يعلنه وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا ولنا قوله: (( لا نكاح إلا بولي )) مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب, بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه وقول أحمد لا نهى كراهة, فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطا لاعتبر حال العقد كسائر الشروط.

 فصل: 

ويستحب عقد النكاح يوم الجمعة لأن جماعة من السلف استحبوا ذلك منهم ضمرة بن حبيب, وراشد بن سعد وحبيب بن عتبة ولأنه يوم شريف ويوم عيد, فيه خلق الله آدم عليه السلام والمساية أولى فإن أبا حفص روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -ﷺ- (( مسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة )) ولأنه أقرب إلى مقصوده وأقل لانتظاره.

 فصل: 

ويستحب أن يقال للمتزوج: بارك الله لك, وبارك عليك وجمع بينكما في خير وعافية وقد روى (( أن النبي -ﷺ- رأى على عبد الرحمن أثر صفرة فقال: ما هذا؟ فقال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب قال: بارك الله لك, أولم ولو بشاة )) متفق عليه قال بعض أهل العلم: وزن النواة خمسة دراهم وذلك ثلاثة مثاقيل ونصف من الذهب وقال المبرد: الصواب عند أهل العلم بالعربية أن يقال: على نواة فحسب فإن النواة عندهم اسم لخمسة دراهم, كما أن الأوقية أربعون درهما والنش عشرون والله أعلم.

 فصل: 

ويستحب أن يقول إذا زفت إليه ما روى صالح بن أحمد, في " مسائله " عن أبيه حدثنا داود عن أبي نضرة, عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: تزوج فحضره عبد الله بن مسعود, وأبو ذر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول الله -ﷺ- فحضرت الصلاة, فقدموه وهو مملوك فصلى بهم ثم قالوا له: إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين, ثم خذ برأس أهلك فقل: اللهم بارك لي في أهلى وبارك لأهلى في, وارزقهم مني وارزقني منهم ثم شأنك وشأن أهلك وروى أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما, فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه, وليقل مثل ذلك )). قال: (( وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات )) أجمع أهل العلم على هذا ولا نعلم أحدا خالفه منهم إلا شيئا يحكى عن القاسم بن إبراهيم, أنه أباح تسعا لقول الله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } والواو للجمع ولأن النبي -ﷺ- مات عن تسع وهذا ليس بشيء لأنه خرق للإجماع وترك للسنة فإن رسول الله -ﷺ- (( قال لغيلان بن سلمة, حين أسلم وتحته عشر نسوة: أمسك أربعا وفارق سائرهن )) وقال نوفل بن معاوية: (( أسلمت وتحتى خمس نسوة فقال لي النبي -ﷺ-: فارق واحدة منهن )) رواهما الشافعي, في " مسنده " وإذا منع من استدامة زيادة عن أربع فالابتداء أولى فالآية أريد بها التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع, كما قال: { أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ولم يرد أن لكل ملك تسعة أجنحة ولو أراد ذلك لقال: تسعة ولم يكن للتطويل معنى ومن قال غير هذا فقد جهل اللغة العربية وأما النبي -ﷺ- فمخصوص بذلك, ألا ترى أنه جمع بين أربعة عشر.

 قال: (( وليس للعبد أن يجمع إلا اثنتين )) 

أجمع أهل العلم على أن للعبد أن ينكح اثنتين واختلفوا في إباحة الأربع فمذهب أحمد, أنه لا يباح له إلا اثنتان وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى وعبد الرحمن بن عوف, عليه السلام وبه قال عطاء والحسن والشعبي, وقتادة والثوري والشافعي, وأصحاب الرأي وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطاوس, ومجاهد والزهري وربيعة, ومالك وأبو ثور, وداود: له نكاح أربع لعموم الآية ولأن هذا طريقه اللذة والشهوة فساوى العبد الحر فيه كالمأكول ولنا قول من سمينا من الصحابة, ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا وقد روى ليث بن أبي سليم عن الحكم بن عتيبة, قال: أجمع أصحاب رسول الله -ﷺ- على أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ويقوى هذا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين أن عمر رضي الله عنه سأل الناس: كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: باثنتين, وطلاقه باثنتين فدل هذا على أن ذلك كان بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر وهذا يخص عموم الآية, على أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار وهو قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانكم } ويفارق النكاح المأكول فإنه مبنى على التفضل ولهذا فارق النبي -ﷺ- فيه أمته ولأن فيه ملكا, والعبد ينقص في الملك عن الحر. قال: (( وله أن يتسرى بإذن سيده )) هذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة وهو قول ابن عمر وابن عباس والشعبي, والنخعي والزهري ومالك, والأوزاعي والثوري وأبي ثور وكره ذلك ابن سيرين, وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي وللشافعي قولان مبنيان على أن العبد هل يملك بتمليك سيده أو لا؟ وقال القاضي أبو يعلى: يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان على الروايتين في ثبوت الملك له بتمليك سيده واحتج من منع ذلك بأن العبد لا يملك المال, ولا يجوز له الوطء إلا في نكاح أو ملك يمين لقول الله تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ولنا قول ابن عمر وابن عباس ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا روى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا أن يتسرى العبد, ونحوه عن ابن عباس ولأن العبد يملك النكاح فملك التسري كالحر وقولهم: إن العبد لا يملك المال ممنوع فإن النبي -ﷺ- قال: (( من اشترى عبدا, وله مال )) فجعل المال له ولأنه آدمي فملك المال كالحر وذلك لأنه بآدميته يتمهد لأهلية الملك, إذ كان الله تعالى خلق الأموال للآدميين ليستعينوا بها على القيام بوظائف التكاليف وأداء العبادات قال الله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } والعبد داخل في العموم, ومن أهل التكليف والعبادات فيكون أهلا للملك ولذلك ملك في النكاح, وإذا ثبت الملك للجنين مع كونه نطفة لا حياة فيها باعتبار مآله إلى الآدمية, فالعبد الذي هو آدمي مكلف أولى إذا ثبت هذا فلا يجوز له التسري إلا بإذن سيده ولو ملكه سيده جارية, لم يبح له وطؤها حتى يأذن له فيه لأن ملكه ناقص ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ عقد فلم يكن له التصرف فيه إلا بإذن سيده فإن أذن له فقال: تسراها أو: أذنت لك في وطئها أو ما دل عليه, أبيح له وما ولد له من التسري فحكمه حكم ملكه لأن الجارية مملوكة له فكذلك ولدها وإن تسري بغير إذن سيده, فالولد ملك لسيده.

 فصل: 

وله التسري بما شاء إذا أذن له السيد في ذلك نص عليه أحمد لأن من جاز له التسري جاز من غير حصر كالحر فإن أذن له وأطلق التسري تسري بواحدة وكذلك إذا أذن له في التزويج, لم يجز أن يتزوج أكثر من واحدة وبهذا قال أصحاب الرأي وأبو ثور: إذا أذن له في التزويج فعقد على اثنتين في عقد جاز ولنا أن الإذن المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم يقينا, وما زاد مشكوك فيه فيبقى على الأصل كما لو أذن له في طلاق امرأته, لم يكن له أن يطلق أكثر من واحدة ولأن الزائد على الواحدة يحتمل أن يكون غير مراد فيبقى على أصل التحريم كما لو شك هل أذن له أو لا؟.

 فصل: 

والمكاتب كالعبد القن, لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن سيده لأن في ذلك إتلافا للمال الذي في يديه وقد قال عليه السلام: (( المكاتب عبد ما بقي عليه درهم )) وأما المعتق بعضه فإذا ملك بجزئه الحر جارية, فملكه تام وله الوطء بغير إذن سيده لقوله سبحانه: { أو ما ملكت أيمانكم} ولأن ملكه عليها تام له التصرف فيها بما شاء بغير إذن سيده, فكذلك الوطء وما فيه من الرق لا يمنعه من استيفاء ما يملكه كما له أن يتصرف ويأكل ما ملكه بنصفه الحر وقال القاضي: حكمه حكم القن وهو منصوص الشافعي وقال بعض أصحابه كقولنا, واحتج من منع ذلك بأنه لا يمكنه الوطء بنصفه الحر وحده وكذلك منعناه التزويج حتى يأذن له سيده ولنا أنه لا حق لسيده فيها ولا يلحقه ضرر باستمتاعه منها, فلم يعتبر إذنه فيها كاستخدامها وأما التزويج فإنه يلزمه به حقوق تتعلق بجملته فاعتبر رضا السيد, ليكون راضيا بتعلق الحق بملكه بخلاف مسألتنا فإن الحق له لا عليه فأما إن أذن له سيده فيه جاز, إلا عند من منع العبد التسري لأنه كالقن في قولهم

 فصل: 

نقل محمد بن ماهان عن أحمد: لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد, فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى وكذلك نقل عنه إبراهيم بن هانئ ويعقوب بن بختان, ولم أر عنه خلاف هذا فظاهر هذا أنه إذا تسري بإذن السيد لم يملك السيد الرجوع لأنه يملك به البضع فلم يملك سيده فسخه, قياسا على النكاح وقال القاضي: يحتمل أنه أراد بالتسري ها هنا التزويج وسماه تسريا مجازا ويكون للسيد الرجوع فيما ملك عبده وظاهر كلام أحمد خلاف هذا وذلك لأنه ملكه بضعا أبيح له وطؤه, فلم يملك رجوعه فيه كما لو زوجه وما ذكره في هذا الفصل مناقض لما ذكر قبله في صدر المسألة, من قوله: ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ.

 قال: [ومتى طلق الحر أو العبد طلاقا يملك الرجعة أو لا يملك لم يكن له أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها وكذلك إذا طلق واحدة من أربع, لم يتزوج حتى تنقضي عدتها وكذلك العبد إذا طلق إحدى زوجتيه] 

وجملة ذلك أن الرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه أمها على التأبيد, وتحرم عليه أختها وعمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها تحريم جمع وكذلك إن تزوج الحر أربعا حرمت الخامسة تحريم جمع وإن تزوج العبد اثنتين حرمت الثالثة تحريم جمع فإذا طلق زوجته طلاقا رجعيا, فالتحريم باق بحاله في قولهم جميعا وإن كان الطلاق بائنا أو فسخا فكذلك عند إمامنا حتى تنقضي عدتها وروى ذلك عن على وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وقال القاسم بن محمد وعروة وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر: له نكاح جميع من سمينا في تحريم الجمع وروى ذلك عن زيد بن ثابت لأن المحرم الجمع بينهما في النكاح, بدليل قوله تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم } أي: نكاحهن ثم قال: { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } معطوفا عليه والبائن ليست في نكاحه ولأنها بائن فأشبهت المطلقة قبل الدخول, ولنا قول على وابن عباس وروي عن عبيدة السلماني أنه قال: ما أجمعت الصحابة على شيء كإجماعهم على أربع قبل الظهر وأن لا تنكح امرأة في عدة أختها وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين )) وروي عن أبي الزناد, قال: كان للوليد بن عبد الملك أربع نسوة فطلق واحدة ألبتة وتزوج قبل أن تحل فعاب ذلك عليه كثير من الفقهاء, وليس كلهم عابه قال سعيد بن منصور: إذا عاب عليه سعيد بن المسيب فأى شيء بقي؟ ولأنها محبوسة عن النكاح لحقه, أشبه ما لو كان الطلاق رجعيا ولأنها معتدة في حقه أشبهت الرجعية وفارق المطلقة قبل الدخول بها.

 فصل: 

ولو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية, أو انفسخ النكاح بين الزوجين بخلع أو رضاع أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره لم يكن له أن يتزوج أحدا ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته حتى تنقضي عدتها سواء قلنا بتعجيل الفرقة أو لم نقل وإن أسلمت زوجته فتزوج أختها في عدتها, ثم أسلما في عدة الأولى اختار منهما واحدة كما لو تزوجهما معا وإن أسلم بعد انقضاء عدة الأولى بانت, وثبت نكاح الثانية.

 فصل: 

إذا أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها فليس له أن يتزوج أختها حتى ينقضي استبراؤها نص عليه أحمد في أم الولد وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يجوز لأنها ليست زوجة, ولا في عدة من نكاح ولنا أنها معتدة منه فلم يجز له نكاح أختها, كالمعتدة من نكاح أو وطء بشبهة ولأنه لا يأمن أن يكون ماؤه في رحمها فيكون داخلا في عموم من جمع ماءه في رحم أختين ولا يمنع من نكاح أربع سواها ومنعه زفر وهو غلط لأن ذلك جائز قبل إعتاقها, فبعده أولى.

 فصل: 

ولا يمنع من نكاح أمة في عدة حرة بائن ومنعه أبو حنيفة كما يحرم عليه أن يتزوجها في صلب نكاحها ولنا أنه عادم للطول, خائف للعنت فأبيح له نكاحها لقوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية ولا نسلم أنه لا يجوز في صلب نكاح الحرة, بل يجوز إذا تحقق الشرطان.

 فصل: 

وإن زنى بامرأة فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها وحكم العدة من الزنا والعدة من وطء الشبهة كحكم العدة من النكاح فإن زنى بأخت امرأته فقال أحمد: يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض ثلاث حيض وقد ذكر عنه في المزني بها أنها تستبرأ بحيضة لأنه وطء من غير نكاح, ولا أحكامه أحكام النكاح ويحتمل أن لا تحرم بذلك أختها ولا أربع سواها لأنها ليست منكوحة ومجرد الوطء لا يمنع, بدليل الوطء في ملك اليمين لا يمنع أربعا سواها.

 فصل: 

وإذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها وكذبته أبيح له نكاح أختها وأربع سواها في الظاهر فأما في الباطن فيبنى على صدقه في ذلك لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى, فيقبل قوله فيه ولا يصدق في نفى نفقتها وسكناها ونفى النسب لأنه حق لها ولولدها فلا يقبل قوله فيه وبه قال الشافعي وغيره وقال زفر: لا يصدق في شيء لأنه قول واحد لا يصدق في بعض حكمه, فلا يصدق في البعض الآخر قياسا لأحدهما على الآخر وذلك لأنه لا يمكن أن يكون القول الواحد صدقا وكذبا, ولنا أنه قول يتضمن إبطال حق لغيره وحقا له لا ضرر على غيره فيه فوجب أن يصدق في أحدهما دون الآخر, كما لو اشترى عبدا ثم أقر أن البائع كان أعتقه صدق في حريته ولم يصدق في الرجوع بثمنه وكما لو أقر أن امرأته أخته من الرضاع قبل الدخول, صدق في بينونتها وتحريمها عليه ولم يصدق في سقوط مهرها. مسألة: قال: [ومن خطب امرأة فزوج بغيرها لم ينعقد النكاح] معنى ذلك أن يخطب الرجل امرأة بعينها, فيجاب إلى ذلك ثم يوجب له النكاح في غيرها وهو يعتقد أنها التي خطبها, فيقبل فلا ينعقد النكاح لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه فلم يصح, كما لو ساومه بثوب وأوجب العقد في غيره بغير علم المشترى فلو علم الحال بعد ذلك فرضي, لم يصح قال أحمد في رجل خطب جارية فزوجوه أختها, ثم علم بعد: يفرق بينهما ويكون الصداق على وليها لأنه غره ويجهز إليه أختها التي خطبها بالصداق الأول, فإن كانت تلك قد ولدت منه يلحق به الولد وقوله: يجهز إليه أختها يعني - والله أعلم - بعقد جديد بعد انقضاء عدة هذه إن كان أصابها لأن العقد الذي عقده لم يصح في واحدة منهما لأن الإيجاب صدر في إحداهما, والقبول في الأخرى فلم ينعقد في هذه ولا في تلك فإن اتفقوا على تجديد عقد في إحداهما أيتهما كان جاز وقال أحمد في رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه أختها: لها المهر بما أصاب منها, ولأختها المهر قيل: يلزمه مهران؟ قال: نعم ويرجع على وليها هذه مثل التي بها برص أو جذام على يقول: ليس عليه غرم وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال أو بالتحريم أما إذا علمت أنها ليست زوجة, وأنها محرمة عليه وأمكنته من نفسها فلا ينبغي أن يجب لها صداق لأنها زانية مطاوعة, فأما إن جهلت الحال فلها المهر ويرجع به على من غره وروي عن على رضي الله عنه في رجلين تزوجا امرأتين, فزفت كل امرأة إلى زوج الأخرى: لهما الصداق ويعتزل كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها وبه قال النخعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي.

 فصل: 

من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين لأن كل عاقد ومعقود عليه يجب تعيينهما, كالمشترى والمبيع ثم ينظر فإن كانت المرأة حاضرة, فقال: زوجتك هذه صح فإن الإشارة تكفى في التعيين فإن زاد على ذلك, فقال: بنتى هذه أو هذه فلانة كان تأكيدا وإن كانت غائبة فقال: زوجتك بنتى وليس له سواها جاز فإن سماها باسمها مع ذلك, كان تأكيدا فإن كان له ابنتان أو أكثر فقال: زوجتك ابنتى لم يصح حتى يضم إلى ذلك ما تتميز به من اسم أو صفة, فيقول: زوجتك ابنتى الكبرى أو الوسطى أو الصغرى فإن سماها مع ذلك كان تأكيدا وإن قال: زوجتك ابنتى عائشة أو فاطمة صح وإن كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فقال: زوجتك فاطمة لم يصح لأن هذا الاسم مشترك بينها وبين سائر الفواطم, حتى يقول مع ذلك: ابنتى وقال بعض الشافعية: يصح إذا نوياها جميعا وليس بصحيح لأن النكاح تعتبر فيه الشهادة على وجه يمكن أداؤها إذا ثبت به العقد وهذا متعذر في النية ولذلك لو قال: زوجتك ابنتى وله بنات لم يصح حتى يميزها بلفظه وإن قال: زوجتك فاطمة ابنة فلان احتاج أن يرفع في نسبها حتى يبلغ ما تتميز به عن النساء.

 فصل: 

فإن كان له ابنتان, كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة فقال: زوجتك ابنتى عائشة وقبل الزوج ذلك وهما ينويان الصغرى لم يصح ذكره أبو حفص وقال القاضي: يصح في التي نوياها, وهذا غير صحيح لوجهين: أحدهما: أنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو قال: زوجتك عائشة فقط أو ما لو قال: زوجتك ابنتى ولم يسمها, وإذا لم يصح فيما إذا لم يسمها ففيما إذا سماها بغير اسمها أولى أن لا يصح والثاني: أنه لا يصح النكاح حتى تذكر المرأة بما تتميز به ولم يوجد ذلك فإن اسم أختها لا يميزها, بل يصرف العقد عنها وإن كان الولي يريد الكبرى والزوج يقصد الصغرى لم يصح, كمسألة الخرقي فيما إذا خطب امرأة وزوج غيرها لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه ويحتمل أن يصح إذا لم يتقدم ذلك ما يصرف القبول إلى الصغرى, من خطبة ونحوها فإن العقد بلفظه متناول للكبرى ولم يوجد ما يصرفه عنها, فصح كما لو نوياها ولو نوى الولي الصغرى والزوج الكبرى, أو نوى الولي الكبرى ولم يدر الزوج أيتهما هي فعلى الأول لا يصح التزويج, لعدم النية منهما في التي يتناولها لفظهما وعلى الاحتمال الذي ذكرناه يصح في المعينة باللفظ لما ذكرناه.

 فصل: 

فإن كان له ابنة واحدة فقال لرجل: زوجتك ابنتى وسماها بغير اسمها, فقال القاضي: يصح وهو قول أصحاب الشافعي لأن قوله ابنتى آكد من التسمية لأنها لا مشاركة فيها والاسم مشترك ولو قال: زوجتك هذه وأشار إليها وسماها بغير اسمها, يجب أن يصح على هذا التعليل.

 فصل: 

ولو قال: زوجتك حمل هذه المرأة لم يصح لأنه لم يثبت له حكم البنات قبل الظهور في غير الإرث والوصية ولأنه لم يتحقق أن في البطن بنتا فأشبه ما لو قال: زوجتك من في هذه الدار, وهما لا يعلمان من فيها ولو قال: إذا ولدت امرأتى بنتا زوجتكها لم يصح لأنه تعليق للنكاح على شرط والنكاح لا يتعلق على شرط ولأن هذا مجرد وعد لا ينعقد به عقد. قال: (( وإذا تزوجها وشرط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها فلها شرطها لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج )) وإن تزوجها, وشرط لها أن لا يتزوج عليها فلها فراقه إذا تزوج عليها )) وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقساما ثلاثة أحدها ما يلزم الوفاء به, وهو ما يعود إليها نفعه وفائدته مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها أو لا يتزوج عليها, ولا يتسرى عليها فهذا يلزمه الوفاء لها به فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح يروى هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص, ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد, وطاوس والأوزاعي وإسحاق وأبطل هذه الشروط الزهري, وقتادة وهشام بن عروة ومالك والليث والثوري, والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي قال أبو حنيفة, والشافعي: ويفسد المهر دون العقد ولها مهر المثل واحتجوا بقول النبي -ﷺ- (( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل, وإن كان مائة شرط )) وهذا ليس في كتاب الله لأن الشرع لا يقتضيه وقال النبي -ﷺ- (( المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما, أو حرم حلالا )) وهذا يحرم الحلال وهو التزويج والتسري والسفر ولأن هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه ولم يبن على التغليب والسراية, فكان فاسدا كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها ولنا قول النبي -ﷺ- (( إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج )) رواه سعيد وفي لفظ: (( إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج )) متفق عليه وأيضا قول النبي -ﷺ- (( المسلمون على شروطهم )) ولأنه قول من سمينا من الصحابة, ولا نعلم لهم مخالفا في عصرهم فكان إجماعا وروى الأثرم بإسناده: أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها, ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر فقال: لها شرطها فقال الرجل: إذا تطلقينا فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط ولأنه شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع المقصود من النكاح فكان لازما, كما لو شرطت عليه زيادة في المهر أو غير نقد البلد وقوله عليه السلام (( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل )) أي: ليس في حكم الله وشرعه وهذا مشروع وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته وعلى من ادعى الخلاف في مشروعيته وعلى من نفى ذلك الدليل, وقولهم: إن هذا يحرم الحلال قلنا: لا يحرم حلالا وإنما يثبت للمرأة خيار الفسخ إن لم يف لها به وقولهم: ليس من مصلحته قلنا: لا نسلم ذلك فإنه من مصلحة المرأة وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده, كاشتراط الرهن والضمين في البيع ثم يبطل بالزيادة على مهر المثل وشرط غير نقد البلد إذا ثبت أنه شرط لازم فلم يف لها به فلها الفسخ, ولهذا قال الذي قضى عليه عمر بلزوم الشرط: إذا تطلقنا فلم يلتفت عمر إلى ذلك وقال: مقاطع الحقوق عند الشروط ولأنه شرط لازم في عقد فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به كالرهن والضمين في البيع.

 فصل: 

فإن شرطت عليه أن يطلق ضرتها لم يصح الشرط لما روى أبو هريرة قال: (( نهى النبي -ﷺ- أن تشترط المرأة طلاق أختها, )) وفي لفظ أن النبي -ﷺ- قال: (( لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها )) رواهما البخاري والنهى يقتضي فساد المنهي عنه ولأنها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته فلم يصح, كما لو شرطت عليه فسخ بيعه وقال أبو الخطاب: هو شرط لازم لأنه لا ينافى العقد ولها فيه فائدة فأشبه ما لو شرطت عليه أن لا يتزوج عليها ولم أر هذا لغيره, وقد ذكرنا ما يدل على فساده وعلى قياس هذا لو شرطت عليه بيع أمته.

 ما يبطل الشرط ويصح العقد: 

مثل أن يشترط أن لا مهر لها, أو أن لا ينفق عليها أو إن أصدقها رجع عليها أو تشترط عليه أن لا يطأها أو يعزل عنها أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة, أو شرط لها النهار دون الليل أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئا فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها لأنها تنافى مقتضى العقد ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح, كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع فأما العقد في نفسه فصحيح لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره, ولا يضر الجهل به فلم يبطله كما لو شرط في العقد صداقا محرما ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد, كالعتاق وقد نص أحمد في رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة ثم رجعت وقالت: لا أرضى إلا ليلة وليلة فقال: لها أن تنزل بطيب نفس منها, فإن ذلك جائز وإن قالت: لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقا لها تطالبه إن شاءت, ونقل عنه الأثرم في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام يجوز الشرط فإن شاءت رجعت وقال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم, أو عشرة دراهم النكاح جائز ولها أن ترجع في هذا الشرط وقد نقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل إبطال العقد نقل عنه المروزى في النهاريات والليليات: ليس هذا من نكاح أهل الإسلام, وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة وقال الثوري: الشرط باطل وقال أصحاب الرأي: إذا سألته أن يعدل لها عدل وكان الحسن وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسا وكان الحسن لا يرى بأسا أن يتزوجها, على أن يجعل لها من الشهر أياما معلومة ولعل كراهة من كره ذلك راجع إلى إبطال الشرط وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح, فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط كما قلنا والله أعلم وقال القاضي: إنما كره أحمد هذا النكاح لأنه يقع على وجه السر ونكاح السر منهي عنه, فإن شرط عليه ترك الوطء احتمل أن يفسد العقد لأنه شرط ينافى المقصود من النكاح وهذا مذهب الشافعي, وكذلك إن شرط عليه أن لا تسلم إليه فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا على أن لا يقبضه وإن شرط عليها أن لا يطأها لم يفسد لأن الوطء حقه عليها, وهي لا تملكه عليه ويحتمل أن يفسد لأن لها فيه حقا ولذلك تملك مطالبته به إذا آلى والفسخ إذا تعذر بالجب والعنة. القسم الثالث:

 ما يبطل النكاح من أصله, مثل أن يشترطا تأقيت النكاح وهو نكاح المتعة أو أن يطلقها في وقت بعينه أو يعلقه على شرط, مثل أن يقول: زوجتك إن رضيت أمها أو فلان أو يشترط الخيار في النكاح لهما أو لأحدهما فهذه شروط باطلة في نفسها, ويبطل بها النكاح وكذلك إن جعل صداقها تزويج امرأة أخرى وهو نكاح الشغار ونذكر ذلك في مواضعه -إن شاء الله تعالى- وذكر أبو الخطاب فيما إذا شرط الخيار إن رضيت أمها أو إن جاءها بالمهر في وقت كذا, وإلا فلا نكاح بينهما روايتين إحداهما: النكاح صحيح والشرط باطل وبه قال أبو ثور فيما إذا شرط الخيار وحكاه عن أبي حنيفة وزعم أنه لا خلاف فيها وقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق إذا تزوجها على أنه إن جاء بالمهر في وقت كذا وكذا وإلا فلا نكاح بينهما, الشرط باطل والعقد جائز وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي وروى ذلك عن الزهري وروى ابن منصور عن أحمد في هذا أن العقد والشرط جائزان لقوله عليه السلام (( المسلمون على شروطهم )) والرواية الأخرى: يبطل العقد من أصله في هذا كله لأن النكاح لا يكون إلا لازما وهذا يوجب جوازه ولأنه إذا قال: إن رضيت أمها, أو إن جئتني بالمهر في وقت كذا فقد وقف النكاح على شرط ولا يجوز وقفه على شرط وهذا قول الشافعي ونحوه عن مالك وأبي عبيد. 
  

فصل: وإن شرط الخيار في الصداق خاصة لم يفسد النكاح لأن النكاح ينفرد عن ذكر الصداق ولو كان الصداق حراما أو فاسدا لم يفسد النكاح, فلأن لا يفسد بشرط الخيار فيه أولى ويخالف البيع فإنه إذا فسد أحد العوضين فيه فسد الآخر فإذا ثبت هذا ففي الصداق ثلاثة أوجه, أحدها: يصح الصداق ويبطل شرط الخيار كما يفسد الشرط في النكاح, ويصح النكاح والثاني: يصح ويثبت الخيار فيه لأن عقد الصداق عقد منفرد يجرى مجرى الأثمان فثبت فيه الخيار كالبياعات والثالث: يبطل الصداق لأنها لم ترض به, فلم يلزمها كما لو لم يوافقه على شيء.

 قال: (( ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها )) 
 لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها وقد روى جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( إذا خطب أحدكم المرأة, فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال: فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها, حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها )) رواه أبو داود وفي هذا أحاديث كثيرة سوى هذا ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه, كالنظر إلى الأمة المستامة ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها لأن النبي -ﷺ- أمر بالنظر وأطلق وفي حديث جابر: " فكنت أتخبأ لها " وفي حديث عن المغيرة بن شعبة أنه استأذن أبويها في النظر إليها, فكرها فأذنت له المرأة رواه سعيد ولا يجوز له الخلوة بها لأنها محرمة ولم يرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور, فإن النبي -ﷺ- قال: (( لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان )) ولا ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة ولا لريبة قال أحمد في رواية صالح ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة وله أن يردد النظر إليها, ويتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك. 
  

فصل: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها وذلك لأنه ليس بعورة وهو مجمع المحاسن, وموضع النظر ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة وحكي عن الأوزاعي أنه ينظر إلى مواضع اللحم وعن داود أنه ينظر إلى جميعها لظاهر قوله عليه السلام (( انظر إليها )) ولنا قول الله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } وروي عن ابن عباس أنه قال: الوجه وباطن الكف ولأن النظر محرم أبيح للحاجة, فيختص بما تدعو الحاجة إليه وهو ما ذكرنا والحديث مطلق ومن نظر إلى وجه إنسان سمى ناظرا إليه, ومن رآه وعليه أثوابه سمى رائيا له كما قال الله تعالى: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } { وإذا رآك الذين كفروا } فأما ما يظهر غالبا سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك, مما تظهره المرأة في منزلها ففيه روايتان إحداهما: لا يباح النظر إليه لأنه عورة فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر فإن عبد الله روى أن النبي -ﷺ- قال: (( المرأة عورة )) حديث حسن ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم والثانية: له النظر إلى ذلك قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها, وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذلك قال أبو بكر: لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة وقال الشافعي: ينظر إلى الوجه والكفين ووجه جواز النظر ما يظهر غالبا أن النبي -ﷺ- لما أذن في النظر إليها من غير علمها, علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور ولأنه يظهر غالبا فأبيح النظر إليه كالوجه ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع فأبيح النظر منها إلى ذلك, كذوات المحارم وقد روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال: خطب عمر بن الخطاب ابنة على فذكر منها صغرا فقالوا له: إنما ردك فعاوده فقال: نرسل بها إليك تنظر إليها فرضيها, فكشف عن ساقها فقالت: أرسل فلولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك.

فصل: ويحوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى ما يستتر غالبا كالصدر والظهر ونحوهما قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الرجل ينظر إلى شعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه فقال: هذا في القرآن: { ولا يبدين زينتهن } إلا لكذا وكذا قلت: ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها قال: لا ما يعجبني ثم قال: أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل هذا, وإلى كل شيء لشهوة وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه حكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة وقال أبو بكر: كراهية أحمد النظر إلى ساق أمه وصدرها على التوقى لأن ذلك يدعو إلى الشهوة يعني أنه يكره ولا يحرم ومنع الحسن والشعبي والضحاك النظر إلى شعر ذوات المحارم فروي عن هند ابنة المهلب قالت: قلت للحسن: ينظر الرجل إلى قرط أخته أو إلى عنقها؟ قال: لا, ولا كرامة وقال الضحاك: لو دخلت على أمى لقلت: أيتها العجوز غطى شعرك والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبا لقول الله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } الآية وقالت سهلة بنت سهيل: (( يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا, كان يأوى معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلا وقد أنزل الله تعالى فيهم ما علمت فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي -ﷺ- أرضعيه فأرضعته خمس رضعات, فكان بمنزلة ولدها )) رواه أبو داود وغيره وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالبا فإنها قالت: يراني فضلا ومعناه في ثياب البذلة التي لا تستر أطرافها وقال امرؤ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ** لدى الستر إلا لبسة المتفضل ومثل هذا يظهر منه الأطراف والشعر فكان يراها كذلك إذا اعتقدته ولدا, ثم دلهم النبي -ﷺ- على ما يستديمون به ما كانوا يعتقدونه ويفعلونه وروى الشافعي في " مسنده " عن زينب بنت أبي سلمة أنها ارتضعت من أسماء امرأة الزبير قالت: فكنت أراه أبا وكان يدخل على وأنا أمشط رأسي, فيأخذ ببعض قرون رأسى ويقول: أقبلى على ولأن التحرز من هذا لا يمكن فأبيح كالوجه وما لا يظهر غالبا لا يباح لأن الحاجة لا تدعو إلى نظره, ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور فحرم النظر إليه كما تحت السرة

فصل: وذوات محارمه: كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح لما ذكرنا من حديث سالم وزينب وعن عائشة (( أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب, فأبت أن تأذن له فقال النبي -ﷺ- ائذني له فإنه عمك, تربت يمينك )) متفق عليه وقد ذكر الله تعالى آباء بعولتهن وأبناء بعولتهن كما ذكر آباءهن وأبناءهن في إبداء الزينة لهم وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية قال القاضي: إنما حكى سعيد بن جبير ولم يأخذ به وقد صرح في رواية المروذي أنه محرم يجوز له المسافرة بها وقال, في رواية أبي طالب: ساعة يعقد عقدة النكاح تحرم عليه أم امرأته فله أن يرى شعرها ومحاسنها ليست مثل التي يزني بها, لا يحل له أبدا أن ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء من جسدها وهي حرام عليه.

فصل: فأما أم المزني بها وابنتها, فلا يحل له النظر إليهن وإن حرم نكاحهن لأن تحريمهن بسبب محرم فلم يفد إباحة النظر, كالمحرمة باللعان وكذلك بنت الموطوءة بشبهة وأمها ليست من ذوات محارمه وكذلك الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت بنته: لا يسافر بها, ليس هو محرما لها والظاهر أنه أراد ليس محرما لها في السفر أما النظر فلا يجب عليها الحجاب منه (( لأن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله -ﷺ- لئلا يجلس عليه, ولم تحتجب منه ولا أمرها بذلك النبي -ﷺ- )).

فصل: وعبد المرأة له النظر إلى وجهها وكفيها لقول الله تعالى: { أو ما ملكت أيمانهن } وروت أم سلمة أن رسول الله -ﷺ- قال (( إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي, فلتحتجب منه )) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وعن أبي قلابة قال: كان أزواج النبي -ﷺ- لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار رواه سعيد في (( سننه )) وعن أنس (( أن النبي -ﷺ- أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها, فلما رأى رسول الله -ﷺ- ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك )) رواه أبو داود وكره أبو عبد الله له أن ينظر إلى شعر مولاته وهو قول سعيد بن المسيب وطاوس ومجاهد والحسن وأباح له ذلك ابن عباس لما ذكرنا من الآيتين والخبرين ولأن الله تعالى قال: { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} إلى قوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض} ولأنه يشق التحرز منه, فأبيح له ذلك كذوى المحارم وقال أصحاب الشافعي: هو محرم حكمه حكم المحارم من الأقارب في أحد الوجهين لما ذكرنا من الدليل ولأنه محرم عليها فكان محرما كالأقارب ولنا ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (( سفر المرأة مع عبدها ضيعة )) رواه سعيد ولأنها لا تحرم عليه على التأبيد ولا يحل له استمتاعها, فلم يكن محرما كزوج أختها ولأنه غير مأمون عليها إذ ليست بينهما نفرة المحرمية والملك لا يقتضي النفرة الطبيعية, بدليل السيد مع أمته وإنما أبيح له من النظر ما تدعو الحاجة إليه كالشاهد والمبتاع ونحوهما وجعله بعض أصحابنا كالأجنبي لما ذكرناه والصحيح ما قلنا -إن شاء الله تعالى-.

فصل: فأما الغلام, فما دام طفلا غير مميز لا يجب الاستتار منه في شيء وإن عقل, ففيه روايتان إحداهما: حكمه حكم ذى المحرم في النظر والثانية: له النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة لأن الله تعالى قال { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} إلى قوله تعالى { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض} إلى قوله: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } فدل على التفريق بين البالغ وغيره وقال أبو عبد الله: أبو طيبة حجم نساء النبي -ﷺ- وهو غلام ووجه الرواية الأولى قوله { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } وقيل لأبي عبد الله: متى تغطى المرأة رأسها من الغلام؟ قال: إذا بلغ عشر سنين.

فصل: ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه حتى الفرج لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: (( قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتى منها وما نذر؟ فقال: احفظ عورتك, إلا من زوجتك وما ملكت يمينك )) رواه الترمذي وقال: حديث حسن ولأن الفرج يحل له الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه, كبقية البدن ويكره النظر إلى الفرج فإن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله -ﷺ- قط رواه ابن ماجه وفي لفظ قالت: ما رأيته من رسول الله -ﷺ- ولا رآه مني وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد في المرأة تقعد بين يدي زوجها وفي بيتها مكشوفة في ثياب رقاق: فلا بأس به قلت: تخرج من الدار إلى بيت مكشوفة الرأس وليس في الدار إلا هي وزوجها؟ فرخص في ذلك.

فصل: ويباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته حتى فرجها لما ذكرنا في الزوجين وسواء في ذلك سريته وغيرها لأنه مباح له الاستمتاع من جميع بدنها فأبيح له النظر إليه فإن زوج أمته حرم عليه الاستمتاع, والنظر منها إلى ما بين السرة والركبة لأن عمرو بن شعيب روي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -ﷺ- (( إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره, فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة )) رواه أبو داود ومفهومه إباحة النظر إلى ما عداه وأما تحريم الاستمتاع بها فلا شك فيه ولا اختلاف فإنها قد صارت مباحة للزوج, ولا تحل المرأة لرجلين فإن وطئها لزمه الإثم والتعزير وإن ولدت فقال أحمد: لا يلحقه الولد لأنها فراش لغيره, فلم يلحقه ولدها كالأجنبية.

فصل: في من يباح له النظر من الأجانب ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها من العورة وغيرها, فإنه موضع حاجة وقد روى (( أن النبي -ﷺ- لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم )) وعن عثمان أنه أتى بغلام قد سرق فقال: انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر, فلم يقطعه وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشهادة واقعة على عينها قال أحمد: لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها, فيرجع عليها بالدرك وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة أو يستغني عن المعاملة, فأما مع الحاجة وعدم الشهوة فلا بأس.

فصل: فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها, في ظاهر كلام أحمد قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها كيف يأكل معها ينظر إلى كفها؟, لا يحل له ذلك وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة ويباح له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة وهذا مذهب الشافعي لقول الله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس: الوجه والكفين وروت عائشة (( أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله -ﷺ- في ثياب رقاق, فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه )) رواه أبو بكر, وغيره ولأنه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل ولنا قول الله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } وقول النبي -ﷺ- (( إذا كان لإحداكن مكاتب, فملك ما يؤدى فلتحتجب منه )) (( وعن أم سلمة قالت: كنت قاعدة عند النبي -ﷺ- أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي -ﷺ- احتجبن منه )) رواه أبو داود (( وكان الفضل بن عباس رديف رسول الله -ﷺ- فجاءته الخثعمية تستفتيه, فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله -ﷺ- وجهه عنها )) وعن جرير بن عبد الله قال (( سألت رسول الله -ﷺ- عن نظرة الفجاءة, فأمرني أن أصرف بصري )) حديث صحيح وعن على رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله -ﷺ- (( لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة )) رواهما أبو داود وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك, إذ لو كان مباحا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه؟ وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب, فنحمله عليه.

فصل: والعجوز التي لا يشتهى مثلها لا بأس بالنظر إلى ما يظهر منها غالبا لقول الله تعالى: { والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا } الآية قال ابن عباس في قوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} الآية قال: فنسخ واستثنى من ذلك: { والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا } الآية وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى.

فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا, كالوجه والرأس واليدين, والساقين لأن عمر رضي الله عنه رأى أمة متلثمة فضربها بالدرة وقال: يا لكاع تتشبهين بالحرائر وروى أبو حفص بإسناده أن عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته, وقال: إنما القناع للحرائر ولو كان نظر ذلك منها محرما لم يمنع من ستره بل أمر به وقد روى أنس (( أن النبي -ﷺ- لما أخذ صفية قال الناس: لا ندرى أجعلها أم المؤمنين, أم أم ولد؟ فقالوا: إن حجبها فهي أم المؤمنين وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما ركب وطأ لها خلفه, ومد الحجاب بينه وبين الناس )) متفق عليه وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما وقال أصحاب الشافعي: يباح النظر منها إلى ما ليس بعورة وهو ما فوق السرة وتحت الركبة وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن } الآية ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوى فيها الحرة والأمة, فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعى وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق بينهما, وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها, حرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة, كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل.

فصل: فأما الطفلة التي لا تصلح للنكاح فلا بأس بالنظر إليها قال أحمد في رواية الأثرم في رجل يأخذ الصغيرة فيضعها في حجره, ويقبلها: فإن كان يجد شهوة فلا وإن كان لغير شهوة فلا بأس وقد روى أبو بكر بإسناده عن عمر بن حفص المديني أن الزبير بن العوام أرسل بابنة له إلى عمر بن الخطاب مع مولاة له, فأخذها عمر بيده وقال: ابنة أبي عبد الله فتحركت الأجراس من رجلها فأخذها عمر فقطعها وقال: قال رسول الله -ﷺ-: (( مع كل جرس شيطان )) فأما إذا بلغت حدا تصلح للنكاح كابنة تسع, فإن عورتها مخالفة لعورة البالغة بدليل قوله عليه السلام: (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )) فدل على صحة الصلاة ممن لم تحض مكشوفة الرأس فيحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم, كقولنا في الغلام المراهق مع النساء وقد روى أبو بكر عن ابن جريج قال: قالت عائشة: دخلت على ابنة أخي مزينة فدخل على النبي -ﷺ- فأعرض, فقلت: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية فقال: (( إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى أو نحوها )) وذكر حديث أسماء: (( إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه )) واحتج أحمد بهذا الحديث, وتخصيص الحائض بهذا التحديد دليل على إباحة أكثر من ذلك في حق غيرها.

فصل: ومن ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو عنة, أو مرض لا يرجى برؤه أو الخصى أو الشيخ, أو المخنث الذي لا شهوة له فحكمه حكم ذى المحرم في النظر لقول الله تعالى: { أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال } أي: غير أولى الحاجة إلى النساء قال ابن عباس: هو الذي لا تستحى منه النساء وعنه: هو المخنث الذي لا يقوم زبه وعن مجاهد وقتادة الذي لا أرب له في النساء فإن كان المخنث ذا شهوة ويعرف أمر النساء فحكمه حكم غيره لأن عائشة قالت: (( دخل على أزواج النبي -ﷺ- مخنث, فكانوا يعدونه من غير أولى الإربة فدخل علينا النبي -ﷺ- وهو ينعت امرأة أنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان, فقال النبي -ﷺ- ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا؟ لا يدخلن عليكم هذا فحجبوه )) رواه أبو داود وغيره قال ابن عبد البر ليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة وإنما التخنيث شدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه المرأة في اللين, والكلام والنظر والنغمة, والعقل فإذا كان كذلك لم يكن له في النساء إرب, وكان لا يفطن لأمور النساء وهو من غير أولى الإربة الذين أبيح لهم الدخول على النساء ألا ترى أن النبي -ﷺ- لم يمنع ذلك المخنث من الدخول على نسائه, فلما سمعه يصف ابنة غيلان وفهم أمر النساء أمر بحجبه؟.

فصل: فأما الرجل مع الرجل, فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة وفي حدها روايتان إحداهما: ما بين السرة والركبة والأخرى: الفرجان وقد ذكرناهما في كتاب الصلاة ولا فرق بين الأمرد وذى اللحية إلا أن الأمرد إن كان جميلا يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه وقد روي عن الشعبي قال: (( قدم وفد عبد القيس على النبي -ﷺ- وفيهم غلام أمرد, ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي -ﷺ- وراء ظهره )) رواه أبو حفص قال المروذي: سمعت أبا بكر الأعين يقول: قدم علينا إنسان من خراسان صديق لأبي عبد الله, ومعه غلام ابن أخت له وكان جميلا فمضى إلى أبي عبد الله فحدثه, فلما قمنا خلا بالرجل وقال له: من هذا الغلام منك؟ قال: ابن أختى قال: إذا جئتني لا يكون معك والذي أرى لك أن لا يمشى معك في طريق فأما الغلام الذي لم يبلغ سبعا فلا عورة له يحرم النظر إليها وقد روي عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: (( كنا جلوسا عند النبي -ﷺ- قال: فجاء الحسن فجعل يتمرغ عليه فوقع مقدم قميصه, أراه قال: فقبل زبيبته )) رواه أبو حفص.

فصل: وحكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل سواء ولا فرق بين المسلمتين وبين المسلمة والذمية, كما لا فرق بين الرجلين المسلمين وبين المسلم والذمى في النظر قال أحمد: ذهب بعض الناس إلى أنها لا تضع خمارها عند اليهودية والنصرانية, وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج ولا تقبلها حين تلد وعن أحمد رواية أخرى: أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ولا تدخل معها الحمام وهو قول مكحول وسليمان بن موسى لقوله تعالى: { أو نسائهن } والأول أولى لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن, قد كن يدخلن على نساء النبي -ﷺ- فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب وقد (( قالت عائشة: جاءت يهودية تسألها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر, فسألت عائشة رسول الله -ﷺ- وذكر الحديث )) وقالت أسماء: (( قدمت على أمى وهي راغبة - يعني عن الإسلام - فسألت رسول الله -ﷺ- أصلها؟ قال نعم )) ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية فوجب أن لا يثبت الحجب بينهما, كالمسلم مع الذمى ولأن الحجاب إنما يجب بنص أو قياس ولم يوجد واحد منهما فأما قوله: { أو نسائهن} فيحتمل أن يكون المراد به جملة النساء.

فصل: فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما: لها النظر إلى ما ليس بعورة والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة قالت: (( كنت قاعدة عند النبي -ﷺ- أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي -ﷺ-: احتجبن منه فقلت: يا رسول الله, إنه ضرير لا يبصر قال: أفعمياوان أنتما لا تبصرانه )) رواه أبو داود وغيره ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن, كما أمر الرجال به ولأن النساء أحد نوعى الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسا على الرجال, يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة, وأقل عقلا فتسارع الفتنة إليها أكثر ولنا (( , قول النبي -ﷺ- لفاطمة بنت قيس: اعتدى في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى, تضعين ثيابك فلا يراك )) متفق عليه (( وقالت عائشة: كان رسول الله -ﷺ- يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد )) متفق عليه (( ويوم فرغ النبي -ﷺ- من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن, ومعه بلال فأمرهن بالصدقة )) ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء, لئلا ينظرن إليهم فأما حديث نبهان فقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا الحديث وحديث: (( إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه )) وكأنه أشار إلى ضعف حديثه إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول, لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النبي -ﷺ- كذلك قال أحمد وأبو داود قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كان حديث نبهان لأزواج النبي -ﷺ- خاصة وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد, في إسناده مقال. مسألة: قال: [وإذا زوج أمته وشرط عليه أن تكون عندهم بالنهار ويبعث بها إليه بالليل, فالعقد والشرط جائزان وعلى الزوج النفقة مدة مقامها عنده] أما الشرط: فصحيح لأنه لا يخل بمقصود النكاح فإن الاستمتاع إنما يكون ليلا, وإذا كان الشرط صحيحا لم يمنع صحة العقد فيكونان صحيحين وعلى الزوج النفقة في الليل لأنها سلمت إليه فيه وليس عليه نفقة النهار لأنها في مقابلة الاستمتاع, وهو لا يتمكن من الاستمتاع بها في تلك الحال وإذا لم تجب نفقة النهار على الزوج وجبت على السيد لأنها في خدمته حينئذ ولأنها باقية على الأصل في وجوبها على السيد فتكون نفقتها بينهما نصفين وكذلك الكسوة وقال بعض أصحاب الشافعي: ليس على الزوج شيء من النفقة لأنها لا تجب إلا بالتمكين التام, ولم يوجد فلم يجب منها شيء كالحرة إذا بذلت التسليم في بعض الزمان دون بعض ولنا أن النفقة عوض في مقابلة المنفعة فوجب منها بقدر ما يستوفيه, كالأجرة في الإجارة وفارقت الحرة لأن التسليم عليها واجب في جميع الزمان فإذا امتنعت منه في البعض, فلم تسلم ما وجب عليها تسليمه وهاهنا قد سلم السيد جميع ما وجب عليه.

 فصل: فإن زوجها من غير شرط فقال القاضي: الحكم فيه كما لو شرط وله استخدامها نهارا, وعليه إرسالها ليلا للاستمتاع بها لأنه زمانه وذلك لأن السيد يملك من أمته منفعتين منفعة الاستخدام والاستمتاع, فإذا عقد على إحداهما لم يلزمه تسليمها إلا في زمن استيفائها كما لو أجرها للخدمة, لم يلزمه تسليمها إلا في زمنها وهو النهار والنفقة بينهما على قدر إقامتها عندهما وإن تبرع السيد بإرسالها ليلا ونهارا فالنفقة كلها على الزوج, وإن تبرع الزوج بتركها عند السيد ليلا ونهارا لم تسقط نفقتها عنه ولو تبرع كل واحد منهما بتركها عند الآخر وتدافعاها, كانت نفقتها كلها على الزوج لأن الزوجية تقتضي وجوب النفقة ما لم يمنع من استمتاعها عدوانا أو بشرط أو نحوه, ولذلك تجب نفقتها مع تعذر استمتاعها بمرض أو حيض أو نحوهما فإذا لم يكن من السيد ها هنا منع فالنفقة على الزوج لوجود الزوجية المقتضية لها وعدم المانع منها. 
  

فصل: فإن أراد الزوج السفر بها لم يملك ذلك لأنه يفوت خدمتها المستحقة لسيدها, وإن أراد السيد السفر بها فقد توقف أحمد عن ذلك وقال: ما أدرى فيحتمل المنع منه لأنه يفوت حق الزوج منها, فمنع منه قياسا على ما لو منعه منه مع الإقامة ولأنه مالك لإحدى منفعتيها فلم يملك منع الآخر من السفر بها, كالسيد وكما لو أجرها ثم أراد السفر بها ويحتمل أن له السفر بها لأنه مالك رقبتها كسيد العبد إذا زوجه, وإن شرط الزوج أن تسلم إليه الأمة ليلا ونهارا جاز وعليه نفقتها كلها وليس للسيد السفر بها لأنه لا حق له في نفعها.

فصل: ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين لقول النبي -ﷺ- (( تنكح المرأة لمالها, ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك )) متفق عليه ويختار البكر لقول رسول الله -ﷺ-: (( أتزوجت يا جابر؟ قال: قلت: نعم قال: بكرا أم ثيبا؟ قال: قلت: بل ثيبا قال: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ )) متفق عليه وعن عطاء عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( عليكم بالأبكار, فإنهن أعذب أفواها وأنقى أرحاما )) رواه الإمام أحمد وفي رواية: (( وأنتق أرحاما وأرضى باليسير )) ويستحب أن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة لما روي عن أنس قال: (( كان رسول الله -ﷺ- يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول: تزوجوا الودود الولود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة )) رواه سعيد وروى معقل بن يسار قال: (( جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب إلا أنها لا تلد, أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية فنهاه, ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم )) رواه النسائي وعن على بن الحسين, أن النبي -ﷺ- قال: (( يا بني هاشم عليكم بنساء الأعاجم فالتمسوا أولادهن فإن في أرحامهن البركة )) ويختار الجميلة لأنها أسكن لنفسه وأغض لبصره, وأكمل لمودته ولذلك شرع النظر قبل النكاح وقد روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رسول الله -ﷺ- أنه قال (( إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها )) وعن أبي هريرة, قال: (( قيل يا رسول الله: أي النساء خير؟ قال التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره )) رواه النسائي وعن يحيى بن جعدة أن رسول الله -ﷺ- قال: (( خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه, امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها, وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها )) رواه سعيد ويختار ذات العقل ويجتنب الحمقاء لأن النكاح يراد للعشرة ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا يطيب العيش معها, وربما تعدى ذلك إلى ولدها وقد قيل: اجتنبوا الحمقاء فإن ولدها ضياع وصحبتها بلاء ويختار الحسيبة, ليكون ولدها نجيبا فإنه ربما أشبه أهلها ونزع إليهم وكان يقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها وعن عائشة, قالت: قال رسول الله -ﷺ- (( تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم )) ويختار الأجنبية, فإن ولدها أنجب ولهذا يقال: اغتربوا لا تضووا يعني: انكحوا الغرائب كي لا تضعف أولادكم وقال بعضهم: الغرائب أنجب وبنات العم أصبر ولأنه لا تؤمن العداوة في النكاح, وإفضاؤه إلى الطلاق فإذا كان في قرابته أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها والله أعلم.

باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه وغير ذلك التحريم: للنكاح ضربان: تحريم عين وتحريم جمع، ويتنوع أيضا نوعين: تحريم نسب, وتحريم سبب. والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب: فقول الله تعالى { حرمت عليكم أمهاتكم} والآية التي قبلها والتى بعدها وأما السنة: فروى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: (( لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها, ولا بينها وبين خالتها )) متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (( إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة )) أخرجه مسلم وأجمعت الأمة على تحريم ما نص الله تعالى على تحريمه. [ النوع الأول: المحرمات تحريم نسب] قال: (( والمحرمات نكاحهن بالأنساب: الأمهات والبنات والأخوات, والعمات والخالات وبنات الأخ, وبنات الأخت والمحرمات بالأسباب: الأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء, وبنات النساء اللاتى دخل بهن وحلائل الأبناء وزوجات الأب, والجمع بين الأختين )) وجملة ذلك أن المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة سبع بالنسب واثنتان بالرضاع, وأربع بالمصاهرة وواحدة بالجمع فأما اللواتى بالنسب فأولهن الأمهات وهن كل من انتسبت إليها بولادة, سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك أو مجازا وهي التي ولدت من ولدك وإن علت, من ذلك جدتاك: أم أمك وأم أبيك وجدتا أمك وجدتا أبيك وجدات جداتك وجدات أجدادك وإن علون, وارثات كن أو غير وارثات كلهن أمهات محرمات ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل فقال: تلك أمكم يا بني ماء السماء وفي الدعاء: اللهم صل على أبينا آدم وأمنا حواء والبنات وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادتك كابنة الصلب, وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن وارثات أو غير وارثات كلهن بنات محرمات لقوله تعالى: {وبناتكم} فإن كل امرأة بنت آدم, كما أن كل رجل ابن آدم قال الله تعالى { يا بني آدم} والأخوات من الجهات الثلاث من الأبوين أو من الأب, أو من الأم لقوله تعالى: { وأخواتكم} ولا تفريع عليهن والعمات أخوات الأب من الجهات الثلاث وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم, قريبا كان الجد أو بعيدا وارثا أو غير وارث لقوله تعالى: { وعماتكم} والخالات أخوات الأم من الجهات الثلاث, وأخوات الجدات وإن علون وقد ذكرنا أن كل جدة أم فكذلك كل أخت لجدة خالة محرمة لقوله تعالى { وخالاتكم} وبنات الأخ كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة فهي بنت أخ محرمة من أي جهة كان الأخ لقوله تعالى تعالى: { وبنات الأخ} وبنات الأخت كذلك أيضا محرمات لقوله سبحانه وتعالى { وبنات الأخت} فهؤلاء المحرمات بالأنساب.

 النوع الثاني: المحرمات تحريم السبب 

وهو قسمان: رضاع ومصاهرة.

 فأما الرضاع: 

فالمنصوص على التحريم فيه اثنتان الأمهات المرضعات وهن اللاتى أرضعنك وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن على حسب ما ذكرنا في النسب, محرمات بقوله تعالى: { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} كل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتها أمك أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد, كرجل له امرأتان لهما لبن أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى, فهي أختك محرمة عليك لقوله سبحانه: { وأخواتكم من الرضاعة}

 القسم الثاني: تحريم المصاهرة 

والمنصوص عليه أربع أمهات النساء, فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة بمجرد العقد نص عليه أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وعمران بن حصين وكثير من التابعين وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن على رضي الله عنه أنها لا تحرم إلا بالدخول بابنتها, كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول ولنا قول الله تعالى { وأمهات نسائكم} والمعقود عليها من نسائه فتدخل أمها في عموم الآية قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن يعني عمموا حكمها في كل حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها وروى عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده أن النبي -ﷺ- قال: (( من تزوج امرأة فطلقها قبل أن دخل بها فلا بأس أن يتزوج ربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها )) رواه أبو حفص بإسناده وقال زيد تحرم بالدخول أو بالموت لأنه يقوم مقام الدخول وقد ذكرنا ما يوجب التحريم مطلقا, سواء وجد الدخول أو الموت أو لا ولأنها حرمت بالمصاهرة بقول مبهم فحرمت بنفس العقد كحليلة الابن والأب الثانية: بنات النساء اللاتى دخل بهن, وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع, قريبة أو بعيدة وارثة أو غير وارثة على حسب ما ذكرنا في البنات, إذا دخل بالأم حرمت عليه سواء كانت في حجره أو لم تكن في قول عامة الفقهاء, إلا أنه روي عن عمر وعلى رضي الله تعالى عنهما أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره وهو قول داود لقول الله تعالى: { وربائبكم اللاتى في حجوركم} قال ابن المنذر: وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول وقد ذكرنا حديث عبد الله بن عمرو في هذا (( وقال النبي -ﷺ- لأم حبيبة: لا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن )) ولأن التربية لا تأثير لها في التحريم كسائر المحرمات وأما الآية فلم تخرج مخرج الشرط, وإنما وصفها بذلك تعريفا لها بغالب حالها وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه وإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذا بانت من نكاحه, إلا أن يموت قبل الدخول ففيه روايتان إحداهما: تحرم ابنتها وبه قال زيد بن ثابت وهي اختيار أبي بكر لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق, فيقوم مقامه في تحريم الربيبة والثانية: لا تحرم وهو قول على ومذهب عامة العلماء قال ابن المنذر: أجمع عوام علماء الأمصار على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج ابنتها كذلك قال مالك, والثوري والأوزاعي والشافعي, وأحمد وإسحاق وأبو ثور, ومن تبعهم لأن الله تعالى قال: { من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} وهذا نص لا يترك لقياس ضعيف وحديث عبد الله بن عمرو وقد ذكرناه ولأنها فرقة قبل الدخول فلم تحرم الربيبة كفرقة الطلاق والموت لا يجرى مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وعدة الأقراء, وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر ولو قام مقامه من كل وجه فلا يترك صريح نص الله تعالى ونص رسوله لقياس ولا غيره إذا ثبت هذا, فإن الدخول بها هو وطؤها كنى عنه بالدخول فإن خلا بها ولم يطأها, لم تحرم ابنتها لأنها غير مدخول بها وظاهر قول الخرقي تحريمها لقوله: فإن خلا بها وقال لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولهما وكان حكمها حكم المدخول في جميع أمورها إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثا وفي الزنا, فإنهما يجلدان ولا يرجمان وسنذكره فيما بعد إن شاء الله الثالثة: حلائل الأبناء يعني أزواجهم سميت امرأة الرجل حليلته لأنها محل إزار زوجها, وهي محللة له فيحرم على الرجل أزواج أبنائه وأبناء بناته, من نسب أو رضاع قريبا كان أو بعيدا بمجرد العقد لقوله تعالى: { وحلائل أبنائكم} ولا نعلم في هذا خلافا الرابعة: زوجات الأب فتحرم على الرجل امرأة أبيه, قريبا كان أو بعيدا وارثا كان أو غير وارث من نسب أو رضاع لقوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} وقال البراء بن عازب: (( لقيت خالي, ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله -ﷺ- إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله )) رواه النسائي وفي رواية قال: لقيت عمى الحارث بن عمرو ومعه الراية فذكر الخبر كذلك رواه سعيد وغيره وسواء في هذا امرأة أبيه, أو امرأة جده لأبيه وجده لأمه قرب أم بعد وليس في هذا بين أهل العلم خلاف علمناه والحمد لله ويحرم عليه من وطئها أبوه, أو ابنه بملك يمين أو شبهة كما يحرم عليه من وطئها في عقد نكاح قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب, وممن حفظنا ذلك عنه عطاء وطاوس والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم. الضرب الثاني: تحريم الجمع والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة, من أبوين كانتا أو من أب أو أم وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم الآية فإن تزوجهما في عقد واحد فسد لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى, وسواء علم بذلك حال العقد أو بعده فإن تزوج إحداهما بعد الأخرى فنكاح الأولى صحيح لأنه لم يحصل فيه جمع ونكاح الثانية باطل لأن به يحصل الجمع, وليس في هذا - بحمد الله - اختلاف وليس عليه تفريع.

 مسألة: 

[ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع وهن الأمهات والبنات, والأخوات والعمات والخالات, وبنات الأخ وبنات الأخت على الوجه الذي شرحناه في النسب لقول النبي -ﷺ- (( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )) متفق عليه وفي رواية مسلم: (( الرضاع يحرم ما تحرم الولادة )) (( وقال النبي -ﷺ- في درة بنت أبي سلمة: إنها لو لم تكن ربيبتى في حجرى ما حلت لي, إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة )) متفق عليه ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات ولا نعلم في هذا خلافا.

 مسألة: 

قال: [ولبن الفحل محرم] معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلا بلبن ثاب من وطء رجل حرم الطفل على الرجل وأقاربه, كما يحرم ولده من النسب لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة فيصير الطفل ولدا للرجل والرجل أباه, وأولاد الرجل إخوته سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته, وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته قال أحمد لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان فترضع هذه صبية وهذه صبيا لا يزوج هذا من هذا وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما, فقال: لا اللقاح واحد قال الترمذي: هذا تفسير لبن الفحل وممن قال بتحريمه على وابن عباس, وعطاء وطاوس ومجاهد, والحسن والشعبي والقاسم وعروة, ومالك والثوري والأوزاعي, والشافعي وإسحاق وأبو عبيد, وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث ورخص في لبن الفحل سعيد بن المسيب, وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي وأبو قلابة ويروى ذلك عن ابن الزبير وجماعة من أصحاب رسول الله -ﷺ- غير مسمين لأن الرضاع من المرأة لا من الرجل ويروى عن زينب بنت أبي سلمة أنها أرضعتها أسماء بنت أبي بكر, امرأة الزبير قالت: وكان الزبير يدخل على وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسى فيقول: أقبلى على فحدثيني أراه والدا, وما ولد فهم إخوتى ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلى يخطب أم كلثوم ابنتى على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية, فقلت لرسوله: وهل تحل له وإنما هي ابنة أخته؟ فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع لما قبلك أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة, فأرسلى فسلى عن هذا فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله -ﷺ- متوافرون فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحتها إياه, فلم تزل عنده حتى هلك عنها ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها (( أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن على بعدما أنزل الحجاب فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله -ﷺ- فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس, فدخل على رسول الله -ﷺ- فقلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته فقال ائذني له فإنه عمك, تربت يمينك قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب )) متفق عليه وهذا نص قاطع في محل النزاع فلا يعول على ما خالفه فأما حديث زينب فإن صح فهو حجة لنا فإن الزبير كان يعتقدها ابنته وتعتقده أباها, والظاهر أن هذا كان مشهورا عندهم وقوله مع إقرار أهل عصره أولى من قول ابنه وقول قوم لا يعرفون. مسألة: قال: [والجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها] قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به وليس فيه - بحمد الله - اختلاف, إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافا وهم الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك, ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله -ﷺ- وهي ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- (( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها )) متفق عليه وفي رواية أبي داود (( لا تنكح المرأة على عمتها, ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها, لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى )) ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه: { وأحل لكم ما وراء ذلكم} خصصناه بما رويناه وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكرا عليه رجم الزانيين وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها, وبينها وبين خالتها وقالا: ليس هذا في كتاب الله تعالى فقال لهما: كم فرض الله عليكم من الصلاة؟ قالا: خمس صلوات في اليوم والليلة وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها, فأخبراه فقال: فأين تجدان ذلك في كتاب الله؟ قالا: لا نجده في كتاب الله قال: فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا: فعله رسول الله -ﷺ- والمسلمون بعده: قال فكذلك هذا ثم لا فرق بين الخالة والعمة حقيقة أو مجازا, كعمات آبائها وخالاتهم وعمات أمهاتها وخالاتهن وإن علت درجتهن, من نسب كان ذلك أو من رضاع فكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لأجل القرابة لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطيعة الرحم القريبة, لما في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها في العقد لما ذكرناه ولأن الأم إلى ابنتها أقرب من الأختين فإذا لم يجمع بين الأختين فالمرأة وبنتها أولى.

 فصل: 

ولا يحرم الجمع بين ابنتى العم, وابنتى الخال في قول عامة أهل العلم لعدم النص فيهما بالتحريم ودخولهما في عموم قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم} ولأن إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكرا وفي كراهة ذلك روايتان إحداهما: يكره روى ذلك عن ابن مسعود وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن وسعيد بن عبد العزيز وروى أبو حفص بإسناده عن عيسى بن طلحة, قال: نهى رسول الله -ﷺ- أن تزوج المرأة على ذى قرابتها كراهية القطيعة ولأنه مفض إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها فأقل أحواله الكراهة والأخرى: لا يكره وهو قول سليمان بن يسار والشعبي وحسن بن حسن, والأوزاعي والشافعي وإسحاق, وأبي عبيد لأنه ليست بينهما قرابة تحرم الجمع فلا يقتضي كراهته كسائر الأقارب.

 مسألة: 

قال: [وإذا عقد على المرأة, ولم يدخل بها فقد حرمت على ابنه وأبيه وحرمت عليه أمها, والجد وإن علا فيما قلت بمنزلة الأب وابن الابن فيه وإن سفل بمنزلة الابن] وجملة ذلك أن المرأة إذا عقد الرجل عقد النكاح عليها حرمت على أبيه بمجرد العقد عليها لقول الله تعالى: {وحلائل أبنائكم} وهذه من حلائل أبنائه, وتحرم على ابنه لقوله سبحانه: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} وهذه قد نكحها أبوه وتحرم أمها عليه لقوله سبحانه { وأمهات نسائكم} وهذه منهن وليس في هذا اختلاف - بحمد الله - إلا شيء ذكرناه فيما تقدم, والجد كالأب في هذا وابن الابن كالابن فيه لأنهم يدخلون في اسم الآباء والأبناء وسواء في هذا القريب والبعيد, والوارث وغيره من قبل الأب والأم ومن ولد البنين أو ولد البنات وقد تقدم ذلك.

 مسألة: 

قال: [وكل من ذكرنا من المحرمات من النسب والرضاع, فبناتهن في التحريم كهن إلا بنات العمات والخالات وبنات من نكحهن الآباء والأبناء فإنهن محللات, وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها] وجملة ذلك أن كل محرمة تحرم ابنتها لتناول التحريم لها فالأمهات تحرم بناتهن لأنهن أخوات أو عمات أو خالات, والبنات تحرم بناتهن لأنهن بنات ويحرم بنات الأخوات وبناتهن لأنهن بنات الأخت وكذلك بنات بنات الأخ إلا بنات العمات والخالات فلا يحرمن بالإجماع لقول الله تعالى: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك} فأحلهن الله لنبيه عليه السلام ولأنهن لم يذكرن في التحريم فيدخلن في قول الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وكذلك لا يحرم بنات زوجات الآباء والأبناء لأنهن حرمن لكونهن حلائل الآباء والأبناء ولم يوجد ذلك في بناتهن, ولا وجدت فيهن علة أخرى تقتضي تحريمهن فدخلن في قوله سبحانه: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها محللات لقوله سبحانه { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} وهن الربائب وليس هؤلاء ممن حرمت أمهن وإنما ذكرها لأنها محللة, فيشتبه حكمها فإن قيل: فلم حرمت ابنة الربيبة ولم تحرم ابنة حليلة الابن؟ قلنا: لأن ابنة الربيبة ربيبة وابنة الحليلة ليست حليلة ولأن علة تحريم الربيبة أنه يشق التحرز من النظر إليها, والخلوة بها بكونها في حجره في بيته وهذا المعنى يوجد في بنتها وإن سفلت, والحليلة حرمت بنكاح الأب والابن لها ولا يوجد ذلك في ابنتها.

 مسألة: 

قال: [ووطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة] يعني أنه يثبت به تحريم المصاهرة فإذا زنى بامرأة حرمت على أبيه وابنه, وحرمت عليه أمها وابنتها كما لو وطئها بشبهة أو حلالا ولو وطئ أم امرأته أو بنتها حرمت عليه امرأته نص أحمد على هذا في رواية جماعة وروى نحو ذلك عن عمران بن حصين وبه قال الحسن وعطاء, وطاوس ومجاهد والشعبي والنخعي, والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وروى ابن عباس أن الوطء الحرام لا يحرم وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر, وعروة والزهري ومالك, والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( لا يحرم الحرام الحلال )) ولأنه وطء لا تصير به الموطوءة فراشا فلا يحرم كوطء الصغيرة ولنا قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} والوطء يسمى نكاحا قال الشاعر: إذا زنيت فأجد نكاحا فحمل في عموم الآية, وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء وهو قوله سبحانه وتعالى: { إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها )) وروى الجوزجاني بإسناده عن وهب بن منبه. قال: (( ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها )) فذكرته لسعيد بن المسيب فأعجبه ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور كوطء الحائض ولأن النكاح عقد يفسده الوطء بالشبهة فأفسده الوطء الحرام كالإحرام, وحديثهم لا نعرف صحته وإنما هو من كلام ابن أشوع وبعض قضاة العراق كذلك قال الإمام أحمد وقيل: إنه من قول ابن عباس ووطء الصغيرة ممنوع ثم يبطل بوطء الشبهة.

فصل: والوطء على ثلاثة أضرب:

 مباح, وهو الوطء في نكاح صحيح أو ملك يمين فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع ويعتبر محرما لمن حرمت عليه لأنها حرمت عليه على التأبيد, بسبب مباح أشبه النسب. 
 الثاني: الوطء بالشبهة وهو الوطء في نكاح فاسد, أو شراء فاسد أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمته أو وطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره, وأشباه هذا يتعلق به التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعا قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أو بشراء فاسد, أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده وهذا مذهب مالك والأوزاعي والثوري, والشافعي وأحمد وإسحاق, وأبي ثور وأصحاب الرأي ولأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح ولا يصير به الرجل محرما لمن حرمت عليه, ولا يباح له به النظر إليها لأن الوطء ليس بمباح ولأن المحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطء لأنها إباحة ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى. 
 الثالث: الحرام المحض وهو الزنا فيثبت به التحريم, على الخلاف المذكور ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر لأنه إذا لم يثبت بوطء الشبهة, فبالحرام المحض أولى ولا يثبت به نسب ولا يجب به المهر إذا طاوعته فيه. 
 فصل: 

ولا فرق فيما ذكرنا بين الزنى في القبل والدبر لأنه يتعلق به التحريم فيما إذا وجد في الزوجة والأمة, فكذلك في الزنى فإن تلوط بغلام فقال بعض أصحابنا: يتعلق به التحريم أيضا فيحرم على اللائط أم الغلام وابنته, وعلى الغلام أم اللائط وابنته قال: ونص عليه أحمد وهو قول الأوزاعي لأنه وطء في الفرج فنشر الحرمة كوطء المرأة, ولأنها بنت من وطئه وأمه فحرمتا عليه كما لو كانت الموطوءة أنثى وقال أبو الخطاب: يكون ذلك كالمباشرة دون الفرج, يكون فيه روايتان والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم فيدخلن في عموم قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ولأنهن غير منصوص عليهن, ولا في معنى المنصوص عليه فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء, ومن نكحهن الآباء وأمهات النساء وبناتهن وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن لأن الوطء في المرأة يكون سببا للبعضية, ويوجب المهر ويلحق به النسب وتصير به المرأة فراشا, ويثبت أحكاما لا يثبتها اللواط فلا يجوز إلحاقه بهن لعدم العلة وانقطاع الشبه, ولذلك لو أرضع الرجل طفلا لم يثبت به حكم التحريم فهاهنا أولى وإن قدر بينهما شبه من وجه ضعيف, فلا يجوز تخصيص عموم الكتاب به واطراح النص بمثله.

 فصل: 

ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى وأخته, وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه, وأخته من الزنى وهو قول عامة الفقهاء وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه شرعا ولا يجرى التوارث بينهما, ولا تعتق عليه إذا ملكها ولا تلزمه نفقتها فلم تحرم عليه, كسائر الأجانب ولنا قول الله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} وهذه بنته فإنها أنثى مخلوقة من مائه, وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة ويدل على ذلك قول النبي -ﷺ- في امرأة هلال بن أمية: (( انظروه يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء )) يعني الزاني ولأنها مخلوقة من مائه وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة فأشبهت المخلوقة من وطء بشبهة, ولأنها بضعة منه فلم تحل له كبنته من النكاح, وتخلف بعض الأحكام لا ينفى كونها بنتا كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين إذا ثبت هذا فلا فرق بين علمه بكونها منه, مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره ثم يحفظها حتى تضع أو مثل أن يشترك جماعة في وطء امرأة, فتأتى بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره؟ فإنها تحرم على جميعهم لوجهين أحدهما أنها بنت موطوءتهم والثاني أننا نعلم أنها بنت بعضهم, فتحرم على الجميع كما لو زوج الوليان ولم يعلم السابق منهما, وتحرم على أولادهم لأنها أخت بعضهم غير معلوم فإن ألحقتها القافة بأحدهم حلت لأولاد الباقين, ولم تحل لأحد ممن وطئ أمها لأنها في معنى ربيبته.

 فصل: 

ووطء الميتة يحتمل وجهين:

 أحدهما ينشر الحرمة لأنه معنى ينشر الحرمة المؤبدة فلم يختص بالحياة كالرضاع والثاني, لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه ليس بسبب للبعضية ولأن التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء, والموت يبطل المنافع وأما الرضاع فيحرم لما يحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم وهذا يحصل من لبن الميتة وفي وطء الصغيرة أيضا وجهان أحدهما, ينشرها وهو قول أبي يوسف لأنه وطء لآدمية حية في القبل أشبه وطء الكبيرة. 
 والثاني لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة لأنه ليس بسبب للبعضية أشبه وطء الميتة. 
 فصل: 

فأما المباشرة فيما دون الفرج, فإن كانت لغير شهوة لم تنشر الحرمة بغير خلاف نعلمه وإن كانت لشهوة وكانت في أجنبية, لم تنشر الحرمة أيضا قال الجوزجاني: سألت أحمد عن رجل نظر إلى أم امرأته في شهوة أو قبلها أو باشرها فقال: أنا أقول لا يحرمه شيء من ذلك إلا الجماع وكذلك نقل أحمد بن القاسم, وإسحاق بن منصور وإن كانت المباشرة لامرأة محللة له كامرأته أو مملوكته, لم تحرم عليه ابنتها قال ابن عباس: لا يحرم الربيبة إلا جماع أمها وبه قال طاوس وعمرو بن دينار لأن الله تعالى قال { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} وهذا ليس بدخول فلا يجوز ترك النص الصريح من أجله وأما تحريم أمها وتحريمها على أبي المباشر لها وابنه فإنها في النكاح تحرم بمجرد العقد قبل المباشرة, فلا يظهر للمباشرة أثر وأما الأمة فمتى باشرها دون الفرج لشهوة فهل يثبت تحريم المصاهرة؟ فيه روايتان إحداهما, ينشرها روى ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو ومسروق وبه قال القاسم بن محمد, والحسن ومكحول والنخعي, والشعبي ومالك والأوزاعي, وأبو حنيفة وعلى بن المديني وهو أحد قولي الشافعي لأنه نوع استمتاع فتعلق به تحريم المصاهرة, كالوطء في الفرج ولأنه تلذذ بمباشرة فيتعلق به التحريم كما لو وطئ والثانية, لا يثبت به التحريم لأنها ملامسة لا توجب الغسل فلم يثبت بها التحريم كما لو لم يكن لشهوة, ولأن ثبوت التحريم إما أن يكون بنص أو قياس على المنصوص ولا نص في هذا, ولا هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه فإن الوطء يتعلق به من الأحكام استقرار المهر, والإحصان والاغتسال والعدة, وإفساد الإحرام والصيام بخلاف اللمس وذكر أصحابنا الروايتين في جميع الصور من غير تفصيل, وهذا الذي ذكرناه أقرب إلى الصواب إن شاء الله سبحانه.

 فصل: 

ومن نظر إلى فرج امرأة بشهوة فهو كلمسها لشهوة, فيه أيضا روايتان إحداهما ينشر الحرمة في الموضع الذي ينشرها اللمس روي عن عمر وابن عمر, وعامر بن ربيعة وكان بدريا وعبد الله بن عمرو في من يشترى الخادم ثم يجردها أو يقبلها, لا يحل لابنه وطؤها وهو قول القاسم والحسن ومجاهد, ومكحول وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة لما روى عبد الله بن مسعود, عن النبي أنه قال: (( من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها وبنتها وفي لفظ: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها )) والثانية, لا يتعلق به التحريم وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم لقوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم} ولأنه نظر من غير مباشرة فلم يوجب التحريم, كالنظر إلى الوجه والخبر ضعيف قاله الدارقطني وقيل: هو موقوف على ابن مسعود ثم يحتمل أنه كنى بذلك عن الوطء وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر حرمة وقال بعض أصحابنا: لا فرق بين النظر إلى الفرج وسائر البدن لشهوة والصحيح خلاف هذا فإن غير الفرج لا يقاس عليه, لما بينهما من الفرق ولا خلاف نعلمه في أن النظر إلى الوجه لا يثبت الحرمة فكذلك غيره, ولا خلاف أيضا في أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر حرمة لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان لغير شهوة فالنظر أولى وموضع الخلاف في اللمس والنظر في من بلغت سنا يمكن الاستمتاع منها كابنة تسع فما زاد, فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك وقد روي عن أحمد في بنت سبع: إذا قبلها حرمت عليه أمها قال القاضي: هذا عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة.

 فصل: 

فإن نظرت المرأة إلى فرج رجل لشهوة فحكمه في التحريم حكم نظره إليها نص عليه أحمد لأنه معنى يوجب التحريم, فاستوى فيه الرجل والمرأة كالجماع وكذلك ينبغي أن يكون حكم لمسها له وقبلتها إياه لشهوة لما ذكرنا.

 فصل: 

فأما الخلوة بالمرأة فالصحيح أنها لا تنشر حرمة وقد روي عن أحمد: إذا خلا بالمرأة, وجب الصداق والعدة ولا يحل له أن يتزوج أمها وابنتها قال القاضي: هذا محمول على أنه حصل مع الخلوة مباشرة فيخرج كلامه على إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما, فأما مع خلوة من ذلك فلا يؤثر في تحريم الربيبة لما في ذلك من مخالفة قوله سبحانه { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} وقوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم} وأما الخلوة بأجنبية أو أمته, فلا تنشر تحريما لا نعلم في ذلك خلافا وكل من حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين لأنه إذا حرم العقد المراد للوطء فالوطء أولى.

 مسألة: 

قال: [وإن تزوج أختين من نسب أو رضاع في عقد واحد, فسد وإن تزوجهما في عقدين فالأولى زوجته والقول فيهما القول في المرأة وعمتها, والمرأة وخالتها] وجملة ذلك أن الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها, محرم فمتى جمع بينهما فعقد عليهما معا لم يصح العقد في واحدة منهما لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما, ولا مزية لإحداهما على الأخرى فيبطل فيهما كما لو زوجت المرأة لرجلين وهكذا لو تزوج خمسا في عقد واحد, بطل في الجميع لذلك وإن تزوجهما في عقدين فنكاح الأولى صحيح لأنه لا جمع فيه ونكاح الثانية باطل لأن الجمع يحصل به, فبالعقد على الأولى تحرم الثانية ولا يصح عقده عليها حتى تبين الأولى منه ويزول نكاحها وعدتها.

 فصل: 

فإن تزوجهما في عقدين, ولم يدر أولاهما فعليه فرقتهما معا قال أحمد في رجل تزوج أختين, لا يدرى أيتهما تزوج أولا: نفرق بينه وبينهما وذلك لأن إحداهما محرمة عليه ونكاحها باطل ولا نعرف المحللة له, فقد اشتبهتا عليه ونكاح إحداهما صحيح ولا تتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما جميعا, أو فسخ نكاحهما فوجب ذلك كما لو زوج الوليان, ولم يعرف الأول منهما وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس, وسواء فعل ذلك بقرعة أو بغير قرعة ولا يخلو من ثلاثة أقسام أحدها أن لا يكون دخل بواحدة منهما, فله أن يعقد على إحداهما في الحال بعد فراق الأخرى الثاني إذا دخل بإحداهما فإن أراد نكاحها, فارق التي لم يصبها بطلقة ثم ترك المصابة حتى تنقضي عدتها ثم نكحها لأننا لا نأمن أن تكون هي الثانية, فيكون قد أصابها في نكاح فاسد فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها ويحتمل أن يجوز له العقد عليها في الحال لأن النسب لاحق به, ولا يصان ذلك عن مائه وإن أحب نكاح الأخرى فارق المصابة بطلقة ثم انتظرها حتى تنقضي عدتها, ثم تزوج أختها القسم الثالث إذا دخل بهما فليس له نكاح واحدة منهما حتى يفارق الأخرى, وتنقضي عدتها من حين فرقتها وتنقضي عدة الأخرى من حين أصابها وإن ولدت منه إحداهما أو هما جميعا, فالنسب لاحق به لأنه إما من نكاح صحيح أو نكاح فاسد وكلاهما يلحق النسب فيه وإن لم يرد نكاح واحدة منهما فارقهما بطلقة طلقة.

 فصل: 

فأما المهر, فإن لم يدخل بواحدة منهما فلإحداهما نصف المهر ولا نعلم من يستحقه منهما, فيصطلحان عليه فإن لم يفعلا أقرع بينهما, فكان لمن خرجت قرعتها مع يمينها وقال أبو بكر: اختيارى أن يسقط المهر إذا كان مجبرا على الطلاق قبل الدخول وإن دخل بواحدة منهما أقرع بينهما فإن وقعت لغير المصابة فلها نصف المهر, وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها وإن وقعت على المصابة فلا شيء للأخرى, وللمصابة المسمى جميعه وإن أصابهما معا فلإحداهما المسمى وللأخرى مهر المثل, يقرع بينهما فيه إن قلنا: إن الواجب في النكاح الفاسد مهر المثل وإن قلنا بوجوب المسمى فيه وجب ها هنا لكل واحدة منهما.

 فصل: 

قال أحمد: إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها, ودخل بها اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية إنما كان كذلك لأنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة, كذلك لا يجوز الوطء لامرأته حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها.

 مسألة: 

قال: [وإن تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد واحد ثبت نكاح الأجنبية] وجملة ذلك أنه إذا عقد النكاح على أخته وأجنبية معا, بأن يكون لرجل أخت وابنة عم إحداهما رضيعة المتزوج فيقول له: زوجتكها معا فيقبل ذلك فالمنصوص هنا صحة نكاح الأجنبية ونص في من تزوج حرة وأمة, على أنه يثبت نكاح الحرة ويفارق الأمة وقيل: فيه روايتان إحداهما يفسد فيهما, وهو أحد قولي الشافعي واختيار أبي بكر لأنها لفظة واحدة جمعت حلالا وحراما, فلم يصح كما لو جمع بين أختين والثانية يصح في الحرة وهي أظهر الروايتين وهذا قول مالك, والثوري وأصحاب الرأي لأنها محل قابل للنكاح أضيف إليها عقد صادر من أهله, لم يجتمع معها فيه مثلها فصح كما لو انفردت به, وفارق العقد على الأختين لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى وهاهنا قد تعينت التي بطل النكاح فيها فعلى هذا القول يكون لها من المسمى بقسط مهر مثلها منه وفيه وجه آخر, أن لها نصف المسمى وأصل هذين الوجهين إذا تزوج امرأتين يجوز له نكاحهما بمهر واحد, هل يكون بينهما على قدر صداقهما أو نصفين؟ على وجهين يأتى ذكرهما -إن شاء الله تعالى-.

 فصل: 

ولو تزوج يهودية ومجوسية, أو محللة ومحرمة في عقد واحد فسد في المجوسية والمحرمة, وفي الأخرى وجهان وإن نكح أربع حرائر وأمة فسد في الأمة وفي الحرائر وجهان وإن نكح العبد حرتين وأمة, بطل نكاح الجميع وإن تزوج امرأة وابنتها فسد فيهما لأن الجمع بينهما محرم فلم يصح فيهما, كالأختين.

مسألة: قال: [وإذا اشترى أختين فأصاب إحداهما لم يصب الأخرى حتى تحرم الأولى ببيع أو نكاح أو هبة, وما أشبهه ويعلم أنها ليست بحامل فإن عادت إلى ملكه, لم يصب واحدة منهما حتى تحرم عليه الأولى] الكلام في هذه المسألة في فصول ستة:

الفصل الأول: أنه يجوز الجمع بين الأختين في الملك بغير خلاف بين أهل العلم وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها ولو اشترى جارية فوطئها, حل له شراء أختها وعمتها وخالتها لأن الملك يقصد به التمول دون الاستمتاع وكذلك حل له شراء المجوسية والوثنية, والمعتدة والمزوجة والمحرمات عليه بالرضاع وبالمصاهرة.

الفصل الثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء نص عليه أحمد, في رواية الجماعة وكرهه عمر وعثمان وعلي, وعمار وابن عمر وابن مسعود وممن قال بتحريمه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة, وجابر بن زيد وطاوس ومالك, والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وروي عن ابن عباس, أنه قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله ويروى ذلك عن على أيضا يريد بالمحرمة قوله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين } وبالمحللة قوله تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } وقد روى ابن منصور عن أحمد, وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام هو؟ قال: لا أقول حرام ولكن ننهى عنه وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم وقال داود وأهل الظاهر: لا يحرم استدلالا بالآية المحللة لأن حكم الحرائر في الوطء مخالف لحكم الإماء, ولهذا تحرم الزيادة على أربع في الحرائر وتباح في الإماء بغير حصر والمذهب تحريمه للآية المحرمة, فإنه يريد بها الوطء والعقد جميعا بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن وآية الحل مخصوصة بالمحرمات جميعهن, وهذه منهن ولأنها امرأة صارت فراشا فحرمت أختها كالزوجة.

الفصل الثالث: أنه إذا كان في ملكه أختان, فله وطء إحداهما في قول أكثر أهل العلم وقال الحكم وحماد: لا يقرب واحدة منهما وروى ذلك عن النخعي وذكره أبو الخطاب مذهبا لأحمد ولنا, أنه ليس يجمع بينهما في الفراش فلم يحرم كما لو كان في ملكه إحداهما فقط.

الفصل الرابع: أنه إذا وطئ إحداهما, فليس له وطء الأخرى قبل تحريم الموطوءة على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج هذا قول على وابن عمر, والحسن والأوزاعي وإسحاق, والشافعي فإن رهنها لم تحل له أختها لأن منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها ولهذا يحل له بإذن المرتهن في وطئها, ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه وقال قتادة: إن استبرأها حلت له أختها لأنه قد زال فراشه ولهذا لو أتت بولد, فنفاه بدعوى الاستبراء انتفى فأشبه ما لو زوجها ولنا قول علي, وابن عمر ولأنه لم يزل ملكه عنها ولا حلها له, فأشبه ما لو وطئت بشبهة فاستبرأها من ذلك الوطء ولأن ذلك لا يمنعه وطأها فلا يأمن عوده إليها, فيكون ذلك ذريعة إلى الجمع بينهما وإن حرم إحداهما على نفسه لم تبح الأخرى لأن هذا لا يحرمها إنما هو يمين يكفر, ولو كان يحرمها إلا أنه لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام وإن كاتب إحداهما, فظاهر كلام الخرقي أنه لا تحل له الأخرى وقال أصحاب الشافعي: تحل له الأخرى وقال أصحاب الشافعي: تحل له الأخرى لأنها حرمت عليه بسبب لا يقدر على رفعه فأشبه التزويج ولنا أنه بسبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرهما, فلم تبح له أختها كالمرهونة.

الفصل الخامس: أنه إذا أخرجها من ملكه لم تحل له أختها, حتى يستبرئ المخرجة ويعلم براءتها من الحمل ومتى كانت حاملا منه لم تحل له أختها حتى تضع حملها لأنه يكون جامعا ماءه في رحم أختين, بمنزلة نكاح الأخت في عدة أختها.

 فصل: 

فإن وطئ أمتيه الأختين معا فوطء الثانية محرم ولا حد فيه, لأن وطأه في ملكه ولأنها مختلف في حكمها وله سبيل إلى استباحتها بخلاف أخته من الرضاع المملوكة له ولا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم الأخرى ويستبرئها وقال القاضي, وأصحاب الشافعي: الأولى باقية على الحل لأن الوطء الحرام لا يحرم الحلال إلا أن القاضي قال: لا يطؤها حتى يستبرئ الثانية ولنا أن الثانية قد صارت فراشا له يلحقه نسب ولدها فحرمت عليه أختها, كما لو وطئها ابتداء وقولهم: إن الحرام لا يحرم الحلال ليس بخبر صحيح وهو متروك بما لو وطئ الأولى في حيض أو نفاس أو إحرام حرمت عليه أختها, وتحرم عليه أمها وابنتها على التأبيد وكذلك لو وطئ امرأة بشبهة في هذه الحال ولو وطئ امرأة حرمت عليه ابنتها سواء وطئها حراما أو حلالا.

 الفصل السادس: 

أنه متى زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له أختها, فوطئها ثم عادت الأولى إلى ملكه فليس له وطء إحداهما حتى تحرم الأخرى, بإخراج عن ملكه أو تزويج نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي: لا يحرم عليه واحدة منهما لأن الأولى لم تبق فراشا فأشبه ما لو وطئ أمة ثم اشترى أختها ولنا أن هذه صارت فراشا, وقد رجعت إليه التي كانت فراشا فحرمت عليه كل واحدة منهما تكون أختها فراشا كما لو انفردت به فأما إن استفرش أمة ثم اشترى أختها, فإن المشتراة لم تكن فراشا له لكن هي محرمة عليه بافتراش أختها ولو أخرج الموطوءة عن ملكه ثم عادت إليه قبل وطء أختها, فهي حلال له وأختها محرمة عليه لأن أختها فراشه.

 فصل: 

وحكم المباشرة من الإماء فيما دون الفرج والنظر إلى الفرج بشهوة, فيما يرجع إلى تحريم الأخت كحكمه في تحريم الربيبة والصحيح أنه لا يحرم لأن الحل ثابت بقوله: { أو ما ملكت أيمانكم} ومخالفة ذلك إنما ثبتت بقوله: { وأن تجمعوا بين الأختين } والمراد به الجمع في العقد أو الوطء ولم يوجد واحد منهما, ولا ما في معناهما.

 فصل: 

فإن زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه فله نكاح أختها وإن عادت الأمة إلى ملكه, فالزوجية بحالها وحلها باق لأن النكاح صحيح وهو أقوى, ولا تحل له الأمة وعنه أنه ينبغي أن تحرم إحداهما لأن أمته التي كانت فراشا قد عادت إليه والمنكوحة مستفرشة فأشبه أمتيه التي وطئ إحداهما بعد تزويج الأخرى, ثم طلق الزوج أختها وإن تزوج امرأة ثم اشترى أختها صح الشراء, ولم تحل له لأن النكاح كالوطء فأشبه ما لو وطئ أمته ثم اشترى أختها فإن وطئ أمته حرمتا عليه حتى يستبرئ الأمة ثم تحل له زوجته دون أمته لأن النكاح أقوى وأسبق, وإنما وجب الاستبراء لئلا يكون جامعا لمائه في رحم أختين ويحتمل أن يحرما عليه جميعا حتى تحرم إحداهما كالأمتين. مسألة: قال: [وعمة الأمة وخالتها في ذلك كأختها] يعني في تحريم الجمع بينهما في الوطء, والتفصيل فيهما كالتفصيل في الأختين على ما ذكرنا.

 مسألة: 

قال: [ولا بأس أن يجمع بين من كانت زوجة رجل وابنته من غيرها] أكثر أهل العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزا لا بأس به, فعله عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أمية وبه قال سائر الفقهاء إلا الحسن, وعكرمة وابن أبي ليلى رويت عنهم كراهته لأن إحداهما لو كانت ذكرا حرمت عليه الأخرى فأشبه المرأة وعمتها ولنا, قول الله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم} ولأنهما لا قرابة بينهما فأشبهتا الأجنبيتين ولأن الجمع حرم خوفا من قطيعة الرحم القريبة بين المتناسبتين, ولا قرابة بين هاتين وبهذا يفارق ما ذكروه.

 فصل: 

ولو كان لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من غيره, أو كان له بنت ولها ابن جاز تزويج أحدهما من الآخر في قول عامة الفقهاء وحكي عن طاوس كراهيته إذا كان مما ولدته المرأة بعد وطء الزوج لها والأول أولى لعموم الآية والمعنى الذي ذكرناه, فإنه ليس بينهما نسب ولا سبب يقتضي التحريم وكونه أخا لأختها لم يرد الشرع بأنه سبب للتحريم, فبقي على الإباحة لعموم الآية ومتى ولدت المرأة من ذلك الرجل ولدا صار عما لولد ولديهما وخالا.

 فصل: 

وإن تزوج امرأة لم تحرم أمها ولا ابنتها على أبيه ولا ابنه فمتى تزوج امرأة وزوج ابنه أمها جاز لعدم أسباب التحريم فإذا ولد لكل واحد منهما ولد, كان ولد الابن خال ولد الأب وولد الأب عم ولد الابن ويروى أن رجلا أتى عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين, إني تزوجت امرأة وزوجت ابني بأمها فأخبرنا فقال عبد الملك: إن أخبرتني بقرابة ولدك من ولد ابنك أخبرتك فقال الرجل: يا أمير المؤمنين, هذا العريان بن الهيثم الذي وليته قائم سيفك إن علم ذلك فلا تخبرني فقال العريان: أحدهما عم الآخر والآخر خاله.

 فصل: 

وإذا تزوج رجل بامرأة, وزوج ابنه بنتها أو أمها فزفت امرأة كل واحد منهما إلى صاحبه فوطئها, فإن وطء الأول يوجب عليه مهر مثلها لأنه وطء شبهة ويفسخ به نكاحها من زوجها لأنها صارت بالوطء حليلة ابنه أو أبيه ويسقط به مهر الموطوءة عن زوجها لأن الفسخ جاء من قبلها, بتمكينها من وطئها ومطاوعتها عليه ولا شيء لزوجها على الواطئ لأنه لم يلزمه شيء يرجع به, ولأن المرأة مشاركة في إفساد نكاحها بالمطاوعة فلم يجب على زوجها شيء كما لو انفردت به ويحتمل أن يلزمه لزوجها نصف مهر مثلها لأنه أفسد نكاحها قبل الدخول, أشبه المرأة تفسد نكاحه بالرضاع وينفسخ نكاح الواطئ أيضا لأن امرأته صارت أما لموطوءته أو بنتا لها ولها نصف المسمى فأما وطء الثاني فيوجب مهر المثل للموطوءة خاصة فإن أشكل الأول, انفسخ النكاحان ولكل واحدة مهر مثلها على واطئها ولا يثبت رجوع أحدهما على الآخر, ويجب لامرأة كل واحد منهما على الآخر نصف المسمى ولا يسقط بالشك.

 مسألة: 

قال: [رائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين] ليس بين أهل العلم بحمد الله, اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب وممن روى عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة, وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك وروى الخلال, بإسناده أن حذيفة وطلحة, والجارود بن المعلى وأذينة العبدى تزوجوا نساء من أهل الكتاب وبه قال سائر أهل العلم وحرمته الإمامية, تمسكا بقوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } { ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ولنا قول الله تعالى { اليوم أحل لكم الطيبات إلى قوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } وإجماع الصحابة فأما قوله سبحانه { ولا تنكحوا المشركات } فروي عن ابن عباس أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى لأنهما متقدمتان, والآية التي في أول المائدة متأخرة عنهما وقال آخرون: ليس هذا نسخا فإن لفظة المشركين بإطلاقها لا تتناول أهل الكتاب بدليل قوله سبحانه { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } وقال { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } وقال: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } وقال: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين } وسائر أي القرآن يفصل بينهما, فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب وهذا معنى قول سعيد بن جبير وقتادة, ولأن ما احتجوا به عام في كل كافرة وآيتنا خاصة في حل أهل الكتاب والخاص يجب تقديمه إذا ثبت هذا, فالأولى أن لا يتزوج كتابية لأن عمر قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: طلقوهن فطلقوهن إلا حذيفة فقال له عمر: طلقها قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي جمرة طلقها قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي جمرة قال: قد علمت أنها جمرة, ولكنها لي حلال فلما كان بعد طلقها فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يرى الناس إني ركبت أمرا لا ينبغي لي ولأنه ربما مال إليها قلبه ففتنته وربما كان بينهما ولد فيميل إليها.

 فصل: 

وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم, هم أهل التوراة والإنجيل قال الله تعالى: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } فأهل التوراة اليهود والسامرة وأهل الإنجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم وأما الصابئون فاختلف فيهم السلف كثيرا, فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى ونص عليه الشافعي وعلق القول فيهم في موضع آخر وعن أحمد أنه قال: بلغني أنهم يسبتون فهؤلاء إذا يشبهون اليهود والصحيح فيهم أنهم إن كانوا يوافقون النصارى أو اليهود في أصل دينهم ويخالفونهم في فروعه, فهم ممن وافقوه وإن خالفوهم في أصل الدين فليس هم منهم والله أعلم وأما من سوى هؤلاء من الكفار, مثل المتمسك بصحف إبراهيم وشيث وزبور داود فليسوا بأهل كتاب, ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم وهذا قول الشافعي وذكر القاضي فيهم وجها آخر أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم, ونكاح نسائهم ويقرون بالجزية لأنهم تمسكوا بكتاب من كتب الله عز وجل فأشبهوا اليهود والنصارى ولنا, قول الله تعالى: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } ولأن تلك الكتب كانت مواعظ وأمثالا لا أحكام فيها فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الأحكام.

 فصل: 

وليس للمجوس كتاب, ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم نص عليه أحمد وهو قول عامة العلماء إلا أبا ثور, فإنه أباح ذلك لقول النبي -ﷺ- (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )) ولأنه يروى أن حذيفة تزوج مجوسية ولأنهم يقرون بالجزية فأشبهوا اليهود والنصارى ولنا قول الله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات } وقوله: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } فرخص من ذلك في أهل الكتاب, فمن عداهم يبقى على العموم ولم يثبت أن للمجوس كتابا وسئل أحمد أيصح عن على أن للمجوس كتابا؟ فقال: هذا باطل واستعظمه جدا ولو ثبت أن لهم كتابا, فقد بينا أن حكم أهل الكتاب لا يثبت لغير أهل الكتابين وقوله عليه السلام: (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب )) دليل على أنه لا كتاب لهم وإنما أراد به النبي -ﷺ- في حقن دمائهم وإقرارهم بالجزية لا غير, وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة كتاب غلب ذلك في تحريم دمائهم فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم وذبائحهم, فإننا إذا غلبنا الشبهة في التحريم فتغليب الدليل الذي عارضته الشبهة في التحريم أولى ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية وضعف أحمد رواية من روي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية وقال: أبو وائل يقول: تزوج يهودية وهو أوثق ممن روي عنه أنه تزوج مجوسية وقال: ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة نصرانية ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح, على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفته الكتاب وقول سائر العلماء وأما إقرارهم بالجزية فلأننا غلبنا حكم التحريم لدمائهم, فيجب أن يغلب حكم التحريم في ذبائحهم ونسائهم.

فصل: وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم وذلك لما ذكرنا من الآيتين, وعدم المعارض لهما والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه ففي حلها أولى.

مسألة: قال: [وإذا كان أحد أبوى الكافرة كتابيا والآخر وثنيا, لم ينكحها مسلم] وجملته أنه إذا كان أحد أبوى الكتابية غير كتابي لم يحل نكاحها سواء كان وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا وبهذا قال الشافعي, فيما إذا كان الأب غير كتابي لأن الولد ينسب إلى أبيه ويشرف بشرفه وينسب إلى قبيلته وإن كانت الأم غير كتابية فله فيه قولان ولنا, أنها غير متمحضة من أهل الكتاب فلم يجز للمسلم نكاحها كما لو كان أبوها وثنيا, ولأنها متولدة بين من يحل وبين من لا يحل فلم يحل كالسمع والبغل ويحتمل أن تحل بكل حال, لدخولها في عموم الآية المبيحة ولأنها كتابية تقر على دينها فأشبهت من أبواها كتابيان والحكم في من أبواها غير كتابيين, كالحكم في من أحد أبويها كذلك لأنها إذا حرمت لكون أحد أبويها وثنيا فلأن تحرم إذا كانا وثنيين أولى والاحتمال الذي ذكرناه ثم متحقق ها هنا اعتبارا بحال نفسها دون أبويها.

مسألة: قال: [وإذا تزوج كتابية, فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب أجبرت على الإسلام فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها, انفسخ نكاحها] الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة:

الأول: أن الكتأبي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه لا نعلم في هذا خلافا فإنه إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله بالجزية, كعبادة الأوثان وغيرها مما يستحسنه فالأصلى منهم لا يقر على دينه, فالمنتقل إليه أولى وإن انتقل إلى المجوسية لم يقر أيضا لأنه انتقل إلى أنقص من دينه فلم يقر عليه, كالمسلم إذا ارتد فأما إن انتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب كاليهودي يتنصر أو النصراني يتهود, ففيه روايتان إحداهما لا يقر أيضا لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه, فلم يقر عليه كالمرتد والثانية يقر عليه نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال وصاحبه, وقول أبي حنيفة لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب فأشبه غير المنتقل وللشافعي قولان كالروايتين فأما المجوسي إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه لم يقر, كأهل ذلك الدين وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب خرج فيه الروايتان وسواء فيما ذكرنا الرجل والمرأة لعموم قوله عليه السلام: (( من بدل دينه فاقتلوه )) ولعموم المعنى الذي ذكرناه فيهما جميعا

الفصل الثاني: أن المنتقل إلى غير دين أهل الكتاب, لا يقبل منه إلا الإسلام نص عليه أحمد واختاره الخلال وصاحبه وهو أحد أقوال الشافعي لأن غير الإسلام أديان باطلة قد أقر ببطلانها فلم يقر عليها كالمرتد وعن أحمد أنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه لأن دينه الأول قد أقررناه عليه مرة ولم ينتقل إلى خير منه فنقره عليه إن رجع إليه, ولأنه منتقل من دين يقر أهله عليه إلى دين لا يقر أهله عليه فيقبل منه الرجوع إليه, كالمرتد إذا رجع إلى الإسلام وعن أحمد رواية ثالثة أنه يقبل منه أحد ثلاثة أشياء الإسلام, أو الرجوع إلى دينه الأول أو دين يقر أهله عليه لعموم قوله تعالى: { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب وقلنا: لا يقر ففيه الروايتان إحداهما, لا يقبل منه إلا الإسلام والأخرى لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه

الفصل الثالث: في صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه وفيه روايتان إحداهما أنه يقتل إن لم يرجع, رجلا كان أو امرأة لعموم قوله عليه السلام: (( من بدل دينه فاقتلوه )) ولأنه ذمى نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب؟ يحتمل وجهين أحدهما يستتاب لأنه يسترجع عن دين باطل انتقل إليه, فيستتاب كالمرتد والثاني: لا يستتاب لأنه كافر أصلى أبيح قتله فأشبه الحربى فعلى هذا إن بادر وأسلم, أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلا قتل والرواية الثانية عن أحمد قال: إذا دخل اليهودي في النصرانية, رددته إلى اليهودية ولم أدعه فيما انتقل إليه فقيل له: أتقتله؟ قال: لا, ولكن يضرب ويحبس قال: وإن كان نصرانيا أو يهوديا فدخل في المجوسية كان أغلظ لأنه لا تؤكل ذبيحته, ولا تنكح له امرأة ولا يترك حتى يرد إليها فقيل له: تقتله إذا لم يرجع؟ قال: إنه لأهل ذلك وهذا نص في أن الكتابي المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب لا يقتل بل يكره بالضرب والحبس.

الفصل الرابع: أن امرأة المسلم الذمية, إذا انتقلت إلى دين غير دين أهل الكتاب فهي كالمرتدة لأن غير أهل الكتاب لا يحل نكاح نسائهم فمتى كان قبل الدخول, انفسخ نكاحها في الحال ولا مهر لها لأن الفسخ من قبلها وإن كان بعده, وقف على انقضاء العدة في إحدى الروايتين والأخرى ينفسخ في الحال أيضا

مسألة: قال: [وأمته الكتابية حلال له, دون أمته المجوسية] الكلام في هذه المسألة في فصلين:

أحدهما: أن أمته الكتابية حلال له وهذا قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه كرهه لأن الأمة الكتابية يحرم نكاحها فحرم التسري بها كالمجوسية ولنا, قول الله تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ولأنها ممن يحل نكاح حرائرهم فحل له التسري بها كالمسلمة فأما نكاحها فيحرم لأن فيه إرقاق ولده, وإبقاءه مع كافرة بخلاف التسري.

الفصل الثاني: أن من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات وسائر الكوافر سوى أهل الكتاب, لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين في قول أكثر أهل العلم منهم مرة الهمداني والزهري, وسعيد بن جبير والأوزاعي والثوري, وأبو حنيفة ومالك والشافعي وقال ابن عبد البر: على هذا جماعة فقهاء الأمصار, وجمهور العلماء وما خالفه فشذوذ لا يعد خلافا ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس ووجه قوله عموم قوله تعالى: { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } والآية الأخرى وروى أبو سعيد (( أن رسول الله -ﷺ- بعث يوم حنين بعثا قبل أوطاس, فأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله -ﷺ- تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين, فأنزل الله عز وجل في ذلك: { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال: فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن )) وعنه (( , أن رسول الله -ﷺ- قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة )) رواهما أبو داود وهو حديث صحيح وهم عبدة أوثان وهذا ظاهر في إباحتهن ولأن الصحابة في عصر النبي -ﷺ- كان أكثر سباياهم من كفار العرب, وهم عبدة أوثان فلم يكونوا يرون تحريمهن لذلك ولا نقل عن النبي -ﷺ- تحريمهن, ولا أمر الصحابة باجتنابهن وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من بعض السبى نفلها إياه, وأخذ عمر وابنه من سبى هوازن وكذلك غيرهما من الصحابة والحنفية أم محمد ابن الحنفية من سبى بني حنيفة, وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهم مجوس فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن, وهذا ظاهر في إباحتهن لولا اتفاق أهل العلم على خلافه وقد أجبت عن حديث أبي سعيد بأجوبة منها أنه يحتمل أنهن أسلمن, كذلك روي عن أحمد أنه سأله محمد بن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله: هوازن أليس كانوا عبدة أوثان؟ قال: لا أدرى كانوا أسلموا أو لا وقال ابن عبد البر: إباحة وطئهن منسوخة بقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}.

مسألة: قال: [وليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية] لأن الله تعالى قال: {من فتياتكم المؤمنات} هذا ظاهر مذهب أحمد رواه عنه جماعة وهو قول الحسن, والزهري ومكحول ومالك, والشافعي والثوري والأوزاعي, والليث وإسحاق وروى ذلك عن عمر وابن مسعود, ومجاهد وقال أبو ميسرة وأبو حنيفة: يجوز للمسلم نكاحها لأنها تحل بملك اليمين فحلت بالنكاح كالمسلمة ونقل ذلك عن أحمد قال: لا بأس بتزويجها إلا أن الخلال رد هذه الرواية, وقال: إنما توقف أحمد فيها ولم ينفذ له قول ومذهبه أنها لا تحل لقول الله تعالى: { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} فشرط في إباحة نكاحهن الإيمان, ولم يوجد وتفارق المسلمة لأنه لا يؤدى إلى استرقاق الكافر ولدها, لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة والكافرة تكون ملكا لكافر ويقر ملكه عليها وولدها مملوك لسيدها, ولأنه قد اعتورها نقصان نقص الكفر والملك فإذا اجتمعا منعا, كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر وعدم الكتاب لم يبح نكاحها ولا فرق بين الحر والعبد في تحريم نكاحها لعموم ما ذكرنا من الدليل, ولأن ما حرم على الحر تزويجه لأجل دينه حرم على العبد كالمجوسية. مسألة: قال: [ولا لحر مسلم أن يتزوج أمة مسلمة, إلا أن لا يجد طولا بحرة مسلمة ويخاف العنت] الكلام في هذه المسألة في شيئين: أحدهما: أنه يحل له نكاح الأمة المسلمة إذا وجد فيه الشرطان, عدم الطول وخوف العنت وهذا قول عامة العلماء لا نعلم بينهم اختلافا فيه والأصل فيه قول الله سبحانه: { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية والصبر عنها مع ذلك خير وأفضل لقول الله تعالى: { وأن تصبروا خير لكم} والثاني: إذا عدم الشرطان أو أحدهما, لم يحل نكاحها لحر. روى ذلك عن جابر وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس, والزهري وعمرو بن دينار ومكحول, ومالك والشافعي وإسحاق وقال مجاهد: مما وسع الله على هذه الأمة, نكاح الأمة وإن كان موسرا وبه قال أبو حنيفة إلا أن يكون تحته حرة لأن القدرة على النكاح لا تمنع النكاح, كما يمنعه وجود النكاح كنكاح الأخت والخامسة وقال قتادة والثوري: إذا خاف العنت حل له نكاح الأمة, وإن وجد الطول لأن إباحتها لضرورة خوف العنت وقد وجدت فلا يندفع إلا بنكاح الأمة, فأشبه عادم الطول ولنا قول الله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } إلى قوله: { ذلك لمن خشى العنت منكم } فشرط في نكاحها عدم استطاعة الطول فلم يجز مع الاستطاعة كالصوم في كفارة الظهار مع عدم استطاعة الإعتاق, ولأن في تزويج الأمة إرقاق ولده مع الغني عنه فلم يجز كما لو كان تحته حرة وقياسهم ليس بصحيح فإن نكاح الخامسة والأخت, إنما حرم لأجل الجمع وبالقدرة على الجمع لا يصير جامعا والعلة ها هنا, هو الغني عن إرقاق ولده وذلك يحصل بالقدرة على نكاح الحرة وأما من يجد الطول ويخاف العنت فإن كان ذلك لكونه لا يجد إلا حرة صغيرة أو غائبة أو مريضة لا يمكن وطؤها, أو وجد مالا ولم يتزوج لقصور نسبه فله نكاح الأمة لأنه عاجز عن حرة تعفه وإن كانت الحرة في حبالة غيره فله نكاح أمة نص عليه أحمد في الغائبة وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم: لا يجوز لوجدان الطول ولنا, أنه غير مستطيع للطول إلى حرة تعفه فأشبه من لا يجد شيئا ألا ترى أن الله سبحانه جعل ابن السبيل الذي له اليسار في بلده فقيرا لعدم قدرته عليه في الحال, وإن كانت له حرة يتمكن من وطئها والعفة بها فليس بخائف العنت.

 فصل: 

وإن قدر على تزويج كتابية تعفه, لم يحل له نكاح الأمة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وذكروا وجها آخر أنه يجوز له لقول الله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات } وهذا غير مستطيع لذلك ولنا قول الله تعالى: { ذلك لمن خشى العنت منكم } وهذا غير خائف له, ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق فلم يجز له إرقاقه كما لو قدر على نكاح مؤمنة.

 فصل: 

ومن كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها, لم يجز له نكاح أمة لا نعلم في هذا خلافا ولا فرق بين الكتابية والمسلمة في ذلك لما ذكرنا من قبل.

 فصل: 

فإن لم يجد طولا لكن وجد من يقرضه ذلك, لم يلزمه لأن عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته ولصاحبه مطالبته به في الحال وكذلك إن رضيت الحرة بتأخير صداقها أو تفويض بضعها لأن لها مطالبته بعوضه وكذلك إن بذل له باذل أن يزنه عنه, أو يهبه إياه لم يلزمه قبوله لما عليه من ضرر المنة وله في ذلك كله نكاح الأمة وإن لم يجد من يزوجه إلا بأكثر من مهر المثل, وكان قادرا عليه ولا يجحف به لم يكن له نكاح الأمة وقال أصحاب الشافعي: له ذلك, كما لو لم يجد الماء إلا بزيادة عن ثمن المثل فله التيمم ولنا قول الله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا } وهذا مستطيع, ولأنه قادر على نكاح حرة بما لا يضره فلم يجز له إرقاق ولده كما لو كان بمهر مثلها, ولا نسلم ما ذكروه في التيمم ثم هذا مفارق للتيمم من وجهين أحدهما أن التيمم رخصة عامة, وهذا أبيح للضرورة ومع القدرة على الحرة لا ضرورة والثاني أن التيمم يتكرر, فإيجاب شرائه بزيادة على ثمن المثل يفضي إلى الإجحاف به وهذا لا يتكرر فلا ضرر فيه.

 فصل: 

وإن كان في يده مال, فذكر أنه معسر وأن المال لغيره فالقول قوله لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فقبل قوله فيه, كما لو ادعى مخافة العنت ومتى تزوج الأمة ثم أقر أنه كان موسرا حال النكاح فرق بينهما لأنه أقر بفساد نكاحه وهكذا إن أقر أنه لم يكن يخشى العنت فإن كان قبل الدخول وصدقه السيد, فلا مهر وإن كذبه فله نصف المسمى لأنه يدعى صحة النكاح والأصل معه, وإن كان بعد الدخول فعليه المسمى جميعه إلا أن يكون مهر المثل أكثر, فعلى قول من أوجب مهر المثل في النكاح الفاسد يلزمه مهر المثل لإقراره به وإن كان المسمى أكثر وجب وللسيد ألا يصدقه فيما قال, فيكون له من المهر ما يجب في النكاح الفاسد وهل ذلك المسمى أو مهر المثل؟ على روايتين.

 مسألة: 

قال: [ومتى عقد عليها وفيه الشرطان عدم الطول وخوف العنت ثم أيسر, لم ينفسخ النكاح] هذا ظاهر المذهب وهو مذهب الشافعي وفي المذهب وجه آخر, أنه يفسد النكاح وهو قول المزني لأنه إنما أبيح للحاجة فإذا زالت الحاجة لم يجز له استدامته كمن أبيح له أكل الميتة للضرورة, فإذا وجد الحلال لم يستدمه ولنا أن فقد الطول أحد شرطى إباحة نكاح الأمة فلم تعتبر استدامته, كخوف العنت ويفارق أكل الميتة فإن أكلها بعد القدرة ابتداء للأكل, وهذا لا يبتدئ النكاح إنما يستديمه والاستدامة للنكاح تخالف ابتداءه بدليل أن العدة والردة وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته.

 فصل: 

وإن تزوج على الأمة حرة, صح وفي بطلان نكاح الأمة روايتان إحداهما لا يبطل وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء, والشافعي وأصحاب الرأي وروى معنى ذلك عن على رضي الله عنه والرواية الثانية ينفسخ نكاح الأمة وهو قول ابن عباس ومسروق, وإسحاق والمزني ووجه الروايتين ما تقدم في المسألة وقال النخعي إن كان له من الأمة ولد لم يفارقها, وإلا فارقها ولا يصح لأن ما كان مبطلا للنكاح في غير ذات الولد أبطله في ذات الولد كسائر مبطلاته ولأن ولده منها مملوك لسيدها, ونفقته عليه وقد استدل على بقاء النكاح بما روي عن على أنه قال: إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة فإنه لو بطل بنكاح الحرة, لبطل بالقدرة عليه فإن القدرة على المبدل كاستعماله بدليل الماء مع التراب.

 مسألة: 

قال: [وله أن ينكح من الإماء أربعا, إذا كان الشرطان فيه قائمين] اختلفت الرواية عن أحمد في إباحة أكثر من أمة إذا لم تعفه فعنه أنه قال: إذا خشى العنت تزوج أربعا إذا لم يصبر كيف يصنع؟ وهذا قول الزهري, والحارث العكلى ومالك وأصحاب الرأي والرواية الثانية, قال أحمد: لا يعجبني أن يتزوج إلا أمة واحدة يذهب إلى حديث ابن عباس وهو ما روي عن ابن عباس: أن الحر لا يتزوج من الإماء إلا واحدة وقرأ: { ذلك لمن خشى العنت منكم } وبه قال قتادة والشافعي, وابن المنذر لأن من له زوجة يمكنه وطؤها لا يخشى العنت ووجه الأولى قوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية وهذا داخل في عمومها ولأنه عادم للطول خائف للعنت, فجاز له نكاح أمة كالأولى وقولهم: لا يخشى العنت قلنا: الكلام في من يخشاه ولا نبيحه إلا له وقول ابن عباس يحمل على من لم يخش العنت, وكذلك الرواية الأخرى عن أحمد وإن تزوج حرة فلم تعفه فذكر فيها أبو الخطاب روايتين مثل نكاح الأمة في حق من تحته أمة لم تعفه لما ذكرنا وإن كانت الحرة تعفه, فلا خلاف في تحريم نكاح الأمة وإن نكح أمة تعفه لم يكن له أن ينكح أخرى فإن نكحها, فنكاحها باطل لأنه يبطل في إحداهما وليست إحداهما بأولى من الأخرى فبطل, كما لو جمع بين أختين.

 فصل: 

وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين أحدهما انقضاء عدتها, فإن حملت من الزنى فقضاء عدتها بوضعه ولا يحل نكاحها قبل وضعه وبهذا قال مالك وأبو يوسف وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وفي الأخرى قال: يحل نكاحها ويصح وهو مذهب الشافعي لأنه وطء لا يلحق به النسب فلم يحرم النكاح, كما لو لم تحمل ولنا قول النبي -ﷺ-: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه زرع غيره )) يعني وطء الحوامل وقول النبي -ﷺ-: (( لا توطأ حامل حتى تضع )) صحيح, وهو عام وروي عن سعيد بن المسيب (( أن رجلا تزوج امرأة فلما أصابها وجدها حبلى, فرفع ذلك إلى النبي -ﷺ- ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مائة )) رواه سعيد (( ورأى النبي -ﷺ- امرأة مجحا على باب فسطاط, فقال: لعله يريد أن يلم بها؟ قالوا: نعم قال: لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ أم كيف يورثه وهو لا يحل له؟ )) أخرجه مسلم ولأنها حامل من غيره فحرم عليه نكاحها, كسائر الحوامل وإذا ثبت هذا لزمتها العدة وحرم عليها النكاح فيها لأنها في الأصل لمعرفة براءة الرحم ولأنها قبل العدة يحتمل أن تكون حاملا, فيكون نكاحها باطلا فلم يصح كالموطوءة بشبهة وقال أبو حنيفة والشافعي: لا عدة عليها لأنه وطء لا تصير به المرأة فراشا, فأشبه وطء الصغير ولنا ما ذكرناه لأنه إذا لم يصح نكاح الحامل, فغيرها أولى لأن وطء الحامل لا يفضي إلى اشتباه النسب وغيرها يحتمل أن يكون ولدها من الأول, ويحتمل أن يكون من الثاني فيفضي إلى اشتباه الأنساب فكان بالتحريم أولى, ولأنه وطء في القبل فأوجب العدة كوطء الشبهة, ولا نسلم وطء الصغير الذي يمكن منه الوطء والشرط الثاني أن تتوب من الزنا وبه قال قتادة, وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو حنيفة ومالك, والشافعي: لا يشترط ذلك لما روى أن عمر ضرب رجلا وامرأة في الزنى وحرص أن يجمع بينهما فأبي الرجل وروى أن رجلا سأل ابن عباس عن نكاح الزانية, فقال: يجوز أرأيت لو سرق من كرم ثم ابتاعه, أكان يجوز؟ ولنا قول الله تعالى: { والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك إلى قوله: وحرم ذلك على المؤمنين } وهي قبل التوبة في حكم الزنى فإذا تابت زال ذلك لقول النبي -ﷺ- (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) وقوله (( التوبة تمحو الحوبة )) وروى (( أن مرثدا دخل مكة, فرأى امرأة فاجرة يقال لها عناق فدعته إلى نفسها فلم يجبها, فلما قدم المدينة سأل رسول الله -ﷺ- فقال له: أنكح عناقا؟ فلم يجبه فأنزل الله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فدعاه رسول الله -ﷺ- فتلا عليه الآية وقال: لا تنكحها )) ولأنها إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن أن تلحق به ولدا من غيره, وتفسد فراشه فأما حديث عمر فالظاهر أنه استتابها وحديث ابن عباس ليس فيه بيان ولا تعرض له لمحل النزاع إذا ثبت هذا فإن عدة الزانية كعدة المطلقة لأنه استبراء لحرة, فأشبه عدة الموطوءة بشبهة وحكى ابن أبي موسى أنها تستبرأ بحيضه لأنه ليس من نكاح ولا شبهة نكاح فأشبه استبراء أم الولد إذا عتقت وأما التوبة, فهي الاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب كالتوبة من سائر الذنوب وروي عن ابن عمر أنه قيل له: كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك, فإن طاوعته فلم تتب وإن أبت فقد تابت فصار أحمد إلى قول ابن عمر اتباعا له والصحيح الأول فإنه لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنى, ويطلبه منها ولأن طلبه ذلك منها إنما يكون في خلوة ولا تحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن, فكيف يحل في مراودتها على الزنى ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن تعود إلى المعصية فلا يحل للتعرض لمثل هذا, ولأن التوبة من سائر الذنوب وفي حق سائر الناس وبالنسبة إلى سائر الأحكام, على غير هذا الوجه فكذلك يكون هذا.

 فصل: 

وإذا وجد الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره في قول أكثر أهل العلم, منهم أبو بكر وعمر وابنه, وابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب, وطاوس وجابر بن زيد وعطاء, والحسن وعكرمة والزهري, والثوري والشافعي وابن المنذر, وأصحاب الرأي وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة, أنها لا تحل للزاني بحال قالوا: لا يزالان زانيين ما اجتمعا لعموم الآية والخبر ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة أو قبل استبرائها, فيكون كقولنا فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح لقوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } ولأنها محللة لغير الزاني فحلت له كغيرها.

 فصل: 

وإن زنت امرأة رجل, أو زنى زوجها لم ينفسخ النكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده, في قول عامة أهل العلم وبذلك قال مجاهد وعطاء والنخعي, والثوري والشافعي وإسحاق, وأصحاب الرأي وعن جابر بن عبد الله أن المرأة إذا زنت يفرق بينهما وليس لها شيء وكذلك روي عن الحسن وعن على رضي الله عنه أنه فرق بين رجل وامرأته زنى قبل الدخول بها واحتج لهم بأنه لو قذفها ولاعنها بانت منه لتحقيقه الزنى عليها, فدل على أن الزنى يبينها ولنا أن دعواه الزنى عليها لا يبينها ولو كان النكاح ينفسخ به لانفسخ بمجرد دعواه, كالرضاع ولأنها معصية لا تخرج عن الإسلام فأشبهت السرقة, فأما اللعان فإنه يقتضي الفسخ بدون الزنى بدليل أنها إذا لاعنته فقد قابلته فلم يثبت زناها, ولذلك أوجب النبي -ﷺ- الحد على من قذفها والفسخ واقع ولكن أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت وقال: لا أرى أن يمسك مثل هذه وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه, وتلحق به ولدا ليس منه قال ابن المنذر: لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم فيكون مثل قول أحمد هذا قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض وذلك لما روى رويفع بن ثابت قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول يوم حنين: (( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره )) يعني إتيان الحبالى ولأنها ربما تأتى بولد من الزنى فينسب إليه والأولى أنه يكفى استبراؤها بالحيضة الواحدة لأنها تكفى في استبراء الإماء, وفي أم الولد إذا عتقت بموت سيدها أو بإعتاق سيدها فيكفى ها هنا, والمنصوص ها هنا مجرد الاستبراء وقد حصل بحيضة فيكتفى بها.

 فصل: 

وإذا علم الرجل من جاريته الفجور فقال أحمد: لا يطؤها لعلها تلحق به ولدا ليس منه قال ابن مسعود: أكره أن أطأ أمتى وقد بغت وروى مالك, عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان ينهى أن يطأ الرجل أمته وفي بطنها ولد جنين لغيره قال ابن عبد البر: هذا مجمع على تحريمه وكان ابن عباس يرخص في وطء الأمة الفاجرة وروى ذلك عن سعيد بن المسيب ولعل من كره ذلك كرهه قبل الاستبراء, أو إذا لم يحصنها ويمنعها من الفجور ومن أباحه بعدهما فيكون القولان متفقين والله تعالى أعلم.

 مسألة: 

قال: [ومن خطب امرأة, فلم تسكن إليه فلغيره خطبتها] الخطبة بالكسر: خطبة الرجل المرأة لينكحها والخطبة, بالضم: هي حمد الله والتشهد ولا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام:

 أحدها: أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه, أو تأذن لوليها في إجابته أو تزويجه فهذه يحرم على غير خاطبها خطبتها لما روى ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: (( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه )) وعن أبي هريرة, عن النبي -ﷺ- قال: (( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك )) متفق عليهما ولأن في ذلك إفسادا على الخاطب الأول وإيقاع العداوة بين الناس, ولذلك نهى النبي -ﷺ- عن بيع الرجل على بيع أخيه ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم إلا أن قوما حملوا النهى على الكراهة والظاهر أولى. 
 القسم الثاني: أن ترده أو لا تركن إليه فهذه يجوز خطبتها لما روت فاطمة بنت قيس (( أنها أتت النبي -ﷺ- فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها, فقال رسول الله -ﷺ-: أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه, انكحى أسامة بن زيد )) متفق عليه فخطبها النبي -ﷺ- بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية وأبي جهم لها ولأن تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرار بها فإنه لا يشاء أحد أن يمنع المرأة النكاح إلا منعها بخطبته إياها, وكذلك لو عرض لها في عدتها بالخطبة فقال: لا تفوتيني بنفسك وأشباه هذا لم تحرم خطبتها لأن في قصة فاطمة أن النبي -ﷺ- قال لها (( لا تفوتينا بنفسك ولم ينكر خطبة أبي جهم ومعاوية لها )) وذكر ابن عبد البر, أن ابن وهب روى بإسناده عن الحارث بن سعد بن أبي ذباب أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير بن عبد الله وعلى مروان بن الحكم, وعلى عبد الله بن عمر فدخل على المرأة وهي جالسة في بيتها فقال عمر: إن جرير بن عبد الله يخطب, وهو سيد أهل المشرق ومروان يخطب وهو سيد شباب قريش, وعبد الله بن عمر يخطب وهو من قد علمتم وعمر بن الخطاب, فكشفت المرأة الستر فقالت: أجاد أمير المؤمنين؟ فقال: نعم فقالت: فقد أنكحت أمير المؤمنين فأنكحوه فهذا عمر قد خطب على واحد بعد واحد, قبل أن يعلم ما تقول المرأة في الأول. 
 القسم الثالث: أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضى والسكون تعريضا لا تصريحا كقولها: ما أنت إلا رضي, وما عنك رغبة فهذه في حكم القسم الأول لا يحل لغيره خطبتها هذا ظاهر كلام الخرقي وظاهر كلام أحمد فإنه قال: إذا ركن بعضهم إلى بعض, فلا يحل لأحد أن يخطب والركون يستدل عليه بالتعريض تارة وبالتصريح أخرى وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد إباحة خطبتها وهو مذهب الشافعي في الجديد لحديث فاطمة حيث خطبها النبي -ﷺ- وزعموا أن الظاهر من كلامها ركونها إلى أحدهما واستدل القاضي بخطبته لها قبل سؤالها هل وجد منها ما دل على الرضى أو لا؟ ولنا, عموم قوله عليه السلام: (( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه )) ولأنه وجد منها ما دل على الرضى به وسكونها إليه فحرمت خطبتها, كما لو صرحت بذلك وأما حديث فاطمة فلا حجة لهم فيه فإن فيه ما يدل على أنها لم تركن إلى واحد منهما من وجهين أحدهما, أن النبي -ﷺ- قد كان قال لها: (( لا تسبقيني بنفسك وفي لفظ: لا تفوتيني بنفسك وفي رواية: إذا حللت فآذنيني فلم تكن لتفتات بالإجابة قبل أن تؤذن رسول الله -ﷺ- )) والثاني أنها ذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- كالمستشيرة له فيهما أو في العدول عنهما إلى غيرهما, وليس في الاستشارة دليل على ترجيح أحد الأمرين ولا ميل إلى أحدهما على أنها إنما ذكرت ذلك للنبي -ﷺ- لترجع إلى قوله ورأيه, وقد أشار عليها بتركهما لما ذكر من عيبهما فجرى ذلك مجرى ردها لهما وتصريحها بمنعهما ومن وجه آخر, أن النبي -ﷺ- قد سبقهما بخطبتها تعريضا بقوله لها ما ذكرنا فكانت خطبته بعدهما مبنية على الخطبة السابقة لهما, بخلاف ما نحن فيه. 
  

فصل: والتعويل في الرد والإجابة على الولي إن كانت مجبرة وعليها إن لم تكن مجبرة لأنها أحق بنفسها من وليها ولو أجاب هو, ورغبت عن النكاح كان الأمر أمرها وإن أجاب وليها فرضيت, فهو كإجابتها وإن سخطت فلا حكم لإجابته لأن الحق لها ولو أجاب الولي في حق المجبرة فكرهت المجاب, واختارت غيره سقط حكم إجابة وليها لكون اختيارها مقدما على اختياره وإن كرهته ولم تجز سواه, فينبغي أن يسقط حكم الإجابة أيضا لأنه قد أمر باستئمارها فلا ينبغي له أن يكرهها على من لا ترضاه وإن أجابته ثم رجعت عن الإجابة وسخطته, زال حكم الإجابة لأن لها الرجوع وكذلك إذا رجع الولي المجبر عن الإجابة زال حكمها لأن له النظر في أمر موليته ما لم يقع العقد وإن لم ترجع هي ولا وليها, ولكن ترك الخاطب الخطبة أو أذن فيها جازت خطبتها لما روى في حديث ابن عمر, عن النبي -ﷺ- ((أنه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يأذن له أو يترك )) رواه البخاري.

فصل: وخطبة الرجل على خطبة أخيه في موضع النهى محرمة قال أحمد: لا يحل لأحد أن يخطب في هذه الحال وقال أبو حفص العكبرى: هي مكروهة غير محرمة وهذا نهى تأديب لا تحريم ولنا, ظاهر النهى فإن مقتضاه التحريم ولأنه نهى عن الإضرار بالآدمى المعصوم, فكان على التحريم كالنهى عن أكل ماله وسفك دمه فإن فعل فنكاحه صحيح نص عليه أحمد فقال: لا يفرق بينهما وهو مذهب الشافعي وروي عن مالك وداود, أنه لا يصح وهو قياس قول أبي بكر لأنه قال في البيع على بيع أخيه: هو باطل وهذا في معناه ووجهه أنه نكاح منهي عنه فكان باطلا كنكاح الشغار ولنا, أن المحرم لم يقارن العقد فلم يؤثر فيه كما لو صرح بالخطبة في العدة.

فصل: ولا يكره للولي الرجوع عن الإجابة, إذا رأى المصلحة لها في ذلك لأن الحق لها وهو نائب عنها في النظر لها فلم يكره له الرجوع الذي رأى المصلحة فيه, كما لو ساوم في بيع دارها ثم تبين له المصلحة في تركها ولا يكره لها أيضا الرجوع إذا كرهت الخاطب لأنه عقد عمر يدوم الضرر فيه فكان لها الاحتياط لنفسها, والنظر في حظها وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف الوعد والرجوع عن القول, ولم يحرم لأن الحق بعد لم يلزمهما كمن ساوم بسلعته ثم بدا له أن لا يبيعها.

فصل: فإن كان الخاطب الأول ذميا, لم تحرم الخطبة على خطبته نص عليه أحمد فقال: لا يخطب على خطبة أخيه ولا يساوم على سوم أخيه, إنما هو للمسلمين ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني أو استام على سومهم, لم يكن داخلا في ذلك لأنهم ليسوا بإخوة للمسلمين وقال ابن عبد البر: لا يجوز أيضا لأن هذا خرج مخرج الغالب لا لتخصيص المسلم به ولنا أن لفظ النهى خاص في المسلمين, وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله وليس الذمى كالمسلم ولا حرمته كحرمته ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها وقوله: خرج مخرج الغالب قلنا: متى كان في المخصوص بالذكر معنى يصح أن يعتبر في الحكم, لم يجز حذفه ولا تعدية الحكم بدونه وللأخوة الإسلامية تأثير في وجوب الاحترام وزيادة الاحتياط في رعاية حقوقه, وحفظ قلبه واستبقاء مودته فلا يجوز بخلاف ذلك والله أعلم.

مسألة: قال: [ولو عرض لها وهي في العدة, بأن يقول: إني في مثلك لراغب وإن قضي شيء كان وما أشبهه من الكلام مما يدلها على رغبته فيها فلا بأس إذا لم يصرح] وجملة ذلك أن المعتدات على ثلاثة أضرب:

 معتدة من وفاة, أو طلاق ثلاث أو فسخ لتحريمها على زوجها كالفسخ برضاع, أو لعان أو نحوه مما لا تحل بعده لزوجها فهذه يجوز التعريض بخطبتها في عدتها. لقول الله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} ولما روت فاطمة بنت قيس ((أن النبي -ﷺ- قال لها لما طلقها زوجها ثلاثا: إذا حللت فآذنيني وفي لفظ: لا تسبقيني بنفسك وفي لفظ: لا تفوتينا بنفسك )) وهذا تعريض بخطبتها في عدتها ولا يجوز التصريح لأن الله تعالى لما خص التعريض بالإباحة, دل على تحريم التصريح ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح فلا يؤمن أن يحملها الحرص عليه على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها, والتعريض بخلافه. 
 القسم الثاني الرجعية فلا يحل لأحد التعريض بخطبتها, ولا التصريح لأنها في حكم الزوجات فهي كالتى في صلب نكاحه. 
  

القسم الثالث بائن يحل لزوجها نكاحها, كالمختلعة والبائن بفسخ لعيب أو إعسار ونحوه فلزوجها التصريح بخطبتها والتعريض لأنها مباحة له نكاحها في عدتها, فهي كغير المعتدة وهل يجوز لغيره التعريض بخطبتها؟ فيه وجهان وللشافعي فيه أيضا قولان أحدهما يجوز لعموم الآية ولأنها بائن فأشبهت المطلقة ثلاثا والثاني, لا يجوز لأن الزوج يملك أن يستبيحها فهي كالرجعية والمرأة في الجواب كالرجل في الخطبة, فيما يحل ويحرم لأن الخطبة للعقد فلا يختلفان في حله وحرمته إذا ثبت هذا فالتعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب ورب راغب فيك وقال القاسم بن محمد التعريض أن يقول: إنك على لكريمة وإني فيك لراغب وإن الله لسائق إليك خيرا أو رزقا وقال الزهري: أنت جميلة وأنت مرغوب فيك وإن قال: لا تسبقينا بنفسك أو لا تفوتينا بنفسك أو إذا حللت فآذنيني ونحو ذلك, جاز قال مجاهد: مات رجل وكانت امرأته تتبع الجنازة فقال لها رجل: لا تسبقينا بنفسك فقالت: سبقك غيرك وتجيبه المرأة: إن قضي شيء كان وما نرغب عنك وما أشبهه والتصريح: هو اللفظ الذي لا يحتمل غير النكاح, نحو أن يقول: زوجيني نفسك أو إذا انقضت عدتك تزوجتك ويحتمل أن هذا معنى قوله تعالى: { ولكن لا تواعدوهن سرا } فإن النكاح يسمى سرا قال الشاعر: فلن تطلبوا سرها للغنى ** ولن تسلموها لإزهادها وقال الشافعي: السر: الجماع وأنشد لامرئ القيس: ألا زعمت بسباسة القوم أنني ** كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ومواعدة السر أن يقول: عندي جماع يرضيك ونحوه وكذلك إن قال: رب جماع يرضيك فنهى عنه لما فيه من الهجر والفحش والدناءة والسخف.

فصل: فإن صرح بالخطبة, أو عرض في موضع يحرم التعريض ثم تزوجها بعد حلها صح نكاحه وقال مالك: يطلقها تطليقة, ثم يتزوجها وهذا غير صحيح لأن هذا المحرم لم يقارن العقد فلم يؤثر فيه كما في النكاح الثاني, أو كما لو رآها متجردة ثم تزوجها.

فصل: ويحرم على العبد نكاح سيدته قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل وروى الأثرم بإسناده عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن العبد ينكح سيدته, فقال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابية وقد نكحت عبدها, فانتهرها عمر وهم أن يرجمها وقال: لا يحل لك ولأن أحكام النكاح مع أحكام الملك يتنافيان فإن كل واحد منهما يقتضي أن يكون الآخر بحكمه, يسافر بسفره ويقيم بإقامته وينفق عليه, فيتنافيان.

فصل: وليس للسيد أن يتزوج أمته لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه ولو ملك زوجته وهي أمة, انفسخ نكاحها وكذلك لو ملكت المرأة زوجها انفسخ نكاحها ولا نعلم في هذا خلافا ولا يجوز أن يتزوج أمة له فيها ملك ولا يتزوج مكاتبته لأنها مملوكته.

فصل: ولا يجوز للحر أن يتزوج أمة ابنه لأن له فيها شبهة ملك وهذا قول أهل الحجاز وقال أهل العراق: له ذلك لأنها ليست مملوكة له ولا تعتق بإعتاقه لها ولنا, قول النبي -ﷺ-: (( أنت ومالك لأبيك )) ولأنه لو ملك جزءا من أمة لم يصح نكاحه لها فما هي مضافة إليه بجملتها شرعا أولى بالتحريم وكذلك لا يجوز للعبد نكاح أم سيده أو سيدته, مع ما ذكرنا من الخلاف ويجوز للعبد أن يتزوج أمة ابنه لأن الرق يقطع ولايته عن أبيه وماله ولهذا لا يلي ماله ولا نكاحه ولا يرث أحدهما صاحبه, فهو كالأجنبي منه.

فصل: وللابن نكاح أمة أبيه لأنه لا ملك له فيها ولا شبهة ملك فأشبه الأجنبي, وكذلك سائر القرابات ويجوز أن يزوج الرجل ابنته لمملوكه إذا قلنا: ليست الحرية شرطا في الصحة ومتى مات الأب فورث أحد الزوجين صاحبه, أو جزءا منه انفسخ النكاح وكذلك إن ملكه أو جزءا منه بغير الإرث لا نعلم فيه خلافا إلا أن الحسن قال: إذا اشترى امرأته للعتق, فأعتقها حين ملكها فهما على نكاحهما ولا يصح لأنهما متنافيان فلا يجتمعان قليلا ولا كثيرا, فبمجرد الملك لها انفسخ نكاحه سابقا على عتقها وحكم المكاتب يتزوج بنت سيده أو سيدته حكم العبد في أنه إذا مات سيده, انفسخ نكاحه وقال أصحاب الرأي: النكاح بحاله لأنها لم تملكه إنما لها عليه دين وليس بصحيح فإن النبي -ﷺ- قال: (( المكاتب عبد ما بقي عليه درهم )) ولأنه لو زال الملك عنه لما عاد بعجزه, كما لو أعتق.

فصل: وإذا ملكت المرأة زوجها أو بعضه فانفسخ نكاحها فليس ذلك بطلاق, فمتى أعتقته ثم تزوجها لم تحتسب عليه بتطليقة وبهذا قال الحكم, وحماد ومالك والشافعي, وابن المنذر وإسحاق وقال الحسن والزهري, وقتادة والأوزاعي: هي تطليقة وليس بصحيح لأنه لم يلفظ بطلاق صريح ولا كناية وإنما انفسخ النكاح بوجود ما ينافيه, فأشبه انفساخه بإسلام أحدهما أو ردته ولو ملك الرجل بعض زوجته انفسخ نكاحها وحرم وطؤها, في قول عامة المفتين حتى يستخلصها فتحل له بملك اليمين وروي عن قتادة أنه قال: لم يزده ملكه فيها إلا قربا وليس بصحيح لأن النكاح لا يبقى في بعضها, وملكه لم يتم عليها ولا يثبت الحل فيما لا يملكه ولا نكاح فيه.

فصل: ولا يجوز للرجل وطء جارية ابنه لأن الله تعالى قال: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } وليست هذه زوجة له ولا مملوكته, ولأنه يحل لابنه وطؤها ولا تحل المرأة لرجلين فإن وطئها فلا حد عليه نص عليه أحمد وقال داود: يحد وقال بعض الشافعية: إن كان ابنه وطئها حد لأنها محرمة عليه على التأبيد ولنا, أن له فيها شبهة لقول النبي -ﷺ-: (( أنت ومالك لأبيك )) والحد يدرأ بالشبهات ولأن الأب لا يقتل بقتل ابنه والقصاص حق آدمي, فإذا سقط بشبهة الملك فالحد الذي هو حق الله تعالى بطريق الأولى ولأنه لا يقطع بسرقة ماله, ولا يحد بقذفه فكذلك لا يحد بالزنى بجاريته فإذا ثبت هذا فإنها تحرم على الابن على التأبيد وإن كان الابن قد وطئها, حرمت عليهما على التأبيد وإذا لم تعلق من الأب لم يزل ملك الابن عنها ولم يلزمه قيمتها وقال أبو حنيفة: يلزمه ضمانها لأنه أتلفها عليه, وحرمه وطأها فأشبه ما لو قتلها ولنا أنه لم يخرجها عن ملكه, ولم تنقص قيمتها فأشبه ما لو أرضعتها امرأته فإنها تحرم على الابن, ولا يجب له ضمانها وإن علقت منه فالولد حر يلحق به النسب لأنه من وطء لا يجب به الحد, لأجل الشبهة فأشبه ولد الجارية المشتركة وتصير الجارية أم ولد للأب وقال الشافعي, في أحد قوليه: لا تصير أم ولد لأنها غير مملوكة له فأشبه ما لو وطئ جارية أجنبي بشبهة ولنا أنها علقت منه بحر لأجل الملك, فأشبهت الجارية المشتركة إذا كان موسرا قال أصحابنا: ولا يلزم الأب قيمة الجارية ولا قيمة ولدها ولا مهرها وقال الشافعي: يلزمه ذلك كله إذا حكم بأنها أم ولد وهذا يبنى على أصل, وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء وأنه ليس للابن مطالبة أبيه بدين له عليه ولا قيمة متلف, وعندهم بخلاف ذلك وهذا يذكر في موضع آخر -إن شاء الله تعالى-.

فصل: وإن وطئ الابن جارية أبيه, عالما بتحريم ذلك فعليه الحد ولا يلحقه النسب, ولا تصير به الجارية أم ولد لأنه لا ملك له ولا شبهة ملك فأشبه وطء الأجنبية وكذلك سائر الأقارب.

فصل: وإن وطئ الأب وابنه جارية الابن في طهر واحد, فأتت بولد أرى القافة فألحق بمن ألحقته به منهما وصارت أم ولد له, كما لو انفرد بوطئها وإن ألحقته بهما لحق بهما وإن أولدها أحدهما بعد الآخر فهي أم ولد للأول منهما خاصة لأنها بولادتها منه صارت له أم ولد, لانفراده بإيلادها فلا تنتقل بعد ذلك إلى غيره لأن أم الولد لا ينتقل الملك فيها إلى غير مالكها وقد نقل عن أحمد في رجل وقع على جارية ابنه, فإن كان الأب قابضا لها ولم يكن الابن وطئها فأحبلها الأب, فالولد ولده والجارية له وليس للابن فيها شيء قال القاضي: ظاهر هذا أن الابن إن كان وطئها, لم تصر أم ولد للأب لأنه يحرم عليه وطؤها وأخذها فتكون قد علقت بمملوك وإن كان الأب قبضها, ولم يكن الابن وطئها ملكها لأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما زاد على قدر نفقته ولم تتعلق به حاجته, فيتملكه.

باب نكاح أهل الشرك: أنكحة الكفار صحيحة يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا إذا كانت المرأة ممن يجوز ابتداء نكاحها في الحال, ولا ينظر إلى صفة عقدهم وكيفيته ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي, والشهود وصيغة الإيجاب والقبول وأشباه ذلك بلا خلاف بين المسلمين قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا, في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع وقد أسلم خلق في عهد رسول الله -ﷺ- وأسلم نساؤهم, وأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم رسول الله -ﷺ- عن شروط النكاح ولا كيفيته, وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة فكان يقينا ولكن ينظر في الحال, فإذا كانت المرأة على صفة يجوز له ابتداء نكاحها أقر وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها, كأحد المحرمات بالنسب أو السبب أو المعتدة والمرتدة, والوثنية والمجوسية والمطلقة ثلاثا, لم يقر. وإن تزوجها في العدة وأسلما بعد انقضائها أقرا لأنها يجوز ابتداء نكاحها. مسألة: قال أبو القاسم: وإذا أسلم الوثني, وقد تزوج بأربع وثنيات ولم يدخل بهن بن منه, وكان لكل واحدة نصف ما سمى لها إن كان حلالا أو نصف صداق مثلها إن كان ما سمى لها حراما ولو أسلم النساء قبله وقبل الدخول, بن منه أيضا ولا شيء عليه لواحدة منهن فإن كان إسلامه وإسلامهن قبل الدخول معا فهن زوجات فإن كان دخل بهن, ثم أسلم فمن لم تسلم منهن قبل انقضاء عدتها حرمت عليه منذ اختلف الدينان في هذه المسألة فصول خمسة:

 الفصل الأول: 

أنه إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين أو كتابي متزوج بوثنية أو مجوسية قبل الدخول تعجلت الفرقة بينهما من حين إسلامه, ويكون ذلك فسخا لا طلاقا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تتعجل الفرقة بل إن كانا في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ, وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك على انقضاء عدتها فإن لم يسلم الآخر, وقعت الفرقة فإن كان الإباء من الزوج كان طلاقا لأن الفرقة حصلت من قبله فكان طلاقا, كما لو لفظ به وإن كان من المرأة كان فسخا لأن المرأة لا تملك الطلاق وقال مالك: إن كانت هي المسلمة, عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا وقعت الفرقة وإن كان هو المسلم, تعجلت الفرقة لقوله سبحانه: (( ولا تمسكوا بعصم الكوافر )) ولنا أنه اختلاف دين يمنع الإقرار على النكاح فإذا وجد قبل الدخول, تعجلت الفرقة كالردة وعلى مالك كإسلام الزوج أو كما لو أبى الآخر الإسلام, ولأنه إن كان هو المسلم فليس له إمساك كافرة لقوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وإن كانت هي المسلمة فلا يجوز إبقاؤها في نكاح مشرك ولنا, على أنها فرقة فسخ أنها فرقة باختلاف الدين فكان فسخا, كما لو أسلم الزوج وأبت المرأة ولأنها فرقة بغير لفظ فكانت فسخا, كفرقة الرضاع.

 الفصل الثاني: 

أن الفرقة إذا حصلت قبل الدخول بإسلام الزوج فللمرأة نصف المسمى إن كانت التسمية صحيحة أو نصف مهر مثلها إن كانت فاسدة, مثل أن يصدقها خمرا أو خنزيرا لأن الفرقة حصلت بفعله وإن كانت بإسلام المرأة فلا شيء لها لأن الفرقة من جهتها وبهذا قال الحسن, ومالك والزهري والأوزاعي, وابن شبرمة والشافعي وعن أحمد رواية أخرى, أن لها نصف المهر إذا كانت هي المسلمة واختارها أبو بكر وبه قال قتادة والثوري ويقتضيه قول أبي حنيفة لأن الفرقة حصلت من قبله بإبائه الإسلام وامتناعه منه وهي فعلت ما فرض الله عليها, فكان لها نصف ما فرض الله لها كما لو علق طلاقها على الصلاة فصلت ونقل عن أحمد في مجوسى أسلم قبل أن يدخل بامرأته: لا شيء لها من الصداق ووجهها ما ذكرناه, ووجه الأولى أن الفرقة حصلت باختلاف الدين واختلاف الدين حصل بإسلامها فكانت الفرقة حاصلة بفعلها, فلم يجب لها شيء كما لو ارتدت ويفارق تعليق الطلاق, فإنه من جهة الزوج ولهذا لو علقه على دخول الدار فدخلت وقعت الفرقة ولها نصف المهر.

 الفصل الثالث: 

أن الزوجين إذا أسلما معا, فهما على النكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف بحمد الله ذكر ابن عبد البر أنه إجماع من أهل العلم وذلك لأنه لم يوجد منهم اختلاف دين وقد روى أبو داود عن ابن عباس (( أن رجلا جاء مسلما على عهد رسول -ﷺ- ثم جاءت امرأته مسلمة بعده, فقال: يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردها عليه )) ويعتبر تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة لئلا يسبق أحدهما صاحبه, فيفسد النكاح ويحتمل أن يقف على المجلس كالقبض ونحوه فإن حكم المجلس كله حكم حالة العقد, ولأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة فلو اعتبر ذلك لوقعت الفرقة بين كل مسلمين قبل الدخول, إلا في الشاذ النادر فيبطل الإجماع.

 الفصل الرابع: 

أنه إذا كان إسلام أحدهما بعد الدخول ففيه عن أحمد روايتان إحداهما, يقف على انقضاء العدة فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على النكاح, وإن لم يسلم حتى انقضت العدة وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان فلا يحتاج إلى استئناف العدة وهذا قول الزهري, والليث والحسن بن صالح والأوزاعي, والشافعي وإسحاق ونحوه عن مجاهد وعبد الله بن عمر, ومحمد بن الحسن والرواية الثانية تتعجل الفرقة وهو اختيار الخلال وصاحبه وقول الحسن, وطاوس وعكرمة وقتادة, والحكم وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ونصره ابن المنذر وقول أبي حنيفة ها هنا كقوله فيما قبل الدخول إلا أن المرأة إذا كانت في دار الحرب, فانقضت عدتها وحصلت الفرقة لزمها استئناف العدة وقال مالك: إن أسلم الرجل قبل امرأته, عرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا وقعت الفرقة, وإن كانت غائبة تعجلت الفرقة وإن أسلمت المرأة قبله وقفت على انقضاء العدة واحتج من قال بتعجيل الفرقة بقوله سبحانه: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ولأن ما يوجب فسخ النكاح لا يختلف بما قبل الدخول وبعده كالرضاع ولنا, ما روى مالك في موطئه عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح, وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم فلم يفرق النبي -ﷺ- بينهما, واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده وقال ابن شهاب: أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن, فدعته إلى الإسلام فأسلم وقدم فبايع النبي -ﷺ- فثبتا على نكاحهما وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله -ﷺ- يسلم الرجل قبل المرأة, والمرأة قبل الرجل فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته, وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما ولأن أبا سفيان خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي -ﷺ- مكة ولم تسلم هند امرأته حتى فتح النبي -ﷺ- مكة, فثبتا على النكاح وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية فلقيا النبي -ﷺ- عام الفتح بالأبواء فأسلما قبل نسائهما ولم يعلم أن النبي -ﷺ- فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته ويبعد أن يتفق إسلامهما دفعة واحدة ويفارق ما قبل الدخول, فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة كالمطلقة واحدة وهاهنا لها عدة, فإذا انقضت تبينا وقوع الفرقة من حين أسلم الأول فلا يحتاج إلى عدة ثانية لأن اختلاف الدين سبب الفرقة, فتحتسب الفرقة منه كالطلاق.

 الفصل الخامس: 

أنه إذا أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتى انقضت عدة المرأة انفسخ النكاح في قول عامة العلماء قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في هذا إلا شيء روي عن النخعي, شذ فيه عن جماعة العلماء فلم يتبعه عليه أحد زعم أنها ترد إلى زوجها, وإن طالت المدة لما روى ابن عباس (( أن رسول الله -ﷺ- رد زينب على زوجها أبي العاص بنكاحها الأول )) رواه أبو داود واحتج به أحمد قيل له: أليس يروى أنه ردها بنكاح مستأنف؟ قال: ليس له أصل وقيل: كان بين إسلامها وردها إليه ثمان سنين ولنا قول الله تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } وقوله سبحانه: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر} والإجماع المنعقد على تحريم تزوج المسلمات على الكفار فأما قصة أبي العاص مع امرأته فقال ابن عبد البر: لا يخلو من أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار فتكون منسوخة بما جاء بعدها, أو تكون حاملا استمر حملها حتى أسلم زوجها أو مريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم أو تكون ردت إليه بنكاح جديد, فقد روى ابن أبي شيبة في (( سننه )) عن عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده (( أن النبي -ﷺ- ردها على أبي العاص بنكاح جديد )) رواه الترمذي وقال: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: حديث ابن عباس أجود إسنادا والعمل على حديث عمرو بن شعيب.

 فصل: 

وإذا وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد, الدخول فلها المهر كاملا لأنه استقر بالدخول فلم يسقط بشيء, فإن كان مسمى صحيحا فهو لها لأن أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها أحكام الصحة, وإن كان محرما وقد قبضته في حال الكفر فليس لها غيره لأننا لا نتعرض لما مضى من أحكامهم, وإن لم تقبضه وهو حرام فلها مهر مثلها لأن الخمر والخنزير لا يجوز أن يكون صداقا لمسلمة, ولا في نكاح مسلم وقد صارت أحكامهم أحكام المسلمين فأما نفقة العدة فإن كانت هي المسلمة قبله, فلها نفقة عدتها لأنه يتمكن من إبقاء نكاحها واستمتاعه منها بإسلامه معها, فكانت لها النفقة كالرجعية وإن كان هو المسلم قبلها فلا نفقة لها عليه لأنه لا سبيل له إلى استبقاء نكاحها, وتلافى حالها فأشبهت البائن وسواء أسلمت في عدتها أو لم تسلم فإن قيل: إذا لم تسلم تبينا أن نكاحها انفسخ باختلاف الدينين, فكيف تجب النفقة للبائن؟ قلنا: لأنه كان يمكن الزوج تلافى نكاحها إذا أسلمت قبله بل يجب عليه ذلك فكانت في معنى الرجعية فإن قيل: الرجعية جرت إلى البينونة بسبب منه, وهذه السبب منها؟ قلنا: إلا أنه كان فرضا عليها مضيقا ويمكنه تلافيه بخلاف ما إذا أسلمت قبل الدخول, فإنه يسقط مهرها جميعه لأنه ما أمكنه تلافيه.

 فصل: 

في اختلاف الزوجين لا يخلو اختلافهما من حالين:

 أحدهما أن يكون قبل الدخول, ففيه مسألتان: 

المسألة الأولى: أن يقول الزوج: أسلمنا معا فنحن على النكاح وتقول هي: بل أسلم أحدنا قبل صاحبه فانفسخ النكاح فقال القاضي: القول قول المرأة لأن الظاهر معه إذ يبعد اتفاق الإسلام منهما دفعة واحدة, والقول قول من الظاهر معه ولذلك كان القول قول صاحب اليد وذكر أبو الخطاب فيها وجها آخر أن القول قول الزوج لأن الأصل بقاء النكاح, والفسخ طارئ عليه فكان القول قول من يوافق قوله الأصل كالمنكر وللشافعي قولان, كهذين الوجهين. المسألة الثانية: أن يقول الزوج: أسلمت قبلي فلا صداق لك وتقول هي: أسلمت قبلي فلى نصف الصداق فالقول قولها لأن المهر وجب بالعقد, والزوج يدعى ما يسقطه والأصل بقاؤه ولم يعارضه ظاهر فبقي فإن اتفقا على أن أحدهما أسلم قبل صاحبه, ولا يعلمان عينه فلها نصف الصداق كذلك ذكره أبو الخطاب وقال القاضي: إن لم تكن قبضت فلا شيء لها لأنها تشك في استحقاقها, فلا تستحق بالشك وإن كان بعد القبض لم يرجع عليها لأنه يشك في استحقاق الرجوع, ولا يرجع مع الشك والأول أصح لأن اليقين لا يزال بالشك وكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة, بني على اليقين وهذه قد كان صداقها واجبا لها وشكا في سقوطه, فيبقى على الوجوب. وأما إن اختلفا بعد الدخول ففيه أيضا مسألتان: المسألة الأولى: أن يقول: أسلمنا معا أو أسلم الثاني في العدة فنحن على النكاح وتقول هي: بل أسلم الثاني بعد العدة, فانفسخ النكاح ففيه وجهان أحدهما القول قوله لأن الأصل بقاء النكاح والثاني القول قولها لأن الأصل عدم إسلام الثاني. المسألة الثانية: أن تقول: أسلمت قبلك فلى نفقة العدة ويقول هو: أسلمت قبلك فلا نفقة لك فالقول قولها لأن الأصل وجوب النفقة وهو يدعى سقوطها وإن قال: أسلمت بعد شهرين من إسلامى فلا نفقة لك فيهما وقالت: بعد شهر فالقول قوله لأن الأصل عدم إسلامها في الشهر الثاني فأما إن ادعى هو ما يفسخ النكاح, وأنكرته انفسخ النكاح لأنه يقر على نفسه بزوال نكاحه وسقوط حقه, فأشبه ما لو ادعى أنها أخته من الرضاع فكذبته.

 فصل: 

وسواء فيما ذكرنا اتفقت الداران أو اختلفتا وبه قال مالك والأوزاعي, والليث والشافعي وقال أبو حنيفة: إن أسلم أحدهما وهما في دار الحرب ودخل دار الإسلام, انفسخ النكاح ولو تزوج حربى حربية ثم دخل دار الإسلام, وعقد الذمة انفسخ نكاحه لاختلاف الدارين ويقتضي مذهبه أن أحد الزوجين الذميين إذا دخل دار الحرب ناقضا للعهد, انفسخ نكاحه لأن الدار اختلفت بهما فعلا وحكما فوجب أن تقع الفرقة بينهما كما لو أسلمت في دار الإسلام قبل الدخول ولنا, أن أبا سفيان أسلم بمر الظهران وامرأته بمكة لم تسلم وهي دار حرب, وأم حكيم أسلمت بمكة وهرب زوجها عكرمة إلى اليمن وامرأة صفوان بن أمية أسلمت يوم الفتح, وهرب زوجها ثم أسلموا وأقروا على أنكحتهم مع اختلاف الدين والدار بهم, ولأنه عقد معاوضة فلم ينفسخ باختلاف الدار كالبيع ويفارق ما قبل الدخول, فإن القاطع للنكاح اختلاف الدين المانع من الإقرار على النكاح دون ما ذكروه فعلى هذا, لو تزوج مسلم مقيم بدار الإسلام حربية من أهل الكتاب صح نكاحه وعندهم لا يصح ولنا عموم قوله تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ولأنها امرأة يباح نكاحها إذا كانت في دار الإسلام, فأبيح نكاحها في دار الحرب كالمسلمة. مسألة: قال: ولو نكح أكثر من أربع في عقد واحد, أو في عقود متفرقة ثم أصابهن ثم أسلم, ثم أسلمت كل واحدة منهن في عدتها اختار أربعا منهن وفارق ما سواهن, سواء كان من أمسك منهن أول من عقد عليهن أو آخرهن وجملة ذلك أن الكافر إذا أسلم ومعه أكثر من أربع نسوة فأسلمن في عدتهن, أو كن كتابيات لم يكن له إمساكهن كلهن بغير خلاف نعلمه ولا يملك إمساك أكثر من أربع فإذا أحب ذلك اختار أربعا منهن, وفارق سائرهن سواء تزوجهن في عقد أو في عقود وسواء اختار الأوائل أو الأواخر نص عليه أحمد وبه قال الحسن, ومالك والليث والأوزاعي, والثوري والشافعي وإسحاق, ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان تزوجهن في عقد انفسخ نكاح جميعهن, وإن كان في عقود فنكاح الأوائل صحيح ونكاح ما زاد على أربع باطل لأن العقد إذا تناول أكثر من أربع, فتحريمه من طريق الجمع فلا يكون فيه مخيرا بعد الإسلام كما لو تزوجت المرأة زوجين في حال الكفر, ثم أسلما ولنا ما روى قيس بن الحارث قال: (( أسلمت وتحتى ثمان نسوة, فأتيت النبي -ﷺ- فقلت له ذلك فقال: اختر منهن أربعا )) رواه أحمد وأبو داود وروى محمد بن سويد الثقفى (( أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة, فأسلمن معه فأمره رسول الله -ﷺ- أن يتخير منهن أربعا )) رواه الترمذي ورواه مالك في موطئه, عن الزهري مرسلا ورواه الشافعي في مسنده عن ابن علية عن معمر, عن الزهري عن سالم عن أبيه, إلا أنه غير محفوظ غلط فيه معمر وخالف فيه أصحاب الزهري كذلك قال الحفاظ الإمام أحمد, والترمذي وغيرهما ولأن كل عدد جاز له ابتداء العقد عليه جاز له إمساكه بنكاح مطلق في حال الشرك, كما لو تزوجهن بغير شهود وأما إذا تزوجت بزوجين فنكاح الثاني باطل لأنها ملكته ملك غيرها وإن جمعت بينهما لم يصح لأنها لم تملكه جميع بضعها, ولأن ذلك ليس بشائع عند أحد من أهل الأديان ولأن المرأة ليس لها اختيار النكاح وفسخه بخلاف الرجل.

 فصل: 

ويجب عليه أن يختار أربعا فما دون, ويفارق سائرهن أو يفارق الجميع لأن النبي -ﷺ- أمر غيلان وقيسا بالاختيار وأمره يقتضي الوجوب, ولأن المسلم لا يجوز إقراره على نكاح أكثر من أربع فإن أبي أجبر, بالحبس والتعزير إلى أن يختار لأن هذا حق عليه يمكنه إيفاؤه وهو ممتنع منه فأجبر عليه, كإيفاء الدين وليس للحاكم أن يختار عنه كما يطلق على المولى إذا امتنع من الطلاق لأن الحق ها هنا لغير معين وإنما تتعين الزوجات باختياره وشهوته, وذلك لا يعرفه الحاكم فينوب عنه فيه بخلاف المولى فإن الحق المعين يمكن الحاكم إيفاءه, والنيابة عن المستحق فيه فإن جن خلى حتى يعود عقله ثم يجبر على الاختيار وعليه نفقة الجميع إلى أن يختار لأنهن محبوسات عليه, ولأنهن في حكم الزوجات أيتهن اختار جاز.

 فصل: 

فإن مات قبل أن يختار لم يقم وارثه مقامه لما ذكرنا في الحاكم وعلى جميعهن العدة لأن الزوجات لم يتعين منهن, فمن كانت منهن حاملا فعدتها بوضعه ومن كانت آيسة أو صغيرة فعدتها أربعة أشهر وعشر لأنها أطول العدتين في حقها وإن كانت من ذوات القروء, فعدتها أطول الأجلين من ثلاثة قروء أو أربعة أشهر وعشر لتقضي العدة بيقين, لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة وعدة المختارة عدة الوفاة وعدة المفارقة ثلاثة قروء, فأوجبنا أطولهما لتقضي العدة بيقين كما قلنا في من نسي صلاة من يوم, لا يعلم عينها: عليه خمس صلوات وهذا مذهب الشافعي فأما الميراث فإن اصطلحن عليه فهو جائز كيفما اصطلحن لأن الحق لهن, لا يخرج عنهن وإن أبين الصلح فقياس المذهب أن يقرع بينهن, فتكون الأربع منهن بالقرعة وعند الشافعي يوقف الميراث حتى يصطلحن وأصل هذا يذكر في غير هذا الموضع -إن شاء الله تعالى-.

 فصل: 

وصفة الاختيار أن يقول: اخترت نكاح هؤلاء, أو اخترت هؤلاء أو أمسكتهن أو اخترت حبسهن, أو إمساكهن أو نكاحهن أو أمسكت نكاحهن, أو ثبت نكاحهن أو أثبتهن وإن قال لما زاد على الأربع: فسخت نكاحهن كان اختيارا للأربع وإن طلق إحداهن كان اختيارا لها لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة وإن قال: قد فارقت هؤلاء, أو اخترت فراق هؤلاء فإن لم ينو به الطلاق كان اختيارا لغيرهن لقول النبي -ﷺ- لغيلان: (( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن )) وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحا فيه, كما كان لفظ الطلاق صريحا فيه وكذا في حديث فيروز الديلمى قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها وهذا الموضع أخص بهذا اللفظ فيجب أن يتخصص فيه بالفسخ وإن نوى به الطلاق, كان اختيارا لهن دون غيرهن وذكر القاضي فيه عند الإطلاق وجهين: أحدهما أنه يكون اختيارا للمفارقات لأن لفظ الفراق صريح في الطلاق والأولى ما ذكرناه وإن وطئ إحداهن, كان اختيارا لها في قياس المذهب لأنه لا يجوز إلا في ملك فيدل على الاختيار, كوطء الجارية المبيعة بشرط الخيار ووطء الرجعية أيضا اختيارا لها وإن آلى من واحدة منهن أو ظاهر منها, لم يكن اختيارا لها لأنه يصح في غير زوجة في أحد الوجهين وفي الآخر, يكون اختيارا لها لأن حكمه لا يثبت في غير زوجة وإن قذفها لم يكن اختيارا لها لأنه يقع في غير زوجة.

 فصل: 

وإذا اختار منهن أربعا وفارق البواقي, فعدتهن من حين اختار لأنهن بن منه بالاختيار ويحتمل أن تكون عدتهن من حين أسلم لأنهن بن بإسلامه وإنما يتبين ذلك باختياره فيثبت حكمه من حين الإسلام, كما إذا أسلم أحد الزوجين ولم يسلم الآخر حتى انقضت عدتها وفرقتهن فسخ لأنها تثبت بإسلامه من غير لفظ فيهن وعدتهن كعدة المطلقات لأن عدة من انفسخ نكاحها كذلك وإن ماتت إحدى المختارات أو بانت منه وانقضت عدتها, فله أن ينكح من المفارقات وتكون عنده على طلاق ثلاث لأنه لم يطلقها قبل ذلك وإن اختار أقل من أربع أو اختار ترك الجميع, أمر بطلاق أربع أو تمام أربع لأن الأربع الزوجات لا يبن منه إلا بطلاق أو ما يقوم مقامه, فإذا طلق أربعا منهن وقع طلاقه بهن وانفسخ نكاح الباقيات, لاختياره لهن وتكون عدة المطلقات من حين طلق وعدة الباقيات على الوجهين وإن طلق الجميع, أقرع بينهن فإذا وقعت القرعة على أربع منهن كن المختارات ووقع طلاقه بهن, وانفسخ نكاح البواقى وإن كان الطلاق ثلاثا فمتى انقضت عدتهن فله أن ينكح من الباقيات لأنهن لم يطلقن منه, ولا تحل له المطلقات إلا بعد زوج وإصابة ولو أسلم ثم طلق الجميع قبل إسلامهن ثم أسلمن في العدة, أمر أن يختار أربعا منهن فإذا اختارهن تبينا أن طلاقه وقع بهن لأنهن زوجات ويعتددن من حين طلاقه وبان البواقى منه باختياره لغيرهن, ولا يقع بهن طلاقه وله نكاح أربع منهن إذا انقضت عدة المطلقات لأن هؤلاء غير مطلقات والفرق بين هذه وبين التي قبلها أن طلاقهن قبل إسلامهن في زمن ليس له الاختيار فيه, فإذا أسلمن تجدد له الاختيار حينئذ وفي التي قبلها طلقهن وله الاختيار والطلاق يصلح اختيارا, وقد أوقعه في الجميع وليس بعضهن أولى من بعض فصرنا إلى القرعة, لتساوى الحقوق.

 فصل: 

إذا أسلم قبلهن وقلنا بتعجيل الفرقة باختلاف الدين فلا كلام وإن قلنا: يقف على انقضاء العدة ولم يسلمن حتى انقضت عدتهن, تبينا أنهن بن منذ اختلف الدينان فإن كان قد طلقهن قبل انقضاء عدتهن تبينا أن طلاقه لم يقع بهن, وله نكاح أربع منهن إذا أسلمن وإن كان وطئهن تبينا أنه وطئ غير نسائه وإن آلى منهن, أو ظاهر أو قذف تبينا أن ذلك كان في غير زوجه وحكمه حكم ما لو خاطب بذلك أجنبية فإن أسلم بعضهن في العدة تبينا أنها زوجته, فوقع طلاقه بها وكان وطؤه لها وطئا لمطلقته وإن كانت المطلقة غيرها فوطؤه لها وطء لامرأته وكذلك إن كان وطؤه لها قبل طلاقها وإن طلق الجميع فأسلم أربع نسوة منهن, أو أقل في عدتهن ولم تسلم البواقى تعينت الزوجية في المسلمات, ووقع الطلاق بهن فإذا أسلم البواقى فله أن يتزوج بهن لأنه لم يقع طلاقه بهن.

 فصل: 

إذا أسلم وتحته ثمان نسوة, فأسلم أربع منهن فله اختيارهن وله الوقوف إلى أن يسلم البواقى فإن مات اللاتى أسلمن, ثم أسلم الباقيات فله اختيار الميتات وله اختيار الباقيات, وله اختيار بعض هؤلاء وبعض هؤلاء لأن الاختيار ليس بعقد وإنما هو تصحيح للعقد الأول فيهن والاعتبار في الاختيار بحال ثبوته, وحال ثبوته كن أحياء وإن أسلمت واحدة منهن فقال: اخترتها جاز فإذا اختار أربعا على هذا الوجه, انفسخ نكاح البواقى وإن قال للمسلمة: اخترت فسخ نكاحها لم يصح لأن الفسخ إنما يكون فيما زاد على الأربع والاختيار للأربع وهذه من جملة الأربع, إلا أن يريد بالفسخ الطلاق فيقع لأنه كناية ويكون طلاقه لها اختيارا لها وإن قال: اخترت فلانة قبل أن تسلم, لم يصح لأنه ليس بوقت للاختيار لأنها جارية إلى بينونة فلا يصح إمساكها وإن فسخ نكاحها, لم ينفسخ لأنه لما لم يجز الاختيار لم يجز الفسخ وإن نوى بالفسخ الطلاق أو قال: أنت طالق فهو موقوف, فإن أسلمت ولم يسلم زيادة على أربع أو أسلم زيادة فاختارها تبينا وقوع الطلاق بها, وإلا فلا

 فصل: 

وإن قال: كلما أسلمت واحدة اخترتها لم يصح لأن الاختيار لا يصح تعليقه على شرط ولا يصح في غير معين وإن قال: كلما أسلمت واحدة اخترت فسخ نكاحها لم يصح أيضا لأن الفسخ لا يتعلق بالشرط ولا يملكه في واحدة حتى يزيد عدد المسلمات على الأربع, وإن أراد به الطلاق فهو كما لو قال: كلما أسلمت واحدة فهي طالق وفي ذلك وجهان: أحدهما يصح لأن الطلاق يصح تعليقه بالشرط, ويتضمن الاختيار لها فكلما أسلمت واحدة كان اختيارا لها وتطلق بطلاقه والثاني, لا يصح لأن الطلاق يتضمن الاختيار والاختيار لا يصح تعليقه بالشرط

 فصل: 

وإذا أسلم ثم أحرم بحج أو عمرة, ثم أسلمن فله الاختيار لأن الاختيار استدامة للنكاح وتعيين للمنكوحة, وليس بابتداء له وقال القاضي: ليس له الاختيار وهو ظاهر مذهب الشافعي ولنا أنه استدامة نكاح لا يشترط له رضاء المرأة ولا ولي, ولا شهود ولا يتجدد به مهر فجاز له في الإحرام, كالرجعة

 فصل: 

وإذا أسلمن معه ثم متن قبل اختياره فله أن يختار منهن أربعا, فيكون له ميراثهن ولا يرث الباقيات لأنهن لسن بزوجات له وإن مات بعضهن فله الاختيار من الأحياء, وله الاختيار من الميتات وكذلك لو أسلم بعضهن فمتن ثم أسلم البواقى فله الاختيار من الجميع, فإن اختار الميتات فله ميراثهن لأنهن متن وهن نساؤه وإن اختار غيرهن, فلا ميراث له منهن لأنهن أجنبيات وإن لم يسلم البواقى لزم النكاح في الميتات وله ميراثهن فإن وطئ الجميع قبل إسلامهن, ثم أسلمن فاختار أربعا منهن فليس لهن إلا المسمى لأنهن زوجات, ولسائرهن المسمى بالعقد الأول ومهر المثل للوطء الثاني لأنهن أجنبيات وإن وطئهن بعد إسلامهن فالموطوآت أولاهن المختارات, والبواقى أجنبيات والحكم في المهر على ما ذكرناه.

 مسألة: 

قال: ولو أسلم وتحته أختان اختار منهما واحدة هذا قول الحسن, والأوزاعي والشافعي وإسحاق, وأبي عبيد وقال أبو حنيفة في هذه كقوله في عشر نسوة ولنا ما روى الضحاك بن فيروز, عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله (( إني أسلمت وتحتى أختان قال: طلق أيتهما شئت )) رواه أبو داود وابن ماجه, وغيرهما ولأن أنكحة الكفار صحيحة وإنما حرم الجمع في الإسلام وقد أزاله, فصح كما لو طلق إحداهما قبل إسلامه ثم أسلم والأخرى في حباله وهكذا الحكم في المرأة وعمتها أو خالتها لأن المعنى في الجميع واحد

 فصل: 

ولو تزوج وثنية, فأسلمت قبله ثم تزوج في شركه أختها ثم أسلما في عدة الأولى, فله أن يختار منهما لأنه أسلم وتحته أختان مسلمتان وإن أسلم هو قبلها لم يكن له أن يتزوج أختها في عدتها ولا أربعا سواها فإن فعل, لم يصح النكاح الثاني وإذا أسلمت الأولى في عدتها فنكاحها لازم لأنها انفردت به

 فصل: 

وإن تزوج أختين ودخل بهما, ثم أسلم وأسلمتا معه فاختار إحداهما لم يطأها حتى تنقضي عدة أختها لئلا يكون واطئا لإحدى الأختين في عدة الأخرى وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع, قد دخل بهن فأسلمن معه وكن ثمانيا, فاختار أربعا منهن وفارق أربعا لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات, لئلا يكون واطئا لأكثر من أربع فإن كن خمسا ففارق إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات, ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عدة المفارقة وإن كن ستا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من المختارات وإن كن سبعا ففارق ثلاثا فله وطء واحدة من المختارات, ولا يطأ الباقيات حتى تنقضي عدة المفارقات فكلما انقضت عدة واحدة من المفارقات فله وطء واحدة من المختارات هذا قياس المذهب.

 فصل: 

إذا تزوج أختين في حال كفره, فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول فاختار أحداهما فلا مهر للأخرى لأننا تبينا أن الفرقة وقعت بإسلامهم جميعا, فلا تستحق مهرا كما لو فسخ النكاح لعيب في إحداهما ولأنه نكاح لا يقر عليه في الإسلام, فلا يجب به مهر إذا لم يدخل بها كما لو تزوج المجوسي أخته ثم أسلما قبل الدخول وهكذا الحكم فيما زاد على الأربع إذا أسلموا جميعا قبل الدخول, فاختار أربعا وانفسخ نكاح البواقى فلا مهر لهن لما ذكرنا والله أعلم.

 مسألة: 

قال: وإن كانتا أما وبنتا, فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول فسد نكاح الأم وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما الكلام في هذه المسألة في فصلين:

 الفصل الأول: 

إذا كان إسلامهم جميعا قبل الدخول, فإنه يفسد نكاح الأم ويثبت نكاح البنت وهذا أحد قولي الشافعي واختيار المزني وقال في الآخر: يختار أيتهما شاء لأن عقد الشرك إنما يثبت له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار, فإذا اختار الأم فكأنه لم يعقد على البنت ولنا قول الله تعالى: { وأمهات نسائكم } وهذه أم زوجته فتدخل في عموم الآية ولأنها أم زوجته, فتحرم عليه كما لو طلق ابنتها في حال شركه ولأنه لو تزوج البنت وحدها, ثم طلقها حرمت عليه أمها إذا أسلم فإذا لم يطلقها وتمسك بنكاحها أولى وقولهم: إنما يصح العقد بانضمام الاختيار إليه غير صحيح فإن أنكحة الكفار صحيحة, ثبت لها أحكام الصحة وكذلك لو انفردت كان نكاحها صحيحا لازما من غير اختيار ولهذا فوض إليه الاختيار ها هنا ولا يصح أن يختار من ليس نكاحها صحيحا وإنما اختصت الأم بفساد نكاحها لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها على التأبيد, فلم يمكن اختيارها والبنت لا تحرم قبل الدخول بأمها فتعين النكاح فيها بخلاف الأختين

 الفصل الثاني: 

إذا دخل بهما, حرمتا على التأبيد الأم لأنها أم زوجته والبنت لأنها ربيبته من زوجته التي دخل بها قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وهذا قول الحسن, وعمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك, وأهل الحجاز والثوري وأهل العراق, والشافعي ومن تبعهم وإن دخل بالأم وحدها فكذلك أن البنت تكون ربيبته مدخولا بأمها, والأم حرمت بمجرد العقد على ابنتها وإن دخل بالبنت وحدها ثبت نكاحها وفسد نكاح أمها, كما لو لم يدخل بهما ولو لم تسلم معه إلا إحداهما كان الحكم كما لو أسلمتا معه معا فإن كانت المسلمة هي الأم فهي محرمة عليه على كل حال, وإن كانت البنت ولم يكن دخل بأمها ثبت نكاحها, وإن كان دخل بأمها فهي محرمة على التأبيد ولو أسلم وله جاريتان إحداهما أم الأخرى, وقد وطئهما جميعا حرمتا عليه على التأبيد وإن كان قد وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد, ولم تحرم الموطوءة وإن كان لم يطأ واحدة منهما فله وطء أيتهما شاء, فإذا وطئها حرمت الأخرى على التأبيد والله أعلم.

 مسألة: 

قال: ولو أسلم عبد وتحته زوجتان, قد دخل بهما فأسلمتا في العدة فهما زوجتاه, ولو كن أكثر اختار منهن اثنتين وجملة ذلك أن حكم العبد فيما زاد على الاثنتين حكم الحر فيما زاد على الأربع فإذا أسلم وتحته زوجتان, فأسلمتا معه أو في عدتهما لزم نكاحهما, حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة لأن له الجمع بينهما في ابتداء نكاحه فكذلك في اختياره وإن كن أكثر, اختار منهن اثنتين أيتهن شاء على ما مضى في الحر, فلو كان تحته حرتان وأمتان فله أن يختار الحرتين أو الأمتين أو حرة, وأمة وليس للحرة إذا أسلمت معه الخيار في فراقه لأنها رضيت بنكاحه وهو عبد ولم يتجدد رقه بالإسلام, ولا تجددت حريتها بذلك فلم يكن لها خيار كما لو تزوجت معيبا تعلم عيبه ثم أسلما وذكر القاضي وجها, أن لها الخيار لأن الرق عيب تجددت أحكامه بالإسلام فكأنه عيب حادث والأول أصح فإن الرق لم يزل عيبا ونقصا عند العقلاء ولم يتجدد نقصه بالإسلام, فهو كسائر العيوب

 فصل: 

وإن أسلم وتحته أربع حرائر فأعتق ثم أسلمن في عدتهن, أو أسلمن قبله ثم أعتق ثم أسلم, لزمه نكاح الأربع لأنه ممن يجوز له الأربع في وقت اجتماع إسلامهم فإنه حر فأما إن أسلموا كلهم ثم أعتق قبل أن يختار, لم يكن له أن يختار إلا اثنتين لأنه كان عبدا حين ثبت له الاختيار وهو حال اجتماعهم على الإسلام فتغير حاله بعد ذلك لا يغير الحكم, كمن أسلم وتحته إماء فأسلمن معه ثم أيسر ولو أسلم معه اثنتان, ثم أعتق ثم أسلم الباقيات لم يختر إلا اثنتين لأنه ثبت له الخيار بإسلام الأوليين.

 فصل: 

وإن تزوج أربعا فأسلمن, وأعتقن قبل إسلامه فلهن فسخ النكاح لأنهن عتقن تحت عبد وإنما ملكن الفسخ وإن كن جاريات إلى بينونة لأنه قد يسلم فيقطع جريانهن إلى البينونة, فإذا فسخن ولم يسلم الزوج بن باختلاف الدين من حين أسلمن وإن أسلم في العدة, بن لفسخ النكاح وعليهن عدة الحرائر في الموضعين لأنهن ها هنا وجبت عليهن العدة وهن حرائر وفي التي قبلها عتقن في أثناء العدة التي يمكن الزوج تلافى النكاح فيها, فأشبهن الرجعية فإن أخرن الفسخ حتى أسلم الزوج لم يسقط بذلك حقهن في الفسخ لأن تركهن للفسخ اعتماد على جريانهن لبينونة فلم يتضمن الرضى بالنكاح كالرجعية إذا أعتقت وأخرت الفسخ, ولو أسلم قبلهن ثم أعتقن فاخترن الفسخ, صح لأنهن إماء عتقن تحت عبد وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم: لا خيار لهن لأنه لا حاجة بهن إلى الفسخ لكونه يحصل بإقامتهن على الشرك بخلاف التي قبلها وليس بصحيح فإن السبب متحقق, وقد يبدو لهن الإسلام وهو واجب عليهن فإن قيل: فإذا أسلمن اخترن الفسخ قلنا: يتضررن بطول العدة فإن ابتداءها من حين الفسخ, ولذلك ملكن الفسخ فيما إذا أسلمن وعتقن قبله فأما إن اخترن المقام وقلن: قد رضينا بالزوج فذكر القاضي أنه يسقط خيارهن لأنها حالة يصح فيها اختيار الفسخ فصح فيها اختيار الإقامة, كحالة اجتماعهم على الإسلام وقال أصحاب الشافعي: لا يسقط خيارهن لأن اختيارهن للإقامة ضد للحالة التي هن عليها وهي جريانهن إلى البينونة فلم يصح كما لو ارتدت الرجعية, فراجعها الزوج حال ردتها وهذا يبطل بما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثم عتقت فاختارت زوجها.

 فصل: 

إذا أسلم الحر وتحته إماء فأعتقت إحداهن, ثم أسلمت ثم أسلم البواقى لم يكن له أن يختار من الإماء لأنه مالك لعصمة حرة حين اجتماعها على الإسلام وإن أسلمت إحداهن معه, ثم أعتقت ثم أسلم البواقى فله أن يختار من الإماء لأن العبرة بحال الاختيار, وهي حالة اجتماعهم على الإسلام وحالة اجتماعهما على الإسلام كانت أمة

 فصل: 

ولو أسلم وتحته أربع إماء وهو عادم للطول خائف للعنت, فأسلمن معه فله أن يختار منهن واحدة فإن كانت لا تعفه, فله أن يختار منهن من تعفه في إحدى الروايتين والأخرى لا يختار إلا واحدة وهذا مذهب الشافعي وتوجيههما قد مضى في ابتداء نكاح الإماء وإن عدم فيه الشرطان, انفسخ النكاح في الكل ولم يكن له خيار وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور: له أن يختار منهن لأنه استدامة للعقد لا ابتداء له, بدليل أنه لا يشترط له شروط العقد فأشبه الرجعة ولنا أن هذه امرأة لا يجوز ابتداء العقد عليها حال الإسلام, فلم يملك اختيارها كالمعتدة من غيره وكذوات محارمه وأما الرجعة فهي قطع جريان النكاح إلى البينونة, وهذا إثبات النكاح في امرأة وإن كان دخل بهن ثم أسلم ثم أسلمن في عدتهن, فالحكم كذلك وقال أبو بكر: لا يجوز له ها هنا اختيار بل يبن بمجرد إسلامه لئلا يفضي إلى استدامة نكاح مسلم في أمة كافرة ولنا, أن إسلامهن في العدة بمنزلة إسلامهن معه ولهذا لو كن حرائر مجوسيات أو وثنيات فأسلمن في عدتهن, كان ذلك كإسلامهن معه وإن لم يسلمن حتى انقضت عدتهن انفسخ نكاحهن, سواء كن كتابيات أو غير كتابيات لأنه لا يجوز له استدامة النكاح في أمة كتابية

 فصل: 

ولو أسلم وهو واجد للطول فلم يسلمن حتى أعسر ثم أسلمن, فله أن يختار منهن لأن شرائط النكاح تعتبر في وقت الاختيار وهو وقت اجتماعهم على الإسلام وهو حينئذ عادم للطول خائف للعنت, فكان له الاختيار وإن أسلم وهو معسر فلم يسلمن حتى أيسر لم يكن له الاختيار لذلك وإن أسلمت واحدة منهن وهو موسر, ثم أسلم البواقى بعد إعساره لم يكن له أن يختار منهن شيئا لأن وقت الاختيار دخل بإسلام الأولى ألا ترى أنه لو كان معسرا, كان له اختيارها فإذا كان موسرا بطل اختياره وإن أسلمت الأولى وهو معسر, فلم تسلم البواقى حتى أيسر لزم نكاح الأولى ولم يكن له الاختيار من البواقى لأن الأولى اجتمعت معه في حالة يجوز له ابتداء نكاحها, بخلاف البواقى ولو أسلم وأسلمن معه وهو معسر فلم يختر حتى أيسر كان له أن يختار لأن حال ثبوت الاختيار كان له ذلك, فتغير حاله لا يسقط ما ثبت له كما لو تزوج أو اختار ثم أيسر لم يحرم عليه استدامة النكاح

 فصل: 

فإن أسلم وأسلمت معه واحدة منهن, وهو ممن يجوز له نكاح الإماء فله أن يختار من أسلمت معه لأن له أن يختارها لو أسلمن كلهن فكذلك إذا أسلمت وحدها وإن أحب انتظار البواقى جاز لأن له غرضا صحيحا, وهو أن يكون منهن من هي أبر عنده من هذه فإن انتظرهن فلم يسلمن حتى انقضت عدتهن تبين أن نكاح هذه كان لازما, وبان البواقى منذ اختلف الدينان وإن أسلمن في العدة اختار منهن واحدة وانفسخ نكاح الباقيات حين الاختيار, وعددهن من حين الاختيار وإن أسلم بعضهن دون بعض بان اللائى لم يسلمن منذ اختلف الدينان والبواقى من حين اختاره وإن اختار التي أسلمت معه حين أسلمت, انقطعت عصمة البواقى وثبت نكاحها فإن أسلم البواقى في العدة تبين أنهن بن منه باختياره, وعدتهن من حينئذ وإن لم يسلمن بن باختلاف الدين وعدتهن منه وإن طلق التي أسلمت معه, طلقت وكان اختيارا لها وحكم ذلك حكم ما لو اختارها صريحا لأن إيقاع طلاقه عليها يتضمن اختيارها فأما إن اختار فسخ نكاحها لم يكن له لأن الباقيات لم يسلمن معه, فما زاد العدد على ما له إمساكه في هذه الحال ولا ينفسخ النكاح ثم ننظر فإن لم يسلم البواقي, لزمه نكاحها وإن أسلمن فاختار منهن واحدة انفسخ نكاح البواقي, والأولى معهن وإن اختار الأولى التي فسخ نكاحها صح اختياره لها لأن فسخه لنكاحها لم يصح وفيه وجه آخر ذكره القاضي أنه لا يصح اختياره لها لأن فسخه إنما لم يصح مع إقامة البواقى على الكفر حتى تنقضي العدة, لأننا نتبين أن نكاحها كان لازما فإذا أسلمن لحق إسلامهن بتلك الحال وصار كأنهن أسلمن في ذلك الوقت, فإذا فسخ نكاح إحداهن صح الفسخ ولم يكن له أن يختارها وهذا يبطل بما لو فسخ نكاح إحداهن قبل إسلامها, فإنه لا يصح ولا يجعل إسلامهن الموجود في الثاني كالموجود سابقا كذلك ها هنا.

 فصل: 

ولو أسلم وتحته خمس حرائر, فأسلم معه منهن اثنتان احتمل أن يجبر على اختيار إحداهما لأنه لا بد أن يلزمه نكاح واحدة منهما فلا معنى لانتظار البواقى فإذا اختار واحدة, ولم يسلم البواقى لزمه نكاح الثانية وكذلك إن لم يسلم من البواقى إلا اثنتان لزمه نكاح الأربع وإن أسلم الجميع في العدة, كلف أن يختار ثلاثا مع التي اختارها أولا وينفسخ نكاح الباقية وعلى هذا لو أسلم معه ثلاث كلف اختيار اثنتين وإن أسلم معه أربع, كلف اختيار ثلاث منهن إذ لا معنى لانتظاره الخامسة ونكاح ثلاث منهن لازم له على كل حال ويحتمل أن لا يجبر على الاختيار لأنه إنما يكون عند زيادة العدد على أربع وما وجد ذلك, وكذلك لو أسلمت معه واحدة من الإماء لم يجبر على اختيارها كذا ها هنا والصحيح ها هنا أن يجبر على اختيارها لما ذكرنا من المعنى وأما الأمة, فقد يكون له غرض في اختيار غيرها بخلاف مسألتنا.

 مسألة: 

قال: وإذا تزوجها وهما كتابيان فأسلم قبل الدخول, أو بعده فهي زوجته وإن كانت هي المسلمة قبله وقبل الدخول, انفسخ النكاح ولا مهر لها وجملة ذلك أنه إذا أسلم زوج الكتابية قبل الدخول أو بعده أو أسلما معا, فالنكاح باق بحاله سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي لأن للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابية فاستدامته أولى ولا خلاف في هذا بين القائلين بإجازة نكاح الكتابية فأما إن أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول, تعجلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم وإن كان إسلامها بعد الدخول فالحكم فيه كالحكم فيما لو أسلم أحد الزوجين الوثنيين, على ما تقدم وإذا كانت هي المسلمة قبل الدخول فلا مهر لها لأن الفسخ منها وقد مضى الكلام في هذا أيضا بما فيه كفاية.

 فصل: 

إذا تزوج المجوسي كتابية ثم ترافعا إلينا قبل الإسلام, فرق بينهما قال أحمد في مجوسى تزوج كتابية: يحال بينه وبينها قيل: من يحول بينه وبين ذلك؟ قال: الإمام ويحتمل هذا الكلام أن يحال بينهما وإن لم يترافعا إلينا لأنها أعلى دينا منه فيمنع نكاحها كما يمنع الذمى نكاح المسلمة وإن تزوج الذمى وثنية أو مجوسية, ثم ترافعوا إلينا ففيه وجهان: أحدهما يقر على نكاحها لأنها ليست أعلى دينا منه, فيقر على نكاحها كما يقر المسلم على نكاح الكتابية والثاني لا يقر على نكاحها لأنها ممن لا يقر المسلم على نكاحها, فلا يقر الذمى على نكاحها كالمرتدة.

 مسألة: 

قال: وما سمى لها وهما كافران, فقبضته ثم أسلما فليس لها غيره, وإن كان حراما ولو لم تقبضه وهو حرام فلها عليه مهر مثلها, أو نصفه حيث أوجب ذلك وجملته أن الكفار إذا أسلموا وتحاكموا إلينا بعد العقد والقبض, لم نتعرض لما فعلوه وما قبضت من المهر فقد نفذ وليس لها غيره, حلالا كان أو حراما بدليل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } فأمر بترك ما بقي دون ما قبض وقال تعالى: { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله } ولأن التعرض للمقبوض بأبطاله يشق لتطاول الزمان, وكثرة تصرفاتهم في الحرام ففيه تنفيرهم عن الإسلام فعفي عنه, كما عفي عما تركوه من الفرائض والواجبات ولأنهما تقابضا بحكم الشرك فبرئت ذمة من هو عليه منه, كما لو تبايعا بيعا فاسدا وتقابضا وإن لم يتقابضا فإن كان المسمى حلالا وجب ما سمياه لأنه مسمى صحيح في نكاح صحيح, فوجب كتسمية المسلم وإن كان حراما كالخمر والخنزير, بطل ولم يحكم به لأن ما سمياه لا يجوز إيجابه في الحكم ولا يجوز أن يكون صداقا لمسلمة, ولا في نكاح مسلم ويجب مهر المثل إن كان بعد الدخول ونصفه إن وقعت الفرقة قبل الدخول وهذا معنى قوله: حيث أوجب ذلك وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف وقال أبو حنيفة: إن كان أصدقها خمرا أو خنزيرا معينين, فليس لها إلا ذلك وإن كانا غير معينين فلها في الخمر القيمة وفي الخنزير مهر المثل, استحسانا ولنا أن الخمر لا قيمة لها في الإسلام فكان الواجب مهر المثل كما لو أصدقها خنزيرا, ولأنه محرم فأشبه ما ذكرنا.

 فصل: 

وإن قبضت بعض الحرام دون بعض سقط من المهر بقدر ما قبض, ووجب بحصة ما بقي من مهر المثل فإن كان الصداق عشرة زقاق خمر متساوية فقبضت خمسا منها سقط نصف المهر, ووجب لها نصف مهر المثل وإن كانت مختلفة اعتبر ذلك بالكيل, في أحد الوجهين لأنه إذا وجب اعتباره اعتبر بالكيل فيما له مثل يتأتى الكيل فيه والثاني يقسم على عددها لأنه لا قيمة لها, فاستوى صغيرها وكبيرها وإن أصدقها عشرة خنازير ففيه الوجهان أحدهما يقسم على عددها لما ذكرنا, والثاني يعتبر قيمتها كأنها مما يجوز بيعه كما تقوم شجاج الحر كأنه عبد وإن أصدقها كلبا وخنزيرين وثلاثة زقاق خمر, ففيه ثلاثة أوجه أحدها يقسم على قدر قيمتها عندهم والثاني يقسم على عدد الأجناس, فيجعل لكل جنس ثلث المهر والثالث يقسم على العدد كله فلكل واحد سدس المهر, فللكلب سدسه ولكل واحد من الخنزيرين والزقاق سدسه ومذهب الشافعي فيه على نحو من هذا.

 فصل: 

فإن نكحها نكاحا فاسدا وهو ما لا يقرون عليه إذا أسلموا, كنكاح ذوات الرحم المحرم فأسلما قبل الدخول أو ترافعوا إلينا, فرق بينهما ولا مهر لها قال أحمد في المجوسية تكون تحت أخيها أو أبيها, فيطلقها أو يموت عنها فترتفع إلى المسلمين بطلب مهرها: لا مهر لها وذلك لأنه نكاح باطل من أصله لا يقر عليه في الإسلام, وحصل فيه الفرقة قبل الدخول فأما إن دخل بها فهل يجب لها مهر المثل؟ يخرج على الروايتين في المسلم إذا وطئ امرأة من محارمه بشبهة.

 فصل: 

إذا تزوج ذمى ذمية على أن لا صداق لها, أو سكت عن ذكره فلها المطالبة بفرضه إن كان قبل الدخول, وإن كان بعده فلها مهر المثل كما في نكاح المسلمين وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إن تزوجها على أن لا مهر لها, فلا شيء لها وإن سكت عن ذكره ففيه روايتان إحداهما, لا مهر لها والأخرى: لها مهر المثل واحتج بأن المهر يجب لحق الله تعالى وحقها وقد أسقطت حقها والذمى لا يطالب بحق الله تعالى ولنا, أن هذا نكاح خلا عن تسمية فيجب للمرأة فيه مهر المثل كالمسلمة وإنما وجب المهر في حق المفوضة لئلا تصير كالموهوبة والمباحة, وهذا يوجد في حق الذمى.

 فصل: 

إذا ارتفعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد لم يزوجهم إلا بشروط نكاح المسلمين لقول الله عز وجل: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} وقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ولأنه لا حاجة إلى عقده بخلاف ذلك وإن أسلموا, أو ترافعوا إلينا بعد العقد لم نتعرض لكيفية عقدهم ونظرنا في الحال فإن كانت المرأة ممن يجوز عقد النكاح عليها ابتداء, أقرهما وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كذوات محرمه, فرق بينهما فإن تزوج معتدة وأسلما أو ترافعا في عدتها فرق بينهما لأنه لا يجوز ابتداء نكاحها, وإن كان بعد انقضائها أقر لجواز ابتداء نكاحها وإن كان بينهما نكاح متعة لم يقرا عليه لأنه إن كان بعد المدة, فلم يبق بينها نكاح وإن كان في المدة فهما لا يعتقدان تأبيده, والنكاح عقد مؤبد إلا أن يكونا ممن يعتقد إفساد الشرط وصحة النكاح مؤبدا فيقران عليه وإن كان بينهما نكاح شرط فيه الخيار متى شاءا أو شاء أحدهما, لم يقرا عليه لأنهما لا يعتقدان لزومه إلا أن يعتقدا فساد الشرط وحده وإن كان خيار مدة فأسلما فيها, لم يقرا لذلك وإن كان بعدها أقرا لأنهما يعتقدان لزومه وكل ما اعتقدوه فهو نكاح يقرون عليه وما لا فلا, فلو مهر حربى حربية فوطئها أو طاوعته, ثم أسلما فإن كان ذلك في اعتقادهم نكاحا أقرا عليه لأنه نكاح لهم في من يجوز ابتداء نكاحها, فأقرا عليه كالنكاح بلا ولي وإن لم يعتقداه نكاحا, لم يقرا عليه.

 فصل: 

وأنكحة الكفار تتعلق بها أحكام النكاح الصحيح من وقوع الطلاق والظهار, والإيلاء ووجوب المهر والقسم, والإباحة للزوج الأول والإحصان وغير ذلك وممن أجاز طلاق الكفار عطاء, والشعبي والنخعي والزهري, وحماد والثوري والأوزاعي, والشافعي وأصحاب الرأي ولم يجوزه الحسن وقتادة, وربيعة ومالك ولنا أنه طلاق من بالغ عاقل في نكاح صحيح, فوقع كطلاق المسلم فإن قيل: لا نسلم صحة أنكحتهم قلنا: دليل ذلك أن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقال: { وامرأته حمالة الحطب} وقال: { امرأة فرعون } وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة وقال النبي -ﷺ-: (( ولدت من نكاح لا من سفاح )) وإذا ثبت صحتها, ثبتت أحكامها كأنكحة المسلمين فعلى هذا إذا طلق الكافر ثلاثا, ثم تزوجها قبل زوج وأصابها ثم أسلما, لم يقرا عليه وإن طلق امرأته أقل من ثلاث ثم أسلما فهي عنده على ما بقي من طلاقها وإن نكحها كتابي وأصابها, حلت لمطلقها ثلاثا سواء كان المطلق مسلما أو كافرا وإن ظاهر الذمى من امرأته ثم أسلما, فعليه كفارة الظهار لقوله تعالى { والذين يظاهرون من نسائهم} وإن آلى ثبت حكم الإيلاء لقوله تعالى: { للذين يؤلون من نسائهم}.

 فصل: 

ويحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين على ما ذكرنا في الباب قبله, إلا أنهم يقرون على الأنكحة المحرمة بشرطين أحدهما أن لا يترافعوا إلينا والثاني أن يعتقدوا إباحة ذلك في دينهم لأن الله تعالى قال: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} فدل هذا على أنهم يخلون وأحكامهم إذا لم يجيئوا إلينا ولأن النبي -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس هجر, ولم يعترض عليهم في أحكامهم ولا في أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم وقد روي عن أحمد في مجوسى تزوج نصرانية, قال: يحال بينه وبينها قيل: من يحول بينهما؟ قال الإمام قال أبو بكر لأن علينا ضررا في ذلك يعني بتحريم أولاد النصرانية علينا وهكذا يجيء على قوله في تزويج النصراني المجوسية ويجيء على هذا القول أن يحال بينهم وبين نكاح محارمهم فإن عمر رضي الله عنه كتب أن فرقوا بين كل محرم من المجوس وقال أحمد, في مجوسى ملك أمة نصرانية: يحال بينه وبينها ويجبر على بيعها لأن النصارى لهم دين فإن ملك نصراني مجوسية فلا بأس أن يطأها وقال أبو بكر عبد العزيز: لا يجوز له وطؤها أيضا لما ذكرناه من الضرر. مسألة: قال: [ولو تزوجها, وهما مسلمان فارتدت قبل الدخول انفسخ النكاح, ولا مهر لها وإن كان هو المرتد قبلها وقبل الدخول فكذلك إلا أن عليه نصف المهر] وجملة ذلك أنه إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول, انفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم إلا أنه حكي عن داود, أنه لا ينفسخ بالردة لأن الأصل بقاء النكاح ولنا قول الله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وقال تعالى: { فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ولأنه اختلاف دين يمنع الإصابة, فأوجب فسخ النكاح كما لو أسلمت تحت كافر ثم ينظر فإن كانت المرأة هي المرتدة فلا مهر لها لأن الفسخ من قبلها, وإن كان الرجل هو المرتد فعليه نصف المهر لأن الفسخ من جهته فأشبه ما لو طلق, وإن كانت التسمية فاسدة فعليه نصف مهر المثل.

 مسألة: 

قال: [وإن كانت ردتها بعد الدخول فلا نفقة لها وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها, انفسخ نكاحها ولو كان هو المرتد بعد الدخول فلم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدتها, انفسخ النكاح منذ اختلف الدينان] اختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا ارتد أحد الزوجين بعد الدخول حسب اختلافها فيما إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين, ففي إحداهما تتعجل الفرقة وهو قول أبي حنيفة ومالك وروى ذلك عن الحسن وعمر بن عبد العزيز, والثوري وزفر وأبي ثور, وابن المنذر لأن ما أوجب فسخ النكاح استوى فيه ما قبل الدخول وبعده كالرضاع والثانية يقف على انقضاء العدة, فإن أسلم المرتد قبل انقضائها فهما على النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت, بانت منذ اختلف الدينان وهذا مذهب الشافعي لأنه لفظ تقع به الفرقة فإذا وجد بعد الدخول جاز أن يقف على انقضاء العدة, كالطلاق الرجعى أو اختلاف دين بعد الإصابة فلا يوجب فسخه في الحال, كإسلام الحربية تحت الحربى وقياسه على إسلام أحد الزوجين أقرب من قياسه على الرضاع فأما النفقة, فإن قلنا بتعجيل الفرقة فلا نفقة لها لأنها بائن منه وإن قلنا: يقف على انقضاء العدة وكانت المرأة المرتدة فلا نفقة لها لأنه لا سبيل للزوج إلى رجعتها, وتلافى نكاحها فلم يكن لها نفقة كما بعد العدة وإن كان هو المرتد, فعليه النفقة للعدة لأنه بسبيل من الاستمتاع بها بأن يسلم ويمكنه تلافى نكاحها, فكانت النفقة واجبة عليه كزوج الرجعية.

 فصل: 

فإن ارتد الزوجان معا فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة, وإن كان بعده فهل تتعجل أو يقف على انقضاء العدة؟ على روايتين وهذا مذهب الشافعي قال أحمد, في رواية ابن منصور: إذا ارتدا معا أو أحدهما ثم تابا, أو تاب فهو أحق بها ما لم تنقض العدة وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ النكاح استحسانا لأنه لم يختلف بهما الدين, فأشبه ما لو أسلما ولنا أنها ردة طارئة على النكاح فوجب أن يتعلق بها فسخه, كما لو ارتد أحدهما ولأن كل ما زال عنه ملك المرتد إذا ارتد وحده زال إذا ارتد غيره معه, كماله وما ذكروه يبطل بما إذا انتقل المسلم واليهودية إلى دين النصرانية فإن نكاحهما ينفسخ, وقد انتقلا إلى دين واحد وأما إذا أسلما فقد انتقلا إلى دين الحق ويقران عليه, بخلاف الردة.

 فصل: 

إذا ارتد أحد الزوجين أو ارتدا معا منع وطؤها, فإن وطئها في عدتها وقلنا: إن الفرقة تعجلت فلها عليه مهر مثلها لهذا الوطء مع الذي يثبت عليه بالنكاح لأنه وطئ أجنبية, فيكون عليه مهر مثلها وإن قلنا: إن الفرقة موقوفة على انقضاء العدة فأسلم المرتد منهما أو أسلما جميعا في عدتها وكانت الردة منهما, فلا مهر لها عليه بهذا الوطء لأنا تبينا أن النكاح لم يزل وأنه وطئها وهي زوجته وإن ثبتا أو ثبت المرتد منهما على الردة, حتى انقضت عدتها فلها عليه مهر المثل لهذا الوطء لأنه وطء في غير نكاح يشبه النكاح لأننا تبينا أن الفرقة وقعت منذ اختلف الدينان وكذا الحكم فيما إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول, فوطئها في العدة قبل إسلام الآخر فالحكم فيه مثل الحكم ها هنا لما ذكرنا من التعليل فيه.

 فصل: 

وإذا أسلم أحد الزوجين ثم ارتد, نظرت فإن لم يسلم الآخر في العدة تبينا أن وقوع الفرقة كان منذ اختلف الدينان وعدتها من حين أسلم المسلم منهما, وإن أسلم الأخر منهما في العدة قبل ارتداد الأول اعتبر ابتداء العدة من حين ارتد لأن حكم اختلاف الدين بإسلام الأول زال بإسلام الثاني في العدة ولو أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه, ثم ارتد لم يكن له أن يختار منهن لأنه لا يجوز أن يبتدئ العقد عليهن في هذه الحال وكذلك لو ارتددن دونه أو معه لم يكن له أن يختار منهن لذلك.

 فصل: 

وإذا تزوج الكافر بمن لا يقر على نكاحه في الإسلام مثل أن جمع بين الأختين, أو بين عشر نسوة أو نكح معتدة أو مرتدة ثم طلقها ثلاثا, ثم أسلما لم يكن له أن ينكحها لأننا أجرينا أحكامهم على الصحة فيما يعتقدونه في النكاح فكذلك في الطلاق, ولهذا جاز له إمساك الثانية من الأختين والخامسة المعقود عليها آخرا.

 مسألة: 

قال: [وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته, فلا نكاح بينهما وإن سموا مع ذلك صداقا أيضا] هذا النكاح يسمى الشغار فقيل: إنما سمى شغارا لقبحه تشبيها برفع الكلب رجله ليبول, في القبح يقال: شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول وحكي عن الأصمعى أنه قال: الشغار: الرفع فكأن كل واحد منهما رفع رجله للآخر عما يريد ولا تختلف الرواية عن أحمد في أن نكاح الشغار فاسد رواه عنه جماعة قال أحمد: وروي عن عمر, وزيد بن ثابت أنهما فرقا فيه وهو قول مالك والشافعي وإسحاق حكي عن عطاء, وعمرو بن دينار ومكحول والزهري, والثوري أنه يصح وتفسد التسمية, ويجب مهر المثل لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد كما لو تزوج على خمر أو خنزير وهذا كذلك ولنا, ما روى ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- (( نهى عن الشغار )) متفق عليه وروى أبو هريرة مثله أخرجه مسلم وروى الأثرم بإسناد عن عمران بن حصين أن رسول الله -ﷺ- قال: (( لا جلب, ولا جنب ولا شغار في الإسلام )) ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفا في الآخر فلم يصح, كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبى وقولهم: إن فساده من قبل التسمية قلنا: لا بل فساده من جهة أنه وقفه على شرط فاسد أو لأنه شرط تمليك البضع لغير الزوج فإنه جعل تزويجه إياها مهرا للأخرى, فكأنه ملكه إياه بشرط انتزاعه منه إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يقول: على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى أو لم يقل ذلك وقال الشافعي: هو أن يقول ذلك ولا يسمى لكل واحدة صداقا لما روى ابن عمر, أن النبي -ﷺ- (( نهى عن الشغار )) والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجتك بنتى على أن تزوجني بنتك ويكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- (( نهى عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته, وليس بينهما صداق )) هذا لفظ الحديث الصحيح المتفق عليه وفي حديث أبي هريرة: (( والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتى أو زوجني أختك, وأزوجك أختي )) رواه مسلم وهذا يجب تقديمه لصحته وعلى أنه قد أمكن الجمع بينهما بأن يعمل بالجميع ويفسد النكاح بأى ذلك كان ولأنه إذا شرط في نكاح إحداهما تزويج الأخرى فقد جعل بضع كل واحدة صداق الأخرى, ففسد كما لو لفظ به فأما إن سموا مع ذلك صداقا, فقال: زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك ومهر كل واحدة منهما مائة, أو مهر ابنتى مائة ومهر ابنتك خمسون أو أقل أو أكثر فالمنصوص عن أحمد, فيما وقفنا عليه صحته وهو قول الشافعي لما تقدم من حديث ابن عمر ولأنه قد سمى صداقا, فصح كما لو لم يشترط ذلك وقال الخرقي: لا يصح لحديث أبي هريرة ولما روى أبو داود, عن الأعرج أن العباس بن عبيد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته, وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلا صداقا فكتب معاوية إلى مروان, فأمره أن يفرق بينهما وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله -ﷺ- ولأنه شرط نكاح إحداهما لنكاح الأخرى فلم يصح, كما لو لم يسميا صداقا يحققه أن عدم التسمية ليس بمفسد للعقد بدليل نكاح المفوضة فدل على أن المفسد هو الشرط, وقد وجد ولأنه سلف في عقد فلم يصح, كما لو قال: بعتك ثوبى بعشرة على أن تبيعني ثوبك بعشرين وهذا الاختلاف فيما إذا لم يصرح بالتشريك فأما إذا قال: زوجتك ابنتي, على أن تزوجني ابنتك ومهر كل واحدة منهما مائة وبضع الأخرى فالنكاح فاسد لأنه صرح بالتشريك فلم يصح العقد, كما لو لم يذكر مسمى

 فصل: 

ومتى قلنا بصحة العقد إذا سميا صداقا ففيه وجهان: أحدهما تفسد التسمية, ويجب مهر المثل وهذا قول الشافعي لأن كل واحد منهما لم يرض بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليه صاحبه فينقص المهر لهذا الشرط وهو باطل, فإذا احتجنا إلى ضمان النقص صار المسمى مجهولا فبطل والوجه الذي ذكره القاضي في (( الجامع )), أنه يجب المسمى لأنه ذكر قدرا معلوما يصح أن يكون مهرا فصح كما لو قال: زوجتك ابنتى على ألف, على أن لي منها مائة والله أعلم.

 فصل: 

وإن سمى لإحداهما مهرا دون الأخرى فقال أبو بكر: يفسد النكاح فيهما لأنه فسد في إحداهما ففسد في الأخرى والأولى أنه يفسد في التي لم يسم لها صداقا لأن نكاحها خلا من صداق سوى نكاح الأخرى, ويكون في التي سمى لها صداقا روايتان لأن فيه تسمية وشرطا فأشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما مهرا ذكره القاضي هكذا.

 فصل: 

فإن قال: زوجتك جاريتى هذه على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبتها صداقا لابنتك لم يصح تزويج الجارية, في قياس المذهب لأنه لم يجعل لها صداقا سوى تزويج ابنته وإذا زوجه ابنته على أن يجعل رقبة الجارية صداقا لها صح لأن الجارية تصلح أن تكون صداقا وإن زوج عبده امرأة, وجعل رقبته صداقا لها لم يصح الصداق لأن ملك المرأة زوجها يمنع صحة النكاح فيفسد الصداق, ويصح النكاح ويجب مهر المثل.

 مسألة: 

قال: [ولا يجوز نكاح المتعة] معنى نكاح المتعة أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتى شهرا, أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو قدوم الحاج وشبهه, سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة فهذا نكاح باطل نص عليه أحمد فقال: نكاح المتعة حرام وقال أبو بكر: فيها رواية أخرى أنها مكروهة غير حرام لأن ابن منصور سأل أحمد عنها, فقال: يجتنبها أحب إلى وقال فظاهر هذا الكراهة دون التحريم وغير أبي بكر من أصحابنا يمنع هذا ويقول: في المسألة رواية واحدة في تحريمها وهذا قول عامة الصحابة والفقهاء وممن روي عنه تحريمها عمر وعلي, وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير قال ابن عبد البر: وعلى تحريم المتعة مالك, وأهل المدينة وأبو حنيفة في أهل العراق والأوزاعي في أهل الشام, والليث في أهل مصر والشافعي وسائر أصحاب الآثار وقال زفر: يصح النكاح, ويبطل الشرط وحكي عن ابن عباس أنها جائزة وعليه أكثر أصحاب عطاء وطاوس وبه قال ابن جريج وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر وإليه ذهب الشيعة لأنه قد ثبت أن النبي -ﷺ- أذن فيها, وروى أن عمر قال: (( متعتان كانتا على عهد رسول الله -ﷺ- أفأنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج )) ولأنه عقد على منفعة, فيكون مؤقتا كالإجارة ولنا ما روى الربيع بن سبرة أنه قال أشهد على أبي, أنه حدث (( أن النبي -ﷺ- نهى عنه في حجة الوداع )) وفي لفظ: أن رسول الله -ﷺ- (( حرم متعة النساء )) رواه أبو داود وفي لفظ رواه ابن ماجه أن رسول الله -ﷺ- قال (( يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع, ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة )) وروي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه (( أن رسول الله -ﷺ- نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية )) رواه مالك في (( الموطأ )) وأخرجه الأئمة النسائي وغيره واختلف أهل العلم في الجمع بين هذين الخبرين, فقال قوم: في حديث على تقديم وتأخير وتقديره أن النبي -ﷺ- نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ونهى عن متعة النساء, ولم يذكر ميقات النهى عنها وقد بينه الربيع بن سبرة في حديثه أنه كان في حجة الوداع حكاه الإمام أحمد عن قوم, وذكره ابن عبد البر وقال الشافعي: لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة فحمل الأمر على ظاهره, وأن النبي -ﷺ- حرمها يوم خيبر ثم أحلها في حجة الوداع ثلاثة أيام ثم حرمها, ولأنه لا تتعلق به أحكام النكاح من الطلاق والظهار, واللعان والتوارث فكان باطلا, كسائر الأنكحة الباطلة وأما قول ابن عباس فقد حكي عنه الرجوع عنه فروى أبو بكر, بإسناده عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: لقد كثرت القالة في المتعة حتى قال فيها الشاعر: أقول وقد طال الثواء بنا معا ** هل لك في رخصة الأطراف آنسة يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ** تكون مثواك حتى مصدر الناس فقام خطيبا, وقال: إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير فأما إذن رسول الله -ﷺ- فيها فقد ثبت نسخه وأما حديث عمر إن صح عنه فالظاهر أنه إنما قصد الإخبار عن تحريم النبي -ﷺ- لها ونهيه عنها إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبي -ﷺ- أباحه, وبقي على إباحته.

 فصل: 

وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد, فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال: هو نكاح متعة والصحيح أنه لا بأس به, ولا تضر نيته وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته وحسبه إن وافقته وإلا طلقها.

 مسألة: 

قال: [ولو تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه, لم ينعقد النكاح] يعني إذا تزوجها بشرط أن يطلقها في وقت معين لم يصح النكاح سواء كان معلوما أو مجهولا مثل أن يشترط عليه طلاقها إن قدم أبوها أو أخوها وقال أبو حنيفة: يصح النكاح, ويبطل الشرط وهو أظهر قولي الشافعي قاله في عامة كتبه لأن النكاح وقع مطلقا وإنما شرط على نفسه شرطا, وذلك لا يؤثر فيه كما لو شرط أن لا يتزوج عليها ولا يسافر بها ولنا, أن هذا شرط مانع من بقاء النكاح فأشبه نكاح المتعة ويفارق ما قاسوا عليه, فإنه لم يشترط قطع النكاح.

 مسألة: 

قال: [وكذلك إن شرط عليه أن يحلها لزوج كان قبله] وجملته أن نكاح المحلل حرام باطل في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي وقتادة, ومالك والليث والثوري, وابن المبارك والشافعي وسواء قال: زوجتكها إلى أن تطأها أو شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما, أو أنه إذا أحلها للأول طلقها وحكي عن أبي حنيفة أنه يصح النكاح ويبطل الشرط وقال الشافعي في الصورتين الأوليين: لا يصح وفي الثالثة على قولين ولنا ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (( لعن الله المحلل, والمحلل له )) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي, وقال: حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- منهم عمر بن الخطاب وعثمان, وعبد الله بن عمر وهو قول الفقهاء من التابعين وروى ذلك عن على وابن مسعود وابن عباس وقال ابن مسعود: (( المحلل والمحلل له ملعون, على لسان محمد -ﷺ- )) وروى ابن ماجه عن عقبة بن عامر أن النبي -ﷺ- قال: (( ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له )) وروى الأثرم, بإسناده عن قبيصة بن جابر قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس, وهو يقول: والله لا أوتى بمحل ولا محلل له إلا رجمتهما ولأنه نكاح إلى مدة أو فيه شرط يمنع بقاءه فأشبه نكاح المتعة.

 فصل: 

فإن شرط عليه التحليل قبل العقد ولم يذكره في العقد ونواه في العقد أو نوى التحليل من غير شرط فالنكاح باطل أيضا قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يتزوج المرأة, وفي نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك قال: هو محلل إذا أراد بذلك الإحلال, فهو ملعون وهذا ظاهر قول الصحابة رضي الله عنهم وروى نافع عن ابن عمر أن رجلا قال له: امرأة تزوجتها, أحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم قال: لا, إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكها وإن كرهتها فارقها قال: وإن كنا نعده على عهد رسول الله -ﷺ- سفاحا وقال: لا يزالان زانيين, وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه يريد أن يحلها وهذا قول عثمان رضي الله عنه وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له إن عمى طلق امرأته ثلاثا, أيحلها له رجل؟ قال: من يخادع الله يخدعه وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي, وقتادة وبكر المزني والليث, ومالك والثوري وإسحاق, وقال أبو حنيفة والشافعي: العقد صحيح وذكر القاضي في صحته وجها مثل قولهما لأنه خلا عن شرط يفسده فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال, أو ما لو نوت المرأة ذلك ولأن العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد بدليل ما لو اشترى عبدا فشرط أن يبيعه, لم يصح ولو نوى ذلك لم يبطل ولأنه روي عن عمر, رضي الله عنه ما يدل على إجازته وروى أبو حفص بإسناده عن محمد بن سيرين, قال: قدم مكة رجل ومعه إخوة له صغار وعليه إزار, من بين يديه رقعة ومن خلفه رقعة فسأل عمر, فلم يعطه شيئا فبينما هو كذلك إذ نزغ الشيطان بين رجل من قريش وبين امرأته فطلقها فقال لها: هل لك أن تعطى ذا الرقعتين شيئا, ويحلك لي؟ قالت: نعم إن شئت فأخبروه بذلك قال: نعم وتزوجها ودخل بها فلما أصبحت أدخلت إخوته الدار فجاء القرشى يحوم حول الدار, ويقول: يا ويله غلب على امرأته فأتى عمر, فقال: يا أمير المؤمنين غلبت على امرأتى قال: من غلبك؟ قال: ذو الرقعتين قال: أرسلوا إليه فلما جاء الرسول قالت له المرأة: كيف موضعك من قومك؟ قال: ليس بموضعى بأس قالت: إن أمير المؤمنين يقول لك: طلق امرأتك فقل: لا, والله لا أطلقها فإنه لا يكرهك وألبسته حلة فلما رآه عمر من بعيد قال: الحمد لله الذي رزق ذا الرقعتين فدخل عليه فقال: أتطلق امرأتك؟ قال: لا, والله لا أطلقها قال عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط ورواه سعيد عن هشيم عن يونس بن عبيد, عن ابن سيرين نحوا من هذا وقال: من أهل المدينة وهذا قد تقدم فيه الشرط على العقد ولم ير به عمر بأسا ولنا قول النبي -ﷺ-: (( لعن الله المحلل والمحلل له )) وقول من سمينا من الصحابة, ولا مخالف لهم فيكون إجماعا ولأنه قصد به التحليل, فلم يصح كما لو شرطه أما حديث ذى الرقعتين فقال أحمد: ليس له إسناد, يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر وقال أبو عبيد: هو مرسل فأين هو من الذي سمعوه يخطب به على المنبر: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما ولأنه ليس فيه أن ذا الرقعتين قصد التحليل ولا نواه وإذا كان كذلك, لم يتناول محل النزاع.

 فصل: 

فإن شرط عليه أن يحلها قبل العقد فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه وقصد نكاح رغبة, صح العقد لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه فصح كما لو لم يذكر ذلك, وعلى هذا يحمل حديث ذى الرقعتين وإن قصدت المرأة التحليل أو وليها دون الزوج لم يؤثر ذلك في العقد وقال الحسن وإبراهيم: إذا هم أحد الثلاثة, فسد النكاح قال أحمد: كان الحسن وإبراهيم والتابعون يشددون في ذلك قال أحمد: الحديث عن النبي -ﷺ-: " أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ " ونية المرأة ليس بشيء إنما قال النبي -ﷺ-: (( لعن الله المحلل والمحلل له )) ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج لأنه الذي إليه المفارقة والإمساك أما المرأة فلا تملك رفع العقد, فوجود نيتها وعدمها سواء وكذلك الزوج الأول لا يملك شيئا من العقد ولا من رفعه, فهو أجنبي كسائر الأجانب فإن قيل: فكيف لعنه النبي -ﷺ-؟ قلنا: إنما لعنه إذا رجع إليها بذلك التحليل لأنها لم تحل له فكان زانيا فاستحق اللعنة لذلك.

 فصل: 

فإن اشترى عبدا, فزوجها إياه ثم وهبها إياه لينفسخ النكاح بملكها له لم يصح قال أحمد في رواية حنبل: إذا طلقها ثلاثا, وأراد أن يراجعها فاشترى عبدا فأعتقه, وزوجها إياه فهذا الذي نهى عنه عمر يؤدبان جميعا, وهذا فاسد ليس بكفء وهو شبه المحلل وعلل أحمد فساده بشيئين: أحدهما شبهه بالمحلل, لأنه إنما زوجه إياها ليحلها له والثاني كونه ليس بكفء لها وتزويجه لها في حال كونه عبدا أبلغ في هذا المعنى لأن العبد في عدم الكفاءة أشد من المولى, والسيد له سبيل إلى إزالة نكاحه من غير إرادته بأن يهبه للمرأة فينفسخ نكاحه بملكها إياه, والمولى بخلاف ذلك ويحتمل أن يصح النكاح إذا لم يقصد العبد التحليل لأن المعتبر في الفساد نية الزوج لا نية غيره, ولم ينو وإذا كان مولى ولم ينو التحليل فهو أولى بالصحة لأنه لا سبيل لمعتقه إلى فسخ نكاحه فلا عبرة بنيته.

 مسألة: 

قال: وإذا عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره, أو عقد أحد نكاحا لمحرم أو على محرمة فالنكاح فاسد وجملته أن المحرم إذا تزوج لنفسه أو عقد النكاح لغيره, ككونه وليا أو وكيلا فإنه لا يصح لقول النبي -ﷺ-: (( لا ينكح المحرم ولا ينكح, ولا يخطب )) رواه مسلم وإن عقد الحلال نكاحا لمحرم بأن يكون وكيلا له أو وليا عليه, أو عقده على محرمة لم يصح لدخوله في عموم الحديث لأنه إذا تزوج له وكيله فقد نكح وحكى القاضي في كون المحرم وليا لغيره روايتين إحداهما, لا تصح وهي اختيار الخرقي والثانية تصح وهي اختيار أبي بكر لأن النكاح حرم على المحرم لأنه من دواعى الوطء المفسد للحج, ولا يحصل ذلك فيه بكونه وليا فيه لغيره والأول أولى لدخوله في عموم الخبر ولأنه عقد لا يصح للمحرم فلا يصح منه كشراء الصيد وقد مضت هذه المسألة في الحج بأبسط من هذا الشرح. مسألة: قال: وأي الزوجين وجد بصاحبه جنونا, أو جذاما أو برصا أو كانت المرأة رتقاء, أو قرناء أو عفلاء أو فتقاء, أو الرجل مجنونا فلمن وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة:

 الفصل الأول: 

أن خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه في الجملة روى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه, وابن عباس وبه قال جابر بن زيد والشافعي وإسحاق وروي عن على: لا ترد الحرة بعيب وبه قال النخعي, والثوري وأصحاب الرأي وعن ابن مسعود: لا ينفسخ النكاح بعيب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه إلا أن يكون الرجل مجبوبا أو عنينا, فإن للمرأة الخيار فإن اختارت الفراق فرق الحاكم بينهما بطلقة, ولا يكون فسخا لأن وجود العيب لا يقتضي فسخ النكاح كالعمى والزمانة وسائر العيوب ولنا أن المختلف فيه عيب يمنع الوطء فأثبت الخيار, كالجب والعنة ولأن المرأة أحد العوضين في عقد النكاح فجاز ردها بالعيب, كالصداق أو أحد العوضين في عقد النكاح فجاز رده بالعيب, أو أحد الزوجين فثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة وأما غير هذه العيوب فلا يمنع المقصود بعقد النكاح, وهو الوطء بخلاف العيوب المختلف فيها فإن قيل: فالجنون والجذام والبرص لا يمنع الوطء قلنا: بل يمنعه فإن ذلك يوجب نفرة تمنع قربانه بالكلية ومسه ويخاف منه التعدي إلى نفسه ونسله, والمجنون يخاف منه الجناية فصار كالمانع الحسى.

 الفصل الثاني: 

في عدد العيوب المجوزة للفسخ وهي فيما ذكر الخرقي ثمانية: ثلاثة يشترك فيها الزوجان وهي: الجنون, والجذام والبرص واثنان يختصان الرجل وهما الجب والعنة وثلاثة تختص بالمرأة وهي الفتق, والقرن والعفل وقال القاضي: هي سبعة جعل القرن والعفل شيئا واحدا وهو الرتق أيضا, وذلك لحم ينبت في الفرج وحكي ذلك عن أهل الأدب وحكي نحوه عن أبي بكر وذكره أصحاب الشافعي وقال الشافعي: القرن عظم في الفرج يمنع الوطء وقال غيره: لا يكون في الفرج عظم, إنما هو لحم ينبت فيه وحكي عن أبي حفص أن العفل كالرغوة في الفرج يمنع لذة الوطء فعلى هذا يكون عيبا ناميا وقال أبو الخطاب: الرتق أن يكون الفرج مسدودا يعني أن يكون ملتصقا لا يدخل الذكر فيه والقرن والعفل لحم ينبت في الفرج فيسده, فهما في معنى الرتق إلا أنهما نوع آخر وأما الفتق فهو انخراق ما بين مجرى البول ومجرى المني وقيل: ما بين القبل والدبر وذكرها أصحاب الشافعي سبعة أسقطوا منها الفتق, ومنهم من جعلها ستة جعل القرن والعفل شيئا واحدا وإنما اختص الفسخ بهذه العيوب لأنها تمنع الاستمتاع المقصود بالنكاح فإن الجذام والبرص يثيران نفرة في النفس تمنع قربانه, ويخشى تعديه إلى النفس والنسل فيمنع الاستمتاع والجنون يثير نفرة ويخشى ضرره, والجب والرتق يتعذر معه الوطء والفتق يمنع لذة الوطء وفائدته وكذلك العفل, على قول من فسره بالرغوة فإن اختلفا في وجود العيب مثل أن يكون بجسده بياض يمكن أن يكون بهقا أو مرارا واختلفا في كونه برصا, أو كانت به علامات الجذام من ذهاب شعر الحاجبين فاختلفا في كونه جذاما, فإن كانت للمدعى بينة من أهل الخبرة والثقة يشهدان له بما قال ثبت قوله, وإلا حلف المنكر والقول قوله لقول النبي -ﷺ-: (( ولكن اليمين على المدعى عليه )) وإن اختلفا في عيوب النساء أريت النساء الثقات, ويقبل فيه قول امرأة واحدة فإن شهدت بما قال الزوج وإلا فالقول قول المرأة وأما الجنون, فإنه يثبت الخيار سواء كان مطبقا أو كان يجن في الأحيان لأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله إلا أن يكون مريضا يغمى عليه, ثم يزول فذلك مرض لا يثبت به خيار فإن زال المرض ودام به الإغماء, فهو كالجنون يثبت به الخيار وأما الجب, فهو أن يكون جميع ذكره مقطوعا أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع به فإن بقي منه ما يمكن الجماع به, ويغيب منه في الفرج قدر الحشفة فلا خيار لها لأن الوطء يمكن وإن اختلفا في ذلك فالقول قول المرأة لأنه يضعف بالقطع, والأصل عدم الوطء ويحتمل أن القول قوله كما لو ادعى الوطء في العنة ولأن له ما يمكن الجماع بمثله, فأشبه من له ذكر قصير

 الفصل الثالث: 

أنه لا يثبت الخيار لغير ما ذكرناه لأنه لا يمنع من الاستمتاع المعقود عليه ولا يخشى تعديه فلم يفسخ به النكاح, كالعمى والعرج ولأن الفسخ إنما يثبت بنص أو إجماع أو قياس ولا نص في غير هذه ولا إجماع, ولا يصح قياسها على هذه العيوب لما بينهما من الفرق وقال أبو بكر وأبو حفص: إذا كان أحدهما لا يستمسك بوله ولا خلاءه فللآخر الخيار قال أبو الخطاب: ويتخرج على ذلك من به الباسور والناصور والقروح السيالة في الفرج, لأنها تثير نفرة وتتعدى نجاستها وتسمى من لا تحبس نجوها الشريم, ومن لا تحبس بولها المشولة ومثلها من الرجال الأفين قال أبو حفص: والخصاء عيب يرد به وهو أحد قولي الشافعي لأن فيه نقصا وعارا ويمنع الوطء أو يضعفه وقد روى أبو عبيد, بإسناده عن سليمان بن يسار أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصى فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا قال: أعلمها, ثم خيرها وفي البخر وكون أحد الزوجين خنثى وجهان أحدهما, يثبت الخيار لأن فيه نفرة ونقصا وعارا والبخر: نتن الفم وقال ابن حامد: هو نتن في الفرج يثور عند الوطء وهذا إن أراد به أنه يسمى أيضا بخرا ويثبت الخيار, وإلا فلا معنى له فإن نتن الفم يسمى بخرا ويمنع مقاربة صاحبه إلا على كره وما عدا هذه فلا يثبت الخيار, وجها واحدا كالقرع والعمى, والعرج وقطع اليدين والرجلين لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه ولا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا, إلا أن الحسن قال: إذا وجد الآخر عقيما يخير وأحب أحمد أن يتبين أمره وقال: عسى امرأته تريد الولد وهذا في ابتداء النكاح فأما الفسخ فلا يثبت به, ولو ثبت بذلك لثبت في الآيسة ولأن ذلك لا يعلم فإن رجالا لا يولد لأحدهم وهو شاب, ثم يولد له وهو شيخ ولا يتحقق ذلك منهما وأما سائر العيوب فلا يثبت بها فسخ عندهم والله أعلم.

 الفصل الرابع: 

أنه إذا أصاب أحدهما بالآخر عيبا وبه عيب من غير جنسه, كالأبرص يجد المرأة مجنونة أو مجذومة فلكل واحد منهما الخيار لوجود سببه إلا أن يجد المجبوب المرأة رتقاء, فلا ينبغي أن يثبت لهما خيار لأن عيبه ليس هو المانع لصاحبه من الاستمتاع وإنما امتنع لعيب نفسه وإن وجد أحدهما بصاحبه عيبا به مثله ففيه وجهان: أحدهما, لا خيار لهما لأنهما متساويان ولا مزية لأحدهما على صاحبه فأشبها الصحيحين والثاني, له الخيار لوجود سببه فأشبه ما لو غر عبد بأمة.

 فصل: 

وإن حدث العيب بأحدهما بعد العقد ففيه وجهان أحدهما, يثبت الخيار وهو ظاهر قول الخرقي لأنه قال: فإن جب قبل الدخول فلها الخيار في وقتها لأنه عيب في النكاح يثبت الخيار مقارنا فأثبته طارئا, كالإعسار وكالرق فإنه يثبت الخيار إذا قارن مثل أن تغر الأمة من عبد, ويثبته إذا طرأت الحرية مثل إن عتقت الأمة تحت العبد ولأنه عقد على منفعة, فحدوث العيب بها يثبت الخيار كالإجارة والثاني لا يثبت الخيار وهو قول أبي بكر وابن حامد ومذهب مالك لأنه عيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد, أشبه الحادث بالمبيع وهذا ينتقض بالعيب الحادث في الإجارة وقال أصحاب الشافعي: إن حدث بالزوج أثبت الخيار وإن حدث بالمرأة, فكذلك في أحد الوجهين والآخر, لا يثبته لأن الرجل يمكنه طلاقها بخلاف المرأة ولنا أنهما تساويا فيما إذا كان العيب سابقا, فتساويا فيه لاحقا كالمتبايعين.

 فصل: 

ومن شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب أن لا يكون عالما بها وقت العقد, ولا يرضى بها بعده فإن علم بها في العقد أو بعده فرضي, فلا خيار له لا نعلم فيه خلافا لأنه رضي به فأشبه مشترى المعيب وإن ظن العيب يسيرا فبان كثيرا كمن ظن أن البرص في قليل من جسده, فبان في كثير منه فلا خيار له أيضا لأنه من جنس ما رضي به وإن رضي بعيب, فبان به غيره فله الخيار لأنه وجد به عيبا لم يرض به ولا بجنسه, فثبت له الخيار كالمبيع إذا رضي بعيب فيه فوجد به غيره وإن رضي بعيب, فزاد بعد العقد كأن به قليل من البرص فانبسط في جلده, فلا خيار له لأن رضاه به رضي بما يحدث منه.

 فصل: 

وخيار العيب ثابت على التراخى لا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى به, من القول أو الاستمتاع من الزوج أو التمكين من المرأة هذا ظاهر كلام الخرقي لقوله: فإن علمت أنه عنين, فسكتت عن المطالبة ثم طالبت بعد فلها ذلك, وذكر القاضي أنه على الفور وهو مذهب الشافعي فمتى أخر الفسخ مع العلم والإمكان بطل خياره لأنه خيار الرد بالعيب فكان على الفور كالذي في البيع ولنا, أنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على التراخى كخيار القصاص, وخيار العيب في المبيع يمنعه ثم الفرق بينهما أن ضرره في المبيع غير متحقق لأنه قد يكون المقصود ماليته أو خدمته ويحصل ذلك مع عيبه وهاهنا المقصود الاستمتاع, ويفوت ذلك بعيبه وأما خيار المجبرة والشفعة والمجلس فهو لدفع ضرر غير متحقق

 فصل: 

ويحتاج الفسخ إلى حكم حاكم لأنه مجتهد فيه فهو كفسخ العنة, والفسخ للإعسار بالنفقة ويخالف خيار المعتقة فإنه متفق عليه.

 مسألة: 

قال: وإذا فسخ قبل المسيس فلا مهر وإن كان بعده, وادعى أنه ما علم حلف وكان له أن يفسخ, وعليه المهر يرجع به على من غره الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة:

 الفصل الأول: 

أن الفسخ إذا وجد قبل الدخول فلا مهر لها عليه, سواء كان من الزوج أو المرأة وهذا قول الشافعي لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها فسقط مهرها, كما لو فسخته برضاع زوجة له أخرى وإن كان منه فإنما فسخ لعيب بها دلسته بالإخفاء, فصار الفسخ كأنه منها فإن قيل: فهلا جعلتم فسخها لعيبه كأنه منه لحصوله بتدليسه؟ قلنا: العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت فسخ العقد مع سلامة ما عقدت عليه, رجع العوض إلى العاقد معها وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها, لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضا فافترقا.

 الفصل الثاني: 

أن الفسخ إذا كان بعد الدخول فلها المهر لأن المهر يجب بالعقد, ويستقر بالدخول فلا يسقط بحادث بعده ولذلك لا يسقط بردتها, ولا بفسخ من جهتها ويجب المهر المسمى وذكر القاضي في " المجرد " فيه روايتين إحداهما, يجب المسمى والأخرى مهر المثل بناء على الروايتين في العقد الفاسد وقال الشافعي: الواجب مهر المثل لأن الفسخ استند إلى العقد, فصار كالعقد الفاسد ولنا أنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح فوجب المسمى, كغير المعيبة وكالمعتقة تحت عبد والدليل على أن النكاح صحيح أنه وجد بشروطه وأركانه, فكان صحيحا كما لو لم يفسخه ولأنه لو لم يفسخه لكان صحيحا, فكذلك إذا فسخه كنكاح الأمة إذا عتقت تحت عبد ولأنه تترتب عليه أحكام الصحة من ثبوت الإحصان والإباحة للزوج الأول, وسائر أحكام الصحيح ولأنه لو كان فاسدا لما جاز إبقاؤه وتعين فسخه وما ذكروه غير صحيح فإن الفسخ يثبت حكمه من حينه غير سابق عليه, وما وقع على صفة يستحيل أن يكون واقعا على غيرها وكذلك لو فسخ البيع بعيب لم يصر العقد فاسدا ولا يكون النماء لغير المشتري, ولو كان المبيع أمة فوطئها لم يجب به مهرها, فكذلك النكاح.

 الفصل الثالث: 

إذا علم بالعيب وقت العقد أو بعده ثم وجد منه رضا أو دلالة عليه, كالدخول بالمرأة أو تمكينها إياه من الوطء لم يثبت له الفسخ لأنه رضي بإسقاط حقه فسقط, كما لو علم المشترى بالعيب فرضيه وإذا اختلفا في العلم فالقول قول من ينكره لأن الأصل عدمه.

 الفصل الرابع: 

أنه يرجع بالمهر على من غره وقال أبو بكر: فيه روايتان إحداهما يرجع به والأخرى: لا يرجع والصحيح أن المذهب رواية واحدة, وأنه يرجع به فإن أحمد قال: كنت أذهب إلى قول على فهبته فملت إلى قول عمر: إذا تزوجها فرأى جذاما أو برصا, فإن لها المهر بمسيسه إياها ووليها ضامن للصداق وهذا يدل على أنه رجع إلى هذا القول وبه قال الزهري, وقتادة ومالك والشافعي في القديم وروي عن على أنه قال: لا يرجع وبه قال أبو حنيفة, والشافعي في الجديد لأنه ضمن ما استوفى بدله وهو الوطء فلا يرجع به على غيره, كما لو كان المبيع معيبا فأكله ولنا ما روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب, قال قال: عمر بن الخطاب: أيما رجل تزوج بامرأة بها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها, وذلك لزوجها غرم على وليها ولأنه غره في النكاح بما يثبت الخيار فكان المهر عليه كما لو غره بحرية أمة وإذا ثبت هذا, فإن كان الولي علم غرم وإن لم يكن علم فالتغرير من المرأة فيرجع عليها بجميع الصداق وإن اختلفوا في علم الولي, فشهدت بينة عليه بالإقرار بالعلم وإلا فالقول قوله مع يمينه قال الزهري وقتادة: إن علم الولي غرم, وإلا استحلف بالله العظيم أنه ما علم ثم هو على الزوج وقال القاضي: إن كان أبا أو جدا, أو ممن يجوز له أن يراها فالتغرير من جهته علم أو لم يعلم وإن كان ممن لا يجوز له أن يراها, كابن العم والمولى وعلم غرم, وإن أنكر ولم تقم بينة بإقراره فالقول قوله, ويرجع على المرأة بجميع الصداق وهذا قول مالك إلا أنه قال: إذا ردت المرأة ما أخذت ترك لها قدر ما تستحل به لئلا تصير كالموهوبة وللشافعي قولان, كقول مالك والقاضي ولنا على أن الولي إذا لم يعلم لا يغرم أن التغرير من غيره, فلم يغرم كما لو كان ابن عم وعلى أنه يرجع بكل الصداق أنه مغرور منها, فرجع بكل الصداق كما لو غره الولي وقولهم: لا يخفى على من يراها لا يصح فإن عيوب الفرج لا اطلاع له عليها ولا يحل له رؤيتها, وكذلك العيوب تحت الثياب فصار في هذا كمن لا يراها إلا في الجنون, فإنه لا يكاد يخفى على من يراها إلا أن يكون غائبا وأما الرجوع بالمهر فإنه لسبب آخر, فيكون بمنزلة ما لو وهبته إياه بخلاف الموهوبة.

 فصل: 

إذا طلقها قبل الدخول ثم علم أنه كان بها عيب, فعليه نصف الصداق ولا يرجع به لأنه رضي بالتزام نصف الصداق فلم يرجع على أحد وإن ماتت أو مات قبل العلم بالعيب, فلها الصداق كاملا ولا يرجع على أحد لأن سبب الرجوع الفسخ ولم يوجد, وهاهنا استقر الصداق بالموت فلا يرجع به.

 مسألة: 

قال: ولا سكنى لها ولا نفقة لأن السكنى والنفقة إنما تجب لمرأة لزوجها عليها الرجعة وإنما كان كذلك لأنها تبين بالفسخ, كما تبين بطلاق ثلاث ولا يستحق زوجها عليها رجعة فلم تجب لها سكنى ولا نفقة لقول رسول الله -ﷺ- لفاطمة بنت قيس: (( إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة )) رواه النسائي وهذا إذا كانت حائلا, فإن كانت حاملا فلها النفقة لأنها بائن من نكاح صحيح في حال حملها فكانت لها النفقة كالمطلقة ثلاثا والمختلعة وفي السكنى روايتان وقال القاضي: لا نفقة لها إن كانت حاملا, في أحد الوجهين لأنها بائن من نكاح فاسد وكذلك قال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين وفي الآخر: لها النفقة لأن النفقة للحمل, والحمل لاحق به وبنوه على أن النكاح فاسد وقد بينا صحته فيما مضى. فصل: وليس لولي الصغيرة والصغير وسيد الأمة تزويجهم ممن به أحد هذه العيوب لأنه ناظر لهم بما فيه الحظ, ولا حظ لهم في هذا العقد فإن زوجهم مع العلم بالعيب لم يصح النكاح لأنه عقد لهم عقدا لا يجوز عقده فلم يصح, كما لو باع عقاره لغير غبطة ولا حاجة وإن لم يعلم بالعيب صح كما لو اشترى لهم معيبا لا يعلم عيبه, ويجب عليه الفسخ إذا علم لأن عليه النظر لهم بما فيه الحظ والحظ في الفسخ ويحتمل أن لا يصح النكاح لأنه زوجهم ممن لا يملك تزويجهم إياه فلم يصح, كما لو زوجهم ممن يحرم عليهم.

 فصل: 

وليس له تزويج كبيرة بمعيب بغير رضاها بغير خلاف نعلمه لأنها تملك الفسخ إذا علمت به بعد العقد فالامتناع أولى وإن أرادت أن تتزوج معيبا فله منعها, في أحد الوجهين قال أحمد ما يعجبني أن يزوجها بعنين وإن رضيت الساعة تكرهه إذا دخلت عليه لأن من شأنهن النكاح ويعجبهن من ذلك ما يعجبنا وذلك لأن الضرر في هذا دائم, والرضى غير موثوق بدوامه ولا يتمكن من التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد وربما أفضى إلى الشقاق والعداوة, فيتضرر وليها وأهلها فملك الولي منعها كما لو أرادت نكاح من ليس بكفء والثاني, ليس له منعها لأن الحق لها وقال القاضي: له منعها من نكاح المجنون وليس له منعها من نكاح المجبوب والعنين لأن ضررهما عليها خاصة وفي الأبرص والمجذوم وجهان أحدهما لا يملك منعها لأن الحق لها, والضرر عليها فأشبها المجبوب والعنين والثاني له منعها لأن عليه ضررا منه, فإنه يعير به ويخشى تعديه إلى الولد فأشبه التزويج بمن لا يكافئها وهذا مذهب الشافعي والأولى أن له منعها في جميع الصور لأن عليها فيه ضررا دائما, وعارا عليها وعلى أهلها فملك منعها منه كالتزويج بغير كفء فأما إن اتفقا على ذلك, ورضيا به جاز وصح النكاح لأن الحق لهما, ولا يخرج عنهما ويكره لهما ذلك لما ذكره الإمام أبو عبد الله من أنها وإن رضيت الآن تكرهه فيما بعد ويحتمل أن يملك سائر الأولياء الاعتراض عليها ومنعها من هذا التزويج لأن العار يلحقهم, وينالهم الضرر فأشبه ما لو زوجها بغير كفء فأما إن حدث العيب بالزوج ورضيته المرأة, لم يملك وليها إجبارها على الفسخ لأن حقه في ابتداء العقد لا في دوامه ولهذا لو دعت وليها إلى تزويجها بعبد لم يلزمه إجابتها ولو عتقت تحت عبد, لم يملك إجبارها على الفسخ.

 مسألة: 

قال: وإذا عتقت الأمة وزوجها عبد فلها الخيار في فسخ النكاح أجمع أهل العلم على هذا, ذكره ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما والأصل فيه خبر بريرة, قالت عائشة: (( كاتبت بريرة فخيرها رسول الله -ﷺ- في زوجها وكان عبدا, فاختارت نفسها )) قال عروة: ولو كان حراما ما خيرها رسول الله -ﷺ- رواه مالك في " الموطأ " وأبو داود, والنسائي ولأن عليها ضررا في كونها حرة تحت عبد فكان لها الخيار كما لو تزوج حرة على أنه حر, فبان عبدا فإن اختارت الفسخ فلها فراقه وإن رضيت المقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك لأنها أسقطت حقها وهذا مما لا خلاف فيه بحمد الله تعالى.

 فصل: 

وإن عتقت تحت حر, فلا خيار لها وهذا قول ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب, والحسن وعطاء وسليمان بن يسار, وأبي قلابة وابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي, والشافعي وإسحاق وقال طاوس وابن سيرين, ومجاهد والنخعي وحماد بن أبي سليمان, والثوري وأصحاب الرأي: لها الخيار لما روى الأسود عن عائشة أن النبي -ﷺ- (( خير بريرة, وكان زوجها حرا )) رواه النسائي ولأنها كملت بالحرية فكان لها الخيار كما لو كان زوجها عبدا ولنا, أنها كافأت زوجها في الكمال فلم يثبت لها الخيار كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم فأما خبر الأسود عن عائشة, فقد روي عنها القاسم بن محمد وعروة أن زوج بريرة كان عبدا وهما أخص بها من الأسود لأنهما ابن أخيها وابن أختها وقد روى الأعمش عن إبراهيم, عن الأسود عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدا فتعارضت روايتاه وقال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدا أسود لبني المغيرة, يقال له: مغيث رواه البخاري وغيره وقالت صفية بنت أبي عبيد: كان زوج بريرة عبدا أسود قال أحمد هذا ابن عباس وعائشة قالا في زوج بريرة: إنه عبد رواية علماء المدينة وعملهم وإذا روى أهل المدينة حديثا وعملوا به, فهو أصح شيء وإنما يصح أنه حر عن الأسود وحده فأما غيره فليس بذاك قال: والعقد صحيح, فلا يفسخ بالمختلف فيه والحر فيه اختلاف والعبد لا اختلاف فيه, ويخالف الحر العبد لأن العبد ناقص فإذا كملت تحته تضررت ببقائها عنده بخلاف الحر.

 فصل: 

وفرقة الخيار فسخ, لا ينقص بها عدد الطلاق نص عليه أحمد ولا أعلم فيه خلافا قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقا؟ قال: لأن الطلاق ما تكلم به الرجل ولأنها فرقة لاختيار المرأة فكانت فسخا كالفسخ لعنته أو عتهه.

 فصل: 

فإن أعتق العبد والأمة دفعة واحدة, فلا خيار لها والنكاح بحاله سواء أعتقهما رجل واحد أو رجلان نص عليه أحمد وعنه: لها الخيار والأول أولى لأن الحرية الطارئة بعد عتقها تمنع الفسخ, فالمقارنة أولى كإسلام الزوجين وعن أحمد: إن عتقا معا انفسخ النكاح ومعناه - والله أعلم - أنه إذا وهب لعبده سرية وأذن له في التسري بها, ثم أعتقهما جميعا صارا حرين وخرجت عن ملك العبد, فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد هكذا روى جماعة من أصحابه في من وهب لعبده سرية أو اشترى له سرية, ثم أعتقهما لا يقربها إلا بنكاح جديد واحتج أحمد على ذلك بما روى نافع, عن ابن عمر أن عبدا له كان له سريتان فأعتقهما وأعتقه, فنهاه أن يقربهما إلا بنكاح جديد ولأنها بإعتاقها خرجت عن أن تكون مملوكة فلم يبح له التسري بها كالحرة الأصلية وأما إذا كانت امرأته, فعتقا لم ينفسخ نكاحه بذلك لأنه إذا لم ينفسخ بإعتاقها وحدها فلأن لا ينفسخ بإعتاقهما معا أولى ويحتمل أن أحمد إنما أراد بقوله: انفسخ نكاحهما أن لها فسخ النكاح وهذا تخريج على الرواية التي تقول بأن لها الفسخ إذا كان زوجها حرا قبل العتق.

 فصل: 

ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما, البداية بالرجل لئلا يثبت للمرأة خيار عليه فيفسخ نكاحه وقد روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن عائشة, أنه (( كان لها غلام وجارية فتزوجا فقالت للنبي -ﷺ-: إني أريد أن أعتقهما فقال لها: فابدئى بالرجل قبل المرأة )) وعن صفية بنت أبي عبيد, أنها فعلت ذلك وقالت للرجل: إني بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار.

 فصل: 

إذا عتقت المجنونة والصغيرة فلا خيار لهما في الحال لأنه لا عقل لهما, ولا قول معتبر ولا يملك وليهما الاختيار عنهما لأن هذا طريقه الشهوة فلا يدخل تحت الولاية كالاقتصاص فإذا بلغت الصغيرة, وعقلت المجنونة فلهما الخيار حينئذ لكونهما صارتا على صفة لكل منهما حكم وهذا الحكم فيما لو كان بزوجيهما عيب يوجب الفسخ, فإن كان زوجاهما قد وطئاهما فظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار لهما لأن مدة الخيار انقضت وعلى قول القاضي وأصحابه: لهما الخيار لأنه لا رأى لهما, فلا يكون تمكينهما من الوطء دليلا على الرضى بخلاف الكبيرة العاقلة ولا يمنع زوجاهما من وطئهما. مسألة: قال: فإن كانت لنفسين, فأعتق أحدهما فلا خيار لها إذا كان المعتق معسرا إنما شرط الإعسار في المعتق لأن الموسر يسرى عتقه إلى جميعها, فتصير حرة ويثبت لها الخيار والمعسر لا يسرى عتقه, بل يعتق منها ما أعتق وباقيها رقيق فلا تكمل حريتها, فلا يثبت لها الخيار حينئذ وهذا قول الشافعي وعن أحمد أن لها الخيار حكاها أبو بكر واختارها لأنها أكمل منه, فإنها ترث وتورث وتحجب بقدر ما فيها من الحرية ووجه قول الخرقي, أنه لا نص في المعتق بعضها ولا هي في معنى الحرة الكاملة لأنها كاملة الأحكام وأيضا ما علل به أحمد وهو أن العقد صحيح, فلا يفسخ بالمختلف فيه وهذه مختلف فيها. مسألة: قال: فإن اختارت المقام معه قبل الدخول أو بعده, فالمهر للسيد وإن اختارت فراقه قبل الدخول فلا مهر لها, وإن اختارته بعد الدخول فالمهر للسيد وجملته أن المعتقة إن اختارت المقام مع زوجها قبل الدخول أو بعده أو اختارت الفسخ بعد الدخول فالمهر واجب لأنه واجب بالعقد, فإذا اختارت المقام فلم يوجد له مسقط وإن فسخت بعد الدخول, فقد استقر بالدخول فلم يسقط بشيء وهو للسيد في الحالين لأنه وجب بالعقد في ملكه, والواجب المسمى في الحالين سواء كان الدخول قبل العتق أو بعده وقال أصحاب الشافعي: إن كان الدخول قبل العتق فالواجب المسمى, وإن كان بعده فالواجب مهر المثل لأن الفسخ استند إلى حالة العتق فصار الوطء في نكاح فاسد ولنا, أنه عقد صحيح فيه مسمى صحيح اتصل به الدخول قبل الفسخ, فأوجب المسمى كما لو لم يفسخ ولأنه لو وجب بالوطء بعد الفسخ, لكان المهر لها لأنها حرة حينئذ وقولهم: إن الوطء في نكاح فاسد غير صحيح فإنه كان صحيحا ولم يوجد ما يفسده ويثبت فيه أحكام الوطء في النكاح الصحيح, من الإحلال للزوج الأول والإحصان وكونه حلالا وأما إن اختارت الفسخ قبل الدخول, فلا مهر لها نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وعن أحمد رواية أخرى للسيد نصف المهر لأنه وجب للسيد, فلا يسقط بفعل غيره ولنا أن الفرقة جاءت من قبلها فسقط مهرها, كما لو أسلمت أو ارتدت أو أرضعت من يفسخ نكاحها رضاعه وقوله: وجب للسيد قلنا: لكن بواسطتها ولهذا سقط نصفه بفسخها, وجميعه بإسلامها وردتها.

 فصل: 

ولو كانت مفوضة ففرض لها مهر المثل فهو للسيد أيضا لأنه وجب بالعقد في ملكه لا بالفرض وكذلك لو مات أحدهما, وجب والموت لا يوجب فدل على أنه وجب بالعقد وإن كان الفسخ قبل الدخول والفرض, فلا شيء إلا على الرواية الأخرى ينبغي أن تجب المتعة لأنها تجب بالفرقة قبل الدخول في موضع لو كان مسمى وجب نصفه.

 فصل: 

فإن طلقها طلاقا بائنا, ثم أعتقت فلا خيار لها لأن الفسخ إنما يكون في نكاح ولا نكاح ها هنا وإن كان رجعيا, فلها الخيار في العدة لأن نكاحها باق فيمكن فسخه ولها في الفسخ فائدة لأنها لا تأمن رجعته لها في آخر عدتها, فتحتاج إلى استئناف عدة أخرى إذا فسخت فإذا فسخت انقطعت الرجعة وثبتت على ما مضى من عدة الطلاق, ولا تحتاج إلى استئناف عدة لأنها معتدة من الطلاق إذا لم يفسخ فإن قيل: فيفسخ حينئذ؟ قلنا: إذا تحتاج إلى عدة أخرى وإذا فسخت في عدتها ثبتت على ما مضى من عدتها ولم تحتج إلى عدة أخرى لأنها معتدة من الطلاق, والفسخ لا ينافيها ولا يقطعها فهو كما لو طلقها طلقة أخرى وينبني على عدة حرة لأنها عتقت في أثناء العدة وهي رجعية فإن اختارت المقام, بطل خيارها وقال الشافعي: لا يبطل لأنها اختارت المقام مع جريانها إلى البينونة وذلك ينافى اختيار المقام ولنا أنها حالة يصح فيها اختيار الفسخ, فصح اختيار المقام كصلب النكاح وإن لم تختر شيئا لم يسقط خيارها لأنه على التراخي, ولأن سكوتها لا يدل على رضاها لاحتمال أنه كان لجريانها إلى البينونة اكتفاء منها بذلك فإن ارتجعها فلها الفسخ حينئذ, فإن فسخت ثم عاد فتزوجها بقيت معه بطلقة واحدة لأن طلاق العبد اثنتان وإن تزوجها بعد أن أعتق, رجعت معه على طلقتين لأنه صار حرا فملك ثلاث طلقات كسائر الأحرار.

 فصل: 

فإن طلقها بعد عتقها, وقبل اختيارها أو طلق الصغيرة والمجنونة بعد العتق وقع طلاقه, وبطل خيارها لأنه طلاق من زوج جائز التصرف في نكاح صحيح فنفذ كما لو لم يعتق وقال القاضي: طلاقه موقوف فإن اختارت الفسخ لم يقع الطلاق لأن طلاقه يتضمن إبطال حقها من الخيار, وإن لم تختر وقع وللشافعي قولان كهذين الوجهين وبنوا عدم الوقوع على أن الفسخ استند إلى حالة العتق فيكون الطلاق واقعا في نكاح مفسوخ ولنا, أنه طلاق من زوج مكلف مختار في نكاح صحيح فوقع, كما لو طلقها قبل عتقها أو كما لو لم تختر وقد ذكرنا أن الفسخ يوجب الفرقة من حينه, ولا يجوز تقديم الفرقة عليه إذ الحكم لا يتقدم سببه ولأن العدة تبتدأ من حين الفسخ, لا من حين العتق وما سبقه من الوطء وطء في نكاح صحيح يثبت الإحصان والإحلال للزوج الأول, ولو كان الفسخ سابقا عليه لانعكست الحال وقول القاضي: إنه يبطل حقها من الفسخ غير صحيح فإن الطلاق يحصل به مقصود الفسخ مع زيادة وجوب نصف المهر وتقصير العدة عليها, فإن ابتداءها من حين طلاقه لا من حين فسخه ثم لو كان مبطلا لحقها, لم يقع وإن لم تختر الفسخ كما لم يصح تصرف المشترى في المبيع في مدة الخيار سواء فسخ البائع أو لم يفسخ وهذا فيما إذا كان الطلاق بائنا, فإن كان رجعيا لم يسقط خيارها على ما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا, فعلى قولهم: إذا طلقها قبل الدخول ثم اختارت الفسخ سقط مهرها لأنها بانت بالفسخ, وإن لم يفسخ فلها نصف الصداق لأنها بانت بالطلاق وهكذا لو ارتدت أو أسلمت الكافرة.

 فصل: 

وللمعتقة الفسخ من غير حكم حاكم لأنه مجمع عليه غير مجتهد فيه, فلم يفتقر إلى حاكم كالرد بالعيب في المبيع بخلاف خيار العيب في النكاح, فإنه مجتهد فيه فافتقر إلى حكم الحاكم كالفسخ للإعسار.

 فصل: 

وإذا اختارت المعتقة الفراق, كان فسخا ليس بطلاق وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وذهب مالك, والأوزاعي والليث إلى أنه طلاق بائن قال مالك: إلا أن تطلق نفسها ثلاثا, فتطلق ثلاثا واحتج له بقصة زبراء حين طلقت نفسها ثلاثا فلم يبلغنا أن أحدا من الصحابة أنكر ذلك ولأنها تملك الفراق, فملكت الطلاق كالرجل ولنا قوله -ﷺ-: (( الطلاق لمن أخذ بالساق )) ولأنها فرقة من قبل الزوجة فكانت فسخا كما لو اختلف دينهما, أو أرضعت من يفسخ نكاحها برضاعه وفعل زبراء ليس بحجة ولم يثبت انتشاره في الصحابة فعلى هذا, لو قالت: اخترت نفسى أو فسخت النكاح انفسخ ولو قالت: طلقت نفسى ونوت المفارقة كان كناية عن الفسخ لأنه يؤدى معناه, فصار كناية عنه كالكناية بالفسخ عن الطلاق.

 فصل: 

وإن عتق زوج الأمة لم يثبت له خيار لأن عدم الكمال في الزوجة لا يؤثر في النكاح, ولذلك لا تعتبر الكفاءة إلا في الرجل دون المرأة ولو تزوج امرأة مطلقا فبانت أمة لم يثبت له خيار ولو تزوجت المرأة رجلا مطلقا, فبان عبدا كان لها الخيار وكذلك في الاستدامة لكن إن عتق ووجد الطول لحرة, فهل يبطل نكاحه؟ على وجهين تقدم ذكرهما.

 باب أجل العنين والخصيّ غير المجبوب: 

العنين: هو العاجز عن الإيلاج وهو مأخوذ من عن أي: اعترض لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه أي يعترض, والعنن الاعتراض وقيل: لأنه يعن لقبل المرأة عن يمينه وشماله فلا يقصده فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به ويستحق به فسخ النكاح, بعد أن تضرب له مدة يختبر فيها ويعلم حاله بها وهذا قول عمر وعثمان, وابن مسعود والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب, وعطاء وعمرو بن دينار والنخعي, وقتادة وحماد بن أبي سليمان وعليه فتوى فقهاء الأمصار منهم مالك, وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق, وأبو عبيد وشذ الحكم بن عيينة وداود فقالا: لا يؤجل, وهي امرأته وروى ذلك عن على رضي الله عنه لأن امرأة أتت النبي -ﷺ- فقالت: (( يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي, فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير وإنما له مثل هدبة الثوب فقال: تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقى عسيلته, ويذوق عسيلتك )) ولم يضرب له مدة ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه أجل العنين سنة وروى ذلك الدارقطني بإسناده عن عمر وابن مسعود, والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم ورواه أبو حفص عن على ولأنه عيب يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب في الرجل, والرتق في المرأة فأما الخبر فلا حجة لهم فيه فإن المدة إنما تضرب له مع اعترافه, وطلب المرأة ذلك ولم يوجد واحد منهما وقد روى أن الرجل أنكر ذلك وقال: إني لأعركها عرك الأديم وقال ابن عبد البر: وقد صح أن ذلك كان بعد طلاقه, فلا معنى لضرب المدة وصحح ذلك قول النبي -ﷺ-: ((تريدين أن ترجعى إلى رفاعة)) ولو كان قبل طلاقه لما كان ذلك إليها وقيل: إنها ذكرت ضعفه وشبهته بهدبة الثوب مبالغة ولذلك قال النبي -ﷺ-: ((حتى تذوقى عسيلته )) والعاجز عن الوطء لا يحصل منه ذلك. مسألة: قال: وإذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها, أجل سنة منذ ترافعه فإن لم يصبها فيها خيرت في المقام معه أو فراقه, فإن اختارت فراقه كان ذلك فسخا بلا طلاق وجملة ذلك أن المرأة إذا ادعت عجز زوجها عن وطئها لعنة سئل عن ذلك فإن أنكر والمرأة عذراء, فالقول قولها وإن كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه في ظاهر المذهب لأن هذا أمر لا يعلم إلا من جهته, والأصل السلامة وقال القاضي: هل يستحلف أو لا؟ على وجهين بناء على دعوى الطلاق فإن أقر بالعجز أو ثبت ببينة على إقراره به, أو أنكر وطلبت يمينه فنكل ثبت عجزه ويؤجل سنة في قول عامة أهل العلم وعن الحارث بن ربيعة, أنه أجل عشرة أشهر ولنا قول من سمينا من الصحابة ولأن هذا العجز قد يكون لعنة وقد يكون لمرض, فضربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة, وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال فإذا مضت الفصول الأربعة واختلفت عليه الأهوية فلم تزل علم أنه خلقة وحكي عن أبي عبيد, أنه قال: أهل الطب يقولون: الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة ثم يظهر وابتداء السنة منذ ترافعه قال ابن عبد البر: على هذا جماعة القائلين بتأجيله قال معمر في حديث عمر: يؤجل سنة: من يوم مرافعته فإذا انقضت المدة فلم يطأ, فلها الخيار فإن اختارت الفسخ لم يجز إلا بحكم حاكم لأنه مختلف فيه, فإما أن يفسخ وإما أن يرده إليها فتفسخ هي في قول عامة القائلين به ولا يفسخ حتى تختار الفسخ وتطلبه لأنه لحقها فلا تجبر على استيفائه, كالفسخ للإعسار فإذا فسخ فهو فسخ وليس بطلاق وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك والثوري يفرق الحاكم بينهما, وتكون تطليقة لأنه فرقة لعدم الوطء فكانت طلاقا كفرقة المولى ولنا, أن هذا خيار ثبت لأجل العيب فكان فسخا كفسخ المشترى لأجل العيب.

 فصل: 

فإن اتفقا بعد الفرقة على الرجعة, لم يجز إلا بنكاح جديد لأنها قد بانت عنه وانفسخ النكاح فإذا تزوجها كانت عنده على طلاق ثلاث نص عليه أحمد وذكر أبو بكر فيها قولا ثانيا أنهما لا يجتمعان أبدا لأنها فرقة تتعلق بحكم الحاكم, فحرمت النكاح كفرقة اللعان والمذهب أنها تحل له لأنها فرقة لأجل العيب فلم تمنع النكاح, كفرقة المعتقة والفرقة في سائر العيوب وأما فرقة اللعان فإنها حصلت بلعانهما قبل تفريق الحاكم وهاهنا بخلافه, ولأن اللعان يحرم المقام على النكاح فمنع ابتداءه ويوجب الفرقة, فمنع الاجتماع وهاهنا بخلافه ولو رضيت المرأة بالمقام أو لم تطلب الفسخ, لم يجز الفسخ فكيف يصح القياس مع هذه الفروق؟.

 فصل: 

فأما الخصى فإن الخرقي ذكره في ترجمة الباب, ولم يفرده بحكم فظاهر كلامه أنه ألحقه بغيره في أنه متى لم يصل إليها أجل, وإن وصل إليها فلا خيار لها لأن الوطء ممكن والاستمتاع حاصل بوطئه وقد قيل: إن وطأه أكثر من وطء غيره لأنه لا ينزل فيفتر بالإنزال وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في ذلك فيما مضى ولا فرق بين من قطعت خصيتاه والموجور, وهو الذي رضت خصيتاه والمسلول الذي سلت خصيتاه فإن الحكم في الجميع واحد فإنه لا ينزل, ولا يولد له.

 مسألة: 

قال: وإن علمت أنه عنين بعد الدخول فسكتت عن المطالبة ثم طالبت بعد, فلها ذلك ويؤجل سنة من يوم ترافعه لا نعلم في هذا اختلافا وذلك لأن سكوتها بعد العقد ليس بدليل على الرضى لأنه زمن لا تملك فيه الفسخ ولا الامتناع من استمتاعه, فلم يكن سكوتها مسقطا لحقها كسكوتها بعد ضرب المدة وقبل انقضائها ولو سكتت بعد المدة لم يبطل خيارها أيضا لأن الخيار لا يثبت إلا بعد رفعه إلى الحاكم, وثبوت عجزه فلا يضر السكوت قبله.

 مسألة: 

قال: وإن اعترفت أنه قد وصل إليها مرة بطل أن يكون عنينا أكثر أهل العلم على هذا, يقولون: متى وطىء امرأته مرة ثم ادعت عجزه لم تسمع دعواها, ولم تضرب له مدة منهم عطاء وطاوس, والحسن ويحيى الأنصاري والزهري, وعمرو بن دينار وقتادة وابن هاشم, ومالك والأوزاعي والشافعي, وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال أبو ثور: إن عجز عن وطئها أجل لها لأنه عجز عن وطئها, فثبت حقها كما لو جب بعد الوطء ولنا أنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح, وزوال عنته فلم تضرب له مدة كما لو لم يعجز, ولأن حقوق الزوجية من استقرار المهر والعدة تثبت بوطء واحد, وقد وجد وأما الجب فإنه يتحقق به العجز فافترقا.

 فصل: 

والوطء الذي يخرج به عن العنة هو تغييب الحشفة في الفرج لأن الأحكام المتعلقة بالوطء تتعلق بتغييب الحشفة, فكان وطئا صحيحا فإن كان الذكر مقطوع الحشفة ففيه وجهان أحدهما, لا يخرج عن العنة إلا بتغييب جميع الباقي لأنه لا حد ها هنا يمكن اعتباره فاعتبر تغييب جميعه لأنه المعنى الذي يتحقق به حصول حكم الوطء والثاني يعتبر تغييب قدر الحشفة, ليكون ما يجزئ من المقطوع مثل ما يجزئ من الصحيح وللشافعي قولان كهذين.

 فصل: 

ولا يخرج عن العنة بالوطء في الدبر لأنه ليس بمحل للوطء فأشبه الوطء فيما دون الفرج ولذلك لا يتعلق به الإحلال للزوج الأول, ولا الإحصان وإن وطئها في القبل حائضا أو نفساء أو محرمة, أو صائمة خرج عن العنة وذكر القاضي أن قياس المذهب أن لا يخرج من العنة لنص أحمد على أنه لا يحصل به الإحصان والإباحة للزوج الأول ولأنه وطء محرم, أشبه الوطء في الدبر ولنا أنه وطء في محل الوطء فخرج به عن العنة, كما لو وطئها وهي مريضة يضرها الوطء ولأن العنة العجز عن الوطء ولا يبقى مع وجود الوطء, فإن العجز ضد القدرة فلا يبقى مع وجود ضده وما ذكره غير صحيح لأن تلك أحكام يجوز أن تنتفى مع وجود سببها لمانع, أو لفوات شرط والعنة في نفسها أمر حقيقى لا يتصور بقاؤه مع انتفائه فأما الوطء في الدبر, فليس بوطء في محله بخلاف مسألتنا وقد اختار ابن عقيل أنه تنتفى به العنة لأنه أصعب فمن قدر عليه فهو على غيره أقدر.

 فصل: 

وإن وطئ امرأة, لم يخرج به عن العنة في حق غيرها واختار ابن عقيل أنه يخرج عن العنة في حق جميع النساء فلا تسمع دعواها عليه منها ولا من غيرها وهذا مقتضى قول أبي بكر وهو قول كل من قال: إنه يختبر بتزويج امرأة أخرى وحكي ذلك عن سمرة, وعمر بن عبد العزيز وذلك لأن العنة خلقة وجبلة لا تتغير بتغير النساء فإذا انتفت في حق امرأة لم تبق في حق غيرها ولنا, أن حكم كل امرأة معتبر بنفسها ولذلك لو ثبتت عنته في حقهن فرضي بعضهن, سقط حقها وحدها دون الباقيات ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن وطئها وهو ثابت في حقها لا يزول بوطء غيرها وقوله: كيف يصح عجزه عن واحدة دون أخرى؟ قلنا: قد تنهض شهوته في حق إحداهما, لفرط حبه إياها وميله إليها واختصاصها بجمال ونحوه دون الأخرى فعلى هذا, لو تزوج امرأة فأصابها ثم أبانها ثم تزوجها, فعن عنها فلها المطالبة لأنه إذا جاز أن يعن عن امرأة دون أخرى ففي نكاح دون نكاح أولى وعلى قول أبي بكر ومن وافقه: لا يصح هذا, بل متى وطئ مرة لم تثبت عنته أبدا.

 مسألة: 

قال: وإن جب قبل الحول فلها الخيار في وقتها كأن الخرقي أراد: إذا ضربت له المدة فلم يصبها حتى جب, ثبت لها الخيار في الحال لأننا ننتظر الحول لنعلم عجزه وقد علمناه ها هنا يقينا فلا حاجة إلى الانتظار قال القاضي: ويلزم على هذا أن سائر العيوب الحادثة بعد العقد, يثبت بها الخيار فإن الخيار ها هنا إنما ثبت بالجب الحادث ولولاه لم يثبت الفسخ لأننا لم نتيقن عنته والجب حادث, فلما ثبت الفسخ به علم أنه إنما استحق بالعيب الحادث وفي بعض النسخ: قبل الدخول ومعناهما واحد ويحتمل أنه إنما استحق الفسخ ها هنا بالجب الحادث لأنه متضمن مقصود العنة في العجز عن الوطء ومحقق للمعنى الذي ادعته المرأة, بخلاف غيره من العيوب والله أعلم.

 مسألة: 

قال: وإن زعم أنه قد وصل إليها وادعت أنها عذراء أريت النساء الثقات, فإن شهدن بما قالت أجل سنة وجملته أن المرأة إذا ادعت عنة زوجها فزعم أنه وطئها, وقالت: إنها عذراء أريت النساء فإن شهدن بعذرتها فالقول قولها, ويؤجل وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق, وأصحاب الرأي وإنما كان كذلك لأن الوطء يزيل عذرتها فوجودها يدل على عدم الوطء فإن ادعى أن عذرتها عادت بعد الوطء, فالقول قولها لأن هذا بعيد جدا وإن كان متصورا وهل تستحلف المرأة؟ يحتمل وجهين أحدهما تستحلف لإزالة هذا الاحتمال, كما يستحلف سائر من قلنا: القول قوله والآخر لا تستحلف لأن ما يبعد جدا لا التفات إليه كاحتمال كذب البينة العادلة, وكذب المقر في إقراره وهل يقبل قول امرأة واحدة؟ على روايتين وهذا الذي ذكره الخرقي فيما إذا اختلفا في ابتداء الأمر قبل ضرب الأجل فإن اختلفا في ذلك بعد ضرب المدة وشهد النساء بعذرتها, لم تنقطع المدة وإن كان بعد انقضاء المدة فحكمه حكم من اعترف أنه لم يطأها وفي كل موضع شهد النساء بزوال عذرتها فالقول قوله فيسقط حكم قولها لأنه تبين كذبها وإن ادعت أن عذرتها زالت بسبب آخر, فالقول قوله لأن الأصل عدم الأسباب.

 مسألة: 

قال: وإن كانت ثيبا وادعى أنه يصل إليها أخلى معها في بيت, وقيل له: أخرج ماءك على شيء فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن ذاب فهو مني, وبطل قولها وقد روي عن أبي عبد الله -رحمه الله- رواية أخرى أن القول قوله مع يمينه اختلفت الرواية عن أبي عبد الله, -رحمه الله- في هذه المسألة فحكى الخرقي فيها روايتين إحداهما, أنه يخلى معها ويقال له: أخرج ماءك على شيء فإن أخرجه فالقول قوله لأن العنين يضعف عن الإنزال, فإذا أنزل تبينا صدقه فنحكم به وهذا مذهب عطاء فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار, فإن ذاب فهو مني لأنه شبيه ببياض البيض وذاك إذا وضع على النار تجمع ويبس وهذا يذوب, فيتميز بذلك أحدهما من الآخر فيختبر به وعلى هذا متى عجز عن إخراج مائه, فالقول قول المرأة لأن الظاهر معها والرواية الثانية القول قول الرجل مع يمينه وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق, وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن هذا مما يتعذر إقامة البينة عليه وجنبته أقوى فإن في دعواه سلامة العقد, وسلامة نفسه من العيوب والأصل السلامة فكان القول قوله, كالمنكر في سائر الدعاوى وعليه اليمين على صحة ما قال وهذا قول من سمينا ها هنا لأن قوله محتمل للكذب فقوينا قوله بيمينه, كما في سائر الدعاوى التي يستحلف فيها فإن نكل قضي عليه بنكوله ويدل على وجوب اليمين عليه قول النبي -ﷺ-: (( ولكن اليمين على المدعى عليه )) قال القاضي: ويتخرج أن لا يستحلف, بناء على إنكاره دعوى الطلاق فإن فيها روايتين كذا ها هنا والصحيح ما قال الخرقي لدلالة الخبر والمعنى عليه وروي عن أحمد, رواية ثالثة أن القول قول المرأة مع يمينها حكاها القاضي في المجرد لأن الأصل عدم الإصابة فكان القول قولها, لأن قولها موافق للأصل واليقين معها وفي كل موضع حكمنا بوطئه بطل حكم عنته, فإن كان في ابتداء الأمر لم تضرب له مدة وإن كان بعد ضرب المدة انقطعت وإن كان بعد انقضائها, لم يثبت لها خيار وكل موضع حكمنا بعدم الوطء منه ثبت حكم عنته كما لو أقر بها واختار أبو بكر أنه يزوج امرأة لها حظ من الجمال, وتعطى صداقها من بيت المال ويخلى معها وتسأل عنه, ويؤخذ بما تقول فإن أخبرت أنه يطأ كذبت الأولى, والثانية بالخيار بين الإقامة والفسخ وصداقها من بيت المال وإن كذبته فرق بينه وبينهما وصداق الثانية من ماله ها هنا, لما روى أن امرأة جاءت إلى سمرة فشكت إليه أنه لا يصل إليها زوجها فكتب إلى معاوية, فكتب إليه أن زوجه بامرأة ذات جمال يذكر عنها الصلاح وسق إليها المهر من بيت المال عنه, فإن أصابها فقد كذبت وإن لم يصبها فقد صدقت ففعل ذلك سمرة فجاءت المرأة فقالت: ليس عنده شيء ففرق بينهما وقال الأوزاعي: يشهده امرأتان, ويترك بينهما ثوب ويجامع امرأته فإذا قام عنها نظرتا إلى فرجها, فإن كان فيه رطوبة الماء فقد صدق وإلا فلا وحكي عن مالك مثل ذلك إلا أنه اكتفى بواحدة والصحيح أن القول قوله, كما لو ادعى الوطء في الإيلاء ولما قدمنا واعتبار خروج الماء ضعيف لأنه قد يطأ ولا ينزل وقد ينزل من غير وطء, فإن ضعف الذكر لا يمنع سلامة الظهر ونزول الماء وقد يعجز السليم القادر عن الوطء في بعض الأحوال وليس كل من عجز عن الوطء في حال من الأحوال, أو وقت من الأوقات يكون عنينا ولذلك جعلنا مدته سنة, وتزويجه بامرأة ثانية لا يصح لذلك أيضا ولأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى, ولأن نكاح الثانية إن كان مؤقتا أو غير لازم فهو نكاح باطل والوطء فيه حرام, وإن كان صحيحا لازما ففيه إضرار بالثانية ولا ينبغي أن يقبل قولها لأنها تريد بذلك تخليص نفسها, فهي متهمة فيه وليست بأحق أن يقبل قولها من الأولى ولأن الرجل لو أقر بالعجز عن الوطء في يوم أو شهر, لم تثبت عنته بذلك وأكثر ما في الذي ذكروه أن يثبت عجزه عن الوطء في اليوم الذي اختبروه فيه, فإذا لم يثبت حكم عنته بإقراره بعجزه فلأن لا تثبت بدعوى غيره ذلك عليه أولى.

 مسألة: 

قال: وإذا قال الخنثى المشكل: أنا رجل لم يمنع من نكاح النساء ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد, وكذلك لو سبق فقال: أنا امرأة لم ينكح إلا رجلا الخنثى: هو الذي له في قبله فرجان ذكر رجل وفرج امرأة ولا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى, قال الله تعالى: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} وقال تعالى { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} فليس ثم خلق ثالث ولا يخلو الخنثى من أن يكون مشكلا أو غير مشكل فإن لم يكن مشكلا بأن تظهر فيه علامات الرجال, فهو رجل له أحكام الرجال أو تظهر فيه علامات النساء فهو امرأة له أحكامهن وإن كان مشكلا, فلم تظهر فيه علامات الرجال ولا النساء فاختلف أصحابنا في نكاحه فذكر الخرقي أنه يرجع إلى قوله, فإن ذكر أنه رجل وأنه يميل طبعه إلى نكاح النساء فله نكاحهن وإن ذكر أنه امرأة, يميل طبعه إلى الرجال زوج رجلا لأنه معنى لا يتوصل إليه إلا من جهته وليس فيه إيجاب حق على غيره, فقبل قوله فيه كما يقبل قول المرأة في حيضها وعدتها وقد يعرف نفسه بميل طبعه إلى أحد الصنفين وشهوته له فإن الله تعالى أجرى العادة في الحيوانات بميل الذكر إلى الأنثى وميلها إليه, وهذا الميل أمر في النفس والشهوة لا يطلع عليه غيره وقد تعذرت علينا معرفة علاماته الظاهرة فرجع فيه إلى الأمور الباطنة, فيما يختص هو بحكمه وأما الميراث والدية فإن أقر على نفسه بما يقلل ميراثه أو ديته قبل منه, وإن ادعى ما يزيد ذلك لم يقبل لأنه متهم فيه فلا يقبل قوله على غيره وما كان من عباداته وسترته وغير ذلك, فينبغي أن يقبل قوله فيه لأنه حكم بينه وبين الله تعالى قال القاضي: ويقبل قوله في الإمامة وولاية النكاح وما لا يثبت حقا على غيره وإذا زوج امرأة أو رجلا, ثم عاد فقال خلاف قوله الأول لم يقبل قوله في التزويج بغير الجنس الذي زوجه أولا لأنه مكذب لنفسه ومدع ما يوجب الجمع بين تزويج الرجال والنساء, لكن إن تزوج امرأة ثم قال: أنا امرأة انفسخ نكاحه لإقراره ببطلانه, ولا يقبل قوله في سقوط المهر عنه وإن تزوج رجلا ثم قال: أنا رجل لم يقبل قوله في فسخ نكاحه لأن الحق عليه وهذا قول الشافعي وقال أبو بكر: لا يجوز أن يتزوج حتى يبين أمره وذكره نصا عن أحمد في رواية الميموني وهذا الذي ذكره أبو إسحاق مذهب للشافعي وذلك لأنه لم يتحقق وجود ما يبيح له النكاح فلم يبح له كما لو اشتبهت عليه أخته بنسوة, وكما لو لم يقل: إني رجل ولا امرأة ولأن قوله لا يرجع إليه في شيء من أحكامه من الميراث والدية وغيرهما فكذلك, في نكاحه ولأنه لا يعرف نفسه كما لا يعرفه غيره ولأنه قد اشتبه المباح بالمحظور في حقه, فحرم كما ذكرناه.

مسألة:[عدل]

قال: وإذا أصاب الرجل أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ بنكاح صحيح وليس واحد منهما بزائل العقل رجما إذا زنيا, والمسلم والكافر الحران فيما وصفت سواء ذكر الخرقي -رحمه الله- في هذا الباب شرائط الإحصان ونحن نؤخره إلى الحدود فإنه أخص به والله تعالى أعلم.